← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36580

فقه الصيام والحج من دليل الطالب

حمد الحمد

Полный текст (280 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الثالث طواف الإفاضة قال: [الثالث: طواف الإفاضة]، ويسمى بطواف الصدر، وطواف الزيارة. يسمى بطواف الإفاضة لأن الناس يفيضون من منى إلى مكة لفعله، وسمي بالصدر لأنهم يصدرون من منى لمكة لفعله، وسمي بالزيارة لأنهم يأتون من منى زائرين. قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، ولذا فهو ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلى به. قال: [وأول وقته من نصف ليلة النحر] في المشهور في مذهب أحمد والشافعي [لمن وقف، وإلا فبعد الوقوف] لو أنه لم يقف إلا في الساعة الثانية ليلة النحر فإنه يجزئه الوقوف كما تقدم. طاف والناس في مزدلفة في الساعة الثانية ليلاً وقد وقف بعرفة فإنه يجزئه ذلك، لكن لا يجزئه أن يشرع بالطواف قبل الوقوف بعرفة، لأن الطواف لا يصح إلا بعد الوقوف بعرفة، ولذا قال هنا: (وإلا فبعد الوقوف)، يعني: هذا لمن وقف وإلا فبعد الوقوف. فأول وقته من نصف الليل، فإذا طاف قبل الفجر ليلة النحر أجزأه ذلك، هذا في المشهور في المذهب، واستدلوا بحديث أم سلمة أنها أفاضت بعد نصف الليل. ومن أهل العلم من يرى أنه لا يصح إلا يوم النحر، والذي يترجح هو هذا، لكن من أخذ بالمذهب فلا بأس بذلك، فيكون بعد نصف ليلة النحر. قال: [ولا حد لآخره]، هذا رجل ذهب إلى مكة ووقف بعرفة وبات بمزدلفة ثم رمى الجمرة مثلاً وسافر إلى أهله، وجاء بعد ستة أشهر أو بعد سنة وطاف طواف الإفاضة فإنه يجزئه ذلك، قالوا: ما دام حياً، فلا حد لآخره؛ لأن الشرع لم يحدد له آخراً، لا في شهر ذي الحجة ولا في أيام التشريق، بل لا حد لآخره، وهذا هو قول الجمهور.

стр. 212

الرابع السعي بين الصفا والمروة ثم قال: [الرابع: السعي بين الصفا والمروة] المفرد عليه سعي واحد، والقارن عليه سعي واحد، والمتمتع عليه سعيان، سعي لعمرته وسعي لحجه، وعلى ذلك فالمفرد إذا كان قد سعى بعد طوافه للقدوم، وكذلك القارن إذا كان سعى بعد طوافه للقدوم أجزأه ذلك، وبقي عليه طواف الإفاضة. وأما المتمتع فإذا طاف وسعى لعمرته فعليه سعي لحجه بعد ذلك، ولذا قال ابن عباس: (أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج الحديث، وفيه: فإذا طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي). إذاً: المتمتع عليه سعيان: سعي لعمرته وسعي لحجه، وأما المفرد والقارن فعليها سعي واحد، فإذا سعى يوم قدومه مع الطواف كفى، وعليه طواف إفاضة، وإذا لم يسع واكتفى بطواف القدوم فعليه السعي.

стр. 213

واجبات الحج

стр. 214

الأول الإحرام من الميقات قال: [وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات]. أي: فلابد أن يحرم من الميقات، ولو أحرم بعده أجزأه الحج لكن يكون تاركاً للواجب. لو أحرم من مكة فإنه يصح حجه، لكنه يكون تاركاً للواجب وهو الإحرام من الميقات؛ لأن عندنا أصل الإحرام ركن، وأما كون الإحرام يكون من الميقات فهو واجب، فالذي يحرم ولو بعد الميقات يكون قد فعل الركن، وحجه صحيح، لكن عليه دم؛ لأنه ترك الإحرام من الميقات.

стр. 215

الثاني الوقوف إلى الغروب لمن وقف نهاراً قال: [والوقوف إلى الغروب لمن وقف نهاراً]. الذي يقف بعرفة في النهار يجب أن يقف حتى تغرب الشمس، فلو دفع قبل غروب الشمس أجزأه الحج، لكنه يكون قد ترك الواجب، وهو الوقوف إلى غروب الشمس، وعلى ذلك فعليه دم.

стр. 216

الثالث المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل قال: [والمبيت ليلة النحر بمزدلفة إلى بعد نصف الليل]. يجب عليه أن يبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل، فليس له أن يدفع من مزدلفة قبل نصف الليل، أما الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل للأقوياء والضعفة فهو المشهور في المذهب، ومذهب الشافعية، ومن أهل العلم من يقول: لا يدفع إذا كان قوياً حتى يطلع الفجر، وهذا أقوى من جهة الدليل.

стр. 217

الرابع المبيت بمنى ليالي التشريق قال: [والمبيت بمنى ليالي التشريق]. ليالي التشريق هي ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر لمن تأخر، أما الذي لم يتأخر فيتعجل فيبيت ليلتين: ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر، أما المبيت ليلة عرفة بمنى فهو سنة، والمبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر واجب.

стр. 218

الخامس رمي الجمار مرتباً قال: [ورمي الجمار مرتباً]. فيرمي أولاً الجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم يرمي ثانياً الجمرة الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة ثالثاً، لابد من الترتيب.

стр. 219

السادس الحلق أو التقصير [والحلق أو التقصير]. فيجب أن يحلق رأسه أو أن يقصر منه كله، فلابد أن يعم التقصير الشعر كله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧].

