← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

انحراف أهل الكلام كنا قد وقفنا في تعريف العبادة في الدرس السابق عند تعريف أهل الكلام، وقلنا: إن أهل الكلام حصروا العبادة في مجرد الإقرار وتصديق القلب فقط، وهذا التعريف لمفهوم الإيمان سببه أمران: الأمر الأول: الإرجاء. والأمر الثاني: تفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع. وسبق أن أشرت إلى أن أهل الكلام طوائف متعددة، ومن هذه الطوائف التي بقيت إلى الآن فرقة الأشاعرة وفرقة الماتريدية، ولهما وجود في حياة المسلمين، وهما من الفرق التي تقرر أن الإيمان هو مجرد التصديق، كما أشرت إليه في التعريف بكتاب الإيمان، وترتب على هذا أن العبادة عندهم هي مجرد التصديق القلبي فقط، والتصديق القلبي هو مجرد التصديق بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم يفسرون (الإله) في شهادة التوحيد بمعنى: القادر على الخلق والقادر على الاختراع والإنشاء والإبداع، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم: لا خالق إلا الله، ولا شك في أن هذا ليس هو المقصود من (لا إله إلا الله) فإن المشركين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ قال تعالى عنهم: ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، مع أنهم في ذات الوقت كانوا يثبتون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا يدل على أنهم لم يفهموا من (لا إله إلا الله) أنها تقتضي مجرد إثبات الخلق والرزق لله وحده فقط، وإنما فهموا أن المقصود أنه لا بد من أن يدين الإنسان لله ويخضع له بكل شيء، فيخضع له بقلبه، ويخضع له بجوارحه ويخضع له بلسانه، وهذه هي حقيقة الإيمان عند السلف، وهي أنه مركب من ثلاثة أشياء: من عمل القلب وتصديقه، ومن عمل الجوارح، ومن قول اللسان كذلك.

стр. 247

الآثار المترتبة على الانحراف الكلامي في مفهوم العبادة وقد ترتب على هذا الانحراف عند أهل الكلام أن تكون العبادة هي الأفعال والأقوال التي تصرف لمن يعتقد فيه أنه خالق ورازق، فالعبادة عندهم هي الأقوال والأعمال التي تصرف لمن يعتقد فيه الربوبية، فإذا رأى أحدهم رجلاً يطوف حول قبر أو يذبح له أو ينذر له أو يستغيث بغير الله، قال: هذا في حد ذاته ليس كفراً؛ إلا إذا كان يعتقد أن هذا الذي صرفت له العبادة خالق ورازق، وحينئذ افترق الناس إلى فرقتين في مفهوم العبادة وفي مفهوم الشرك أيضاًَ، فصار أهل الكلام يعرفون العبادة بتعريف غير تعريف أهل السنة، وصاروا يعرِّفون الشرك بتعريف غير تعريف أهل السنة، فهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تصرف لمن يعتقد فيه الخلق والرزق والإحياء والإماتة والربوبية. أما أهل السنة فإنهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تجمع بين الخضوع والذل وبين المحبة، حتى لو صرفت لمن يعتقد أنه حجر، أو أنه ولي، أو أنه نبي، أو ملك من الملائكة، فما دام أنها أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة اجتمع فيها الذل والخضوع واجتمع معها المحبة كذلك فهي عبادة مصروفة، فإما أن تكون لله فتكون حينئذ توحيداً، وإما أن تكون لغير الله فتكون حينئذ شركاً. وترتب على هذا الخلاف بين السلف رضوان الله عليهم وبين أهل الكلام في مفهوم العبادة ترتب عليه خلاف كبير في الواقع، فأهل السنة يقولون: إن الذين يقفون حول القبور وينذرون لها ويذبحون لها كفار، وأهل الكلام يقولون: هم لم يعبدوا غير الله. ولهذا فإن كتاب: (مفاهيم يجب أن تصحح) لـ محمد علوي المالكي قال فيه صاحبه بالنص: ولا يكفر المستغيث بغير الله ما لم يعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى. فعنده لو أن إنساناً استغاث بولي وهو يعتقد أنه غير خالق بل هو مخلوق، فليس فعله من الشرك، وأنه إذا ذبح لولي أو نذر له فإن هذا ليس من الشرك، إلا إذا اعتقد أن هذا الولي هو الخالق الرازق، وهذا لا شك في أنه لا يقول به أحد في الدنيا، فإنه لا يوجد طائفة تقول: إن هذا الكون أوجده إلهان وصانعان متفقان في الصفات وفي الأفعال، وإنما أكثر الملل وأكثر الأمم على أن الله هو الخالق الرازق، فمن أين دخل عليهم الشرك حتى اقتضى هذا أن يرسل الله إليهم الرسل؟ لقد دخل عليهم الشرك عندما صرفوا العبادات لغير الله، وعندما صرفوا الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة لغير الله ، وعندما صلوا لغير الله، حتى لو كان من صلوا له يعتقدون فيه أنه مخلوق، وعندما ذبحوا لغير الله ونذروا لغير الله واستغاثوا بغير الله، وعندما أحبوا غير الله حب الذل، وعندما خافوا من غير الله خوف العبادة، وعندما توكلوا على غير الله واعتمدوا عليه حصل فيهم الشرك، وعندما تحاكموا إلى غير الشرع، فبذلك حصل عندهم الشرك والكفر. وهذا التعريف الباطل الذي يعرف به أهل الكلام العبادة يرده حديث النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، فسماه النبي ﷺ عبداً للدينار، مع أنه لا يوجد أحد في الدنيا يتصور أن الدينار خلقه، أو أن الدراهم خلقته، أو أن الخميصة أو الخميلة تخلق وترزق. فالعبادة في مصطلح الشرع لا يلزم منها أن يكون هناك اعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق فيمن صرفت له، لكن لا شك في أن العبادة الشرعية المقبولة عند الله هي التي تصرف لله باعتقاد الربوبية له، ولا يتصور أن يوجد إنسان يصرف العبادات لله وهو لا يعتقد فيه أنه خالق ولا رازق ولا محيٍ ولا مميت.

стр. 248

انحراف الصوفية في تعريف العبادة والطائفة الثالثة التي انحرفت في مفهوم العبادة هي: الصوفية. فإن الصوفية فسروا العبادة بأنها شهود الخلق والرزق وشهود الإنعام، ومعنى الشهود -كما سيأتي معنا إن شاء الله- هو ملاحظة النعمة أو ملاحظة الخلق أو الاهتمام به فهذا الشهود عندهم هو العبادة، ولهذا يفسر القشيري في كتابه (الرسالة) العبودية بأنها شهود الحقيقة الكونية العامة، وهي مقتضى الخلق. ولهذا اتفق الصوفية وأهل الكلام وصاروا على طريقة واحدة، ولهذا تجد أن المتأخرين من الصوفية، والمتأخرين من أهل البدع يجمعون بين ثلاثة أشياء: يجمعون بين الانحراف في الاعتقاد -فتجد أحدهم مثلاً أشعري العقيدة- والانحراف في السلوك، فتجد أنه -مثلاً- قادري السلوك أو نقشبندي، والانحراف في الفقه، فتجد أنه متعصب لإمام من الأئمة، فلو جاءه الحديث لرده بسبب قول هذا الإمام، وهذه لا شك في أنها ثلاث مصائب متعاونة، وقد تركبت في حياة المتأخرين خاصة.

стр. 249

منزلة العبودية وننتقل الآن إلى القضية الثانية التي أشرت إليها سابقاً، وهي قضية منزلة العبودية التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀، فقد ذكر ﵀ في منزلة العبودية ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى. الأمر الثاني: أن العبودية هي التي أرسل الله بها جميع الرسل. الأمر الثالث: أن الله وصف كرام الخلق بالعبودية، مثل الملائكة والأنبياء. وسنزيد على ذلك -إن شاء الله- حتى نوصله إلى عشرة أمور.

