Полный текст (446 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
المقصود بالأمر بذكر اسم الله في النصوص الشرعية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما في القرآن من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨].
وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١].
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥].
وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤].
ونحو ذلك لا يقتضي ذكره مفرداً.
بل في السنن: (أنه لما نزل قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: اجعلوها في سجودكم).
فشرع لهم أن يقولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم, وفي السجود: سبحان ربي الأعلى].
يعني: لم يفهم أحد أنه يقول: (الله) في الركوع, أو (الله) في السجود فقط.
ويستدل بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة:٧٤] يعني: بالجملة كاملة.
قال: [وفي الصحيح: (أنه كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم, وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى).
وهذا هو معنى قوله: (اجعلوها في ركوعكم وسجودكم) باتفاق المسلمين.
فتسبيح اسم ربه الأعلى, وذكر اسم ربه ونحو ذلك, هو بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع - هن من القرآن-: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر).
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم).
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, كتب الله له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي, ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه، ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم, حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر).
وفي الموطأ وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير).
وفي سنن ابن ماجة وغيره عنه ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله, وأفضل الدعاء: الحمد لله).
ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء, وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١].
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤].
إنما هو قول: باسم الله, وهذا جملة تامة, إما اسمية على أظهر قولي النحاة, أو فعلية، والتقدير: ذبحي باسم الله, أو: أذبح باسم الله.
وكذلك قول القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقديره: قراءتي باسم الله, أو أقرأ باسم الله، ومن الناس من يضمر في مثل هذا: ابتدائي باسم الله, أو: ابتدأت باسم الله].
هذا كلام دقيق، فإنه إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم, يعني: بحسب ما ذكر فيه هذا اللفظ، فبسم الله الرحمن الرحيم أؤلف مثلاً, أو بسم الله الرحمن الرحيم أقول وأتكلم, أو بسم الله الرحمن الرحيم مثلاً يبدأ أمر من الأمور.
فيكون تقدير الفعل المضمر بحسب المناسبة, هذا هو الأدق وهذا هو الأحسن.
قال: [والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول باسم الله, ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر المضمر في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وفي قوله: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١]، وفي قول النبي ﷺ : (من كان ذبح قبل الصلاة, فليذبح مكانها أخرى, ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله).
ومن هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
فالمراد أن يقول: باسم الله, ليس المراد أن يذكر الاسم مجرداً.
وكذلك قوله في الحديث الصحيح لـ عدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل).
وكذلك قوله ﷺ : (إذا دخل الرجل منزله، فذكر اسم الله عند دخوله وعند خروجه وعند طعامه, قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء).
وأمثال ذلك كثير].
يعني: أن الأدلة التي أشار إليها شيخ الإسلام مما يحتمل أن يستدلوا بها ثلاثة: الدليل الأول: آية الأنعام ا
стр. 177
المقصود بذكر الله تزكية النفوس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام، لا اسم مفرد, لا مظهر ولا مضمر].
يعني: أن الهدف من الذكر هو تزكية النفس والقرب من الله , فعندما يكون الدعاء أو الذكر بكلمات لا معنى لها كيف يحصل هذا المقصود؟ لا يمكن أن يحصل هذا المقصود.
فهذا المقصود الذي هو تزكية النفس والإيمان والتقوى التي تكون في نفس الإنسان لا تتحصل إلا بكلام تام واضح المعنى بين، وأما ما عدا ذلك فلا يصلح أن يكون ذكراً؛ ولهذا الاسم المفرد ليس له معنى, وما لا معنى له لا يصح أن يكون ذكراً, ولا أن يكون مزكياً للنفوس.
والرقى الشرعية لها مجموعة من الشروط: الشرط الأول: أن تكون بالكلام الشرعي الذي لا يوجد فيه أي شرك.
الشرط الثاني: أن تكون هذه الرقية باللغة العربية.
وقال العلماء في تعليل هذا الشرط: إنه لا بد أن تكون الرقية باللغة العربية؛ لأنه إذا كانت بلغة أجنبية فإنها مظنة ألا يكون لها معنى ظاهر، فتكون حينئذ وسيلة من الوسائل التي قد توصل إلى الشرك، وإن كان الصحيح أنه يجوز أن تكون بغير اللغة العربية؛ إذا كانت مفهومة ومعناها ظاهراً.
الشرط الثالث: ألا يوجد فيها شيء من الشركيات, وألا تكون رقية سحرية، يعني: مرتبطة باستغاثات بالجن وبغيره.
ولهذا شرط أهل العلم الأساسي في الرقية: أن تكون بكلام واضح بين المعنى, ليس فيه دعاء لغير الله, ولا استغاثة بغير الله , بحيث يكون معناها مفيداً ومؤثراً.
стр. 178
المقصود بالكلمة في النصوص الشرعية واللغة العربية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو الذي يسمى في اللغة: كلمة, كقوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
وقوله: (أفضل كلمة قالها الشاعر, كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)].
يعني: الكلمة في لغة العرب: تطلق على الجملة المفيدة, وتطلق على الكلام, ولهذا يقولون: فلان عنده كلمة، وربما يتكلم لمدة نصف ساعة, فيصبح كلاماً وليست كلمة واحدة.
والكلمة في اصطلاح النحويين: هي جزء من المعنى.
قال: [ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥].
وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]].
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهي قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦] وهي جملة كاملة.
стр. 179
المقصود بالحرف في لغة العرب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ (الكلمة) في الكتاب والسنة, بل وسائر كلام العرب، فإنما يراد به الجملة التامة, كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم, فيقولون: هذا حرف غريب, أي لفظ الاسم غريب].
يعني: الحرف في لغة العرب لا يستخدم به الجزء من الكلمة المفردة.
فمثلاً: كلمة (محمد) في اصطلاح النحويين, الميم لوحده يعتبرونه حرفاً, والحاء حرفاً, والميم حرفاً, والدال حرفاً, لكن هناك فرق بين حروف المباني وبين أسمائها, ينبغي الاهتمام بهذا.
يعني هناك فرق بين كلمة ما, حا, دا, مثلاً, وبين كلمة ميم, حاء, دال.
فالأول: لا معنى له, والثاني: اسم, فالميم اسم.
يعني: إذا جئت تصنفها تجد أنها اسم, ولهذا يختلط عند كثير من الناس كلمة حرف في لغة العرب, وبين حرف في اصطلاح النحويين.
فأصبحت الكلمات مثل: محمد تقسم إلى حروف, يقال لك: فيها أربعة حروف, هذه تسمى حرفاً اصطلاحاً فقط, وإلا ما, حا, لا تسمى حرفاً, ليس لها معنى, لكن اسمها الذي يميزها اسم, مثل: ميم حاء دال لام.
انظروا لام, تلاحظوا أن كلمة (ميم) مشتملة على ثلاثة أحرف بالنسبة للاصطلاح النحوي, كلمة ميم, على الما واليا والما, لكن ما, يا, لا معنى لها.
ولهذا تجد أن كثيراً من أهل العلم يتحدثون عن الحروف فيقسمون الحروف إلى قسمين: حروف المباني, وحروف المعاني, هذا في الاصطلاح النحوي.
وحروف المباني: هي هذه التي أشرت إليها, التي تسمى بالأسماء, ميم وياء وميم, مع أن اسمها اسم, لكن وجودها في الكلمة لا يطلق عليه اسم.
وحروف المعاني: مثل: الباء أحياناً يكون لها معنى, ونحو ذلك مما يكون له معنى: وله دلالة مؤثرة تدل في السياق على معنى معين، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فهنا تدل على الإلصاق ولهذا لو مسح الإنسان رأسه من فوق طاقيته, لا يعتبر مسحاً حتى يرفع هذه الطاقية ويلصق يده.
هذه تسمى حروف المعاني، وهي التي ينبغي للإنسان أن يجتهد في دراستها وفهمها, وهناك كتب كثيرة يعني مثل: كتاب الرماني (الجنى الداني في حروف المعاني) وكتاب (مغني اللبيب) مثلاً لـ ابن هشام الأنصاري، ففيه قسم خاص في آخر الكتاب عن هذه الحروف ذات المعنى وذات الدلالة.
وهذه الحروف لها أهمية كبيرة بالنسبة للفقيه والمستنبط عندما يقرأ كلام الله, أو يقرأ كلام النبي ﷺ , لها أهمية في فهمه للآية أو للحديث، وأحياناً يكون فيها خلاف فقهي يبنى عليها.
يعني: مثلاً في قول الله : ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] هل المرفق يدخل في الغسل؟ أو لا يدخل في الغسل؟ اختلفوا في حرف (إلى) وهو من حروف الجر المعروفة, هل تأتي بمعنى انتهاء الغاية, فاختلفوا هل انتهاء الغاية داخل فيها أو ليس بداخل فيها؟ بحيث إنه يجب غسل المرفق أو لا يجب غسله.
وبناء على هذا يكون للحرف دلالته.
وشيخ الإسلام ﵀ يريد أن يقرر أن الحرف مثل الكلمة, كما أن الكلمة في اصطلاح النحويين صارت بمعنى الجزء من الجملة, وهذا ليس مراداً في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ , وإنما هو اصطلاح خاص الهدف منه التعليم، وكذلك الحرف معناه العام في اللغة الاسم, ولهذا الحديث المشهور: (لا أقول: (الم) حرف, ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) يعني: كثير منا يفهم أن الإنسان إذا قرأ مثلاً: (ذلك) أن له بالذال عشر حسنات وبالألف عشر، وباللام عشر, وبالكاف عشر, وهذا غير صحيح، والصحيح أن (ذلك) تعتبر حرفاً واحداً.