стр. 220

السابع طواف الوداع [وطواف الوداع]. هذا واجب وليس بركن، وعلى ذلك فمن تركه صح حجه، لكن عليه الدم. وطواف الوداع لا يجلس بعده إلا أن يشتري شيئاً في طريقه، أو أن ينتظر رفيقه ونحو ذلك، أما أن ينام بعده في مكة أو يجلس للشراء ونحو ذلك، فهذا عليه أن يعيده. إذاً: الواجب السابع طواف الوداع، إلا أنه خفف عن الحائض كما في البخاري، فالحائض لا يجب عليها هذا الطواف.

стр. 221

أركان العمرة وواجباتها قال: [وأركان العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي]. هذه أركان العمرة، فالإحرام يعني نية الدخول في العمرة، والثاني: الطواف، أي: طواف العمرة، والثالث: السعي. [وواجباتها شيئان: الإحرام بها من الحل]. إذا كان في مكة فلابد أن يخرج إلى الحل، أما الحج فيحرم به من مكانه وتقدم، وإذا كان في طريقه ميقات فلابد أن يحرم من الميقات، وإذا لم يكن في طريقه ميقات فمن حيث أنشأ، كما تقدم شرحه. قال: [والحلق والتقصير]، وأما طواف الوداع فهو سنة في المشهور، وهو قول أكثر أهل العلم، أعني أنه لا يجب في العمرة، ولذا لم يصح أن النبي ﷺ أمر به أصحابه في عُمَرِهِِ كلها، وإنما أمر به في الحج، فطواف الوداع سنة في العمرة. وبعض أهل العلم يرى أن طواف الوداع واجب في العمرة، لكنه يقول: إذا خرج مباشرة فلا شيء عليه؛ لأن آخر عهده بالبيت، أي أنه طاف وسعى ومشى. وأما الذي يمكث فيرون أنه يجب عليه طواف الوداع؛ لحديث: (اصنع بعمرتك ما أنت صانع في حجك). لكن الراجح ما ذهب إليه الأكثر وهم الجمهور في هذا؛ وذلك لما تقدم أن النبي ﷺ إنما أمر الناس في الحج أن يكون آخر عهدهم بالبيت كما في الصحيح، ولأن العمرة مناسكها كلها في البيت، بخلاف الحج فإنهم يتنقلون من منى إلى عرفة، فوجب عليهم أن يأتوا بهذا الطواف يودعون به البيت، لكن يستحب للمعتمر أن يودع البيت بالطواف.

стр. 222

مسنونات الحج ثم شرع في المسنونات، قال: [والمسنون كالمبيت بمنى ليلة عرفة] هذا سنة من السنن، فالمبيت بعرفة ليلة التاسع من السنة. قال: [وطواف القدوم]، هذا بالنسبة للقارن والمفرد من السنن. [والرمل في الثلاثة الأشواط الأول منه] يعني: في طواف القدوم، وطواف العمرة أيضاً، وهذا فعل الرجل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والمراد بالرمل هل هو الجري أم هو الهرولة؟ قال: [والاضطباع] يعني: الاضطباع في طواف القدوم وفي طواف العمرة للرجل، والاضطباع هو أن يضع وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، فيكون المنكب الأيمن مكشوفاً، ويضع طرفيه على العاتق الأيسر. قال: [وتجرد الرجل من المخيط عند الإحرام] يعني: عند إرادة الإحرام، فقبل أن يحرم يكون قد خلع ثيابه، هذا سنة، والواجب أنه إذا أحرم خلعه مباشرة، فلو قال: أنا أحب أن أخلع ثيابي بعد الإحرام مباشرة فلا بأس، يعني: أنه لما وصل الميقات نوى فقال: لبيك اللهم عمرة، ثم أخذ يطرح الثوب المخيط وبلبس الإزار والرداء فلا بأس بذلك، كما يكون هذا في الطائرة، فبعض الناس يأتيه الخبر وهو في الطائرة أنه قد حاذى الميقات فماذا يفعل؟ يقول: لبيك اللهم عمرة، ثم يخلع الثياب المفصلة على البدن ويلبس الإزار والرداء، فهذا لا بأس بهذا. قال: [ولبس إزار ورداء أبيضين] قال النبي ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض) ولو لبس غير الأبيض كالأخضر فلا بأس بذلك، ولذا طاف النبي ﷺ ببرد أخضر كما في النسائي. قال: [نظيفين] يعني: إما جديدين وإما غسيلين. قال: [والتلبية من حين الإحرام] يستحب أن يلبي من حين الإحرام؛ لفعله ﵊، ثم يستحب له أن يلبي كلما تجدد أمر، فإذا هبط وادياً لبى، وإذا علا وادياً لبى، وإذا التقى برفاقه لبى، ودبر الصلاة يلبي. قال: [إلى أول الرمي]، جاء في صحيح مسلم من حديث أم الحصين: (أن النبي ﵊ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة). فإذاً: يترك التلبية قبل أن يرمي مباشرة، لأنه يكبر مع كل حصاة فيقول: الله أكبر، الله أكبر، وعلى ذلك فيكون تركه للتلبية قبيل الرمي.

