← Акыда

Акыда · id 36581

شرح رسالة العبودية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (446 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

موقف المكلف من القدر وقد يقول قائل: نحن نسمع أنه يجب التسليم للقدر! ونقول: القدر نوعان: نوع داخل تحت مقدور الإنسان فعله أو تركه، فهذا الذي هو داخل تحت مقدور الإنسان لا يجوز له أن يرضى به، وإنما يجب عليه أن يتبع الأوامر والنواهي الشرعية. ونوع آخر غير داخل تحت مقدور العبد، مثل المصائب التي تحصل عليه، فيجب أن يرضى. وأضرب على هذا بأمثلة حتى نستطيع أن نميز بين القدر الذي يمكن للإنسان أن يرضى به، والقدر الذي لا يمكن له أن يرضى به، فعندما خلقنا الله خلقنا بأشكال معينة، خلق الطويل وخلق القصير، وخلق الأبيض وخلق الأسود، وخلق العربي وخلق العجمي، فهذه أمور ليست داخلة تحت مقدور العبد، فيرضى بها، وكذلك المصائب التي تقع على الإنسان، فلنفترض أن إنساناً ابتلي بمصيبة فأتاه سرطان مثلاً، فإنه يصبر ويرضى بما قسمه الله له، ولا يعني هذا أنه لا يتداوى، ولكن يرضى بما قسمه الله له، ويكون هذا الرضا من العبادات، فالمصائب والأشياء التي ليست داخلة تحت مقدور العبد هي الأشياء التي يرضى بها. لكن هناك أشياء لا يصح له أن يرضى بها، ومثال ذلك في إنسان يريد أن يعصي بمعصية، ويقول: المعاصي خلقها الله، وما دام أن الله خلقها فأنا أرضى بها وأفعلها! نقول: لا، حتى لو خلقها الله، فالله خلقها ونهاك عن أن ترتكبها، فإن قال: إذاً لماذا خلقها؟ نقول: للابتلاء، حتى ينظر هل تطيع أو تعصي. وحينئذ لا يجوز لك أن ترتكب هذه المعصية وتقول: إنني أرضى بالقضاء والقدر! فهذا كلام باطل، ولهذا يقول السلف الصالح رضوان الله عليهم: يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب التي تقع على الإنسان بغير اختياره؛ إذ لا شك في أن الإنسان لا يختار المصيبة لنفسه، كحادث سيارة تنقطع فيه يد إنسان، فهو في حالة انقطاع يده لا بد من أن يرضى، ولو تسخّط لكان آثماً. وهناك الذنوب والمعاصي، فالذنوب والمعاصي لا يجوز أن تحتج بالقدر عليها، لأنك تستطيع أن تبتعد عن الذنب وأن تتركه، لأنه داخلة تحت اختيارك، فالفعل والترك داخلان تحت اختيارك، فلا يمكن لإنسان أبداً أن يزعم أنه غير مختار عندما يريد أن يفعل الزنا، أو عندما يريد أن يأكل الربا، أو عندما يغتاب وينم، بدليل أنه يستطيع الترك، كما أننا نجد في الواقع أشخاصاً كانوا يعصون الله ثم تابوا وأصبحوا صالحين يعبدون الله ، وهذا يدل على أن ذلك تحت قدرة الإنسان، فالإنسان بإمكانه أن يفعل الطاعة وبإمكانه أن يفعل المعصية، لكن المصائب تأتي أقداراً، ولا يمكن للإنسان إذا قدر الله عليه بمصيبة أن يبتعد عنها، ومن ثم نقول: الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، فيصح للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب عندما تقع عليه، لكن الذنوب والمعاصي لا يجوز أن يحتج الإنسان بالقدر عليها.

стр. 317

ضلال أهل البدع في باب القدر وأهل البدع والضلالة انحرفوا في هذا الباب العظيم من أبواب العلم، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، وصاروا فرقاً وطوائف متعددة، وصاروا على مناهج مختلفة، فنجد أن المرتبة الأولى -وهي مرتبة العلم- أنكرها أوائل القدرية، فأوائلهم أنكروا علم الله بالأشياء، وقالوا: إن الأشياء لا يمكن أن يعلمها الله قبل أن تقع! وإنما يعلمها الله بعد أن تقع فنفوا علم الله بالأشياء قبل حصولها، وشبهوا علم الله بعلم المخلوق، وهؤلاء كفّرهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، وانقرضت هذه الطائفة التي كانت تنفي علم الله بالأشياء قبل وقوعها. ومرتبة الكتابة انحرفت فيها القدرية المعتزلة، فالقدرية -الذين هم المعتزلة- نفوا أن يكون الله كتب هذه الأشياء، فإنهم أثبتوا أن الله يعلم ما سيحصل للعباد قبل أن يفعلوه، لكنهم يقولون: لم يكتبه! والصحيح أنه تعالى كتب ذلك، بدليل الأحاديث الواردة في ذلك. أما الإرادة فإنه لم توجد طائفة تنفي إرادة الله بالكلية، وإنما وجدت طائفة خلطت في فهمها لإرادة الله ، فنحن أهل السنة والجماعة نقول: إن لله إرادتين: الإرادة الكونية التي هي بمعنى الخلق، فهذه يوجد بسببها بعض الأشياء التي لا يرضاها الله ولا يحبها، ويوجد فيها أشياء يحبها ويرضاها. وهناك إرادة شرعية، وهي بمعنى ما يحبه الله ، ولهذا أمر تعالى بالأوامر ونهى عن جملة من المنهيات، فنحن نؤمن بالإرادتين، أما المعتزلة فإنهم أنكروا الإرادة الأولى، وقالوا إن الله لا يمكن أن يريد المعاصي. وأما الأشاعرة فإنهم عكسوا، فنفوا الإرادة الشرعية، وأثبتوا الإرادة الكونية.

стр. 318

آثار الاعتقاد الباطل في باب القدر إن آثار هذه العقائد واضحة، فالذين نفوا الإرادة الكونية نفوا القدر بالكلية، فأصبحوا مكذبين بالقدر، ونحن نعلم أن القدر ركن من أركان الإيمان؛ فإن جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإيمان قال له: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، وقد قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فهؤلاء مكذبون بالقدر، ولهذا جاء في بعض الآثار التي صححها بعض العلماء أن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة) يعني: الذين يكذبون بالقدر في هذه الأمة يشبهون المجوس، فإن عقيدة المجوس هي أنهم ينكرون أن يكون لله كتابة وإرادة لشئون العباد، وإنما يعتقدون أن العباد هم الذين يحدثون أفعالهم، ولهذا قالوا في عقائدهم بأن عندهم إلهين: الإله الأول: النور، والإله الثاني: الظلمة، ويعتقدون أن النور هو الإله الحق، وهو قديم، والظلمة هو الباطل، وهو قديم أيضاً، وأن كليهما يفعلان بغير إرادة الله . والكلام في هذا يطول، لكن الذي يهمنا أن المعتزلة -وهم القدرية- كذبوا بالقدر، وقالوا إن الله لم يكتب أعمال العباد، ولم يردها . أما الأشاعرة والصوفية فإنهم -كما سبق أن أشرنا- على العكس تماماً، فلما جاءوا إلى الإرادة قالوا: إن الله هو خالق كل شيء ، وبناءً على هذا فيجب علينا أن نهتم بهذا الموضوع، وهو أن الله خالق كل شيء. فأثر هذا عليهم إلى درجة أنهم أصبحوا يحتجون بالقدر على المعاصي التي يقومون بها. والسبب هو عدم الكامل في فهم إرادة الله الكونية، وإرادته الشرعية، فلمّا جهلوا هذا المعنى ولم يفهموه على صورته الصحيحة وقعوا في هذه المشكلة. وقد سبق أن قرأنا في هذا الكتاب أن شيخ الإسلام ﵀ يقول: إن الصوفية الذين غاية مقصودهم من التعبد هو شهود الإرادة الكونية يعظّمون كل مخلوقات الله ، حتى ولو كان بعضها مما نهى عنه .

