← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

منافاة الكبر لحقيقة العبودية لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أن الجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلاً للإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذبته)، فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار]. من تكبر عذبه الله بالذل في الدنيا وفي الآخرة، وكم من الطواغيت والجبابرة الذي تكبروا وطغوا وبغوا أذلهم الله في الدنيا، وعذبهم في الآخرة كما جاء في بعض الأحاديث أنهم يكونون مثل الذر يطأهم الناس، وفي هذا عبرة وعظة عجيبة جداً، ولهذا فـ المعتمد بن عباد عندما سجن -بعد أن كان حاكماً- ورأى بناته في الأسر، تأثر تأثراً كبيراً جداً، وأنشد قصيدة مشهورة تعبر عن هذا الحال الذي هو فيه. فالحقيقة أن كل من تكبر وطغى وبغى عذبه الله في الدنيا أو في الآخرة.

стр. 107

قاعدة: كل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غيره ويذل له قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحباً في الأمكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفاً أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له]. هذه قاعدة مهمة جداً، وتشبه القاعدة التي سبق أن أشرنا إليها، والدلائل الشرعية والطبيعية الإنسانية تشهد بها، وهي: كل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فهذه قاعدة من أهم القواعد في هذا الباب، فالإنسان لابد أن يكون عابداً، ولا تتخيل أبداً وجود إنسان خال من العبودية، ولهذا فالغربيون الذين جاءوا بدعوى الحرية والعتق من الأديان هم في الحقيقة هربوا من أديان معروفة وعبدوا الشيطان، وعبدوا النفس الأمارة بالسوء فلا يمكن للإنسان إلا أن يكون عابداً. والسبب في هذا، والمستند الحقيقي لهذا هو ما أشار إليه الشيخ عندما قال: فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فإن أفعال الإنسان التي تحصل لابد فيها من وجود إرادة قلبية، ومن وجود قدرة تنقل هذه الإرادة إلى العمل. فالإرادة القلبية الموجودة في نفس الإنسان تقتضي وجود مراد، ولا يمكن أن تكون إرادة بدون متعلق يريده الإنسان، فإن كان متعلقه الله كانت هذه العبودية لله ، وإن كانت غير الله فإنه يكون عابداً لهذا الغير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس ويتحرك بالإرادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أصدق الأسماء حارث وهمام)، فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم أول الإرادة، فالإنسان له إرادة دائماً، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبداً ذليلاً لذلك المراد المحبوب: إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً، وغير ذلك مما عبد من دون الله. وإذا كان عبداً لغير الله يكون مشركاً، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكباراً عن عبادة الله وكان مشركاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، إلى قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، ومثل هذا في القرآن كثير. وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكاً بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقراً وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركاً بما استعبده من ذلك. ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض شيئاً إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فكلما قوي إخلاص حبه ودينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك. والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود، قال الله تعالى في النصارى: ﴿

стр. 108

أساس شرك اليهود والنصارى الكبر والجهل أساس شرك النصارى: هو الضلال والجهل، فإن الجهل بالأحكام الشرعية يوصل إلى الضلال، ولهذا وصفهم الله بأنهم من الضالين، وأصل شرك اليهود: الكبر والإعراض عن علم، فإعراض اليهود وترك التزامهم بدينهم سببه الكبر عن الخضوع للدين، ولهذا يقول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا الصراط يتصف بصفتين: اجتماع العلم والعمل، أو اجتماع العلم والإخلاص لله ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، و (المغضوب عليهم): هم اليهود، وذلك أنهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، بسبب إعراضهم عن الإخلاص لله مع وجود العلم لديهم. (ولا الضالين): وهم النصارى، الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم بسبب الجهل، ففيهم حب للتعبد، وفيهم إرادة له لكنها ليست مبنية على علم، وإنما مبنية على جهل، ولهذا قال بعض السلف: من انحرف من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من عبادنا ففيه شبه من النصارى. ولهذا فكثيراً ما يقارن شيخ الإسلام ﵀ بين ضلال الصوفية وضلال المتكلمين، فإن ضلال الصوفية سببه: إرادة التعبد، لكن على جهل، فضلوا وانحرفوا ففيهم شبه من هذه الزاوية بالنصارى، والمتكلمون كانوا أهل علم وجدل ومناقشة، فأصبح انحرافهم مثل انحراف اليهود الذين انحرفوا عن علم وكبر، بسبب الكبر الموجود في نفوسهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٦]. ولما كان الكبر مستلزماً للشرك، والشرك ضد الإسلام وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]، كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، قال نوح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى في حق إبراهيم ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقال موسى ﵇: ﴿يَا قَوُم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [يونس:٨٤ - ٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤]، وقال عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وقال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]. فذكر إسلام الكائنات طوعاً وكرهاً؛ لأن المخلوقات

стр. 109

عبودية الله تنجي من آفة الكبر والجهل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه إلخ] فيه: تقرير لحقيقة أن عبودية الله ، والتعلق به ينجي من آفتين: الآفة الأولى: هي آفة اليهود وهي الكبر. والآفة الثانية: هي آفة النصارى وهي الشرك، وقد تحدث كثيراً عن الكبر ثم عن الشرك الذي هو عبادة غير الله ، والافتقار إلى غير الله . والمخلوقات جميعاً عابدة لله باعتبار أنها خاضعة له ، بل إن لـ شيخ الإسلام ﵀ رسالة في مسألة (عبودية الكائنات) يقرر فيها أن هذه العبودية هي عبودية إرادية، أي: عبودية متعلقة بالإرادة، وله تحقيق طويل في هذا الموضوع، ثم تحدث عن الشرك وأنه أظلم الظلم الخ.

стр. 110

الخلة وحقيقة العبودية قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وقال تعالى عن الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٨٢]. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟ وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إماماً، وأعظم الظلم الشرك، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، والأمة: هو معلم الخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به. والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أن إبراهيم خير البرية)، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي ﷺ وهو خليل الله تعالى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، وقال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله -يعنى: نفسه-)، وقال: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)، وقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، وكل هذا في الصحيح، وفيه: أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته؛ فإن في ذلك تحقيق تمام مخالته لله تعالى التي أصلها محبة الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لله، خلافاً للجهمية].

стр. 111

أقسام محبة الله محبة الله تنقسم إلى قسمين: محبة الله التي هي صفة من صفاته، وهذه ثابتة لله ، ولا ينكرها إلا أهل التعطيل الذين يرون أن صفات الأفعال ليست ثابتة لله ، وهؤلاء هم غلاظ الأكباد -والعياذ بالله- الذين لا يحبون ولا ينسبون المحبة لله تعالى. إذاً: محبة الله تكون على نوعين: محبة الله التي هي صفة من صفاته، ومحبة العبد لله، فالله يُحِب ويُحَب، يعني: تنسب له المحبة على وجهين: على أنها فعل منه، وعلى أنها فعل نحوه، وهذه يثبتها أهل السنة والجماعة، فيرون أن الله يحب بعض مخلوقاته، لما فيها من الخصائص الكريمة والأمور الفاضلة، مثل محبته للأنبياء والصالحين والعمل الصالح، ومحبته للصابرين ومحبته للمتطهرين ونحو ذلك، وأيضاً يحب، فتتعلق محبة القلب به ، من جهة أن العبد يعظمه ، ويتعلق قلبه به لكمال صفاته ولكمال إنعامه، يعني: لكمال صفاته فهو كامل كمالاً مطلقاً، ولكمال إنعامه على العبيد، وهذه القضية يتحدث عنها ابن القيم كثيراً في (الفوائد) وفي غيرها، وأن استحقاق الله للعبودية ولمحبة العبد له هو لكمال ذاته ولكمال إنعامه، يعني: لكمال ذاته وصفاته، ولكمال إنعامه أيضاً. أما الجهمية فيقولون: إن الله لا يحب، وينفون هذه الصفة عن الله ، كما أنهم ينفون أيضاً أن يحب ويقولون: إن المحبة لا تتعلق به، وأن العلاقة بين الخالق والمخلوق هي مثل علاقة المعاوضة بين بائع ومشتر مثلاً أو مثل أي علاقة من علاقات العوض -يعني: التغاير- ولا شك أن هذا انحراف عظيم عن سنة المرسلين.