стр. 223

حكم من ترك ركناً أو واجباً أو مسنوناً ثم ذكر الحكم الذي يترتب على ما تقدم، فقال: [فمن ترك ركناً لم يتم حجه إلا به] فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، لكن من ترك الطواف فلا يتم حجه إلا به، والسعي لا يتم حجه إلا به. قال: [ومن ترك واجباً] ولو سهواً أو جهلاً [فعليه دم، وحجه صحيح]. لأثر ابن عباس ولا يعلم له مخالف، والأثر في البيهقي أنه قال: (من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليرق دماً). إذاً: إذا ترك واجباً فحجه صحيح لكن عليه الدم. قال: [ومن ترك مسنوناً فلا شيء عليه]. الذي يترك شيئاً من المسنونات لا شيء عليه، كمن ترك الاضطباع أو الرمل أو غير ذلك من السنن والمستحبات، ولو تركها جميعاً فلا شيء عليه. ونقف عند هذا القدر والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 224

دليل الطالب_ كتاب الحج [٧] الطواف والسعي من أركان الحج والعمرة، ولكل منهما شروط لا يصح إلا بها، وكذلك سنن يستحب الإتيان بها والمحافظة عليها ليكمل الأجر، ويسن الشرب من ماء زمزم والدعاء عند شربه، وكذلك زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه والصلاة في المسجد النبوي.

стр. 225

شروط الطواف

стр. 226

النية والإسلام والعقل والستر ودخول وقته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل]، وهذا الفصل في شروط الطواف. [وشروط صحة الطواف أحد عشر] هذه شروط صحة الطواف، وهي أحد عشر شرطاً. قال: [النية] هذا هو الشرط الأول، لقول النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فلابد من النية. قال: [والإسلام]، فلا يصح الطواف إلا من مسلم، لأن الكافر لا يصح عمله، ومن ذلك الطواف، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤]. قال: [والعقل]، فلا يصح الطواف من مجنون. قال: [ودخول وقته] وتقدم أن أول وقته في المذهب نصف ليلة النحر. قال: [وستر العورة]، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﵊ بعث منادياً في حجة أبي بكر بالناس: (ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان)، فلا بد من ستر العورة في الطواف. وهذه الشروط في كل طواف، في طواف الركن كطواف الإفاضة وطواف العمرة، وفي الطواف الواجب كطواف الوداع، وفي الطواف المستحب كطواف القدوم.

стр. 227

الطهارة من الخبث والحدث قال: [واجتناب النجاسة] يعني: في ثوبه وفي بدنه. [والطهارة من الحديث] يعني: الأكبر والأصغر. فلابد من الطهارة من الأحداث الأكبر منها والأصغر، ولابد من الطهارة من النجاسة في ثوبه وفي بدنه، هذا هو قول الجمهور، واستدلوا بقول النبي ﵊: (الطواف في البيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه) رواه الترمذي والنسائي. واستدلوا أيضاً بما ثبت في البخاري أن النبي ﵊ لما قدم مكة كان أول شيء بدأ فيه أن توضأ ثم طاف بالبيت، قالوا: وقد قال ﵊: (لتأخذوا عني مناسككم). والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب خلافاً للمشهور، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واختاره أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين وطائفة من أهل العلم، قالوا: إن الطواف ليس من شروطه الطهارة، وعلى ذلك لو طاف وهو محدث أجزأ ذلك. واستدلوا بالأصل، فإن الأصل صحة الطواف، والأصل -أيضاً- براءة الذمة من الشروط. قالوا: وأما حديث: (الطواف بالبيت صلاة) فإنه كقوله ﵊: (فإن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة﴾ يعني: هو مأمور بالسمت والسكينة والوقار، كالذي يكون في طريقه إلى المسجد، وكالذي ينتظر الصلاة، قالوا: ويدل على ذلك أن الشخص في طوافه لا ينهى عن الكلام وينهى عنه في الصلاة، ولا ينهى عن الشرب وينهى عنه في الصلاة، ولا يؤمر باستقبال البيت ويؤمر باستقباله في الصلاة، إلى غير ذلك من الأحكام، قالوا: فدل على أنه كقوله ﵊: (فإن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة، فلا يشبكن) في بعض الأحاديث. وأما ما استدلوا به من أن النبي ﵊ توضأ فنقول: هذا فعل، والفعل عند أهل الأصول لا يدل على الوجوب، وهذا القول أرجح، وإن كان الأحوط له ألا يطوف إلا وهو متطهر، لكن بعض الناس في هذا الزمن مع الزحام الشديد قد يحدث، بأن تخرج منه ريح أو نحو ذلك لا سيما كبير السن والمرأة، ويشق عليه مشقة شديدة أن يذهب إلى دورات المياه ليتوضأ ثم يستأنف الطواف من جديد، هذا فيه مشقة شديدة، وعلى كل حال فإن الذي يترجح هو القول الثاني في هذه المسألة.

стр. 228

التسبيع والمشي وجعل البيت عن يساره قال: [وتكميل السبع] فلابد من تكميل السبع، فلو طاف بالبيت ستاً لم يجزئه ذلك، لأنه لابد من سبعة أشواط، لأن النبي ﷺ قال: (لتأخذوا عني مناسككم). قال: [وجعل البيت عن يساره] فلا يصح أن يجعله عن يمينه؛ لأن النبي ﷺ عندما طاف جعل البيت عن يساره، وقد قال: (لتأخذوا عني مناسككم). قال: [وكونه ماشياً مع القدرة] المشهور في المذهب أن الركوب في الطواف -وكذلك في السعي كما سيأتي- لا يجزئ إلا مع العذر كالمريض، واستدلوا بأن النبي ﵊ رخص لـ أم سلمة أن تطوف راكبة لأنها كانت شاكية، كما في الصحيحين. قالوا: وقياساً على الصلاة، فكما أن الصلاة لابد فيها من قيام مع القدرة فلابد في الطواف من مشي مع القدرة. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية أنه يصح الطواف من الراكب مع القدرة، لكنه خلاف الأفضل، واستدلوا بأن النبي ﵊ طاف على بعيره كما في الصحيحين. وقد جاء في مسلم من حديث ابن عباس: (أن الناس اجتمعوا عليه وكان يطوف ماشياً، وقالوا: هذا محمد هذا محمد حتى خرجت العواتق من البيوت، وكان يكره أن يدفع الناس بين يديه). وقال ابن عباس ﵁: (فطاف على بعيره والمشي أفضل)، فدل ذلك على أن المشي أفضل وإن كان الطواف على البعير أو على الكرسي ونحو ذلك مجزئ، وكذلك في السعي.