فمثلاً: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] , ثلاثة حروف: (محمد) حرف، و (رسول) حرف، ولفظ الجلالة (الله) حرف.
وأما توزيعها باعتبارها أربعة حروف فهذا غير صحيح؛ لأن الحرف الذي قال عنه ﷺ في قوله: (لا أقول: (الم) حرف, ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) مقصوده بالحروف التي هي الأسماء, وليس مقصوده بالحروف التي عند النحاة هي جزء من تركيبة الكلمة, لا ليس هذا المقصود, هذا اصطلاح خاص.
ولهذا يا إخواني! أحياناً عند طلبة العلم قد تختلط الاصطلاحات الخاصة بالمعاني الشرعية اللغوية العامة, فيسقطونها عليها.
وبعض الناس مثلاً أشكل عليه حديث النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم).
قال: هذا واجب، يعني: واجب باصطلاح الأصوليين, الذي هو الأمر اللازم المتحتم، الذي يترتب على تركه العقاب, وهذا غير صحيح؛ لأنه ورد في حديث جابر بن سمرة أنه قال: (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل).
وهذا مبني على صحة الحديث, هل الحديث صحيح أو فيه انقطاع بين الحسن وجابر بن سمرة؟ لكن خلاصة القول أنه لا يصح إسقاط المصطلحات المتأخرة النحوية والأصولية والحديثية على الألفاظ الشرعية القديمة التي كانت قبلها.
يعني: لو نظر شخص إلى م
стр. 180
اصطلاح النحاة على أن لفظ الحرف يختص بما جاء لمعنى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل, وكل من هذه الأقسام يسمى حرفاً, لكن خاصة الثالث: أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل, وسمى حروف الهجاء باسم الحرف، وهي أسماء.
ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات, أما إني لا أقول: (الم) حرف, ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)].
يعني: هناك فرق -يا إخوان- بين (الم) وألم.
(ألم) كلمة واحدة, ولكن ألف لام ميم ثلاث كلمات, مع أنهما في الصورة والشكل واحد (الم) (ألم)، هذه كلمة، وهذه ثلاث كلمات, فينبغي إدراك هذه المسألة.
قال: [وقد سأل الخليل بن أحمد أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد؟ فقالوا: زاي, فقال: جئتم بالاسم وإنما الحرف (ز)].
الشيخ: لاحظتم كيف؟ ز من زيد, والياء والدال هذه لا معنى لها, هي جزء من كلمة: (زيد)، تركبت فأصبحت زيداً, لكن إذا قلنا: زاي اسم, ياء اسم, دال اسم.
ولهذا تلاحظون أن زاي مشتملة على الزاي والألف والياء.
قال: [ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف، يسمى: كلمة, وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى، ليس باسم ولا فعل, كحروف الجر ونحوها.
وأما ألفاظ حروف الهجاء، فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف.
ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاد أنه هكذا في لغة العرب.
ومنهم من يجعل لفظ (الكلمة) في اللغة لفظاً مشتركاً بين الاسم مثلاً وبين الجملة, ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ (الكلمة) إلا الجملة التامة].
يعني كأن شيخ الإسلام ﵀ يقول: لم يرد في لغة العرب أن تسمى اللفظة الواحدة (كلمة) إلا في اصطلاح النحويين المتأخرين.
قال: [والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه، وهو ذكره بجملة تامة, وهو المسمى بـ (الكلام)، والواحد منه بـ (الكلمة)؛ وهو الذي ينفع القلوب, ويحصل به الثواب والأجر, والقرب إلى الله ومعرفته, ومحبته وخشيته, وغير ذلك من المطالب العالية، والمقاصد السامية.
وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فلا أصل له، فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين.
بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات, وذريعة إلى تصورات وأحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع].
стр. 181
جماع الدين أصلان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل.
وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله, ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله, وشهادة أن محمداً رسول الله.
ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه.
وفي الثانية: أن محمداً ﷺ هو رسول مبلغ عنه, فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره].
هذان الأصلان دائماً يكررهما شيخ الإسلام عندما يتحدث عن البدع, ودائماً يربطهما بالشهادتين, بهذه الطريقة.
قال: [وقد بين ﷺ لنا ما نعبد الله به, ونهانا عن محدثات الأمور, وأخبر أنها ضلالة.
قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢].
كما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله, ولا نتوكل إلا على الله, ولا نرغب إلا إلى الله, ولا نستعين إلا بالله, وألا تكون عبادتنا إلا لله, فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه، ونتأسى به، فالحلال ما حلله, والحرام ما حرمه, والدين ما شرعه, قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله وللرسول، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وجعل التوكل على الله وحده بقوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩] ولم يقل: ورسوله؛ كما قال في وصف الصحابة ﵃ في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: حسبك وحسب المؤمنين، كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
ثم قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
فجعل الإيتاء لله وللرسول, وقدم ذكر الفضل لله؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وله الفضل على رسوله وعلى المؤمنين.
وقال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الرغبة إلى الله وحده، كما في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
وقال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله).
والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع.
فجعل العبادة والخشية والتقوى لله, وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣].
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]، وأمثال ذلك.
فالرسل أمروا بعبادته وحده، والرغبة إليه, والتوكل عليه وطاعته, والطاعة لهم، فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول, فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, والمسيح بن مريم.
فجعلوا يرغبون إليهم، ويتوكلون عليهم, ويسألونهم، مع معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم؛ وهدى الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه، فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين فأخلصوا دينهم لله, وأسلموا وجوههم لله, وأنابوا إلى ربهم, وأحبوه ورجوه وخافوه, وسألوه ورغبوا إليه، وفوضوا أمورهم إليه, وتوكلوا عليه, وأطاعوا رسله, وعزروهم، ووقروهم، وأحبوهم، ووالوهم, واتبعوهم، واقتفوا آثارهم، واهتدوا بمنارهم.
وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل, وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد ديناً إلا إياه, وهو حقيقة العبادة لرب العالمين.
فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه, ويكمله لنا, ويميتنا عليه, وسائر إخواننا المسلمين.
والحمد لله وحده, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] بهذا يكون قد انتهينا من هذا الكتاب العظيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀.
المتوفى في القرن الثامن الهجري في سنة (٧٢٨هـ).
وهذا الكتاب كما سبق أن أشرنا, أنه جواب على سؤا
стр. 182
الأسئلة
стр. 183
الفرق بين ابن عربي الطائي وابن العربي المالكي
السؤال
ما هو الفرق بين ابن عربي صاحب الفصوص وبين ابن العربي المالكي؟
الجواب
ابن عربي بدون (أل) التعريف, هو ابن عربي الطائي وهو رجل صوفي مشهور له كتاب (فصوص الحكم) وله كتاب (الفتوحات الربانية)، وهو من الملاحدة الذين يدعون إلى وحدة الوجود.
وأما ابن العربي بالألف واللام, بـ (أل) التعريف فهو ابن العربي المالكي عالم من علماء الأندلس, له كثير من الكتب منها: (تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي) وله كتب أخرى مثل: (قانون التأويل) وغيره.
وله كتاب (القبس في شرح الموطأ للإمام مالك) وهو عالم معروف ومختلف عن ابن عربي تماماً, وليس مثله.
стр. 184
تقدير الفعل في (باسم الله)
السؤال
هل يقدر الفعل في باسم الله مقدماً أو مؤخراً؟
الجواب
لا، الصحيح أنه يجوز أن يكون تقدير الفعل مؤخراً، ويصح أن يكون مقدماً.
لكن بعضهم يستحسن أن يكون التقدير مؤخراً؛ لشرف اسم الله , يعني: باسم الله قراءتي باسم الله كتابتي, أو باسم الله أكتب, أو باسم الله أقرأ؛ لأن هذا فيه فائدة وهو تقديم اسم الله .
فالمقصود: هو أنه لابد من وجود متعلق للجار والمجرور, والمتعلق لابد أن يكون فعلاً؛ لأن الأصل في العمل دائماً الأفعال، بينما الأسماء لا تعمل إلا بشروط وقيود.
الأمر الثاني: هو في مسألة التقديم والتأخير, ويبدو لي أن التأخير أفضل، من حيث أن تقديم اسم الله أولى من تقديم الفعل.
стр. 185
حكم الذكر الجماعي بصوت واحد
السؤال
ما حكم الذكر الجماعي بصوت واحد؟
الجواب
الذكر الجماعي بصوت واحد ليس من السنة، بل هو من البدع المحدثة.
نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 186
شرح العبودية [١]
لقد كرم الله هذه الأمة واصطفاها من بين الأمم، وحفظ لها دينها، المتمثل في كتاب ربها، وسنة نبيها ﷺ ، وجعل منها المهديين المصطفين، وجعل منها الأئمة الربانيين، والعلماء المخلصين، وجعل عقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة السائدة على عموم المسلمين، وجعل لهم أئمة يجددون للناس أمور دينهم، وذلك على رأس كل مائة عام، ومن هؤلاء: البحر والنهر، العلامة الفهامة شيخ الإسلام، قدوة العاملين، وسيد المجاهدين تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه الله تعالى وقدس روحه.