стр. 112

حقيقة الرافضة وبيان إشراكهم بعبادة علي وغيره من البشر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي ذلك تحقيق توحيد الله، وألا يعبدوا إلا إياه، ورد على أشباه المشركين. وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق ﵁ حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكاً بعبادة علي وغيره من البشر]. الرافضة الذين يسمون الآن (الشيعة) أو (الإثنا عشرية) هؤلاء من أكفر الطوائف المنتسبة إلى ملة الإسلام، فعقائدهم مناقضة لعقائد المسلمين. ومناقضة عقائد الرافضة لعقائد المسلمين واضحة في التعبد لغير الله ، ولهذا أشار ابن تيمية ﵀ كثيراً في بعض كتبه، أن الذين نشروا الشرك وعبادة غير الله هم من هذه الأمة، ومن المنتسبين إليها، كالصوفية والرافضة، فهم يعتقدون العتبات المقدسة، ويأتون إلى هذه العتبات المقدسة ويحجون إليها ويطوفون بها ويذبحون عندها ويستغيثون بغير الله، وينذرون لغير الله ، ويقررون ذلك في كتبهم، حتى إن أحد مؤلفيهم كتب كتاباً وسماه: (حج المشاهد) ولهذا يذكر المجلسي في (بحار الأنوار) وهو كتاب من كتب المتأخرين، لكنه جمع كتب المتقدمين جميعاً ورتبها وهو كتاب كبير يزيد على مائة مجلد، وأفرد جزءاً كاملاً يتعلق بالمزارات، فيه من ألوان الشرك ما لا يخطر لك على بال، ولهذا في أيام الاحتفالات التي يقيمونها في حسينياتهم يقومون بدعوة غير الله ويستغيثون بـ علي بن أبي طالب ويعطونه جميع صفات الله ، بل إنهم يقررون في مصنفاتهم أن الله عندما خلق الكون أسنده إلى الأئمة ليقوموا بتدبيره، ولا شك أن هذا من أعظم الشرك في الربوبية. ولهذا فيعتبر الرافضة من أهل الشرك والعياذ بالله، ولا يعني هذا أن كل من انتسب إليهم مشرك، فهناك فرق عند الحديث عن الفرق وعن المذاهب، ولابد أن نفرق بين حقيقة المذهب ودين المذهب، والأشخاص المنتسبين إليه، وليس كل أحد انتسب إلى مذهب من المذاهب يعتقد كل ما في هذا المذهب، وأحياناً قد لا يعلم. لكن أساس المذهب وعلماءه والقائمين عليه والحوزات العلمية ومن يكون متديناً منهم، فإن هؤلاء لا شك أنهم يؤمنون بهذه العقائد الضالة، والمشكلة الكبيرة التي حصلت عند الروافض في العصر الحديث: هي أن مصنفاتهم التي كانت قديماً موطن سرية وكان لا يتداولها إلا مجموعة من العلماء فيهم أصبحت متوفرة في كل مكان بسبب الطباعة، وبسبب الاتصالات الموجودة. وأعظم كتاب منذ عشرة قرون ألف في الرد على الرافضة هو: (منهاج السنة النبوية) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومع هذا فإنه لم يرجع إلى كتاب الكافي للكليني، مع أن كتاب الكافي للكليني قبل شيخ الإسلام تقريباً بثلاثة قرون أو أربعة قرون، وهذا يدل على أن هذا الكتاب كان مستوراً، وأنه لم يظهر إلا في زمن الدولة الصفوية عندما بدأت المطابع، وانتشرت عقائدهم. فالآن أصبحت عقيدة الرافضة ظاهرة متداولة، ولا يمكن أن يجعلوها سراً، فهي عقيدة مكشوفة وواضحة، وهذا الأمر الأول الذي جعل القضية خطيرة في العصر الحديث. القضية الثانية: هو أن منهج الرافضة العقدي الخطير الذي فيه شركيات حوله شيوخ الرافضة إلى مذهب شعبي، فيجتمع في الحسينيات عشرات بل آلاف، ويستمعون إلى القصائد والأدعية التي يقوم بها بعض الأشخاص، ويرددون بعض الكلمات التي تحصل فيها ما يسمى (باللطميات) عندهم، وهي من الشرك الواضح، ولا يمكن لأي شخص أن يحملها إلا على الشرك، فعندما يمدحون علياً بن أبي طالب بأنه يعلم عدد الذرات، وأنه سبب الفضل على عدد من الأنبياء، وأنه وأنه، فهذا من أوضح الشرك، ولهذا فإن هؤلاء الذين يعرفون هذا الشرك لا يعذرون أبداً من إنكاره. ومن أوضح الأشياء عند الرافضة: سب الصحابة، فهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان، ويكفرون سائر أصحاب النبي ﷺ ، فقبح الله هذا المنهج وهذا الدين الذي يكفرون به خلاصة أتباع نبيه. والنصارى على شركهم وضلالهم وانحرافهم لم يوجد أحد منهم يكفر الحواريين أبداً، وهؤلاء يكفرون خلص الصحابة رضوان الله عليهم، والنصوص الثابتة عن علي بن أبي طالب ﵁ في تفضيل أبي بكر وعمر بلغت مبلغ التواتر، ومع هذا يكفرون أبا بكر وعمر. وأنتم سمعتم خبر الرجل الخبيث الذي في الكويت، الذي سجل على شريط تكفيره أبا بكر وعمر، وسبه لهما، وطعنه فيهما طعناً قبيحاً، ولا شك أن هؤلاء -كما قال عنهم بعض السلف- ونقلها ابن تيمية في بداية (منهاج السنة) فقال: ما رأيت أحمق من الخشبية! لو كانوا من البهائم لكانوا حميراً، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخماً. أي: أنهم أسوأ الأنواع، فأسوأ البهائم الحمير، والخنازير ما كانت موجودة عند العرب، وهي الآن من أسوأ البهائم،

стр. 113

الأسئلة

стр. 114

حكم الإقرار بالقوانين الوضعية السؤال هل الإقرار بالقوانين الوضعية واتخاذها منهجاً وشرعاً مع الإقرار بشرع الله من القلب ولكن لم يتخذ ذلك فعلاً، هل يعد ذلك كفراً مخرجاً عن الملة، أم هو فسوق؟ الجواب حقيقة القوانين الوضعية أنها قواعد عامة تطبق، والأصل في تطبيقها على كل الناس، وهذه القواعد العامة تعتبر تشريعات، والتشريع حق لله لا يجوز للإنسان أن يدعيه لنفسه، ولا أن يعارض الله فيه، فمن شرع شريعة غير شريعة الله مناقضة لها، فهذا لا شك أنه كفر مخرج عن دائرة الإسلام. والحقيقة: أن الجدل القائم حول مسألة الاستحلال أو عدم الاستحلال ليست واردة في القوانين الوضعية، فصيغ القوانين الوضعية استحلال صريح، وفيها: يجوز أن يعمل كذا وكذا، ولا يجوز أن يعمل كذا وكذا، فهي صريحة في الاستحلال، والأساس العلمي والعقدي في هذا الباب: هو أن القضايا التي توصف بأنها من الشرك الأكبر، والأدلة الشرعية تدل على أنها من الشرك الأكبر لا يصح أن يقال فيها: بأنه لابد أن يستحل؛ لأن الاستحلال شرط في المعاصي، والأصل فيها أنها لا تكفر، والمقصود بالذنوب والمعاصي: ما كان غير الشرك، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والربا، واللواط، وعقوق الوالدين، وترك صلة الأرحام، فهذه المعاصي غير مكفرة إلا إذا استحلها، أي: اعتقد أنها حلال، فإذا اعتقد أنها حلال فهذا معارض ومكذب لشريعة الله ، فيكون الأمر باتفاق الأئمة، أما الأعمال الشركية التي تخرج من الملة فلا يصح أن يقال: إنه يشترط لها الاستحلال. فلا يصح مثلاً أن يقال في عابد الصنم: لابد أن يستحل حتى يكفر، وعبادة الصنم في حد ذاتها شرك مخرج من الملة، وهكذا القول في مسألة الاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، والتعبد لغير الله ، وكل هذه لا يشترط فيها الاستحلال. لكن هناك مشكلة تقع عند بعض طلاب العلم في مسألة الاستحلال، وأحياناً تكون متعلقة بالمعين، وأحياناً تكون مجردة عن المعين، وإذا بحثناها باعتبارها قضية عقدية مجردة عن المعينين نقول: الأعمال التي توصف بأنها شرك أكبر لا يشترط فيها الاستحلال، لكن إذا ربطت القضية بالمعينين فلا نقول: إنه يشترط فيها الاستحلال، فالمعين إذا تلبس بعمل كفري فإنه لا يكفر حتى توجد عنده الشروط، وتنتفي عنه الموانع. فمسائل التكفير مسائل دقيقة، ومسائل تحتاج إلى علم، ولا يصح للإنسان أن يتساهل فيها، وأن يكفر، وأن يجتهد في هذه المسائل، وكثير من الناس مع الأسف ليس من أهل العلم، وليس مشتغلاً به، ومع هذا يشتغل بتكفير الناس بألفاظ مجملة، وبطرق غريبة، إلى درجة أنهم وصلوا إلى تكفير أهل العلم وأهل الفضل من المسلمين، ولا شك أن هذا خطير جداً: فإن الإنسان إذا قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما -والعياذ بالله- فإنها إن لم تقع عليه رجعت على القائل، ثم إن الله لم يطالبنا بالحكم على الناس وعلى الدول، هل هي كافرة أو ليست بكافرة؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الكفار، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الأشخاص، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ وتتبع الناس بالتكفير ليس من منهج الصحابة رضوان الله عليهم ولا غيرهم، لكن هناك قواعد تضبط هذه المسائل، والمفترض أن يكون طالب العلم بعيداً عن الكلام فيما يتعلق بالمعينين؛ لأن قضايا المعينين حساسة، ويجب علينا أن نحافظ على قواعد أهل العلم في باب التكفير؛ لأن هذه القواعد ليست خاصة بجيلنا، بل هي قواعد عامة تشمل الجيل الذي قبلنا والذي قبله، وتشمل الجيل الذي نحن فيه، وتشمل الأجيال القادمة، لكن المعينين يموتون ويذهبون والدول تسقط وتأتي دول أخرى بدلها، والتصرفات تتغير والناس تتبدل آرائهم وأفكارهم، فلا نعلق قضايا الدين بالمعينين. وعلى كل حال: فجملة هذه القضية أن الإنسان لا يجوز له أن يتكلم في هذه المسائل إلا بعلم وعدل، ولا يصح له أن يتكلم بالجهل. وهناك صور وألوان من التصرفات الموجودة الآن في واقعنا مع الأسف، فيها كثير من الغلو والإجحاف على الناس، فبعض الشباب مع الأسف يواجهون رجال الأمن بالقتال، ولا يخافون الله في أنهم يواجهون مسلمين، فهذا لا شك فيه أنه من الغلو والإسراف، ولا يمكن لمسلم يخاف الله أن يستحل دم مسلم آخر ويقتله حتى لو كانت عنده شبهة، ولهذا فالإنسان يكون في مثل هذه الفتن -كما قال أهل العلم- خير ابني آدم، عندما قال أحدهما للآخر: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧]، فقال له الآخر: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]، فقتل المؤمن متعمداً عذابه عظيم جداً: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] فالأمر ليس هيناً، بل يعتبر من كبائر الذنوب، فعندما تجد إنساناً ملتزماً ببعض الواجبات الشرعية وبالسنن، لكنه مفرط في باب عظيم وهو