стр. 319

اختلاف طوائف التصوف واختلاف الحكم عليها الصوفية ليسوا على درجة واحدة، وهذه قضية من القضايا التي ينبغي أن يفهما الإنسان، فالصوفية ليسوا على درجة واحدة، وليسوا طائفة واحدة، بل الصوفية طوائف، فبعضهم على عقيدة ابن عربي -كما ستأتي الإشارة إليه- في التصوف، وهذا كفر مبين، والعياذ بالله، وبعضهم عنده بدع غليظة لكنه لم يصل إلى درجة الكفر، وإنما هو ضال ومنحرف عن السنة، وبعضهم أقل شأناً، فعنده بعض البدع العملية مثل بعض الأذكار البدعية، وبعض الأوراد البدعية التي فيها توسل بجاه الرسول ﷺ ، أو يكون فيها عدد معين من الدعاء لم يرد في السنة، مثل أن يقال ألف مرة، أو نحو ذلك، وكل هذا من البدع المحدثة، والنبي ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وهناك طائفة من الصوفية إنما هم عبّاد وأتقياء اعتنوا بجانب أعمال القلوب، لكن عندهم شيء من الجهل، وشيء من عدم معرفة الأحكام الشرعية، ولم يعتنوا بالتعلم، وإنما عظّموا جانب أعمال القلوب أكثر من جانب العلم الشرعي، فحصل عندهم بعض الأخطاء وبعض المزالق، ولهذا فإنك حين تقرأ في كتب التراجم قد تجد عالماً يقال عنه: فلان بن فلان الصوفي. فلا يعني هذا أنه كافر عندنا، ولا يعني أنه ضال مبتدع، لا، بل قد يكون هذا الإنسان عابداً، لكن وصف بهذا الوصف من قبل شخص ترجم له، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتخذ موقفاً واحداً تجاه هذه الفئة بحيث يحكم عليها بحكم واحد، بل كل إنسان له حكم خاص، وكل فئة لها حكم خاص، وكل رأي له حكم خاص؛ فهذه الطائفة -كما قلت- مجموعات مختلفة، فإذا حكمت عليها بحكم واحد أخطأت، فإذا حكمت عليهم بأنهم مبتدعة كلهم فقد أخطأت من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه قد ينسب أشخاص إليهم وهم ليسوا مبتدعة، فتكون قد أخطأت في حق هؤلاء الأشخاص المساكين. الناحية الثانية: أنه قد يوجد أشخاص ينتسبون إلى الصوفية وهم كفار، مثل ابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء الضالين، فتكون قد أخطأت عندما أدخلت هؤلاء في الإسلام وهم في الحقيقة كفار، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون لديه سعة أفق في التعامل مع الأحكام، فلا يصح أن يطلق الإنسان الأحكام جزافاً بغير بينة وبغير إدراك وبغير معرفة، ولهذا كان السلف -رضوان الله عليهم- يسمون الآراء المخالفة للسنة مقالات؛ لأن كل شخص مسئول عن مقالته التي قالها، وقد يوجد مجموعة أشخاص يتفقون على سلسلة عقدية معينة، فهؤلاء يسمون فرقة ويسمى رأيهم مذهباً، لكن لا يصح أن يحكم الإنسان هكذا جزافاً، وإنما الواجب أن يتثبت الإنسان وأن يعلم.

стр. 320

كمال أهل السنة والجماعة في جميع مسائل الدين نحن -أهل السنة والجماعة- أرحم الخلق بالخلق، ولهذا يعذر أهل السنة المخطئ، ويعذرون الجاهل، ويعذرون الغافل، ويرحمون الخلق، وهم أرحم الناس بالناس، وهم -كما قال عنهم السلف رضوان الله عليهم- نقاوة المسلمين، فأهل السنة هم أنقاهم وأصفاهم اعتقاداً وقلباً وإيماناً، فهذه قضية ينبغي أن تدرك على صورتها الصحيحة. فأهل السنة مكتملون، فتجد أنهم يعتنون بطلب العلم الشرعي، فهم لا يعبدون الله على جهل، وإنما يعتنون بطلب العلم الشرعي، ويتفقهون، ويكتبون، ويحفظون، ويستفتون أهل الذكر وأهل العلم، ويطلبون الدليل، ويعتمدون على القرآن وعلى السنة، وتجد أن أهل السنة -أيضاً- يعتنون بأعمال القلوب، فهم يعتنون بمحبة الله، وبالخوف من الله، وبالتوكل على الله، وبالإنابة إليه، فليس عندهم جفاف في عواطفهم، بل هم أرق الناس في تعبدهم لله ، تجد الرجل منهم إذا وقف في الصف يبكي من خشية الله، واقرءوا سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وهم الجيل الأول من أجيال أهل السنة، واقرءوا سير العلماء السابقين، فمع أنهم طلبوا العلم واشتغلوا به لم يشغلهم ذلك عن أعمال القلوب وأهميتها، لكن هذه الأعمال -التي هي أعمال القلوب- ما كانوا يبتدعون فيها، وإنما كانوا يتبعون السنة في طريقتهم، فإذا أرادوا أن يكتسبوا محبة الله بحثوا في العلم عن كيفية اكتساب محبة الله ، فإذا عرفوها نفذوها عملياً، ولهذا تجد أن أهل السنة دعاة إلى الله ، فهم يشتغلون بطلب العلم، ويشتغلون بتصفية النفوس وترقيقها، والاهتمام بها، ويشتغلون أيضاً بالدعوة إلى الله والحركة الدءوبة في نصرة الدين والعمل له والبذل من أجله، وهم -أيضاً- في نفس الوقت أهل صدقة وبر.

