← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إثبات صفة المحبة لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين المحسنين والصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) الحديث]. يعني: الله يُحَب ويُحِب، فيحبه العبد، وهو يحب عباده الصالحين، والمتطهرين، والمجاهدين، وهكذا من الأوصاف التي أخبر الله بمحبته لأهلها، فهو يتصف بصفة المحبة، فهو يحِب، كما أنه يحَب، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ وذلك لكماله في صفاته العظيمة والجليلة؛ ولكمال إنعامه على العبد. والذين أنكروا المحبة من الفرق الضالة أنكروها من الطرفين، فقالوا: الله لا يُحِب ولا يُحَب، وإنما المحبة هي إرادة الثواب فقط؛ لأنه لا تتعلق به المحبة؛ ولهذا سماهم السلف غلاظ الأكباد؛ لأنهم لا يحبون الله . وحتى الصوفية الذين يزعمون محبة الله يفسرون المحبة بتفسير آلي وجبري وهو: موافقة قدر الله حتى ولو كان القدر سيئاً، فإن الله قدر مقادير كثيرة في الكون، منها مقادير حسنة بالنسبة للإنسان، مثل الإيمان، والعمل الصالح، وراحة الإنسان وطمأنينته، ومنها مقادير سيئة بالنسبة للإنسان؛ لأن الله لا ينسب إليه فعل الشر، لكن الأمر بالنسبة للعبد يكون سيئاً. وهذه المقادير يجب أن يدفعها العبد عن نفسه، فيدفع الحر بالتبرد، ويدفع البرد بأن يتدفأ، ويدفع الجوع بالأكل، ويدفع العدو بالمقاومة والجهاد، ويدفع المعصية بالطاعة، ويدفع وسوسة الشيطان بالاستعاذة، ويدفع الكسل بالجد والنشاط، وهكذا كل أمر من الأمور المذمومة التي قدر الله وجودها في الكون ابتلاءً منه لعبده، يجب أن يدفعها بالأمور الممدوحة. فالله كتب الكفر وجعله مقدراً في الحياة، لكن أمر العبد بأن يبتعد عن الكفر، وأن يتقي الله ، وأن يكون مخلص التوحيد له .

стр. 142

مفهوم العبودية الصحيح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخاً في الزهد والعبادة، وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوماً، فيجعلون متبوعيهم وشيوخهم شارعين لهم ديناً، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم ديناً، ثم إنهم ينتقصون العبودية، ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون لخاصتهم من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع. وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع، فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقاً لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب]. كلام الشيخ السابق يدل على أهمية العبودية، وأن العبودية لها مفهوم شامل يشمل الحياة بأكملها، وهذا المفهوم هو الذي جهله كثير من أبناء المسلمين في هذه الأيام، فهم يظنون أن التعبد لله هو الإتيان بالشعائر التعبدية فقط، بينما الحقيقة أن التعبد لله هو الخضوع لأمر الله في كل الحياة، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فهذا المفهوم يعتبر مفهوماً مركزياً ومهماً خصوصاً في هذا الوقت، وفي الواقع المعاصر الذي نعيشه اليوم، فإن جهل كثير من الناس بمفهوم العبودية الشامل لله جعلهم يبتدعون ويسنون أنظمة للحياة ليس فيها أي شيء يتعلق بقضايا الإسلام أو التعبد لله ، ونحن في كل يوم نقرأ في الصحافة المحلية والعالمية، ونسمع من الأخبار كلاماً مخالفاً كل المخالفة لهذا المفهوم العظيم للعبودية، وهو شمولية العبودية لله ، وأن يكون الإنسان عبداً لله في كل مكان. ولقد كنت أقرأ تصريحاً لوزير تعليم عربي يقول: نحن لسنا ملزمين ببناء التعليم على أساس الإسلام، هكذا يصرح بهذا اللفظ وبدون أي مزايدة عليه في كلامه، يقول: نحن لسنا ملزمين بأن نبني نظم التعليم أو قضايا التعليم والتربية على أسس الإسلام، فمثل هذا يفهم الإسلام فهماً خاطئاً، إذ يفهم أن الإسلام هو مجرد شعائر تعبدية يؤديها الإنسان فقط، وأنه إذا انتهت هذه الشعائر التعبدية انتهى الإسلام بها، وأما بقية الحياة فإنها تبنى بطرق أخرى مختلفة، ولهذا أيضاً فإنهم في كل باب من الأبواب يجتهدون في أن يبنوا هذه الأشياء على غير أصول الإسلام. فإذا جاءوا مثلاً إلى باب السياحة قالوا: لسنا ملزمين بأن نبني السياحة على الإسلام، فكل ما يجمع الناس، ويستخرج أموالهم من جيوبهم حتى تدخل في صندوق السياحة فإنه مباح عندهم حتى لو اضطروا لفتح مسارح، ومراقص، ودور للخمر، ومحلات للبغاء، وغير ذلك من الأمور التي اتفقت الشرائع جميعاً على تحريمها ونبذها وخطورتها على الإنسان. وبهذا ندرك الخطورة الكبيرة لانتقاص العبودية، فهذا الكتاب قد يقرأه شخص فيظن أنه كتاب عادي، بينما هو كتاب لو صيغ بألفاظ عصرية لوجدت أنه يرد على كل ما هو موجود اليوم في بلاد المسلمين من مظاهر مخالفة للأصول العقدية ومنها العبودية. ولهذا فإننا عندما نقرأ العلم وندرسه لا بد أن نربط ما ندرسه بواقعنا المعاصر، وأن يكون ربطنا ربطاً صحيحاً، ومبنياً على قاعدة علمية صحيحة، وبمنهجية صحيحة بعيدة عن الغلو والتعسف، وبعيدة عن الإرجاء والتساهل. وبالنسبة لما ذكره الشيخ من أن كل عمل أريد به غير الله ، أو كان على غير شريعة النبي ﷺ فليس من الدين، وليس من العبادة، فهذا الأصل دائماً يكرره، وهو أصل شريف عظيم، يجب على طالب العلم أن يحفظه، بل إنه يجب على العامة جميعاً أن يدركوه، وأن يعرفوا أبعاده، وهو كثيراً ما يكرره الواعظون، والمصلحون، والخطباء، وهو أن العبادة لا تكون صحيحة إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، إخلاص النية لله ، فأي عمل من الأعمال لا يكون خالصاً لوجه الله لا يكون مقبولاً، نسأل الله أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه. والشرط الثاني: أن يكون هذا العمل على سنة النبي ﷺ ، فأي عمل من الأعمال لا يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسل

стр. 143

شروط قبول العمل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]]. قوله تعالى: ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠]، هو شرط المتابعة؛ لأن العمل لا يكون صالحاً إلا إذا كان على سنة النبي ﷺ ، فالبدعة ليست صالحة، بل هي عمل فاسد، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، يدل على الإخلاص. قال: [فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب، ولا بد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]]. قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة:١١٢]، يدل على الإخلاص، والإخلاص: هو إسلام الوجه، وإسلام الوجه يعني: الاستسلام لله والانقياد له. وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، الإحسان مثل قوله: ((صالحاً)) في الآية الأخرى، فلا يكون الإنسان محسناً في عمل من الأعمال إلا إذا جاء على طريقة من شرع هذا العمل، وهو الرسول ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)]. هذا يدل على أهمية لزوم المتابعة. قال: [وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)]. هذا الحديث يعتبر أصلاً في باب النية، والنية نوعان: نية ينوي صاحب النية بها العمل لله ، وهذا هو المتعلق بكلامنا هنا. ونية تميز العبادات بعضها عن بعض، أو تميز العبادات عن العادات. قال: [وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين]. هو أصل الدين؛ لأن الإخلاص مأخوذ من شهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة مأخوذة من شهادة أن محمداً رسول الله. قال: [وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول، وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه. والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث: (وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)]. قضايا الشرك حساسة وخطيرة، ولهذا فإن الإنسان قد يكون مسلماً في الظاهر، لكنه غير مسلم عند الله ، ومن هنا تكون الخطورة، وقد يكون مسلماً، لكن لوجود بعض الشركيات عنده ينقص عنه إسلامه كثيراً، ولعل من العجب أن بعض كتّاب الصحافة ممن أغراه الحقد على أهل الإيمان ينتقد وجود جهود دعوية في بلاد المسلمين ويقول: هل نحن في بلاد هندوس حتى نحتاج إلى دعوة إسلامية في بلاد المسلمين؟ أم هل نحن يهود أو نصارى؟ وكأن الدعوة لا توجه إلا للهندوس واليهود والنصارى، مع أن الدعوة توجه لكل أحد، حتى للصالح التقي؛ وذلك لإصلاح نفسه وإتمامها.

стр. 144

وجوب الحذر من الشهوة الخفية التي تقدح في العبودية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث آخر قال أبو بكر: يا رسول الله! كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر: (ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم). وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وكثيراً ما يخالط النفوس الجاهلة من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله، وعبوديتها له، وإخلاص دينها له، كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية. وقيل لـ أبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة. وعن كعب بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فبين ﷺ أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدم عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]. فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله، خائفاً منه، راغباً راهباً كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه، أو حصول مرهوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء]. يعني: لا يكون العابد لله ، والمحب له إلا بين الخوف والرجاء؛ ولهذا قال بعض السلف: الخوف والرجاء كالجناحين للطائر، ويقول مكحول فيما رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح قال: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو المسلم السني.

стр. 145

وجوب إخلاص العبودية لله تعالى قال: [كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]. وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلباً وإرادةً وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن الرطيب أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً. وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق. وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله. ومن لم يكن محباً مخلصاً لله، عبداً له، فقد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه]. بل إن شيخ الإسلام في هذا الكتاب أو في غيره قرر أنه حتى الحاكم الذي يكون له جنود، ويكون له أتباع يطيعونه، إلا أنه محتاج إليهم، مفتقر إليهم، بسبب أن انتظام ملكه وسطوته لا تتم إلا بهم، ولهذا فهو محتاج إليهم، مفتقر إليهم، كما أنهم محتاجون إليه، مفتقرون إليه؛ ولهذا يجب على العبد دائماً أن تكون حاجته عند الله، وطلبه من الله، وتعلقه بالله، لا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يحب إلا الله، ولا يتعلق قلبه إلا بالله، فإن العباد لا يملكون شيئاً، والذي يملك في الحقيقة هو الله . ورزق العبد في كل باب من الأبواب المتكفل بها هو الله ؛ ولهذا ينبغي على العبد دائماً أن يبتعد عن الحرص فيما في أيدي الناس، وأن يكون قلبه معلقاً بالله ؛ ولهذا جاء في بعض كلام بعض الحكماء أنه قال: أذل الحرص أعناق الرجال يعني: قد يوجد بعض الرجال الأعزاء الذين لا ينتبهون لهذه القضية، يذلهم الحرص، فتجد أنه لحرصه على الدنيا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحرصه على الدنيا يترك الطاعة، ولحرصه على الدنيا يترك كل ما فيه خير في صلاح دينه ودنياه، مع أنه في الحقيقة لا يملك دنيا هذا الإنسان إلا الله ؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس ﵁، وأرضى عنه الناس). ولهذا لو تأملنا في واقع الحياة فسنجد أن الناس لا يحبون الذي يحتاج إليهم ويتعلق بهم، حتى ولو داهنهم، لكن المستغني عنهم تجد أن تعظيم الناس للزاهد فيما في أيديهم، والمستغني عنهم أكبر وأعظم. وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ في المجلد الأول في الفتاوى إلى حكمه لطيفة يقول: (احتج إلى من شئت تكن أسيره، واترك من شئت تكن نظيره، وأعط من شئت تكن أميره)، فأنت إذا احتجت إلى أي أحد من المخلوقين تكون أسيراً له، لكن يجب على الإنسان أن يعلق حاجته بالله ، وأن يجتهد في التعامل مع الخلق بالأسلوب الحسن، ويقدم طاعة الله على كل شيء.