стр. 115

حكم من استهزأ بالدين السؤال هنالك بعض الصحفيين أو المثقفين الذين تكلموا بكلام خطير على أساس الدين، فما حكم ذلك؟! الجواب لا شك أن الكلام المناقض لأساس الدين كفر مخرج عن دائرة الإسلام، فمن استهزأ بالله، أو بالملائكة أو بالأنبياء، أو قال: الله والشيطان وجهان لعملة واحدة! أو قال أشياء من هذا القبيل، فهذا كفر مخرج عن دائرة الإسلام بدون أي شك؛ لأن اليهود والنصارى ربما يستحيون من أن يقولوا مثل هذا الكلام. وأما اعتذار الآخرين بأن مثل هذا الكلام يقال في رواية، أو على شخص وهمي موجود في الخيال، فهذا ينقضه أن أصحاب هذه الروايات يصرحون بأنهم هم الذين يتبنون مثل هذه العقائد. ومع الأسف فإن في البلاد الإسلامية اليوم الكثير من الأشخاص الذين يتبنون المناهج الغربية، فقد وجد ماركسيون يتبعون ماركس، وعلمانيون اتخذوا العلمانية منهجاً، ويرون ضرورة الفصل بين الدين والحياة، ويوجد أيضاً أشخاص حداثيون يتكلمون في الأدب، ويوجد الأشخاص الذين يعتبرون الإبداع هو الهجوم على المقدسات، ولا تكون مبدعاً إلا إذا أتيت بالغرائب، وبالهجوم على المقدسات وعلى الله، فمثلاً: الرجل الذي قال: كان الله رماداً وهكذا، ثم إذا أحد ناقشه وقال: كيف تقول: كان الله رماداً؟!! هذا كفر، قال: يا أخي! أنت تفهم خطأ، أنا ما أقصد بـ (الله) الذات الإلهية، أنا أقصد بكلمة (الله) رمزاً للطهر والعفاف والصلاح. فهل الله رماد؟ وهل الصلاح أصبح رماداً غير موجود؟ وهذا أشبه ما يكون بالتأويلات الباطنية، فهم يفسرون قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، فقالوا: المقصود بالبقرة: عائشة، فهذا أمر من الله أن يذبحوا عائشة ﵂، لكن هذا أمر لم ينفذ، فهؤلاء لا شك أنهم كفار، وهذا العذر ليس عذراً مقنعاً؛ لأنه لو جاء أحد وسبه مباشرة، فقال: يا أخي! لماذا تسبني؟ قال: أنا لا أسبك، أنا أسب الرمز الذي هو اسمك، فهذا لا يقبل أصلاً وعقلاً، وإلا لو كان هذا الكلام مقبولاً، فكل الخطابات تصبح رمزية العبودية، ومعناها: الحرية، وأي إنسان يستطيع التعامل بالأسلوب فهذا ليس له قواعد، وليس له شيء منضبط، فهؤلاء هم الزنادقة. والزنادقة قديماً كانت تعرف زندقتهم من خلال الكلام الذي يتكلمون به، والواجب هو جهاد هؤلاء، بالرد عليهم ومناصحتهم وشكواهم إلا ولاة الأمر، والاتصال بالمحاكم، والواجب تجاه الذي يعترض على قاعدة من قواعد الدين وهي الولاء والبراء: أن ننصحه ونذكره بالله، أو أن نتصل بأهل العلم، ونرفع عليه قضية إلى المحكمة، ونطالب بتطبيق الحد الشرعي عليه، أو أن يتوب عن هذا الكلام الذي تكلم به، بشرط: أن يكون الكلام واضحاً وصريحاً في الموضوع. ويجب علينا أن نتصل أو نكتب إلى ولاة الأمر، للأخذ على يد هذا السفيه، فهذا هو التعامل الصحيح مع مثل هذه الحالات، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم:٩]، وجهاد الكفار يكون بقتالهم في معارك مفتوحة معهم، ويكون في قدرة المسلمين أن يقاتلوا الكفار. والحالة الثانية: جهاد المنافقين بالدعوة وبالإصلاح، وبكشف أباطيلهم وعقائدهم الضالة، وبالاحتساب عليهم عند ولاة الأمر وشكواهم في ذلك، هذا هو الصحيح في التعامل مع هذه القضية، وما يدور الآن في الإنترنت من كثرة الاغتيالات أو غيرها، فهذه كلها أفكار غلو مخالفة للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله ؛ لأنه بهذه الطريقة سيضيع الحق مع الباطل، وبهذه الطريقة يكون هناك افتئات على القضايا العامة، والسياسات العامة التي تكون من سلطات ولي الأمر مما لا يصح للإنسان أن يقوم بها بنفسه، فلو أن إنساناً رأى زانياً فقام بجلده، فهذا غير صحيح، ولو رأى سارقاً فقطع يده، أو مرتداً فقتله، فهذه كلها يسميها العلماء في كتب الفقه (الافتئات على ولي الأمر) أي: دخول الأفراد العاديين في مسئوليات تتعلق بهيئات موجهة من ولاة الأمر في هذا الموضوع، وكأنه نصب نفسه قاضياً ثم منفذاً، ولو كانت القضية بهذا الأسلوب لما كان هناك قضاء جهة تنفيذ، ولاختلط الحابل بالنابل، فأي شخص يتهم شخصاً ثم يقوم بتنفيذ الحكم عليه باجتهاده فقد ضيع الحقوق بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، بل إن العلماء يقولون: لو أن شخصاً قتل أخاك فقتلته، فإن القاضي يحكم في هذه المسألة بألا تقتل، باعتبار أنك أخذت بدم أخيك، لكن يصح لولي الأمر أن يعاقبك بهذه المسألة باعتبار أنك افتأت على ولي الأمر وأقمت الحد عليه دون إذن منه، وهذا الذي يسمونه الآن في الاصطلاح بـ (الحق العام)، فيقسمون الحقوق إلى قسمين: حق عام، وحق خاص، والحق الخاص: هو المتعلق بك، والحق العام: يكون المسئول عليه الدولة وولاة الأمر، فلا يصح للإنسان أن يقوم بتقمص شخصية قاضٍ فيحكم، أو بتقمص شخصية ولي الأمر فيأمر وينهي في هذا الباب ويقوم بتنفيذ الحدود؛ لما يترتب على هذا من الفتنة الكبيرة والخطيرة، ولما يترتب ع

стр. 116

رسالة العبودية [٨] لقد بين الله تعالى في كتابه العزيز محبته لعباده المؤمنين العاملين، وخص بخلته من اصطفاه من عباده، وبين أن المحبة الصادقة له إنما تكون بالانقياد لأمره الشرعي ونهيه، والبعد عن مواطن معصيته وسخطه، منبهاً على أن أي محبة له غير مقترنة باتباع نبيه ﵌ فهي محبة كاذبة ظالمة.

стр. 117

الخلة والمحبة واستلزامها لكمال العبودية لله تعالى الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والخلة: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه]. هذا المقطع متعلق بوصف الله لإبراهيم بهذه المنزلة العظيمة وهي: الخلة، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]. وأيضاً في حديث النبي ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً). والخلة معناها: المحبة، وهي درجة عالية من درجات المحبة، وهذا دليل على أن الله يحب ويحب، فهو يحب عباده الصالحين، والصابرين، والمتقين، والمتطهرين، والتوابين، والذاكرين، وهو أيضاً يحب، فهو لكمال ذاته وصفاته وإنعامه على الخلق محبوب، وعلى قدر درجة محبة العبد تكون راحته وسعادته وعبوديته لله ، فإن أساس العبودية: المحبة، كما سيأتي معنا بإذن الله تعالى. فالله يحب ويحب، وقد نفى عنه هذا الوصف المنحرفون في صفات الله تعالى وهم الجهمية، فإنهم نفوا أن يكون الله يحب، كما نفوا أنه يحب، وقالوا: إن الله لا يحب؛ لأن المحبة من الأعراض، والأعراض تستلزم الحدود، والحدود منتفية عن الله ، وهذه شبهة عقلية فاسدة جاءوا بها من أجل أن يلغوا دلالات النصوص الشرعية في هذا الباب. وأيضاً قالوا: إن الله لا يحب، فلا تتعلق به محبة العبد، واعتبروا أن محبة العبد لا تتعلق إلا بالمحدثات، وهذا لا شك أنه باطل، ولهذا كان علماء السلف يسمون هؤلاء الجهمية: غلاظ الأكباد، يعني: ليس عندهم رقة، وليس عندهم تعلق بالله ، وإلا فإن تعلق المحبة بالله أمر يشعر به الإنسان في ذاته، ونفي هذه المحبة المتعلقة بالعبد لا شك أنها نفي لأمر طبيعي يشعر به الإنسان، ومن هنا يكون استنكار الإنسان لها أشد وأكبر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان معبداً للمحبوب، والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له ﷺ من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً]. يعني: الخلة هي رأس المحبة، وهي القمة في المحبة؛ ولهذا لا تقبل القسمة والاشتراك، بينما عموم المحبة يمكن أن تنقسم فيكون هناك أكثر من محبوب للشخص، أما محبة التأله التي فيها ذل وخضوع وانكسار فلا تكون إلا لله وحده لا شريك له.

стр. 118

بيان حب الصحابة لربهم وحب ربهم لهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بخلاف أصل الحب، فإنه ﷺ قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما). (وسأله عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها)]. يعني: أبا بكر الصديق ﵁، فقبح الله الرافضة الذين يبغضون من يحبه رسول الله ﷺ ، فرسول الله ﷺ يحب أبا بكر وهو من أفضل أصحابه، وهؤلاء يبغضون أبا بكر ويلعنونه ويطعنون فيه، فقبحهم الله ما أشد عصيانهم لرسول الله ﷺ ! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال لـ علي ﵁: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وأمثال ذلك كثير]. أبو بكر وعلي بن أبي طالب وبقية أصحاب النبي ﷺ كان يحبهم النبي ﷺ وإن كانت تتفاوت درجات المحبة، فأعلى أصحابه محبة عنده هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذه هي مراتب الأفضلية بالنسبة لأصحاب النبي ﷺ ، ولهذا يقول الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فجعل الفتح الذي هو غزوة الحديبية مميزاً بين من أسلم قبلها ومن أسلم بعدها، ولهذا فالذين أسلموا من قبل هم الأفضل وهم الأكمل، لكن هذا لا يعني أن الذين جاءوا من بعد ليس لهم فضل، ولهذا قال الله فيهم: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥]، فهم من أهل الفضل والمكانة، ولهذا يوجد من الكتاب الجهلة والصحفيين الذين لا يعرفون من العلم إلا اسمه من يتجرأ على أصحاب النبي ﷺ ، وبالذات على من يسمون بالطلقاء، والمقصود بالطلقاء: الصحابة الذين أسلموا عام الفتح، عندما دخل النبي ﷺ مكة، فيبغضون بعضهم، وقد يذمونهم وينتقدونهم، أو ينتقصون عمراً بن العاص أو معاوية أو نحو ذلك، فكل هؤلاء من الضالين المنحرفين -والعياذ بالله- فإن أصحاب النبي ﷺ كلهم من أهل المحمدة، ومن أهل الفضل، ومن أهل المكانة العالية، أما من يتكلم عليهم فلا شك أنه: كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهن قرنه الوعل