стр. 187
الابتلاء والامتحان
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فإن الله خلقنا في هذه الدنيا لتحقيق حكمة عظيمة وهدف كبير، وهي إقامة دينه في الأرض، ولهذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وامتحن الخلق وابتلاهم، وقد جاءت الرسل الكرام بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإفراده بالعبودية والإلهية، لكن أقوامهم لم يكونوا على طريقة واحدة في التعامل معهم، بل آمن بهم البعض، وكفر بهم البعض وهم الأكثر.
وقد جعل الله هذه الفتن في حياة الناس ليبتليهم وليختبرهم، فقدر الله وجود الصراع بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، ونحن في هذا الزمان بعد مرور أكثر من أربعمائة وألف سنة على هجرة النبي ﷺ نعيش في زمن كثرت فيه الأهواء، وكثر فيه الافتراء، وكثرت فيه التيارات والاتجاهات، وكثر فيه الدعاة المنحرفون على أبواب جهنم، وأمام هؤلاء لابد من أن يكون للداعية إلى الله منهج وطريقة يسير عليها ليجنب نفسه ومن يستطيع هذه الأهواء وهذه الشبهات وهذه المناهج المضلة.
стр. 188
طرفا الانحراف في الأمة الإسلامية
وإن هذه الأمة -أيها الإخوة- تقع بين فكي كماشة يقف على رأسها الأول المذاهب الكفرية المعاصرة، ويقف على رأسها الثاني البدع والأهواء المضلة.
стр. 189
المذاهب الكفرية المعاصرة
المذاهب الكفرية المعاصرة تعصف بحياة الأمة المسلمة اليوم، فكم من الذين يقولون: (لا إله إلا الله) ويصلون ويصومون ويحجون ويزكون من يتبنى منهجاً اشتراكياً أو شيوعياً يرى أنه هو الذي يجب أن يحكم في حياة الناس، أو ينتهج منهجاً علمانياً فيرى أن الدين إنما هو محصور في المسجد وليس له دور خارج المسجد، ولا علاقة للدين في التربية، ولا علاقة للدين في السياسة، ولا علاقة للدين في شئون الحياة كلها، أو ينتهج نهجاً آخر فيرى أن خير منهج لحياة المسلمين أن يتبعوا الغرب؛ لأنه يرى أن الغرب قد استطاع أن يبهر الدنيا بقدراته المادية والتكنولوجيا التي استطاع أن يفجرها في هذا الواقع، سواء في مجال الاتصال أو في مجال المواصلات، أو في أي مجال آخر، فيرى أن الأصلح للمسلمين أن ينتهجوا نهج الغرب في عقائدهم وفي أفكارهم وفي أخلاقهم وفي آدابهم، ويظن أن هذا النهج سيوصل إلى النجاح، وسيوصل إلى البناء، وسيوصل إلى أعلى المستويات التي يمكن للأمة أن تنسب إليها.
وتجد آخرين يرون أن هذا الدين لا يصلح أن يطبق اليوم، ولا يصلح أن يكون هو السائد على حياة الناس اليوم، ويقولون: كيف يمكن أن نطبق ديناً جاء لقوم آلتهم في المواصلات الحمار والبعير في الوقت الذي نسير فيه من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها الآخر في وقت لا يتجاوز عشرين ساعة أو أقل؟! يقولون: كيف نطبق هذا الدين في هذا الزمان المتطور المذهل؟! إذاً لابد من أن نجعل هذا الدين جزءاً من تراثنا نعتز به؛ لأنه تراث أمة من الأمم، لكن ينبغي أن نهدم كل ما هو قديم، وأن نبني الحياة البشرية على الصورة الأخرى وبطريقة أخرى تناسب الواقع المعاصر.
وكل أصحاب هذه الآراء مجمعون على أن هذا الدين لا يصلح لهذا الزمان، وأنه دين فني وانتهى، فترى بعضهم يصرح بأنه انتهى وذهب، وبعضهم يخشى من الانتقال فيحاول أن يمزق أجزاء هذا الدين، فيحصره في دائرة معينة ويقول: أنا أقر بالدين، لكن هذا الدين الأصلح له أن يكون في المسجد فقط، أما أن يبني الحياة فلا، وهذا طرف.
стр. 190
البدع والأهواء والفرق الضالة
وهناك طرف آخر تواجهه الأمة اليوم، وهم أهل البدع والأهواء، قوم ينتسبون إلى الإسلام، وربما كان بعضهم من أهل العلم وله ردود، لكنهم أحدثوا بدعاً في مجال الاعتقاد وأحدثوا بدعاً في مجال الأعمال، وكان لهذه البدع أثر كبير في حياة الأمة، حيث انحرفت بها عن الجادة فلم تسر على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، إلى درجة أن بعض هذه البدع غيرت الدين كله، فنجد أن الشيعة أصبح لهم منهج مستقل، فلهم كتب في الحديث غير كتب السنة، ولهم رجال في الحديث غير رجال أهل السنة، ولهم منهج وطريقة في السلوك وفي الأخلاق وفي التعامل غير منهج أهل السنة وغير طريقتهم، وهكذا في خضم هذه الأفكار وهذه الآراء التي ازداد انتشارها عندما اكتشفت الآلات الحديثة اليوم، فالكتاب اليوم أصبح يطبع ويوزع في أنحاء الدنيا كلها، وإذا نظرت إلى آلة أخرى من الآلات -وهي آلة التلفزة مثلاً- وجدت القنوات الفضائية أصبحت تنشر على نطاق شامل للكرة الأرضية كلها، وإذا جئت إلى ميدان الصحف وجدت لها أثراً كبيراً في التوجه الفكري، وأصبحت هذه الأدوات التي توصل الأفكار إلى الناس ذات تأثير كبير بحسب أصحابها الذين يوجهونها والذين يقفون من ورائها.
стр. 191
واجب الداعية في مواجهة طرفي الانحراف في الأمة
أقول: في خضم هذه الآراء وهذه الاتجاهات وهذه التيارات وهذه الأفكار لابد للداعية إلى الله من ضبط المنهج الذي يسير عليه، بحيث يكون بعيداً عن أصحاب المذاهب الكفرية التي تخرجه عن أخلاقه العادية فضلاً عن دينه، وبعيداً -أيضاً- عن الفرق الضالة التي تعصف بالناس.
إن هذا المنهج لم يجعله الله مخفىً لا نعرف له طريقاً، وإنما جعل الله له معاني يمكن للإنسان أن يشاهدها وأن يصير عليها، يقول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقال ابن مسعود ﵁: (خط رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، ثم خط عن يمينه خطوطاً وخط عن يساره خطوطاً، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣])، ولهذا فإن على الإنسان أن يعرف الصراط المستقيم، ويعرف كيف يمكنه أن يسير عليه.
إن هذه الأمور -أيها الإخوة- لا ينبغي للإنسان أن يأخذها بطريقة سطحية، ويوافق كلام الآخرين فيها، بل الواجب على الإنسان أن يدرس وأن يتأمل وأن يفكر، لاسيما وأن حياتنا مليئة بالتيارات والأفكار، ومليئة بالآراء، فلابد للإنسان من أن يسير على منهج منضبط، وهذا المنهج المنضبط هو صراط الله المستقيم، وهذا الصراط المنضبط يشرع من خلال كتب أئمة السلف السابقين في الاعتقاد والأعمال، ويشرع في ضوابطه لطالب العلم، ويشرع في تأصيله في مسائل الاعتقاد، ويشرع في نظرته للكتاب والسنة وكيف يمكن أن يفهم الإنسان الكتاب والسنة، وهو الذي سار عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وسار عليه من بعدهم من أهل العلم، حتى ظهرت الآراء والأهواء المضلة.
ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يدرس وأن يتعلم وأن يتحقق وأن يبحث وأن يفهم، وأن يعرف الطريقة السليمة للاستدلال بالقرآن والسنة، فإن كثيراً من الناس اليوم ضلوا في طريقتهم في الاستدلال، وأضرب على هذا أمثلة: فمن ذلك أن الشيعة تسب عائشة ﵂ وتقول: إن سبب سب عائشة ﵂ هو القرآن! ويستغرب الإنسان ويتساءل: كيف يكون القرآن سبباً في سب عائشة ﵂؟! فيقولون: إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، فإذا قيل: وما البقرة؟ قالوا: البقرة عائشة! فانظر إلى الضلال في الاستدلال بالنصوص! ومن ذلك أن تجد امرأة نصبت نفسها مفتية فتقول: إنه يجوز للمرأة أن يكون لها ولاية على الرجل ولاية عامة، كأن تكون حاكمة مثلاً، أو ولاية أقل منها، كأن تكون وزيرة مثلاً، بل إنها قالت: إنه يجوز للمرأة أن تصلي إمامة بالرجل، واستدلت على ذلك بقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فقالت: ((بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) يعني: المؤمنون بعضهم أولياء على المؤمنات، وبعض المؤمنات أولياء على المؤمنين! فانظر إلى هذه الطريقة العوجاء في الاستدلال.
