← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مؤلفات محمد الغزالي في الميزان السؤال ما رأيك في مؤلفات محمد الغزالي؟ الجواب محمد الغزالي رجل خطيب، ومؤلفاته ليست علمية دقيقة، وقد رد عليه كثير من المشايخ، وردودهم موجودة في المكتبات.

стр. 282

حكم وصف النبي ﷺ بالنور السؤال هل يصح أن نقول: إن الرسول ﷺ نور؛ لأن الله تعالى قال عنه: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، جاء في دعاء الخروج إلى المسجد أنه ﵊ كان يقول: (واجعلني نوراً)؟ الجواب إذا قال الصوفية: إن النبي ﷺ نور فمعنى قولهم: إنه نور أنه ليس له جسد كأجسادنا نحن، وإنما جسده يختلف، أي: ليس له عظم ولا دم ولا شحم ولا أعصاب، وإنما هو نور، ثم يقولون: إن هذا النور مأخوذ من نور الله . ولا شك في أن هذا ضلال مبين. لكن إن كان المقصود أنه نور معنوي بمعنى: أنه جاء بالنور - وهو الإسلام - فيصح بهذا الاعتبار، إلا أنه لم يكن من عادة السلف الصالح رضوان الله عليهم أن يطلقوا على الرسول ﷺ أنه نور لأنه جاء بالنور، وإنما يقال: (جاء بالنور) مباشرة. وقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦] يعني: ينير لغيره الطريق بالدعوة إلى توحيد الله . وقوله: (واجعلني نوراً) هذا علم به أمته، فهل معنى هذا أن أمته كلها أنوار؟! فالمقصود بقوله: (واجعلني نوراً) يعني: واجعلني على هدى، واجعل طريقتي طريقة مستقيمة. هذا هو المقصود.

стр. 283

عصمة الأنبياء السؤال هل الأنبياء معصومون من الخطأ؟ الجواب الأنبياء لا شك في أنهم معصومون من الخطأ في البلاغ عن الله ، فلا يمكن أن يخطئوا فيما يبلغون به عن الله ، ولا يحصل لهم السهو ولا النسيان في هذا الأمر، وأما الخطأ الطبيعي فإن النبي ﷺ أخطأ في صلاته وسجد للسهو، وإن كان الخطأ المقصود به المعصية فإنهم معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فإنه إذا حصل أن وقع فيها أحدهم فإنه لابد من أن يتوب إلى الله ، كما حصل للنبي ﷺ عندما اجتهد وفدى أسرى بدر، وبعضهم جعل فديته أن يعلم الصحابة شيئاً من القراءة، فلامه الله على ذلك، وتاب منه.

стр. 284

حكم قراءة المسلم للتوراة والإنجيل السؤال هل تجوز قراءة التوراة والإنجيل إذا علمنا أنهما محرفان؟ الجواب ليس في قراءة التوراة والإنجيل فائدة إلا لمتخصص ينقدها، أما أن يقرأهما عامة الناس أو من لا علاقة له بهذا التخصص فهذا ليس من السنة أبداً، والدليل على ذلك قصة عمر بن الخطاب ﵁ عندما جاء إلى النبي ﷺ ومعه قطعة من التوراة، فغضب النبي ﷺ وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي. فقال عمر: آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً) ثم ترك الاطلاع عليها.

стр. 285

معنى فسق الفأرة والحية السؤال هل معنى فسق الفأرة والحية هو الخروج عن الطاعة، أم يطلق عليها ذلك بطبيعة فعلها من الأذية والتخريب؟ الجواب النبي ﷺ قال: (إنها فاسقة) والفسوق معناه في اللغة: الخروج، فيحتمل هذا ويحتمل هذا.

стр. 286

عدم كفاية توحيد الربوبية في الإسلام السؤال في الإسلام ذكرت أن الشخص إذا أتى بجزئية يسيرة من الإسلام لا يكون مسلماً، والمعلوم أن العبد إذا فعل جزئية من جزئيات الإسلام مثل الشهادتين والصلاة فقد أسلم، فما توضيح كلامكم؟ الجواب كان الكلام على موضوع توحيد الربوبية، وقلنا: إن الاقتصار على الإيمان بتوحيد الربوبية، لا يكفي في الإسلام، ولا يدخل به المرء في الإسلام، ولا شك في أن توحيد الربوبية من الإيمان، لكن الاكتفاء به لا يدخل الإسلام، بل لابد من أن ينضاف إلى ذلك إفراد الله بالعبادة، وليس المقصود أي جزئية في الإسلام، كما أنه ليس المقصود الإسلام الحكمي أو الإسلام الظاهر، وإنما المقصود به الإسلام الحقيقي، فمن نطق بالشهادتين أو صلى عرفنا أنه مسلم، وحكمنا عليه بالإسلام، وقد يكون منافقاً، والمقصود على كل حال هو أن توحيد الربوبية إذا اكتفى به الإنسان لا يكفيه، فإذا قال: أؤمن بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ثم اكتفى نقول: إن كفار قريش كانوا يؤمنون بذلك، فلابد من أن ينضاف إلى ذلك إفراد الله بالعبادة القلبية، وعمل الجوارح.

стр. 287

نشأة فكر العقلانيين السؤال لماذا أنشأ العقلانيون فكرهم؟ ومن هو أبرزهم؟ الجواب العقلانيون لم ينشئوا فكرهم إنشاءً، وإنما ظهر من خلال فتاويهم، ومن خلال آرائهم، ومن خلال أفكارهم، فنشأ هذا الفكر الذي سمي فيما بعد بالعقلانية؛ لأنهم يقدمون العقل على النصوص الشرعية، وأبرزهم -كما قلت- جمال الدين الأفغاني قديماً، وحديثاً الشيخ محمد الغزالي الذي رد عليه المشايخ، وكتبهم موجودة.

стр. 288

ذكر الدليل على أن العبودية هي الميثاق السؤال ما هو الدليل أن العبودية هي الميثاق؟ الجواب الآية التي في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣]، فقوله: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣] تفسير للميثاق المأخوذ على بني إسرائيل.

стр. 289

شرح العبودية [٦] لقد تعلق الصوفية بالعبودية الاضطرارية وتركوا العبادة الاختيارية الحقة لله تعالى، التي بها نجاة العبد وفوزه يوم القيامة، والصوفية دين من أديان الهند نقل إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة. وقد قسم الصوفية الناس إلى عامة وخاصة، وزعموا أنهم يدركون أشياء لا يدركها العوام، ودعوا إلى وحدة الأديان، والقول بالحلول والاتحاد، وغير ذلك من العقائد الضالة المنحرفة.

стр. 290

العبودية الاضطرارية واستواء الخلق فيها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله, إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم. أيها الإخوة الكرام: في آخر درس من الدروس المتعلقة بكتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعرضنا للكلام عن أقسام العبادة والعبودية، وقلنا: إن العبودية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: العبودية الاضطرارية. والقسم الثاني: العبودية الاختيارية. وسبق أن تحدثنا عن العبودية الاضطرارية، وقلنا: إن العبودية الاضطرارية هي الذل والخضوع لله اضطراراً, وليس اختياراً من الإنسان, وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله , فكل المخلوقات من الإنسان والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله بهذا الاعتبار. وقلنا: إن الكفار -أيضاً- هم عابدون لله اضطراراً, أي: خاضعون له, وذليلون له، وهم في خضوعهم وذلهم هذا ليسوا مختارين، وإنما هم مضطرون إلى ذلك. فالعبودية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله , أي: أنه رب كل شيء , وأنه خالق كل شيء . وأما العبودية الاختيارية فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار ولو شاء لتركها, وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله بالأمر والنهي, فهؤلاء هم الذين يعبدون الله , وهم المختارون هذه العبادة عن رضى وطواعية. وسبق أن قلنا: إن العبودية الاضطرارية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار, وإنه لا يصير الإنسان بها مؤمناً. وقلنا كذلك عن هذه العبودية: إنه أقر بها المشركون وكفار قريش, فإنهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت. ولهذا يقول الله عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. فأثبت لهم إيماناً، لكن هذا الإيمان لا ينفع وحده, بل لابد من أن يضاف إلى هذا الإيمان إيمان آخر، وهو الاختيار في عبودية الله .