стр. 321

أفضل العبادات سبق أن أشرت في بداية الكلام على العبادة أن العلماء ﵏ اختلفوا في أفضل العبادات، فبعضهم قالوا: أفضل العبادات هي أشقها. يعني: أكثرها مشقة، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك) وبعضهم قال: إن أفضل العبادات هي العبادة التي يكون فيها نفع متعد إلى الناس، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (خير الناس أنفعهم للناس)، وبعض العلماء قال: إن أفضل العبادات هي الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد فيه تضحية عظيمة جداً، وهي أن يبذل الإنسان نفسه -وهي أغلى ما يملكه الإنسان- في سبيل الله ، كما قيل: يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود والصحيح هو أن أفضل العبادات: العمل على مرضاة الله في كل وقت بما يناسبه، فإذا كان الوقت وقت صلاة فأفضل العبادات جمع الهم للصلاة، وإذا كان الوقت وقت إكرام ضيف فأفضل العبادات أن تكرم هذا الضيف بالابتسامة والاحتفاء والاجتهاد في إكرامه بقدر ما تستطيع، وإذا كان الوقت وقت درس علمي فينبغي عليك أن تجتهد في الاستحضار في الفهم وفي الكتابة وفي التدوين وفي الحفظ، وإذا كان الوقت وقت بر الوالدين فإنه يجب عليك أن تجتهد في برهما، وإذا كان الوقت وقت دعوة إلى الله فإنه يجب أن تكون قوياً جداً في نشاطك وعملك وبذلك في الدعوة إلى الله ، فتكون بهذه الطريقة شخصية كاملة، لكن إذا خلط الإنسان، كأن تذكر أثناء الدرس أنه ما ذكر الله بعد صلاة العشاء، فألقى الدرس وبدأ يذكره وقال: إن أفضل العمل الذكر، وبدأ يتذكر الأحاديث والآيات الواردة في فضل الذكر ونسي الدرس؛ فهذا خطأ، وكذلك لو أن شخصاً تذكر وهو في الصلاة دعوة مثلاً، فقال: إن فلاناً ما مررت به، وهو قريب من الالتزام، فبالإمكان أن يلتزم، فبدأ يفكر أثناء الصلاة: كيف يمر به؟ ومتى يمر به؟ حتى انتهى من صلاته ولم يحفظ منها شيئاً، فهذا خطأ، وبعض الناس قد يتعلق بموضوع مثل موضوع الجهاد في سبيل الله مثلاً فتجد أنه في فترة ما عنده تكون قدرة على الجهاد، فتجد أنه يشتغل بترداد هذه الفكرة فقط، وقد يهمل قراءة القرآن، وقد يهمل التسبيح، وقد يهمل طلب العلم، وقد يهمل الدعوة إلى الله ونصح المسلمين، فتجد أنه مشغول بفكرة واحدة معينة هي التي سيطرت على ذهنه، وقد يكون مفرطاً في كثير من الأعمال الصالحة بسبب أنه سيطرت عليه فكرة واحدة، وهي التي صارت محور حياته جميعاً. والواجب: أن يكون الإنسان عاملاً على مرضاة الله بما يناسب، فأفضل الأعمال هو العمل الصالح في وقته. تلك هي خلاصة الكلام على موضوع الإيمان بالقدر، والفرق المنحرفة فيه.

стр. 322

مسألة خلق أفعال العباد والاعتقاد الحق فيها المرتبة الأخيرة: مرتبة خلق أفعال العباد. ومسألة (خلق أفعال العباد) أعدل الأقوال وأفضل الأقوال فيها هو قول أهل السنة، فإن قول أهل السنة الذي هو الحق وما عداه باطل: هو أن الله خلق أفعال العباد، ومن ضمن ما خلق من أفعال العباد إرادات العباد، فخلق إرادات للعباد يميزون بها بين الصالح والفاسد، وبين الضار والنافع، وبناءً على هذا التمييز يكون الاختيار، فالله خلق أفعال العباد، وفي ذات الوقت الذي خلق فيه أفعال العباد لم يجبرهم على عمل معين، وإنما خلق لهم إرادة يختارون بها، فهل اختيار الإنسان بهذه الإرادة معناه أن الإنسان بنفسه يخلق؟! لا؛ لأن الإرادة التي يختار بها مخلوقة، فمن خلقها؟ إنه الله ، وبناءً على هذا فهو مخلوق لله ، وأفعاله مخلوقة لله ، لكنه في نفس الوقت ليس مجبراً على فعلها.

стр. 323

ضلال القدرية والجبرية في مسألة خلق أفعال العباد وهذه المسألة ضلت فيها الطائفتان المنحرفتان في القدر: القدرية، والجبرية. فالقدرية قالوا: إنه إذا كان الله هو الذي خلق أفعال العباد فمعنى هذا أننا مجبورون على أفعالنا! وبناءً على هذا قالوا: نحن نعرف أننا غير مجبورين، فبناءً على هذا لم يخلق الله تعالى أفعالنا! فإن قيل لهم: من خلقها إذاً؟! قالوا: نحن نخلق أفعالنا بأنفسنا. فأثبتوا خالقاً مع الله ، وليس بخالق واحد، بل بعدد الخلق المكلفين من الجن والإنس. أما الجبرية فإنهم قالوا: إنه ما دام أن النصوص الشرعية دلت على أن الله خلق أفعال العباد؛ فلا شك في أنهم مجبورون على أفعالهم؛ لأن الله خلق أفعالهم! وهذا كلام باطل أيضاً؛ فإننا نشعر في الواقع أنا لسنا مجبورين، فأنت لو شئت لصليت، ولو شئت لتركت الصلاة، وهذا مما يشعر به الإنسان، فالجبرية خالفت واقع الإنسان وحقيقة الإنسان، والمعتزلة أثبت خالقاً مع الله ، فكفرت بربوبيته، والعياذ بالله. ولهذا ينبغي أن يفهم الإنسان القول الحق، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو أن الله خلق أفعال العباد، وفي نفس الوقت الذي خلق فيه أفعال العباد لم يجبرهم على فعل معين، وإنما خلق لهم إرادات، فهذه الإرادات يختارون بها الأعمال، ولهذا نجد أن الناس بعضهم صالح باختيار منه، وبعضهم ملحد باختيار منه، ونجد في نفس الوقت أشخاصاً كانوا صالحين وصاروا ملحدين، ونجد أشخاصاً كانوا منحرفين ثم صاروا صالحين، وهذا يدل على أن التنقل عن اختيار، فأنت عندما تصلي لا تجد أحداً يأخذك جبراً وقصراً وأنت لا تريد أن تصلي، كما أن الذي يشرب الخمر لا يجد أحداً يأخذه بيده غصباً وجبراً ثم يدخله من أجل أن يشرب الخمر، بل كل أفعالنا عن اختيار، لكن هل معنى أن أفعالنا عن اختيار أننا نحن نخلق هذه الأفعال؟! الجواب لا نخلقها، فنحن في الأصل مخلوقون لله . فنحن نكذّب القدرية المعتزلة الذين قالوا بأن العبد يخلق فعل نفسه، فنقول: الذي خلقنا وخلق أفعالنا هو الله ، ونكذّب الجبرية الذين قالوا: إن الله جبر الخلق على أفعال معينة، ونقول: الواقع يدل على أن العبد يختار، كما أن الأوامر الشرعية تدل على هذا؛ لأنه لو كان العبد مجبوراً فما فائدة القرآن والسنة؟! ولهذا يقول العلماء: أن القدرية كذّبت بالقدر، والجبرية كذّبت بالشرع. فالقدرية كذب بعضهم بعلم الله، وهؤلاء انقرضوا، وبعضهم كذّب بالكتابة وجعل العبد خالقاً لفعل نفسه، وهؤلاء هم القدرية المعتزلة، وما زالت القدرية موجودة في عقيدة الرافضة، وفي عقيدة الإباضية. وتجد بعض الكُتّاب اليوم لهم مصنفات يتكلمون فيها عن الإنسان الحر أو حرية الإرادة الإنسانية، ويقصدون بحرية الإرادة الإنسانية أن الإنسان هو الذي ينشئ فعله من غير أن يكون مكتوباً عليه، والمشكلة عند هؤلاء هي أنهم لم يعلموا أن الله علمه لا يحده حد، فلا يمكن أن يحد علم الله حد. وبعض الناس قد يقول: إذا كان الله كتب علينا هذه الأشياء؛ فنحن مساكين مجبورون! فنقول: لست مجبوراً. فإن قال: كيف كتب الله علينا هذه الأشياء؟! قلنا: الله علمه ليس كعلمك أنت، فعلم الله واسع، فإنه قبل أن يخلقك، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة علم أنه سيخلق إنساناً اسمه فلان، وسيلتقي مع فلان وفلان وفلان، وسيجتمعون في مسجد اسمه كذا، وسيدرسون كذا، وسيكون كذا، لقد علم هذا قبل أن يخلقنا بآلاف السنين، وهو عالم؛ لأن علمه ليس محدوداً كعلمي وعلمك، بل علمه واسع، فهو يعلم الماضي ويعلم المستقبل، ونحن لا نعلم المستقبل، ولا ندري ماذا سيحصل غداً، لكن الله يعلم ماذا سيحصل غداً، فعلمه الشامل كتبه في اللوح المحفوظ، فليس هناك جبر للعبد حتى نقول: إن العبد لا يريد أن يشرب الخمر، لكن الله كتب عليه شرب الخمر! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فكأن الله جبره على ذلك، فهذا خطأ في فهم الإنسان وتصوره لعلم الله بأنه مثل علم الإنسان، فأنت لا تعلم ما سيحصل غداً، لكن يمكنك أن تأخذ شخصاً وتقول له: غداً تعمل كذا وتعمل كذا! وبهذه الطريقة تكون قد أجبرته، لكن الله ما أجبرنا مع أنه علم ما سنختار، ومثال ذلك في شيء أجده أما يمكنني أخذه ويمكنني تركه، فهل أنا مجبور على فعل معين فيه؟! إن عندي إرادة في نفسي، فلو شئت لأخذته الآن ولو شئت لتركته، ولا أحد من البشر ما يمكن أن أفعله بعد ذلك من الأخذ والترك، لكن الله يعلم، فكتب أنني سآخذه، أو كتب أنني لن آخذه بناءً على علمه ، وعلمه شامل، فينبغي أن تفهم هذه الحقيقة الشرعية.