стр. 250

العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له أما الأمر الأول فيقول عنه: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. هذه الآية اختلف فيها المفسرون، فبعضهم يفسر العبادة في هذه الآية بأنها العبادة العامة التي تقتضي الخضوع المطلق لجميع الكائنات، وهي الموافقة لمعنى الخلق ومعنى الملك، وحينئذ فسروا هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ما خلقتهم إلا ليطيعوني طاعة عامة. وهكذا لا يحصل شيء في حياة الناس إلا بإرادة الله وتقديره ، فلا يمكن أن يحصل شيء من غير إرادة الله أبداً؛ لأنه فعال لما يريد. لكن التفسير الصحيح لهذه الآية هو أن المقصود بقوله: ((إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) -كما قال ابن عباس وغيره من المفسرين-: إلا لآمرهم فيطيعوني، وأنهاهم فينتهون، وحينئذ يكون المعنى في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أي: إلا ليخضعوا الخضوع الاختياري الذي هو موافقة الأمر والنهي عن اختيار وعن رغبة، وهذه هي العبودية الشرعية التي جاء الأمر بها. وأما العبودية التي فسرت بها هذه الآية أولاً فهي العبودية الجبرية التي سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ولا شك في أن كون العبادة هي الغاية المطلوبة والمرضية والمحبوبة لله ، يدل على أهمية هذه العبادة ومنزلتها.

стр. 251

العبودية هي الغاية من إرسال الرسل وأما الأمر الثاني فهو أن العبودية أرسل الله تعالى بها جميع الرسل، والآيات الواردة في أن الله أرسل جميع الرسل بالعبادة تنقسم إلى قسمين: آيات عامة تشمل جميع الرسل، وآيات مفردة لكل رسول. فمن الأمثلة على الآيات العامة قول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. وأما الآيات المفردة لكل رسول فمنها قول نوح ﵇ لما أرسله الله إلى قومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لأقوامهم، ثم ذكر الآية العامة في هذا الموضوع، وهي قول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، كما في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]. وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت، كما قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، فمنهج الرسل جميعاً هو الدعوة إلى عبادة الله ، ومعنى الدعوة إلى عبادة الله: الدعوة إلى إفراد الله بإرادات القلب، مثل: المحبة، والخوف، والرجاء، والاعتماد، والتسليم، والخضوع، ونحو ذلك، وعبادات الجوارح، وعبادات اللسان، وهذا هو محط نظر الدين، ومحط نظر الإسلام، ومحط نظر الشرع، وهو السبب الذي جعل الرسل الكرام رضوان الله عليهم ينكرون على أقوامهم ما هم عليه من الشرك، فإن الأقوام -كما سبق أن أشرت- يقرون بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ونحو ذلك. فمنهج الرسل في الدعوة إلى الله هو أن يبتدئوا أولاً بالدعوة إلى العبادة، وهي أساس العقيدة.

стр. 252

بيان خطأ المعرضين عن الاشتغال بقضايا العقيدة بحجج واهية وهناك أشخاص يقولون: إن العقيدة يسيرة، ولهذا لا داعي لأن نشتغل بتقريرها والبحث فيها، وإنكم أعطيتم هذه القضية أكبر من حجمها. وهؤلاء لو رجعوا لوجدوا أن منهج الأنبياء جميعاً أن أول ما يبتدئون به مع الأقوام هو الدعوة إلى الاعتقاد الصحيح؛ لأن أعظم قضية في الدين هي قضية إقرار المسلم بربوبية الله تعالى، وإقراره بإلهيته وفعل العبادة له، وإقراره بأسمائه وصفاته، فإذا لم يكن موضوع العقيدة موضوعاً مهماً فما هي الموضوعات المهمة إذاً؟! ولهذا فإن معاذاً رضي الله تعالى عنه عندما أرسله النبي ﷺ إلى أهل اليمن أمره أن أول ما يبدأ بالعقيدة، فقال: (إنك تأتي قوماً أهل الكتاب، فليكن أول ما تأمرهم به شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله). ومن العجيب أن الذين يقولون: إن موضوع العقيدة يسير يستدلون بأن الرسول ﷺ لما جاءه معاوية بن الحكم السلمي وكان قد ضرب جاريته فقال لها رسول الله ﷺ : (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: فأعتقها فإنها مؤمنة) فيقولون: انظروا كيف قرر العقيدة في دقائق! ولهذا فإنه لا حاجة إلى أن تطيلوا الشرح في الموضوع وتفرعوا وتوسعوا. ولا شك في أن هذا خطأ كبير، فإن النبي ﷺ عندما قرر لهذه الجارية العقيدة لم يقرر لها كل العقيدة، وإنما قرر لها المسائل الأساسية، فقرر لها أن الله في العلو، وقرر لها صدق نبوة الرسول ﷺ ، ولتتلقى منه، هذا أولاً. ثانياً: أنه كان يريد أن يطمئن على أنها مؤمنة، وليست بمشركة، ولهذا فأكثر آيات القرآن الكريم تختم بالأسماء والصفات، أو في أثنائها ينبه على علم الله وقدرته، وأنه مع الإنسان في كل لحظة، وكل هذا من العقائد. وحينئذ فلا شك في أن تقرير العقيدة من أهم الأمور في الدعوة إلى الله ، فإذا صححت العقائد عند الناس استقام دينهم، وإذا فسدت عقائدهم ضلوا وانحرفوا عن المنهج السليم، وإذا كانت عقائدهم صحيحة فإن بقية الأعمال تبنى عليها، سواء في موضوعات الفقه، أو في موضوعات العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في أي موضوع من الموضوعات. ثم إن الإيمان هو القوة وهو أساس العقيدة، فالإيمان الكامل إذا تحقق في النفس استطاع الإنسان أن يواجه الفتن والشيطان وهوى النفس الأمارة بالسوء، ونحو ذلك. فمن هذا المنطلق نعرف أن منهج جميع الرسل الكرام هو الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، وتقريرها، وأعظم العقيدة التي يدعى إليها العبادة لله .

стр. 253

وصف كرام الخلق بالعبودية وأما الأمر الثالث فهو وصف كرام الخلق بالعبودية، يقول: وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]. وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. ونعت صفوة خلقه بالعبودية، وهذا تابع لنفس الموضوع، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فإنه وصفهم بأنهم عباد الله، والإضافة على نوعين: إضافة تشريف، وإضافة خلق وإيجاد، فهنا الإضافة إضافة تشريف؛ لأن الحديث عن أهل الجنة. وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠] قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٢]. وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وًَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥]. فهذه الآيات جميعاً وصف الله فيها كرام الخلق من الأنبياء ومن الصالحين والملائكة بأنهم عابدون لله ، وهذا يدل على فضل العبودية، وأهميتها، فإنه إذا وصف بالشيء أفضل المخلوقات، دل ذلك على مكانته منزلته وأهميته. وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تطروني -يعني: لا تبالغوا في المدح والثناء علي- كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله). وقد أطرت النصارى المسيح فوق درجة العبودية ظناً منهم أن درجة العبودية درجة عادية ويسيرة، والواقع أن درجة العبودية درجة كبيرة، ولهذا ادعوا أنه إله، وادعوا أنه ابن للإله، يريدون أن يعظموا المسيح لمكانته في قلوبهم، لكنهم ضلوا بهذه الطريقة. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خيرت بين أن أكون ملكاً نبياً أو أكون عبداً رسولاً، فاخترت أن أكون عبداً رسولاً) فمن أعظم المقامات العبودية لله ، وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، فقال في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]. لأن الإسراء مقام عظيم بالنسبة للنبي ﷺ ، وقال في الإيحاء: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]. وقال في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]. وقال في التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣].

стр. 254

العبودية هي الميثاق الذي أخذه الله على عباده تلك ثلاثة أمثلة ذكرها الشيخ في بيان منزلة العبودية، ويمكن أن نضيف عليها في بيان منزلة العبودية أن العبودية هي الميثاق، ولهذا يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣].

стр. 255

العبودية حق الله تعالى وهي كذلك حق الله تعالى، ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عندما كان رديف النبي ﷺ على حمار فقال: (أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، فالعبودية حق خالص لله ، ومن أجلها وجب الجهاد والقتال، ولا شك في أن الجهاد والقتال أمره صعب وعسير على الإنسان، ومع هذا أوجبه الله ، فإن النبي ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله). وكذلك يقول النبي ﷺ : (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

стр. 256

العبودية أول واجب على المكلف ومما يدل على منزلة العبودية أنها أول واجب على المكلف، ولهذا جاء في حديث معاذ بن جبل عندما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وهذا نص في الأولية.