стр. 146

الإخلاص في العبادة طريق الحنفاء أتباع الأنبياء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقلب إن لم يكن حنيفاًً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه كان مشركاً: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢]. وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين، أهل محبة الله وعبادته، وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة للمشركين، المتبعين أهواءهم. قال تعالى في إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٢ - ٧٣]. وقال في فرعون وقومه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤١ - ٤٢]، ولهذا يصير أتباع فرعون أولاً إلى أن لا يميزون بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق، بل يجعلون وجود هذا وجود هذا]. الله له إرادتان: الإرادة الأولى: هي الإرادة الشرعية، والإرادة الثانية: هي الإرادة القدرية، فالإرادة الشرعية: هو ما أمر الله به، والإرادة القدرية: هو ما خلقه الله ، فالإرادة الشرعية كلها محبوبة لله ، يدخل فيها الإسلام، والإيمان، والعمل الصالح بكل أنواعه وألوانه، وأما الإرادة الكونية فليست كلها مما يحبه الله، فما خلقه الله ليس نوعاً واحداً، بل منه ما يحبه الله مثل: الصالحين، والمساجد، والأعمال الصالحة ونحو ذلك، فهذا مما يحبه الله ، ومنها ما لا يحبه الله مثل: إبليس، والكفار، والأعمال السيئة، والقتل، والظلم، والبغي، والعدوان على الخلق، إلى غير ذلك من الأمور التي يبغضها الله مع أنه خلقها في الدنيا، فإن كل شيء في هذه الدنيا عائد إلى الله من حيث الخلق، فالله خالق كل شيء ، وإنما خلق الله هذه الأمور المكروهة والسيئة؛ للابتلاء، فهذه هي الحكمة. فكثير من الناس لا يفرقون بين ما شرعه الله من الطاعة، وما يحبه ، وما أمر به، وبين ما خلقه من الأمور المكروهة بالنسبة لهم، فيجعلون هذا مثل هذا، ويخلطون بينها، فتجد أن بعضهم يعتذر عن كثير من الأمور المحرمة التي يمارسها بكون الله خلقها وأنها مقتضى إرادته، وهذا هو معنى قول الشيخ: ولهذا يصير أتباع فرعون، يعني: هؤلاء الضالين الجبرية، سواء جبرية الصوفية، أو جبرية الجهمية، قال: ولهذا يصير أتباع فرعون أولاً إلى أن لا يميزون بينما يحبه الله ويرضاه، فلا يميزون بين الصلاة وبين الزنا، مع أن الصلاة أمر الله بها، والزنا حرمه الله ، فلا يميزون بينما يحبه الله ويرضاه وبينما قدره وقضاه، فهم يقولون: إن كل ما قدره الله وقضاه من الأمور الكونية محبوبة لله ولا بد، وهذا فهم فاسد وباطل، وهذا هو الذي حصل عند جبرية الصوفية والجهمية، ولهذا توصلوا في نهاية الأمر إلى أن لا حلال ولا حرام، بل الكل حلال، بل توصلوا في نهاية الأمر كما حصل عند أصحاب وحدة الوجود إلى أن الكون كله وحده واحدة وهو ذات الخالق ، فالكون خالق ومخلوق، وليس هناك تمييز وفارق بين المخلوق والخالق، وهذا لا شك أنه ظلم وعدوان، وكفر مبين، ومخالف لكل شرائع الأنبياء والمرسلين.

стр. 147

الفرق بين أتباع الأنبياء وأتباع فرعون في نظرتهم للعبودية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول محققوهم: الشريعة فيها طاعة ومعصية، والحقيقة فيها معصية بلا طاعة، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية]. يعني: هؤلاء يقسمون الناس إلى قسمين: أهل الشريعة، وأهل الحقيقة، فيقولون: أهل الشريعة هم هؤلاء الذين يشهدون الصلاة جماعة، ويقومون بأعمال الإسلام، يعني: الذين انضبطوا في حدود الشريعة. وأما أهل الحقيقة: فهم الذين ليس في قاموسهم شيء عن الطاعة والمعصية، بل الكل هو مراد لله ، والكل محبوب له . قال: [وهذا التحقيق هو مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق، وأنكروا تكليمه لعبده موسى، وما أرسله به من الأمر والنهي]. ولهذا ادعى فرعون الإلوهية والربوبية فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]؛ لأنه مخلوق، فمعنى كلام هؤلاء الظلمة: أن فرعون كان محقاً فيما قاله، ولا شك أن هذا من الكفر المبين. قال: [وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقاً لهذا الفرق ازدادت محبته لله، وعبوديته له، وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره، ومحبة غيره، وطاعة غيره، وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه، والخليل يقول: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]، ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى]. يعني: قد يأخذون بعض كلام الزهاد، وبعض كلام من يسمونهم بالعارفين، ويستخرجون منه أموراً تخالف كلام المرسلين، بل تخالف فطر الناس أجمعين؛ ولهذا فعلوا كما فعلت النصارى عندما استخرجوا من كلام الحواريين ما يظنون أنه يدعم مذهبهم في أن الأب والابن وروح القدس إله واحد وهو مذهب التثليث، فلا شك أن هؤلاء خطيرون، ولهذا فهم من الزنادقة، وليس كل الصوفية يقولون ذلك، بل يوجد من الصوفية من يكون عنده بدع ومعاص لا تصل إلى هذه الدرجة، ويوجد منهم من يكون عنده شيء من الشرك الأصغر، ويوجد منهم من يكون عنده من الشرك الأكبر مع إقراره بالنبوة وبالإلهية لله في الجملة، ويوجد منهم من هو أشد من ذلك، وأما أعلاهم في الزندقة فهم هؤلاء، وهم أتباع الحلول والاتحاد، وأصحاب وحدة الوجود.

стр. 148

الأسئلة

стр. 149

معنى قول النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم) السؤال يقول بعض الناس: إن الشريعة يكون تطبيقها في العبادة، أما أمور الدنيا فهي متروكة للناس، ويستدلون بقول النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؟ الجواب هذا لم يفهم معنى قول النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فقوله: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: الأمور الاعتيادية، سواء في الزراعة، أو في الصناعة، أو في تركيب الأمور الاجتماعية، ولهذا لم ينكر أحد من المسلمين المباني الجديدة، ولم ينكر أحد من المسلمين استخدام الصناعات الحديثة، والمركوبات من السيارات والطيارات، أو الأدوات الجديدة في القتال مثلاً. وإنما يجب على المسلم أن يستفيد من كل ما هو جديد، ومفيد للأمة الإسلامية، بل هو من عمارة الأرض، فقول النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أن الإنسان في زراعته وصناعته وأموره الشخصية هو أعلم بها، وليس المقصود به أنكم تبنون حياتكم بأكملها على غير الدين، وتحصرون الدين في أعمال صغيرة. فالشريعة جاءت بتنظيم حياة الإنسان في كل مجال، فجاءت بتنظيم حياة الإنسان في مجال الأسرة، كالطلاق والنكاح، والإرث، وجاءت بتنظيم حياة الإنسان في المال، فهناك بيوع مباحة، وبيوع محرمة، وجاءت أيضاً في تنظيم شئون الإنسان فيما يتعلق بالخصومات، والمضاربات، والمقاتلة، والاختلاف في العقار، والاختلاف في الحقوق المالية وغير ذلك، فالشريعة جاءت بما يصلح الإنسان في هذا المجال، وهناك فيما يتعلق بدنيا الناس مقاصد عامة للشريعة جاءت بضبطها، مثل حفظ المال، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ الدين. ولهذا فإن أي شيء جديد يأتينا يجب أن نزنه بميزان الشرع، فالفكرة العلمانية التي نتكلم عليها وننتقدها ليست هي في قبول الأمور الدنيوية التي تكون عند الأمم الأخرى مثل: الأسلحة، أو المركوبات، أو غير ذلك من المصنوعات، فهذه لا يخالف فيها أحد من المسلمين، فضلاً عن علمائهم، لكن العلمانيون لا يريدون هذا، بل يريدون أن يحصروا الإسلام كله في شرائع تعبديه، وأما بقية الحياة فيريدون أن يخترعوا لها قانوناً مدنياً عقلياً. فمجال الخصومات مثلاً يريدون أن يشرعوا له ضوابط من تلقاء أنفسهم مع أن دين الله وضح الأحكام المتعلقة بخصومات الناس، وهكذا الديات، وهكذا كل شئون الحياة الأخرى، ولهذا فالقضاة اليوم يحكمون بشريعة الله في شئون الناس فيما يتعلق بالعقار مثلاً واختلاف الناس فيه، أو المديونيات، أو ما يتعلق بالأموال في البيع والشراء ونحو ذلك، والعلاقة مع الأمم الأخرى والتي تسمى اليوم: العلاقات الدولية. ولهذا قسم الإسلام الأمم الأخرى إلى أقسام: أمة محاربة، وأمة بيننا وبينها عهد، وأهل الذمة: وهم الذين يدخلون على الذين يكونون في بلاد المسلمين من الكفار من أهل البلاد الأصلية، فكل هؤلاء لهم أحكام. أما العلمانيون فإنهم يقولون: يجب أن نجعل الشريعة في مجال الشعائر التعبدية فقط، ونأخذ على فكرهم مثالاً: فالمرأة اليوم تركيز العلمانيون عليها تركيز كبير جداً، فالعلمانيون يقولون: لماذا تمنعون المرأة من المشاركة في أي عمل من الأعمال الفنية؟ فلماذا تمنعون المرأة من الرقص؟ ولماذا تمنعون المرأة من التبرج والسفور؟ ولماذا تمنعون المرأة من حريتها فيما يتعلق بالتصرف بجسدها كما تشاء؟ فيمكن أن تبيع عرضها بمبلغ مالي، ويصيحون: أعطوا النساء حقوقهن، والعلمانيون يختلفون من بلد إلى بلد، فبعض البلاد لا يستطيعون أن يصرحوا بهذا الكلام، وهكذا حال المنافقين، إذ المنافقون لا يستطيعون أن يصرحوا بكل ما يعتقدونه في وقت واحد، لكن هذا مقتضى دعواهم، وهذا معنى دعواهم، ولهذا ليس الخلاف بيننا وبين هؤلاء في مسألة هل نأخذ من الكفار أسلحة أم لا؟ أو هل نستفيد من الكفار في بعض القضايا الطبية أم لا؟ بل نحن نتفق بأننا نستفيد من كل صاحب صنعة في الدنيا، يهودياً كان أو نصرانياً؛ لأن هذه الأمور ليس فيها أي مشكلة وضرر على ديننا، وهذه هي حياة المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا. فلا مانع من ابتعاث أي شخص إلى هناك للتعلم، أو يستفيد من أي شخص، بل أهم شيء هو ألا يكون ابتعاثه سبباً في رجوعه إلى بلاد المسلمين ليطالب بتطبيق النموذج الغربي في بلاد المسلمين. وهذا مثال آخر: النظام الاقتصادي، فالآن النظم الاقتصادية المشهورة في العالم تنقسم إلى نظامين مشهورين: النظام الأول: نظام الرأسمالي، والنظام الثاني: النظام الاشتراكي. أما النظام الرأسمالي، فيعتمد على ما يسمونه باقتصاد السوق، واقتصاد السوق هو تعبير عن النظام الرأسمالي، ومعنى اقتصاد السوق: أن ترفع الدولة يدها عن الأسواق، فتترك الناس يبيعون ويشترون كما يشتهون دون أي تدخل أو تنظيم لهذه الأسواق، فهذا هو مختصر الرأسمالية؛ ولهذا ألف بعض فلاسفتهم الكبار كتباً في استحسان الربا، مع أن الربا محرم حتى عند النصارى، والسبب في ذلك هو أنه يرى أن من حق المستثمر الذي عنده مال ألا يدفع قرضاً إلا بمقابل عليه،