стр. 324

المصائب والمعايب وحكم الاحتجاج بالقدر فيهما وبعد أن شرح الشيخ كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني أشار إلى مجموعة من الآيات التي تبين بعض الأحكام الشرعية، وهي أن للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب، لكنه لا يحتج به على المعايب، يقول في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]: [ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف]. ثم بدأ يذكر بعض الآيات والأحاديث التي تدل على أن الإنسان إذا أصيب بمرض أو أصيب بفقر أو أصيب بمصيبة كان ذلك من قدر الله ، وأنه لا بد من أن يصبر عليه ويرضى به. يقول: [قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] يعني: من يؤمن بقدر الله في هذا الأمر يهد قلبه. قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]] فقوله تعالى: ((إِلَّا فِي كِتَابٍ)) يعني: مكتوبة. وهذا يدل على المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟)] فموسى يلوم آدم ﵉ فعلى أي شيء يلومه؟ على أنه كان سبباً في إخراجه من الجنة، فهل لامه على أكل الشجرة؟ إنه لم يلمه على أكل الشجرة، وإنما لامه على المصيبة المترتبة على المعصية. قال ﷺ : (فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوباً عليّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم). يعني: ما دام أنه مكتوب عليّ فلماذا تلومني؟! ولهذا جاء في بعض الألفاظ: (فلماذا تلومني على شيء قد كتبه الله عليَّ قبل أن أخلق بخمسين ألف سنة). قال النبي ﷺ : (فحج آدم وموسى) يعني: أن آدم غلب موسى في الحجة؛ لأنه احتج بما هو حجة صحيحة، وهو أن هذا أمر كتبه الله عليه، فكيف تلومني عليه وقد كتبه الله عليّ؟! فلا يصح أن يلام الإنسان على شيء كتب عليه. فآدم ﵇ لم يحتج بالقدر على الذنب، وبعض الناس يقول: مكتوب عليّ أن أعصي الله . وهذا احتجاج غير صحيح، فآدم ﵇ لم يقل: يا موسى! إن المعصية التي فعلتها مكتوبة عليّ. وإنما احتج بالمصيبة، أما أن المذنب يحتج بالقدر فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لأبليس، فيقول يا رب! أنت كتبت عليَّ أن أعصيك، وإلا فإني لا أريد أن أعصيك. وهذا لا يصح أن يكون حجة لإبليس، ولا يصح أن يكون حجة لأي إنسان. فالاحتجاج بالقدر على الذنوب لا شك في أنه باطل، وإذا جئت إلى الإنسان الذي يحتج بالقدر فآذيته بأي نوع من الإيذاء فإنه لا يمكن أن يصبر على هذا الإيذاء، وإنما يكافئ الإيذاء بمثله، فقد جيء برجل إلى عمر بن الخطاب -كما يذكر أهل السير والأخبار- وقد سرق، فقال له: كيف تقطع يدي على شيء كتبه الله عليّ؟! يعني السرقة، فقال: وإن الله كتب على يدك أن تقطع، كما أنه كتب أن تسرق. يعني: أنت كنت مخيراً بين السرقة وتركها، فاخترت السرقة، وقد علمنا باختيارك للسرقة أن الله كتبها عليك، فنحن نقطع يدك بما أمر الله به، وكل ذلك من قدر الله . يقول: [ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لإبليس وقوم نوح وقوم عاد وكل كافر، ولا موسى لام آدم أيضاً لأجل الذنب] يعني: ما قال له: لماذا أكلت من الشجرة؟! وإنما لامه من أجل المصيبة، فإن آدم قد تاب إلى الله فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة، وهي الإخراج من الجنة، إذ كان بالإمكان أن نكون في الجنة، فشعر موسى ﵇ بأن الخروج إلى هذه الدنيا والعيش فيها مصيبة فلامه، فاحتج عليه آدم بالقدر، وهو أن هذا شيء مكتوب عليه أصلاً، فتنزل أنت إلى هذه الأرض وأنزل أنا إلى هذه الأرض، ولهذا قال له: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم: إن هذا كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق. فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله رباً. وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر الله ويتوب من المعايب ويصبر على المصائب، والمعايب: هي الذنوب، والمصائب: ما يحصل للإنسان من البلاء، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ

стр. 325

آثار الاحتجاج بالقدر على عذر العصاة يقول: [وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته]. يعني: لا يقل الإنسان: إن الكفار معذورون؛ لأن هذا المكتوب عليهم مقدر عليهم، ولا يقل: إن دعاة الفسق والفجور والانحراف معذورون؛ لأن ذلك مكتوب عليهم، وبناء على هذا نترك جهاد المنافقين، أو نترك الدعوة إلى الله ، ونحن نعلم أن هناك كفاراً يدعون لكفرهم ويقاتلون من أجله، وأن هناك منافقين يدعون إلى النفاق والفجور والانحراف والضلال بكل صوره وألوانه، وأن هناك فسّاقاً ينشرون الفسق بأعمالهم وأقوالهم في الناس، فلو كنا جبرية على مذهب هؤلاء لعذرنا الكفار، وعذرنا المنافقين، وعذرنا الفسّاق الذين يدعون إلى فسقهم، وهذا لا شك في أن له آثاراً خطيرة جداً على الدعوة إلى الله ، ولهذا فإن الصوفية الذين صاروا جبرية، وعظّموا الإرادة الكونية، ورأوا أن مخلوقات الله الموجودة يجب أن تعظّم لأنها مخلوقات لله ؛ رتبوا على هذا الإهمال في الدعوة والتكاسل، لكنك عندما تجد أهل السنة يؤمنون بالأمر والنهي، ويؤمنون بالإرادة الكونية من جهة، وبالإرادة الشرعية من جهة أخرى؛ تجد أنهم ينشطون في الدعوة إلى الله وفي مواجهة أهل الفساد، فهم يواجهون الكفار بالجهاد في سبيل الله، أو بما يناسب في مرحلتهم تلك، ويواجهون المنافقين بكشف خططهم وبيان عوارهم للناس، حتى لا يأخذوا آراءهم وأفكارهم التي يدسون فيها السم في الدسم، وكذلك يوضحون آراء أهل الشهوات، ويمنعون أهل الشهوات من شهواتهم، كما قال الشيخ: يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالى أولياء الله، ويعادي أعداء الله، ويحب في الله، ويبغض في الله الخ.