стр. 229

الموالاة قال: [والموالاة] يعني: بين الأشواط، فلا يفصل بين شوط وآخر بفاصل يعد في العرف طويلاً، بل يجب أن يوالي؛ لأن النبي ﷺ طاف موالياً وقال: (لتأخذوا عني مناسككم). قال: [فيستأنفه لحدث فيه] اشترط الموالاة واشترط الطهارة، يقول: لو أحدث في الطواف فيجب أن يستأنف، يعني: أن يبدأه من جديد. قال: [وكذا لقطع طويل] يعني: لغير عذر، فلو أنه فصل بين الشوط الأول والشوط الثاني بقطع طويل في العرف فالواجب أن يستأنف من جديد. قال: [وإن كان يسيراً أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى من الحجر الأسود]. يقول: إن كان الفاصل يسيراً في العرف، كمن يرتاح أو يذهب ليشرب من ماء زمزم، ويكون هذا لدقائق معدودة في العرف، فهذا لا يؤثر، كذلك إذا أقيمت الصلاة المكتوبة، أو حضرت جنازة فإنه يصلي الجنازة ثم يبني، والمؤلف هنا قال: يبني من الحجر الأسود. إذاً: لا يقطعه إلا بشيء يسير في العرف، أو إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو حضرت جنازة فقط، فإذا قطعه لشيء من ذلك فلا يبدأ من جديد. لكن هل يرجع إلى الحجر ليبدأ هذا الشوط من أوله أو يطوف من مكانه؟ هذا رجل طاف أربعة أشواط، وفي أثناء الخامس أقيمت الصلاة، أو تعب فارتاح يسيراً، أو حضرت جنازة، فهل نقول له: ارجع وابدأ من الحجر أو طف من مكانك؟ قولان لأهل العلم، والمؤلف هنا قال: إنه يبني من الحجر الأسود، وهذا هو المذهب، والقول الثاني في المسألة وهو وجه عند الشافعية وبه أفتت اللجنة الدائمة في المملكة وهو الراجح أنه يبني من مكانه؛ لأن الطواف عبادة واحدة، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

стр. 230

سنن الطواف

стр. 231

استلام الركنين قال: [وسننه: استلام الركن اليماني بيده اليمنى]. الركن اليماني هو الركن الذي يكون قبل الركن الذي فيه الحجر الأسود، فيستحب له أن يستلمه بيده اليمنى، ولم يرد أنه يقبل يده، ولم يرد أنه إذا لم يستلمه يشير إليه، إذاً: فلا يشرع إلا استلامه فقط، ولا يشرع تقبيله ولا تقبيل اليد التي استلمته، ولا الإشارة، كل ذلك لا يشرع في حقه. أما الحجر الأسود فيستحب تقبيله أو استلامه وتقبيل اليد، أو مسه بعصا أو نحوها وتقبيل هذه العصا، أو الإشارة إليه، كل ذلك وارد عن النبي ﵊، لكن إذا أشار إليه بيده فقط فلا يقبل يده؛ لأنها لم تمسه، أما إذا استلمه بمحجن أو عصا فإنه يقبل هذا المحجن كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﵊. قال: [وكذا الحجر الأسود وتقبيله] كما تقدم شرح هذا. ويستحب له إذا أشار إليه بشيء أو استلمه أو قبله أن يقول: الله أكبر، ثبت هذا في البخاري عن النبي ﵊. وفي أول طواف له يستحب أن يقول: باسم الله، فيبدأ بالبسملة، وثبت هذا عن ابن عمر كما في البيهقي بسند صحيح، فيقول: (باسم الله) عند أول طوافه فقط، ويكبر عند كل تقبيل له أو كل استلام له أو كل إشارة له، هذا في الحجر الأسود.

стр. 232

الاضطباع للرجال في طوافي القدوم والعمرة قال: [والاضطباع]، الاضطباع سنة في حق الرجال فقط، وصفة الاضطباع أن يضع وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، فيكون منكبه الأيمن مكشوفاً، وتكون هذه السنة في طواف القدوم وفي طواف العمرة فقط، أما طواف الإفاضة فلا يستحب فيه الاضطباع، ولا طواف الوداع، بل يستحب له أن يكون قد لبس ثيابه، لكن بعض الناس يقدم طواف الإفاضة قبل أن يرمي الجمار، فيكون عليه إزاره ورداؤه، فلا يشرع له أن يضطبع، والاضطباع يكون في الأشواط السبعة كلها حيث شرع.