стр. 257

العبودية هي الأساس في المحاورة مع أهل الأديان والعبودية هي الأساس في الحوار مع أي أمة من الأمم، ونحن نسمع كثيراً عن الحوار بين الأديان، والحوار بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة مثل الصوفية، والشيعة وغيرهم، وهذا الحوار له ضابط شرعي ينبغي أن يدركه الإنسان، وهو قول الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]. إذاً: الأساس في الحوار ينبغي أن يكون في تقرير أن الله هو المعبود، وهو وحده الخالق الرازق المحيي المميت الذي يجب أن تصرف له العبادة، أما الذين يدعون إلى الحوار مع اليهود، أو مع النصارى، ويقولون: إن الحوار يقتضي أن يتنازل الإنسان عن بعض ما عنده، ويتنازل الخصم عن بعض ما عنده، ونلتقي في منتصف الطريق، فلا شك في أن فعلهم هذا من أعظم الضلال والانحراف. وقد يقول قائل: أنتم عندما تناقشون الأمم الأخرى، كاليهود أو النصارى، أو أي أمة من الأمم فإنكم تناقشونهم وعندكم نظرة سابقة عن دينكم بأنه هو الحق ولا يمكن أن يتغير، وغيركم عنده نظرة عن دينه بأنه هو الحق الذي لا يتغير، فكيف يمكن أن يقنع بعضكم بعضاً؟! ونقول: إن القضية يسيرة ولله الحمد، فهذا الدين مقرر بأعظم الأدلة والبراهين، وهو ليس ديناً إيمانياً يؤمن به الإنسان هكذا، بحيث يُقبل الحوار في ترك بعضه، أو نقصان بعض منه، بل هذا الدين مؤسس بأعظم الأدلة البرهانية التي لا تقبل خلافاً عند العقلاء من الناس، ولهذا سبق أن أشرت إلى أن هذا القرآن مليء بالأدلة العقلية التي إذا قرأها الإنسان المستقيم العقل فإنه سينقاد لها مباشرةً، وحينئذ عندما يناقش الإنسان اليهود أو النصارى أو غيرهم فإنه يأخذ هذه الأدلة العقلية ويحتج بها عليهم، كما أن دينهم واضح البطلان، بل إنهم يعلمون ذلك، ولكن الذي يمنعهم من الالتزام بدين المسلمين ليس هو عدم وجود أدلة عند المسلمين تكفي في الاستدلال على عقائدهم، بل لأنهم يتبعون الهوى، ويتبعون الشهوة، ويحسدون هذه الأمة المسلمة على أن تكون هي الأمة الرائدة القائدة لجميع الأمم في الأرض، ولهذا ينبغي أن يدرك الإنسان مخاطر قضية الحوارات والآراء المعاكسة، وما يسمونه بالرأي والرأي الآخر، فهذا لا يدخل في أساسات الدين، فإن أسس الدين مقررة وإجماعية متفق عليها، وليس فيها خلاف، فقضايا العقائد الأساسية متفق عليها، ولا تقبل النقاش، ولا تقبل الخلاف، وكونها لا تقبل النقاش لأنها برهانية عقلية يقينية صحيحة، لكن نحن نقول: لا نقبل النقاش حتى لا نعرض ديننا لكل عابث، ولهذا كان السلف رضوان الله عليهم ينهون عن المناظرات، وعن المجادلات، فقد كان في زمن الدولة العباسية بعض الخلفاء من أصحاب الأموال، وكذلك الوجهاء والوزراء وغيرهم، كانوا يجمعون الطوائف المختلفة والمفترقة ثم ينظرون إليهم ويطلبون منهم أن يتجادلوا، فيطرحون قضية من قضايا العقيدة مثلاً، أو قضاياً الإيمان، أو أي مسألة من المسائل، ويبدءون بالجدال فيها، فإذا تجادلوا وتناقشوا في هذا الموضوع العقدي الخطير يبدأ الفقهاء يعجبون بمن يغلب، وتكمن أهمية المناظرة في استثارة كل واحد منهم، بحيث إنه تكون حجته أقوى، ويبدءون يزينون الكلام ويجملونه ويحسنونه، ويتناقشون في أخطر القضايا العقدية، وبعضهم جاهل بدين الله، ولهذا قد يقول القول وهو لا يعلم حقيقته، وقد يوصله ذلك إلى الردة -والعياذ بالله-، وهو لا يعلم حقيقة هذا القول الذي قال به، فهذه المناظرات وهذه المجادلات لا يقبلها دين الله ، وإنما نقول: إن دين الله ثابت بالأدلة القطعية، ومقرر بالأدلة العقلية التي لا تقبل النقاش، وإذا جئنا نحاور أمة من الأمم لا نحاورهم بأن نتنازل عن عقائدنا، بل نحاورهم بدعوتهم إلى العقائد الصحيحة التي عندهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤]، فما هي الكلمة السواء بيننا وبينهم؟ إنها ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وهذا أمر يعرفه أهل الكتاب، ويعرفه كل صحيح الفطرة، وهو أن الخالق لابد من أن يعبد وحده، فإذا جئتم باجتهادات من عندكم، فجئتم بأولياء وبصالحين تريدون التقرب بهم إلى الله، نقول: اتركوا هذه المسائل إلى المتفق عليه، وهو أن الخالق لابد من أن يعبد وحده، وهذا هو حقيقة الدين.

стр. 258

العبودية أساس الاستخلاف والنصر ومن فضائل العبودية ومنزلتها: أن العبودية هي أساس الاستخلاف والنصر لأهل الإيمان، وهي المطلوب الأول بعده، ولهذا يقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].

стр. 259

العبودية أساس دخول الجنة ونختم بقضية أن العبودية هي أساس دخول الجنة كما تعلمون، فإن النبي ﷺ قال: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وفي حديث آخر: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة). ثم بعد ذلك تعرض الشيخ لمسألة العلاقة بين الدين والعبادة، وقد سبق أن تحدثنا عن موضوع العلاقة بين العبادة والدين، وبين العبادة والإيمان، وبين العبادة والإسلام، وبين العبادة والتوحيد. وكذلك أشار إلى تعريف الدين، وأنه يجمع بين الذل والخضوع وبين المحبة، وفصل في ذلك، وقد سبقت الإشارة أيضاً إليه.

стр. 260

اشتراط الخضوع والمحبة لتحصيل العبادة ثم يقول ﵀ في آخر كلامه في هذا الموضوع: ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له. وقد سبق أن أشرنا إلى هذا، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله ، بل لابد من الخضوع ولابد من المحبة، فإذا اجتمعا حصلت العبادة، وإذا كان هناك خضوع بغير محبة فإنه لا يكون عبادة، وإذا كان هناك محبة بغير خضوع فإنها لا تكون عبادة، وقد أشرت إلى فائدة هذا التعريف والعناية به، وهو أن بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة قد يكفرون من خضع لغير الله ، ولو كان مكرهاً، وهذا لا شك في أنه إجحاف وغلو وظلم، والعياذ بالله.

стр. 261

اختصاص الله بعبادة الخلق له ثم بعد ذلك دلل على أن العبادة خاصة بالله ، فقال: فجنس المحبة تكون لله ولرسوله كالطاعة، فإن الطاعة لله ولرسوله، والإرضاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، والإيتاء لله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]. وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحوه فلا تكون إلا لله وحده. ثم استدل ببعض الأدلة، ويمكن أن نشير إلى وجه الدلالة فيها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]. فإنه قال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وهذا فيه حصر العبادة لله ، وذلك أن النفي مع الإثبات في آن واحد يدل على الحصر والقصر، وهذا معروف عند أهل البيان والبلاغة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فانظر كيف قرن بين الله ورسوله في مسألة الإيتاء؛ لأن الإيتاء يمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، لكن انظر إلى الحسب -وهو الكفاية والتوكل-، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩] ولم يقل: (حسبنا الله ورسوله) لأن الحسب عبادة، أما الإيتاء فيمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من الرسول ﷺ كذلك. فانظر إلى هذه الآية العجيبة، ففيها إيتاء وحسب ورغبة، فالإيتاء جعله لله وللرسول، وجعل الحسب لله وحده، والرغبة لله وحده، وهذا يدل على أن حصر الحسب والرغبة في الله مقصود، والدليل على أنه مقصود هو كونه جعل الحسب بين موضعين من الإيتاء، حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، هذا هو الموضع الأول، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩]، ثم قال: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله والرسول في بداية الآية، وفي آخر الآية كذلك جعله لله ولرسوله، وجعل الحسب بينهما لله وحده، والرغبة كذلك جعلها لله وحده، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].