стр. 150

مجمل مسائل كتاب العبودية السؤال هل ضم شيخ الإسلام في كتابه العبودية جميع أنواع العبادات؟ الجواب الشيخ في هذا الكتاب يتكلم عن العبادة من حيث مفهومها، فإن كل عبادة من العبادات مثل: الخوف، والرجاء، والإنابة، والمحبة، والتوكل ونحو ذلك، كل عبادة من هذه العبادات، لها فروعها، وأقسامها، وصورها، وأنواعها، وتعلقها بجوارح الإنسان، فليس المقصود هو استعراض أنواع العبادات في هذا الكتاب، وإنما المقصود: معرفة حقيقة العبادة بشكل عام.

стр. 151

كيفية التعامل مع الكفار في محيط العمل السؤال أعمل في شركة، ومدير الشركة كافر أمريكي، وأنا أقابله كل يوم، فيقوم بتحيتي ومصافحتي، فماذا يجب علي نحوه؟ وكيف أتعامل معه؟ الجواب تعامل معه بالأسلوب الطيب والحسن، وبالأخلاق الحسنة، وادعه إلى الإسلام، وهذا لا يعني أنك لا تبغضه فيما عنده من الكفر، فإن هذا الشخص معاد لله ، فليس هناك تلازم بين التعامل بحسن الخلق، وبين المحبة القلبية، فأنت يمكن أن تتعامل مع هذا الشخص بأدب، وبحسن خلق، وإذا قابلك وابتسم في وجهك فابتسم في وجهه ابتغاء دعوته إلى الله ، وأن تتعامل معه تعاملاً طيباً لطيفاً؛ لإعطاء قدوة حسنة ونموذج حسن عن أهل الإسلام. لكن في نفس الوقت هذا الشخص الذي حاد الله ، ولم يؤمن بنوة محمد ﷺ ، ولم يؤمن بهذا الدين الذي يقول الله فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، هذا الشخص لا شك أنك تبغضه؛ لهذا العمل الذي عنده، وهذا يمكن أن يحصل في وقت واحد، بل أحياناً يمكن أن يوجد في الشخص الواحد بغض من جهة، ومحبة من جهة، فالمسلم الفاسق مثلاً، كمن يرتكب المعاصي، أو يشرب خمر، أو يزني، تبغض هذه الأعمال عنده، وتبغضه لأجلها، لكن البغض هنا ليس بغضاً كلياً، وإنما هو بغض جزي، وأنت تحب هذا الشخص من جهة أخرى، وهو أنه مسلم، فبقاء أصل الإسلام فيه يجعلك تحبه، وهكذا الحال فيما يتعلق بمثل هذه الأحوال. وهناك مسألة مهمة جداً وهي مسألة الدماء المعصومة، فنحن تكلمنا عن مسألة المحبة، والتعامل الحسن، وأن التعامل الحسن لا يلزم منه المحبة، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فالمصاحبة بالمعروف تقتضي الرفق واللين، لكن لا يلزم من هذا المحبة القلبية، والركون إلى الكافرين، إذ المذموم شرعاً هو المحبة القلبية، والركون إلى الكافرين. فيجب على المسلم أن يكون دائماً في تعامله مع الخلق عموماً طيب الأخلاق، حسن الخلق، فلم يكن النبي ﷺ طعاناً، ولا لعاناً، ولا فاحشاً بذيئاً، حتى ولو كان مع الكفار، ولهذا حتى الكفار في المعركة لو أسرنا أحداً منهم فإنا نتعامل معه بآداب عالية جداً، ومع ذلك هو عدونا، لكن لا يعني وجود العداوة البذاءة في الخلق أبداً، فالمسلم من أفضل الناس خلقاً، وكان النبي ﷺ من أحسن الناس خلقاً، ويكفي الشخص أن يقرأ قصة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كان ابن عم النبي ﷺ ، وكان حبيبه قبل أن تأتيه الدعوة، فلما بعث النبي ﷺ كان أول من كفر به، وكذبه، وكان شاعراً، وكان أبو سفيان بن الحارث -وهو أبي سفيان صخر بن حارث - يذمه في الشعر ويثلبه، فلما جاء النبي ﷺ من المدينة لفتح مكة، أمر النبي ﷺ بقتل سبعة أو ستة، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة، منهم ابن الزبعري وابن خطل ومنهم جاريتين كانتا تغنيان في ذم النبي ﷺ ، فجاء أبو سفيان ولقي النبي ﷺ قبل أن يدخل مكة، مع أن دمه قد أهدره النبي ﷺ ؛ لسبه وذمه وشتمه، فلما التقى به وجه لوجه، اعتذر إلى النبي ﷺ فلم يسيء النبي ﷺ إليه بأكثر من الإعراض عنه، حيث أشاح بوجه عنه، مع أنه ذمه، وسبه، وكفر به، وطعنه في دينه، وطعنه في نبوته، ولهذا فإن وجود الكفر لا يقتضي سوء الخلق، إذ بعض الناس يفهم ما جاء في الشروط العمرية ومنها: ردوهم إلى أضيق الطريق فهماً خاطئاً؛ لأن هذه هي شروط لـ عمر بن الخطاب عملها على أهل الذمة، يعني: ليست لكل الكفار، وأهل الذمة: هم المواطنون في بلاد المسلمين، كوجود: نصارى أو يهود في بلادنا مثلاً، فهؤلاء يسمون أهل ذمة، وأهل الذمة هؤلاء يجب على الدولة أن تحميهم من القتل، وتحميهم من الأذى بكل أنواعه، وإذا كان بعضهم فقيراً فتعينه بشرط أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، والجزية هذه إذا كان أحدهم فقيراً قد تخفف عليه، إذ هي بحسب الحال، فمثل هؤلاء ذكر عمر لهم شروطاً معينة؛ حتى يشعرهم عمر بأن ضريبة الكفر هي الذلة؛ وأيضاً تطبيقاً لحديث النبي ﷺ : (الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه)، فكان منها ردهم إلى أضيق الطريق، لكن هذا لا يعني أنه مع كل كافر. فينبغي إدراك مسألة مهمة جداً وهي أن الكافر ليس حلال الدم دائماً؛ لأن الكفار أنواع، وليس حلال الدم منهم إلا الكافر الحربي المقاتل. فنحن نعيش في هذا الوقت أزمة وعي وفهم بين طائفتين من الناس، طائفة تقول: يجب قتال الكفار، والتعامل معهم بأقوى أسلوب، وتعمم هذا على كل الكفار، حتى غير المقاتلين، وحتى الأشخاص

стр. 152

رسالة العبودية [١٠] لقد كثرت المصطلحات عند المتأخرين كثرة كبيرة، وأغلبها أراد بها أصحابها التلبس بالحق للوصول إلى الباطل، تحقيقاً لأهوائهم المريضة، وعقولهم السقيمة، وأكثر من جاء بهذه المصطلحات هم أهل البدع المحدثة، الذين أرادوا التلبيس على أهل المنهج الحق، ومن هذه المصطلحات مصطلح (الفناء) وقد بين شيخ الإسلام هنا هذا المصطلح، وحقيقته وأقسامه، وما يجوز منه وما لا يجوز.

стр. 153

مصطلح الفناء والمقصود به بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد: فنكمل ما تبقى من هذا الدرس وهو شرح كتاب العبودية لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، المتوفى في سنة (٧٢٨هـ)، وفي الدرس الماضي توقفنا على رأس موضوع الفناء، وسنكمل إن شاء الله ما يتعلق بموضوع الفناء في هذا اللقاء. والفناء: اصطلاح صوفي، وهو متعلق بالتعبد ونتيجته عند الصوفية، ونتيجة التعبد عندما يشتغل به الإنسان -حسب فهمهم وطريقتهم- أن يصل إلى مرحلة الفناء. والمقصود بالفناء: الغيبة، أي: أن يغيب عقل الإنسان الخارجي وحسه الظاهري الذي يستشعر به من حوله، فلا تكون عنده قدرة على استشعار ما حوله من الأشخاص والأماكن والأحوال التي حوله.

стр. 154

الشريعة والحقيقة والفرق بينهما عند الصوفية قال المصنف رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: اسم الفناء]. وبدأ بالمثال على قضية الفرق بين الحقيقة والشريعة فإن الشريعة -كما هو معلوم- ما أمر الله به، وما نهى عنه، والالتزام بالشريعة، فجاء الصوفيون وقالوا: إن هناك قدراً زائداً وقضية أهم وهي الالتزام بالحقيقة، والحقيقة المقصود بها عندهم هي: التعبد بطريقة معينة للوصول إلى نتائج محددة ومعينة، مخالفة للأحكام الشرعية الظاهرة، ولهذا يقولون: إذا تعارضت الحقيقة والشريعة فإننا نقدم الحقيقة؛ لأن الحقيقة يقينية والشريعة نقلت بالظن. وهذا فهم فاسد لأحكام الله ، فإن الأنبياء بعثهم الله بأوامر وأرسلهم إلى الناس، وطالب الأنبياء بأن يشرحوا هذه الأوامر للناس، وقام الأنبياء بذلك، فما أتى به الصوفيون من كون الإنسان يمكن له أن يترك الشريعة لوجود الحقيقة، أو يترك الأحكام، أو تلغى ظواهر النصوص الشرعية من أجل الحقيقة فاسد وباطل، وإلغاء للشريعة، وكما قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): حقيقته طي لبساط الشريعة، وهذا يشبه قول الباطنية: بأن النصوص لها ظاهر وباطن، ثم يفسرون الباطن بالطريقة التي يرونها.