стр. 291

الصوفية ومنهجها في العبودية سبق أن قلنا: إن العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها, فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد, ولهذا يردد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دائماً في كتبه في السلوك -مثل كتاب الاستقامة, ومثل كتاب التحفة العراقية- يردد ذكر هذه العبودية عنهم. وقد يستطرد أحياناً في بعض كتبه الأخرى فيذكر أن الصوفية يفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية. وهذا ما ذكره هنا, فإنه قال: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة -وهي الحقيقة الكونية- التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر, وإبليس معترف بهذه الحقيقة, وأهل النار. قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] إلى آخر ما ذكره ﵀ في هذا الموضوع.

стр. 292

نشأة التصوف وقبل أن نتحدث عن شهود الصوفية لهذه الحقيقة لابد من أن نُعرف أولاً بالصوفية، ولا بد من أن نتحدث عن نشأة التصوف والصوفية في حياة المسلمين, ثم نذكر باختصار الكلام على أهم العقائد التي يتبناها الصوفية, ثم بعد ذلك نعلق على كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضع عن شهود الصوفية للحقيقة الكونية, واعتبار هذه الحقيقة الكونية الأساس في العبودية. اختلف الباحثون في الحديث عن نشأة التصوف, وأصح الأقوال في نشأة التصوف هو أن الصوفية دين من أديان الهند نقل إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة. فإن الهنود الوثنيين عندهم فلسفة ورياضة يسمونها الثيوصوفية, و (الثيوصوفية) هذه معناها: عاشق الإله, أو عاشق الله. فالثيوصوفية مثل الفلسفة، فإن كلمة (فيلاسوف) معناها: محب الحكمة, والحكمة هي أسرار الأشياء واللطائف التي تكون في الأشياء ومكونات الأشياء. ومن هنا سمي الفلاسفة فلاسفة؛ لأنهم -حسب زعمهم- يسعون من أجل الوصول إلى الحكمة, فكلمة (فيلاسوف) مركبة من كلمتين (فيلا) و (سوف) , فـ (فيلا) معناها الحكمة, و (سوف) معناها محب، فالمعنى والترجمة لها أنها (محب الحكمة) , فهذه معنى (فيلا سوف)، وكذلك معنى (ثيو صوف) , أي: عاشق الإله، فإن (صوف) بمعنى: محب أو عاشق, و (ثيو) بمعنى: الإله. وكانت الهنود عندهم رياضات يقومون بها، وهذه الرياضات يزعمون أنها توصلهم إلى الإشراق, وأن هذه الرياضات إذا تدربوا عليها بطرق معينة وبأساليب معينة فإنهم سيصلون إلى مراحل عالية جداً. من هذه المراحل المخاطبات والمكاشفات التي تحصل لهم، ومن ذلك -أيضاً- أنهم قد يظنون أنهم يتصرفون في الأشياء بناء على هذه الرياضات. وهذا ما ذكره أبو الريحان البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في الذهن أو مرذولة)، وهذا الكتاب هو عبارة عن كتاب تاريخي يتكلم عن البلدان وأديان البلدان, ومؤلفه هو رجل جغرافي ورحالة كان يتنقل في البلاد, وكلما نزل في بلد من هذه البلدان يتحدث عن طبيعة هذه البلاد وعن دينها, فألف هذا الكتاب عن الهند لما رأى فيها من العجائب والغرائب، وكانت الهند من أعرق البلدان والشعوب في قضايا الفلسفة. والمهم أن هذا الكتاب -الذي هو تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في الذهن أو مرذولة- تحدث عن أديان الهند، وذكر أن عندهم طائفة تسمى (الثيوصوفية)، وذكر من أوصافهم أنهم يعشقون الإله, وأنهم يتصورون أنهم إذا تعلقوا بالإله فإن الإله يعطيهم من فيضه ويعطيهم من جوده ما يمكن أن يتصرفوا به في الكون من حولهم. وانتقلت هذه الديانة إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة كما سبق أن ذكرت, فإن الأمة المسلمة لما أظهر الله دينها, وحكم رسول الله ﷺ الجزيرة، وانطلقت الفتوحات في زمن أبي بكر الصديق وفي زمن عمر بن الخطاب ﵄ استطاع الصحابة رضوان الله عليهم أن يكسروا شوكة أمم كثيرة، ومنهم الفرس والهنود وأمثال هؤلاء, فدخل كثير من أبناء هذه البلدان المفتوحة في دين الله نفاقاً, فلما دخلوا نفاقاً أرادوا أن يفسدوا هذا الدين من داخله, وذلك عن طريق إثارة بعض العقائد الباطلة وبعض المفاهيم المنحرفة, ومحاولة تغيير الدين من داخله. وبالفعل ظهرت كثير من البدع التي لا تمت إلى جوهر الإسلام بأي وجه من الوجوه, وسنلحظ عندما نستعرض بعض عقائد هؤلاء أنه لا يتصور أن إنساناً ينتسب إلى الإسلام ومع هذا يقول بهذه العقائد وهذه الأقوال. وبهذا ظهر دين الشيعة, وظهر -أيضاً- التصوف من خلال هؤلاء, وظهرت الباطنية الذين يزعمون أن مشايخهم آلهة يديرون الكون ويتصرفون فيه، كما سيأتي ذكر بعض عقائدهم وأفكارهم. فأدخل الزنادقة ذلك الانحراف في حياة المسلمين, فلما أدخله الزنادقة في حياة المسلمين وجدوا طائفة من المسلمين يتميزون بالزهد ويتميزون بالتقشف ويتميزون بكثرة العمل الذي يكون متعلقاً بالعبادة. فلما وجدوا هؤلاء -لا سيما مع كثرة الجهل- أظهروا لهم الزهد وأظهروا لهم التعبد, ثم بعد ذلك أظهروا شيئاً من عقائدهم قليلاً قليلاً حتى ظهرت هذه الطائفة التي سميت فيما بعد بالصوفية. ولا يعني هذا أن كل من انتسب إلى الصوفية زنديق, فكل دعوة من الدعوات وكل مذهب من المذاهب فيه مخدوعون كثر, لا يعرفون حقيقة هذا المذهب, ولا يعرفون فكرته الأساسية, وإنما ينتسبون إليه مجرد انتساب, وربما أخذوا بعض المظاهر العامة فيه وانتسبوا إليه. وهذا يدل على أنه ليس كل واحد من الصوفية لابد من أن يكون زنديقاً يريد هدم الإسلام من الداخل. لكن الذين نقلوها إلى العالم الإسلامي, والذين دبروا هذه المكيدة للمسلمين؛ لاشك في أنهم زنادقة، كما سيأتي في الكلام عن شيء من عقائدهم، هذه هي نشأة الصوفية وهذه هي بدايتهم.