стр. 262

اختصاص الله تعالى بالحسب ومعنى قوله: (يا أيها النبي حسبك الله) وبيان انحراف الشيعة في معناها وأما الحسب -وهو الكافي- فهو لله وحده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. ومما يدل على أن الحسب -وهو الكفاية والتوكل على الله- يجب أن يكون لله فقط قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]. يعني: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، وليس المقصود من هذه الآية أن المؤمنين أيضاً حسبك، فلا يمكن أن يصلح هذا المعنى؛ لأن الحسب عبادة، فيجب أن تكون لله فقط. يقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، يعني: كافيك وكافي المؤمنين أيضاً هو الله، ومن ظن أن المعنى: (حسبك الله والمؤمنون معه) فقد غلط غلطاً فاحشاً كما قد بسطناه في غير هذا الموضع. فالشيخ ﵀ بسط الكلام في هذه الآية في كتاب (منهاج السنة النبوية في الرد على الرافضة القدرية)، وهذا الكتاب ألفه في الرد على كتاب اسمه: (منهاج الكرامة) لـ ابن المطهر الحلي، وقد استدل ابن المطهر الحلي على إمامة علي بن أبي طالب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] فإنه قال: البرهان الرابع والعشرون يعني: من الأدلة على أن علي بن أبي طالب هو الإمام وليس أبا بكر - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، يقول: فقد ثبت من طريق أبي نعيم قال: نزلت في علي. وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره، فيكون هو الإمام. ولا شك في أن هذا الفهم فهم أعوج، وقد أبطله شيخ الإسلام في صفحات طويلة في هذا الكتاب، وسبب ذلك -كما أشار الشيخ نفسه- أنه قال: إن معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] يعني: حسبك الله وحسب المؤمنين أيضاً الله . فيقول: وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الأنفال:٦٤] مرفوعاً عطفاً على الله، أي: حسبك الله والمؤمنون أيضاً حسبك. وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر، فإن الله وحده حسب جميع الخلق، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] أي: الله وحده كافينا كلنا، فكل من النبيين قال: (حسبي الله)، فلم يشرك بالله غيره في كونه حسبه، فدل على أن الله وحده حسبه ليس معه غيره. ثم ذكر مجموعة من الآيات، وكرر بعض الكلام المذكور، مثل أن الرغبة لله فقط، وأن الحسب له أيضاً فقط، ثم قال: وكذلك التحسب الذي هو التوكل على الله وحده، فلهذا أمروا أن يقولوا: (حسبنا الله)، ولا يقولوا: (ورسوله) كما في الآية السابقة، فإذا لم يُجدِ أن يكون الله ورسوله حسب المؤمن فكيف يكون المؤمنون مع الله حسباً لرسوله؟! يشير إلى المعنى الذي سبق معنا، وهو قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩] فلم يقل في الآية: ورسوله. أي: فإذا كان الله ذكر عن المؤمنين أنهم قالوا: (حسبنا الله)، ولم يشركوا الرسول في الحسب وهو رسول الله، فكيف يكون معنى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أن المؤمنين حسب للرسول وهو أفضل منهم بلا شك؟! وأيضاً: فإن المؤمنين محتاجون إلى الله كحاجة الرسول إلى الله، فلابد لهم من حسب، ولا يجوز أن تكون معونتهم وقوتهم من الرسول وقوة الرسول منهم، فإن هذا يستلزم الدور، بل قوتهم من الله إلى أن يقول: فهذا كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣]، فإنه هو وحده المؤيد للرسول بشيئين: أحدهما: نصره، والثاني: بالمؤمنين، وهناك قال: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٢] إلى قوله: وإذا تبين هذا فهؤلاء الرافضة رتبوا جهلاً على جهل، فصاروا في ظلمات بعضها فوق بعض، فظنوا أن قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] معناه أن الله ومن اتبعك من المؤ

стр. 263

الأسئلة

стр. 264

حكم ترك أداء الزكاة السؤال ما رأيك في قول المرجئة: إن تارك الزكاة يرتفع عنه الإيمان، ولا يقال: ليس له إيمان؟ الجواب ترك الزكاة مسألة خلافية بين العلماء، لكن إذا اجتمع قوم واتفقوا على الترك فإنهم يقاتلون قتال المرتدين، فإن من نواقض الإيمان أن تجتمع طائفة على الإعراض عن أمر من أمور الإسلام، وتتفق على ذلك، وهذا الاجتماع وهذا الاتفاق والتعاون والتظاهر والتناصر على عدم تطبيق أمر من أمور الإسلام، أو على ترك أمر من أمور الإسلام لا شك في أنه ردة إذا حاربوا وقاتلوا، فلو أن طائفة من الناس من أهل مدينة أو أهل قرية امتنعوا عن الصلاة فإنهم يقاتلون قتال الكفار، وكذلك إذا امتنعوا عن الزكاة نقاتلهم قتال الكفار إذا قاتلوا، وكذلك إذا امتنعوا عن الجهاد، أو امتنعوا عن أداء أي شعيرة من شعائر الإسلام العامة، فإنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقتالهم هو قتال المشركين المرتدين، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ عندما قاتل المرتدين.

стр. 265

حكم من حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاد وجوبه السؤال إذا حكم المرء بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه أو غرض من الأغراض مع اعتقاده بوجوب الحكم بما أنزل الله فهل يكون كافراً؟ الجواب الحكم بغير ما أنزل الله نوعان: الأول: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية جزئية، مثل القاضي الذي يحكم في مسألة بشهوة مع اعترافه بأصل الأحكام الشرعية، ومع تطبيقه لها في غالب أحكامه، فهذا لا يكفر، وإنما هو عاص. وأما تنحية الشريعة بأكملها وإقامة قانون وضعي بدلاً عن هذه الشريعة فلا شك في أن هذا كفر ناقل عن الإسلام، ومخرج من الملة، فإن هذا فيه إعراض عن هذه الشريعة بالكلية، وفيه رد لها، وهو كفر يخرج عن الإسلام، وكذلك إذا شرع أحد قانوناً في قضية من القضايا، فإنَّ هذا استحلال في الحقيقة؛ لأن أي قانون من القوانين يبدأ بقوله: (يجوز) أو (لا يجوز)، حتى القوانين الإدارية العادية تبدأ بنص: (لا يجوز للموظف أن يعمل كذا وكذا)، وكذلك القوانين التشريعية تبدأ بقولهم: (لا يجوز) أو (يجوز)، فالقوانين الوضعية التي تكون قانوناً وقاعدة عامة تطبق على كل الناس إذا غيرت فيها الأحكام الشرعية فهي كفر ينقل عن الملة، ويمكن أن يراجع في هذا الموضوع كتاب: (تحكيم القوانين الوضعية) للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، فإنه وضح هذا توضيحاً بيناً، حيث ذكر أنواع الحكم بغير ما أنزل الله الذي يخرج من الملة، فذكر أنواعاً تتعلق بالاستحلال القلبي، مثل اعتقاد أن القانون الوضعي خير من حكم الشرع، أو اعتقاد وجوب الحكم الوضعي، أو اعتقاد أن الحكم الوضعي مثل الحكم الشريعة، وذكر نماذج من الاعتقاد، ثم ختمها بتنحية الشريعة والإتيان بالقانون الوضعي، وهذا يدل على أن ذلك كفر من غير اعتقاد؛ لأنه لو كان كفراً باعتقاد أيضاً لكان في هذا تكرير للأنواع السابقة، وهو ﵀ رجل دقيق في العلم، ويمكن أن يراجع الكتاب ففيه خير كثير.