стр. 155

أنواع الفناء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مثال: اسم الفناء، فإن الفناء ثلاثة أنواع: نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء، ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين، ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين].

стр. 156

بيان أن الفناء ليس مذموماً كله فليس الفناء كله مذموم، وإن كان الاصطلاح أصلاً اصطلاحاً صوفياً، ولكن كون الإنسان يغيب عمن حوله هذا في حد ذاته ليس مذموماً؛ لأنه قد يستغرق الإنسان في التعبد إلى درجة أنه لا يشعر بمن حوله، وهذا الاستغراق في التعبد وفق ما أمر الله به وعلى طريقة النبي ﷺ في العبادة ليس فيه إشكال، وهذا مثل: قصة عروة بن الزبير عندما قطعت وبترت رجله وهو يصلي، فهذا نوع من الأنواع، وهو أن يستغرق في التعبد إلى درجة لا يشعر فيها بما حوله، ويروى عن بعض الصالحين: أنه سقط الجدار من خلفه، فلما قضى صلاته قيل له: كاد الجدار أن يقتلك، فأخبرهم بأنه لم يشعر بكون الجدار سقط. وهذا أمر عادي وليس فيه تثريب إذا جاء الإنسان في تعبده بما يوافق شريعة الله ، وأوامر الله ، وليس فيه خطأ، ولكن الخطأ هو عندما ينطلق الإنسان من بدعة ويصل إلى نتيجة فاسدة، مثل: أن يعرف الفناء بأنه: اختفاء عن الأمور الظاهرية لاندماجه بها، وأن هذه هي حقيقة الألوهية، كما يقول دعاة وحدة الوجود.

стр. 157

النوع الأول: الفناء عن إرادة ما سوى الله قال المؤلف ﵀: [فأما الأول: فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه]. وهذا الفناء مطلوب، فالفناء عن إرادة ما سوى الله يعني: أن يترك إرادة ما سوى الله، فلا يحب إلا الله، ولا يتعبد إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتعلق إلا به، ولا يريد إلا الله ، فهذا هو حقيقة التوحيد. قال المؤلف ﵀: [فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب غيره. وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال: أريد ألا أريد إلا ما يريد، أي: المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية]. وهنا قضية مهمة وهي: أن أصحاب التصوف المتأخرين الذين وصل بهم التصوف إلى درجة الزندقة -والعياذ بالله- يعتمدون على بعض العبارات المنقولة عن بعض الزهاد والعباد الأوائل، ثم يؤولونها ويحرفون معناها إلى معنى يهوونه، مثل أبي يزيد البسطامي، وقد يوجد عند بعض المتأخرين كذب على هؤلاء الأئمة، فقد ينسبون للجنيد أو لـ أبي يزيد أقوالاً لم يقولوها ولم تثبت عنهم، علماً أنه قد يوجد في بعض عبارات هؤلاء الفضلاء من العباد ما يكون فيه مخالفة للسنة فيرد، ولكن المتأخرين يوظفون هذه النصوص بطريقة غير سليمة وغير صحيحة، مثاله: قول أبي يزيد: أريد ألا أريد إلا ما يريد. يعني: هو يتمنى ألا تتعلق إرادته إلا بما يريد الله ، فكأنه يقول: أريد أن أصل إلى ألا أريد إلا ما يريده الله .

стр. 158

بيان أن هذا النوع من الفناء هو حقيقة التوحيد قال المؤلف ﵀: [وكمال العبد ألا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهذا معنى قولهم في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، فالمعنى واحد، وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره، وباطن الدين وظاهره]. وهذا أمر واضح، يعني: إذا كان الإنسان لا يريد إلا ما أراد الله ، ولا تتعلق نفسه إلا بما يريد الله خوفاً ورجاء ومحبة وإنابة فإنه يكون قد حقق التوحيد، وهذا هو حقيقة التوحيد، فسواء سمي فناء أو لم يسم فناء، فهذا هو التوحيد الخالص.

стр. 159

بيان الطريقة الصحيحة للتعامل مع ألفاظ وعبارات المتأخرين وهنا قاعدة مهمة جداً، وهي: أن الألفاظ والعبارات التي عند المتأخرين يجب ألا ينكرها الإنسان جملة ولا يقبلها جملة، وإنما يستفصل عنها، فإذا كانت العبارة صحيحة في المعنى وتوصل إلى معنى صحيح فإنه يقبلها، وإن كانت تشتمل على معنيين: معنى صحيح ومعنى باطل فإنه يقبل الصحيح ويرد الباطل، ويعترض على هذه العبارة التي لبست الحق بالباطل، وإن كانت تدل على معنى باطل فإنه يردها، وإن كان الأصل الشرعي هو أن التعبير يكون بالألفاظ الواردة في النصوص الشرعية، كمؤمن وفاسق وشرك وكفر ونفاق، ونحو ذلك من العبارات.

стр. 160

النوع الثاني: الفناء عن شهود السوى قال المؤلف ﵀: [وأما النوع الثاني: فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين]. والشهود معناه: المشاهدة، والسوى المقصود به: سوى الله، فمعنى الفناء عن شهود السوى: أن يفنى الإنسان عن مشاهدة غير الله، فلا يشاهد غير الله، يعني: لا يستحضر في قلبه ولا يشاهد في قلبه إلا الله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته، وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:١٠]، قالوا: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، وهذا كثيراً ما يعرض لمن فقمه أمر من الأمور، إما حب وإما خوف وإما رجاء، يبقى قلبه منصرفاً عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه]. وهذا أمر قد يكون في طبائع الأشياء وطبائع الناس، والإنسان عندما يفاجأ بخبر أو بأمر من الأمور قد يصدم لمدة معينة، يختلف الناس فيها، فقد تطول عند بعض الناس، وتقصر عند آخرين، ويكون مندهشاً منذهلاً، وقد لا يشعر بما حوله، وبعض الناس عندما يواجه بخبر صعب قد يبحث عن طاقيته وهي على رأسه، وقد يبحث عن قلمه وهو في جيبه، وقد يبحث عن حذائه وهو في رجليه، ومع هذا لا يشعر به، فهذا أمر طبيعي، فمثل هؤلاء عندما يجتهدون في التعبد فقد يصلون إلى مرحلة اندهاش وعدم شعور بأي شيء من حولهم إلا بالله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره]. والمقصود قوله: فإنه يغيب بموجوده يعني: بالشيء الذي وجده، عن وجوده يعني: عن وجود نفسه وما حوله، وبمشهوده يعني: الذي شاهده واستغرق قلبه به، ومذكوره يعني: الذي يذكره ويتعلق قلبه به، وبمعروفه يعني: الذي يستغرق في معرفته.

стр. 161

ضلال الصوفية في الفناء عن شهود السوى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتى يفنى من لم يكن، وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى. والمراد: فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها، وإذا قوي هذا ضعف المحب حتى اضطرب في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه. كما يذكر: أن رجلاً ألقى نفسه في اليم فألقى محبه نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أني. وهذا الموضع زل فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد، وإن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما]. يعني: أن هذا النوع درجات، وليس درجة واحدة، فبعض الناس قد يستغرق في ذكر الله وفي التفكر في الله إلى درجة أن يغيب بالله أو بموجوده عن وجوده هو، وقد يزيد هذا الفناء إلى درجة أنه لا يشعر بما حوله، وقد يزيد إلى درجة أنه لا يفهم شيئاً مما حوله، وقد يكلمه الناس فلا يعيهم، وقد يحركون بعض أجزائه فلا يتحرك، كأنه مغشي عليه، أو كأنه مصروع، أو مريض، وهذه لا تحصل للكاملين، وإنما تحصل للناقصين ضعاف النفوس، فقد يكون صاحب هذه الحال إذا لم توجد عنده عقائد باطلة طيباً في نفسه، ومن شدة ذكره وتعلقه بربه وتفكيره في صفاته وفي أسمائه قد يغيب عما حوله، وهذا الذكر والفكر والتعلق قد حصل لأئمة وسادات الأولياء، مثل: الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ ، ومع ذلك لم يرد مثلاً أن أحداً منهم إذا تقدم للصلاة وصلى سقط مغشياً عليه، بينما ورد هذا عن بعض المتأخرين ممن جاء بعد الصحابة، فكانوا من شدة تعلقهم بالله وخوفهم منه ورغبتهم فيما عنده جاءوا إلى الصلاة وكبروا ربما لا يستطيعون أن يتمالكوا شيئاً من أعصابهم، فيسقطون مغشياً عليهم، وهذه كلها أخبار صحيحة، وربما يتلى على بعضهم الآية أو يذكر له الحديث عن النبي ﷺ فيتأمل فيه فيسقط مغشياً عليه، وهذه الحال ليست عيباً في مثل هذا الشخص من ناحية دينه، فقد يكون تدينه قوياً، وقد تكون معرفته بربه صحيحة، وليس من أهل البدع ولا علاقة له بها، ولكنها ترجع إلى النفسيات، وإلى قوة الشخصية، فبعض الناس لديه من قوة الشخصية ما لو استغرق وعرف فلا يؤثر ذلك على نفسه، ومن الناس من يكون ضعيفاً. وهذه الحال انتشرت عند المتأخرين من بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم، مع أن الصحابة أفضل وأعرف بالله منهم، وأشد خوفاً من الله وتوكلاً عليه منهم، وأشد جهاداً منهم، وكانوا في كل باب من أبواب التعبد أشد منهم في التعبد لله ، ومع ذلك كانت نفوس الصحابة نفوساً قوية، تتحمل مثل هذه الأمور، فلا تؤثر على أعصابهم، بينما المتأخرين كان في نفوسهم ضعف، وهذا وارد في الناس، فمثلاً: النساء لسن في قوة التحمل مثل الرجال، وكذلك الرجال يختلفون، فبعض الناس تكون قوة تحمله النفسية ضعيفة، وبعض الناس يكون عنده قوة تحمل، حتى أنه قد تأتيه القضايا الكبيرة والعظيمة فلا تؤثر فيه، في حين أن بعض الناس قد تأتيه القضايا الصغيرة البسيطة فتقلب كيانه بأكمله، فبعض الناس قد يمرض ابنه فيتغير شعوره، وقد يضعف، وقد يسقط مغشياً عليه، وبعض الناس ربما يؤتى له بابنه مقتولاً فلا يتأثر تأثراً كبيراً، فهذه راجعة إلى الأمور الشخصية أكثر من رجوعها إلى الأمور الدينية، فينبغي إدراك هذه القضية، فمثلاً: الأحنف بن قيس كان محتبياً فجيء له بابنه مقتولاً قتله ابن عمه، وقد أمسكوه وأتوا به معهم، وكان الأحنف محتبياً فما فك الحبوة التي كانت تربط جسده، وقال: أطلقوه، إنما هي بضعة منك قطعتها -يكلم ابن عمه- أعطوا أمه -يعني: زوجته- مائة من الإبل، فإنها غريبة، وأكمل حديثه، فهذه النفوس ليست عادية، وإنما هي نفوس عظيمة وكبيرة، وتدل على علو في الهمة، وعلى صفات شخصية قوية غير عادية. وهذه المظاهر الغريبة التي قد تحصل عند البعض قد يفسرها المتأخرون بأنها هي نفسها: وحدة الوجود، وهي: التعلق بالمخلوق، والاتصال التام بين الخالق والمخلوق إلى درجة أنهما شيء واحد، وقد قال ابن تيمية ﵀ عن هذا: وهذا غلط، وهو صادق بأن هذا غلط، فليس الخالق مثل المخلوق، وهناك فارق بين المخلوق والخالق. قال المؤلف ﵀: [وهذا غلط، فإن الخالق لا يتحد به شيء أصلاً]. لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهو الأحد الصمد، الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل لا يمكن أن يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدت حقيقة كل منهما، وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا]. أي: إلا إذا تغيرت حقيقة كل واحد منهما، فمثلاً: الذين يقولون: بأنه اتحد العبد في الله فمعنى هذا أنه يلزمهم أن العبد تغيرت حقيقته فصار شيئاً آخر، وأن الله تغيرت

стр. 162

بيان أن كثرة الكرامات للشخص لا تدل على فضله على غيره وقد ذكر ابن تيمية ﵀ في (الفرقان) وفي غيره: أن المتأخرين كثرت عندهم الكرامات أكثر من المتقدمين؛ لأن هذه الكرامات كانت عبارة عن تشجيع لهم؛ لأنهم أقل منزلة من المتقدمين الذين كانوا يتعبدون لله على الغيب، بينما المتأخرون لضعف قدرتهم عن قدرة أولئك صارت الكرامات عبارة عن تشجيع لهم، فكثرة الكرامات عند بعض المتأخرين ليست دليلاً على أنه أفضل من غيره، بل هي علامة على أنه أقل من غيره.