стр. 293

عقائد الصوفية

стр. 294

الحقيقة والشريعة ويمكن هنا أن نذكر شيئاً من عقائد الصوفية: فمن ذلك أن عندهم ما يسمى بالحقيقة والشريعة, ويقصدون بالشريعة الأحكام الفقهية العملية, وقد يسمونها في بعض الأحيان الظاهر, وأما الحقيقة فإنهم يقصدون بها الأعمال القلبية، وقد يسمونها الباطن في بعض الأحيان. ولم يقف التصوف عند هذا الحد, بحيث يقول أهله: إن الفقهاء يعرفون أحكام الظاهر ونحن متخصصون في أحكام الباطن. لا, وإنما أرادوا بهذا أن يقسموا الناس إلى قسمين: عامة وخاصة, فأما العامة فهم الذين يقرءون الأحكام الشرعية ويأخذون عموماتها, فمثلاً إذا قرءوا الصلاة ظنوا أن الصلاة هي هذه الصلاة التي تصلى في اليوم خمس مرات بالركعات المعهودة, وإذا قرءوا الحج ظنوه كذلك, وإذا سمعوا الجنة والنار ظنوهما كذلك, وإذا سمعوا بعض تفسير الآيات لم يفهموا منه إلا هذه المظاهر العامة التي يفهمها الإنسان عندما يخاطب بمثل هذا الكلام. وأما هم فيقولون: نحن عندنا الحقيقة, وما هي الحقيقة؟ قالوا: الحقيقة هي شيء لا يدركه هؤلاء العوام, فهي معانٍ وأسرار لا يعرفها أي أحد، وعندما تطلع على هذه الأسرار تجد الخرافات وتجد البدع المضلة والانحرافات العجيبة. ولهذا يعتبرون علماء السنة المشهورين -كالأئمة الأربعة وغيرهم- علماء الشريعة, ويعتبرون أنفسهم علماء الحقيقة. فعلماء الشريعة مثل الإمام أحمد والإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق بن همام الصنعاني وغيرهم, فيسمون هؤلاء وأتباعهم المشتغلين بدراسة العلوم الشرعية يسمونهم أصحاب الشريعة, أو أصحاب الظاهر, أو العامة. ويسمون أنفسهم وهم يتصرفون تصرفات غريبة وبعيدة عن هدي الإسلام أصحاب الحقيقة, ولهذا قد يأتي أحدهم -مثل إبراهيم العريان - ويخطب أمام الناس وهو عريان ليس عليه شيء من اللباس, فإذا أنكروا عليه ضحك بعض الصوفية وقال: هؤلاء هم العامة, ويضحك على من ينكر عليه ويقول: هؤلاء أصحاب الشريعة ما تغلغلوا في التدين وعرفوه على حقيقته كما عرفه إبراهيم العريان الذي يخطب أمام الناس وهو عريان. ولهذا يقول الشبلي: إذا بارزونا بعلم الورق خرجنا إليهم بعلم الخرق يقول: إذا احتجوا علينا بعلم الورق الذي هو علم الكتب والدراسة وحفظ الأحاديث والمسائل كما كان السلف الصالح عليه؛ برزنا إليهم بعلم الخرق. فما هو علم الخرقة عندهم؟ إن الخرقة خرافة، فهم يزعمون أن النبي ﷺ أعطى علي بن أبي طالب ﵁ خرقة وبايعه على الطريقة التي هي طريقة الأسرار وطريقة الحقائق كما يتصورونها, وصارت الخرقة هذه رمزاً وعلامة على أن من أخذها فقد وصل إلى الحقيقة، فـ علي بن أبي طالب بايع من بعده, وكل واحد يبايع الآخر. فإذا جئنا إلى أهل السنة وما عندهم من العلوم وجدنا أنهم يقولون: حدثنا فلان قال: أخبرنا فلان, قال: أنبأنا فلان عن فلان عن فلان, بإسناد متصل. وأما هؤلاء فيقولون: نحن لنا علم آخر غير العلم الذي أنتم عليه, نحن علمنا وإسنادنا هو عن طريق الخرقة, أخذت الخرقة عن شيخي الفلاني, عن شيخه الفلاني عن شيخه الفلاني, حتى وصلت إلى الرسول ﷺ . فما هي فائدة هذه الخرقة؟ قالوا: هذه الخرقة عبارة عن رمز, وعبارة عن طريقة إذا تعلمها الإنسان فإنه يحدث عن الله مباشرة, فيقول: أنبأني قلبي عن ربي مباشرة, ولا يحتاج إلى قوله: (أنبأنا فلان عن فلان عن فلان عن الرسول ﷺ عن جبريل عن رب العالمين) , فأسانيدنا طويلة, أما أسانيدهم فقصيرة. ولهذا فإن الكشوف التي يحصلون عليها يعتقدون أنها يقينية مائة في المائة، ولا يشكون فيها, وسيأتي معنا الإشارة إلى هذا عندما نتحدث عن الأولياء عندهم بإذن الله تعالى.

стр. 295

الحقيقة المحمدية ومن عقائد الصوفية: الحقيقة المحمدية: فهم يغلون في الرسول ﷺ إلى درجة أنهم يوصلونه إلى ما نهى عنه ﷺ بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد الله ورسوله, فقولوا: عبد الله ورسوله)، حيث يقولون: إن الله ما خلق هذا الخلق إلا للرسول ﷺ ، وما خلق الأنبياء وما خلق الدنيا كلها إلا من أجل الرسول ﷺ , فهم يعارضون قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ولهذا يقول البوصيري: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم يعني: لولا الرسول ﷺ ما خرجت الدنيا من العدم وظهرت في الواقع في حياة الناس. ويزعمون أن النبي ﷺ كان مخلوقاً قبل آدم, وأن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة وتاب الله عليه بقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] فقالوا: هذه الكلمات هي أنه استغاث بالرسول ﷺ وسأل الله بجاهه, فقال الله لآدم كيف عرفت محمداً ﷺ ؟! قال: نظرت إلى العرش فوجدته منقوشاً عليه: (أشهد أن محمداً رسول الله) , فعرفت أنه عزيز عندك. ويقولون: إن محمداً ﷺ عبارة عن نور، وإنه ليس إنساناً حقيقياً له بدن وله جسد ونحو ذلك, وإنما هو نور من الأنوار, ولهذا يروون عن النبي ﷺ أحاديث موضوعة في هذا الأمر، منها أنه قال: (كنت نوراً وانتقلت في أصلاب الرجال نوراً حتى جئت إلى صلب عبد الله, ثم كنت بعد ذلك).

стр. 296

وحدة الأديان العقيدة الثالثة: وحدة الأديان. فالصوفية من الدعاة إلى وحدة الأديان، ولا يلزم من ذكري هذه العقائد أن كل صوفي عنده هذه العقائد، لكن هذا هو منهج التصوف، ففي بعض الأحيان قد يلتزمه الناس جميعاً, وفي بعض الأحيان قد يلتزم بعض الناس بعضه ويتركون بعضه, وفي بعض الأحيان قد يلتزم بعضهم الشعار فقط, فيقول: أنا صوفي، ويمشي معهم وهو لا يعلم, فالمخدوعون كثر. ففي وحدة الأديان يرى أئمة الصوفية الكبار -مثل ابن عربي والحلاج وابن الفارض وغيرهم- أنه ليس هناك فرق بين الأديان, وإنما الأديان جميعاً دين واحد، وهو اعتقاد أن هذا الوجود هو الله . يقول ابن عربي: لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني فهو يرى أن حب الوجود جميعاً هو دينه؛ لأن الوجود جميعه هو الله عنده، فهو يحب اليهود والنصارى والوثنيين وكل الفلسفات الموجودة المتناقضة يحبها جميعاً؛ لأن الحب هو دينه وإيمانه. وقد سبق أن نقلنا عن أحد السلف -وهو مكحول ﵀ أنه كان يقول: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري, ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي, ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. ويقصد به هؤلاء, ولهذا سبق أن ذكرت أن التصوف عبارة عن دين من أديان الهند نقلته الزنادقة إلى حياة المسلمين, ولهذا فإن السلف كانوا يسمون هذا النوع من أصحاب العقائد زنادقة. ويمكن أن يراجع كتاب اسمه (التنبيه والرد) للملطي ﵀, فإنه ذكر عقائد الصوفية، وهو في كل عقيدة يقول: وتقول الزنادقة كذا, وتقول الزنادقة كذا, ويقصد به هؤلاء الصوفية الكبار. ومما يمكن في هذا أن أبا يزيد البسطامي مرَّ على مقبرة يهود فقال: معذورون، ومر على مقبرة من مقابر المسلمين فقال: مغرورون, ثم خاطب الله فقال: ما هؤلاء حتى تعذبهم؟! حطام جرت عليهم القضايا، اعف عنهم. وهذه عقيدتهم التي سيأتي الإشارة إليها، وهي أنهم يرون أن العباد مجبورون على أفعالهم, فهم جبرية.

стр. 297

عقيدة الولاية عند الصوفية بقي أن نشير إلى عقيدة أخرى عند هؤلاء الصوفية، وهي عقيدة الولاية، والكلام على عقيدة الولاية طويل, لكن يمكن أن نلخصه في أمرين: الأمر الأول: الطريق إلى الولاية عند الصوفية. الأمر الثاني: طبقات الأولياء عندهم.