стр. 266

الأدلة العقلية التي تثبت صحة الإسلام السؤال ما هي الأدلة العقلية التي تثبت صدق الإسلام؟ الجواب إن أي موضوع من موضوعات الإسلام يمكن الاستدلال عليه، فموضوع التوحيد فيه أدلة عقلية، موضوع النبوات فيه أدلة عقلية، وموضوع المعاد الأخروي فيه أدلة عقلية، وسبق في إثبات صفة العلم أن من الأدلة العقلية على هذا الموضوع قول الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يعني: لا يتصور أن يخلق الخلق وهو بغير علم، فإن الخالق لابد من أن يكون عالماً، وإلا لم يكن خالقاً، وكذلك في إثبات صفة القوة يقول الله : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] أي: لا أحد أشد منا قوة، والدليل العقلي على خطأ قولهم هو قول الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، أي: أنتم -يا من ادعيتم القوة المطلقة- مخلوقون، فالذي خلقكم أقوى منكم؛ لأنه لو لم يكن أقوى منكم لما استطاع خلقكم، فالقوة العالية التي يفتخرون بها يقدر الله تعالى على إزالتها. وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد فت عظماً وقال: هل تظن أن هذا سيبعثه الله بعد ذلك؟ فأنزل الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس:٧٨]، يعني: لما جاء بالعظم وفته، ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فالدليل العقلي هنا: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] فالذي أنشأها أول مرة قادر على إحيائها، وهذا واضح، فلو أنك طبعت كتاباً، وبعد أن انتهيت من طباعته مزقته، أفلا تستطيع طباعته مرة أخرى؟! وهكذا الخلق، فالذي خلقك أول مرة هو الله ، فإذا أهلكك فإنه يستطيع أن يحييك مرة أخرى؛ لأنه هو الذي ابتدأك، بل إن البداية أشد، وهناك أدلة عقلية أخرى غير هذه الأدلة، وإنما هذه أمثلة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 267

شرح العبودية [٥] جميع خلق الله تعالى من الإنس والجن والملائكة والحيوان والجماد عباد له سبحانه شاءوا أم أبوا، فهم تحت ربوبيته وإرادته ومشيئته في جميع شئونهم وأحوالهم، وهذا ما يعبر عنه بالعبودية الاضطرارية التي يستوي فيها جميع الناس، ولا علاقة لها بنجاة العبد يوم القيامة من عذاب الله تعالى وعقابه. وقد تعلق بها الصوفية حتى تركوا العبادة الحقة لله تعالى فضلوا عن سواء السبيل.

стр. 268

العبودية الاضطرارية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فقد سبق الحديث عن منزلة العبودية، وبيان أن المصنف ﵀ ذكر ثلاثة أمور في منزلة العبودية، وزدناها حتى أوصلناها إلى العشرة، وفي هذا الدرس سنبدأ بذكر بيان الشيخ ﵀ عن أنواع العبودية، وذلك أن العبد قد يطلق ويراد به المعبد، وقد يطلق ويراد به العابد، فإذا أطلق وأريد به المعبد فإن العبودية تكون حينئذ بمعنى: الخلق، وبمعنى الإيجاد والربوبية، وهذا النوع يمكن أن نطلق عليه (العبودية الاضطرارية)، وهي التي لا إرادة للإنسان فيها، وحينئذ توافق معنى الخلق ومعنى الإيجاد ومعنى الربوبية، مثل خلق الله للناس، ومثل مطاعمهم ومشاربهم وحاجتهم لذلك، وحاجتهم للباس، وحاجتهم لدفع الأسباب عن أنفسهم، مثل المرض يدفع بالعلاج، وكذلك الجوع يدفع بالأكل وهكذا، وهذه العبودية يستوي فيها المؤمن والكافر، ويستوي فيها البر والفاجر، وتستوي فيها كل المخلوقات، فكل المخلوقين هم عباد لله بهذا الاعتبار، سواء أكانوا من الإنس، أم من الجن، أم من الملائكة، أم من الجمادات، أم من الحيوانات، فكلهم عباد لله بهذه الاعتبار، بمعنى أنهم معبدون لله، فإن إرادة الله إرادة شاملة عامة، وقدرته نافذة لا يخرج عنها شيء، ولا يمكن أن يحصل شيء في حياة الناس إلا بقدر الله وقدرته وإرادته، وحينئذ فسواءً أكان الإنسان طائعاً أم كارهاً فإنه لابد من أن يكون عبداً لله؛ لأنه لا يمكن أن يخرج عن هذه العبودية، فالذي أوجد الإنسان من العدم هو الله ، فجعله ذليلاً لا يمكن أن يخرج عن خلقه ، ولا عن تدبيره بأي وجه من الوجوه. والإيمان والإقرار بهذا النوع من العبودية هو إقرار وإيمان بتوحيد الربوبية، وقد سبق أن بينا أن توحيد الربوبية هو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير والملك، فالله هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو المدبر وحده، وهو المالك وحده، فإذا آمن أحد بهذا التوحيد فإنه حينئذ يكون قد أقر بالعبودية الجبرية، وتسمى الاضطرارية، وهي التي لا خيار للإنسان في فعلها أو تركها، إذ إنما هو خلق الله القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالذي نقله من العدم إلى الوجود هو الله ، فهو عبد له بهذا الاعتبار. والشيخ ﵀ يقول: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد. يعني: المذلل الخاضع من غير اختيار، فالذي عبده ودبره وصرفه هو الله تعالى، وبهذا الاعتبار يكون المخلوقون كلهم عباداً لله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار، وأهل الجنة وأهل النار؛ إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته، وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، فما شاء كان وإن لم أشأ، وما شئت إن لم يشأ لم يكن؛ لأن إرادته هي النافذة. ثم ذكر الدليل على ذلك، وهو قول الله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] يعني: إلا سيأتي إلى الله وهو خاضع مقر، وليس له أن يهرب يوم القيامة، وهذا معنى قول النبي ﷺ في دعائه: (اللهم لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك).

стр. 269

إقرار جميع الأمم بالعبودية الجبرية الاضطرارية وهذه العبودية الجبرية تقر بها جميع الأمم من المشركين واليهود والنصارى وعامة الوثنيين من جهتين: من جهة الاستسلام الحقيقي العملي، ومن جهة الاعتراف بأن هناك رباً يجب أن يستسلم له استسلاماً مطلقاً، ولا توجد أمة من الأمم في الدنيا تقول: إن هناك إلهين خالقين مدبرين لهذا العالم على السواء؛ لأن هذا يرفضه العقل؛ لأنه إذا كان هناك إلهان خالقان لهذا العالم فأراد أحدهما فعل شيء، وأراد الآخر أن لا يكون هذا الشيء -كما لو أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه- فإما أن تنفذ إرادة الاثنين، وهذا لا يتصور أبداً؛ لأنه إذا نفذت إرادة الاثنين فمعنى هذا أن الجسم سيكون متحركاً وساكناً في آن واحد، وهذا ممتنع، وإما ألا تنفذ إرادة الاثنين، وهذا أيضاً ممتنع؛ لأن نفي النقيضين ممتنع؛ لأنه لا يتصور في الجسم إلا أن يكون ساكناً أو متحركاً؛ لأنه إذا خلا من الحركة والسكون كان عدماً، وإما أن تنفذ إرادة أحدهما، فإذا نفذت إرادة أحدهما فهو الإله، والآخر مألوه، ولهذا لا يتصور أبداً أن يكون هناك إلهان خالقان للعالم مدبران له، ولهذا أقرت جميع الأمم في الأرض بأن الله وحده هو الخالق الرازق المحيي المميت ، ووقع الشرك عندهم في عبادة غير الله بصرف الإرادات -كالمحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك- لغير الله، أو بصرف أعمال الظاهر -مثل أعمال الجوارح وقول اللسان- بغير الله ، فهذه العبودية الاضطرارية لا تخرج الإنسان إذا آمن بها واعترف بها عن دائرة الكفر، ولا تدخله في دائرة الإسلام، فلو أن مجوسياً جاء وقال: أنا عابد، فقلنا له: ما هو الدليل على أنك عابد؟ فقال: أنا أقر بأني خاضع لله ، فلا يمكن أن أحدث شيئاً في الكون لم يرده الله ، ولا يمكن أبداً أن يأتيني رزق -مثلاً- أو أي شيء إلا من الله، فأنا نقول: هذا وحده لا يكفي في الدخول في الإسلام، بل لابد من أن يضاف إليه العبادة، وهو ما سيأتي معنا في الكلام عن العبودية الاختيارية، وهي العبودية التي يختار الإنسان فعلها، أو يختار تركها.