стр. 326

التمييز بين أهل الحق والباطل دليل فساد القول بعذر العصاة ثم ساق آية طويلة في البراءة من المشركين في سورة الممتحنة، وساق آية أخرى في سورة المجادلة في موضوع البراءة من المشركين، ثم ساق مجموعة من الآيات معناها واحد، وهو التمييز بين الصنفين: المسلمين من جهة، والمشركين والفاسقين والعصاة من جهة أخرى، وهذا التمييز يدل على أن الجهاد والصراع بين الحق والباطل، واعتبار الحق حقاً، واعتبار الباطل باطلاً مقصود في الشريعة، وأن هذا هدف من أهداف هذا الدين الذي جاء به الرسول ﷺ عن الله. فمن الآيات التي ساقها قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٨]، ولو كنا على مذهب الجبرية لما كان فرق؛ لأنا كلنا مجبورون. وقال تعالى: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أي: هل يستوي هؤلاء وهؤلاء ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩] يعني: هل يستوي المسلم والمشرك؟! أي: من يعبد إلهاً واحداً وهو الله ، ومن يعبد آلهة متعددة لا يستويان، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٥ - ٧٦] فلا يستوي هو ومن ينفق ويبذل ويجاهد في سبيل الله. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]. ثم قال: [ونظائر ذلك فيما يفرق الله فيه بين أهل الحق وأهل الباطل، وأهل الطاعة وأهل المعصية، وأهل البر وأهل الفجور، وأهل الهدى وأهل الضلال، وأهل الغي وأهل الرشاد، وأهل الصدق وأهل الكذب].

стр. 327

الأسئلة

стр. 328

بيان ما لا يدخل تحت إرادة الإنسان من الأقدار السؤال يذكر أن الإنسان له أن يحتج بالقدر غير الداخل تحت إرادته، فما معنى هذه العبارة؟ وما هو المقصود بالاحتجاج؟ الجواب المقصود بالقدر الذي ليس تحت إرادته: المصائب التي تقع عليه، والاحتجاج بالقدر: هو الاعتذار بالقدر، هذا هو المقصود في هذا الموضوع.

стр. 329

نظرة في الدعوة إلى فقه التيسير السؤال ما هو رأيكم فيما يدعو إليه البعض من أنصاف العلماء في هذه الأيام من فقه التيسير، وبحسب زعمهم يكون هذا الفقه متكيفاً مع المتغيرات التي تعيشها الحياة الحديثة من التطور والتقدم في جميع الميادين العلمية والإعلامية، فكان من نتاج ذلك أنهم أباحوا للمرأة التمثيل وذلك بضوابط شرعية كما يزعمون فنرجو توضيح هذه المسألة؟ الجواب لا شك في أن الانحراف يقع عند كثير من الناس لعدة أسباب، فقد يقع الإنسان في الانحراف بسبب اتباع الهوى، أو بسبب الجهل، أو بسبب التعصب، أو بسبب الشعور بالانهزامية أمام المجتمعات الأخرى؛ فأمثال هؤلاء يشعرون بأنهم منهزمون أمام العالم المتطور، وأمام العالم المتحضر، وقد ابتلينا في هذه الأزمان بطائفتين انهزمتا أمام العالم الغربي المتطور المتحضر: فطائفة تركت الدين، وقالت: إن الأصلح للناس حتى يصلوا إلى التطور، ويصلوا إلى التحضر، وتنمو حياتهم، ويكونوا على مستوى راق ومتحضر هو أن يشابهوا العالم الغربي في حركاته وسكناته وتصرفاته، ويأخذوا ما عنده من حق وباطل، وصحيح وفاسد، وإن العالم الغربي ما صار متحضراً إلا عندما ترك الدين وأعرض عنه، وبناء على هذا تقول هذه الطائفة: لا بد من ترك هذا الدين، ويصفون هذا الدين بأنه يقيد حريات الأشخاص، أو يقولون: إن هذه خرافات وخزعبلات وأساطير، ونحو ذلك من العبارات التي يعبرون بها، وهذه الطائفة هم العلمانيون ممن ينتسب إلى المسلمين. وهناك طائفة ثانية ليسوا من العلمانين، ولا يريدون ترك الدين، وإنما هم دعاة إلى الدين، فهذه الطائفة الثانية المنهزمة أمام الحياة المعاصرة طائفة أصحابها يدعون إلى الله ، وربما صبروا في دعوتهم، واجتهدوا في الإصلاح، لكن رأوا أنه لابد من أن نعايش العالم، وأن التغيير الجذري للحياة غير ممكن، فهم يقولون: إن العالم الغربي اليوم هو المسيطر على الأرض كلها سياسياً، وإعلامياً، واقتصادياً ومن كل النواحي تقريباً، وبناء على هذا يقولون: الخير لدعوتنا حتى يكون لها رواج عند الناس هو أن نحاول أن نقرِّب بين الدين وبين متطلبات العصر والواقع الذي نعيش فيه. فنشأ عند هؤلاء ما يسمى بفقه التيسير، فيقول أصحاب هذا الفقه: نحن في عصر الإعلام، والتقنية الإعلامية فيه تقنية فائقة جداً، ولها وضع خاص جداً، فنحن -الدعاة إلى الله إذا قلنا: إن ظهور المرأة على شاشات الإعلام لا يجوز، والتمثيليات التي تظهر فيها نساء لا تجوز، والموسيقى لا تجوز، فماذا يبقى في الإعلام؟! ثم يأتي مثل هؤلاء المنتسبين إلى العلم والدعوة فيقولون: لماذا لا نسهِّل على الناس ونيسر على الناس؟! فالموسيقى جائزة، والدليل على هذا إفتاء الإمام ابن حزم ﵀ بجواز الاستماع إلى الغناء؛ فأحلوا الموسيقى. أما بالنسبة للمرأة فهناك أقوال لأهل العلم يفتون فيها بكشف الوجه واليدين، فيجوز -إذاً- للمرأة أن تكشف وجهها ويديها في الشارع، وعند غير محارمها، لأن الحجاب المقصود به تغطية الرأس وبقية البدن، وما دام أن هذا هو الحجاب الشرعي فلا يمنع أن تظهر المرأة في الإعلام وهي مغطية شعرها وتكون كاشفة وجهها، لكن بشرط أن تبتعد عن الفتنة، وحينئذ يتورطون في عدة إشكالات يقعون فيها: الإشكال الأول: أين تتعلم هؤلاء الممثلات الإسلاميات الجدد؟! فليس هناك إلا المعاهد القديمة التي فيها الممثلات السيئات. الإشكال الثاني: أن التمثيل يحتاج فيه إلى الضحك في بعض الأحيان، وإلى بكاء في بعض الأحيان، وإلى ملاطفة في بعض الأحيان، فهل يجوز للمرأة في الإعلام الإسلامي الجديد أن تضحك وتأتي بما يسمى بالنكتة اليوم؟! إذاً: دعوتم إلى الفتنة بطريقة غير مباشرة. فإن قالوا: لكن التمثيليات الدرامية -أي: الجادة- لا بد من أن يكون فيها عنصر المرأة، وإغفال دور المرأة خطأ. قلنا: التمثيليات الكوميدية التي فيها ضحك ونكت لا تجوز على قولكم، فعلى أي أساس كانت هذه حراماً وهذه حلالاً؟! فمثل هؤلاء الذين يدعون إلى فقه التيسير سيجرهم فقه التيسير إلى مخالفات شرعية وتبديل لكثير من الأحكام الشرعية. ومن ذلك أننا في العالم الإسلامي عندنا أقليات غير مسلمة حيث يوجد نصارى، ويوجد بوذيون، ويوجد أصحاب عقائد أخرى، ومن المعلوم في الحكم الشرعي الصحيح أن هؤلاء يكونون تحت حماية المسلمين، لكن بشروط: أولاً: يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون، وهذا هو الموجود في كتب الفقه، وهو الموجود في حياة المسلمين قديماً. ثانياً: لا يدعون إلى مذاهبهم وآرائهم وأفكارهم، بحيث ينصّرون أحداً من المسلمين، أو يهودونه، أو يجعلونه بوذياً أو نحو ذلك. فقالوا: إذا عملنا بهذا الأسلوب ضيقنا على الناس، وفقه التيسير يقتضي أن نترك لهم نفساً، فنترك لهم حرية للدعوة، ونتنازل عن المبلغ المالي الذي سماه الله الجزية، وهكذا، ثم تأتي عدة مسائل أخرى يتورطون فيها، وحينئذ يلغون الأحكام الفقهية الشرعية الأساسية كلها بحجة التنازل للواقع المعاصر الذي يجب أن نعيش فيه. وهذه مشكلة، ونحن نقول: إن الدعوة إلى الل