стр. 298

الطريق إلى الولاية عند الصوفية فأما الطريق إلى الولاية فيكون عندهم عن طريق الرقص, ويسمونه السماع, وعن طريق الاسم المفرد (الله، الله، الله) , وستأتي الإشارة إليه, وعن طريق الضمير: (هو، هو، هو) وهكذا, فيردد الواحد منهم ويقفز ويصيح ويبكي حتى يصل إلى درجة يسمونها الفناء, وستأتي الإشارة إلى الفناء -إن شاء الله- مفصلة. ويسمونها الاصطلام, ويسمونها السكر, وفي هذه الحالة يغيب هذا الإنسان عن شهود المخلوقات, فلا يشهد إلا الخالق كما يزعمون, ولهذا يقول أبو يزيد البسطامي نفسه: ما في الجبة إلا الله. ولهم طرق متعددة, وليس لهم طريقة واحدة يسيرون جميعاً عليها, وإنما لهم طرق متعددة يجمعها السماع والغناء والرقص والطبل والحديث عن الحب, والاستفادة من أشعار العشاق مثل مجنون ليلى قيس بن الملوح، وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم من الشعراء الذين يتكلمون عن محبوبهم. فهم يغنون ويطبلون ويصيحون ويصرخون ويرددون هذه الأشعار حتى يغيب الإنسان, فإذا غاب يغيب عن وعيه وعن عقله, فتأتيه أوهام وتأتيه مخاطبات ويسمع كلاماً وهذه مرحلة من المرض النفسي المعروف، وأظن اسمه المنخوليا أو نحو هذا, بحيث يبدأ الإنسان يهذي, ويتكلم بالخرافات ويتكلم بالأوهام. فهم يتصورون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه المرحلة فأن هذه المخاطبات التي تأتيه هي عبارة عن كلام من الله, أو كلام من الرسول, أو يرى كشوفات، فقد يرى أجساماً غريبة ويرى أشخاصاً من جراء التعب والإرهاق, لاسيما أن بعضهم -مثل الحلاج - ذهب إلى الهند في الوقت الذي كان فيه الأئمة من السلف يتنقلون بين البلدان لطلب الحديث, فانتقل الحلاج إلى الهند ورأى عباد الهنود كيف يعملون, وذلك أن أحدهم يقف على رأسه الساعات الطويلة -وهو جائع- في الشمس، فتأتيه حالة الهيستيريا, ويبدأ يصرخ ويأتي بكلام لا معنى له, ويسمون ذلك حقائق لا تقبل الجدل ولا تقبل النقاش, حتى إن أبا حامد الغزالي في الإحياء يقول: إن الكشف إذا عارض نصاً في القرآن أو السنة فإنه يؤول النص الشرعي؛ لأن الكشف لا يقبل التأويل! وفي هذه الحالة تأتيهم الشياطين التي تأتيهم في الحقيقة. وأبو حامد الغزالي له كتاب اسمه (المضنون به على غير أهله) , وهو دائماً يردد الكلام على الأسرار, ويقول: إن صدور الأحرار قبور الأسرار, وإنه ينبغي على الإنسان أن يحافظ على السر, ويقصد بالسر ما يصل إليه من المكاشفات, وقد يصل إلى الكفر الأكبر المخرج عن الإسلام، والعياذ بالله، فهذه هي الطريق إلى الولاية. وأما طبقات الأولياء فإن الأولياء عندهم ليسوا على درجة واحدة، بل أعلاهم القطب, والقطب يسمونه الغوث, والغوث هو الذي يغيث من استغاث به. ويسمون عمل القطب وما يقوم به: الخلافة عن الحق مطلقاً, أي: يكون خليفة عن الله مطلقاً. ولهذا يقولون: لا يصل إلى الخلق شيء من الحق إلا بحكم القطب, أي: لا يصل إلى الناس شيء من الله إلا بحكم القطب هذا. فهم أخذوا فلسفة يونانية عند أفلاطون، وهي أن الإله عندما كان ولا شيء موجود من المخلوقات, كان هذا الإله كاملاً من كل وجه, فلما خلق المخلوقات خلقها وفيها السيئ وفيها الحسن وفيها الرديء وفيها القبيح, ولا يمكن للإله النظيف العظيم أن يتدنس بعلاقته بهذا الخلق تدبيراً وتوجيهاً ونحو ذلك, ولهذا صدر عن الإله ما يسمونه بالعقل الفعال، وهذا العقل الفعال هو الذي يدير شئون الكون. فهم جاءوا إلى فلسفة أفلاطون فوضعوا الإله في محل الإله في نظرية أفلاطون , وجاءوا بالقطب -وهو أعظم الأولياء عندهم- ووضعوه مكان العقل الفعال, وقالوا: هذا القطب هو الذي يدبر شئون الناس. وقالوا: إنه لا يمكن أن يكون القطب إلا واحداً، وعندهم أن القطب قسمان: الأول: قطب بشري, وهذا القطب إنسان يعيش حياة الناس, وقد يكون مجهولاً عند بعض الناس, ولهذا فإن بعضهم يقول: إذا دخلت الحرم أو أي مكان من الأماكن التي يكون فيها مساجد ووجدت رجلاً وسخ الثياب قذراً حالته ترثي لها أنت؛ فإنه قد يكون القطب وأنت لا تعلم. ولهذا توجد طائفة عند الصوفية يسمونهم (الملامية) ويقولون عنهم: إنهم يفعلون الفعل الذي يستقبحه الناس دفعاً للرياء حتى لا يكشفوا أنفسهم. فالواحد منهم لا يرضى أن يكشف نفسه، إذ يمكن أن يكون القطب, فما هو الحل حتى لا يكشف نفسه؟ الحل هو أن يعمل أعمالاً يستقبحها الناس, فربما يخرج عرياناً أمام الناس, وربما يجده الناس وهو يطأ بهيمة مثلاً, وربما ينام مع الكلاب في المزابل, وهكذا، ويسمونهم الملامية؛ لأن الواحد منهم يفعل الفعل الذي يلام عليه ليدفع عن نفسه نظر الناس واهتمام الناس، فيكون مخلصاً حسب زعمه. بل إن بعض الصوفية -وهو أحمد الرفاعي الساحر المشهور صاحب الطائفة الرفاعية- قال له تلميذه: يا شيخ! هل أنت القطب؟ فقال: نزه شيخك عن القطبية، يعني: أنا أعلى منها. فالقطبية التي هي تدبير لشئون الخل