стр. 233

الرمل للرجال في غير طوافي الإفاضة والوداع [والرمل] الرمل هو إسراع في المشي مع تقارب في الخطى، وليس هرولة ولا جرياً، وإنما هو مشي سريع يقارب فيه بين خطاه، ويستحب في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف القدوم وطواف العمرة للرجال فقط، ويرمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر ويمشي أربعة. ولا يشرع هذا في طواف الإفاضة ولا طواف الوداع. قال: [والمشي في مواضعها] أي: المشي في المواضع التي يستحب فيها المشي، وبقية الطواف يستحب فيه المشيء، فطواف الإفاضة يستحب فيه المشي، وطواف الوداع يستحب فيه المشي، والأشواط الأربعة الأخيرة في طواف القدوم وطواف العمرة يستحب فيها المشي.

стр. 234

الدعاء والذكر والدنو من البيت قال: [والدعاء والذكر] ومما ورد بين الركنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) رواه أبو داود. ويستحب له أن يشتغل في طوافه بالذكر والدعاء وقراءة القرآن، وليس هناك ذكر مخصوص ولا دعاء مخصوص لكل طواف، وإنما ورد عن النبي ﷺ ما تقدم ذكره، وأما ما سوى ذلك فإنه يدعو بما تيسر، ولو بلهجته الدارجة، والأفضل أن يدعو بما جاء في القرآن من الأدعية وبما جاء في السنة، لكن إن دعا بما يحب وبما يتيسر له فهذا أمر جائز. قال: [والدنو من البيت] فيستحب له أن يدنو من البيت، فكلما قرب من البيت فهو أفضل، إلا أن يكون هناك زحام فإنه يبتعد عن الزحام ويخفف على الطائفين. [والركعتان بعده] ويستحب أن تكونا خلف المقام، قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].

стр. 235

شروط السعي

стр. 236

النية والإسلام والعقل والموالاة والمشي قال: [فصل؛ وشروط صحة السعي ثمانية] السعي الذي يكون بين الصفا والمروة، شروط صحته ثمانية. [النية]، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات). [والإسلام والعقل والموالاة] تقدم ذكر ما يدل عليها في الطواف، فكذلك في السعي. فلابد إذاً من الموالاة بين أشواط السعي، فلا يفصل بين أشواط السعي بفاصل طويل في العرف، يستثنى من ذلك ما إذا أقيمت مكتوبة أو حضرت جنازة كما تقدم شرحه. وأما الموالاة بين الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فهو سنة، لو طاف بالبيت سبعة أشواط والى بينها، ثم استراح طويلاً، كأن ذهب إلى بيته ونام ثم عاد فطاف بين الصفا والمروة، فلا بأس بذلك. فالموالاة بين الطواف والسعي سنة، أما الموالاة بين أشواط الطواف وبين أشواط السعي فهو شرط لابد أن يواليه. قال: [والمشي مع القدرة]، تقدم الكلام على هذا، وأن الراجح أن المشي أفضل من الركوب وإن كان الركوب يجزئ.

стр. 237

كونه بعد طواف وتكميل السبع قال: [وكونه بعد طواف] فلا يصح سعي إلا بعد طواف. هذا رجل ذهب إلى مكة وهو قارن أو مفرد، فأتى البيت فوجد زحاماً في الطواف، فذهب فسعى بنية الركن، لا يجزئه ذلك، ونقول له: إذا أردت أن تسعى فطف أولاً طواف القدوم ثم اسع بين الصفا والمروة، هذا هو الصحيح وعليه المذاهب الأربعة. فلابد -إذاً- أن يكون السعي بعد طواف ولو كان هناك فاصل طويل في العرف، لكن المقصود أن يكون قد سبقه طواف. قال: [ولو مسنوناً كطواف القدوم] لو كان هذا الطواف مسنوناً كطواف القدوم، فإنه يصح أن يسعى بعده للركن بين الصفا والمروة، ويجزئه هذا السعي للمفرد والقارن كما تقدم. بعض العلماء رخص في كون السعي لا يسبقه طواف في يوم النحر؛ لأن النبي ﷺ ما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: (افعل ولا حرج)، وأما ما سوى ذلك فالصحيح المقطوع به أنه لا يصح إلا بعد طواف. قال: [وتكميل السبع] أي: فلو أنه سعى ستاً لا يجزئه، لأنه لابد أن يسعى سبعاً، لكن لو زاد فسعى أربعة عشر شوطاً نقول: إن سعيه يصح والزيادة لغو. بعض الناس يقول: أنا حججت أو اعتمرت وسعيت أربع عشرة مرة من الصفا إلى المروة ثم من المروة إلى الصفا، كنت أظن أن الذهاب والإياب هذا شوط، فنقول: هذا غلط، بل من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط ثان، ثم من الصفا إلى المروة شوط ثالث وهكذا.

стр. 238

استيعاب ما بين الصفا والمروة والبدء بالصفا قال: [واستيعاب ما بين الصفا والمروة] فلابد أن يستوعب ما بين الجبلين، ولا يجب الرقي، فرقي الصفا ورقي المروة سنة، لكن الواجب أن يسعى من طرف الجبل في الصفا إلى طرف الجبل في المروة؛ لأنه لا يصدق عليه أنه سعى بينهما حتى يستوعب، فلو أنه بدأ بعد عشرة أمتار أو خمسة أمتار من الصفا لا يجزئه ذلك. والمستحب له إذا رقى الصفا أن يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، وأن يستقبل القبلة، ويرفع يديه ويقول: (لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو، ثم يعيد الذكر مرة ثانية: (لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو ثانية، ثم يقول الذكر ثالثة، فيكون الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين، ثم ينزل إلى المروة. وإن كان رجلاً فيستحب له أن يسعى سعياً شديداً بين الميلين الأخضرين، فإذا أتى إلى المروة فعل كما فعل على الصفا، فاستقبل القبلة وأتى بالذكر الذي تقدم، يفعل ذلك سبع مرات. وعلى ذلك فوقوفه الأخير عند المروة لا يشرع، بل إذا وصل إلى المروة عند آخر سعية ينصرف، ولا يرقى المروة في آخر مرة ويدعو بما تقدم، لأنه يقول ذلك سبعاً عند الصفا ثم المروة ثم الصفا ثم المروة ثم الصفا ثم المروة ثم الصفا، فإذا أتى إلى المروة وقد فرغ من سعيه انصرف ليحلق رأسه أو يقصره. قال: [وإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط] لأن الله بدأ بذلك فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة:١٥٨] وقال النبي ﵊: (أبدأ بما بدأ الله به) وفي رواية: (ابدءوا بما بدأ الله به) كما في النسائي.