стр. 270

بقاء العباد داخل دائرة العبودية الاضطرارية يقول: فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا خالق إلا هو، سواءٌ اعترفوا بذلك أو أنكروا. يعني: هم عابدون لله ، وعبوديتهم هذه عبودية لازمة لهم، حتى ولو أنكروا، فعندما ظهر الشيوعيون وقالوا: (لا إله والحياة مادة)، وعندما ظهر فرعون وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]. وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فهل معنى هذا أنهم خرجوا عن ملك الله وتدبيره؟ لا، فهو خاضع لله ، سواء اعترف أو لم يعترف، ولهذا لا يمكن أبداً أن يخرج عن هذه الأرض الصغيرة التي يعيش فيها إلى أي كوكب آخر، فما بالك بكونه يستطيع أن يدير هذا الكون الواسع الكبير؟! فهو عابد لله عبادة اضطرارية شاء أم أبى، فإذا اعترف فإنه يحصل له جزء من الإيمان، لكن هذا الجزء لا يدخله في الإسلام حتى يأتي بالعبادة الاختيارية. يقول: لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك واعترفوا به، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. ويستغرب الإنسان في بعض الأحيان فيقول: كيف يثبت لهم الإيمان ثم ينسبهم إلى الشرك؟ و الجواب يثبت لهم الإيمان في البداية فيقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. ولهذا جاء عن بعض السلف أنه سمى الإقرار بالربوبية فقط دون الإلهية إيمان المشركين، وذلك (أن الإقرار بالربوبية، والإقرار بالعبودية الاضطرارية من الإيمان، لكن ليس هو كل الإيمان، وليس الإيمان الذي ينجي الإنسان يوم القيامة، وليس الإيمان الذي يدخل الإنسان الجنة، ويجعله يخرج من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، فلا يدخله هذا النوع في الإسلام، بل لابد من الإتيان بالعبودية الاختيارية التي سيأتي الكلام عنها. يقول: بخلاف من كان جاهلاً بذلك، أو جاحداً له مستكبراً على ربه لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه.

стр. 271

تسبيح الكائنات وعبوديتها لله تعالى وذكر الخلاف في هذه المسألة هنا مسألة، وهي: أن الكائنات جميعاً -كما سبق- عابدة لله عبودية اضطرارية، ومنها الإنسان والجن والملائكة والجمادات والحيوانات والنباتات، فكل هذه المخلوقات تشترك في هذا النوع من أنواع العبادة، فهي خاضعة جميعاً، لكن ورد في بعض الآيات إثبات التسبيح والسجود والقنوت لبعض المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١]، يعني: الذي في السموات والذي في الأرض، فقوله: ((مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) يشمل كل ما هو موجود في السماء والأرض من الحيوانات والنباتات والجمادات؛ لأن (ما) في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١] موصولة بمعنى: (الذي)، والأسماء الموصولة جميعاً من صيغ العموم كما هو معلوم، فيشمل هذا جميع ما يوجد في الكون؛ فإنه مسبح لله . ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] يعني: كل شيء يسبح لله ، لكن نحن لا نفقه تسبيحهم. والسؤال هنا: هل هذا التسبيح الذي يصدر من السموات، والذي يصدر من الأرض، والذي يصدر من الكائنات جميعاً هل هو تسبيح حقيقة أم تسبيح دلالة؟

стр. 272

القول الأول: أن المراد تسبيح الدلالة انقسم الناس في ذلك إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى قالت: إن المراد بالتسبيح في هذه الآيات هو تسبيح الدلالة؛ فإن كل الموجودات تدل على أن هناك خالقاً خلقها وأوجدها، على حد قول الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فقالوا: إن المقصود بالتسبيح ليس تسبيحاً حقيقياً، وإنما هو تسبيح مجازي المقصود به الدلالة على وجود خالق خلق هذا العالم. وهذا القول باطل غير صحيح، والدليل على بطلانه هو أن هذه الموجودات تدل على الله هذه في كل أحوالها وفي كل أوقاتها، بينما ورد التسبيح والسجود لبعض هذه المخلوقات في وقت دون وقت، كما قال الله : ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨]. فقوله: ﴿سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] يدل على أن هذه الجبال تسبح في أوقات معينة مع داود ﵇، فلو كان المراد بالتسبيح هو تسبيح الدلالة لكان ذلك في كل أوقاتها، سواء في العشي، أو في الإشراق، أو في الظهر، أو في الضحى، فكونه تعالى يبين أن تسبيحها في وقت دون وقت يدل على أن التسبيح ليس المراد به مجرد الدلالة على أن هناك خالقاً، فإن الجبال تدل على أن الله خالقها حتى في الظهر، مع أنه هنا ذكر التسبيح لها في العشي والإشراق، فهذه يدل هذه الآية التي دلت على أن تسبيح هذه الجبال في وقت دون وقت دلت على أنه ليس المقصود من التسبيح هو ما فسره به هؤلاء.

стр. 273

القول الثاني: أن العموم الوارد في الآيات المراد به الإنس والجن فقط وقالت الطائفة الثانية: المقصود بالعموم في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] المقصود به الخصوص، فإنه ليس المقصود بأن كل المخلوقات -ومنها الجمادات والحيوانات والنباتات- تسبح لله ، فإننا نرى الجمادات وهي لا تسبح، ونرى الحيوانات وهي لا تسبح، ونرى النباتات وهي لا تسبح، فحينئذ قالوا: إن هذا العموم يراد به الخصوص، وقالوا: بأن المراد الإنس والجن المكلفين فقط، وهذا القول فيه ضعف، والسبب في أن فيه ضعفاً هو أن الله سمى أنواعاً من الجمادات ووصفها بالتسبيح، كما في آية سورة: (ص) الآنفة الذكر، فلو كان المراد بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١] الجن والإنس المكلفين فقط، أو مع الملائكة لاعترض أيضاً على هذا القول بقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] فسمى التسبيح وسمى الجبال، والجبال لا شك في أنها غير الإنس والجن والملائكة.

стр. 274

القول الثالث: أن تسبيح الكائنات وسجودها على حقيقته كما ورد وقالت طائفة: إن التسبيح والسجود والقنوت على حقيقته، وإنه تسبيح وقنوت حقيقي، والقنوت معناه: دوام الطاعة، قال تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦] يعني: كل له مطيعون، وجاء هذا عن ابن عباس وعن جماعة من السلف، وهذا القول هو الصحيح. فالقنوت على حقيقته، والتسبيح على حقيقته، والسجود على حقيقته، لكن ليس بالضرورة أن تكون حقيقة ذلك هي ما يقوم به الإنسان، فلا يلزم من التسبيح -مثلاً- أن يوجد لها لسان تسبح به، ولا يلزم من السجود أن يكون لها رأس مستجيب ينحني في الأرض، فإن السجود والتسبيح والقنوت يعتبر بحسب ما يضاف إليه، فإذا أضيف إلى الإنسان فإنه يتخذ الشكل المعروف الذي نفعله نحن في السجود، والتسبيح كذلك، وإذا أضيف إلى الجبال كان له شكل آخر، وإذا أضيف إلى الشجر كان له شكل آخر، وكذلك إذا أضيف إلى البحار، وهكذا، بل إن الحيوانات سمي بعضها فاسقاً، والفسوق هو الخروج عن الطاعة، فالنبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: (العقرب فاسقة، والحية فاسقة، والفأرة فاسقة). وثبت أن النبي ﷺ بين سبب قتل الوزغ، وهو أنه كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇ من أجل أن تزداد اضطراماً، وتزداد حرارة، ولهذا شرع ﷺ قتله، وبين أن فيه أجراً.

стр. 275

موقف العقلانيين والعصريين من نصوص سجود الكائنات ونحوها لكن العقلانيين لا يؤمنون بهذه الأشياء، ولا يعترفون بها، ويقولون: كيف ينفخ الوزغ في النار من أجل أن تضطرم على إبراهيم؟! وما أدرى الوزغ بإبراهيم؟! وما أدرى الوزغ بهذه النار؟! وهذا هو كلام الصادق المصدوق، ولا يمكن أبداً أن يكذب ﷺ ، وهذا خبر، ولا يمكن أن نرد الأخبار بعقولنا المجردة، فإننا نؤمن بالغيبيات عموماً، وهذه هي ميزة المسلمين، حيث يؤمنون بالغيب، وما دام أننا آمنا بأن الرسول ﷺ يأتيه الخبر من السماء في ليلة واحدة أو في أقل من ذلك، فنحن نؤمن بما يخبرنا به عن الحيوانات مما لا نعرفه ولا نراه بأعيننا، وهذا الفيصل بين الموحد وغيره، وهذا هو الفرق بين المؤمن وغيره، ولهذا قام هؤلاء العصريون بتأويل جميع النصوص في القرآن وفي السنة التي لم توافق عقولهم، فتجد أنهم يقولون عن الطير الأبابيل: إنها هي الجراثيم الموجودة في الكون، ولهذا لما جاء أبرهة بقومه إلى الوادي المشهور بقرب مكة دخلت فيهم الجراثيم فأهلكتهم وأسقطت ما عندهم من اللحم والشحم حتى ماتوا، وهذا تفسير باطل؛ لأن الله تعالى سماها طيراً، ولا شك في أن الواجب هو الإيمان بالنصوص الشرعية كما أرادها الله بدون تحريف أو تأويل. وهنا مسألة، وهي: هل تسبيح الجمادات والحيوانات وبقية الكائنات غير المكلفة تسبيح اختياري، بمعنى: أنها تستطيع الترك، أم أنه تسبيح اضطراري، وهو حقيقي في ذات الوقت؟ وهذه المسألة من المسائل المهمة التي لم تستطع عقول العصرانيين أن تؤمن بها.