стр. 299

قصص من خرافات الصوفية التي يسمونها كرامات الأولياء والكلام في هذا الموضوع يطول, فإن الحديث عن الصوفية كثير جداً، لكن يمكن لي أن أنقل بعض النصوص المأخوذة من ثلاثة كتب: كتاب اسمه (كرامات الأولياء) لـ يوسف بن إسماعيل النبهاني، وكتاب اسمه (طبقات الأولياء) لـ عبد الوهاب الشعراني، وكتاب آخر للشعراني نفسه يتكلم فيه أيضاً عن قواعد التصوف, وهو (الأنوار القدسية في القواعد الصوفية). يقول النبهاني في ترجمة أحمد بن إدريس: إن الله خصه بالمواهب المحمدية والعلوم اللدنية, والاجتماعات الصورية الكمالية بالنبي ﷺ , والأخذ والتلقي منه، حتى لقنه النبي ﷺ بنفسه أوراد الطريقة الشاذلية. فلكي يروجوا للطريقة الشاذلية جاءوا بكرامة لهذا الرجل. ويقول الشعراني: ومنهم -يعني: من الأولياء- الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبتيلي نفعنا الله ببركاته, كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله ﷺ وهو يقول للإمام علي ﵁: ألبس عبد الوهاب طاقيتي هذه وقل له: يتصرف في الكون! ويذكر -أيضاً- من كرامات محمد بن أبي المواهب الشاذلي أنه كان كثير الرؤيا للنبي ﷺ في المنام حتى كأنه لا يفارقه, وكان يقول: قلت لرسول الله ﷺ : إن الناس يكذبوني في صحة رؤيتي لك, فقال: وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها؛ لا يموت إلا يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً! ومنهم إبراهيم المجذوب الموجودة ترجمته في (جامع كرامات الأولياء) وفي طبقات الشعراني: كان كل قميص يلبسه فيخيطه بخرقة على رقبته ضيقة جداً حتى يختنق يحصل للناس من ذلك شدة عظيمة, وإن وسعه حصل لهم الفرج والراحة! يعني: إذا ضيق في اللباس على نفسه فإن الناس يعيشون في ضيق, وإذا وسع توسع الناس، فهذه كرامته. فانظر كيف يربطون أرزاق الناس بثياب هؤلاء ورقابهم! وهذا موسى بن مهيم المرديني يقول عنه النبهاني في (جامع كرامات الأولياء): وقع بماردين حريق فاحش وفشا في البلد وعظم أمره, فاستغاثوا بالشيخ موسى ﵀ فأمرهم بإلقاء عكازه في النار فانطفأت كأن لم تكن, فقال: إن الله وعدني ألا يحترق بالنار ما مسته يدي! فأي إنسان يضع يده عليه فإنه يعتبر نفسه عتيقاً من النار! وهذا رجل منهم اسمه أبو بكر بن أبي القاسم روي عنه أنه قال: من رآني ورأيته دخل الجنة! حتى وإن كان يهودياً أو نصرانياً. وكذلك يقول أحد أئمتهم: من رآني أو رأى من رآني إلى سابع من رأى دخل الجنة. ومنهم رجل اسمه مدين الأشحوري جاءته امرأة فقالت له: هذه ثلاثون ديناراً وتضمن لي عند الله الجنة, فقال الشيخ ﵁ مباسطاً لها: ثلاثون ديناراً قليلة. فقالت: لا أملك غيرها. فضمن لها على الله الجنة، فماتت, فبلغ ورثتها ذلك, فجاءوا يطلبون الثلاثين ديناراً, وقالوا: هذا الضمان لا يصح -ويبدو أنهم من أصحاب الشريعة- فجاءتهم في المنام وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ؛ فإني دخلت الجنة! فرجعوا إلى الشيخ. وهذا مذكور في طبقات الشعراني. ومن كرامات بعضهم التي يذكرونها: أن امرأة يقارب عمرها عشرين سنة بدمشق المحروسة أعطاها سيدي تاج الدين نصيباً صالحاً من الأسرار, ثم سكنت المرقب، وصار الفقراء يترددون إلى منزلها, فمر عليها فقيران وأقاما مدة, ووردتهما أحوال عظيمة ومكاشفات رهيبة, ثم حدث أحدهما نفسه بها؛ لما رأى من إحسانها وودها، وسألها ما يسأل النساء, فأجابته ظاهراً، واعتقد القبول باستحكام غفلته, فلما ضاجعها ليلاً وجدها خشبة يابسة, فقال لنفسه المكابرة الأمارة: الثديان ألين شيء في المرأة. فلمسهما فوجدهما كحجرين, فلمس أنفها فلم يجد أنفاً، فعند ذلك اقشعر جلده! فهل هذا فعل الأولياء في الخلوات!!! يقول: ومن كراماته ما أخبرني به بعض الثقاة من أهل طرابلس -وأظنه الحاج محمد الدبوس - قال المخبر: كان في طرابلس رجل من الشباب قليل الحياء معجباً بذكره، فكان يمازح الشيخ مزاحاً بارداً, فإذا رآه يضع ذلك الشاب يده على ذكره ويقول له: هل عندك مثل هذا؟! أي: أن الشاب يقول للشيخ: ما عندك مثل هذا، فكان الشيخ يضحك من ذلك, فلما تكرر هذا الأمر مرة بعد أخرى من ذلك الشاب لقيه مرة, فضربه الشيخ عليه بيده وقال له: اذهب. فذهب كأنه امرأة لم يتحرك له شيء! وهذا كله سحر. وهناك شيخ عندهم اسمه العمري، من كراماته -كما يقول عنه النبهاني - ما أخبرني به إبراهيم الحاج المذكور قال: دخلت في هذا النهار إلى الحمام مع شيخنا في كلام قبيح كثير. ومن كراماتهم أيضاً ما حكاه حشيش أنه مر عليه يوماً فجرى في خاطره الإنكار عليه -يعني نور ا

стр. 300

الأسئلة

стр. 301

حكم القول بأن العمل شرط كمال في الإيمان السؤال يقول بعض الدعاة في تعريف الإيمان: إنه قول وعمل واعتقاد, وجعل العمل في الإيمان شرط كمال لا شرط صحة, ونسب القول بأن العمل شرط صحة إلى المعتزلة. الجواب لاشك في أن هذا القول قول غير صحيح وقول غير سديد؛ فالإيمان كما هو معلوم قول وعمل, يزيد وينقص. ومعنى (قول) أي: قول القلب وهو تصديقه, وقول اللسان، وأما العمل فهو عمل القلب، كالخشية والخوف والإرادة والتوكل على الله ، وعمل الجوارح. والقول بأن العمل عموماً شرط كمال قول باطل, وقد تحدثت في دورة علمية في متن العقيدة الطحاوية عن الإيمان, وفصلت القول في مسألة العمل ومنزلته وأهميته, وذلك بسبب أن كثيراً من الناس يخلط في موضوع منزلة العمل ومكانته، ونقلت كلام السلف في هذا. وكثير ممن ينتسب إلى منهج أهل السنة يخلط خلطاً كبيراً, ويقول: إن العمل شرط كمال, وأكثر هؤلاء متناقضون، فبعضهم يقول: العمل شرط كمال, فإذا قلت له: هل محبة الله شرط كمال، بمعنى أنه لو تركها لا يكون كافراً؟ لم يقل بذلك؛ لأن محبة الله معروف عنها أنها من أصل الإيمان, وهكذا الخوف من الله من أصل الإيمان, وهكذا الأعمال عموماً التي هي جنس الأعمال هي من أصل الإيمان, وليس من كماله الواجب.

стр. 302

كتاب المستطرف في الميزان السؤال ما رأيك في كتاب المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي؟ الجواب الكتاب هو كتاب أدب وسمر, وفيه كثير من الأحاديث الموضوعة والضعيفة, وفيه خلط كثير, وهو كتاب سمر وأخبار, وقد ينقل أخباراً فيها مبالغات وفيها أخطاء, فلا يعتمد عليه.

стр. 303

معنى قول المترجمين في العابد (فيه تصوف) السؤال عند قراءتي لبعض كتب التراجم أجد في ترجمة بعض الناس قول المؤلف في هذا الإنسان: فيه تصوف. فما هو مقصود ذلك؛ فهذا يشكل علي عند ترجمة بعض السلف؟ الجواب التصوف هو دين هندي نقل إلى المسلمين عن طريق الزنادقة, ولكن صار كثير ممن يتكلم في قضايا أعمال القلوب والسلوك والخوف من الله يسمى صوفياً من باب التجوز في العبارة، فقد يطلق على بعضهم عبارة: (فيه تصوف) أي: عنده عناية واهتمام بالسلوك. وهذه الكلمة (فيه تصوف) ليست كلمة دقيقة؛ لاحتمال أن يكون فيه تصوف من التصوف الذي جاءت به الزنادقة, واحتمال أن يكون فيه تصوف بعض أهل البدع. وبعض الذين يترجمون للأعلام قد ينسبون شخصاً من أهل السنة إلى التصوف؛ لأنه عابد ومهتم بالعبادات وعنده زهد وورع وتقوى، فينسبون هكذا من باب التجوز، وإلا فإن أصل التصوف هو ما سبق أن أشرت إليه. ولهذا إذا تكلم بعض من يتكلم عن أعمال القلوب فإنه قد يذكر شيئاً من الكلام عن التصوف ويمدحه في بعض الأحيان, وغالباً لا يقصد التصوف الذي نقله الزنادقة الذين سبق أن نقلت شيئاً من أخبارهم.

стр. 304

الغزالي وكتابه الإحياء السؤال هل أبو حامد الغزالي يعتبر من أئمة الصوفية؟ وما رأيك في كتاب (إحياء علوم الدين)؟ الجواب أبو حامد الغزالي لاشك في أنه من أئمة الصوفية, أبو حامد الغزالي كان متقلباً، فقد مرت عليه فترة كان فيها على مذهب الباطنية, ثم ألف كتاباً فضحهم فيه, ومرت عليه فترة كان فيها على طريقة أهل الكلام. فله مراحل متعددة، ومن مراحله أنه اشتغل بالتصوف زمناً، وألف كتاب (معارج القدس في أحوال النفس) , وله أيضاً كتب أخرى منها (إحياء علوم الدين). فهو على طريقة الصوفية, ولم يؤلف كتاباً ينقص كلامه السابق, وإن كان هو في نفسه قد تاب في آخر حياته, فقد ذكر عبد الغفور في كتابه (سياق تاريخ نيسابور) أن أبا حامد الغزالي توفي وصحيح البخاري على صدره, يعني: أنه رجع إلى السنة، لكنه بعد رجوعه لم يؤلف كتاباً ينكر فيه ما سبق أن ذكره في كتبه السابقة. وأما (إحياء علوم الدين) فهو كتاب من أجل كتب التربية, لكن فيه آفتان: الآفة الأولى: كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذا الكتاب. والآفة الثانية: ما خالطه من شوائب التصوف, وبعض شوائب الكلام. فإذا كان الإنسان بصيراً وعنده القدرة على أن ينتقي ويستفيد فهو من أفضل الكتب, وإذا كان الإنسان ليس عنده قدرة على أن يستنبط وأن يأخذ وأن يميز بين الصحيح والباطل, فإنه لا يقرأ هذا الكتاب, وإنما يقرأ مختصره، وهو (مختصر منهاج القاصدين) لـ ابن قدامة ﵀, فقد اختصر (إحياء علوم الدين) ابن الجوزي في كتاب سماه (منهاج القاصدين) , ثم اختصره ابن قدامة المقدسي في كتاب (مختصر منهاج القاصدين). والعجيب أن هذا الكتاب مع أنه كان له دور في نهضة المسلمين في الفترة التي عاش فيها أبو حامد الغزالي إلا أنه لا يوجد فيه باب من أبواب الجهاد. فلا يوجد فيه باب في الكلام عن الجهاد في سبيل الله وفضل المجاهدين, وحث المسلمين على الجهاد, مع أنه ألف في فترة عصيبة كانت فيها أغلب بلاد الشام تحت وطأة الصليبيين. وهذا يدلك على أن الصوفية ما كانوا يشجعون الناس على الجهاد في سبيل الله, بل في بلاد الجمهوريات الإسلامية عندما دخل الشيوعيون كانوا ربما قتلوا بعض الصوفية وهو يصيح على قبر أوليائهم فيقول: يا نقشبندي! أغثني. ولو أنه أخذ سيفاً لاستطاع أن يتخلص من هؤلاء الفجرة الجبناء، لكن الدين الذي ابتدعوه والمنهج الذي اتخذوه أوصلهم إلى هذه النتيجة المأساوية.