стр. 163

النوع الثالث: وحدة الوجود قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما النوع الثالث مما قد يسمى فناء فهو: أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق]. وهذا هو الكفر المبين، وهو عقيدة أصحاب وحدة الوجود، فهم يشهدون أنه لا موجود إلا الله ، ويفسرون لا إله إلا الله بمعنى: لا موجود إلا الله ، وأنه ليس هناك مخلوقات، وإنما هو خالق يأتي في صور متعددة، ومن هذه الصور: صورة بني الإنسان، وصورة بقية الكائنات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد وهذا يبرأ منه المشايخ المستقيمون على هدي الكتاب والسنة، كالصحابة والأئمة المهتدين، فإنهم إذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أو: لا أنظر إلى غير الله ونحو ذلك فمرادهم بذلك: ما أرى رباً غيره، ولا خالقاً غيره ولا مدبراً غيره، ولا إلهاً غيره، ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفاً منه أو رجاء له، فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب، فمن أحب شيئاً أو رجاه أو خافه التفت إليه، وإذا لم يكن في القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له لم يقصد القلب أن يلتفت إليه، ولا أن ينظر إليه، ولا أن يراه، وإن رآه اتفاقاً رؤية مجردة كان كما لو رأى حائطاً ونحوه، مما ليس في قلبه تعلق به. والمشايخ الصالحون ﵃ يذكرون شيئاً من تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله، بحيث لا يكون العبد ملتفتاً إلى غير الله، ولا ناظراً إلى ما سواه، لا حباً له، ولا خوفاً منه، ولا رجاء له، بل يكون القلب فارغاً من المخلوقات، خالياً منها، لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق يسمع، وبالحق يبصر، وبالحق يبطش، وبالحق يمشي، فيحب منها ما يحبه الله، ويبغض منها ما يبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويعادي منها ما عاداه الله، ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله، فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحقق الموجد بمعرفة الأنبياء والمرسلين، وبحقيقتهم وتوحيدهم. وأما النوع الثالث وهو: الفناء في الموجود فهو تحقيق آل فرعون، ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم. وهذا النوع الذي عليه أتباع الأنبياء فهو الفناء المحمود الذي يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين. وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول: أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسموات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد]. فهناك بعض العبارات عند بعض المشايخ من العباد والزهاد والصالحين التي قد تفسر على غير وجهها الصحيح، وكلام الشيخ كله الآن منصب على هذه القضية، وعلى ما ينقل عن بعض الشيوخ أنه قال: ما أرى غير الله، أو قال: لا أنظر إلى غير الله، فقوله: لا يرى غير الله، ليس مقصوده بأنه لا يرى بعينيه إلا الله، فيكون معنى كلامه: أن المخلوقات هي الله، وإنما المقصود بقوله: لا أرى غير الله، يعني: لا أرى ولا أفكر ولا أعمل شيئاً إلا بالله ، وهذا هو معنى ما جاء في حديث النبي ﷺ : (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها). فالمقصود: أنه تكون كل حركاته لله وبالله، وليس للمخلوق فيها شيء، فأتى المتأخرون من أصحاب وحدة الوجود الضالين الملحدين وقالوا: إن معنى قوله: ما أرى غير الله: أن كل المخلوقات هي الله، ولهذا جاء عند بعضهم: ما في الجبة إلا الله، والجبة هي: اللباس فكأنه يدعي الألوهية لنفسه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول: أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسموات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد، إما فساد العقل وإما فساد الاعتقاد، فهو متردد بين الجنون والإلحاد. وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا، وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات، وإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسموات؛ لعدم التمييز والفرقان في قلبه، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء، وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع، ويدخل في ذلك من العبارات المتلفة نظير ما دخل في الفناء، فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها، متشتتاً ناظراً إليها متعلقاً بها، إما محبة وإما خوفاً وإما رجاء، فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له]. يقصد شيخ الإسلام ﵀: أن مثل المصطلحات: الجمع والفرق والفناء، ونحو

стр. 164

مصطلح الجمع والفرق عند الصوفية ومثلها: الجمع والفرق، فإن الجمع والفرق من المصطلحات التي حصلت عند بعض المتأخرين، وأصبحت من مصطلحات صوفية، وأصبح يرددها البعض بمعنى صحيح، والبعض بمعنى فاسد، فقد يقصد البعض بالجمع: اجتماع القلب على الله ، وعلى ذكره وشكره وعبادته، والفرق: كثرة المشاهدات التي يراها في الواقع، وليس بينهما تعارض ولا تناقض، وقد يأتي شخص آخر فيفسر الجمع بأنه: حقيقة التعبد، وهو: اعتقاد أن المخلوقات هي الله ، وأن الفرق هو: عبارة عن أجزاء من ذاته، ولهذا عندما قيل للتلمساني وهو من فلاسفة الصوفية المتأخرين: كيف تفسر الكثرة الموجودة في المخلوقات، وأنت تقول: أنها هي عين ذات الله ؟ قال: ألا ترون موج البحر ما أكثره، مع أنه لا يمكن أن يسمى شيئاً غير البحر؟ ففسرها بهذا التفسير، وهذا هو مقصود بعض المتأخرين، فقد يكون المعنى الذي يراد بالجمع والفرق والوحدة والكثرة معنى صحيح، وقد يكون معنى باطل، فينبغي للإنسان التنبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين، فصارت محبته لربه، وخوفه من ربه، ورجاؤه لربه، واستعانته بربه، وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق، فقد يكون مجتمعاً على الحق، معرضاً عن الخلق نظراً وقصداً، وهو نظير النوع الثاني من الفناء. ولكن بعد ذلك الفرق الثاني وهو: أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله، مدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله ، وأنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها، فيكون مع اجتماع قلبه على الله -إخلاصاً له ومحبة وخوفاً ورجاء واستعانة وتوكلاً على الله، وموالاة فيه، ومعاداة فيه، وأمثال ذلك- ناظراً إلى الفرق بين الخالق والمخلوق، مميزاً بين هذا وهذا، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها، مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته في حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافياً لألوهية كل شيء من المخلوقات، مثبتاً لألوهية رب العالمين، رب الأرض والسموات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله، وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرقاً في علمه وقصده في شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالماً بالله تعالى، ذاكراً له عارفاً به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محباً لله، معظماً له، عابداً له، راجياً له، خائفاً منه، موالياً فيه، معادياً فيه، مستعيناً به، متوكلاً عليه، ممتنعاً عن عبادة غيره، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والطاعة لأمره، وأمثال ذلك، مما هو من خصائص إلهية الله . وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحداً لله].

стр. 165

العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والعلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والألوهية تتضمن توحيد الربوبية، فكل من وحد الله في إلهيته فإن هذا يتضمن توحيده لله في كونه رب كل شيء، وأنه خالق كل شيء، ومدبر كل شيء؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله دون أن يعتقد مثل هذا الاعتقاد، ومن جاء بالربوبية فإنه يلزمه أن يأتي بالألوهية، وقد يأتي بها كحال المسلمين، وقد لا يأتي بها كحال الكافرين؛ لأن الكفار كثير منهم يعرف أن الله هو خالق كل شيء ومدبر كل شيء، إلا أنه لا يلتزم بعبادة الله والتأله له، بل تأله لغيره، مع أنه لازم له في الحقيقة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك يبين أن أفضل الذكر: لا إله إلا الله، كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا، وغيرهما، مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله). وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبد الله بن كثير أن النبي ﷺ قال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)].

стр. 166

الأسئلة

стр. 167

هل يكون النبي في حالة فناء عند نزول الوحي عليه السؤال هل كان النبي ﷺ عندما يوحى إليه يكون في حالة الفناء؟ الجواب كلمة الفناء هي اصطلاح، وليست كلمة شرعية، فالفناء نفسها لم ترد في القرآن ولا في السنة، وإنما هي كلمة اصطلاحية حصلت عند بعض المتأخرين، فأراد الشيخ أن يشير إليها ويفصلها، وأن يميز بين المعنى الحق الذي يمكن أن يوجد في هذه الكلمة وبين المعنى الباطل الذي لا يصح، وأما النبي ﷺ فإنه إذا أوحي إليه كما جاء في الحديث: (أنه كان يجد ثقلاً فيه، وكان يعرق، وتعلوه الرحضاء، فربما يتفصد جبينه عرقاً في الليلة الباردة الشاتية). وذكر زيد بن ثابت في قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، بأنه أوحي إلى النبي ﷺ وفخذه كانت تحت فخذ النبي ﷺ ، قال: فكادت ترض يعني: كادت تنكسر من شدتها، وربما جاءه الوحي ﵊ وهو على جمله وهو قائم فيبرك، وهذا لا يسمى فناء، ولكنه كان يجد منه شدة لا يتحملها إلا مثله.

стр. 168

الموقف من دعاة الصوفية المعاصرين السؤال ما هو موقفنا من رءوس الصوفية والمجددين لهم في هذا الزمان؟ الجواب الصوفية أنواع، وليسوا نوعاً واحداً، ولكن المتأخرين منهم جمعوا السوء من أطرافه، ومن الأمثلة على ذلك الجفري الذي يأتي في الإعلام وفي الفضائيات كثيراً، فهذا الرجل سمعنا له تسجيلات خطيرة جداً على العقيدة، يستحل فيها كثيراً من المحرمات، ويكذب فيها على أهل السنة كذباً واضحاً وبيناً، وقد يكون لديه أسلوب جميل في العرض والمناقشة، ولكن الأسلوب الجميل ليس كافياً في صحة العقيدة، فينبغي للإنسان أن يدرك هذه القضية.