وما يزال كثير من الناس اليوم يتلاعب بالأحكام ويتلاعب بالقرآن والسنة، وبعضهم لا يستدل بالقرآن والسنة، إلى درجة أنك قد تجد من أثر عليه فأصبح يقول: إن اليهود والنصارى ليسوا كفاراً! بل إن بعضهم من أصحاب الأفكار العصرية يقولون: كيف يمكن أن يدخل البدوي الفلاح الغبي الجنة، لأنه يقول: لا إله إلا الله ويصلي ويصوم، بينما فلان من طواغيت الكفر الذكي المخترع كذا وكذا من الآلات المعاصرة يدخل النار؟! فيقولون: هذا تناقض، ويعتقدون أن هذا تناقض.
ونحن نقول: يدخل الجنة؛ لأن الله جعل للجنة باباً، وجعل للباب مفتاحاً، ومفتاح هذا الباب موجود عند هذا الأعرابي، حتى لو وصف بما وصفه به، والمفتاح لا يوجد عند ذلك المخترع.
стр. 192
تميز أمة الإسلام بحفظ دينها
أقول: أمام هذه الأفكار لابد من ضبط المنهج وضبط العلم ودراسة العلم دراسة سليمة وصحيحة، وهذا هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإن منهج السلف الصالح هو الذي انضبطت به الأحكام الفقهية في الحلال والحرام وفي كل باب من الأبواب، وهذا هو الذي ميزنا -ولله الحمد- عن اليهود والنصارى، وذلك أنه لما جاء عيسى وموسى ﵉ إلى أقوامهما أنزل الله التوراة على موسى ثم أنزل الإنجيل على عيسى، وبمجرد أن مات موسى ومات عيسى ﵉ وطالت أيدي المحرفين التوراة والإنجيل لم توجد أمة من بني إسرائيل تستطيع أن تحفظ التوراة بدون تحريف وأن تحفظ الإنجيل بدون تحريف، فأصبح اليهود اليوم وقبل اليوم يعيشون على توراة محرفة، والنصارى في هذا اليوم وفي غير هذا اليوم يعيشون على إنجيل محرف، ولم يبق أحد من النصارى اليوم على دين غير محرف أبداً، ولو بقي لما نفعه مادام أنه لا يقر بنبوة النبي ﷺ ، لقوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
أما هذه الأمة فهي أمة متميزة، ذلك لأن الله جعلها آخر الأمم، كما قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا)، فنحن آخر الأمم، وكان من حكمة الله عندما جعلنا آخر الأمم أن حفظ لنا القرآن وحفظ لنا السنة، كما قال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والذكر يشمل القرآن ويشمل السنة أيضاً، فحفظ القرآن فلم تطله يد التحريف، وحفظت السنة على أيدي أهل السنة، فنشأ العلم المشهور، وهو علم الحديث العلم الدقيق الذي يمحص الرجال، حتى إنه يضبط أغلاطهم وأخطاءهم، فإذا جاء حديث من الأحاديث ربما رده الإمام أحمد وقال: هذا الحديث ليس من حديث الشعبي، وإنما هو من حديث فلان وهو ضعيف.
بناء على دراسة توثيقية دقيقة، وهذا هو المعلوم من النبي ﷺ في قوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين -وفي لفظ منصورة- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، فلا يزول الخير أبداً في أي عصر من العصور مهما انتشر الفساد العقدي والخلقي في هذه الأمة بالكلية، بمعنى: أنه لابد من أن يوجد فيها من ينطق بالحق، وهذا هو مصداق حديث الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وأمر الله الذي يأتي فيأخذ هذه الطائفة هو الريح التي تأتي في آخر الزمان وتأخذ أرواح المؤمنين، فلا يبقى إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة وتنتهي الدنيا.
فإذا انتهت هذه الطائفة انتهت هذه الدنيا.
وعندنا تقرأ في تاريخ الأمة وتنظر في الأحوال التي مرت عليها في عصورها السابقة تجد أنه مر عليها فترة من فترات الجهل، ومر عليها فترة من فترات ضياع العلم، ومر عليها فترة من فترات الإرهاب والضعف، ومع هذا تبقى طائفة قائمة بالحق.
стр. 193
دور ابن تيمية في التجديد وبيان أهمية كتاب العبودية
ومن حكمة الله أنه جعل على رأس كل قرن مجدداً يجدد لهذه الأمة أمر دينها، كما قال النبي ﷺ : (إن الله يبعث على رأس كل مائة عام لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها)، ففي كل مائة سنة يوجد مجدد، هذا المجدد من أهل السنة ومن أتباع السلف الصالح، يقوم لله بالحق فيتبعه على ذلك أقوام كثيرون ويصبرون على ما يحصل لهم، ولهذا قال في الحديث الآخر: (لا يضرهم من خذلهم)، وهو يدل على أن هناك أقواماً يخذلونهم، وقال: (ولا من خالفهم)، وهذا يدل على أن هناك أقواماً يخالفونهم، لكن لا يضرهم ذلك، مادام أنهم على الحق ملتزمون به، لا يضرهم ذلك من أي وجه من الوجوه.
ومن الأئمة الذين كان لهم تجديد ودور رائد وقوي شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية رحمه الله تعالى، فهذا الإمام كان له دور تجديدي كبير في حياة الأمة، حيث انتشرت في زمانه البدع والضلالات، حتى أصبحت هي السائدة، وأصبح الذي يدعو إلى عقيدة السلف رضوان الله عليهم شاذاً وغريباً، فأحيا الله به ما اندرس من العقيدة، وأظهر به السنة، وجاهد ﵀ وصبر، وكان يقف مواقف لا تقفها أمة من البشر، وكان هذا الإمام له من العلم ما لا تستطيع أن تؤديه مراكز من مراكز الأبحاث العلمية، وكان له أيضاً من الجهد والصبر ما لا يستطيعه أحد ممن كان في زمانه، وهذه إرادة الله ، وهذا قدر الله لهذه الأمة؛ لأنها أمة منصورة ولله الحمد، فيخرج الله من أبنائها من يحمي لها عقيدتها ومن يحمي لها دينها، ومن يقول كلمة الحق في أحلك الأوقات ظلمة غير عابئ بما يحصل له ولا يخشى إلا الله ، هذا الإمام ألف كتباً كثيرة في العقيدة، فكان من الكتب التي ألفها رحمه الله تعالى كتاب (العبودية)، وهذا الكتاب من أهم الكتب في الحقيقة من ناحية الموضوع، وهو موضوع العبودية والعبادة، فإنها هي الأصل في الدعوة إلى الله ، وهي الأساس في الحكمة من خلق الناس، وكذلك من ناحية طريقته ﵀ في بحث هذه المسألة ودراستها ومحاولة الإلمام بجوانبها، ومناقشة المنحرفين فيها والرد عليهم، وإن كان ذلك بشكل إجمالي، لكن لا بأس بأن نبسطه بإذن الله تعالى.
стр. 194
ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية
قبل أن أبدأ بالكتاب أحب أن أترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد كتبت مصنفات في ترجمته، وترجمته طويلة، فلو أردنا التفصيل فيها لأطلنا، لكن لا بأس بأن نذكر نماذج من حياته ﵀ ومن سيرته وجهوده ﵀، ونبين كيف كان عمله ودعوته إلى الله .
стр. 195
اسمه ونسبه
هذا الإمام اسمه أحمد، وكنيته أبو العباس، ولقبه تقي الدين، فهو أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية، وتيمية هذه هي جدة له، قيل: إنها ولدت في تيماء في الجزيرة عندما كانت أمها متجهة إلى الحج، ونسب إليها، وقد ينسب كثير من الناس إلى جدته أو إلى أمه، مثل إسماعيل بن علية ﵀، فـ علية أمه، وهذا أمر مشهور في كتب التراجم لمن اطلع عليها، ومثله أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي المشهور، فهذا أمه سلمية، وليس أبوه من بني سليم، فنسب إليها، ويحصل هذا كثيراً في كتب التراجم.
كان الإمام ابن تيمية ﵀ من أسرة علم، فأبوه عالم من العلماء، وكان العالم المقدم في حران، وكذلك جده عبد السلام ابن تيمية، فإن له كتباً مشهورة في مذهب الإمام أحمد، بل إن ابن مالك الجياني الطائي النهدي المشهور يقول: إن الله ألان الفقه لـ عبد السلام كما ألان الحديد لداود.
وهو صاحب كتاب (منتقى الأخبار في أحاديث سيد الأخيار)، وهو كتاب في أحاديث الأحكام شرحه الإمام محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ في كتاب سماه (نيل الأوطار).
стр. 196
طلبه للعلم
وقد حفظ شيخ الإسلام القرآن وهو شاب صغير، ثم اتجه إلى دراسة العلوم الشرعية مثل النحو والصرف والفقه والحديث والمصطلح والأصول، وتجاوز ذلك إلى دراسة بعض اللغات الأخرى، فكان ﵀ يجيد اللغة العبرية، وقيل: إنه كان يجيد اللغة اللاتينية أيضاً، ودرس شيئاً في الفلك والحساب والهندسة وعلوماً أخرى، وكان ممن درس عليه من شيوخه شرف الدين المقدسي، وهو من أشهر شيوخه، وابن عبد الدائم أيضاً، وشرف الدين المقدسي هو الذي أذن له في الإفتاء وكان عمره تسع عشرة سنة، وكان شرف الدين المقدسي يتمدح بأنه أذن لـ شيخ الإسلام بالإفتاء في هذه السن؛ لأنه رآه قد امتلك أداة الإفتاء، وكان ابن تيمية ﵀ صاحب مواهب متعددة، فقد كان سريع الحفظ، قوي الإدراك، شجاعاً، كريماً، مقنعاً عندما يتكلم، وعندما يخاطب، لا يخاف أحداً إذا أراد أن يقول كلمة الحق ولا يتردد، كما سيأتي معنا تفصيله وبيانه.