стр. 305

بيان اعتقاد أهل السنة في منزلة العمل من الإيمان السؤال ما هو اعتقاد أهل السنة في الأعمال, فهل هي شرط صحة في الإيمان أو شرط كمال؟ الجواب العمل شرط صحة في الإيمان, فيزول الإيمان بزوال العمل, ولا إيمان لمن لا عمل له, ولا ينفع الإيمان بدون عمل, ولا يصح ولا يقبل عند الله , ولا يقبل حتى في الدنيا، فالعمل شرط أساسي في الإيمان يزول الإيمان بزواله، وما هي الفائدة من إنسان ينتسب إلى الإسلام وهو لا يعمل شيئاً من الأعمال؟! وتصور هذا النموذج في زمن الرسول ﷺ في رجل الله صدق ما أخبر به الرسول ﷺ ، لكنه لا يعمل شيئاً، فلا يصلي، ولا يصوم, ولا يزكي، ولا يجاهد, ولا يحج, ولا يوالي المؤمنين، ولا يتبرأ من الكافرين, ولا يعمل شيئاً من الأعمال, فهل هذا النموذج ينفع في زمن الرسول ﷺ ؟! إنه لا ينفع في أحكام الدنيا ولا في الأخرى, فلا داعي لأن يتعب الإنسان نفسه بأن يقرر أن العمل شرط كمال، وإن كان بعض الناس قد يقولها وهو لا يفهم معناها. والحق أن العمل شرط أساسي في الإيمان.

стр. 306

حكم القائل بخلق القرآن السؤال هل يكفر كل من قال بخلق القرآن؟ الجواب إذا أقيمت عليه الحجة وعرف الحق وعاند فإنه يكفر، أما إذا لم تقم عليه الحجة ولم يعرف الحق وبقيت الشبهة في ذهنه فإنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].

стр. 307

مدى ثبوت مناظرة الحيدة السؤال هل المناظرة التي في كتاب (الحيدة) صحيحة؟ الجواب تكلم في إسنادها, ويبدو أن في إسنادها ضعفاً، وإن كانت مناظرة مشهورة, وفي بعض نسخها بعض الملاحظات الشرعية على بعض الفقرات.

стр. 308

النبهانيان في الميزان السؤال تنتشر كتيبات للنبهاني عند بعض الشباب, فما نصيحتكم؟ الجواب النبهاني اثنان: أحدهما: يوسف بن إسماعيل النبهاني، وهو القبوري القديم, وله كتاب اسمه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) , وذاك قبوري مشرك هالك, فإنه صرح بالشرك على نيته في هذا الكتاب. وهناك رجل آخر يوافقه في السنة، وهو النبهاني الذي أسس حزب التحرير في الأردن، ولاشك في أن هذا أيضاً عليه ملحوظات أخرى. لكن هذا غير ذاك، فصاحب حزب التحرير عليه ملحوظات، فإن عنده بعض عقائد أهل الكلام, مثل عدم قبوله لخبر الآحاد, والاتجاه العقلاني عنده واضح, وكذلك مخالفته لمنهج الأنبياء في طريقة الدعوة إلى الله .

стр. 309

الموقف من المخدوعين بالصوفية السؤال ماذا تقول في الذين كانوا مخدوعين بالصوفية, أي: كانوا يعملون بأعمال الصوفية من غير علم؟ الجواب هؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا, وهؤلاء هم موطن الدعوة إلى الله ، فإننا نحن -الدعاة إلى الله كما أننا ندعوا أصحاب الشهوات ندعوا -أيضاً- أصحاب الشبهات. فالدعوة إلى الله موجهة للفساق ولأهل البدعة, موجهة للذين كان انحرافهم عن الحق بسبب الشهوات مثل الزنا والفواحش والربا ونحو ذلك، وكذلك موجهة لأصحاب الأفكار الباطلة والعقائد الفاسدة, وما زال الإمام أحمد ﵀ برجل من أهل الإرجاء حتى رده إلى السنة, وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي أن يدعو هؤلاء كما ينبغي أن يدعو أولئك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 310

شرح العبودية [٧] القدر من أركان الإيمان، لا يتم إيمان عبد إلا به، وقد ظهرت فرق تنتسب إلى الإسلام ضلوا في هذا الباب العظيم، فأنكروا منه ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، كالقدرية والجبرية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم.

стр. 311

مراتب القدر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد. فإن آخر ما كان الكلام عنه هو ما قاله الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو أنه قال: إن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعاً للقدر، لا من يكون موافقاً للقدر. وقد سبق أن أشرنا إلى أن القدر له أربع مراتب:

стр. 312

مرتبة العلم المرتبة الأولى: إثبات علم الله الشامل والمحيط بكل شيء ، كما قال الله : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] فكل شيء من الماضي والمستقبل يعلمه الله قبل أن يوجد، والله يعلم ما يحصل لهذا الشيء، ويعلم مصيره، ومن ذلك أفعال العباد، فهو قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قد علم بعلمه الشامل المحيط بكل شيء أنه سيخلق بعض العباد، وأنه سيخلق الإنس، وأن هؤلاء الإنس سيقومون بأعمال متعددة، وأنهم سيموتون، وعلم ما سيحصل لهم في الحشر، وما سيحصل لهم بعد الحشر، وعلم منازلهم جميعاً من الجنة أو النار قبل أن يخلقهم، وهذا لشمول علمه ، فهو لا يغيب عنه شيء، فإذا آمن الإنسان بهذه المرتبة من مراتب القدر فإنه يكون قد حقق أكثر القدر.

стр. 313

مرتبة الكتابة المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة. وذلك أن الله قد كتب ما علمه من أحوال المكلفين، ومن أحوال الأشياء التي خلقها ، فهو قبل أن يخلق الخلق كتب ما علمه من شأن الخلق، ومن أحوالهم، ومن أوضاعهم جميعاً، إلى أن يصل أحدهم إما إلى الجنة، وذلك بسبب طاعته عن اختيار، وإما إلى النار، وذلك بسبب عصيانه عن اختيار، فكتب مقادير كل شيء، كما جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ : (أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وأنها عنده في اللوح المحفوظ).