стр. 169

الفرق بين قسوة القلب وقوة الشخصية السؤال الشخص الذي لا يتأثر بما حوله، كموت أحد أقاربه، هل هذا من قسوة القلب أم قوة الشخصية؟ الجواب إذا لم يتأثر بالمرة فلا شك أن هذا قسوة، وقوة الشخصية لا تعني عدم التأثر، بل قد يتأثر صاحبها، وقد يبكي، والأقوياء يبكون، وقد بكى النبي ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإن على فراقك يا إبراهيم! لمحزونون)، فالإنسان قد يبكي ويتأثر ويحزن، وقوة الشخصية هو ألا يصل إلى درجة أنه إذا أخبر بموت والده مثلاً أن يموت أو يغشى عليه، أو تصيبه جلطة مثلاً، فلا شك أن هذا ضعف، ولكن هذا لا يعني أنه لا يتأثر أو لا يبكي أو لا يحزن، فهذا كله أمر طبيعي، وهو من فطرة الإنسان، فقوة الشخصية غير القسوة، فالقسوة هي: أن يتعامل الإنسان مع القضايا التي تثير الإنسان العادي بأسلوب جامد ولا يتفاعل معها، يعني: قد يسمع آيات مؤثرة ولا تبكيه، وقد يحصل له حادث مثلاً ولا يتأثر منه، وقد يموت له قريب وزميل فلا يتأثر، فهذه قسوة وليست قوة، ولكن القوة هي: أن يتمالك الإنسان نفسه، فلا يقول إلا ما يرضي الله وقديماً كانت النساء إذا مات ميت لهن حثين على رءوسهن التراب، ومزقن ملابسهن، وصحن وأكثرن الصياح، وعلا صوتهن بالصياح بطريقة غير صحيحة، وهذه هي النياحة التي نهى عنها النبي ﷺ ، وأمر الإنسان بضبط نفسه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 170

رسالة العبودية [١١] تزعم الصوفية أن ذكر العامة هو ما ورد في الكتاب والسنة من الأذكار، وذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر وهذا ضلال وانحراف، وللصوفية بدع عظيمة في باب ذكر الله، وكذلك باب الدعاء والاستغاثة والتوسل، وغير ذلك، فتراهم يدعون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوسلون بالموتى من الأنبياء والملائكة والصالحين، فينبغي الحذر مما هم واقعون فيه من بدع وغير ذلك مما يخالف أحكام الإسلام، وجماع الدين يتمثل في أصلين مهمين: ألا نعبد إلا الله، وألا نعبده سبحانه إلا بما شرع.

стр. 171

انحراف الصوفية في الذكر الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فسنكمل إن شاء الله بقية هذا الكتاب العظيم لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن زعم أن هذا ذكر العامة, وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد, وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر, فهم ضالون غالطون]. يعني: أن أهل التصوف لهم بدع عظيمة في باب ذكر الله تعالى, فهم يوردون كلمة (العامة) في مورد الانتقاص والاحتقار, يقولون: إن ذكر العامة هي الأذكار الواردة في كتب السنة المعروفة, فيدخل في هذا مثلاً الأذكار الواردة في كتاب (الأذكار) للنووي و (الوابل الصيب في الكلم الطيب) لـ ابن القيم، والأذكار الواردة في الأحاديث النبوية, يعتبرون ذلك كله من أذكار العامة، ويرون أنه لا ميزة للإنسان عندما يذكر الله بهذه الأذكار, ثم يقولون: إن الذكر الذي هو ذكر الخاصة هو ذكر الله بالاسم المفرد, المقصود بهذا أن يذكروا الله تعالى بترديد اسم من أسمائه مثل: الله الله الله الله وهكذا، أو لطيف لطيف لطيف لطيف, أو سميع سميع, أو عليم عليم عليم عليم, وتكرير ذلك آلاف المرات, علماً أن هذا لم يرد عن النبي ﷺ ، بل هو بدعة ابتدعوها هم من تلقاء أنفسهم, استحسنوها وظنوا أنها حسنة وأنها مفيدة ومؤثرة. وقالوا: إن ذكر خاصة الخاصة الذين هم أخص من الخاصة, والذين هم علية القوم عندهم هو ذكر الله بالاسم المضمر، وهو قولهم: هو هو هو بالأسماء المضمرة, فيرددون هذه الكلمة التي هي: هو هو هو, ويقولون: إن الذكر أفضل من الأذكار الواردة في كتب السنة, مثل: أذكار الصباح وأذكار المساء, وقول الإنسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم, وقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. مائة مرة, وهكذا. أولاً: إن كل هذا لا شك أنه مخالف لسنة النبي ﷺ , فالنبي ﷺ لم يشرع لأصحابه أن يذكروا الله تعالى بالاسم المفرد: الله الله الله, أو بالاسم المضمر: هو هو هو. فهذه من البدع، والنبي ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). ويقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). ويقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار). فهذه من البدع المحدثة. ثانياً: أنه لا قيمة لذكر لا معنى له, فعندما يقال: الله الله الله الله الله, أو هو هو هو, ما هو المعنى؟ ليس هناك معنى محدد من هذه العبارات. فكلمة الله الله الله هي اسم مفرد مبتدأ لا خبر له, فإن كان المقصود التعريف, يعني هو الله فهذا ليس من الذكر, بل هو من التعريف بالمعرف, وتعريف المعرف لا فائدة منه؛ ولهذا ليس هناك ما يزكي النفوس بالأذكار التي يأتون بها, مثل: الاسم المفرد أو الاسم المضمر، هذا فضلاً عن الأوراد البدعية التي يأتون بها مثل: أوراد الشاذلي , أو مجربات الدسوقي , أو غيرها من المجربات والأوراد التي يأتون بها ويبتدعون فيها, ويستغيثون فيها بغير الله , وقد يأتون فيها بكلمات لا معنى لها ولا قيمة لها. هذا فضلاً عن الرقى التي هي من جنس الأدعية التي يبتدعون فيها الغرائب، مثل: مخاطبة النجوم, أو بعض الرسومات السحرية, أو نحوها وكل هذا من البدع المحدثة والعياذ بالله.

стр. 172

أدلة من يجعلون الذكر بالاسم المفرد ذكر الخاصة والرد عليهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]]. يعني: أخذوا من قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١] أن الله أمر أن يقول الإنسان: الله. نقول: هذا استدلال في غير سياقه؛ لأن الآية لها سبق, يعني: هناك استفهام سابق, والجواب عليه هو الله, وهو جواب على سؤال وليس ذكراً, أيضاً ليس فيه ترديد, وليس فيه تكرار, ليس فيه قل: الله الله الله الله الله كما يفعلون هم. فهو استدلال لا قيمة له, وهكذا يستدل دائماً أهل البدع, فهم يأتون بالنصوص الشرعية ويوظفونها في غير سياقها. ونحن لو لاحظنا أحد العوام يأخذ من كلام مخلوق من المخلوقين بعض الجمل ويوظفها في غير سياقها, لاتهمناه بالعته والسفه والسخف والحمق, يعني: لو أن إنساناً مزح على إنسان وقال له كلمة، ثم وظفها شخص آخر في غير سياقها, لقال الناس: هذا مجنون. فمثلاً: لو أن شخصاً تكلم مع شخص آخر ومزح معه بأي مزحة في اسمه أو في شخصه, ثم في يوم من الأيام اختصما فجاء هذا الشخص أمام الذين يصلحون بينهما وقال: هذا في يوم من الأيام قال لي كذا وكذا, ويأتي بالكلام الذي في المزاح ويجعله في سياق الجد, لتكلم عليه الناس وذموه وعابوه, وقالوا: إنه يفهم الأمور على غير وجهها, فكيف بكلام الله يعمل به هكذا؟! قال: [واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١] من أبين غلط هؤلاء, فإن الاسم (الله) مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في الآية قبله، وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]. أي: الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، فالاسم (الله) مبتدأ، وخبره قد دل عليه الاستفهام، كما في نظائر ذلك؛ تقول: من جاره؟ فيقول: زيد. وأما الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً، فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا أمر ولا نهي ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله ﷺ ، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة، ولا حالاً نافعاً, وإنما يعطيه تصوراً مطلقاً لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات. فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه, وإلا لم يكن فيه فائدة, والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره. وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد، وأنواع من الاتحاد, كما قد بسط في غير هذا الموضع. وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات, حال لا يقتدى فيها بصاحبها]. يعني: هذه الكلمة تذكر عن بعض الشيوخ أنه كان لا يقول: لا إله إلا الله، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: أخشى أن أقول: لا إله ثم أموت, فإذا مت أكون قد أتيت بالنفي ولم آت بالإثبات, فيأتي بكلمة (هو). ولاشك أن جهل؛ لأن الإنسان لو افترضنا أنه قال: لا إله ثم مات لا يعاقب شرعاً؛ لأن هناك مانع من الموانع غير داخل في إرادته منعه من إتمام الجملة فكيف يترك ما أمر به الله وما أمر به رسول الله ﷺ من الذكر الذي يزكي النفوس ويطيب القلوب إلى كلمات لا معنى لها، مثل: هو هو هو ونحو ذلك علماً أن عندنا من العلم الضروري ما يدل على أن النبي ﷺ لم يشرع ذلك لأصحابه, ولم يعلم أصحابه ذلك. [فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به؛ إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه, إذ الأعمال بالنيات. وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بتلقين الميت: (لا إله إلا الله). وقال: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة). ولو كان ما ذكره محذوراً لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتاً غير محمود, بل كان يلقن ما اختار من ذكر الاسم المفرد. والذكر بالاسم المضمر أو المفرد أبعد عن السنة، وأدخل في البدعة, وأقرب إلى ضلال الشيطان؛ فإن من قال: يا هو! يا هو! أو: هو هو ونحو ذلك، لم يكن الضمير عائداً إلا إلى ما يصوره قلبه, والقلب قد يهتدي وقد يضل]. يعني: ليس بالضرورة أنه إذا قال: يا هو! أنه يتصور الله , فقد يرد في قلبه شيء، وقد يأتي الشيطان ويوسوس إليه بشيء، وحينئذ يتغير خاطره ويتجه إلى شيء آخر غير الله .

