Полный текст (446 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
المراد بالزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد
الزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد ﵀ ليس هم الذين ينفون القرآن بالكلية، فإن هؤلاء شأنهم يسير، فالذي يأتي ويقول: القرآن كله باطل، شأنه يسير من ناحية أن حكمه واضح عند المسلمين، ولا يشك أحد من المسلمين في ضلاله وانحرافه، لكن المشكلة في الزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد هي أنهم نوع خاص من الزنادقة يأخذون القرآن ويلعبون به، ويريدون أن يثبتوا بهذا أن القرآن متناقض، فيشككون الناس في صدق هذا القرآن، فرد عليهم الإمام أحمد ﵀ بهذا الكتاب، والجهمية كذلك، فهم الذين أرادوا أن يستدلوا بالقرآن الكريم على أن القرآن مخلوق، مع أن نصوص القرآن ظاهرة في أن كلام الله منه، والله ليس بمخلوق، بل هو الخالق ، فألف هذا الكتاب في الرد على الذين يلعبون بالنصوص الشرعية ويحاولون الاستدلال بهذه النصوص على بدعهم وعلى آرائهم، وهؤلاء لا شك في أنهم يشكلون خطراً كبيراً في حياة المسلمين، ذلك لأنه عندما يأتي الإنسان ويرد القرآن ويرفضه جملة فإن كل المسلمين يعلمون أنه ضال وأنه منحرف وأنه كافر؛ لأنه ينفي القرآن كله ويقول: هذا كذب وهذه أساطير، لكن المشكلة عندما يأتي الإنسان ويقول: القول الذي أنا أقول به هو ما دل عليه القرآن، مع أن قوله معاند للقرآن، ثم يبحث عن المتشابهات ويلعب بها.
مثال ذلك: لو أن رجلاً قال: أنا أنصحكم ألا تصلوا؛ لأن هذه الصلاة سيئة بالنسبة لكم! فإذا قيل له: كيف تكون سيئة والله يأمر بالصلاة؟ قال: إن الله يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، فإذا صليتم فلكم ويل، وينسى تتمة الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] فالكلام عن طائفة معينة ممن يصلون تارة ويتركون الصلاة تارة أخرى.
وهكذا توجد طوائف ممن يلعبون بالقرآن والسنة بهذه الطريقة والعياذ بالله.
стр. 212
ذكر طبعات الكتاب
هذا الكتاب طبعه الشيخ محمد رشيد رضا في مصر قديماً على نفقة بعض المحسنين من أهل نجد، وطبعه كذلك الأستاذ محمد فهر الشقفة في حماه في سورية، وطبعته كذلك إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، وكذلك طبعه الأستاذ الدكتور علي سامي النشار وتلميذه عمار الطاربي في مجموعة سميت (عقائد السلف)، مع كتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري، وكتاب (الرد على الجمهية) لـ عثمان بن سعيد الدارمي.
стр. 213
إثبات نسبة الكتاب إلى الإمام أحمد
هذا الكتاب ثابت النسبة إلى الإمام أحمد، ولا يلتفت إلى تشكيك محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لـ ابن قتيبة، لا يلتفت إلى تشكيكه في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد ﵀، فإنه شكك في هذا الكتاب وقال: إنه ليس من كتب الإمام أحمد، وهو لم يسبق إلى هذا التشكيك، وقد شكك فيه بسبب وجود رجل في إسناده، وهو الخضر بن مثنى، وهو مجهول، ولا شك في أن هذا الكتاب نسبته ثابتة إلى الإمام أحمد، فقد رواه الخلال في كتابه السنة، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد الذي كتبه من كتاب أبيه، فالمسألة واضحة التسلسل، إذ الإمام أحمد ﵀ كتب هذا الكتاب، فجاء ابنه عبد الله فكتبه من خط أبيه، فجاء أبو بكر الخلال فكتبه من خط ابن الإمام -وهو عبد الله - في كتابه (السنة)، وكتاب السنة لـ أبي بكر الخلال موجود، وهو مخطوط، وطبع منه أجزاء كثيرة، لكنه لم تكتمل طباعته بعد، وقد أثبت نسبة هذا الكتاب -أيضاً- ممن لا يُتهم بالتعصب للإمام أحمد، وهو ابن النديم في كتابه الفهرست، وابن النديم معروف بميوله الشيعية، ومع هذا لما ترجم للإمام أحمد ﵀ في كتابه ذكر كتبه وذكر منها هذا الكتاب، وكذلك كل من ترجم للإمام أحمد ﵀ ذكر أن هذا الكتاب من كتبه، وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية)، في النقل من هذا الكتاب وفي إثبات صحته ونسبته إلى الإمام أحمد.
стр. 214
أمثلة من ردود الإمام أحمد على الجهمية والزنادقة
في هذا الكتاب بعد المقدمة يقول الإمام أحمد: يقول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم جلوداً غيرها؟! فلا نرى إلا أن الله يعذب جلوداً لم تذنب حين يقول: ((بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا))! فشككوا في القرآن وزعموا أنه متناقض، فقلت: إن قول الله تعالى: ((بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)) ليس يعني: جلوداً غير جلودهم، وإنما يعني: بدلناهم جلوداً غيرها، فتبديلها بمعنى: تجديدها؛ لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله؛ وذلك لأن القرآن فيه خاص وعام ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء.
وفي موضع آخر يقول: أما قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧]، وقوله في آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠] فقالوا عنه: كيف يكون من الكلام المحكم قوله: ((وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا))، ثم يقول في موضع آخر: إنه ينادي بعضهم بعضاً؟! فشككوا في القرآن من أجل ذلك.
أما تفسير: ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ))، وفي آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضاً، وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]، ويقولون أيضاً: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهم يتكلمون، حتى قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فصاروا عمياً وبكماً وصماً، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق، فهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة من قول الله.
وهكذا -أيضاً- في ردوده على الضالين من هؤلاء المبتدعة، ومن ذلك رده على المعتزلة والجهمية، قولهم: إن الله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، والقرآن شيء فهو مخلوق.
فقال لهم: يقول الله : ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ))، والله تعالى شيء، وما خلقه من الأشياء شيء، فالله ليس مخلوقاً، ومنه الكلام، وكل شيء المقصود به بقية المخلوقات، هذا أولاً.
ثانياً: من أسلوب القرآن استعمال هذا التعبير: (كل شيء)، لكن ليس المراد به التعميم المطلق، وإنما المقصود به هنا ما من شأنه أن يُخلق، مثل قول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، فمساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء)، فالمقصود: كل شيء مما يستحق التدمير، أو مما يراد به التدمير، مثل العصاة والظلمة.
هذا هو كتاب الإمام أحمد ﵀ (الرد على الزنادقة والجهمية).
стр. 215
نظرة عامة في مواضيع كتاب العبودية
أما الكتاب الذي ندرسه هنا فهو كتاب العبودية كما سبق، وهو عبارة عن سؤال وجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن العبادة وعن معناها وعن حقيقتها، وعن أعلى المقامات في الدنيا والآخرة إلخ؟ فأجاب ﵀، مبتدئاً بتعريف العبودية فقال: [الحمد لله رب العالمين.
العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة].
ثم شرع في أمثلتها فقال: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.
يقول: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة.
ثم قال: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة.
ثم شرع في بيان منزلة العبادة، ثم ذكر الآيات في هذا الموضوع، إلى قوله: فالدين كله داخل في العبادة.
فقوله: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، إلى قوله: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم شرع بعد ذلك في العلاقة بين الدين والعبادة.
فقال: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم ساق الأدلة على هذا، إلى قوله: كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
فهذا الجزء يمكن أن نسميه العلاقة بين الدين والعبادة.
ثم بعد ذلك بدأ في موضوع آخر، فقال: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله، وهذه الفقرة يمكن أن نجعل عنوانها: (العبادة الجبرية)، وهي نوع من أنواع العبادة سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
ثم قال كلاماً آخر إلى قوله: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها لا يشهد إلا هذه الحقيقة.
وحينئذ نبدأ في موضع آخر، وهو موقف الصوفية من العبادة الجبرية، وهذه المسألة أطال فيها، وسيأتي -إن شاء الله- الحديث عنها مفصلة.
стр. 216
تعريف العبادة وبيان مفهومها
وسنبدأ بالحديث عن تعريف العبادة ومفهوم العبادة.
أما العبادة في اللغة فإنك إذا تتبعت كتب المعاجم ستجد أن العبادة تأتي لخمسة معان: الأول والثاني: الخضوع والذل، ولهذا تقول العرب: هو طريق معبد أي: ذللته الأقدام بالسير.
والثالث: الطاعة، والرابع: التمليك، تقول العرب: أعبدني هذا أي: ملكنيه.
والخامس: التنسك، فهذه خمسة معان تأتي العبادة بها في اللغة.
وأما تعريفها في الشرع فقد عرفها الشيخ بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وعرفها غيره بتعريف آخر، فيقول أبو البقاء الكفوي في كتابه (الكليات) في تعريف العبادة: هي فعل ما يرضي الرب.