стр. 330

حكم قول: (اللهم شفع في نبيك محمداً ﷺ السؤال هل يصح أن أقول: اللهم شفِّع فيَّ نبيك محمداً ﷺ ؟ الجواب نعم يصح؛ لأن هذا طلب من الله ، لكن لا يصح أن يقول الإنسان: يا رسول الله! اشفع لي! أو: يا رسول الله! أغثني في الموقف! أو نحو ذلك من الأقوال. وكذلك قول: اللهم شفّع فيَّ عبادك الصالحين الشهداء، أو الذين يعملون الصالحات. فلماذا تدعو بهذه الطريقة؟! قل: اللهم اجعلني من الصالحين، واجعلني من الشهداء، وإذا سأل الإنسان فيسأل الله الفردوس الأعلى، وهذا الدعاء جائز، إلا أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو إلا بالشيء العظيم.

стр. 331

الرد على احتجاج العصاة بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء السؤال هناك من يحتج على المعاصي بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؟ الجواب وما الذي أدراك أن قلبك على المعصية؟! فكيف عرفت؟! هل الله أخبرك فقال: أنا قلبت قلبك على المعصية؟! فليس عنده بينة ولا برهان، وإنما هو استلذاذ للمعاصي ومحاولة إضفاء الصبغة الشرعية عليها.

стр. 332

حكم إقامة الموالد السؤال ما حكم الموالد التي لا يكون فيها الغناء والرقص، بل ذكر لله وترديد لسيرة النبي ﷺ ؟ وما حجتنا عليهم إذا قلنا: إنها بدعة؟ الجواب نقول: هؤلاء الذين يعملون المولد يعملونه كل سنة؟ فإذا كانوا يعملونه كل سنة فمعنى هذا أنهم اتخذوا هذا المولد عيداً؛ لأن العيد هو الذي يعاود الناس في كل فترة، فالاحتفال بمولد الرسول ﷺ واتخاذه عيداً لا يجوز؛ لأنا نحن -المسلمين- ليس عندنا إلا عيدان فقط، العيد الأول: عيد الفطر، والعيد الثاني: عيد الأضحى، وهما اللذان نحتفل بهما كل سنة، فهذا الذي يحتفل بالمولد في السنة اتخذ عيداً ثالثاً، واتخاذ عيد ثالث بدعة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فإذا اتخذ الإنسان عيداً ثالثاً يعاوده كل فترة، ويحتفل به -مثل المولد، أو ليلة الإسراء والمعراج أو نحو ذلك- فهذا من البدع والضلالات المنحرفة، ولو لم يخالطه غناء ورقص، فمجرد اتخاذه عيداً بدعة في ذاتها، فإذا خالطه غناء ورقص زادت المعصية.

стр. 333

بيان وجه شبه القدرية بالمجوس السؤال سمعت أن وجه الشبه بين المجوس والقدرية هو أن المجوس أثبتوا خالقين، وقول القدرية بأن العبد يخلق أفعاله أثبتوا به أكثر من خالق، فكل عبد يكون خالقاً، ذكر هذا بعض أهل العلم، فما تعليقكم؟ الجواب هذا كلام صحيح، وقد سبق أن أشرت إلى أن المجوس يرون أن آلهتهم هي: النور والظلمة، ويرون أن إله النور قديم ويخلق، وإله الظلمة قديم ويخلق، وإله النور هو الذي يخلق الخير، وإله الظلمة هو الذي يخلق الشر! فجعلوا أكثر من خالق مع الله ، مع اعترافهم بالله ، فهم مثل المعتزلة والقدرية من هذا الوجه.

стр. 334

شرح العبودية [٨] العبودية معنى عظيم، وكلمة كبيرة، ومصطلح رفيع المستوى، وشرف عظيم، وقد هدى الله أهل السنة فسلكوا فيها المسلك الرباني على ضوء الكتاب والسنة، وضلت فيها طائفة الصوفية، فأدخلوا فيها ما ليس منها، وأخرجوا منها ما هو منها، فضلوا عن صراط الله المستقيم.