ومن شيوخه أيضاً محمد بن عبد القوي بن مهران الدمشقي، ومن شيوخه أيضاً تقي الدين الواسطي، ومنهم المنجا بن عثمان بن المنجا المقدسي.
وقد درس شيخ الإسلام ﵀ العلوم المعروفة، فلما هضمها وعرفها اتجه إلى القراءة والاطلاع، فكان واسع الاطلاع، وكان أعرف بكتب المخالفين منهم بها، فقد قال عن نفسه: إنه ربما قرر عقائد الشيعة للشيعي، فيفرح الشيعي بهذا التقرير ويعجب به ويقول: هو كما قلت، ثم ينقض هذا التقرير لبنة لبنة.
стр. 197
جهوده في الرد على فرق الضلال
وكان ﵀ صاحب دعوة وجهاد، ويمكن أن نلخص جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في الدعوة فيما يلي: أولاً: أنه قام بالرد على الفرق الضالة وجاهدها، فقد تحدى البطائحية الرفاعية، وهم طائفة من الصوفية يعتمدون على الشعوذة والسحر، وهذه الطائفة كانت تأتي أمام الناس وتظهر الخوارق الغريبة، مثل كون الإنسان منها يدخل السيف في جوفه ثم يخرجه، ومثل أن يأخذ الزجاج ويبتلعه، ومثل أن يدخل حديدة من جهة ويخرجها من جهة أخرى من بدنه، ومثل أن يُضرب بالخنجر في رأسه حتى لا يستطيع أن ينزعه الرجل القوي، ومثل أن يضع السيف في عينه حتى إذا تركه استطاع أن يحركه بدون أن يسقط، ونحو ذلك من الغرائب والعجائب، وربما جاءوا بالعقارب فأكلوها، وربما أكلوا المسامير، وربما أدخل أحدهم المثقب من النار في جلده، وهذا كله من السحر والشعوذة، ويعتقدون أن ذلك من الكرامات، وقد تحداهم شيخ الإسلام ابن تيمية أمام ناحية السلطنة في دمشق، وتحداهم أمام الناس، وقال: إن كنتم تظنون أن الدخول في النار لا يستطيعه أهل السنة فلنتباهل أنا وأنتم، لكن بشرط أن تغسلوا أبدانكم بالخل والماء الحار؛ لأنهم كانوا يطلون أجسادهم ببعض المواد التي تحميهم عندما يدخلون النار، فيضحكون على الناس، فلم يستطيعوا، وربما منعهم شيخ الإسلام ﵀، فاشتكوه في يوم من الأيام إلى نائب السلطنة في دمشق، وقالوا: إن هذا الشيخ آذانا، فنريد أن يفسح لنا المجال في إظهار بعض الكرامات! هكذا يزعمون، والحقيقة أنهم سحرة.
وكذلك رد على الشيعة، فإن له كتاباً اسمه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية)، وهو كتاب ضخم ألفه في الرد على صفي الدين بن المطهر الحلي، وهو شيعي كانت له علاقة بالدولة المغولية في زمانه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية في تلك الفترة تحت حكم المماليك، وهذا الشيعي استطاع أن يوسوس للحاكم المغولي ابن غازان وأن يقنعه بالتشيع واعتنق التشيع، فرد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكتاب الضخم الذي ربما لا يستطيع كثير من الناس اليوم قراءته، وبين فيه ضلاله وانحرافه.
وكذلك رد شيخ الإسلام ابن تيمية على المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، فألف كتاباً ضخماً في المعقولات سماه (درء تعارض العقل والنقل)، وله كتاب كبير في الرد على الإمام الثاني في المرحلة للأشاعرة، وهو الرازي، فألف كتاباً سماه (بيان تلبيس الجهمية).
стр. 198
جهوده في الرد على النصارى
وله كتب أخرى في الردود على أهل الباطل وأهل الضلال، فقد رد على النصارى في كتاب سماه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، وأرسل برسالة إلى الملك قبرس، وكان في ذلك الوقت نصرانياً، وعاتبه في ظلم المسلمين، وأمره ونهاه، وذكره بأن الظلم يمحق الإنسان حتى ولو كان على غير ملة الإسلام، وقد ذكر أنه عندما خرج إلى ابن غازان فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، يقول: أمرته بإطلاق أسرى المسلمين والنصارى وغيرهم؛ لأن هذا من الظلم، والظلم لا يجوز حتى على الكفار.
стр. 199
جهوده في التأليف والتصنيف
وله جهود كثيرة في التأليف، فمجال التأليف أثراه شيخ الإسلام ابن تيمية إثراء كبيراً جداً، وكثير من كتبه عبارة عن رسائل كان يفتي بها، فالعقيدة الواسطية هي عبارة عن رسالة، فقد جاءه قاضٍ من واسط وهو في طريقه إلى الحج، فقال: إنني أريد أن تكتب لي عقيدة، فقال: إن الناس كتبوا عقائد كثيرة فارجع إلى كتبهم، فقال: أريد أن تكتب لي أنت، فكتب له العقيدة الواسطية في جلسة بين الظهر والعصر.
وله -كذلك- رسالة سماها الفتوى الحموية، وهي -أيضاً- سؤال جاءه من حماه عن آيات الصفات وأحاديثها.
وله أيضاً في تقرير العقيدة السلفية وتقعيدها كتاب (التدمرية)، وهو كتاب عظيم في بابه، وله كتب عظيمة ﵀، وهذا مجال دعوي خصب أثراه شيخ الإسلام إثراء كبيراً، وكان لكتبه تأثير كبير، وقد رد على الفلاسفة وأهل الاتحاد ووحدة الوجود في كتاب سماه (بغية المرتاد) وألفه عندما كان مسجوناً في الإسكندرية بسبب مشايخ الصوفية.
وله كتاب أيضاً في الرد على الصوفية اسمه (الاستقامة)، وهو رد على رسالة القشيري، وهي من أهم كتب الصوفية.
وله كذلك من المصنفات كتاب عظيم جداً اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) تكلم فيه على الذي يشتم النبي ﷺ ، وكان سبب ذلك أن رجلاً شتم النبي ﷺ ، فرفع عليه شيخ الإسلام دعوى عند نائب السلطنة، وأوذي فيها وصمد، وفي آخر ذلك قتل هذا الرجل حداً، وقبل أن يقتل جاءه الشيخ ينصحه، وذكره بالله وأمره بالتوبة، ثم قتل؛ لأن القول الصحيح في الذي يسب الله ويسب الرسول ﷺ هو أنه يقتل في الدنيا حتى ولو تاب، وتوبته -إذا كان فيها صادقاً- ربما تنفعه عند الله .
стр. 200
جهوده في تدريس العلم والدعوة إلى الله
ومن جهود شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الجمع بين تدريس العلم والدعوة إلى الله ، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية استطاع أن يؤسس مدرسة من خلال الدروس التي كان يقيمها، ومن خلال اجتماعاته مع الدعاة في ذلك الزمن، فخرج على يديه أئمة وعلماء كبار، مثل ابن قيم الجوزية، ومثل ابن كثير، ومثل المزي صاحب تهذيب الكمال، ومحمد بن المنجى التنوخي وغيرهم، وهم يعتبرون علماء ذلك الزمان، فلو أن رجلاً استطاع أن يربي أشخاصاً حتى أخرجهم إلى حيز أشرف العلماء، فما هي المقدرة العقلية والنفسية التي يمتلكها هذا الرجل؟! فمن نتائج شيخ الإسلام ابن تيمية ابن القيم صاحب التصانيف النافعة، يقول ابن حجر العسقلاني ﵀ في كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)، في ترجمته لـ تقي الدين: إن تقي الدين كان فرطاً بين الناس، يعني: أن شيخ الإسلام ﵀ ليس عالماً عادياً يكتفي بتدريس المسائل والإفتاء المجرد فقط، لكنه كان يعيش في الحياة ويتفاعل معها، فهو يعايش الحياة ويتفاعل معها، وقد أسلم على يده يهودي وهو صغير لم يصل سن العشرين، وأسلم عليه يهودي آخر بعد سنة ٧٥٠هـ تقريباً، وكان له من القدرة الفائقة في التأثير الشيء العجيب.