وعرفها غيره فقال: العبادة هي عبارة عن الاعتقاد والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب يقدر بها على النفع والضر، فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد فهو عبادة.
فإذا جئنا إلى تعريف الشيخ في قوله: (هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه) نجد أن معنى العبادة: هو كل ما أمر الله به في القرآن، أو أمر به الرسول ﷺ في السنة، وذلك أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: طلب وتخيير.
فأما الطلب: فهو طلب الفعل أو طلب الكف، وطلب الفعل يكون على نوعين: إما طلب الفعل على سبيل الإلزام، وهذا هو الواجب.
وإما طلب الفعل على غير سبيل الإلزام فهذا المندوب.
وأما طلب الكف فهو نوعان: الأول: طلب الكف على سبيل الإلزام، وهذا هو المحرم، والثاني: طلب الكلف على غير سبيل الإلزام، وهذا هو المكروه.
وأما التخيير الذي هو مقابل الطلب في التقسيم الأول فهو المباح الذي إن شاء الإنسان فعله وإن شاء تركه، فالعبادة الشرعية هي الطلب بمعناه الأول، طلب الفعل أو طلب الكف، فهذا الطلب هو العبادة، ولهذا نلاحظ أن العبادات التي أمرنا الله بها بعضها يقتضي أن تقوم بفعل، سواء أكان هذا الفعل فعلاً بدنياً أم فعلاً لسانياً أم فعلاً قلبياً، أو بعضها يقتضي طلب الكف والترك، وهذا يكون بترك الشرك والكفر وبترك البدعة وبترك جميع الذنوب والمعاصي، فترك الشرك وترك البدعة في حد ذاته عبادة، أي: أن مجرد الابتعاد في حد ذاته عبادة؛ وذلك أن الترك في حقيقته فعل، والدليل على ذلك قول الله عن بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، فقوله: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) يعني: ترك التناهي، يقول تعالى: ((كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ))، يعني: يفعلون المنكرات في مجتمعاتهم فلا ينهى بعضهم بعضاً، ثم قال في وصفهم: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ))، فما هو الفعل الذي فعلوه؟ هو أنهم تركوا النهي عن المنكر، فالترك فعل أيضاً.
стр. 217
شمول العبادة لحياة الإنسان كلها
ومن هنا نلاحظ أن العبادة اسم جامع لكل ما أمر الله به، سواء أكان أمراً إيجابياً أم أمراً سلبياً، ومعنى الأمر الإيجابي طلب الفعل، ومعنى الأمر السلبي طلب الترك، فيدخل في هذا كل حياة الإنسان، ولهذا نجد أن الإنسان في تكوينه إما أن يفعل وإما أن يترك، وليس للإنسان في ذلك شيء آخر، فإما أن يفعل الفعل وإما أن يتركه، فالأفعال التي يفعلها الإنسان هي عبادة يتقرب بها إلى الله ، وأما التروك التي يتركها الإنسان فإذا قصد بها العبادة فهي عبادة، ويدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كله أن الإنسان كائن بشري يتحرك في الوجود بأعضائه، والعبادة تشمل جميع أعضاء الإنسان، فهي تشمل حركات البدن الظاهرة، كحركة اليدين والرجلين، فيدخل في هذا القتال في سبيل الله، وهو من أفضل القربات وأفضل العبادات عند الله ، ويدخل في هذا حركة اللسان، فمن العبادات أن يقرأ المرء القرآن وأن يسبح وأن يدعو إلى الله ، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدخل في هذا عبادات القلب، مثل الخوف من الله والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة وغير ذلك، ويدخل في ذلك النظر، ولهذا نجد أن الأحكام الشرعية متعلقة بجميع أعضاء الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] فهو مسئول عن هذه الأشياء جميعاً.
إذاً: العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، ولا يمكن أن يخلو الإنسان من العبادة، فهو إما أن يكون خاضعاً لله أو خاضعاً لغيره، وسيأتي معنا -إن شاء الله- بيان حقيقة نفسية مهمة جداً، وهي أن طبيعة تكوين الإنسان أن الله خلقه محتاجاً، فإما أن يحتاج إلى الله، وهذا من التعبد، وإما أن يرغب عن الاحتياج لله فيحتاج إلى غيره، أما إذا تصور أحد أن الإنسان يمكن أن يكون غير عابد لله ولا لغير الله فهذا تصور باطل.
وقد نشأت ملة جديدة في هذه العصر تسمى: الليبرالية، والليبراليون أشخاص يقولون: نحن أحرار من جميع الأديان، أحرار من كل الالتزامات، وليس هناك التزام معين نلتزمه، فنحن أحرار من الأديان جميعاً، النصرانية، واليهودية، والإسلام، والبوذية، فهؤلاء من يعبدون؟ إن بعض الناس يقول لك: لا يعبدون أحداً، وهذا غلط، فهم يعبدون الهوى، ولهذا يقول الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] فهو يعبد الهوى، أي: يعبد رغبته وشهوته أينما وجهته يتوجه وراءها.
الشيخ يقول: اسم جامع، يعني: يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه، والذي يحبه الله ويرضاه نوعان: الواجب والمستحب -وقد يسمى المستحب: مندوباً- من الأقوال والأعمال، والأقوال تشمل أقوال اللسان وأقوال القلب، فأقوال اللسان سبق أن مثلنا لها، وقول القلب هو تصديق بما جاء عن الله وما جاء عن الرسول ﷺ وقوله: (الباطنة والظاهرة) ليشمل نشاط الإنسان القلبي ونشاطه الظاهرة ولا شك في أن بين الظاهر والباطن تلازماً مطرداً ومنعكساً، أي: تلازم دائم وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فلا يتصور أبداً وجود إنسان صالح في الظاهر مائة في المائة، وهو فاسد في الباطن، إلا في حالة واحدة، وهي النفاق، أما أن يكون الإنسان صالحاً في الباطن متقياً لله يخاف الله ويخشاه، وفي نفس الوقت لا يكون ذلك ظاهراً على جوارحه فهذا غير متصور إلا في حالة واحدة، وهي حالة الإكراه بحيث يكون مكرهاً، لا يستطيع أن يعبر عما في داخله بأفعاله، ومع هذا لا يتصور أن يكره إنسان بحيث لا يستطيع أن يؤدي عبادة واحدة؛ لأنه يمكن أن يعمل في السر، فيقول سبحان الله، أو ينطق بالشهادة، أو يصلي في السر، أو يعمل أي عمل في السر.
فقوله: (الباطنة والظاهرة) يشمل حياة الإنسان كلها.
ومن هنا نلحظ وهذه قضية مهمة أن العبادة نوعان: فردية وجماعية، فالفردية هي التي يقوم بها الإنسان، مثل الصلاة والصيام والحج، وحقوق الوالدين، وحقوق الجيران، وحقوق الأهل، وما يقوم به من الخوف والرجاء والتوكل وقراءة القرآن، وما يقوم به من ترك الربا وترك الفواحش وترك المحرمات جميعاً، فهذه يمكن أن نسميها عبادة فردية؛ إذ يقوم بها الإنسان وحده.
وهناك عبادات جماعية، كالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والإصلاح بين الناس، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه العبادات الجماعية ضرورية جداً لصلاح المجتمع، فإنه متى ما تركت هذه العبادات فسد المجتمع، وبعض الناس يقول: ما لي وللمجتمع، فأهم شيء أن أصلح نفسي.
ونقول: إن الله أوجب عليك إصلاح نفسك وإصلاح غيرك، وإلا فما معنى النصيحة؟ وما معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما معنى الجهاد في سبيل الله بالقول واللسان واليد ونحو ذلك؟! وما معنى بناء المجتمع الإسلامي؟ ولماذا ذم الله اليهود الذين كانوا يسكتون عن المنكرات؟ ل
стр. 218
الأسئلة
стр. 219
بيان معنى قول شيخ الإسلام: (ويرضاه) في تعريف العبادة
السؤال
ما معنى قول المصنف: ويرضاه في تعريف العبادة؟ وهل يدخل في ذلك المباح؛ لأنه مما لا يسخطه الله تعالى؟
الجواب
قوله: (يرضاه) بمعنى: (يحبه)، وبمعنى أنه يقره ولا يسخط منه، وأما الإباحة فهي نوعان: إباحة شرعية، وإباحة أخرى طبيعية.
فالإباحة الطبيعية: هي عموم ما جعله الله في الأرض؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] فكل ما في الأرض الأصل فيه الإباحة، إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه، وأما الإباحة الشرعية فهي التي نص فيها على الإباحة، مثل قول الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فهذه تسمى الإباحة الشرعية، بمعنى أن الله هو الذي أحلها.
стр. 220
اقتضاء الأمر الوجوب والإلزام
السؤال
هل الأمر يقتضي الإلزام ويقتضي التخيير أحياناً؟
الجواب
الأمر إذا أطلق في النصوص الشرعية، فالأصل فيه أنه يقتضي الإلزام، والدليل على ذلك قول الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فرتب حصول الفتنة وحصول العذاب الأليم على مخالفة الأمر.
ويقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فنفى الخيرة عنهم، وهي الاختيار في الفعل أو الترك، وهذا يدل على الإلزام.
إلا أنه في بعض الأحيان - لوجود قرائن أخرى- لا يدل الأمر على الإلزام، ومثاله السترة فالنبي ﷺ يقول: (إذا صلى أحدكم فليستتر) يعني: بسترة في الصلاة، فهذا الأمر ظاهره أنه يدل على الوجوب، لكن ثبت عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ صلى في فضاء) يعني: وليس له سترة يستتر بها، ففعله ﷺ دل على أن هذا الأمر للتخيير، وليس للإلزام.
стр. 221
شرح العبودية [٣]
العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وللعبادة ركنان أساسيان هما: الخضوع والحب، فمع الخضوع والاستسلام وتمام الانقياد لابد من المحبة لله سبحانه، فمن خضع واستسلم لله ولم يحبه فليس عبداً خالصاً لله، وكذلك من أحب الله ولم يخضع له ويستسلم لأوامره فليس عبداً خالصاً لله.
والعبادة هي أساس التوحيد؛ لأن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة.
стр. 222
تعريف بكتاب التوحيد وإثبات صفات الرب
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فقد سبق أن تحدثنا عن كتاب (الرد على الزنادقة والجهمية) للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وسوف نتحدث هنا -بإذن الله تعالى- عن التعريف بكتاب: (توحيد وإثبات صفات الرب لـ أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة الشافعي الذي يلقب بإمام الأئمة، والإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀ من علماء القرن الثالث، وولادته كانت في فترة مبكرة، ولهذا تلقى على أقران الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من أمثال: إسحاق بن راهوية والإمام البخاري ﵀ ومسلم وغيرهم من علماء أهل السنة المشهورين في تلك الفترة، وقد ولد في سنة مائتين وثلاث وعشرين، وتوفي في سنة ثلاثمائة وإحدى عشرة.
стр. 223
موضوع كتاب التوحيد لابن خزيمة
هذا الكتاب الذي هو كتاب التوحيد صنفه الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في العقيدة، وهدفه الأساسي الاختصاص بمسألة توحيد الأسماء والصفات، خاصة مسألة الصفات؛ لأن الخلاف في موضوع الصفات خلاف كبير، وقد حصلت فيه فُرقَة عظيمة بين الناس في القرن الثالث خاصة لا سيما عندما وقعت المحنة والفتنة التي سبق أن أشرنا إليها، وهي فتنة خلق القرآن.
وهذا الكتاب الذي ألفه ابن خزيمة ﵀ اشترط فيه الصحة كما اشترط الصحة في صحيحه، وهذا هو ظاهر كلامه ﵀ في المقدمة، فإنه عندما تحدث عن سبب تأليف الكتاب بين أنه بسبب ظهور بعض الأحداث سمع من المشتغلين بالعلم الذين جالسوا أهل الأهواء والبدع، سمع منهم كلاماً خلاف السنة فقام بتأليف هذا الكتاب.
ويحسن هنا أن نذكر الموطن التي أشار فيها إلى اشتراطه للصحة، فإنه عندما ذكر المسائل التي سيتعرض لها في هذا الكتاب وهي مسألة القدر ومسألة الأسماء والصفات قال: مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما صح وثبت عن نبينا ﷺ بالأسانيد الثابتة الصحيحة بنقل أهل العدالة موصولاً إليه، ليعلم الناظر في كتابنا هذا ممن وفقه الله لإدراك الحق والصواب، ومنَّ عليه بالتوفيق لما يحب ويرضى صحة مذهب أهل الآثار في هذين الجنسين من العلم.
يقصد العلم بالقضاء والقدر، والعلم بتوحيد صفات الله .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى أن ابن خزيمة ﵀ ممن اشترط الصحة في كتابه التوحيد، فإذا روى حديثاً بإسناده ولم يعلق عليه فذلك علامة على أنه يرى أنه صحيح، كما أنه إذا روى حديثاً في صحيحه المشهور الذي لم يطبع منه إلا الربع فقط فهو -كذلك- صحيح عنده، ولكن مع هذا فقد وجد في هذا الكتاب بعض الأحاديث التي انتقدت، رواها عن بعض الضعفاء، بل روى عن بعض المتروكين.
ومن الأحاديث الضعيفة التي ذكرها رحمه الله تعالى الحديث المشهور الذي فيه أن الله خلق الأرض على النون، والنون على قرن ثور، وهو حديث طويل لا يثبت عن النبي ﷺ ، ومع ذلك نقله في هذا الكتاب.
وهذا الكتاب يرد فيه على الطوائف المنحرفة جميعاً، فهو يرد فيه على المعتزلة، وقبل ذلك على الجهمية، ويرد فيه كذلك على الكلابية.
وكان العصر الذي ظهر فيه ابن خزيمة ﵀ قد نشطت فيه الكلابية خاصة في المشرق، وكان لهم كثير من الأئمة، فقد كان هناك بعض الأئمة من أهل الحديث، وفي نفس الوقت يكون على عقيدة ابن كلاب الذي خالف فيها منهج السلف.
وهذا الكتاب اهتم بإثبات الصفات، فهو -مثلاً- يذكر سياق ما ورد عن النبي ﷺ في أن لله يدين، وفي إثبات صفة الوجه، وفي إثبات الصفات بشكل تفصيلي، لكن يوجد فيه تكرير، فصفة اليد ذكرها في أكثر من عشرة أبواب، فيذكرها في باب، ثم يأتي في باب آخر فيذكرها، ثم يأتي في باب آخر فيذكرها، وقد كانوا لا يعتنون بالترتيب كما هو منهج البحث العلمي المعاصر الآن، وإنما كانوا كلما وجدوا حديثاً يمكن أن يضعوا له باباً مستقلاً فعلوا ذلك، وقد يكررون لأهمية التكرار في بعض الأحيان.
стр. 224
موقف أهل البدع من كتاب التوحيد لابن خزيمة
هذا الكتاب شجىً في حلوق أهل البدع، ولهذا سماه الرازي في تفسيره عندما فسر قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، سماه كتاب الشرك، وفيه يقول: ليس كتاب التوحيد، بل هذا كتاب الشرك، والعياذ بالله، والسبب في هذا أن الرازي على خلاف عقيدة السلف في الصفات وفي الإيمان وفي مسائل كثيرة، فهو عندما يقرأ إثبات الصفات يعتقد أن إثبات الصفات يلزم منه تعدد الآلهة مع الله تعالى، وهذا لا يلزم، فلا يلزم منه إثبات تعدد الآلهة كما يزعم هؤلاء المبتدعة الضالون.
ولهذا قلده -أيضاً- جهمي في العصر الحاضر، وقد توفي وهلك عام ألف وثلاثمائة وسبعين تقريباً، وهو محمد زاهد الكوثري، فإنه في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ذكر كتاب ابن خزيمة هذا ونقده نقداً شنيعاً، وتكلم عليه كلاماً قبيحاً وسماه: كتاب الشرك، والعياذ بالله.
ولا شك في أن هذا الكتاب من كتب أئمة السلف، وابن خزيمة إمام مشهور، تلقى عنه العلم البخاري ومسلم، ورويا له في غير الصحيح أحاديث متعددة، ومن تلاميذه ابن حبان البستي، وغيرهم من الأئمة المشهورين في ذلك الزمن.
وهذا الكتاب فيه عناية تفصيلية بإثبات الصفات، ولهذا جاء أحد الأشاعرة - وهو أبو بكر بن فورك - فتتبع هذا الكتاب، وأخذ الصفات المذكورة في هذا الكتاب وقام بتأويلها صفة صفة، وزعم أنها ليست على ظاهرها.
وسمى كتابه: (بيان مشكل الحديث) ثم رد عليه بعد ذلك إمام من أئمة الحنابلة، وهو أبو يعلى رحمه الله تعالى بكتاب سماه: (إبطال التأويلات) فأخذ تأويلات ابن فورك، ورد عليها تأويلاً تأويلاً، وبين خطأه وضلال المذهب الذي اتبعه في ذلك.
стр. 225
بيان منزلة الكتاب في الاعتقاد
هذا الكتاب يعتبر من الكتب الأصلية في معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، لا سيما أن ابن خزيمة ﵀ يروي الأحاديث والآثار بإسناده، وهذا يدل على أن كتابه مصدر أصلي من المصادر التي نقلت العقيدة عن السلف الصالح رضوان الله عليهم، وحري بطالب العلم أن يقتني مثل هذا الكتاب، ويستفيد منه، وينتفع به.
هذا بالنسبة للتعريف بكتاب من كتب السلف رضوان الله عليهم في مجال العقائد.
стр. 226
معاني العبادة وبيان المراد بها
أما الدرس الذي نحن بصدده في كتاب العبودية فإنا قد تحدثنا عن تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى للعبودية، وقلنا: إن العبودية تطلق ويراد بها معنيان: المعنى الأول: المتعبد به، والمعنى الثاني: التعبد.