стр. 239

سنن السعي قال: [وسننه: الطهارة، وستر العورة]، هذه سننه، فالطهارة سنة في السعي، وهي شرط في الطواف في المذهب كما تقدم، وعلى ذلك فلو أنه طاف بين الصفا والمروة محدثا فلا حرج عليه في المذهب، وكذلك الطواف على الراجح. [والموالاة بينه وبين الطواف] يقول: يستحب أن يوالي بينه وبين الطواف، فيستحب له أن يسعى بين الصفا والمروة بعد طوافه.

стр. 240

سنية الشرب من ماء زمزم وزيارة القبر الشريف والصلاة في المسجد النبوي قال: [وسن أن يشرب من ماء زمزم لما أحب ويرش على بدنه وثوبه]؛ لقول النبي ﵊: (ماء زمزم لما شرب له)، ولم أقف على دليل يدل على أنه يرش منه الثوب، وإنما جاء شربه والتداوي به، وأما رش الثوب فلا أعلم دليلاً يدل على ذلك. قال: [ويقول: باسم الله، اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً وشفاء من كل داء، اغسل به قلبي واملأه من خشيتك] وقد جاء بعض هذا الدعاء عن ابن عباس ﵁، فيدعو بما أحب، وهذا دعاء حسن إن دعا به أو بغيره فلا بأس. [وتسن زيارة قبر النبي ﵊ وقبري صاحبيه رضوان الله وسلامه عليهما]، لمن أتى المدينة لا أن يشد رحله لذلك. أما من أتى المدينة فيستحب له أن يزور قبره وقبر صاحبيه، وليس له أن يسافر لأجل ذلك؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه، فلا يشد الرحل إلى غير هذه المساجد. [وتستحب الصلاة بمسجده وهي بألف صلاة، وفي المسجد الحرام بمائة ألف]. قال ﵊: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام) متفق عليه، زاد أحمد: (فصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد). والمشهور في المذهب أن هذا لا يخص الصلاة بل سائر الأعمال الصالحة مضاعفة، وهذا قياس صحيح، فسائر الأعمال الصالحة تضاعف. قال: [وفي المسجد الأقصى بخمسمائة] جاء هذا في الطبراني بسند فيه ضعف، وجاء في مستدرك الحاكم والحديث حسن: (أن صلاة في المسجد النبوي أفضل من أربع صلوات في المسجد الأقصى)، وعلى ذلك ستكون الصلاة في المسجد الأقصى عن مائتين وخمسين صلاة، وهذا أصح. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 241

دليل الطالب_ كتاب الحج [٨] قد يحرم المرء بالحج أو العمرة ثم يمنعه مانع فيصده عن الحج حتى يفوته الوقوف بعرفة، وقد يحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة ويكون قد رمى وحلق وقد يكون ذلك قبل الرمي والحلق، فهذه أحوال يحتاج المسلم إلى معرفة أحكامها وما يترتب عليها.

стр. 242

أحكام الفوات والإحصار

стр. 243

حكم من فاته الحج بطلوع فجر يوم النحر بالإحصار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفوات والإحصار]. الفوات: من فات الشيء إذا سبق. وأما الإحصار فهو في اللغة المنع. والفوات في اصطلاح الفقهاء هو فوات الوقوف بعرفة. وأما الإحصار فهو منع المحرم من إتمام نسكه. قال: [من طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة لعذر حصر أو غيره فاته الحج، وانقلب إحرامه عمرة]. قال ﵊ فيما روى الخمسة بإسناد صحيح: (الحج عرفة، فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك)، يعني: أدرك الحج. وهذا الحديث فيه أن من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، فإذا لم يقف بعرفة وفاته الوقوف بعرفة بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف فإنه يقلب إحرامه عمرة كما قال المؤلف. هو قد نوى الحج قارناً أو مفرداً، فيقلب الحج إلى عمرة، لكن لو جاء في يوم عرفة أو بعد غروب الشمس من يوم عرفة ليلة النحر، أو في منتصف الليل أو بعد نصف الليل أو قبل الفجر بيسير فأدرك الوقوف بعرفة فقد أدرك الحج. إذاً: هنا قد فاته الوقوف فلم يدركه، فيكون الحج قد فاته، مثال هذا: رجل أحرم من ميقات ذي الحليفة، وفي الطريق حصل عطل في سيارته أو ضاعت نفقته أو تأخر بسبب زحام شديد أو حصل له حادث، أو نحو ذلك، فوصل مكة وقد طلع الفجر من يوم النحر فاته الحج. ولو وصل يوم عرفة بعد المغرب بيسير مثلاً أو بعد العشاء أو قبل الفجر بحيث يدرك الوقوف بعرفة فإنه يدرك بذلك الحج، لكنه إذا لم يصل إلا وقد فاته الوقوف بعرفة فيقلب حجه عمرة. يقول أيضاً: [ولا تجزئ عن عمرة الإسلام] أي: هذه العمرة، فهي عمرة تحلل، هذا هو المذهب، وفي الإنصاف: وقيل تجزئ. وهذا أصح؛ لأنها عمرة ذات طواف وسعي وتقصير فأجزأت عن عمرة الإسلام، فالذي يترجح أنها تجزئه عن عمرة الإسلام. لكن المذهب أنها لا تجزئه عن عمرة الإسلام، فإذا كان لم يعتمر من قبل فعليه أن يعتمر مرة أخرى، لأن هذه العمرة إنما هي عمرة تحلل. قال: [فيتحلل بها، وعليه دم، والقضاء في العام القابل]. إذاً: يقلب حجه إلى عمرة، ويهدي، ويحج عاماً قابلاً، هذا هو المذهب، ويدل عليه ما ثبت في موطأ مالك عن عمر ﵁ بإسناد صحيح أنه ﵁ أمر من فاته الوقوف بعرفة أن يقلب حجه عمرة، وأن يهدي وأن يحج من العام القابل، وهذا الأثر عن عمر ﵁ لا يعلم له مخالف، فهو حجة، بل قد اشتهر، وقول الصحابي إذا اشتهر ولم يعلم له مخالف فهو إجماع سكوتي.