стр. 276

العصرانيون ومواقفهم من أحكام الشرع وأخباره العصرانيون ليسوا فرقة لها مؤسس ولها كتب ومصنفات، وإنما هم أتباع المدرسة العقلية التي انقرضت في القرن الماضي تقريباً. والمدرسة العقلية مؤسسها هو جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وقد كان من أبرز سمات هذه المدرسة العقلية: أنها تقدم العقل على النصوص، وسار على نهج هذه المدرسة بعض المشتغلين بالدعوة الإسلامية في هذا العصر، ومن أبرز آراء هؤلاء: أنهم يقولون بأنه لابد من أن نقارب بين المجتمع الإسلامي الذي نعيش فيه، والعالم الغربي والحضارة الغربية الموجودة، وبعضهم يقول بوحدة الأديان، وأن اليهود والنصارى وغيرهم طرقهم جميعاً طرق توصل إلى الله ، فنحن -أهل الإسلام- نصل إلى الله عن طريق محمد ﷺ ، والنصارى يصلون إلى الله عن طريق عيسى، واليهود يصلون إلى الله عن طريق موسى، فيرى أن اليهود والنصارى بوضعهم الحالي على خير وأنهم سيصلون إلى الجنة، وبعضهم يعارض مقررات عقدية أساسية في دين الله مثل الجهاد، فالجهاد قاعدة من قواعد هذا الدين، ولا يمكن أبداً أن يلغى، ولا يمكن أبداً أن يرده أحد، فحين ترجع إلى التاريخ الإسلامي، وتقرأ من زمن النبي ﷺ تجد أن النبي ﷺ قاتل المشركين في غزوة بدر وفي أحد وفي الخندق، وقاتلهم في حنين، فلما توفي النبي ﷺ وقامت أول دولة إسلامية بعد الرسول ﷺ -وهي دولة الخلفاء الراشدين- قام المسلمون بالجهاد في سبيل الله، وكان الجهاد الذي عندهم هو جهاد الطلب، بحيث يذهبون إلى الأمم الأخرى ويقولون: أسلموا، أو ادفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وتنازلوا عن ملككم، أو القتال بيننا وبينكم، ولهذا وقعت معركة اليرموك، ومعركة القادسية التي نقرؤها في التاريخ، وهكذا، فالتاريخ الإسلامي مليء بالجهاد، ومليء بالمعارك، ومليء بمقاتلة المشركين، وليس هذا الجهاد هو بسبب نزعات قومية مثلاً، أو بسبب خلافات عرقية، أو بسبب خلافات في اللغة، بل السبب في هذه المعارك المشهورة في التاريخ الإسلامي هو: اختلاف الدين، فأهل الإسلام لهم دين، وأولئك لهم دين آخر، ولهذا كان من القواعد الأساسية التي يريد إبطالها العصريون: قاعدة المفاصلة بين أهل التوحيد وأهل الشرك، فالموحدون لهم منهج ولهم طريقة، كما قال الله : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، وليس المقصود بقوله: ((لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)) أنكم تبقون على دينكم على رغبتكم وأنا أبقى على ديني، بل المقصود هو: أن ديني هو الصحيح، ولا يمكن التنازل عنه ولو شبراً واحداً، وأنتم إما أن ترجعوا إلى دين الله ، وإما أن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن يكون القتال بيننا وبينكم، كما كان يعرض أصحاب النبي ﷺ على أمم الكفر جميعاً. فهؤلاء العصريون من المشتغلين بالدراسات الإسلامية بعضهم أساتذة ودكاترة، ومع ذلك يقولون: إن المشروع في القتال هو الدفع فقط، فلو أن شخصاً آذاك فإنك تدفعه، لكن أن تبتدئ الآخرين وتدعوهم وتقاتلهم فلا، إذ ليس هذا من الدين، ولا شك في أن هذا كلام باطل تنقضه النصوص الشرعية الواردة في القرآن وفي السنة، وتنقضه السيرة العملية لأصحاب النبي ﷺ . وبعض الناس يقول: لماذا نتدخل في شئون الأمم الأخرى؟ فنقول: إن الرسول ﷺ كان يواجه مثل هؤلاء ويقاتلهم في سبيل الله. ومثل هذا نماذج أخرى عند هؤلاء يريدون بها تمييع قضايا العقائد، خاصة القضايا الأساسية في المعتقد، مثل قضية الولاء والبراء، ومثل قضية الجهاد في سبيل الله، ومثل قضية عدم الرضا بالكفر، ومثل قضية التمييز بين المنافقين والمؤمنين، ومثل قضية دار الإسلام ودار الكفر. فمثل هؤلاء يؤلفون الكتب في قضايا الجهاد في الفقه الإسلامي مثلاً أو في غيرها، ويحاولون أن يتلاعبوا بالأحكام الشرعية بهذه الطريقة، فهم لا يؤمنون بأن الجبال تسبح حقيقة، ولا يؤمنون بأنها تسجد حقيقة، ولا يؤمنون بأنها تقنت وتديم الطاعة لله حقيقة، ولا يؤمنون بأن الفأرة فاسقة حقيقة، ولا يؤمنون بأن الحية فاسقة حقيقة، ولا يؤمنون كذلك بأن الوزغ يقتل لأنه كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇، وإنما يحاولون أن يؤولوا ذلك بأي وجه من أوجه التأويلات الباطلة.

стр. 277

المعرفة بالحق دون الاستجابة له لا تكفى في الإيمان يقول الشيخ: [فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذاباً على صاحبه]. أي: أن مجرد المعرفة بأنه يجب الخضوع لله ، وأنه هو رب كل شيء ومليكه من دون عبادة ومن دون عمل، بل مع الاستكبار -يعني: الرفض للعبادة العملية- عن قبوله والجحد له عذاب على صاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] يعني: آل فرعون جحدوا بالمعجزات التي جاء بها موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني: لا تنقصهم المعرفة، فالمعرفة موجودة، لكن تنقصهم العبادة والعمل، وهذا يدل على أن المعرفة لا تكفي في الإيمان، بل لابد معها من العمل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني: يعرفون أنهم يكتمون الحق. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: لا يكذبونك في الحقيقة، بل يعترفون بأنك صادق، وأنك على حق: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: يجحدون علواً واستكباراً. ولهذا جاء حبران إلى الرسول ﷺ فقالا له: نشهد أنك رسول الله. والمرجئة يقولون: ما بعد هذا إيمان؛ حيث وقع منهما أول شيء تصديق بالقلب، ثم نطق باللسان. لكن رسول الله ﷺ ما قبل إسلامهما، وإنما قال: (وما يمنعكما أن تتبعاني) يعني: لماذا لا تلتزمان بما قلتما وهو الشهادة لي بأني رسول الله، وبما يترتب على ذلك من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح؟ فقالا: تقتلنا اليهود. فلم يقبل عذرهم رسول الله ﷺ ؛ لأن الإنسان لا يعذر في قبوله للإسلام قبولاً قلبياً بمثل هذا العذر، ولهذا فإن هرقل لما جمع الروم في دسكرة واحدة قال لهم: هل لكم في النجاة؟ هل لكم في الفلاح؟ إنه رسول الله، فحاصت الروم كما تحوص الحمر، واتجهوا إلى الأبواب من أجل أن يقاتلوه، فلما يئس عدوا الله من الإسلام قال: ردوهم علي. فلما اجتمعوا له قال لهم: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم. فمات على الشرك، مع أنه قال لـ أبي سفيان: والله لو أنني أخلص إليه -يعني: لو استطعت مقابلة هذا الرسول- لغسلت عن قدميه وشربت ماءهما. فأي إيمان أكثر من هذا الإيمان؟! لكن هل نفعه هذا؟ ما نفعه، فلابد من الإيمان مع عمل القلب ومع عمل الجوارح ومع الالتزام بدين الله ، وإلا فمجرد التصديق ليس من الإيمان. يقول: فإن اعترف العبد أن الله ربه وخالقه، وأنه مفتقر إليه محتاج إليه؛ عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه فيتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره، وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبد الشيطان والأصنام، يعني: فلا تنفعه عبادته.