فأما المتعبد به فهو ما عرف به شيخ الإسلام رحمه الله تعالى العبادة، فإنه قال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فهذا تعريف للعبادة في ذاتها.
ولهذا لما ذكر الأمثلة ذكر الصلاة والزكاة والصيام والحج إلى آخر الأمثلة التي ساقها بعد التعريف.
وأما العبادة التي تطلق ويراد بها التعبد فيصدق عليها ما عرفها به الكفوي ﵀ في كتابه (الكليات) فإنه قال عن العبادة: هي فعل ما يرضي الرب.
وسبق أن أشرنا إلى معاني العبادة في لغة العرب، وقلنا: إن العبادة تأتي في لغة العرب على خمسة معان: الأول: الخضوع، والثاني: الذل، والثالث: الطاعة، والرابع: المملوكية، والخامس: النسك والتنسك.
стр. 227
علاقة التعريف اللغوي بالتعريف الاصطلاحي للعبادة
هناك قاعدة ينبغي العناية بها في مسألة التعريفات، وهذه القاعدة هي أن التعريف الاصطلاحي لا بد من أن يكون له علاقة بالتعريف اللغوي، فمثلاً: الصلاة في اللغة هي الدعاء، وفي اصطلاح الفقهاء: أقوال وأفعال تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم، كما هو معلوم، ولها أوقات مخصوصة، فهناك علاقة بين التعريف الاصطلاحي والتعريف اللغوي، وهي أن هذه الأقوال والأفعال هي من جنس الدعاء، فإن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، وهكذا بقية التعريفات.
فالحج في اللغة: هو القصد، وفي الاصطلاح: قصد أماكن مخصوصة لأداء شعائر مخصوصة.
فهناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، ولا يصح أن يكون المعنى اللغوي في جهة والمعنى الاصطلاحي في جهة أخرى، فالكلمات التي استخدمها الشارع في معانٍ جديدة في الحقائق الشرعية لا بد من أن يكون هناك رابط بينها وبين المعنى اللغوي في أصل لغة العرب قبل أن تستخدم بالمعنى الشرعي.
فالعبادة في لغة العرب معناها: الذل والخضوع، ومعناها: الطاعة والاستسلام، ومعناها: المملوكية التامة، ومعناها التنسك بأفعال يقدمها الإنسان لمعبوده الذي يعبده.
والعبادة في الشرع هي هذه المعاني اللغوية، لكن بشرط أن تصرف لله ، فإن معنى العبادة في لغة العرب يمكن أن يصرف لأي شيء، فيمكن أن يصرف للطاغوت، أو للأصنام أو للهوى أو للشيطان، لكن العبادة بمفهومها الشرعي هي نفس المعاني اللغوية التي استخدمت، لكن بشرط أن تكون مصروفة لله ، فهذه هي العبادة الشرعية.
стр. 228
إثبات المعنى اللغوي في التعريفات الشرعية والزيادة عليه
وبقيت قضية أخرى، وهي أن المصطلحات الشرعية -في بعض الأحيان- ينقل فيها الشرع الكلمة من معناها اللغوي إلى معناها الاصطلاحي بنفس المعنى، وقد يزيد في بعض الأحيان.
مثال ذلك: الإيمان، فالإيمان يقول فيه بعض أصحاب المعاجم: إنه يراد به التصديق في لغة العرب، وعندما تأتي إلى المعنى الشرعي تجد أنه لا يقصد به التصديق فقط، وإنما يضاف إليه العمل والقول، أي: عمل القلب وعمل الجوارح، وقول اللسان، فلم يبق المعنى الاصطلاحي على حد المعنى اللغوي، وقد كان بعض الناس يتكلمون في لغتهم الدارجة بكلمة (آمن) بمعنى: صدق، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] يعني: ما أنت بمصدق لنا، لكن هذه الكلمة استخدمت في المعنى الشرعي بمعنى أشمل من المعنى اللغوي، فهل الأمر كذلك في تعريف العبادة أم أن الشرع استعمل العبادة بمعناها اللغوي بدون أن يضيف إليها معنى آخر جديداً؟
стр. 229
معاني العبادة التي أضافها الشرع على المعاني اللغوية
نقول: لقد أضاف الشرع معنى آخر جديداً إلى المعاني الخمسة التي سبق أن ذكرناها، فالحب معنى جديد يدخل في مفهوم العبادة الشرعية، فلا تكون العبادة عبادة شرعية إلا إذا كان فيها حب، فإذا اجتمعت تلك الأركان الخمسة مع الحب تكونت العبادة، وإذا لم تجتمع معه لم تتكون العبادة.
بيان ذلك أنه يمكن أن يخضع الإنسان في بعض الأحيان ويذل ويطيع وهو كاره غير محب، فهذه الأفعال لا تسمى عبادة، مثل حالات الإكراه التي تمر بالناس، بحيث إنهم يُضطهدون من الطواغيت مثلاً، ففرعون اضطهد بني إسرائيل، فلم يستطع أحد منهم أن يرفع رأسه، فالظاهر هو أنهم خاضعون، وأنهم مذلون طائعون له، لكن لا يعني هذا أنهم عبدوه من دون الله، والسبب في هذا أن هذا الخضوع وهذا الذل كان بالقهر والجبر والقوة، وليس خضوعاً تعبدياً، فإن الخضوع التعبدي هو الذي يكون فيه خضوع وفي نفس الوقت يكون ناشئاً عن محبة وعن تأله لهذا المعبود، كما أن المحبة وحدها بدون خضوع ليست عبادة، فالإنسان يحب أبناءه، ويحب أمه وأباه، ويحب زوجته، ويحب إخوانه في الله، ولم يقل أحد من الناس: إن الرجل إذا أحب هؤلاء فقد عبدهم من دون الله، فهو كافر.
ومن هنا كان تحرير المصطلحات الشرعية مهماً جداً، وإذا لم يحدد الإنسان المعاني الشرعية يقع في الزلة.
ومثال ذلك: الذين وقفوا عند المعاني اللغوية في تعريف العبادة، فقالوا: إنها هي الذل والخضوع فقط، فقد رتبوا على هذا أن من ذل وخضع فهو عابد، ورتبوا على هذا أن الذين يذلهم الطواغيت بالقوة والقهر والجبر والحديد والنار كفار، فإذا قيل لهم: لماذا كفروا؟ قالوا: لأنهم خضعوا للطواغيت، فإذا قيل: ما معنى أنهم خضعوا للطواغيت؟ قالوا: عبدوهم من دون الله، فإن العبادة هي الخضوع.
فنقول: لكن هذا الخضوع ليس عن محبة، وإنما هو عن خوف، فقد جبروهم على هذا الخضوع، والعبادة ليست مجرد الخضوع، وإنما هي خضوع مع محبة.
وأكثر ما يبرز معنى العبادة في طاعة طواغيت التصوف، فطواغيت التصوف الآن لا يتسلطون على الناس بالحديد والنار، ولا يتسلطون على الناس بالإرهاب المادي، وإنما يتسلطون على الناس بالإرهاب النفسي، فأنت إذا أغضبت الولي محق رزقك، وذهبت البركة من مالك، وأصبحت ضائعاً في هذا الوجود ليس لك أحد تأوي إليه، وحينئذ يضطر الإنسان الذي ليس عنده عقيدة سليمة إلى أن يخضع لهؤلاء حتى لا يضيع رزقه، وحتى لا يكون من الهلكى، ويكون هذا الخضوع ليس خضوعاً؛ لأنه يخاف على رزقه فقط، بل خضوعاً مشوباً وخصلة التعظيم والإجلال، وفيه العناية بالتعبد، ومنها هنا جاءت المحبة، فهو يحبه لأنه ولي لله كما يتصور، ويخضع له؛ لأنه يخاف على رزقه، فاختلط الخضوع والمحبة، فعبده من دون الله، والعياذ بالله.
فعبودية المريدين لأصحاب الطرق الصوفية أوضح في الشرك -والعياذ بالله- من عبودية المضطهدين الذين لم يخضعوا عن محبة وإنما خضعوا عن خوف، ولهذا ينبغي على الإنسان إذا درس أي مفهوم من المفاهيم الشرعية أن يحرره تحريراً شرعياً، كمفهوم التوحيد مثلاً، أو مفهوم الإيمان، أو مفهوم الشرك، أو مفهوم الكفر، أو غيرها من المفاهيم، ومنها مفهوم العبادة، فيجب أن يحرره تحريراً شرعياً، بحيث يكون المعنى واضحاً في ذهنه، ولا يرد عليه إيرادات تفسد هذا المعنى.
ومن ثم نأخذ من هذا أن حقيقة العبادة التي إذا صرفت لغير الله كانت شركاً: هي الخضوع والذل والطاعة للمألوه والمحبوب، والمألوه والمحبوب هو الذي أحب لمعنى غيبي، فالمشركون الذين كانوا في مكة كانوا يحبون أصنامهم، وقد يقول قائل: ومن يحب الحجر؟ نقول: لا بد من أن نفهم كيف كان المشركون يعبدون أصنامهم، فالمشركون ما كانوا يعبدون الأصنام لأنها حجارة، فهم أناس لهم عقول، ويعرفون أن الحجارة هذه لا تضر ولا تنفع، ولا يستفاد منها، وإنما كانوا -في الحقيقة- يعبدون الأولياء والصالحين والأنبياء والملائكة، فهم في الحقيقة يعبدون هؤلاء، كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧].
فقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: أولئك المدعوون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فيحبون ويخافون ويرجون، فهم يعبدون الله، وهؤلاء هم الأنبياء والصالحون والملائكة.
ولهذا تجد أن النصارى يعبدون عيسى ﵇ وهو نبي صالح، واليهود يعبدون عزيراً وهو صالح كذلك، والمشركون يعبدون اللات، وسبب ذلك أن رجلاً كان يلت السويق على صخرة بين مكة والطائف، ويعطيه الحجاج، ثم مات، فلما مات عكفوا على قبره وعبدوه من دون الله.
فهم ما كانوا يعبدون الأصنام؛ لأنها حجارة.
وهنا قد يقول قائل: لماذا جاءوا بالأصنام؟ أقول: إن الأصنام جاءوا بها من أجل أن تذكرهم فقط، فيضعون صنماً على شكل إنسان أو على شكل ولي أو على شكل قائد كبير مثلاً، فتذكرهم بالملائكة، وتذكرهم بالأنبياء والصالحين
стр. 230
أركان العبادة
سبق أن أشرنا إلى أن هذا الدرس سنتحدث فيه عن أركان العبادة، وبيّنا أن أركان العبادة هي: الخضوع والذل والمحبة، وكذلك الخوف والرجاء في المعنى الشرعي، كما دلت عليه آية الإسراء، وهي قول الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧]، فهذا ركن من أركان العبادة، وهو ركن المحبة، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، فهذه الثلاثة هي حقيقة العبادة، فإن المحبة مثل الرأس للطائر، والخوف مثل الجناح والرجاء مثل الجناح الثاني، ولهذا ثبت في حلية الأولياء لـ أبي نعيم الأصبهاني عن مكحول -وهو أحد السلف المشهورين- أنه قال: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو خارجي -أو قال: حروري- ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو سني متبع.
ولهذا فإن تغليب جانب على جانب في قضايا العبادة يجعل الإنسان يضل وينحرف.
стр. 231
علاقة العبادة بالتوحيد
التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار، وإلى قسمين باعتبار آخر: فهو ينقسم إلى توحيد الربوبية والإلهية والأسماء والصفات باعتبار جانب الله ، فإذا أردت أن تقسم التوحيد بالنظر إلى الله فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: توحيد الربوبية وهو إفراد الله بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير عموماً.
القسم الثاني: توحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، هذا هو التقسيم الأول.
وأما التقسيم الثاني: فهو باعتبار جانب العبد، فإن التوحيد ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد القصد والطلب.
فتوحيد المعرفة والإثبات يشتمل في التقسيم الثلاثي: على توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن هذين التوحيدين إنما يتعلقان بالمعرفة في الإنسان.
وأما النوع الثاني من أنواع التوحيد بالنسبة للتقسيم الثنائي فهو توحيد القصد والطلب، وهذا التقسيم الثاني يقابل توحيد الإلهية في التقسيم الثلاثي، وبناءً على ذلك فإن توحيد الإلهية يعتبر شطراً أساسياً من التوحيد، وإنما قيل له: توحيد الألوهية بالنظر إلى جانب الله، ونفسه يعبر عنه بتوحيد العبادة بالنظر إلى جانب العبد، فبالنظر إلى جانب العبد يسمى توحيد العبادة، وبالنظر إلى جانب الله تعالى يسمى توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.
ومن هنا نلحظ العلاقة بين العبادة وبين التوحيد، فالعبادة هي أساس التوحيد، وأساس التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، ولا يتصور أن يفرد الإنسان الله بالعبادة إلا إذا جاء بتوحيد الربوبية، وهو إفراد الله بالخلق والرزق والملك، وكذلك إثبات الأسماء والصفات، فإذا حصل القدح في إفراد الله بالربوبية، أو في إفراده بالأسماء والصفات فإن هذا يكون في نفس الوقت قدحاً في توحيد العبادة.
ومن هنا نلحظ أهمية العبادة، فإن العبادة لها أهمية كبرى في حياة الإنسان؛ لأنها هي حقيقة التوحيد الذي أراده الله منا.
стр. 232
علاقة العبادة بالإيمان
ما هي العلاقة بين العبادة والإيمان؟ الإيمان يعرفه أهل السنة بأنه قول وعمل، والمراد بالقول قول القلب وقول اللسان، وقول القلب هو تصديقه، وقول اللسان هو النطق بالشهادتين، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، ونحو ذلك.
وأما العمل فيشمل عمل القلب وعمل الجوارح، فما هو عمل القلب؟ إن عمل القلب هو الخشية، والخوف، والإنابة، والرجاء، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من أنواع العبادات القلبية.
وأما عمل الجوارح فهي الأعمال التي يباشرها الإنسان بجوارحه، مثل الجهاد في سبيل الله، والحج، والدعوة، والصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك، فهذه أعمال بالجوارح.
فهذا هو تعريف الإيمان عند السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإذا قارنا بين العبادة وبين الإيمان نجد أن العبادة هي الإيمان تماماً، فالعبادة هي حقيقة الإيمان، فإن العبادة -كما سبق- معناها الذل والخضوع والمحبة لله تعالى، والذل والخضوع والمحبة لله تعالى هي أعمال القلب في تعريف الإيمان.
كما قال النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فإذا قارنت بين العبادة والإيمان تجد أن العبادة هي نفسها عمل القلب في الإيمان، فعمل القلب: الخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والمحبة، ونحو ذلك، فهذه هي عبادات، وهي في نفس الوقت إيمان.
وكذلك أعمال الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، وكذلك قول اللسان كصدق الحديث، فهذه كلها عبادات، وهي في نفس الوقت إيمان، وهذا الإيمان إما متعلق باللسان، وإما متعلق بالجوارح، وإما متعلق بالقلب.
ومن هنا نلحظ العلاقة القوية بين العبادة من جهة، وبين الإيمان من جهة أخرى، فإذا تصورنا إنساناً لا يعبد الله ، فهل يكون مؤمناً؟ إنه لا يكون مؤمناً أبداً؛ لأن العبادة والإيمان بمعنى واحد.
стр. 233
علاقة العبادة بالإسلام
إن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك، هذا هو تعريف الإسلام شرعاً، وهو في اللغة: الاستسلام والإذعان، وإذا جئنا إلى العبادة نجد أنها الخضوع والذل، والخضوع والذل والمحبة استسلام وإذعان، فالعبادة هي الإسلام نفسها.
стр. 234
علاقة العبادة بالدين
وما هي العلاقة بين العبادة والدين؟ لقد بحث شيخ الإسلام هذا الموضوع فقال: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم ذكر حديث جبريل، وقال: فجعل هذا كله من الدين، ويقول: والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان أي أذللته فذل، ويقال: يدين الله، ويدين لله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له.
فنلحظ هنا أن العبادة هي التوحيد، وأن العبادة هي الإيمان، وأن العبادة هي الإسلام، وأن العبادة هي الدين، ويدلنا هذا على أهمية فهم العبادة، وعلى أهمية الاهتمام بها وتصورها، والنظر إلى حياة النفس وحياة المجتمع هل هي موافقة لعبادة الله أم ليست موافقة.
ومن ثم تعرف هل هي موافقة للإيمان، وهل هي موافقة للتوحيد، وهل هي موافقة للإسلام، وهل هي موافقة للدين، أم ليس الأمر كذلك؟
стр. 235
المنحرفون في تعريف العبادة
وبعد أن ذكرنا تلك العلاقات ننتقل إلى موضوع آخر سبق أن وعدنا بالحديث عنه، وبه نختم، وهو موضوع طويل ومهم جداً، وهو موضوع المنحرفين في تعريف العبادة، فالمنحرفون في تعريف العبادة كثيرون، وأشهرهم ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: العلمانية.
والطائفة الثانية: أهل الكلام.
والطائفة الثالثة: الصوفية.
стр. 236
العلمانية وانحرافها في مفهوم العبادة
أما العلمانية فإن أول درس قد أشرنا فيه إلى أنها أخطر اتجاه وتيار يهدد مسيرة هذه الأمة.
فهم لا يرفضون الدين جملة، ولا يطعنون فيه مباشرة، وإنما يحصرون الدين في جزء يسير من الحياة، ويتركون بقية الحياة لأهوائهم وأفكارهم وآرائهم وفلسفاتهم، وهم في كثير من الأحيان يستعيرون آراءً وأفكاراً ومذاهب وفلسفات من جهات أخرى.