стр. 173

ابن عربي الصوفي وكتابه الهو قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد صنف صاحب (الفصوص) كتاباً سماه: كتاب (الهو)]. المقصود بصاحب الفصوص: هو ابن عربي الطائي، وهو من زعماء الإلحاد, وكتابه اسمه (فصوص الحكم) ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رد عليه مفصل في المجلد الثاني من الفتاوى اسمه (الرد الأقوم على فصوص الحكم). ومن أبرز الكتب التي تبين إلحاد ابن عربي هو هذا الكتاب (فصوص الحكم). وهو ليس بالسهل فهو رجل فيلسوف كبير، وعالم كبير من حيث المعلومات والذكاء والقدرة على صياغة العبارة والشعر العميق, لكن ذلك كله وظفه في الإلحاد والعياذ بالله, وجاء بفلسفة يكفي أن يتصورها الإنسان ليعلم بطلانها. فهو يقول: هذا العالم الكبير ليس له إله خارج عنه, بحيث يكون هناك خالق ويكون هذا الكون مخلوقاً, وإنما يعتقد أن هذا الكون هو الإله، وأن الجزئيات الموجودة في الكون أجزاء من الإله, فنحن من الإله والكفار من الإله, والسماء من الإله، والأرض من الإله, والبحار من الإله, وكل شيء يعتبر عنده من الإله. بل إنه صرح كما نقلنا ذلك شعراً عنه أنه يقول: كل كلامي في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه. فيدخل في هذا نباح الكلاب، ونهيق الحمير، وكلام الملحدين، ونحو ذلك من الأمور السيئة. وهو نفسه القائل: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟! إن قلت عبد فذاك رب وإن قلت رب أنى يكلف؟ يعني: كيف يكلف؟! وله كتاب اسمه: (الهو) كما أشار إليه شيخ الإسلام.

стр. 174

من أدلة الصوفية في ذكرهم بالاسم المضمر: (وما يعلم تأويله إلا الله) والرد عليهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزعم بعضهم أن قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو (الهو). وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل, فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء, حتى قلت مرة لبعض من قال شيئاً من ذلك: لو كان هذا كما قلته لكُتبت الآية: وما يعلم تأويل (هو) منفصلة]. انظروا إلى العبث بكتاب الله, جاء إلى الآية ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ)) الكلمة (تأويله) مكتملة. ففصل بين كلمة (تأويل) والضمير المتصل بها وقرأها: وما يعلم تأويل هو إلا الله، يعني: ما يعلم تأويل تفسير كلمة (هو) إلا الله, مع أن المكتوب في القرآن ((تَأْوِيلَهُ)) متصلة, ولو كان المقصود كما زعمه لكانت الآية هكذا: وما يعلم تأويل هو إلا الله, لكنه كاذب. هذا مثل رجل ادعى النبوة, وسمى نفسه (لا) فلما قيل له: لماذا سميت نفسك (لا)؟ قال: لأن النبي ﷺ يقول: (لا نبي بعدي) هكذا فسرها. الحديث: (لا نبي بعدي) (لا) نافية للجنس, و (نبي) اسمها منصوب. فهذا جاء وقال: (لا نبي بعدي) يعني: كأن النبي ﷺ يقول: سيأتي نبي بعدي اسمه (لا) فاتبعوه. فبعض الناس يتلاعب بكتاب الله وبكلام النبي ﷺ . كذلك رجل اسمه (بيان) ادعى النبوة, وقال: نبوتي مكتوبة في كتاب الله, يقول الله : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨]. فالله يتكلم عن القرآن بقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨] وهذا يقول: (هذا بيان) يعني: أنا بيان للناس، يعني: رسول. فهؤلاء ويتلاعبون بالقرآن وبالسنة بهذه الطريقة, وهذا من العبث, لكن تصوروا أن هذا العبث قد يؤمن به أشخاص كثيرون مع الأسف من الجهال, ومع الأسف أن هذه الأمة تراجعت كثيراً عن دينها الصحيح, إلى درجة أنه يمكن لأي كاهن أو كاذب أو دجال أو محتال أن يتلاعب بها ويضحك بها. ولهذا تروج بضاعة الذين يتكلمون عن المغيبات كثيراً عند هذه الأمة, سواء على مستوى السحرة أو الكهنة, أو على مستوى أصحاب المذاهب المعاصرة الذين يزينون للناس الباطل، ويزعمون أن هذا هو رمز الحضارة, وأن هذا هو رمز التقدم, وأنه من ترك مثل هذا فهو رجعي متخلف، يريد أن نعيش في السنين المتأخرة, وأنه لا يمكن لنا أن نتقدم في بلادنا حتى يكون عندنا طابور من النساء الراقصات, وطابور من النساء الممثلات, وطابور من الشباب الذين يشبهون مايكل جاكسون وهكذا نخرج طوابير من السفهة والحمقى والمغفلين والمغنين, ثم بعد ذلك أعلى أكتاف هؤلاء وغيرهم سنصنع الطائرات، وسنصنع القنابل النووية, وسنصنع كل ما تحتاجه الإنسانية؟!! فانظروا العبث في التفكير, لكن مع هذا يوجد من يصدقهم من الناس. كما قال الأول: لكل ساقطة في الحي لاقطة وكل كاسدة يوماً لها سوق. يعني: لا تتصور أن الأشياء الكاسدة والساقطة لا سوق لها, لها سوق وهناك أناس كثيرون يقبلون مثل هذه السواقط. فتخيلوا إذا كانت الأمور الساقطة الحقيرة الواضحة البطلان لها من يقبلها, فكيف بعد هذا نقول: إنه يجوز للإنسان أن يتكلم برأيه حتى ولو كان ملحداً باسم حرية الرأي؟! بعض الناس اليوم ينادي بحرية الرأي, ويطالب أن تكون حرية الرأي مفتوحة بدون ضوابط شرعية, أو إذا وضعوا الضوابط الشرعية تصبح كليشة مثل الكليشات المعهودة, يعني: أن أي شيء يفعلونه يكون وفق الشريعة الإسلامية حتى لو كان مناقضاً لها من أساسها. فأقول: من الأمور الأساسية التي ينبغي أن ندركها أن حفظ أديان الخلق مقصد من المقاصد الشرعية، يجب على العلماء أن يحققوا هذا المقصد برد الباطل, ويجب على ولاة الأمر أن يحققوا هذا المقصد بمنع كل من يقدح في دين الله في الصحافة أو في غيرها. ويجب على عموم المسلمين أن يحتسبوا على أهل المنكرات، حتى لا يضيعوا على الخلق أديانهم, وإضاعة الخلق والدين أحياناً يكون بالإفساد العقدي, وأحياناً يكون بالإفساد السلوكي والأخلاقي. فتضييع الدين يكون بنشر الإلحاد مثلاً في الناس, أو المذاهب الفكرية المنحرفة, أو العقائد الفاسدة، مثل: عقائد الرافضة، أو عقائد الصوفية, أو غيرها من العقائد المنحرفة. وتضييع الدين أيضاً يكون عن طريق الأخلاق، بفتح مجال الفساد والانحراف في كل مكان, فإذا فتح مكان من الأمكنة الجديدة تجد أن مجال الفساد فيها واسع وكبير. فهذا رجل يحسن الغناء تراه يجمع مجموعة من الشباب ويدربهم على الغناء معه، ويضعون لهذه المجموعة اسماً من الأسماء. وهذا شخص ينظم معرضاً من المعارض فيأتي بنساء ليبعن فيه، حتى يصبح هناك اختلاط، وهذا فساد في الأخلاق، وتأثير على أديان الناس؛ ولهذا مثل هذه الصور يجب أن تمنع، وأن يحتسب عليها.

стр. 175

من أدلتهم على الذكر بالاسم المفرد: (قل الله ثم ذرهم) والرد عليهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم كثيراً ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: (الله) بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام:٩١]، ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد, وهذا غلط باتفاق أهل العلم؛ فإن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١]، معناه: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى, وهو جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]]. يعني: بعض الناس فهم أن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١] خاص بالنبي ﷺ , وأنه يجوز للنبي ﷺ أن يقول: الله الله الله وهكذا, لكن الناس الآخرون لا يجوز لهم ذلك, وهذا فهم غير صحيح؛ فإن الآية لم ترد لا للنبي ﷺ ولا لغيره أن يكرر الكلمة، وإنما جاءت في جواب سؤال, فتوظيفها في غير سياقها لا يصح. قال: [أي: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى, رد بذلك قول من قال من المكذبين لرسول الله: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، فقال: ﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام:٩١]، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١] أنزله, ثم ذر هؤلاء المكذبين في خوضهم يلعبون. ومما يبين ما تقدم ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو: أن العرب يحكون بالقول ما كان كلاماً, ولا يحكون به ما كان قولاً, فالقول لا يحكى به إلا كلام تام، أو جملة اسمية، أو جملة فعلية, ولهذا يكسرون (إن) إذا جاءت بعد القول, فالقول لا يحكى به اسم، والله تعالى لا يأمر أحداً بذكر اسم مفرد, ولا شرع للمسلمين ذكراً باسم المفرد المجرد. والاسم المجرد لا يفيد شيئاً من الإيمان باتفاق أهل الإسلام, ولا يؤمر به في شيء من العبادات, ولا في شيء من المخاطبات. ونظير من اقتصر على الاسم المفرد: ما يذكر أن بعض الأعراب مر على مؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسولَ الله, فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا الاسم، فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام؟]. يعني: قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فجعل كلمة (رسول) هنا وصفاً لمحمد وليس خبراً, لكن لو قال: أشهد أن محمداً رسولُ الله, يصبح المعنى مختلفاً تماماً, يصبح أنه يشهد أن محمداً العلم المعروف رسولُ لله . ولهذا لا يتم الأذان لو قال الإنسان: أشهد أن محمداً رسولَ الله, لابد أن يقول: أشهد أن محمداً رسولُ الله, حتى يكون المعنى واضحاً.

стр. 176

المقصود بالأمر بذكر اسم الله في النصوص الشرعية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما في القرآن من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨]. وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]. وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤]. ونحو ذلك لا يقتضي ذكره مفرداً. بل في السنن: (أنه لما نزل قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: اجعلوها في سجودكم). فشرع لهم أن يقولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم, وفي السجود: سبحان ربي الأعلى]. يعني: لم يفهم أحد أنه يقول: (الله) في الركوع, أو (الله) في السجود فقط. ويستدل بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة:٧٤] يعني: بالجملة كاملة. قال: [وفي الصحيح: (أنه كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم, وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى). وهذا هو معنى قوله: (اجعلوها في ركوعكم وسجودكم) باتفاق المسلمين. فتسبيح اسم ربه الأعلى, وذكر اسم ربه ونحو ذلك, هو بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع - هن من القرآن-: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر). وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم). وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, كتب الله له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي, ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه، ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم, حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر). وفي الموطأ وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير). وفي سنن ابن ماجة وغيره عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله, وأفضل الدعاء: الحمد لله). ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء, وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤]. إنما هو قول: باسم الله, وهذا جملة تامة, إما اسمية على أظهر قولي النحاة, أو فعلية، والتقدير: ذبحي باسم الله, أو: أذبح باسم الله. وكذلك قول القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقديره: قراءتي باسم الله, أو أقرأ باسم الله، ومن الناس من يضمر في مثل هذا: ابتدائي باسم الله, أو: ابتدأت باسم الله]. هذا كلام دقيق، فإنه إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم, يعني: بحسب ما ذكر فيه هذا اللفظ، فبسم الله الرحمن الرحيم أؤلف مثلاً, أو بسم الله الرحمن الرحيم أقول وأتكلم, أو بسم الله الرحمن الرحيم مثلاً يبدأ أمر من الأمور. فيكون تقدير الفعل المضمر بحسب المناسبة, هذا هو الأدق وهذا هو الأحسن. قال: [والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول باسم الله, ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر المضمر في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وفي قوله: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١]، وفي قول النبي ﷺ : (من كان ذبح قبل الصلاة, فليذبح مكانها أخرى, ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله). ومن هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك). فالمراد أن يقول: باسم الله, ليس المراد أن يذكر الاسم مجرداً. وكذلك قوله في الحديث الصحيح لـ عدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل). وكذلك قوله ﷺ : (إذا دخل الرجل منزله، فذكر اسم الله عند دخوله وعند خروجه وعند طعامه, قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء). وأمثال ذلك كثير]. يعني: أن الأدلة التي أشار إليها شيخ الإسلام مما يحتمل أن يستدلوا بها ثلاثة: الدليل الأول: آية الأنعام ا