стр. 335

تقسيم العبودية إلى اختيارية واضطرارية وما يرادف هذين القسمين سبق أن تكلمنا عن أقسام العبودية، وقلنا: إنها تنقسم إلى قسمين: قسم اضطراري، وقسم آخر اختياري، وهناك استخدامات أخرى مقاربة لمعنى هذين القسمين، فالعبودية الاضطرارية قد يعبّر عنها بتوحيد الربوبية، وقد يعبّر عنها بالإرادة القدرية الكونية. والعبودية الاختيارية قد يعبّر عنها بتوحيد الإلهية، وقد يعبّر عنها بالإرادة الشرعية الدينية، فهذه التعبيرات متقاربة في المعنى. فإذا جئنا إلى العبودية الاضطرارية نجد أنها هي نفسها معنى إثبات أن الله هو الخالق وحده، والرازق وحده، والمحيي وحده، وجميع المخلوقات مذعنة لله وذليلة له، وهذه هي إرادته العامة الشاملة، وهي ترادف معنى الخلق والإيجاد والرزق والتدبير. وإذا جئنا إلى العبودية الاختيارية نجد أن معناها هو أن يذل الإنسان ويخضع لله عن اختيار ورغبة، وهذا هو توحيد الإلهية، فتوحيد الإلهية هو توحيد الله بأفعال العباد، وهو معنى الإرادة الدينية الشرعية، فإن الإرادة الدينية الشرعية هي ما أمر الله به من الأوامر، وما نهى عنه من المنهيات، فهذه هي الإرادة الدينية الشرعية. ويمكن أن نذكر بعض الفروق بين الإرادتين، وبين التوحيدين، وبين العبوديتين، وهذه الفروق متشابهة، سواء أكانت بين توحيد الربوبية والإلهية، أم بين العبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية، أم بين الإرادة الكونية والشرعية. وقد يقول قائل: إذا كانت هذه الكلمات الثلاث الأولى بمعنى متقارب، والكلمات الثلاث الثانية بمعنى متقارب، فلماذا أطلقت بهذه الطريقة؟! و الجواب أن الذين قالوا: العبودية اضطرارية واختيارية نظروا إلى العبد نفسه، فوجدوا أن حالات التعبد التي تحصل للعبد على نوعين: حالة اضطرارية تحصل للمسلم والكافر، والبر والفاجر. وحالة اختيارية: وهي أن يختار الإنسان أن يذل لله رغبة منه بدون أن يكون هناك إلزام قهري خارج عن إرادته. وهذه من ناحية العبودية وتقسيمها، فإذا نظروا إلى الموضوع من ناحية التوحيد وجدوا أن العبد إما أن يوحد الله في خلقه له، وهذا أمر يشعر به، أو يوحده في عبادته له، وهذا ما يختاره من التعبد. وإذا نظروا إلى الموضوع من جهة الله وجدوا أن الله مريد، فنظروا في إرادته فوجدوا أن إرادته على نوعين: إرادة عامة لا يمكن أبداً أن يحصل خلافها، وسموا هذه الإرادة الإرادة الكونية القدرية، وهي التي لا يمكن أن يخرج عن مراد الله فيها شيء. وإرادة أخرى هي عبارة عن أوامر ونواه، فيحب الله من العباد أن يفعلوا الأوامر ويحب أن يتركوا النواهي، لكن لم يلزمهم فيها.

стр. 336

الفروق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والفروق بين الإرادتين: هو أن الإرادة الكونية قد يحبها الله وقد لا يحبها، لأن مخلوقات الله التي خلقها ليست نوعاً واحداً، فمنها مخلوقات يحبها الله ، مثل الصالحين، والرسل، والإيمان، والتقوى، وبر الوالدين، ونحو ذلك من الأعمال الطيبة الصالحة، وهناك أنواع أخرى خلقها الله وأرادها في الكون وهو لا يحبها ، مثل خلق إبليس، ومثل خلق الفساد والكفر والانحراف بكل صوره وألوانه. فالإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها. أما الإرادة الشرعية فهو تعالى يحبها، ويرضاها؛ لأنها هي أوامره ونواهيه، فهو يحب من ائتمر بها، ويحب ذلك الذي يترك المنهيات، هذا الفرق الأول. الفرق الثاني: أن الإرادة الكونية ليست مقصودة لذاتها، وإنما خلق الله مخلوقات كثيرة منها ما هو مقصود لذاته مثل الإيمان، والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصالحين ونحو ذلك، ومنها أمور خلقها الله ابتلاء للخلق، مثل إبليس، ومثل الكفار والمشركين ونحو ذلك، وهذه المرادات التي أرادها الله ليست شراً محضاً من كل الوجوه، وإنما هي مقصودة لغيرها، فإن إبليس خلقه الله لتظهر عبودية العابدين، وصبر الصابرين، وابتعاد الناس عنه، ونحو ذلك من العبوديات التي تحصل من أهل الإيمان والصلاح، وهكذا الكفار عندما خلقهم الله خلقهم من أجل أن يظهر جهاد المؤمنين، ويظهر صلاحهم وتقواهم وصبرهم على كف أذاهم عن الناس ونحو ذلك، فهي مقصودة لغيرها. أما الإرادة الشرعية فإنها مقصودة لذاتها، فإذا أمر الله بالصلاة -مثلاً- فهو يقصد ويحب من العبد أن يأتي بالصلاة، وإذا أمر بالزكاة فهي مثلها، وكذلك الحج، وكذلك الصيام، وكذلك الجهاد في سبيل الله، وكذلك سائر المأمورات الشرعية. الفرق الثالث: أن الإرادة الكونية التي أرادها الله لا بد من حصولها ولا بد من وقوعها، لأنها هي معنى أن الله يخلق الخلق، فإذا خلق الله شيئاً فلا يرده أحد، ولا بد من أن يقع ولا بد من أن يكون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لمشيئته . أما الإرادة الشرعية فإن العباد قد لا ينفذونها، مثل الأمر بالإسلام، فتجد أن الكفار لا ينفذونه، ومثل الأمر بعبادة الله ، فنجد أن المنافقين لا يعترفون به، وهكذا. فهذه الفروق الثلاثة هي التي تجمع الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، والذي يفهم هذا الفرق تنجلي عنه كثير من الإشكالات التي وقع فيها أهل البدع في قضايا القدر؛ فإن المعتزلة الذين نفوا قدر الله ، وأنه كتب الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة غلّبوا الإرادة الشرعية، فلما غلّبوا الإرادة الشرعية كفروا بالإرادة الكونية، ولهذا رتبوا على هذا أن العبد هو الذي ينشئ فعل نفسه، وهو الذي يخلقه، وهو الذي يحدثه لنفسه، والله لا يتصرف في أفعال العباد ولا في أعمالهم! فجاء الجبرية وعكسوا الأمر، فآمنوا بالإرادة الكونية، وأن الله خالق كل شيء ، ومن مخلوقاته أفعال العباد، ولهذا عظّموا الإرادة الكونية على حساب الإرادة الشرعية، فقالوا بالجبر، وقالوا: إن الله جبر العباد على أفعال معينة وعلى أقوال، وإن الله قسم الخلق إلى مسلمين وكفار، ولا يمكن للمسلم أن يصير كافراً، ولا للكافر أن يصير مسلماً، وأما أهل السنة فهم وسط بين هاتين الطائفتين، وهم أهل الحق، وهم أسعد الناس بالحق، حيث آمنوا بالإرادتين جميعاً، ولم يتصوروا وجود تعارض بين الإرادتين، فهم يقولون: إن الله خالق الخلق، وهو مقدر كل شيء وقد قدر الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا يمكن لأحد أن يعمل عملاً لم يرده الله إرادة كونية ولم يخلقه وفي نفس الوقت يقولون: إن الله أمر بأوامر، وهذه الأوامر التي أمر بها للعبد فيها إرادة، فيستطيع أن يعملها وأن يقوم بها، وحينئذ جمعوا بين الإرادتين جميعاً، وكانوا أهل الحق وأسعد الناس به، وسيأتي شيء من التعليق على موضوع القدر في أكثر من مكان بإذن الله تعالى.