فهؤلاء العلمانيون خطر على مسيرة الأمة؛ لأن العلمانية حصرت الدين الذي أنزله الله من السماء ليكون حاكماً للناس في واقع الأرض، حصرته في مكان ضيق ومحدد، وهي لا ترفضه، بل إنها قد تعتز به، وقد تثني عليه، وقد تفرح به وبرجالاته، لكنها لا تفهم الفهم السليم الصحيح الذي أراد الله أن يكون واقعاً في الأرض.
ومن هنا كان لا بد من أن نعرف تعريف العلمانية للعبادة، وأن نبين الخطأ والآثار المترتبة على هذا التعريف.
يعرف العلمانيون العبادة بأنها: الشعائر التعبدية التي تكون في حدود المسجد.
وهم إذا تكلموا عن العبادة وفرحوا بها فإنما يقصدون الشعائر التعبدية فقط، مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك، ولهذا لا يرون ضيراً على كل إنسان علماني أن يتبنى مذهباً فكرياً غربياً وفي نفس الوقت يكون مسلماً، ويكون عابداً لله؛ لأن العبادة التي تصوروها، والتي يريدون أن يفوا بها هي هذه العبادة التي هي الشعائر التعبدية في حدود المسجد فقط.
стр. 237
الآثار الخطيرة المترتبة على المفهوم العلماني للعبادة
هذا التعريف له آثار خطيرة على مجتمع المسلمين، وهذه الآثار الخطيرة يمكن أن نوضحها بأمثلة، فمن أمثلة ذلك أن يعبد غير الله في ميادين متعددة، مثل ميدان المرأة، فالعلمانيون يرون أنه يجوز للمرأة أن تعيش كما تريد، وأنه لا قوامة للرجل عليها، وأنه لا علاقة للرجل بها؛ لأنه لا علاقة للعبادة بالمرأة، فللمرأة أن تخلع حجابها وسترها، وأن تسافر بغير محرم، وليس للولي سلطان عليها بحيث يحجبها كما يقولون.
وبناء على هذا يقولون: إن المرأة -مثلاً- لو أنها خرجت سافرة متكشفة لتسافر إلى أي مكان، وتعمل ما تريد، وتترك ما تريد، وتعاشر غير زوجها من الرجال إذا كان ذلك بحريتها، وليس فيه قدح في شخصيتها؛ فإن هذا أمر مباح لها، وهو من حقوقها الشخصية.
فالمرأة يمكن أن تعبد غير الله ، بحيث تتخذ منهجاً في حياتها مخالفاً لمنهج الله ، وتصلي وتصوم ثم تقول: إنها عابدة.
وهذا لا شك في أنه انحراف خطير.
ومن أمثلة ذلك أنهم يقولون: يمكن لإنسان عابد ومسلم أن ينضم إلى حزب شيوعي يرى أن الشيوعية خير في التحاكم إليها من أي شريعة أخرى في الدنيا، أو ينتمي إلى فكر تحرري يرى أن الإنسان حر حرية مطلقة بغير قيود، وهي التي يسمونها الليبرالية، لكن في نفس الوقت لا بد من أن يحافظ على الشعائر التعبدية حتى يكون مسلماً، وإلا فإنه لا يكون مسلماً، وحينئذ جعلوا الإنسان عابداً لغير الله في أغلب حياته.
ويترتب على تعريف العلمانية للعبادة إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في شئون الآخرين، وإلغاء الجهاد في سبيل الله؛ لأن فيه تعدياً على حريات الآخرين، وفيه إيذاء للآخرين.
وهكذا بقية شئون الحياة تبنى على غير منهج الله، فتكون جماعة العلمانيين حينئذ عابدة لغير الله في بقية شئونها، وفي نفس الوقت ترى أنها عابدة لله بمجرد أداء الشعائر التعبدية، وهذا هو تعريف الإسلام عندهم، فإذا قيل لهم: ما هو الإسلام العظيم الذي جاء به محمد ﷺ ؟ قالوا: هو هذا المسجد الذي يصلى فيه، ويجتمع فيه المسلمون، وفيه تكون اللقيا بين المسلمين يوم الجمعة ونحو ذلك، أما بقية أمور الحياة فلا شأن للإسلام فيها، بل إنهم يقولون: إن الإسلام نظيف، فلا يصلح أن ندخله في جميع شئون الحياة؛ فإن ذلك يجعل الإسلام يتقذر؛ لأن شئون الحياة فيها قذارة، وفيها مصالح، والإسلام مثالي، فلا يصلح أن يكون بهذه الطريقة وبهذا المستوى.
ولهذا يريدون من الإسلام أن يكون مجرد شعائر تعبدية فقط، وهذا مخالف -كما قلت- لأساسيات عظيمة في القرآن والسنة، ومن ذلك قول الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فالذي يتبع أي مذهب من المذاهب الفكرية فهو ضال منحرف، خارج عن دائرة الإسلام.
والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وهذا المنهج العلماني فيه ادعاء أن هذا الدين ليس كاملاً؛ لأنه لم يأت بأحكام للمرأة، ولم يأت بأحكام للمال، وهذا هو مقتضى التعريف.
ومثل ذلك آيات كثيرة، كقوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهذه الآية تدل على أن حياة الإنسان كلها خاضعة لمنهج الله ، ويجب أن تكون وفق منهج الله ، وإذا تصور الإنسان أنه يمكن لجوانب من حياته أن تخرج عن منهج الله فهو مخالف لنص الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢]، أي: كل أحوالي ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، ومخالف -أيضاً- لسيرة النبي ﷺ العملية، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، فإن النبي ﷺ قد صبغ الحياة كلها بالإسلام، وليس هناك ميدان أبداً من الميادين لم يصبغه هذا الدين بالإسلام، وليس هناك ميدان من الميادين أبداً لم يكن فيه شرع لله .
стр. 238
أهل الكلام وانحرافهم في تعريف العبادة
الاتجاه الثاني: هم أهل الكلام، والكلام -كما يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هو طريقة مخترعة على غير طريقة المسلمين في عرض العقائد ومناقشتها، فيدخل في ذلك كل طوائف الكلام، مثل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وغيرها من الطوائف التي انتسبت إلى علم الكلام ودافعت عنه.
وعلم الكلام علم مناظرة وحجاج وجدل، وقد ترتب على هذه المناظرات والحجاج والجدل كثير من العقائد التي صنفها أهل الكلام في كتبهم، وهؤلاء انحرفوا في تعريف العبادة، حيث حصروا العبادة في التصديق القلبي والنطق باللسان فقط، والسبب في حصر العبادة في تصديق القلب والنطق باللسان فقط أمران: الأمر الأول: الإرجاء.
والأمر الثاني: تفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع.
فإن عامة أهل الكلام مرجئة، أي: أنهم أخروا العمل عن مسمى الإيمان، فلم يجعلوا العمل داخلاً في مسمى الإيمان، وإنما أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان وحصروا الإيمان المنجي عند الله في التصديق القلبي فقط، ثم اختلفوا: هل النطق بالشهادة شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على الإنسان مع احتمال أن يكون ناجياً يوم القيامة، أم أن النطق بالشهادتين شرط في أساس الإيمان من التصديق؟ وذلك على قولين في هذه المسألة، وجمهورهم على أن النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، والتفريق بين المسلم وغيره إنما يكون بالنطق، وأما عند الله فإنه قد ينجو عندهم من جاء بالتصديق القلبي فقط حتى ولو لم ينطق بالشهادتين، وقد نصوا على ذلك في كتبهم، فالذي يراجع مثلاً كتاب المواقف للإيجي يجد هذا الكلام، وكذلك كتاب أصول الدين للبغدادي، وكذلك عامة كتب أهل الكلام، مثل تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد، وتبسيط العقائد الإسلامية، وغيرها من الكتب التي نصوا فيها على أن الإيمان يحصل بمجرد التصديق القلبي فقط.
وإذا كان الإيمان هو مجرد التصديق القلبي فقط، فمعنى هذا أن عمل القلب لا يدخل في الإيمان، وقد نصوا على هذا، ونص الباقلاني في باب الإنصاف على أن عمل القلب وعمل الجوارح لا يدخل في مسمى الإيمان، وإذا كان عمل القلب والجوارح لا يدخل في مسمى الإيمان فمعنى هذا أن من ترك جميع أعمال القلب، وجميع أعمال اللسان، وجميع أعمال الجوارح، فإنه لا يكون كافراً ما دام أنه مسلم، فتصور وجود إنسان لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يخاف الله، ولا يحبه، ولا يخشاه، ولا يتوكل عليه، ولا يرجوه، ولا يعمل من الأعمال شيئاً ومع هذا يكون مسلماً؛ لأنه مصدق بالقلب، وأخرجوا العبادة كلها من مفهوم الإيمان، فلما أخرجوا العبادة كلها من مفهوم الإيمان ترتب على هذا أنهم جاءوا إلى تفسير (لا إله إلا الله) فقالوا: (لا) معناها النفي، وهذا واضح، و (إلا) معناها الحصر، وهذا واضح، و (الله) هو اسم الجلالة المعروف، وهذا واضح، وبقيت كلمة (إله) فقالوا: الإله معناه: القادر على الخلق، والقادر على الرزق، والقادر على الإبداع، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم: لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله.