стр. 314

مرتبة المشيئة والإرادة المرتبة الثالثة: إثبات مشيئة الله العامة. وهي التي تدل على أن الله خالق لكل شيء، فهو يشاء ويريد ، ولا يمكن أبداً أن يحصل في كون الله وفي مخلوقات الله شيء لم يرده الله . وهنا تحدثنا عن نوعين من الإرادة: الإرادة الأولى: هي الإرادة الكونية، وقلنا: إن معنى الإرادة الكونية: أن الله أراد أن يخلق كل شيء، ولا يمكن أن يوجد في كون الله وفي مخلوقات الله شيء لم يرده الله ، وبناءً على هذا المعنى للإرادة فإن الكفر مما أراده الله، والمعاصي مما أراد الله ، وكذلك الإيمان مما أراده الله، وكذلك الأعمال الصالحة مما أراد الله ، وكذلك وجود الأنبياء والصالحين والطيبين من الناس والعبّاد والزهّاد والمجاهدين ونحو ذلك، كل ذلك مما أراد الله أن يوجد في هذه الأرض، كما أن إبليس والكفار وأعداء الدين مما أراد الله أن يخلق وأن يوجد في هذا الكون، وبناءً على هذا فإن الإرادة الكونية -كما سبق أن أشرت- هي بمعنى الخلق؛ فالله خالق لكل شيء، ولو كانت هذه المخلوقات ليست طيبة، ولو كانت هذه المخلوقات لا يحبها، فالله يخلق أشياء وهو لا يحبها، فيخلقها وهو يكرهها ويبغضها، فقد خلق إبليس مع أنه يبغضه، وخلق الكفار مع أنه يبغضهم، وخلق كثيراً من الدواب المؤذية مع أنه يبغضها. إذاً: ما هي الحكمة عندما يخلق الله أشياء وهو يبغضها؟ إن الحكمة من ذلك هي الابتلاء، كما قال الله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] فخلق الله هذه الأشياء التي هي في ظاهرها متعارضة، وهي في الحقيقة مخلوقة ليبتلي بها العباد وينظر إلى أي شيء ينقادون، وهل يتبعون الرسل أم لا يتبعون. كما أنه أراد إرادة أخرى، وهذا يدعونا إلى الحديث عن الإرادة الثانية، وهي الإرادة الشرعية، والإرادة الشرعية موافقة لمعنى محبة الله ورضاه، فهذه الإرادة هي التي أمر بها بالأوامر الشرعية، وهي التي نهى بها عن المناهي والمحرمات، وحينئذ يعرف الإنسان أن الله له إرادتان: إرادة بمعنى الخلق، وإرادة بمعنى الشرع والأمر. وحينئذ عندما يقرأ الإنسان قول الله : ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] يعلم أن المعنى: لا يريده ولا يحبه، والرضا قدر زائد على الإرادة، فهو شبه مستقل عن صفة الإرادة، لكن قد يقول قائل: إذا كان لا يرضاه فلماذا يريده كوناً؟ و الجواب ليبتلي الله العباد.

стр. 315

مرتبة الخلق المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر: مرتبة خلق أفعال العباد. كما أخبر الله عندما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فهو خلق الإنسان وخلق عمله، كما أن قوله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] يدخل فيه أعمالنا التي نفعلها، فنحن لا يمكننا أن نعمل أعمالاً إلا وقد خلقها الله لنا؛ لأننا نحن مخلوقان، وما ينتج عن المخلوق فهو مخلوق بطبعه. وبهذه الأربع المراتب يفهم الإنسان القدر، وحينئذ فإذا سألك سائل، هل المعاصي الموجودة في الحياة من قدر الله؟ نقول: نعم هي من قدر الله. فإن قال: كيف تكون من قدر الله؟ تقول: لأنه علمها أولاً، وهذه مرتبة العلم، ولأنه كتبها، وهذه مرتبة الكتابة، ولأنه أرادها، وهذه مرتبة الإرادة، وهي إما من أفعال العباد فهي مخلوقة قطعاً، وإما من أفعال غيرهم، وهي مخلوقة كذلك قطعاً، فهي من قدر الله.

стр. 316

موقف المكلف من القدر وقد يقول قائل: نحن نسمع أنه يجب التسليم للقدر! ونقول: القدر نوعان: نوع داخل تحت مقدور الإنسان فعله أو تركه، فهذا الذي هو داخل تحت مقدور الإنسان لا يجوز له أن يرضى به، وإنما يجب عليه أن يتبع الأوامر والنواهي الشرعية. ونوع آخر غير داخل تحت مقدور العبد، مثل المصائب التي تحصل عليه، فيجب أن يرضى. وأضرب على هذا بأمثلة حتى نستطيع أن نميز بين القدر الذي يمكن للإنسان أن يرضى به، والقدر الذي لا يمكن له أن يرضى به، فعندما خلقنا الله خلقنا بأشكال معينة، خلق الطويل وخلق القصير، وخلق الأبيض وخلق الأسود، وخلق العربي وخلق العجمي، فهذه أمور ليست داخلة تحت مقدور العبد، فيرضى بها، وكذلك المصائب التي تقع على الإنسان، فلنفترض أن إنساناً ابتلي بمصيبة فأتاه سرطان مثلاً، فإنه يصبر ويرضى بما قسمه الله له، ولا يعني هذا أنه لا يتداوى، ولكن يرضى بما قسمه الله له، ويكون هذا الرضا من العبادات، فالمصائب والأشياء التي ليست داخلة تحت مقدور العبد هي الأشياء التي يرضى بها. لكن هناك أشياء لا يصح له أن يرضى بها، ومثال ذلك في إنسان يريد أن يعصي بمعصية، ويقول: المعاصي خلقها الله، وما دام أن الله خلقها فأنا أرضى بها وأفعلها! نقول: لا، حتى لو خلقها الله، فالله خلقها ونهاك عن أن ترتكبها، فإن قال: إذاً لماذا خلقها؟ نقول: للابتلاء، حتى ينظر هل تطيع أو تعصي. وحينئذ لا يجوز لك أن ترتكب هذه المعصية وتقول: إنني أرضى بالقضاء والقدر! فهذا كلام باطل، ولهذا يقول السلف الصالح رضوان الله عليهم: يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب التي تقع على الإنسان بغير اختياره؛ إذ لا شك في أن الإنسان لا يختار المصيبة لنفسه، كحادث سيارة تنقطع فيه يد إنسان، فهو في حالة انقطاع يده لا بد من أن يرضى، ولو تسخّط لكان آثماً. وهناك الذنوب والمعاصي، فالذنوب والمعاصي لا يجوز أن تحتج بالقدر عليها، لأنك تستطيع أن تبتعد عن الذنب وأن تتركه، لأنه داخلة تحت اختيارك، فالفعل والترك داخلان تحت اختيارك، فلا يمكن لإنسان أبداً أن يزعم أنه غير مختار عندما يريد أن يفعل الزنا، أو عندما يريد أن يأكل الربا، أو عندما يغتاب وينم، بدليل أنه يستطيع الترك، كما أننا نجد في الواقع أشخاصاً كانوا يعصون الله ثم تابوا وأصبحوا صالحين يعبدون الله ، وهذا يدل على أن ذلك تحت قدرة الإنسان، فالإنسان بإمكانه أن يفعل الطاعة وبإمكانه أن يفعل المعصية، لكن المصائب تأتي أقداراً، ولا يمكن للإنسان إذا قدر الله عليه بمصيبة أن يبتعد عنها، ومن ثم نقول: الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، فيصح للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب عندما تقع عليه، لكن الذنوب والمعاصي لا يجوز أن يحتج الإنسان بالقدر عليها.

стр. 317

ضلال أهل البدع في باب القدر وأهل البدع والضلالة انحرفوا في هذا الباب العظيم من أبواب العلم، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، وصاروا فرقاً وطوائف متعددة، وصاروا على مناهج مختلفة، فنجد أن المرتبة الأولى -وهي مرتبة العلم- أنكرها أوائل القدرية، فأوائلهم أنكروا علم الله بالأشياء، وقالوا: إن الأشياء لا يمكن أن يعلمها الله قبل أن تقع! وإنما يعلمها الله بعد أن تقع فنفوا علم الله بالأشياء قبل حصولها، وشبهوا علم الله بعلم المخلوق، وهؤلاء كفّرهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، وانقرضت هذه الطائفة التي كانت تنفي علم الله بالأشياء قبل وقوعها. ومرتبة الكتابة انحرفت فيها القدرية المعتزلة، فالقدرية -الذين هم المعتزلة- نفوا أن يكون الله كتب هذه الأشياء، فإنهم أثبتوا أن الله يعلم ما سيحصل للعباد قبل أن يفعلوه، لكنهم يقولون: لم يكتبه! والصحيح أنه تعالى كتب ذلك، بدليل الأحاديث الواردة في ذلك. أما الإرادة فإنه لم توجد طائفة تنفي إرادة الله بالكلية، وإنما وجدت طائفة خلطت في فهمها لإرادة الله ، فنحن أهل السنة والجماعة نقول: إن لله إرادتين: الإرادة الكونية التي هي بمعنى الخلق، فهذه يوجد بسببها بعض الأشياء التي لا يرضاها الله ولا يحبها، ويوجد فيها أشياء يحبها ويرضاها. وهناك إرادة شرعية، وهي بمعنى ما يحبه الله ، ولهذا أمر تعالى بالأوامر ونهى عن جملة من المنهيات، فنحن نؤمن بالإرادتين، أما المعتزلة فإنهم أنكروا الإرادة الأولى، وقالوا إن الله لا يمكن أن يريد المعاصي. وأما الأشاعرة فإنهم عكسوا، فنفوا الإرادة الشرعية، وأثبتوا الإرادة الكونية.