стр. 119

الفرق بين المحبة والخلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر تعالى أنه (يحب المتقين) (ويحب المحسنين) و (يحب المقسطين) و (يحب التوابين) و (يحب المتطهرين) ويحب ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين، ومحبة المؤمنين له حتى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. أما الخلة فخاصة، وقول بعض الناس: إن محمداً حبيب الله، وإبراهيم خليل الله، وظن أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف، فإن محمداً أيضاً خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة، وما يروى: أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها. وقد قدمنا أن محبة الله تعالى: هي محبته ومحبة ما أحب، كما في الصحيحين: عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)]. هذه الآيات هي في سياق كون الله يحب؛ لأنه أضاف المحبة إليه، فيحب يعني: الله ، فهناك ضمير مستتر في الجملة يعود إلى الله . وهناك محبة لله ولوازم لهذه المحبة، فمن لوازم محبة الله : محبة ما يحب، مثل: فرائض الله التي أمر بها، فإنه لا يأمر شرعاً إلا بما يحب، ومن ذلك أيضاً: الأعيان التي يحبها الله كالصحابة والأنبياء قبل ذلك، وكالأماكن التي يحبها الله مثل: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، وبلاد الشام عموماً، ومثل: الأوقات التي يحبها الله ، كمحبة الله لشهر رمضان أكثر من محبته لغيره من الشهور، ومحبته للعشر الأوائل من ذي الحجة أكثر من محبته لغيرها وهكذا، فربك يخلق ما يشاء ويختار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبر النبي ﷺ : أن من كان فيه هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئاً أو اشتهاه إذا حصل له به مراده، فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى. ومن قال: إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء فقد غلط في ذلك غلطاً بيناً، فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة، فإن الإنسان مثلاً يشتهي الطعام، فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة، فاللذة ليست هي الأكل، ولذلك يشتهي النظر إلى الشيء فإذا نظر إليه التذ به، واللذة تتبع النظر، ليست نفس النظر، وليست هي رؤية الشيء، بل تحصل عقيب رؤيته، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن، وأمثال ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن]. هذه قضية واضحة، فإن اللذة التي تتعلق بهذه الأعمال ليست هي مجرد إدراك الملائمة، وإنما هي قدر زائد على هذا الإدراك؛ لأن إدراك الملائمة هو الشعور به، لكن ما يحصل في القلب من ارتياح وانبساط وما يحصل فيه من مشاعر تتفاوت من شخص إلى شخص بناء على اللذة التي حصلها، فينبغي إدراك هذه القضية. والضالون من أهل الكلام وغيرهم عندما يقولون: إن محبة الله هي إرادة الثواب أو إرادة هذا العمل أو نحوه، يريدون بهذا الهروب من معنى المحبة وردها إلى الإرادة، لكن المحبة قدر زائد على مجرد الإرادة، وفي حالة العبد يكون هناك في المحبة لذة، وهي قدر زائد على مجرد الإدراك، فإن الإدراك أمر علمي قد يحصل بدون فرح ولا سرور، وقد يحصل بدون انبساط، وقد يحصل بدون أي علامة من علامات التفاعل مع هذا الأمر، فالإدراك معناه: العلم أو الإرادة، لكن القدر الزائد على الإدراك والقدر الزائد على العلم هذا هو ما يسميه الآن علماء النفس: بالعواطف، أو هو المشاعر التي تحصل للإنسان من فرح وحزن ولذة وسعادة ونحو ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها. فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم. وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ودفع ضدها: أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار. فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله ﷺ يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله؛ وأحقهم بأن يحب ما يحب

стр. 120

حقيقة المحبة وموضعها من العبودية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء، أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها. وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية، وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد]. هذا يروى عن مكحول. رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح عنه. وبالنسبة لمسألة وجود المحبة في العبودية، وأنها تعتبر من أسس العبودية فهذا أمر متفق عليه عند أهل السنة، لكن أهل البدع خالفوا في هذه القضية وقالوا: إن المحبة ليست داخلة في العبودية، وفهموا أن العبودية هي مجرد إذلال وخضوع، ولهذا قالوا: بأن العبد عابد لله ، أي: ذليل له، وأن المحبة قدر بعيد لا يستطيعها أي أحد، والحقيقة: أن المسلم أي مسلم لا بد أن يجتمع فيه الخضوع والذل مع المحبة كأصل من أصول الإسلام، ثم بعد ذلك يختلف الناس في ازديادهم في العبادة، فإذا زادت عبادته لله زادت محبته له حتى يصل إلى مراتب عالية جداً، ولهذا كان أعلى أهل الإيمان هو النبي ﷺ وإبراهيم الذي وصل إلى مرتبة الخلة التي هي أعلى المحبة، والسبب في نفي وجود المحبة في العبودية عند الصوفية وأهل الكلام: هو تعظيمهم لموضوع العبودية، وهو فرع عن مذهبهم في القدر الذي سبق أن أشرنا إليه، وقولهم بالجبر، وأن الإنسان خاضع لله ذليل له اضطرارياً، وأن العبودية لله هي تحقيق مقتضى الخضوع الاضطراري التام الذي ليس معه اختيار بالنسبة للعبد، ولهذا فالعبودية عندهم تختلف من حيث معيتها عن العبودية عند أهل السنة، فالعبودية عندهم تقتضي مجرد الخضوع للإرادة الكونية، فإذا خضع للإرادة الكونية وخضع للأمر الكوني وللعبودية الكونية فإنه حينئذ يكون عابداً، وهذا لا شك أنه خطأ كبير؛ لأن الإرادة الكونية العامة هي ما خلقه الله في الكون ابتلاء للإنسان، وهو مطالب بمنازعة بعض ما خلقه الله، فالله خلق الكفر ابتلاء، وخلق المعاصي والذنوب، وخلق الحر والبرد، وخلق أموراً كثيرة مما يكرهه هو ومما يكرهه الإنسان، والحكمة في هذا الموضوع هي: الابتلاء، فيجب على الإنسان أن يدفع ما خلقه الله من المكروهات بما أمر به من المحبوبات، فالله خلق الكفر وأمر بالإيمان، فيدفع الكفر بالإيمان، والله في الأمور الطبيعية خلق البرد وينبغي على الإنسان أن يدفعه بالابتعاد عن مواطنه، أو البحث عما يبعده عن مواطنه، وهكذا في سائر الأمور سواء الشرعية أو الطبيعية.

стр. 121

حكم الاكتفاء بالمحبة في العبودية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية]. يعني: كما أنه يوجد أشخاص أخرجوا المحبة من حقيقة العبودية يوجد أشخاص أيضاً حصروا المحبة في العبودية إلى درجة أنه كما قال الشيخ: أوصلهم إلى نوع الرعونة، وادعاء العشق، بل بعضهم يأتي بالأشعار والأبيات التي يذكرها الشعراء في معشوقاتهم من النساء ويجعلها بينه وبين الله ، وقد يستخدم لفظ العشق، ولا شك أن هذا أمر مذموم وغير صحيح، فإن محبة الله تختلف عن محبة المخلوقين، ولا شك أنه قد توصله هذه الدعوى إلى فقدان الخوف من الله ، والأمن من مكره ، ولهذا يقول العلماء: إن الخوف والرجاء كالجناحان للطائر. فإن الانبساط في المحبة قد يوصل إلى الإرجاء، ولهذا جاءت المقالة التي تنقل عن رابعة العدوية أنها قالت: إنا لا نعبد الله خوفاً من ناره ولا طلباً لجنته، وإنما نعبد الله محبة فيه. وهذا لا شك أنه خطأ وغير صحيح، فنحن نعبد الله محبة فيه، وخوفاً من ناره، وطلباً لجنته ورضوانه، ولهذا جاءت الأحاديث الصريحة والآيات القرآنية الواضحة التي تبين ثواب الأعمال، والترغيب في الجنة، والآيات الواضحة التي تبين الترهيب من النار، ولو لم يكن لهذا دور في العبودية لما كان هناك مبرر لذكرها، ولهذا ينقل عن رابعة أنها كانت إذا سمعت بعض الآيات الواردة في الجنة أو النار تقول: يدللوننا كأننا أطفال. ولا شك أن هذا خطير إذا ثبت ذلك عنها، والله يقول عن الرسل أنهم كانوا: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، فدعوة الرغب تقتضي وجود المحبة والرغبة فيما عند الله، ودعوة الرهبة تقتضي وجود الخوف منه، فلا بد من الاجتماع بين الخوف والرجاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة، حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله، ويدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين، أو يطلب من الله ما لا يصلح -بكل وجه- إلا لله، لا يصلح للأنبياء ولا للمرسلين فضلاً عمن هو دونهم. وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسببه: ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل، وجردها الأمر والنهي الذي جاءوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله]. الشيخ هنا يتحدث عن حمق من يشتغل بالعبادة مع جهل فيه أوصله إلى نوع من الرعونة أو طلب غير الممكن، كأن يطلب بعض صفات الله له ونحو ذلك، فإنه يوجد من الحمق في مجتمعات المسلمين اليوم شيء كثير وبالذات عند المنافقين، وخصوصاً الذي يكتبون في الصحافة هذه الأيام، فكثير -مع الأسف- ممن يكتب في الصحافة هذه الأيام هو من هذا الجنس والنوع، ولهذا يوجد بعض الكتاب اليوم يتكلم في الدين وهو ليس من أهله لا علماً ولا اطلاعاً، فليس عنده علم شرعي يمكن أن يتكلم به، وليس عنده اطلاع يمكن أن يتكلم به، ومن أمثال هؤلاء رد الكاتب الجاهل أبي السمح على الشيخ صالح الفوزان، والحقيقة أنه ليس في مستوى الرد عليه، لكن الشيخ صالح أراد أن يزيل شبهة يمكن أن توجد عند العوام فبين أن قضايا الولاء والبراء ليس فيها أي تكفير غير من كفره الله ، ومع هذا يأتي مثل هذا الأحمق ويرد على الشيخ ويذكر نماذج ليس فيها تكفير، منها مثلاً: أن الشيخ يحرم ابتداءهم بالسلام، فهل هذا فيه تكفير؟ بل هذا غاية ما فيه أنه يحرم ابتداؤهم بالسلام، وهذه أمور ليست جديدة، ومنها مثلاً: ويجب أن يضطروا إلى أضيق الطريق، وهذه هي الوثيقة العمرية التي كتبها في عهده لأهل الذمة، وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم وليست أمراً بعيداً، والحقيقة أن المشكلة التي نعاني منها في هذا الزمان هو ما ذكره النبي ﷺ من علامات آخر الزمان في قوله ﵊: (وينطق فيه الرويبضة)، فأنا لا أشك أبداً أن هناك مجموعة كبيرة من الكتاب الذين يكتبون في الصحافة هم من الرويبضة، وهم التافهون الذين يتكلمون في الأمور العامة، فيأتي إنسان ويبطن في نفسه إرادة سيئة على مستوى بنات المسلمين في بلادنا مثلاً، فيأتون بمقترح مثل مقترح التربية الرياضية للبنات، وأن البنت ليست ممنوعة بأن تحرك يديها يميناً وشمالاً، أو تتحرك أماماً أو خلفاً، أو أن تجلس في بيتها وتتحرك قليلاً، لكن وجود مادة مستقلة لها أهداف معينة كوجود فريق نسائي رياضي يمثل بلادنا في المنتديات العالمية، وأن ينافس على كأس، أو وجود سابحات يظهرن بسراويل صغيرة، وسنتيانات يعرضن أجسادهن على الكاميرات العالمية، فهذا

стр. 122

الانقياد للمحب شرط في ثبوت المحبة الصادقة قال المؤلف ﵀: [وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله ويقول: أنا محب، فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]]. يعني: كأنه عندما ادعى أنه محب لله ظن أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأن الحبيب يستحي من حبيبه ولا يعاقبه، فهذا فهم فاسد، وهو كفهم اليهود عندما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] يعني: إذا قيل لهم: لماذا تحرفون الكتاب؟ لماذا تعتدون؟ لماذا تفعلون الزنا؟ لماذا تقومون بأكل الربا؟ اعتذروا وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى لهم: ﴿قُُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:١٨]، فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين، ولا منسوبين إليه بنسبة البنوة، بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون. فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغضه ويبغض منه ذلك، كما يحب عبده المؤمن ويحب منه ما يفعله من الخير، إذ أن حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه، وعدم تداويه منه لصحة مزاجه. ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه، وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي كان فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، علم ضرر الذنوب بأصحابها، ولو كان أرفع الناس مقاماً، فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفاً بمحابه ولا مريداً لها بل يعمل بمقتضى الحب وإن كان جهلاً وظلماً كان ذلك سبب بغض المحبوب له ونفوره عنه، بل سبباً لعقوبته. وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من الجهل بالدين]. كلمة (السالكين) كثيراً ما يستخدمها شيخ الإسلام ﵀، ويقصد بها أحياناً: المتعبدين عموماً، وأحياناً طوائف من الصوفية.