стр. 244

حكم من صد عن الوقوف فتحلل قبل فواته قال: [لكن لو صد عن الوقوف فتحلل قبل فواته فلا قضاء]، أي: إذا صده عدو عن الوقوف بعرفة فتحلل قبل فواته، كأن تحلل في اليوم الثامن أو التاسع، حيث غلب على ظنه أن هذا العدو داخل مكة، أو في الطريق وهو في بلده أو نحو ذلك وغلب على ظنه أنه يفوته الوقوف بعرفة فتحلل، فهذا لا يجب عليه القضاء، وإنما يهدي، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].

стр. 245

حكم من حصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة قال: [ومن حصر عن البيت ولو بعد الوقوف ذبح هدياً بنية التحلل]. يعني: منعه عن البيت عدو ولو بعد وقوفه بعرفة، لكنه لم يرم ويحلق ذبح بنية التحلل. وتقدم أن التحلل الأول يحصل بنسكين من ثلاثة، وفي حق المتمتع بنسكين من أربعة، وكذلك القارن والمفرد إذا لم يسع عند قدومه، فهذا وقف بعرفة، فيكون قد أدرك الحج، لكنه حصر عن البيت ومنع من دخوله لإتمام نسكه، فما هو الواجب عليه؟ قال: (ذبح هدياً بنية التحلل) أي وحل بذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. ويحلق رأسه أيضاً، وقد جاء في صحيح البخاري: (أن النبي ﵊ نحر هديه قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وأمر أصحابه بذلك)، وعلى ذلك فيهدي ويحلق، وهذا أحد القولين في المذهب، وهو الراجح من جهة الدليل خلافاً للمشهور في المذهب. فالمشهور في المذهب أنه لا يحلق رأسه، والذي في الإقناع أنه يحلق، وهو أحد القولين في المذهب وهو أصح. قال: [فإن لم يجد صام عشرة أيام بالنية وقد حل] إذا لم يجد هدياً فالواجب عليه أن يصوم عشرة أيام، قالوا: قياساً على الهدي، وتقدم أن الراجح في هذه المسألة أنه لا يجب عليه الصيام، بل إذا لم يجد هدياً فلا شيء عليه، وذلك لأن قياس دم الإحصار على دم الهدي قياس مع الفارق، فإن دم الإحصار دم يذبح لترك النسك والتحلل منه، ودم الهدي دم يذبح لكمال النسك وتمامه وتحصيله، فهذا قياس مع الفارق. فالقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية كما تقدم أنه لا يجب عليه الصيام، بل إذا لم يجد هدياً تحلل، ولأن في تكليفه أن ينتظر عشرة أيام حتى يتحلل مشقة.

стр. 246

حكم من حصر عن طواف الإفاضة وقد رمى وحلق قال: [ومن حصر عن طواف الإفاضة وقد رمى وحلق]. في المسألة السابقة وقف بعرفة لكنه لم يتحلل، إذاً: فإحرامه تام وكل محظورات الإحرام لا تحل له، لأن من وقف بعرفة ولم يرم ولم يحلق لم يتحلل شيئاً من الحل، وعلى ذلك فإنه يذبح هدياً ويحل. أما هنا فإنه قد رمى وحلق وأصبحت جميع المحظورات حلاً له سوى النساء، فلا تحل له النساء وطئاً ومباشرة وقبلة ومساً، أما سائر المحظورات فإنها تحل له حتى يطوف ويسعى إذا كان متمتعاً ويحل الحل كله. فهذا الرجل أحصر عن طواف الإفاضة، يعني أنه وقف بعرفة ثم ذهب إلى منى فرمى الجمرة وحلق ولبس ثيابه وتطيب وأراد أن يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة فمنع وأحصر، فما الحكم؟ قال: [لم يتحلل حتى يطوف]، وعلى ذلك يبقى على هذه الحال حتى يطوف. وما الفرق بين المسألتين؟ قالوا: الذي جاء به الشرع هو المسألة الأولى، وهي التحلل بالهدي من نسك إحرامه تام، وأما هذا فإن إحرامه ليس بتام، لأنه لا يحرم عليه إلا النساء، وعلى ذلك فيبقى عمره محرماً حتى يطوف في البيت، وعلى هذا سيكون كمسألة الحائض إذا حاضت قبل طواف الإفاضة ولم ينتظرها أهلها، فإنها ترجع وتبقى محرمة يحرم عليها ما يتعلق بالوطء ومقدماته فقط، وأما سائر المحظورات فإنها تحل لها حتى تطوف بالبيت، هذا هو المذهب. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية قالوا: بل يهدي ويحل؛ لعموم قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ومثله الحائض عندهم، وعلى ذلك يحل لكنه يتم نسكه بعد ذلك فمتى قدر أتم هذا النسك الذي بقي شيء من أركانه.