стр. 318

آثار الاعتقاد الباطل في باب القدر إن آثار هذه العقائد واضحة، فالذين نفوا الإرادة الكونية نفوا القدر بالكلية، فأصبحوا مكذبين بالقدر، ونحن نعلم أن القدر ركن من أركان الإيمان؛ فإن جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإيمان قال له: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، وقد قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فهؤلاء مكذبون بالقدر، ولهذا جاء في بعض الآثار التي صححها بعض العلماء أن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة) يعني: الذين يكذبون بالقدر في هذه الأمة يشبهون المجوس، فإن عقيدة المجوس هي أنهم ينكرون أن يكون لله كتابة وإرادة لشئون العباد، وإنما يعتقدون أن العباد هم الذين يحدثون أفعالهم، ولهذا قالوا في عقائدهم بأن عندهم إلهين: الإله الأول: النور، والإله الثاني: الظلمة، ويعتقدون أن النور هو الإله الحق، وهو قديم، والظلمة هو الباطل، وهو قديم أيضاً، وأن كليهما يفعلان بغير إرادة الله . والكلام في هذا يطول، لكن الذي يهمنا أن المعتزلة -وهم القدرية- كذبوا بالقدر، وقالوا إن الله لم يكتب أعمال العباد، ولم يردها . أما الأشاعرة والصوفية فإنهم -كما سبق أن أشرنا- على العكس تماماً، فلما جاءوا إلى الإرادة قالوا: إن الله هو خالق كل شيء ، وبناءً على هذا فيجب علينا أن نهتم بهذا الموضوع، وهو أن الله خالق كل شيء. فأثر هذا عليهم إلى درجة أنهم أصبحوا يحتجون بالقدر على المعاصي التي يقومون بها. والسبب هو عدم الكامل في فهم إرادة الله الكونية، وإرادته الشرعية، فلمّا جهلوا هذا المعنى ولم يفهموه على صورته الصحيحة وقعوا في هذه المشكلة. وقد سبق أن قرأنا في هذا الكتاب أن شيخ الإسلام ﵀ يقول: إن الصوفية الذين غاية مقصودهم من التعبد هو شهود الإرادة الكونية يعظّمون كل مخلوقات الله ، حتى ولو كان بعضها مما نهى عنه .

стр. 319

اختلاف طوائف التصوف واختلاف الحكم عليها الصوفية ليسوا على درجة واحدة، وهذه قضية من القضايا التي ينبغي أن يفهما الإنسان، فالصوفية ليسوا على درجة واحدة، وليسوا طائفة واحدة، بل الصوفية طوائف، فبعضهم على عقيدة ابن عربي -كما ستأتي الإشارة إليه- في التصوف، وهذا كفر مبين، والعياذ بالله، وبعضهم عنده بدع غليظة لكنه لم يصل إلى درجة الكفر، وإنما هو ضال ومنحرف عن السنة، وبعضهم أقل شأناً، فعنده بعض البدع العملية مثل بعض الأذكار البدعية، وبعض الأوراد البدعية التي فيها توسل بجاه الرسول ﷺ ، أو يكون فيها عدد معين من الدعاء لم يرد في السنة، مثل أن يقال ألف مرة، أو نحو ذلك، وكل هذا من البدع المحدثة، والنبي ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وهناك طائفة من الصوفية إنما هم عبّاد وأتقياء اعتنوا بجانب أعمال القلوب، لكن عندهم شيء من الجهل، وشيء من عدم معرفة الأحكام الشرعية، ولم يعتنوا بالتعلم، وإنما عظّموا جانب أعمال القلوب أكثر من جانب العلم الشرعي، فحصل عندهم بعض الأخطاء وبعض المزالق، ولهذا فإنك حين تقرأ في كتب التراجم قد تجد عالماً يقال عنه: فلان بن فلان الصوفي. فلا يعني هذا أنه كافر عندنا، ولا يعني أنه ضال مبتدع، لا، بل قد يكون هذا الإنسان عابداً، لكن وصف بهذا الوصف من قبل شخص ترجم له، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتخذ موقفاً واحداً تجاه هذه الفئة بحيث يحكم عليها بحكم واحد، بل كل إنسان له حكم خاص، وكل فئة لها حكم خاص، وكل رأي له حكم خاص؛ فهذه الطائفة -كما قلت- مجموعات مختلفة، فإذا حكمت عليها بحكم واحد أخطأت، فإذا حكمت عليهم بأنهم مبتدعة كلهم فقد أخطأت من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه قد ينسب أشخاص إليهم وهم ليسوا مبتدعة، فتكون قد أخطأت في حق هؤلاء الأشخاص المساكين. الناحية الثانية: أنه قد يوجد أشخاص ينتسبون إلى الصوفية وهم كفار، مثل ابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء الضالين، فتكون قد أخطأت عندما أدخلت هؤلاء في الإسلام وهم في الحقيقة كفار، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون لديه سعة أفق في التعامل مع الأحكام، فلا يصح أن يطلق الإنسان الأحكام جزافاً بغير بينة وبغير إدراك وبغير معرفة، ولهذا كان السلف -رضوان الله عليهم- يسمون الآراء المخالفة للسنة مقالات؛ لأن كل شخص مسئول عن مقالته التي قالها، وقد يوجد مجموعة أشخاص يتفقون على سلسلة عقدية معينة، فهؤلاء يسمون فرقة ويسمى رأيهم مذهباً، لكن لا يصح أن يحكم الإنسان هكذا جزافاً، وإنما الواجب أن يتثبت الإنسان وأن يعلم.

стр. 320

كمال أهل السنة والجماعة في جميع مسائل الدين نحن -أهل السنة والجماعة- أرحم الخلق بالخلق، ولهذا يعذر أهل السنة المخطئ، ويعذرون الجاهل، ويعذرون الغافل، ويرحمون الخلق، وهم أرحم الناس بالناس، وهم -كما قال عنهم السلف رضوان الله عليهم- نقاوة المسلمين، فأهل السنة هم أنقاهم وأصفاهم اعتقاداً وقلباً وإيماناً، فهذه قضية ينبغي أن تدرك على صورتها الصحيحة. فأهل السنة مكتملون، فتجد أنهم يعتنون بطلب العلم الشرعي، فهم لا يعبدون الله على جهل، وإنما يعتنون بطلب العلم الشرعي، ويتفقهون، ويكتبون، ويحفظون، ويستفتون أهل الذكر وأهل العلم، ويطلبون الدليل، ويعتمدون على القرآن وعلى السنة، وتجد أن أهل السنة -أيضاً- يعتنون بأعمال القلوب، فهم يعتنون بمحبة الله، وبالخوف من الله، وبالتوكل على الله، وبالإنابة إليه، فليس عندهم جفاف في عواطفهم، بل هم أرق الناس في تعبدهم لله ، تجد الرجل منهم إذا وقف في الصف يبكي من خشية الله، واقرءوا سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وهم الجيل الأول من أجيال أهل السنة، واقرءوا سير العلماء السابقين، فمع أنهم طلبوا العلم واشتغلوا به لم يشغلهم ذلك عن أعمال القلوب وأهميتها، لكن هذه الأعمال -التي هي أعمال القلوب- ما كانوا يبتدعون فيها، وإنما كانوا يتبعون السنة في طريقتهم، فإذا أرادوا أن يكتسبوا محبة الله بحثوا في العلم عن كيفية اكتساب محبة الله ، فإذا عرفوها نفذوها عملياً، ولهذا تجد أن أهل السنة دعاة إلى الله ، فهم يشتغلون بطلب العلم، ويشتغلون بتصفية النفوس وترقيقها، والاهتمام بها، ويشتغلون أيضاً بالدعوة إلى الله والحركة الدءوبة في نصرة الدين والعمل له والبذل من أجله، وهم -أيضاً- في نفس الوقت أهل صدقة وبر.
следующие страницы →