стр. 201
جهوده في الفتوى والجهاد في سبيل الله
ومن جهوده أنه أفتى في المسائل التي استصعب كثير من الناس الإفتاء فيها، وحرك السلاطين في جهاد المغول التتار، والتتار كان لهم تأثير في حياة المسلمين، وهم عبارة عن قبائل كانت موجودة في جنوب شرق منغوليا، وكانت قبائل متعددة، ثم ولي أمرهم جنكيز خان، واستطاع أن يجتاح بعض البلاد، حتى استطاع أن يحتل ما يسمى اليوم بأفغانستان وإيران، ودخل بغداد عام ٦٥٦هـ، وكان سبب دخول التتار لبغداد، هو الخيانة من الرافضة الشيعة، فإن المستعصم -وهو آخر خلفاء الدولة العباسية في الفترة التي قبل التتار- كان رجلاً مقبلاً على الشهوات، ومقبلاً على المغنيات وعلى الراقصات، ومقبلاً على جمع الأموال وعلى اللعب، وكان عنده وزراء بعضهم من الرافضة، وكان لهم تأثير كبير جداً في صفوف الدولة العباسية، فقد كان عند الخليفة وزير اسمه ابن العلقمي، كان يحسن للمستعصم تلك الشهوات، وكان المستعصم يعرف أنه رافضي، ولأنه غافل مقبل على الشهوات ما استطاع أن يدرك أثر هؤلاء الأعداء، وهم الشيعة الرافضة، فقام ابن العلقمي بزيارة هولاكو عندما وقف على حدود بغداد، فزاره وأخذ الأمان لنفسه، ثم قال له: سأترك لك الميدان لكي تدخل بغداد بدون أي مقاومة ثم رجع إلى بغداد، وجاء إلى المستعصم بعد أن صرف غالب الجنود الموجودين في بغداد فقال: إن هذا الرجل لديه جيوش لا قبل لك بها، فما رأيك أن تذهب إليه وأن تطلب منه أن يبقيك كما أبقى ملك الروم وتكون له الولاية ولا يضرك بشيء؟ فانخدع المستعصم، وزُيِّن له ذلك، فقام ومعه أربعون من العلماء ومن أولاده ومن نسائه ومن أعيان البلد، ومن الوزراء الذين كانوا معه، فلما وفدوا على هولاكو قتلهم عن بكرة أبيهم، وما ترك منهم نفساً، ولما أراد قتل المستعصم خاف؛ لأنه يعرف أن الخليفة عند المسلمين شيء كبير، وأنه لا يستطيع أن يقتل الخليفة مباشرة، فربما هاج عليه العامة فلا يستطيع أن يقاومهم، فزين له ابن العلقمي وسيلة لقتله، وهي أن يلفه في لحاف وأن يضربه حتى يموت بدون أن يهريق دمه، ثم يقال: إنه مات، ثم قتل بهذه الطريقة بين يدي هولاكو، ثم دخل التتار بغداد، وعبثوا فيها أربعين يوماً يحرقون ويسرقون ويدمرون ويقتلون، حتى إن ابن كثير ﵀ قال في البداية والنهاية: قتل فيها أكثر من ألف ألف إنسان يعني: قتل أكثر من مليون من المسلمين في تلك الفترة الحرجة، وابن الأثير صاحب (الكامل) عندما تكلم عن مجيء التتار ومحاصرتهم لبغداد قال: إنني ترددت كثيراً في كتابة ما فعله التتار بالمسلمين، فإنه لا يمكن للإنسان أن يرضى بأن يكتب نعي الإسلام، ولا أستطيع أن أكتب الدمار الذي حل بالمسلمين، فيا ليت أمي لم تلدني، ويقول: يا ليتني كنت نسياً منسياً ومت قبل هذه الحادثة، وذلك لما رأى.
وعلى كل حال فإن تلك الفترة -مع أنها فترة ضعف وفترة جمود في حياة المسلمين- هي أقل بكثير من حياة المسلمين في هذا العصر.
ثم إن هذه القبائل الوثنية -أعني التتار- لما اجتاحت بلاد المسلمين استطاع الملك المظفر قطز أن يردهم عن بلاد الشام، ثم جاء محمود غازان -وهو حاكم من حكامهم- فأسلم، ولو استطاع غازان أن يغير عقائد المسلمين وأن يغير أخلاقهم وآدابهم وأفكارهم وتوجهاتهم ويجعلهم على منهج التتار لما أسلم، ولا يمكن أن يسلم، لكن أهل الإسلام بقوا على عقائدهم مع وجود هذا الاستعمار العسكري المباشر من التتار، ومع هذا استطاعوا أن يبدلوا عقيدة أعظم حاكم من حكام البوذيين في ذلك الزمان، وهو غازان، فأسلم، وهذا يقودنا إلى الكلام عن بعض المسائل الصعبة التي استطاع أن يفتي فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك أن غازان أسلم قبل رمضان، وصام رمضان، وبدأ يصلي، وأمر الناس بالإسلام، وبنى المساجد، وبدأ يدعو الوثنيين إلى الإسلام والتخلي عن عقائدهم، وأعلن أن دين الدولة هو الإسلام، لكنه مع هذا بقي يحكم بدستور وضعه جنكيز خان القائد الأول للمغول الوثنيين، وقد جمع هذا الدستور الذي يحكم به من عقائد الأمم الوثنية، ومن عقائد اليهود، ومن عقائد النصارى، وجعله في كتاب سمي (الياسق)، فلما أراد المسلمون أن يحاربوهم تردد كثير من العلماء في بلاد الشام وفي مصر في محاربتهم، وقالوا: كيف نحارب المسلمين؟! فهم يعلنون أنهم مسلمون، فكيف نحاربهم؟! فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم ليسوا من المسلمين، وأن دولتهم دولة حرب، والسبب في هذا هو أنهم لم يتنازلوا عن عقائد الكفر، والواجب على الإنسان إذا أسلم أن يترك عقائد الكفر وأن يبدأ حياة جديدة، فيسلم ويكون خاضعاً لدين الله في كل وجه من الوجوه، أما أن يكون هذا (الياسق) هو المسيطر عليهم، وهو الحاكم بين
стр. 202
شيخ الإسلام بشر ونحن متعبدون بنصوص القرآن والسنة
وبقيت هنا قضية أختم بها، وهي قضية مهمة جداً، وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية بشر، ونحن متعبدون بنصوص القرآن والسنة، ولسنا متعبدين بكلام عالم أو إمام أو نحو هذا، لكننا متعبدون بنصوص القرآن وبنصوص السنة، ولهذا فلا نقول: إننا نقلد شيخ الإسلام ﵀، فإننا ننكر على الذين يقلدون الأئمة، لأن الأئمة كان كل واحد منهم يقول: الدليل مذهبي.
ويقول: إذا عارض قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.
ولا شك في أنه لا يمكن أن يثبت أمام قول الله وأمام قول الرسول ﷺ قول لأحد كائناً من كان، مهما كان جهاده، ومهما كانت قدرته، ومهما كان عمله، ومهما كان شرفه، لا يثبت أمام قول الله وقول رسوله أي قول آخر.
ولهذا فإنه عندما يقرأ الإنسان أي كتاب من الكتب -سواء أكان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أم لغيره- فإنه ينبغي عليه أن يستفيد من حججه، وألا يعتبر قوله في كل شيء، ومثال ذلك في أنه لا يقبل الله ديناً غير دين الإسلام، فإن قيل: هل يقبل الله يوم القيامة اليهودية؟ فإنك تقول: لا.
فإن قال: ما هو الدليل؟ فلا تقل: قال شيخ الإسلام ﵀.
بل تأتي بالآية فتستدل بها، وهذا منهج عظيم في قراءة الكتب، فإنه ليس كل الناس يقر بإمامة الأئمة، لكن كل الناس يعتبرون أن كتاب الله حجة وأن السنة حجة، ولهذا إذا قرأت كتاباً لعالم من العلماء فلا تعتبر كلامه، بل انظر إلى دليله، لتعرف كونه استدلالاً صحيحاً وسليماً، فإن كان كذلك فاحفظ الدليل واحفظ الاستدلال فهو الحجة، وليس قول فلان ولا قول فلان.
وستكون طريقتنا -إن شاء الله- في دراسة هذا الكتاب هي أننا قبل أن نبدأ في دراسة هذا الكتاب سنعرف بكتاب من كتب أهل السنة وبطريقته، ثم نبدأ بالكتاب بعد ذلك بإذن الله، وسنقسمه حسب الموضوعات، فالذي يقرأ كلام الشيخ يعرف أنه كثير الاستطراد، وأنه ربما تكلم كلاماً متسلسلاً، فلا يشعر الإنسان بوحدة موضوعية كما يقول الباحثون في هذا العصر، لكن عندما نأخذ الكلام ونقسمه على فقرات يكون ذلك أبين وأوضح، الفقرة الأولى تكون في تعريف العبادة، والفقرة الثانية في أمثلتها، والفقرة الثالثة في منزلتها، والفقرة الرابعة في العلاقة بين الدين والعبادة، والفقرة الخامسة في العبادة في الشرع، وهكذا نأخذها على شكل فقرات ونبحثها بحثاً نسأل الله أن يكون موفقاً، إنه على كل شيء قدير.
стр. 203
الأسئلة
стр. 204
كيفية الابتعاد عن الشبهات والبدع
السؤال
كيف يستطيع الشاب المسلم أن يبتعد عن الشبهات والبدع ويرد عليها؟
الجواب
يستطيع الشاب المسلم أن يبتعد عن الشهوات والبدع إذا طلب العلم بمنهج مستقيم وصحيح، فإن طلب العلم يمنع من الشهوات ويمنع من الشبهات، لكن إذا كان جاهلاً ليس عنده علم، وإنما عنده عاطفة طيبة وحسن نية فذلك لا يكفي، فنحن في زمن امتلأت فيه الدنيا بالأفكار والآراء، وما يوجد من أفكار شاذة في غرب العالم أصبح يوجد عندنا اليوم عن طريق الإعلام المرئي والمسموع، وعن طريق الانفتاح الكبير على الغرب الذي يعيشه المسلمون اليوم، وهذا الانفتاح الكبير لا شك في أن له سلبياته الكبيرة، ومن أعظم هذه السلبيات أن الإنسان إذا كان غير محصن بالعلم الشرعي ربما تلقى فكرة من هذه الأفكار فأصبح داعية إليها، وهي على منهج بعيد عن المسلمين.