стр. 123

مظاهر الغلو في المحبة عند الصوفية قال رحمه الله تعالى: [وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحداً فأنا منه بريء، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحداً من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء. فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار, والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار]. يعني: كأن النار في أيديهم، وكأن الله أوكلهم ليخرجوا من شاءوا ويتركوا من شاءوا، وهذا الاعتقاد موجود عند طوائف من الصوفية، فهم يعتقدون أن الأولياء قادرون على إخراج من يشاءون من النار، ولهذا تجد تلاميذهم يطالبون الشيوخ بأنهم إن وجدوهم في النار أن يخرجوهم منها، ويعدهم الشيخ بذلك قائلاً: لن أتركك في النار، وكأن النار بيده يخرج من يشاء منها، ويدخل من يشاء الجنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد، وأمثال ذلك من الأقوال]. قوله: (حتى لا يدخلها أحد) يعني: حتى الكفار، وهذا شيء غريب وعقائد عجيبة جداً عند الصوفية.

стр. 124

موقف العلماء مما ينسب لمشايخ الصوفية الصادقين قال: [وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين وهي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم]. هذه مسألة مهمة جداً، فأحياناً تنسب لبعض الشيوخ المتزهدين الأوائل أمثال الجنيد وغيره أقوال لا تثبت عنهم، كما ينسب الشيعة إلى جعفر الصادق أقوالاً لا تثبت عنه، وذلك أن هذه الطوائف -الصوفية والشيعة بالذات- ينتسبون إلى أشخاص، فينسبون إليهم أقوالاً وفتاوى وأفكاراً، وهي ليست ثابتة عنهم، وإنما يكذبون عليهم، وقد مرت فترة من الفترات اشتهر فيها وضع الأحاديث النبوية، والأقوال المنسوبة لأمثال هؤلاء المعظمين عند هذه الطوائف، فـ عبد القادر الجيلاني عالم حنبلي من علماء أهل السنة، عندما تقرأ كلام الصوفية عنه تتعجب؛ إذ لا يمكن أبداً أن يصدر مثل هذا الكلام عن عبد القادر الجيلاني، والسبب في هذا: هو الكذب عليه، فهم يكذبون عليه، وينقلون عنه ما لم يقله، وينسبون إليه ما لم يفعله، ولهذا لا بد من التحقق في كتب المتأخرين من الصوفية والشيعة؛ لكونها مليئة بالأكاذيب، سواء المنسوبة إلى الله، أو إلى النبي ﷺ ، أو إلى بعض الأولياء والصالحين، فهم يشتغلون بهذه النسب، أما الشيعة فيعتقدون ذلك ديناً، وينقلون عن جعفر الصادق ما ليس صحيحاً عنه، ومن ذلك أنهم ينقلون عن أنه قال: التقية ديني ودين آبائي وأجدادي. فينسبون شيئاً من العقائد ثم ينفونه في مكان آخر حتى يضللوا الناس، وحتى لا يستطيع أحد أن يحاكمهم، وهذه عقيدة مشهورة عندهم تسمى بالتقية، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية) يقول: دينهم الكذب، ويتعبدون بالكذب على الصالحين والأولياء والأئمة.

стр. 125

طرق العبودية بين السنة والصوفية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها]. السكر والغلبة والفناء: هذه مصطلحات خاصة عند الصوفية، فالسكر: هو حالة من حالات الانتعاش النفسي بعد الكشف أو الفناء، أما الفناء: فهو درجاته، وسيأتي الحديث عنه بشكل تفصيلي، فالصوفية لهم طريقة في التعبد غير طريقة أهل السنة، فطريقة أهل السنة أن التعبد مداره الأمر والنهي، فما أمر الله به عمل به، سواء أمر أيجاب أو استحباب، وما نهى الله عنه انتهي عنه، فكلما ازداد عملك فيما أمر الله به وابتعدت عما نهى الله عنه كلما زادت مقامات الإيمان عندك، وهذا هو الإيمان وهذه هي العبودية، وله مقامات عالية وكثيرة، وذلك على قدر التزام الإنسان بدينه الذي هو فعل الأمر وترك النهي، فهذا هو طريق التعبد عندنا، ويكون هذا الطريق مع الإخلاص لله ، واتباع سنة النبي ﷺ ، وترك الابتداع، أما الصوفية فطريقتهم في التعبد مختلفة تماماً، فهم يبدءون عن طريق الخلوة، فيقولون: إن أفضل طريقة: هي أن تجلس في خلوة تنقطع عن الناس فيها، وتنقطع عن قراءة القرآن، وطلب الحديث، وطلب العلم، هكذا نص عليها الغزالي في (إحياء علوم الدين) وتلتزم بورد معين، أي: ذكر معين، وهذا هو ذكر عادي جداً، لكنه ليس من كلام النبي ﷺ ، بل من كلام أحد شيوخ الصوفية، وأحياناً يكون الذكر نفسه ممتلئاً بالخرافات أو بالبدع، فيردده مرتين، أو ثلاث مرات، أو عشرين ألفاً، وأحياناً مئات الآلاف، وأحياناً يردد اسماً واحداً مثل: الله الله الله الله الله آلاف المرات، أو: لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف، أو يأخذ سورة واحدة مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ويرددها آلاف المرات مثلاً، فيستمر على هذه الحال حتى يأتيه الكشف، والكشف: هو حالة تحصل عند الإنسان تزيل أمامه حجب المعرفة، فتكون معرفته بالله أعظم، وأحياناً يوجد منهم من يعتمد على بعض الرياضات المأخوذة عن الهنود، فيقوم برياضات مثل: الجوع، فيجلس عليه فترات طويلة، ولهذا عقد الغزالي فصلاً كاملاً في (إحياء علوم الدين) في فضل الجوع، والجوع له فضل إذا كان الإنسان صائماً، أو قلل الأكل؛ لأن كثرة الأكل تفسد القلب، وهذا أمر متفق عليه، لكن هم يفضلون الجوع كوسيلة من وسائل الوصول إلى الكشف، وأحياناً يقف الرجل على رأسه فترة طويلة، وأحياناً ينزع ملابسه ويجلس في الهجير في الوقت الذي تشتد فيه الشمس أوقاتاً طويلة حتى يتأثر عقله، فيحصل عند بعضهم نوع من الأمراض النفسية ونوع من الهستيريا، وهم يسمون هذا: كشفاً، وحينئذ ما يأتي للإنسان من كشوف فهي عندهم يقين وصواب مائة بالمائة، ومن هنا يجد الشيطان فرصة لأن يدخل عليه، وأن يلعب ويعبث به، ولهذا فإن الشياطين أكثر ما عبثت بالصوفية، والصوفية هم أئمة السحر في العالم، وكل كتب السحر التي تباع الآن في العالم الإسلامي مؤلفوها هم من الصوفية الكبار، فشمس المعارف الكبرى مؤلفه محمد بن علي البومي ترجم له يوسف بن إسماعيل النبهاني في جامع كرامات الأولياء فقال: وكان مجاب الدعوة، وأسرار الحروف وما يتعلق بعبادة الكواكب وغيرها جاءت من الصوفية. إذاً: فالخلاف بيننا وبين الصوفية خلاف جذري، وبعض الناس يتصور أن الخلاف بيننا وبين الصوفية هو خلاف في المولد مثلاً، أو أن الصوفية يذكرون الله كثيراً ونحن لا نذكر الله كثيراً، وهذا تسطيح للقضية، وتصوير لها بغير صورتها الحقيقية، فالصوفية منهج متكامل، وليس بالضرورة أن كل من يقول: أنا صوفي يتحقق فيه هذا الأمر، فالمدعون كثر، لكن المنهج الصوفي فيه غرائب وعجائب، ولهذا فإن أصحاب الطريقة الرفاعية يعتمدون ألواناً من السحر مثل: أكل الحيات والعقارب، ومثل إدخال النار إلى الجوف وإخراجها، ومثل: إدخال السيف في العين وإخراجها من الخلف، وكلها مظاهر من مظاهر السحر، ولو ترجعون إلى كتب التراجم عند الصوفية تجدون العجائب، فتجدون من ينام مع الكلاب السنوات الطويلة، ومن يترك ملابسه عليه الأعوام المتعددة والمتكررة، ومن يجلس في الأماكن الوسخة والقذرة ويأكل منها، ويسمون هؤلاء: الملامية، يعني: الأشخاص الذي يعملون أعمالاً يلومهم عليها الناس حفاظاً على عدم انكشاف سرهم، وقد يكون قطباً يدور عليه الكون، فهم يرون أن هذا الكون يدور على مجموعة أقطاب، قد يمشون بيننا ونحن لا ندري عنهم، ويقولون: إن الكون يدور على مجموعة من الأولياء، قد يكون هذا الولي جالساً بجنب زبالة فتظن أنه مسكين فقير جاهل وهو يحرك الكون، ولهذا توجد عندهم مصطلحات مثل: الغوث، ولو رجعنا مثلاً لكتاب (الرسالة) للقشيري لوجدنا أنه يفسر الغوث: بأنه هو الذي يستغاث به، ويستمد منه عند الحوائج، وهذا هو حقيقة الشرك بالله رب العالمين. وكما قلنا: لا يعني أن كل واحد يقول: أنا صوفي، توجد عنده الشركيات، بل قد يوجد شخص يقول: أنا صوفي، ويتبرأ من هذه الشركيات كلها، ف