فيقولون: إن الإنسان إذا اعتقد أنه لا خالق إلا الله فهو مؤمن، وقالوا: لا يمكن أن يعبد المؤمن غير الله.
стр. 239
الآثار المترتبة على انحراف أهل الكلام في تعريف العبادة
ويترتب على هذا اختلاف وتناقض قوي جداً بين أهل السنة عموماً وبين أهل الكلام في زمانهم، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: إن الطواف حول القبور شرك، حتى وإن كان الإنسان يعرف أن الله هو الخالق الرازق، والذبح لغير الله -كالذبح للقبور- شرك، حتى وإن كان الإنسان يعرف أن الله هو الخالق الرزاق، وكذلك الخضوع بين يدي غير الله تعالى، فهذا كله من الشرك، وكذلك الاستغاثة بغير الله، ودعاء غير الله ، فذلك عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعند أهل السنة والجماعة من الشرك، حتى ولو كان فاعله يعرف أن الله هو الخالق.
أما أهل الكلام فيقولون: إذا كان يعتقد أن الله هو الخالق الرزاق فليس بمشرك، حتى لو طاف حول القبر، وذبح لغير الله، واستغاث بغير الله، فما دام يعتقد أن الله هو الخالق الرازق، فهذا يكفي.
وقد كان المشركون يعتقدون أن الله هو الخالق الرزاق، كما قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] والله يقول: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، قال المفسرون: يعني: تعلمون أن الله هو الخالق الرازق.
ولهذا فإن المشركين جميعاً يعرفون الله ويعظمونه، ويعظمون البيت الحرام، ويعظمون المشاعر، ويعظمون الأنبياء، ويعظمون الملائكة، ويعرفون أن الله هو الخالق الرازق، لكن يجعلون مع الله آلهة أخرى في أفعال الخلق، وفي أفعال الجوارح.
стр. 240
شرح العبودية [٤]
العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى، وهي الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وقد وصف الله تعالى بها كرام خلقه من الأنبياء والملائكة والصالحين، وهي أول واجب على المكلف؛ لأنها الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، وقد ضل وانحرف في العبادة ومفهومها طوائف من أهل البدع، كالصوفية وأهل الكلام والعلمانيين ونحوهم، فجانبوا الصواب واتبعوا سبل الغواية والانحراف.
стр. 241
تعريف بكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.
سنبدأ هذا الدرس بالتعريف بكتاب من كتب السلف الكرام، وهو كتاب (الإيمان) لـ أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى.
وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ من العلماء المتقدمين، وهو من علماء القرن الثاني، ولد في منتصف القرن الثاني، وأخذ العلم عن مشايخ الإمام أحمد ﵀، مثل سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم.
وأخذ عنه العلم أئمة كبار مشهورون، مثل الإمام الدارمي ﵀، وابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهم، وهو عالم في فنون متعددة: عالم في الفقه وفي العقيدة وفي القراءات وفي اللغة، وله في الفقه كتاب مشهور اسمه (الأموال) وله كذلك في اللغة (غريب الحديث)، وله في العقيدة هذا الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه.
стр. 242
موضوع كتاب الإيمان لأبي عبيد
وهذا الكتاب من أوائل المصنفات التي صنفت في هذا الموضوع الخطير من موضوعات العقيدة، وموضوع الإيمان من أخطر موضوعات العقيدة على الإطلاق، فموضوع الإيمان هو أول موضوع اختلفت فيه الأمة، فإن أول فرقة خرجت عن جماعة المسلمين وشقت صفوفهم هي فرقة الخوارج، وهؤلاء كفروا أعيان المسلمين بسبب الكبائر، فكانت أول فرقة خرجت ومرقت عن السنة في موضوع الإيمان.
وقد ناقش أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه هذا أهم مسائل الإيمان، خاصة مسألة تعريف الإيمان وحقيقته، ونقد في هذا الكتاب الطائفتين اللتين وصفتا بالإرجاء، وهما فرقة الجهمية الذين قالوا بأن الإيمان هو مجرد التصديق، أو الذين قالوا بأن الإيمان هو مجرد المعرفة فقط، وأخرجوا عمل القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح عن مسمى الإيمان، وكذلك فرقة مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إن الإيمان هو تصديق القلب وإقرار اللسان بدون عمل الجوارح، وأما أعمال الجوارح فإنهم قالوا: لا تدخل إنما هي بر وإحسان وعمل صالح، لكنها لا تدخل في حقيقة الإيمان نفسه، بحيث لو ترك الإنسان جنس أعمال الجوارح فإنه لا يكفر، وأما عند الجهمية فإنه لو ترك جنس العمل عموماً -مثل عمل القلب وعمل الجوارح مطلقاً، بل وإقرار اللسان- فإنه لا يكفر، والعياذ بالله.
كما أنه ناقش بعض الشبهات التي أثارها المرجئة، ونقل الحجج من القرآن والسنة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وناقش موضوع زيادة الإيمان ونقصانه، وناقش كذلك موضوع الاستثناء في الإيمان، ونحوها من الموضوعات المهمة ذات الارتباط بموضوع الإيمان.
стр. 243
بيان أهمية الكتاب
وأهمية هذا الكتاب تبرز من عدة جهات: أولاً: أنه من أول الكتب التي صنفت في هذا الموضوع، وكتاب مثله الإيمان لـ ابن أبي شيبة، فإنه لم يصنف في موضوع الإيمان -فيما أعلم- قبل هذين الكتابين كتاب مستقل في موضوع الإيمان، وإنما كان يكتب في ذلك في العقائد العامة، هذا أولاً.
ثانياً: أنه متقدم، فقد ولد مؤلفه -كما قلت- في منتصف القرن الثاني، وهو من أقران الإمام أحمد ﵀، وهو عالم متميز، يتميز -كما قلت- بفهمه للغة، لا سيما أن أهل الإرجاء يعتمدون على اللغة كثيراً، فإن أكبر قضية اعتمد عليها الباقلاني في كتابه (الإنصاف) في تقرير أن الإيمان هو مجرد التصديق هي اللغة، فإنه يقول: إن الإيمان في لغة العرب هو مجرد التصديق.
واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، وأن الإنسان إذا سئل: هل أنت تؤمن باليوم الآخر؟ فإنه يقول: نعم.
وإنما يفهم من قولك: (تؤمن باليوم الآخر) معنى: (تصدق) فقط.
وهذا الإمام بين أن الإيمان مع كونه في اللغة يدل على التصديق، بين كذلك أنه في الاصطلاح الشرعي زيد على مفهوم التصديق العمل.
والقرآن نزل بلسان العرب، وفي بعض الاصطلاحات الشرعية زيد على المعنى اللغوي معنى إضافي شرعي، وهذا المعنى الإضافي الشرعي يعرف من خلال النصوص الشرعية ومن خلال كلام النبي ﷺ .
стр. 244
أهمية كتاب الإيمان في العصر الحاضر
والإمام أبو عبيد إمام مسند، ولهذا تنبغي العناية بهذا الكتاب وقراءته وتلخيصه، وهو كتاب صغير حققه الشيخ الألباني قديماً، وهو من أهم الكتب في موضوع الإيمان، لا سيما أن موضوع الإيمان موضوع مهم جداً في هذه الآونة الأخيرة التي بدأت تخرج فيها مقالات المرجئة مع الأسف في بعض الأحيان باسم السنة، فإن بعض المنتسبين إلى السنة يقرر الإرجاء عقيدة، ثم ينسبها إلى السنة، ولا شك في أن هذا من الضلال والعياذ بالله، ويكون الأمر خطيراً عندما يقرر المذهب الباطل بهذه الطريقة، بحيث يقرره رجل ينتسب إلى السنة ثم ينسبه إلى السنة كذلك.
وهناك كتاب ألف في موضوع الإرجاء، وهو كتاب (إحكام التقرير في أحكام التكفير) ألفه مراد شكري، ونقل فيه أقوال المرجئة، أمثال: الرازي والغزالي والإيجي والدردير وغيرهم، ونقلها وهو يقرر أنها هي عقيدة أهل السنة، ولهذا صدر فيه بيان من اللجنة الدائمة، بينت فيه أن هذا الكتاب هو على عقيدة غلاة المرجئة الذين حصروا الإيمان في مجرد المعرفة فقط؛ ولهذا كان لا بد من أن يكون للإنسان زاد يتقي به هذه الاتجاهات الخطيرة التي تؤثر على عقيدة الإنسان، مثل الإرجاء ومثل عقيدة الخوارج ونحوهما من العقائد المضلة، لا سيما عقيدة المستغربين الذين يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير، وسيأتي شيء من الكلام على هذه الفرقة فيما بعد إن شاء الله.
стр. 245
الانحراف في تعريف العبادة ومفهومها
стр. 246
انحراف أهل الكلام
كنا قد وقفنا في تعريف العبادة في الدرس السابق عند تعريف أهل الكلام، وقلنا: إن أهل الكلام حصروا العبادة في مجرد الإقرار وتصديق القلب فقط، وهذا التعريف لمفهوم الإيمان سببه أمران: الأمر الأول: الإرجاء.