وعندما يظهر الإنسان اليوم على أية صحيفة -كصحيفة الحياة- يجد أنه في بلاد من بلاد المسلمين يقول الحزب الشيوعي كذا وكذا، ففي بلاد المسلمين شيوعيون، مع أن الشيوعيين أمة من أمم الكفر انقرضت وهلكت، فكيف يوجد في بلاد المسلمين شيوعيون؟! وكيف يوجد في حياة المسلمين علمانيون؟! مع أن العلمانية فكرة وجدت في أوروبا؛ لأنهم رأوا أن الدين الذي يحكم أوروبا لا يصلح أن يكون حاكماً لها، فألغوا الدين ووضعوه جانباً، وأصبحوا يبنون حياتهم بناء آخر.
فالانفتاح الكبير الذي يحصل في حياة المسلمين على العالم الغربي أو العالم الشرقي، في حين أنه لا يوجد عند كثير منهم حصانة عقدية وفكرية وأخلاقية تمنعهم من الانحراف والزلل والتأثر بالغرب، معناه أنهم سيتأثرون مباشرة بأولئك.
стр. 205
حكم دعوى أنه لا ينقص شيخ الإسلام سوى النبوة
السؤال
ما حكم قول: (لا ينقص شيخ الإسلام ابن تيمية سوى النبوة)؟
الجواب
هذه كلمة لا داعي لها أصلاً؛ لأن أبا بكر الصديق وعمر وعثمان وعلياً والصحابة جميعاً لا شك في أنهم أفضل من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، مع أنه لا يقال فيهم هذه المقولة، فلا داعي للمبالغة، ولا يتعود الإنسان على المبالغة وتهويل الأمور وتعظيمها.
стр. 206
توضيح لمعنى قول الشارح: (مات عيسى)
السؤال
ذكرت أنه بعد أن مات موسى وبعد أن مات عيسى ﵉ لم يستطع أحد أن يحفظ هذه الكتب بغير تقرير، فهل مات عيسى ﵇؟
الجواب
ليس المقصود بالموت أنه مات كما مات موسى، ولكن هي الوفاة التي قالها الله ، حيث قال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، ورفعه إليه يمكن أن يطلق عليه وفاة على أحد التفسيرين، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الواو لا تقتضي الترتيب، وإن المعنى: إني رافعك إلي ومتوفيك.
يعني: بعد الرفع.
فالمقصود أن عيسى ﵇ حي عند الله ، ولم يمت في الدنيا كما يموت الناس.
стр. 207
آخر الفرق ظهوراً
السؤال
ما هي آخر فرقة ظهرت الآن؟
الجواب
ليس هناك فرقة تستطيع أن تقول هي آخر فرقة ظهرت، فالآن يمكن أن يأتيك إنسان فيه خليط من الآراء، فرأي من فرقة، ورأي آخر من فرقة، ورأي ثالث من فرقة، خاصة بعض العصريين المشتغلين بالفقهيات وبعض المنشغلين بالعلم والدعوة الذين رأوا أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا هؤلاء الملاحدة والمشركين، سواء أكانت المواجهة عملية أم علمية، فأراد بعضهم أن يقطع نصف المرحلة في حين يقطع الطرف الآخر نصف المرحلة، فيلتقون في الطريق، ومع الانهزام أمام الحضارة الغربية تولدت أفكار وآراء غريبة جداً، إلى درجة أن بعض من ينتسب إلى العلم يقول في الرجل الذي يضع ماله النقدي في بنك من البنوك ثم يعطى عليه فائدة، يقول: إن هذا ليس ربا، وأن هذا جائز، وقد أفتى بعض الناس بأن الفوائد البنكية ليست من الربا! وهذا من الضلال.
وآخر يفتي في ممثلة أو راقصة تعرض نفسها على ألوف من البشر في صورة مزرية وسيئة كاشفة لوجهها وشعرها وصدرها تبادل الرجال ألوان الحب والغرام، ومع هذا يقول إن هذه الراقصة على خير، وهذا لا شك في أنه خطأ، والسبب في هذا هو الأفكار العصرية المكونة من هذا الخليط، وأحسن المناهج -بغير شك- هو منهج السلف الصالح الذي هو طريقة الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم.
стр. 208
قراءة كتاب العبودية للمبتدئ في الطلب
السؤال
هل هذا الكتاب ينصح بقراءته للمبتدئ في طلب العلم؟
الجواب
إذا كان يفهم فلا مانع، لكن إذا كان يشعر أنه لا يفهم المعاني التي تقرأ ولا يستوعبها فينبغي أن يبدأ بكتاب آخر.
أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 209
شرح العبودية [٢]
العبادة هي الكلمة الوحيدة التي تحوي بين جنباتها كل معاني حياة المسلم، فهي جامعة لكل خير، حاوية لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، شاملة لكل تفاصيل الصلاح والبر الموجود في أفراد المسلمين
стр. 210
تعريف بكتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً؛ إنك أنت العليم الحكيم.
أيها الإخوة الكرام! قد وعدنا أن نبدأ هذه الدروس بالتعريف بكتاب من كتب السلف الصالح رضوان الله عليهم، ثم بعد ذلك نبدأ في درس من كتاب العبودية.
والكتاب الذي سنبدأ به هو كتاب (الرد على الجهمية والزنادقة) للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، والإمام أحمد غني عن التعريف، فهو إمام من أعظم أئمة أهل السنة والجماعة، وله مواقفه المشهورة تجاه أهل البدع الذين حاولوا تغيير منهج النظر والاستدلال ومنهج الاعتقاد في حياة الأمة.
والمعتزلة لم يكن لهم رصيد في واقع المسلمين، وإنما هم شواذ ناظروا أهل الأديان الأخرى مثل الهندوسية والسمنية وغيرهم من الأديان الأخرى بمنهج منحرف، فولد هذا عندهم بدعاً وضلالات كان من ثمارها الخبيثة ظهور الاعتزال، والذي جعل منهج المعتزلة خطيراً هو تبني المأمون له، وقد كان في تلك الفترة هو أمير المؤمنين، فلما تبنى الاعتزال كان في بداية أمره لا يستطيع أن يصرح به مع أنه حاكم المسلمين، وذلك لمكانة يزيد بن هارون -وهو عالم من العلماء- في تلك الفترة، ويذكر الذهبي ﵀ في السير: أن رجلاً من جلساء المأمون قال له: لماذا لا تصرح بخلق القرآن؟ فقال: كيف أصرح وفي الناس مثل يزيد بن هارون؟! قال: ومن يزيد بن هارون هذا؟ قال: هذا عالم من العلماء أخشى أن أصرح بالقول بخلق القرآن فيعارضني فتكون فتنة، فقال له: ما لك ولـ يزيد، يعني: اتركه، لكنه قال له: سأذهب إلى يزيد وأقول له: إن أمير المؤمنين سيصرح بالقول بخلق القرآن، فقال له: اذهب، فجاء هذا الجليس من جلساء المأمون إلى يزيد بن هارون في المسجد أمام الناس وقال له: إن أمير المؤمنين يريد أن يعلن القول بخلق القرآن، فقال له يزيد بن هارون بصوت عال يسمعه أهل المسجد: كذبت؛ أمير المؤمنين لا يقول بخلق القرآن، فإنه إن قال به صارت فتنة، فرجع هذا الرجل إلى المأمون فقال له: حصل كيت وكيت، فقال: ألم أقل لك: إنني لا أستطيع أن أقول بذلك؟! فـ يزيد بن هارون بقوله ذلك أعطى للمسلمين الذين كانوا في المسجد وغيرهم ممن يتناقل الخبر مناعة من تلقف القول بخلق القرآن، مع ما هو منتشر عند الناس من أن القول بخلق القرآن كفر والعياذ بالله؛ لأن القرآن هو كلام الله ، وكلام الله صفة من صفاته، فإذا قيل: إن القرآن مخلوق فمعنى هذا أن بعض صفات الله مخلوقة، وهذا خطر عظيم على العقيدة.
ثم بعد ذلك لما مات يزيد بن هارون امتحن المأمون الناس بالقول بخلق القرآن، وكان ذلك في سنة ٢١٨هـ، وسجن كثير من أئمة السنة الذين رفضوا أن يقولوا بأن القرآن مخلوق، وكان ممن أوذي الإمام أحمد بن حنبل ﵀، لكن كثيراً من أهل السنة في تلك الفترة اتقوا السيف وتأولوا، ومنهم أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، سجن في الشام، ثم طلبه المأمون، فلما جيء به وضع على النطع وكاد أن يقتل، فأجاب بالقول بخلق القرآن، ثم بعد أن خرج أنكر القول بخلق القرآن وقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فرد مرة أخرى، فرأى المأمون أن التعامل معه صعب، فرده وسجنه، فمات في السجن رحمه الله تعالى، وأكثر الذين أجابوا في تلك الفتنة اعتذروا بالتقية؛ لأنهم تعرضوا لخطر كبير، وهو احتمال القتل.