стр. 126

ضابط المحبة الصادقة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام، كان هذا أصل مقصدهم، فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائناً ما كان، ولهذا أنزل الله محبة يمتحن بها المحب فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]]. وهذا هو الضابط: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فليس هناك أحد يحب الله أكثر من النبي ﷺ ، ولهذا كان خليل الله، وهو حبيب الله، ومع هذا ما جمع الصحابة في حضرة واحدة، وقاموا يغنون ويرقصون حتى يغمى عليهم ويتكلمون بهذا الكلام وهذه الخرافات، وقد ذكر الشعراني في آخر طبقاته: إبراهيم العريان فقال: كان سيدي إبراهيم العريان يقف أمام الناس في المسجد ويخطب بهم وهو عريان، ليس عليه شيء، ويقول الناس: أنهم رأوه في أكثر من مكان في وقت واحد، وكان يستعيذ بالله من النبي ﷺ ويصلي على إبليس، ويخرج إلى الناس بعد أن يكون عرياناً بالسيف فيطردهم ويخرج الناس من المساجد، وهذه من كراماته ﵀، وأقول: إذا كانت هذه كراماته فما هي مشاكله؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يكون محباً لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسننه ﷺ ، ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته]. بل بعضهم صار مثل النصارى إذا تزوج امرأة بكراًفلا يفض بكارتها إلا ولي من أولياء هؤلاء، فهم قد بلغوا أموراً خطيرة جداً، بل بلغوا إلى عبادة غير الله حقيقة، فالمشاهد ما انتشرت في بلاد المسلمين إلا عن طريق الصوفية، فتراهم يحيون المشاهد والقبور والمزارات، ويبنون على القبر حتى تظن أنه مسجد ويقولون عن القبر: هنا روضة ومطاف حول القبر، فحولوا القبور إلى مساجد وأماكن للعبادة، مع أن القبور ليست مكاناً للعبادة، بل هي مكان للدفن، ولهذا لم يكن في يوم من الأيام أحد يستطيع أن ينقل عن النبي ﷺ أنه حول البقيع إلى مساجد وأماكن ودوراً للعبادة، فهؤلاء العابثون غيروا كثيراً من مواصفات المنهج الإسلامي.

стр. 127

الجهاد أساس محبة الله ورسوله وموقف الصوفية منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به]. الصوفية هم من أكبر الطوائف المعارضة للجهاد، فهم لا يرون الجهاد أبداً، ولهذا عندما انتشر التصوف في بلاد المسلمين أصابهم الذل والخور والانهزام إلى درجة أن المستعمرين استعمروا كثيراً من البلاد الإسلامية بلا مقاومة، بل إن بعض شيوخ التصوف كان يقف مع المستعمرين ويأمرهم بالبقاء في بلاد المسلمين والجلوس فيها، وكان بعض المسلمين -مع الأسف- يأتي إلى قبور بعض الأولياء ويصيح عنده: يا نقشبند! أغثنا، يا نقشبند! المغول يريدون قتلنا، فيقتلونه على قبر نقشبند وهو يصيح عنده فلا ينفعه شيء ولا يقاوم عن نفسه، ولهذا لا توجد حركة من حركات الصوفية استخدمت أسلوب المقاومة إلا وكانت شاذة عند التصوف، وإنما أرادوا إنشاء مثل حالة المهدي الذي كان في السودان، فكما أنه يوجد من الأشخاص المنتسبين إلى السنة اليوم من يطالب المسلمين بالخضوع الكامل للكفار وعدم مقاومتهم وهذا مخالف للسنة، فكذلك يوجد من الصوفية وهم طوائف قليلة يطالبون بالمقاومة ضد الاستعمار، لكن الأصل في التصوف أنه ضد الجهاد الإسلامي وهذا أمر معروف تاريخياً.

стр. 128

علاقة المحبة بالأمر الكوني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به، وكمال بغض ما نهى الله عنه، ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم، وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد ﷺ ، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل، فأين هذا من قوم يدعون المحبة؟! وسمعوا كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان، ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل لا يمكن أن يحب إلا ما يلائمه وينفعه، وأن يبغض ما ينافيه ويضره]. لأن الأمور الموجودة منها: أمور تلائم، ومنها: أمور تنافر، وهناك أمور يمكن للإنسان محبتها، وأمور لا يمكن محبتها، ولهذا فإن الدعوى التي تقتضي الجبر المطلق والخضوع المطلق لكل من خلقه الله دعوى باطلة من ناحية الشريعة، وباطلة من الناحية الواقعية، فمثلاً: لو جاءك شخص وقتلك فهل تحبه؟ هذا أمر غاية في البطلان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل لا يمكن أن يحب إلا ما يلائمه وينفعه، وأن يبغض ما ينافيه ويضره، ولكن استفادوا بهذا الضلال من اتباع أهوائهم، ثم زاد انغماساً في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله، وكذبوا وضلوا؛ لأن محبة الله لا تكون إلا ببغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال. وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات، أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله من غير هؤلاء الصوفية مثل هذه المقالة فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى: محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله، وهذا معنى صحيح، فإن من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة، وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محباً له، بل محباً لما يبغضه].

стр. 129

الأسئلة

стр. 130

التكفيريون وبيان خطرهم السؤال ما هي عقيدة التكفيريين؟ وما نصيحتك لمن ينتمون لهم؟ الجواب التكفيريون كلمة غير منضبطة، والأولى هو استخدام أسلوب أو اصطلاح الخوارج، فإن الخوارج هم الذين يكفرون الناس بالذنوب، فكل من كفر أحداً لم يكفره الله ولم يكفره رسول الله ﷺ فهذا ضال منحرف، وأول فرقة انحرفت في باب التكفير في تاريخ المسلمين هم الخوارج، وكان انحرافهم هو أنهم يكفرون أصحاب المعاصي: الزاني، وشارب الخمر، وآكل الربا، والمغتاب ونحو ذلك، فيكفرونه ويخرجونه عن دائرة الإسلام، وهذا إسراف وعدوان، فإن أهل المعاصي وإن كان إيمانهم ناقصاً وهم من أهل الوعيد إلا أن أصل الإسلام باق معهم، أما تكفير من كفره الله ورسوله ﷺ فهذا هو المنهج والمعتقد الصحيح، ولهذا فبعض الناس يشغبون ويضعون غباراً كثيراً حول مسألة التكفير بدون توضيح، وهنا يكون الخطأ، فنحن مثلاً نكفر من يعبد القبور، والذين يطوفون حولها، ويستغيثون بالله، ونكفر من يأتي بالقوانين الوضعية وينحي شريعة الله ، ونكفر الذي يستحل ويعتقد حل المعاصي، ونكفر من يسب الله أو رسول الله ﷺ ونكفر كل من كفره الله في القرآن، لكن بعض الناس يشغب على أهل السنة، فإذا سمعنا مثلاً: أن كاتباً أو أديباً -وهو بعيد عن الأدب- يسب الله أو يسب الرسول ﷺ فقلنا: هذا كفر، شغبوا علينا وقالوا: أنتم تكفرون الناس؟ فنقول: هذا كافر ولا شك به، وإلا فلو كان الذي يسب الله أو يسب الرسول ﷺ ليس بكافر فلا يوجد كافر في الدنيا، بل إن النصارى وبعض اليهود يحترمون الله أشد من هؤلاء الذين يسبون الله والرسول ﷺ في روايتهم الأدبية وغيرها، فالأمر المحرم في باب التكفير هو الاعتداء والجور بتكفير أصحاب المعاصي، أو التساهل في التكفير، فمتى وجد للشخص عذر يمنع عنه التكفير فإنه لا يكفر؛ لأن الأصل هو بقاء الإسلام، فيدخل في النقد الذين عندهم غلو في التكفير حيث يكفرون من تلبس ببعض المكفرات مباشرة وهذا غير صحيح، بل الواجب هو التأني والتريث والدراسة وصدور هذا الأمر عن أهل العلم، خصوصاً في القضايا العامة، فالقضايا العامة لا يصح للشباب أن يجتهدوا من عند أنفسهم؛ لأن هذا يدعو إلى التفرق مع الزمن، لكن يصدرون عن أهل العلم المعتبرين الثقات من أهل السنة والجماعة، وهم كثير -ولله الحمد- في بلادهم، وهذه من نعمة الله ، حيث جعل العقيدة السلفية الصحيحة التي ندرسها في المساجد هي التي ينشرها شيوخنا وعلماؤنا الرسميون وغير الرسميين ممن لهم وظائف دينية مثل: هيئة كبار العلماء، أو أساتذة الجامعات، أو غيرهم من الشيوخ الذين لهم جهد في إصلاح العقيدة في الناس، فالمقصود: هو أن القضايا العامة لا يصح لأحد أن يشذ فيها وإنما يصدر فيها عن أهل العلم؛ حتى تكون مسيرة الدعوة إلى الله ومسيرة الإصلاح ومسيرة الشباب الصالحين مسيرة منضبطة، تمشي في طريقها الصحيح. إذاً: ينبغي عند مسائل التكفير الانتباه إلى قضيتين أساسيتين: القضية الأولى: الحذر من الأشخاص الذين يكفرون أصحاب الذنوب، وهؤلاء هم الخوارج. والأمر الثاني: هو إدراك أن قضايا التكفير حساسة ودقيقة وغامضة ينبغي للإنسان أن يدرسها، وفي القضايا العامة ينبغي أن يصدر فيها عن أهل العلم.

стр. 131

حكم لزوم عدد معين في العبادات السؤال قال لي زميل في العمل: إنه يردد آية من القرآن الكريم عدة مرات قليلة قبل النوم، فعندما يستيقظ يجد أن قلبه كان يذكر الله وهو نائم، وأنه وصل إلى درجة من الإيمان عالية نوعاً ما، فهل هذا من التصوف؟ الجواب هذه ليست معروفة في السنة، بل السنة إذا أوى الإنسان إلى فراشه أن يذكر الله بالذكر الوارد، وفيه مجموعة من الآيات، مثل: آية الكرسي والمعوذات وبعض الأدعية الصحيحة، هذا هو الوارد فيما يتعلق بأذكار النوم، أما قراءة آية وترديدها بطريقة معينة والتزامها فهذا لم يرد في سنة النبي ﷺ ، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يبتعد عن الأمور التي قد توصله إلى الابتداع.