стр. 278

استواء أهل الجنة وأهل النار في العبودية الاضطرارية ثم قال: ومثل هذه العبودية -يعني: العبودية الاضطرارية- لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار؛ لأنهم جميعاً عابدون، ولا يصير بها الرجل مؤمناً؛ لأنه ليس الإيمان هو مجرد الإقرار بالخلق والرزق لله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥] إلى قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩].

стр. 279

تعلق الصوفية بالعبودية الاضطرارية ثم انتقل الشيخ إلى قضية أخرى، وهي قضية نقاش مع الصوفية خطيرة جداً، فإن الصوفية يدعون التعبد ويدعون أنهم يجتهدون في العبادة اجتهاداً كبيراً، وهم إنما تميزوا وقبلهم الناس لظن كثير من الناس أنهم أهل عبادة وأهل اجتهاد في العبادة، لكن -يا ترى- هل الصوفية عندما يشتغلون في خلواتهم وجلساتهم وحضراتهم -كما يسمونها- وشهودهم هل يشهدون العبودية الاختيارية التي أوجبها الله -وهي توحيد الإلهية- أم أنهم يجتهدون في إثبات الخالقية والرازقية والمالكية فقط لله ؟! بمعنى: أنهم يشهدون توحيد الربوبية، أو يتعلقون تعلقاً تاماً بالعبودية الاضطرارية. الواقع أن الذي ينظر إلى منهج الصوفية يجد أنهم يتعلقون بالعبودية الاضطرارية، فأحدهم إذا جلس في خلوته وبدأ يجتهد في العمل حتى يوصله ذلك إلى الكشف يعترض عليه بعدة أمور: الأمر الأول: أن الذكر والورد الذي يقوم به في خلوته ذكر مبتدع، فهو وورد مبتدع إما أن يردد -مثلاً- الضمير (هو) فيقول: هو، هو، وهكذا، وإما أن يردد اسماً من أسماء، فيقول: الله، الله، الله، الله، الله، أو: اللطيف، اللطيف، اللطيف، اللطيف، وهكذا، وهذا لا شك في أنه ذكر مبتدع لم يرد عن الرسول ﷺ ، وسيأتي معنا الكلام عليه مفصلاً وذكر أدلته، والرد عليها بإذن الله تعالى. فأول ما يبدأ الصوفي في خلوته بذكر بدعي، فإذا كرر الاسم (الله) لا يشهد ولا يفكر ولا يرى عبودية الله ووجوب إفراده بالعبادة، بل يفكر في كونه هو الخالق الخلق المطلق وهو الرازق الرزق المطلق، وهو المحيي الحياة المطلقة والمالك ملكاً مطلقاً، وهكذا، فيبدأ يشغل نفسه بهذا الأمر، وهذا الأمر لا شك في أنه عظيم إذا ترتب عليه فائدة عملية، لكن مجرد التفكير المجرد فيه ليس فيه زيادة على عمل المشركين الذين قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فالتفكير المجرد في أن الله هو خالق السموات والأرض ليس فيه زيادة، بل الزيادة هي الثمرة المترتبة، فإذا كان الله تعالى خالق للسموات والأرض فلابد من أن أعبده وأصلي له وأسجد، وأخاف منه، وأرجوه، وأتوكل عليه، وهكذا. فالصوفية يشتغلون بهذا حتى يصلون إلى الكشف، والكشف هو حالة تأتي لهم من ترديد بعض الكلمات، ولا سيما إذا خالطها بعض السماع، مثل الطبل والرقص والصياح، وقد يكون مع ذلك أن يرتفع الواحد منهم على الأرض ويسقط عليها مرة أخرى، أو يقف على رأسه مدة طويلة، أنه مع هذه الأمور جميعاً تأتيه بعض الأحيان تصورات، وتأتيه أفكار، وتأتيه أوهام، فيظن أن هذه الأفكار وأن هذه الأوهام وأن هذه التصورات حقيقة لا تقبل الشك، مع أنها في بعض الأحيان تكون فرصة مناسبة للشيطان، فيدخل فيه ويعطيه أفكاراً ويعطيه آراء، ويعطيه أشياء معنوية في نفسه. والمهم أنهم يرون أن هذا العمل الذي يقومون به غاية العبودية، ولاشك في أن هذا العمل ليس هو غاية العبودية، وإنما العبودية -كما سيأتي معنا- هي العبودية الاختيارية التي تكون متعلقة بقلب الإنسان وعمله، مثل الخوف والرجاء. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 280

الأسئلة

стр. 281

مؤلفات محمد الغزالي في الميزان السؤال ما رأيك في مؤلفات محمد الغزالي؟ الجواب محمد الغزالي رجل خطيب، ومؤلفاته ليست علمية دقيقة، وقد رد عليه كثير من المشايخ، وردودهم موجودة في المكتبات.

стр. 282

حكم وصف النبي ﷺ بالنور السؤال هل يصح أن نقول: إن الرسول ﷺ نور؛ لأن الله تعالى قال عنه: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، جاء في دعاء الخروج إلى المسجد أنه ﵊ كان يقول: (واجعلني نوراً)؟ الجواب إذا قال الصوفية: إن النبي ﷺ نور فمعنى قولهم: إنه نور أنه ليس له جسد كأجسادنا نحن، وإنما جسده يختلف، أي: ليس له عظم ولا دم ولا شحم ولا أعصاب، وإنما هو نور، ثم يقولون: إن هذا النور مأخوذ من نور الله . ولا شك في أن هذا ضلال مبين. لكن إن كان المقصود أنه نور معنوي بمعنى: أنه جاء بالنور - وهو الإسلام - فيصح بهذا الاعتبار، إلا أنه لم يكن من عادة السلف الصالح رضوان الله عليهم أن يطلقوا على الرسول ﷺ أنه نور لأنه جاء بالنور، وإنما يقال: (جاء بالنور) مباشرة. وقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦] يعني: ينير لغيره الطريق بالدعوة إلى توحيد الله . وقوله: (واجعلني نوراً) هذا علم به أمته، فهل معنى هذا أن أمته كلها أنوار؟! فالمقصود بقوله: (واجعلني نوراً) يعني: واجعلني على هدى، واجعل طريقتي طريقة مستقيمة. هذا هو المقصود.

стр. 283

عصمة الأنبياء السؤال هل الأنبياء معصومون من الخطأ؟ الجواب الأنبياء لا شك في أنهم معصومون من الخطأ في البلاغ عن الله ، فلا يمكن أن يخطئوا فيما يبلغون به عن الله ، ولا يحصل لهم السهو ولا النسيان في هذا الأمر، وأما الخطأ الطبيعي فإن النبي ﷺ أخطأ في صلاته وسجد للسهو، وإن كان الخطأ المقصود به المعصية فإنهم معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فإنه إذا حصل أن وقع فيها أحدهم فإنه لابد من أن يتوب إلى الله ، كما حصل للنبي ﷺ عندما اجتهد وفدى أسرى بدر، وبعضهم جعل فديته أن يعلم الصحابة شيئاً من القراءة، فلامه الله على ذلك، وتاب منه.

стр. 284

حكم قراءة المسلم للتوراة والإنجيل السؤال هل تجوز قراءة التوراة والإنجيل إذا علمنا أنهما محرفان؟ الجواب ليس في قراءة التوراة والإنجيل فائدة إلا لمتخصص ينقدها، أما أن يقرأهما عامة الناس أو من لا علاقة له بهذا التخصص فهذا ليس من السنة أبداً، والدليل على ذلك قصة عمر بن الخطاب ﵁ عندما جاء إلى النبي ﷺ ومعه قطعة من التوراة، فغضب النبي ﷺ وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي. فقال عمر: آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً) ثم ترك الاطلاع عليها.

стр. 285

معنى فسق الفأرة والحية السؤال هل معنى فسق الفأرة والحية هو الخروج عن الطاعة، أم يطلق عليها ذلك بطبيعة فعلها من الأذية والتخريب؟ الجواب النبي ﷺ قال: (إنها فاسقة) والفسوق معناه في اللغة: الخروج، فيحتمل هذا ويحتمل هذا.
следующие страницы →