وأما الإمام أحمد بن حنبل فإنه دعا الله ألا يريه المأمون، وعندما أخذ الإمام أحمد وأريد أن يذهب به إلى المأمون -وكان في طرسوس- مات المأمون قبل أن يأتيه الإمام، لكنه في مرض موته أوصى أخاه المعتصم وشدد عليه في الوصية بأن يمتحن الناس بالقول بخلق القرآن ويجعله مذهباً رسمياً للدولة، وكان المأمون رجلاً مثقفاً، ولكنه اتبع البدعة، أما المعتصم فهو على عكسه، فإنه كان رجلاً شجاعاً قوياً، لكنه لم يكن من أهل النظر، ولا كان من أهل البصيرة ولا كان من أهل الفهم والاستنباط، وإنما أخذ هذه الوصية عن أخيه فامتحن الناس، وحين جيء بالإمام أحمد إليه في مجلسه ضرب عنده وجلد حتى كان يسقط فيرحمه ثم يقول: لولا أنها وصية أخي لتركتك، فليس هو صاحب علم ولا صاحب فهم، لكنها وصية أخذها وامتحن الناس بها، ثم كانت النتيجة بعد ذلك للمتقين، فلما خرج الإمام أحمد ﵀ من السجن صنف هذا الكتاب العظ
стр. 211
المراد بالزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد
الزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد ﵀ ليس هم الذين ينفون القرآن بالكلية، فإن هؤلاء شأنهم يسير، فالذي يأتي ويقول: القرآن كله باطل، شأنه يسير من ناحية أن حكمه واضح عند المسلمين، ولا يشك أحد من المسلمين في ضلاله وانحرافه، لكن المشكلة في الزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد هي أنهم نوع خاص من الزنادقة يأخذون القرآن ويلعبون به، ويريدون أن يثبتوا بهذا أن القرآن متناقض، فيشككون الناس في صدق هذا القرآن، فرد عليهم الإمام أحمد ﵀ بهذا الكتاب، والجهمية كذلك، فهم الذين أرادوا أن يستدلوا بالقرآن الكريم على أن القرآن مخلوق، مع أن نصوص القرآن ظاهرة في أن كلام الله منه، والله ليس بمخلوق، بل هو الخالق ، فألف هذا الكتاب في الرد على الذين يلعبون بالنصوص الشرعية ويحاولون الاستدلال بهذه النصوص على بدعهم وعلى آرائهم، وهؤلاء لا شك في أنهم يشكلون خطراً كبيراً في حياة المسلمين، ذلك لأنه عندما يأتي الإنسان ويرد القرآن ويرفضه جملة فإن كل المسلمين يعلمون أنه ضال وأنه منحرف وأنه كافر؛ لأنه ينفي القرآن كله ويقول: هذا كذب وهذه أساطير، لكن المشكلة عندما يأتي الإنسان ويقول: القول الذي أنا أقول به هو ما دل عليه القرآن، مع أن قوله معاند للقرآن، ثم يبحث عن المتشابهات ويلعب بها.
مثال ذلك: لو أن رجلاً قال: أنا أنصحكم ألا تصلوا؛ لأن هذه الصلاة سيئة بالنسبة لكم! فإذا قيل له: كيف تكون سيئة والله يأمر بالصلاة؟ قال: إن الله يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، فإذا صليتم فلكم ويل، وينسى تتمة الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] فالكلام عن طائفة معينة ممن يصلون تارة ويتركون الصلاة تارة أخرى.
وهكذا توجد طوائف ممن يلعبون بالقرآن والسنة بهذه الطريقة والعياذ بالله.
стр. 212
ذكر طبعات الكتاب
هذا الكتاب طبعه الشيخ محمد رشيد رضا في مصر قديماً على نفقة بعض المحسنين من أهل نجد، وطبعه كذلك الأستاذ محمد فهر الشقفة في حماه في سورية، وطبعته كذلك إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، وكذلك طبعه الأستاذ الدكتور علي سامي النشار وتلميذه عمار الطاربي في مجموعة سميت (عقائد السلف)، مع كتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري، وكتاب (الرد على الجمهية) لـ عثمان بن سعيد الدارمي.
стр. 213
إثبات نسبة الكتاب إلى الإمام أحمد
هذا الكتاب ثابت النسبة إلى الإمام أحمد، ولا يلتفت إلى تشكيك محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لـ ابن قتيبة، لا يلتفت إلى تشكيكه في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد ﵀، فإنه شكك في هذا الكتاب وقال: إنه ليس من كتب الإمام أحمد، وهو لم يسبق إلى هذا التشكيك، وقد شكك فيه بسبب وجود رجل في إسناده، وهو الخضر بن مثنى، وهو مجهول، ولا شك في أن هذا الكتاب نسبته ثابتة إلى الإمام أحمد، فقد رواه الخلال في كتابه السنة، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد الذي كتبه من كتاب أبيه، فالمسألة واضحة التسلسل، إذ الإمام أحمد ﵀ كتب هذا الكتاب، فجاء ابنه عبد الله فكتبه من خط أبيه، فجاء أبو بكر الخلال فكتبه من خط ابن الإمام -وهو عبد الله - في كتابه (السنة)، وكتاب السنة لـ أبي بكر الخلال موجود، وهو مخطوط، وطبع منه أجزاء كثيرة، لكنه لم تكتمل طباعته بعد، وقد أثبت نسبة هذا الكتاب -أيضاً- ممن لا يُتهم بالتعصب للإمام أحمد، وهو ابن النديم في كتابه الفهرست، وابن النديم معروف بميوله الشيعية، ومع هذا لما ترجم للإمام أحمد ﵀ في كتابه ذكر كتبه وذكر منها هذا الكتاب، وكذلك كل من ترجم للإمام أحمد ﵀ ذكر أن هذا الكتاب من كتبه، وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية)، في النقل من هذا الكتاب وفي إثبات صحته ونسبته إلى الإمام أحمد.
стр. 214
أمثلة من ردود الإمام أحمد على الجهمية والزنادقة
في هذا الكتاب بعد المقدمة يقول الإمام أحمد: يقول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم جلوداً غيرها؟! فلا نرى إلا أن الله يعذب جلوداً لم تذنب حين يقول: ((بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا))! فشككوا في القرآن وزعموا أنه متناقض، فقلت: إن قول الله تعالى: ((بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)) ليس يعني: جلوداً غير جلودهم، وإنما يعني: بدلناهم جلوداً غيرها، فتبديلها بمعنى: تجديدها؛ لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله؛ وذلك لأن القرآن فيه خاص وعام ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء.
وفي موضع آخر يقول: أما قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧]، وقوله في آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠] فقالوا عنه: كيف يكون من الكلام المحكم قوله: ((وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا))، ثم يقول في موضع آخر: إنه ينادي بعضهم بعضاً؟! فشككوا في القرآن من أجل ذلك.
أما تفسير: ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ))، وفي آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضاً، وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]، ويقولون أيضاً: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهم يتكلمون، حتى قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فصاروا عمياً وبكماً وصماً، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق، فهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة من قول الله.
وهكذا -أيضاً- في ردوده على الضالين من هؤلاء المبتدعة، ومن ذلك رده على المعتزلة والجهمية، قولهم: إن الله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، والقرآن شيء فهو مخلوق.
فقال لهم: يقول الله : ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ))، والله تعالى شيء، وما خلقه من الأشياء شيء، فالله ليس مخلوقاً، ومنه الكلام، وكل شيء المقصود به بقية المخلوقات، هذا أولاً.
ثانياً: من أسلوب القرآن استعمال هذا التعبير: (كل شيء)، لكن ليس المراد به التعميم المطلق، وإنما المقصود به هنا ما من شأنه أن يُخلق، مثل قول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، فمساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء)، فالمقصود: كل شيء مما يستحق التدمير، أو مما يراد به التدمير، مثل العصاة والظلمة.
هذا هو كتاب الإمام أحمد ﵀ (الرد على الزنادقة والجهمية).
стр. 215
نظرة عامة في مواضيع كتاب العبودية
أما الكتاب الذي ندرسه هنا فهو كتاب العبودية كما سبق، وهو عبارة عن سؤال وجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن العبادة وعن معناها وعن حقيقتها، وعن أعلى المقامات في الدنيا والآخرة إلخ؟ فأجاب ﵀، مبتدئاً بتعريف العبودية فقال: [الحمد لله رب العالمين.
العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة].
ثم شرع في أمثلتها فقال: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.
يقول: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة.
ثم قال: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة.
ثم شرع في بيان منزلة العبادة، ثم ذكر الآيات في هذا الموضوع، إلى قوله: فالدين كله داخل في العبادة.
فقوله: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، إلى قوله: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم شرع بعد ذلك في العلاقة بين الدين والعبادة.
فقال: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم ساق الأدلة على هذا، إلى قوله: كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
فهذا الجزء يمكن أن نسميه العلاقة بين الدين والعبادة.
ثم بعد ذلك بدأ في موضوع آخر، فقال: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله، وهذه الفقرة يمكن أن نجعل عنوانها: (العبادة الجبرية)، وهي نوع من أنواع العبادة سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
ثم قال كلاماً آخر إلى قوله: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها لا يشهد إلا هذه الحقيقة.
وحينئذ نبدأ في موضع آخر، وهو موقف الصوفية من العبادة الجبرية، وهذه المسألة أطال فيها، وسيأتي -إن شاء الله- الحديث عنها مفصلة.
следующие страницы →