стр. 132

الطريق إلى محبة الله السؤال كيف أصل إلى محبة الله ﷻ ؟ الجواب سبق أن أشرت إلى أن الطريق إلى الوصول إلى محبة الله واضح وهو التزام ما أمر الله به، ويدخل في هذا الواجبات والمستحبات، والبعد عن كل ما نهى الله عنه، فإذا انضبط في أداء الواجبات، سواء واجبات الأعمال في الظاهر، أو واجبات القلب كالتوكل على الله، والاعتماد عليه والإنابة إليه والتدبر للقرآن، والصيام، والإكثار من ذكر الله، وقراءة القرآن، وحضور القلب، والخشوع في الصلاة، والإنفاق في البر والخير على الفقراء واليتامى والمساكين ونحوهم، وبر الوالدين، والنصح للزوجة، والتعامل معها بالمنهج النبوي، وضبط المال بحيث يأتيك من حلال وتصرفه في الحلال، حتى تصبح حياتك كلها حياة شرعية صحيحة، فتبتعد عن الحرام، وتحافظ على جوارحك، حينئذ ينمو الإيمان في قلبك مثل البذرة، وكلما ازداد التزامك كلما ازدادت هذه البذرة في قلبك حتى تصبح شجرة الإيمان قوية في قلبك، وحينئذ تحصل على محبة الله .

стр. 133

زوال الرخص في الأعمال إذا زالت الحاجة إليها السؤال أنا رجل أعمل في شركة، ودرست في مدرسة فقدموني ساعة قبل العمل لأجل المدرسة، ثم تركت المدرسة، ولا زلت مقدماً ساعة قبل الدوام، فماذا ترى؟ الجواب الأولى أنه إذا انتهى المبرر الذي من أجله قدمت هذه الساعة فعليك أن ترجع إلى صاحب القرار المعني في هذا الأمر وتخبره بأنك تركت الدراسة، فإن أبقاك على ما أنت عليه بدون أن يكون هناك ضرر على العمل فلا مانع، وإن كان هناك ضرر على العمل فإنه يجب أن ترجع إلى ما كنت عليه سابقاً.

стр. 134

عموم أحكام الشريعة لجميع الناس السؤال بعض الأشخاص يقولون: إن التخويف والترغيب والآيات والأحاديث الواردة في ذلك هي للعامة، وأما الخاصة وأصحاب المراتب العالية فهم الذين يعبدون الله بالمحبة فقط؟ الجواب هذا الكلام غير صحيح، فإن الآيات الواردة في القرآن آيات جاءت عامة لكل الناس، فتشمل الخاصة والعامة وكل أحد، فهذه الفكرة غير صحيحة، والعبادة بالمحبة وحدها توصل إلى الضلال والانحراف، والصحيح هو أن يعبد الإنسان الله بالخوف والرجاء والمحبة.

стр. 135

الفرق بين الكرسي والعرش السؤال ما هو الفرق بين الكرسي والعرش؟ الجواب العرش: هو الذي استوى عليه الله كما قال : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وأما الكرسي فهو الوارد في الآية المشهورة آية الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد جاء عن ابن عباس: أن الكرسي هو موضع قدمي الرب .

стр. 136

حقيقة الحب الطبيعي السؤال ما حكم الإسلام فيمن يحب زوجته حباً يدرك معه أنه مقصر في حب الله والعبودية التامة له؟ وكيف يتخلص العبد من هذا الأسر لغير الله حتى تتحقق العبودية؟ الجواب محبة الزوجة لا مانع منها إلا إذا وصل إلى درجة يطيعها فيما حرم الله ، أو يتعلق قلبه بها فيشغله ذلك عن عبادة الله وذكره وشكره، وينسيه ما يجب عليه من العبادة، حينئذ يجب عليه أن يجتهد في أداء الأمر واجتناب النهي، وأن يخفف من هذه المحبة التي قد يكون عواقبها النهائية سيئة بالنسبة له.

стр. 137

توحيد الألوهية أساس التوحيد السؤال ذكرتم أن العبودية تعتبر أساس التوحيد، وتوحيد الله سبحانه مبني على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العبودية لله جل وعلا، والأمر الثاني: ربوبية الله، الأمر الثالث: إثبات الأسماء والصفات، وهذه الثلاثة حقيقة التوحيد التي لا يتم الإيمان إلا بها فما معنى هذه العبارة؟ الجواب أساس التوحيد: هو توحيد الألوهية، فإذا وجد توحيد الألوهية وهو توحيد العبودية أيضاً فسيوجد معه قطعاً وفي ضمنه توحيد الربوبية؛ إذ يستحيل أن يوجد إنسان منكر لوجود الله ويعبده في نفس الوقت، فتوحيد الألوهية وهو العبودية لله يشمل توحيد الربوبية بالتضمن، ويدخل فيه أيضاً توحيد الأسماء والصفات، فإن العبودية لا تكون تامة إلا بالإيمان بأسماء الله وصفاته، فالعبودية وتوحيد الألوهية شامل لهذه جميعاً، فلو وجد شخص يقول: أنا مؤمن إيماناً تاماً بتوحيد الألوهية إلا أني لا أؤمن بتوحيد الربوبية فسنقول له: أنت تكذب في ادعائك توحيد الألوهية؛ إذ كيف تعبد الله وأنت منكر له؟ فهذا غير ممكن، وهكذا الحال لو قال: أنا مؤمن بتوحيد الألوهية إيماناً تاماً إلا أني غير مؤمن بالأسماء والصفات، فنقول: يستحيل ذلك؛ لأن توحيد الألوهية حقيقته: الالتزام بأمر الله وعبادة الله، وقد أمرك الله بالإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فأنت إذا أطعته كنت موحداً، وإن لم تطعه فلست بموحد، فدعواك بأن عندك توحيد الألوهية دعوى غير صحيحة.

стр. 138

شروط كون العمل عبادة السؤال ما رأيكم فيمن يقول: إن العبادة في معناها الشرعي تشمل أمران: الأمر الأول: هو الذل والخضوع، والأمر الثاني: هو المحبة، فالذل بغير محبة لا يسمى عبادة، وعليه فهل ينفى الشرك عمن كان هذا حاله؟ الجواب هذه المسألة سبق أن أشرنا إليها، وقلنا: إن العبادة لا بد فيها من أمرين: الذل والخضوع والمحبة، فإذا وجد ذل وخضوع بدون محبة فلا يعتبر العمل عبادة، ولهذا فإن من قال: بأن المحكومين بغير الشريعة يعبدون حكامهم مع وجود الكراهة لهذه القوانين الوضعية ونحوها فقوله غير صحيح، وهذا منه غلو وإسراف؛ لأن حقيقة العبادة وأركانها لم تتحقق في عملهم، فهم أذلوهم بالقوة لكن ليست هناك محبة، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ في ذكر آخر الزمان قال: (إلا من رضي وتابع)، والرضا والمتابعة تستلزم المحبة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 139

رسالة العبودية [٩] لقد أمر الله عباده المؤمنين بحبه، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، وحسن التوكل عليه، إلى غير ذلك من الأعمال القلبية، ونهاهم عن الأخذ ببعضها وترك البعض الآخر، كما أنه حثهم على عمل الخير بشرط أن يكون خالصاً لوجهه، ونابعاً من هدي نبيه محمد ﵌، وما لم يكن كذلك فهو مردود غير مقبول، فبهذا الأمر والنهي أخذ أقوام فأفلحوا، وتركه أقوام فخابوا وخسروا، وعمل ببعضه أقوام فضلوا وأضلوا.

стр. 140

شروط المحبة الصادقة لله تعالى الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاتباع هذه الشريعة، والقيام بالجهاد بها من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه، وبين من يدعي محبة الله ناظراً إلى عموم ربوبيته، أو متبعاً لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله تعالى، بل قد تكون دعوى هؤلاء شراً من دعوى اليهود والنصارى؛ لما فيه من النفاق الذي هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شراً من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم]. لأن اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه مع أنهم في الحقيقة لم يمتثلوا هذه المحبة وينقادوا للمحبوب قولاً وعملاً، وكذلك الذين ادعوا أنهم يحبون الله وهم يبتدعون البدع المضلة، والتي يتصورون أنها تقربهم إلى الله ، فهؤلاء بهم شبه من اليهود في دعواهم أنهم أحباب الله ، مع أنهم في الحقيقة هم من غضب الله عليهم، ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر الله . فدعوى المحبة مجرد ادعاء لا يكفي، بل لا بد أن يكون معه اتباع لسنة النبي ﷺ ، وانقياد في القول والعمل لما أمر به المحبوب فعلاً، ولما نهى عنه المحبوب تركاً، أما من تنكب الصراط، وأصبح يأتي ما نهى الله عنه، ويترك ما أمر الله به، فدعواه المحبة دعوى زائفة لا حقيقة لها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي التوراة والإنجيل من الترغيب من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس، ففي الإنجيل أعظم وصايا المسيح: أن تحب الله بكل قلبك، وعقلك، ونفسك، والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم براء من محبة الله إذا لم يتبعوا ما أحبه، بل اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محباً لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم، كما في الحديث الصحيح القدسي عن الله تعالى أنه قال: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هروله)]. ليس المقصود بالمحبة هنا المحبة القلبية العاطفية المجردة، وإن كانت محبة الله محبة قلبية عاطفية مقصودة في محبة الله ، يعني: أن يكون قلبه مشتاقاًً إلى الله ، ويتمنى لقاءه، ويفرح بذكره، كل ذلك مطلوب شرعاً، لكن لا بد أن ينضاف إليه اتباع سنة النبي ﷺ ، فقد يكون العبد أحياناً محباً محبة قلبية مجردة، لكنه في سلوكه وعمله بعيد عن المواصفات الحقيقة للمحب من حيث اتباع النبي ﷺ ، ولهذا ابتلى الله الذي يدعون محبته باتباع الرسول ﷺ كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].

стр. 141

إثبات صفة المحبة لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين المحسنين والصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) الحديث]. يعني: الله يُحَب ويُحِب، فيحبه العبد، وهو يحب عباده الصالحين، والمتطهرين، والمجاهدين، وهكذا من الأوصاف التي أخبر الله بمحبته لأهلها، فهو يتصف بصفة المحبة، فهو يحِب، كما أنه يحَب، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ وذلك لكماله في صفاته العظيمة والجليلة؛ ولكمال إنعامه على العبد. والذين أنكروا المحبة من الفرق الضالة أنكروها من الطرفين، فقالوا: الله لا يُحِب ولا يُحَب، وإنما المحبة هي إرادة الثواب فقط؛ لأنه لا تتعلق به المحبة؛ ولهذا سماهم السلف غلاظ الأكباد؛ لأنهم لا يحبون الله . وحتى الصوفية الذين يزعمون محبة الله يفسرون المحبة بتفسير آلي وجبري وهو: موافقة قدر الله حتى ولو كان القدر سيئاً، فإن الله قدر مقادير كثيرة في الكون، منها مقادير حسنة بالنسبة للإنسان، مثل الإيمان، والعمل الصالح، وراحة الإنسان وطمأنينته، ومنها مقادير سيئة بالنسبة للإنسان؛ لأن الله لا ينسب إليه فعل الشر، لكن الأمر بالنسبة للعبد يكون سيئاً. وهذه المقادير يجب أن يدفعها العبد عن نفسه، فيدفع الحر بالتبرد، ويدفع البرد بأن يتدفأ، ويدفع الجوع بالأكل، ويدفع العدو بالمقاومة والجهاد، ويدفع المعصية بالطاعة، ويدفع وسوسة الشيطان بالاستعاذة، ويدفع الكسل بالجد والنشاط، وهكذا كل أمر من الأمور المذمومة التي قدر الله وجودها في الكون ابتلاءً منه لعبده، يجب أن يدفعها بالأمور الممدوحة. فالله كتب الكفر وجعله مقدراً في الحياة، لكن أمر العبد بأن يبتعد عن الكفر، وأن يتقي الله ، وأن يكون مخلص التوحيد له .