стр. 177

المقصود بذكر الله تزكية النفوس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام، لا اسم مفرد, لا مظهر ولا مضمر]. يعني: أن الهدف من الذكر هو تزكية النفس والقرب من الله , فعندما يكون الدعاء أو الذكر بكلمات لا معنى لها كيف يحصل هذا المقصود؟ لا يمكن أن يحصل هذا المقصود. فهذا المقصود الذي هو تزكية النفس والإيمان والتقوى التي تكون في نفس الإنسان لا تتحصل إلا بكلام تام واضح المعنى بين، وأما ما عدا ذلك فلا يصلح أن يكون ذكراً؛ ولهذا الاسم المفرد ليس له معنى, وما لا معنى له لا يصح أن يكون ذكراً, ولا أن يكون مزكياً للنفوس. والرقى الشرعية لها مجموعة من الشروط: الشرط الأول: أن تكون بالكلام الشرعي الذي لا يوجد فيه أي شرك. الشرط الثاني: أن تكون هذه الرقية باللغة العربية. وقال العلماء في تعليل هذا الشرط: إنه لا بد أن تكون الرقية باللغة العربية؛ لأنه إذا كانت بلغة أجنبية فإنها مظنة ألا يكون لها معنى ظاهر، فتكون حينئذ وسيلة من الوسائل التي قد توصل إلى الشرك، وإن كان الصحيح أنه يجوز أن تكون بغير اللغة العربية؛ إذا كانت مفهومة ومعناها ظاهراً. الشرط الثالث: ألا يوجد فيها شيء من الشركيات, وألا تكون رقية سحرية، يعني: مرتبطة باستغاثات بالجن وبغيره. ولهذا شرط أهل العلم الأساسي في الرقية: أن تكون بكلام واضح بين المعنى, ليس فيه دعاء لغير الله, ولا استغاثة بغير الله , بحيث يكون معناها مفيداً ومؤثراً.

стр. 178

المقصود بالكلمة في النصوص الشرعية واللغة العربية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو الذي يسمى في اللغة: كلمة, كقوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). وقوله: (أفضل كلمة قالها الشاعر, كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)]. يعني: الكلمة في لغة العرب: تطلق على الجملة المفيدة, وتطلق على الكلام, ولهذا يقولون: فلان عنده كلمة، وربما يتكلم لمدة نصف ساعة, فيصبح كلاماً وليست كلمة واحدة. والكلمة في اصطلاح النحويين: هي جزء من المعنى. قال: [ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]]. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهي قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦] وهي جملة كاملة.

стр. 179

المقصود بالحرف في لغة العرب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ (الكلمة) في الكتاب والسنة, بل وسائر كلام العرب، فإنما يراد به الجملة التامة, كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم, فيقولون: هذا حرف غريب, أي لفظ الاسم غريب]. يعني: الحرف في لغة العرب لا يستخدم به الجزء من الكلمة المفردة. فمثلاً: كلمة (محمد) في اصطلاح النحويين, الميم لوحده يعتبرونه حرفاً, والحاء حرفاً, والميم حرفاً, والدال حرفاً, لكن هناك فرق بين حروف المباني وبين أسمائها, ينبغي الاهتمام بهذا. يعني هناك فرق بين كلمة ما, حا, دا, مثلاً, وبين كلمة ميم, حاء, دال. فالأول: لا معنى له, والثاني: اسم, فالميم اسم. يعني: إذا جئت تصنفها تجد أنها اسم, ولهذا يختلط عند كثير من الناس كلمة حرف في لغة العرب, وبين حرف في اصطلاح النحويين. فأصبحت الكلمات مثل: محمد تقسم إلى حروف, يقال لك: فيها أربعة حروف, هذه تسمى حرفاً اصطلاحاً فقط, وإلا ما, حا, لا تسمى حرفاً, ليس لها معنى, لكن اسمها الذي يميزها اسم, مثل: ميم حاء دال لام. انظروا لام, تلاحظوا أن كلمة (ميم) مشتملة على ثلاثة أحرف بالنسبة للاصطلاح النحوي, كلمة ميم, على الما واليا والما, لكن ما, يا, لا معنى لها. ولهذا تجد أن كثيراً من أهل العلم يتحدثون عن الحروف فيقسمون الحروف إلى قسمين: حروف المباني, وحروف المعاني, هذا في الاصطلاح النحوي. وحروف المباني: هي هذه التي أشرت إليها, التي تسمى بالأسماء, ميم وياء وميم, مع أن اسمها اسم, لكن وجودها في الكلمة لا يطلق عليه اسم. وحروف المعاني: مثل: الباء أحياناً يكون لها معنى, ونحو ذلك مما يكون له معنى: وله دلالة مؤثرة تدل في السياق على معنى معين، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فهنا تدل على الإلصاق ولهذا لو مسح الإنسان رأسه من فوق طاقيته, لا يعتبر مسحاً حتى يرفع هذه الطاقية ويلصق يده. هذه تسمى حروف المعاني، وهي التي ينبغي للإنسان أن يجتهد في دراستها وفهمها, وهناك كتب كثيرة يعني مثل: كتاب الرماني (الجنى الداني في حروف المعاني) وكتاب (مغني اللبيب) مثلاً لـ ابن هشام الأنصاري، ففيه قسم خاص في آخر الكتاب عن هذه الحروف ذات المعنى وذات الدلالة. وهذه الحروف لها أهمية كبيرة بالنسبة للفقيه والمستنبط عندما يقرأ كلام الله, أو يقرأ كلام النبي ﷺ , لها أهمية في فهمه للآية أو للحديث، وأحياناً يكون فيها خلاف فقهي يبنى عليها. يعني: مثلاً في قول الله : ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] هل المرفق يدخل في الغسل؟ أو لا يدخل في الغسل؟ اختلفوا في حرف (إلى) وهو من حروف الجر المعروفة, هل تأتي بمعنى انتهاء الغاية, فاختلفوا هل انتهاء الغاية داخل فيها أو ليس بداخل فيها؟ بحيث إنه يجب غسل المرفق أو لا يجب غسله. وبناء على هذا يكون للحرف دلالته. وشيخ الإسلام ﵀ يريد أن يقرر أن الحرف مثل الكلمة, كما أن الكلمة في اصطلاح النحويين صارت بمعنى الجزء من الجملة, وهذا ليس مراداً في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ , وإنما هو اصطلاح خاص الهدف منه التعليم، وكذلك الحرف معناه العام في اللغة الاسم, ولهذا الحديث المشهور: (لا أقول: (الم) حرف, ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) يعني: كثير منا يفهم أن الإنسان إذا قرأ مثلاً: (ذلك) أن له بالذال عشر حسنات وبالألف عشر، وباللام عشر, وبالكاف عشر, وهذا غير صحيح، والصحيح أن (ذلك) تعتبر حرفاً واحداً. فمثلاً: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] , ثلاثة حروف: (محمد) حرف، و (رسول) حرف، ولفظ الجلالة (الله) حرف. وأما توزيعها باعتبارها أربعة حروف فهذا غير صحيح؛ لأن الحرف الذي قال عنه ﷺ في قوله: (لا أقول: (الم) حرف, ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) مقصوده بالحروف التي هي الأسماء, وليس مقصوده بالحروف التي عند النحاة هي جزء من تركيبة الكلمة, لا ليس هذا المقصود, هذا اصطلاح خاص. ولهذا يا إخواني! أحياناً عند طلبة العلم قد تختلط الاصطلاحات الخاصة بالمعاني الشرعية اللغوية العامة, فيسقطونها عليها. وبعض الناس مثلاً أشكل عليه حديث النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم). قال: هذا واجب، يعني: واجب باصطلاح الأصوليين, الذي هو الأمر اللازم المتحتم، الذي يترتب على تركه العقاب, وهذا غير صحيح؛ لأنه ورد في حديث جابر بن سمرة أنه قال: (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل). وهذا مبني على صحة الحديث, هل الحديث صحيح أو فيه انقطاع بين الحسن وجابر بن سمرة؟ لكن خلاصة القول أنه لا يصح إسقاط المصطلحات المتأخرة النحوية والأصولية والحديثية على الألفاظ الشرعية القديمة التي كانت قبلها. يعني: لو نظر شخص إلى م

стр. 180

اصطلاح النحاة على أن لفظ الحرف يختص بما جاء لمعنى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل, وكل من هذه الأقسام يسمى حرفاً, لكن خاصة الثالث: أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل, وسمى حروف الهجاء باسم الحرف، وهي أسماء. ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات, أما إني لا أقول: (الم) حرف, ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)]. يعني: هناك فرق -يا إخوان- بين (الم) وألم. (ألم) كلمة واحدة, ولكن ألف لام ميم ثلاث كلمات, مع أنهما في الصورة والشكل واحد (الم) (ألم)، هذه كلمة، وهذه ثلاث كلمات, فينبغي إدراك هذه المسألة. قال: [وقد سأل الخليل بن أحمد أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد؟ فقالوا: زاي, فقال: جئتم بالاسم وإنما الحرف (ز)]. الشيخ: لاحظتم كيف؟ ز من زيد, والياء والدال هذه لا معنى لها, هي جزء من كلمة: (زيد)، تركبت فأصبحت زيداً, لكن إذا قلنا: زاي اسم, ياء اسم, دال اسم. ولهذا تلاحظون أن زاي مشتملة على الزاي والألف والياء. قال: [ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف، يسمى: كلمة, وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى، ليس باسم ولا فعل, كحروف الجر ونحوها. وأما ألفاظ حروف الهجاء، فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف. ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاد أنه هكذا في لغة العرب. ومنهم من يجعل لفظ (الكلمة) في اللغة لفظاً مشتركاً بين الاسم مثلاً وبين الجملة, ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ (الكلمة) إلا الجملة التامة]. يعني كأن شيخ الإسلام ﵀ يقول: لم يرد في لغة العرب أن تسمى اللفظة الواحدة (كلمة) إلا في اصطلاح النحويين المتأخرين. قال: [والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه، وهو ذكره بجملة تامة, وهو المسمى بـ (الكلام)، والواحد منه بـ (الكلمة)؛ وهو الذي ينفع القلوب, ويحصل به الثواب والأجر, والقرب إلى الله ومعرفته, ومحبته وخشيته, وغير ذلك من المطالب العالية، والمقاصد السامية. وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فلا أصل له، فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين. بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات, وذريعة إلى تصورات وأحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع].
следующие страницы →