والأمر الثاني: تفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع.
وسبق أن أشرت إلى أن أهل الكلام طوائف متعددة، ومن هذه الطوائف التي بقيت إلى الآن فرقة الأشاعرة وفرقة الماتريدية، ولهما وجود في حياة المسلمين، وهما من الفرق التي تقرر أن الإيمان هو مجرد التصديق، كما أشرت إليه في التعريف بكتاب الإيمان، وترتب على هذا أن العبادة عندهم هي مجرد التصديق القلبي فقط، والتصديق القلبي هو مجرد التصديق بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم يفسرون (الإله) في شهادة التوحيد بمعنى: القادر على الخلق والقادر على الاختراع والإنشاء والإبداع، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم: لا خالق إلا الله، ولا شك في أن هذا ليس هو المقصود من (لا إله إلا الله) فإن المشركين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ قال تعالى عنهم: ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، مع أنهم في ذات الوقت كانوا يثبتون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا يدل على أنهم لم يفهموا من (لا إله إلا الله) أنها تقتضي مجرد إثبات الخلق والرزق لله وحده فقط، وإنما فهموا أن المقصود أنه لا بد من أن يدين الإنسان لله ويخضع له بكل شيء، فيخضع له بقلبه، ويخضع له بجوارحه ويخضع له بلسانه، وهذه هي حقيقة الإيمان عند السلف، وهي أنه مركب من ثلاثة أشياء: من عمل القلب وتصديقه، ومن عمل الجوارح، ومن قول اللسان كذلك.
стр. 247
الآثار المترتبة على الانحراف الكلامي في مفهوم العبادة
وقد ترتب على هذا الانحراف عند أهل الكلام أن تكون العبادة هي الأفعال والأقوال التي تصرف لمن يعتقد فيه أنه خالق ورازق، فالعبادة عندهم هي الأقوال والأعمال التي تصرف لمن يعتقد فيه الربوبية، فإذا رأى أحدهم رجلاً يطوف حول قبر أو يذبح له أو ينذر له أو يستغيث بغير الله، قال: هذا في حد ذاته ليس كفراً؛ إلا إذا كان يعتقد أن هذا الذي صرفت له العبادة خالق ورازق، وحينئذ افترق الناس إلى فرقتين في مفهوم العبادة وفي مفهوم الشرك أيضاًَ، فصار أهل الكلام يعرفون العبادة بتعريف غير تعريف أهل السنة، وصاروا يعرِّفون الشرك بتعريف غير تعريف أهل السنة، فهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تصرف لمن يعتقد فيه الخلق والرزق والإحياء والإماتة والربوبية.
أما أهل السنة فإنهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تجمع بين الخضوع والذل وبين المحبة، حتى لو صرفت لمن يعتقد أنه حجر، أو أنه ولي، أو أنه نبي، أو ملك من الملائكة، فما دام أنها أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة اجتمع فيها الذل والخضوع واجتمع معها المحبة كذلك فهي عبادة مصروفة، فإما أن تكون لله فتكون حينئذ توحيداً، وإما أن تكون لغير الله فتكون حينئذ شركاً.
وترتب على هذا الخلاف بين السلف رضوان الله عليهم وبين أهل الكلام في مفهوم العبادة ترتب عليه خلاف كبير في الواقع، فأهل السنة يقولون: إن الذين يقفون حول القبور وينذرون لها ويذبحون لها كفار، وأهل الكلام يقولون: هم لم يعبدوا غير الله.
ولهذا فإن كتاب: (مفاهيم يجب أن تصحح) لـ محمد علوي المالكي قال فيه صاحبه بالنص: ولا يكفر المستغيث بغير الله ما لم يعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى.
فعنده لو أن إنساناً استغاث بولي وهو يعتقد أنه غير خالق بل هو مخلوق، فليس فعله من الشرك، وأنه إذا ذبح لولي أو نذر له فإن هذا ليس من الشرك، إلا إذا اعتقد أن هذا الولي هو الخالق الرازق، وهذا لا شك في أنه لا يقول به أحد في الدنيا، فإنه لا يوجد طائفة تقول: إن هذا الكون أوجده إلهان وصانعان متفقان في الصفات وفي الأفعال، وإنما أكثر الملل وأكثر الأمم على أن الله هو الخالق الرازق، فمن أين دخل عليهم الشرك حتى اقتضى هذا أن يرسل الله إليهم الرسل؟ لقد دخل عليهم الشرك عندما صرفوا العبادات لغير الله، وعندما صرفوا الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة لغير الله ، وعندما صلوا لغير الله، حتى لو كان من صلوا له يعتقدون فيه أنه مخلوق، وعندما ذبحوا لغير الله ونذروا لغير الله واستغاثوا بغير الله، وعندما أحبوا غير الله حب الذل، وعندما خافوا من غير الله خوف العبادة، وعندما توكلوا على غير الله واعتمدوا عليه حصل فيهم الشرك، وعندما تحاكموا إلى غير الشرع، فبذلك حصل عندهم الشرك والكفر.
وهذا التعريف الباطل الذي يعرف به أهل الكلام العبادة يرده حديث النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، فسماه النبي ﷺ عبداً للدينار، مع أنه لا يوجد أحد في الدنيا يتصور أن الدينار خلقه، أو أن الدراهم خلقته، أو أن الخميصة أو الخميلة تخلق وترزق.
فالعبادة في مصطلح الشرع لا يلزم منها أن يكون هناك اعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق فيمن صرفت له، لكن لا شك في أن العبادة الشرعية المقبولة عند الله هي التي تصرف لله باعتقاد الربوبية له، ولا يتصور أن يوجد إنسان يصرف العبادات لله وهو لا يعتقد فيه أنه خالق ولا رازق ولا محيٍ ولا مميت.
стр. 248
انحراف الصوفية في تعريف العبادة
والطائفة الثالثة التي انحرفت في مفهوم العبادة هي: الصوفية.
فإن الصوفية فسروا العبادة بأنها شهود الخلق والرزق وشهود الإنعام، ومعنى الشهود -كما سيأتي معنا إن شاء الله- هو ملاحظة النعمة أو ملاحظة الخلق أو الاهتمام به فهذا الشهود عندهم هو العبادة، ولهذا يفسر القشيري في كتابه (الرسالة) العبودية بأنها شهود الحقيقة الكونية العامة، وهي مقتضى الخلق.
ولهذا اتفق الصوفية وأهل الكلام وصاروا على طريقة واحدة، ولهذا تجد أن المتأخرين من الصوفية، والمتأخرين من أهل البدع يجمعون بين ثلاثة أشياء: يجمعون بين الانحراف في الاعتقاد -فتجد أحدهم مثلاً أشعري العقيدة- والانحراف في السلوك، فتجد أنه -مثلاً- قادري السلوك أو نقشبندي، والانحراف في الفقه، فتجد أنه متعصب لإمام من الأئمة، فلو جاءه الحديث لرده بسبب قول هذا الإمام، وهذه لا شك في أنها ثلاث مصائب متعاونة، وقد تركبت في حياة المتأخرين خاصة.
стр. 249
منزلة العبودية
وننتقل الآن إلى القضية الثانية التي أشرت إليها سابقاً، وهي قضية منزلة العبودية التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀، فقد ذكر ﵀ في منزلة العبودية ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى.
الأمر الثاني: أن العبودية هي التي أرسل الله بها جميع الرسل.
الأمر الثالث: أن الله وصف كرام الخلق بالعبودية، مثل الملائكة والأنبياء.
وسنزيد على ذلك -إن شاء الله- حتى نوصله إلى عشرة أمور.
стр. 250
العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له
أما الأمر الأول فيقول عنه: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
هذه الآية اختلف فيها المفسرون، فبعضهم يفسر العبادة في هذه الآية بأنها العبادة العامة التي تقتضي الخضوع المطلق لجميع الكائنات، وهي الموافقة لمعنى الخلق ومعنى الملك، وحينئذ فسروا هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ما خلقتهم إلا ليطيعوني طاعة عامة.
وهكذا لا يحصل شيء في حياة الناس إلا بإرادة الله وتقديره ، فلا يمكن أن يحصل شيء من غير إرادة الله أبداً؛ لأنه فعال لما يريد.
لكن التفسير الصحيح لهذه الآية هو أن المقصود بقوله: ((إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) -كما قال ابن عباس وغيره من المفسرين-: إلا لآمرهم فيطيعوني، وأنهاهم فينتهون، وحينئذ يكون المعنى في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أي: إلا ليخضعوا الخضوع الاختياري الذي هو موافقة الأمر والنهي عن اختيار وعن رغبة، وهذه هي العبودية الشرعية التي جاء الأمر بها.
وأما العبودية التي فسرت بها هذه الآية أولاً فهي العبودية الجبرية التي سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ولا شك في أن كون العبادة هي الغاية المطلوبة والمرضية والمحبوبة لله ، يدل على أهمية هذه العبادة ومنزلتها.
следующие страницы →