стр. 142

مفهوم العبودية الصحيح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخاً في الزهد والعبادة، وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوماً، فيجعلون متبوعيهم وشيوخهم شارعين لهم ديناً، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم ديناً، ثم إنهم ينتقصون العبودية، ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون لخاصتهم من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع. وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع، فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقاً لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب]. كلام الشيخ السابق يدل على أهمية العبودية، وأن العبودية لها مفهوم شامل يشمل الحياة بأكملها، وهذا المفهوم هو الذي جهله كثير من أبناء المسلمين في هذه الأيام، فهم يظنون أن التعبد لله هو الإتيان بالشعائر التعبدية فقط، بينما الحقيقة أن التعبد لله هو الخضوع لأمر الله في كل الحياة، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فهذا المفهوم يعتبر مفهوماً مركزياً ومهماً خصوصاً في هذا الوقت، وفي الواقع المعاصر الذي نعيشه اليوم، فإن جهل كثير من الناس بمفهوم العبودية الشامل لله جعلهم يبتدعون ويسنون أنظمة للحياة ليس فيها أي شيء يتعلق بقضايا الإسلام أو التعبد لله ، ونحن في كل يوم نقرأ في الصحافة المحلية والعالمية، ونسمع من الأخبار كلاماً مخالفاً كل المخالفة لهذا المفهوم العظيم للعبودية، وهو شمولية العبودية لله ، وأن يكون الإنسان عبداً لله في كل مكان. ولقد كنت أقرأ تصريحاً لوزير تعليم عربي يقول: نحن لسنا ملزمين ببناء التعليم على أساس الإسلام، هكذا يصرح بهذا اللفظ وبدون أي مزايدة عليه في كلامه، يقول: نحن لسنا ملزمين بأن نبني نظم التعليم أو قضايا التعليم والتربية على أسس الإسلام، فمثل هذا يفهم الإسلام فهماً خاطئاً، إذ يفهم أن الإسلام هو مجرد شعائر تعبدية يؤديها الإنسان فقط، وأنه إذا انتهت هذه الشعائر التعبدية انتهى الإسلام بها، وأما بقية الحياة فإنها تبنى بطرق أخرى مختلفة، ولهذا أيضاً فإنهم في كل باب من الأبواب يجتهدون في أن يبنوا هذه الأشياء على غير أصول الإسلام. فإذا جاءوا مثلاً إلى باب السياحة قالوا: لسنا ملزمين بأن نبني السياحة على الإسلام، فكل ما يجمع الناس، ويستخرج أموالهم من جيوبهم حتى تدخل في صندوق السياحة فإنه مباح عندهم حتى لو اضطروا لفتح مسارح، ومراقص، ودور للخمر، ومحلات للبغاء، وغير ذلك من الأمور التي اتفقت الشرائع جميعاً على تحريمها ونبذها وخطورتها على الإنسان. وبهذا ندرك الخطورة الكبيرة لانتقاص العبودية، فهذا الكتاب قد يقرأه شخص فيظن أنه كتاب عادي، بينما هو كتاب لو صيغ بألفاظ عصرية لوجدت أنه يرد على كل ما هو موجود اليوم في بلاد المسلمين من مظاهر مخالفة للأصول العقدية ومنها العبودية. ولهذا فإننا عندما نقرأ العلم وندرسه لا بد أن نربط ما ندرسه بواقعنا المعاصر، وأن يكون ربطنا ربطاً صحيحاً، ومبنياً على قاعدة علمية صحيحة، وبمنهجية صحيحة بعيدة عن الغلو والتعسف، وبعيدة عن الإرجاء والتساهل. وبالنسبة لما ذكره الشيخ من أن كل عمل أريد به غير الله ، أو كان على غير شريعة النبي ﷺ فليس من الدين، وليس من العبادة، فهذا الأصل دائماً يكرره، وهو أصل شريف عظيم، يجب على طالب العلم أن يحفظه، بل إنه يجب على العامة جميعاً أن يدركوه، وأن يعرفوا أبعاده، وهو كثيراً ما يكرره الواعظون، والمصلحون، والخطباء، وهو أن العبادة لا تكون صحيحة إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، إخلاص النية لله ، فأي عمل من الأعمال لا يكون خالصاً لوجه الله لا يكون مقبولاً، نسأل الله أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه. والشرط الثاني: أن يكون هذا العمل على سنة النبي ﷺ ، فأي عمل من الأعمال لا يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسل

стр. 143

شروط قبول العمل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]]. قوله تعالى: ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠]، هو شرط المتابعة؛ لأن العمل لا يكون صالحاً إلا إذا كان على سنة النبي ﷺ ، فالبدعة ليست صالحة، بل هي عمل فاسد، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، يدل على الإخلاص. قال: [فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب، ولا بد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]]. قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة:١١٢]، يدل على الإخلاص، والإخلاص: هو إسلام الوجه، وإسلام الوجه يعني: الاستسلام لله والانقياد له. وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، الإحسان مثل قوله: ((صالحاً)) في الآية الأخرى، فلا يكون الإنسان محسناً في عمل من الأعمال إلا إذا جاء على طريقة من شرع هذا العمل، وهو الرسول ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)]. هذا يدل على أهمية لزوم المتابعة. قال: [وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)]. هذا الحديث يعتبر أصلاً في باب النية، والنية نوعان: نية ينوي صاحب النية بها العمل لله ، وهذا هو المتعلق بكلامنا هنا. ونية تميز العبادات بعضها عن بعض، أو تميز العبادات عن العادات. قال: [وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين]. هو أصل الدين؛ لأن الإخلاص مأخوذ من شهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة مأخوذة من شهادة أن محمداً رسول الله. قال: [وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول، وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه. والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث: (وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)]. قضايا الشرك حساسة وخطيرة، ولهذا فإن الإنسان قد يكون مسلماً في الظاهر، لكنه غير مسلم عند الله ، ومن هنا تكون الخطورة، وقد يكون مسلماً، لكن لوجود بعض الشركيات عنده ينقص عنه إسلامه كثيراً، ولعل من العجب أن بعض كتّاب الصحافة ممن أغراه الحقد على أهل الإيمان ينتقد وجود جهود دعوية في بلاد المسلمين ويقول: هل نحن في بلاد هندوس حتى نحتاج إلى دعوة إسلامية في بلاد المسلمين؟ أم هل نحن يهود أو نصارى؟ وكأن الدعوة لا توجه إلا للهندوس واليهود والنصارى، مع أن الدعوة توجه لكل أحد، حتى للصالح التقي؛ وذلك لإصلاح نفسه وإتمامها.

стр. 144

وجوب الحذر من الشهوة الخفية التي تقدح في العبودية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث آخر قال أبو بكر: يا رسول الله! كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر: (ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم). وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وكثيراً ما يخالط النفوس الجاهلة من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله، وعبوديتها له، وإخلاص دينها له، كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية. وقيل لـ أبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة. وعن كعب بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فبين ﷺ أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدم عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]. فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله، خائفاً منه، راغباً راهباً كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه، أو حصول مرهوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء]. يعني: لا يكون العابد لله ، والمحب له إلا بين الخوف والرجاء؛ ولهذا قال بعض السلف: الخوف والرجاء كالجناحين للطائر، ويقول مكحول فيما رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح قال: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو المسلم السني.

стр. 145

وجوب إخلاص العبودية لله تعالى قال: [كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]. وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلباً وإرادةً وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن الرطيب أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً. وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق. وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله. ومن لم يكن محباً مخلصاً لله، عبداً له، فقد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه]. بل إن شيخ الإسلام في هذا الكتاب أو في غيره قرر أنه حتى الحاكم الذي يكون له جنود، ويكون له أتباع يطيعونه، إلا أنه محتاج إليهم، مفتقر إليهم، بسبب أن انتظام ملكه وسطوته لا تتم إلا بهم، ولهذا فهو محتاج إليهم، مفتقر إليهم، كما أنهم محتاجون إليه، مفتقرون إليه؛ ولهذا يجب على العبد دائماً أن تكون حاجته عند الله، وطلبه من الله، وتعلقه بالله، لا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يحب إلا الله، ولا يتعلق قلبه إلا بالله، فإن العباد لا يملكون شيئاً، والذي يملك في الحقيقة هو الله . ورزق العبد في كل باب من الأبواب المتكفل بها هو الله ؛ ولهذا ينبغي على العبد دائماً أن يبتعد عن الحرص فيما في أيدي الناس، وأن يكون قلبه معلقاً بالله ؛ ولهذا جاء في بعض كلام بعض الحكماء أنه قال: أذل الحرص أعناق الرجال يعني: قد يوجد بعض الرجال الأعزاء الذين لا ينتبهون لهذه القضية، يذلهم الحرص، فتجد أنه لحرصه على الدنيا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحرصه على الدنيا يترك الطاعة، ولحرصه على الدنيا يترك كل ما فيه خير في صلاح دينه ودنياه، مع أنه في الحقيقة لا يملك دنيا هذا الإنسان إلا الله ؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس ﵁، وأرضى عنه الناس). ولهذا لو تأملنا في واقع الحياة فسنجد أن الناس لا يحبون الذي يحتاج إليهم ويتعلق بهم، حتى ولو داهنهم، لكن المستغني عنهم تجد أن تعظيم الناس للزاهد فيما في أيديهم، والمستغني عنهم أكبر وأعظم. وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ في المجلد الأول في الفتاوى إلى حكمه لطيفة يقول: (احتج إلى من شئت تكن أسيره، واترك من شئت تكن نظيره، وأعط من شئت تكن أميره)، فأنت إذا احتجت إلى أي أحد من المخلوقين تكون أسيراً له، لكن يجب على الإنسان أن يعلق حاجته بالله ، وأن يجتهد في التعامل مع الخلق بالأسلوب الحسن، ويقدم طاعة الله على كل شيء.
следующие страницы →