стр. 247

حكم الاشتراط في الحج قال: [ومن شرط في ابتداء إحرامه: إن محلي حيث حبستني، أو قال: إن مرضت أو عجزت أو ذهبت نفقتي فلي أن أحل؛ كان له أن يتحلل متى شاء من غير شيء، ولا قضاء عليه] تقدم شرح هذا بحديث ضباعة بنت الزبير، أنها كانت شاكية فذكرت ذلك للنبي ﵊، فقال: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيت) وهذه الزيادة في النسائي كما تقدم، والحديث أصله في الصحيحين سوى هذه الزيادة: (فإن لك على ربك ما استثنيت) وتقدم أن الراجح أن هذا الشرط إنما يصح من الخائف. إذاً: يقول المؤلف ﵀ هنا أن من شرط في ابتداء إحرامه أن محله حيث حبس، فإنه يتحلل، كذلك إذا أتى بعبارة أخرى كقوله: إن مرضت أو عجزت أو نحو ذلك. واعلم أن أصح قولي العلماء خلافاً للمشهور في المذهب، وهو اختيار ابن القيم ﵀ وطائفة من أهل العلم أن عدم إتمام المحرم نسكه بمانع آخر غير العدو له حكم المنع بالعدو، كضياع نفقة أو مرض أو نحو ذلك، وهذا هو الصحيح، وهذا يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، بل إن الإحصار في اللغة إنما يكون لمرض ونحوه. وعلى ذلك فنقول: إذا أحصر بذهاب نفقة أو بمرض أو نحو ذلك فهو كالذي يحصره العدو، ويدل على ذلك ما ثبت عند الخمسة أن النبي ﵊ قال: (من كسر أو عرج فليحل، وعليه الحج من قابل). وعلى ذلك فالراجح أن منع من إتمام نسكه بسبب آخر هو عذر من مرض أو ذهاب نفقة أو نحو ذلك من الأعذار فهو كالذي يمنع بالعدو، هذا هو القول الراجح خلافاً للمشهور في المذهب. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 248

دليل الطالب_ كتاب الحج [٩] سن النبي ﷺ الأضحية للناس بعد صلاة العيد يوم النحر وذلك تقرباً إلى الله ومشابهة للحجاج، والأضحية عبادة لا تصح إلا أن تكون من بهيمة الأنعام وقد بلغت السن الشرعية، ويشترط أن تكون سليمة من العيوب، وأن يتصدق منها، ولها سنن ومستحبات كثيرة يجب على المسلم أن يتعلمها ليعمل بها وقت الحاجة.

стр. 249

حكم الأضاحي وما يسن فيها

стр. 250

متى تسن الأضحية ومتى تجب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأضحية: وهي] أي: الأضحية [سنة مؤكدة] هذا هو قول الجمهور، فقد (ضحى النبي ﵊ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر)، والحديث متفق عليه. وثبت في البيهقي بإسناد صحيح أن أبا بكر وعمر لم يضحيا خشية أن يرى ذلك واجباً. وأما حديث: (من وجد سعة فلم يضح فليس منا) فهو حديث لا يصح رفعه إلى النبي ﵊، والصواب أنه من قول أبي هريرة ﵁، وعلى ذلك فالصحيح أنها سنة مؤكدة. قال: [وتجب بالنذر]، لأن النبي ﵊ يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، فهناك أمور تجب بالنذر هي في الأصل سنة، لكن إن نذر فقال: لله علي أن أضحي هذه السنة، وجبت عليه الأضحية؛ لأن ذلك نذر. قال: [وبقوله: هذه أضحية أو لله] لأن هذا تعيين للأضحية. رجل ذهب إلى السوق فاشترى شاة قبل العيد بيومين أو ثلاثة، وقال لأهله: هذه أضحيتي، وجبت، لكن لو اشتراها في السوق ونوى أنها أضحية ولم يتلفظ بقوله: هذه أضحية لم تجب. إذاً: لا تجب إلا بالتعيين بلفظه. وكذلك الفعل مع النية، فإذا قلد الهدي أو قلد الأضحية -وبعض الناس يخضبها ونحو ذلك- فإذا فعل ذلك فهذا فعل مع النية يقتضي التعيين فتجب. لا نقول: إنه يجب أن يضحي، وإنما نقول: يجب أن يضحي بهذه الأضحية، فلو ماتت قبل يوم العيد لم يجب عليه أن يضحي، إنما يجب أن يضحي بها إذا بقيت. إذاً: لو ماتت بلا تعد منه ولا تفريط، فلا نقول له: يجب أن تضحي هذه السنة بأن تشتري من السوق، لكن نقول: هذه التي عينتها يجب أن تضحي بها، فإذا تعديت عليها وفرطت فيجب عليك أن تشتري أضحية مثلها، كما لو تركها في مكان وأهملها ولم يعلفها فماتت قبل يوم أو يومين من العيد فإنه يشتري أضحية مكانها.
следующие страницы →