стр. 337

بيان معنى شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية سبق أن قلنا: إن الشيخ في هذا الكتاب بعد أن قسم العبودية إلى قسمين: العبودية الاضطرارية، والعبودية الاختيارية؛ بيّن ضلالات فرقة من أشهر الفرق في هذا الموضوع، وهم الصوفية، فقال: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية. وسبق أن عرّفنا بالصوفية، وأهم العقائد التي عند الصوفية، ونقدنا أهم هذه العقائد. ومعنى شهود الحقيقة الكونية في اصطلاح الصوفية: رؤية الحق بالحق وصورة الشهود عندهم هو أن الإنسان يتعمّق في أمر من الأمور حتى ينكشف له ويصبح مثل رؤية العين، فهم يعظّمون الحقيقة الكونية، ويعظّمون توحيد الربوبية إلى درجة أن كان هاجسهم وأساس الدين عندهم، فهم يريدون أن يشهدوا كيفية خلق الله تعالى المخلوقات، وتقديره المقادير، وكيف أن الله رزق العباد، وأنه هو النافع وحده، وهو الضار وحده، وهو المدبر لشئون الخلق جميعاً وحده، ويشتغلون بهذا الأمر ويقفون عنده. وسبق أن قلنا: إن هذا الشهود لا يكفي في ثبوت الإسلام، فإن كفار قريش كانوا يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وكل أمم الأرض يعرفون أن الله خالق، وهذا لا يكفي في النجاة من النار، ولا يكفي في ثبوت الإسلام للإنسان حتى يضاف إلى ذلك أن يشهد أن لا إله إلا الله ويقر بتوحيد الله في أفعاله التي يقوم بها، ولهذا علّق الشيخ على فعل هؤلاء الصوفية فقال: [وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وإبليس معترف بهذه الحقيقة] وهي أن الله خالق وأنه رازق [وأهل النار]، ثم أثبت ذلك بقوله: [قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]] إلى آخر كلامه عن هذا الموضوع، ثم قال: [فمن وقف عند هذه الحقيقة] وهذا هو حال الصوفية [وعند شهودها] يعني رؤيتها [ولم يقم بما أمر به من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بإلهيته] يعني: لم يقم بتوحيد الإلهية [وطاعة أمره وأمر رسوله كان من جنس إبليس وأهل النار] فأهل النار جميعاً يشهدون الحقيقة الكونية، ويعرفون أن الله هو الخالق الرازق، وكذلك إبليس يعرف ذلك، وحينئذ لا فائدة من شهود الصوفية لهذه الحقيقة. ثم بيّن ما يترتب على شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية، وهو سقوط التكاليف، فإن لشهود الصوفية الحقيقة الكونية عندهم مبدأ ومنتهى، فالمبدأ عن طريق الخلوة والأوراد، والمنتهى هو الكشف وسقوط التكاليف، ولهذا يقول الشيخ هنا: [ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنه الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله] ثم بعد ذلك شرع في قضية أخرى مهمة، فبيّن أهمية إدراك الفرق بين العبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية، وهذا الفرق سبق أن أشار إليه، لكن جمعه في هذه الفقرة، وهي أن الإنسان إذا أفنى عمره ونفسه في إدراك العبودية الاضطرارية؛ فإن هذا لا ينفعه حتى يضاف إليه الإقرار والالتزام بالعبودية الاختيارية وهي مقتضى توحيد الإلهية، يقول: [وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي حتى يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض، أو في مقام أو حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية]. إذاً: الحقائق الدينية هي الأساس، وهي -كما قلت- توحيد الإلهية؛ وسبق أن أشرنا إلى أن توحيد الإلهية هو الحكمة من خلق الجن والإنس، وهو دين الرسل الذي بعثوا به، وهو منهاج دعوتهم، وهو الذي لا يقبل الله ديناً سواه، وهو معنى الإسلام ومعنى الإيمان، فإن الإسلام معناه الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك، والاستسلام هو توحيد الإلهية، وكذلك الإيمان فإنه قول وعمل، وهو توحيد الإلهية، كما سبق أن أشرنا إلى هذا الموضوع في تعريف توحيد العبادة.

стр. 338

جبرية الصوفية ثم بيّن ما ترتب على مشاهدة الحقيقة الكونية، وهو القول بسقوط التكاليف، والقول بالجبر، وأن العباد مجبورون على أفعالهم لا اختيار لهم، فعندهم أن أحسن عمل يقوم به الكافر هو الكفر؛ لأن هذا مقتضى خلق الله له، فالله خلقه ليقوم بهذا العمل، وأفضل عمل يقوم به النصراني هو نصرانيته، وأفضل عمل يقوم به اليهودي هو يهودتيته، وهكذا المسلم والدرزي والنصيري، وكل شخص أفضل عمل يقوم به هو ما يقوم به في حياته، وهؤلاء هم جبرية الصوفية؛ إذ الجبرية طائفتان: جبرية الصوفية، وجبرية المتكلمين. وجبرية الصوفية هم الذين أشار إليهم الشيخ هنا؛ لأنهم أتعبوا أنفسهم في إثبات أن الله هو الرازق المحيي المميت، وظنوا أن هذا هو أعلى غايات التعبد، فقالوا: إن ثمرة هذه الشهود هو مقتضى خلق الله ، فإذا خلق الله يهودياً فأحسن عمل يقوم به هو اليهودية؛ لأن هذا تنفيذ لخلق الله! هكذا يتصورون. ولهذا تجتمع عقيدة الجبرية مع عقيدة أهل الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وقد سبق أن نقلنا عن ابن عربي وغيره أنه يقول: إن الدين -سواء أكان في كنيسة أم في معبد وثني هندوسي أم في كعبة مصل- يدين به كله؛ لأنه يرى أن هذه الأعمال على تناقضها واختلافها أعمال مقدسة وجليلة وكريمة؛ لأنها تنفيذ لخلق الله ، وخلق الله شهوده والاهتمام به هو الأساس، فإذا شاهد خلق الله وعظّمه ظن أن كل ثمرة تنتج عن هذه الخلق فهي محبوبة لله، فهو يعظّم إبليس مثلاً، ويرى أن إبليس من كرام الخلق، ويعظّم جميع القاذورات والأوساخ التي في عقائد الناس، ويعظّم ديانة الهنود الذين يعبدون البقر، وهكذا، والسبب في هذا هو أنه ظن أن التعبد الذي خلق الله الخلق من أجله هو تعظيم خلق الله الموجود، فخلق الله الموجود فيه أشياء متناقضة، فيه شيء يحبه الله وفيه شيء يبغضه الله. فهم عظّموا الإرادة الكونية، فلما عظّموا الإرادة الكونية على حساب الإرادة الشرعية قالوا: كل مخلوقات الله محبوبة له؛ إذ كيف يخلق شيئاً لا يحبه؟! ولو كان يكرهه لما خلقه! هكذا يتصورون، وما عرفوا أن الله خلق مخلوقات يكرهها وأراد أن يبتلي بها العباد لينظر كيف يعملون وكيف يصنعون، وهذه الحكمة لم تتنبه لها كلتا الطائفتين الضالتين في هذه المسألة، فلم يتنبه لها الجبرية الذين عظّموا الإرادة الكونية، ولم يتنبه لها -أيضاً- القدرية الذين ألغوا خلق الله ، فلما وجد مثل هؤلاء الصوفية الذين عظّموا الخلق وجدت المعتزلة العقلانية التي ألغت الخلق كله، وقالت: هذا كله من تصرفات العباد، وما هو من خلق الله ! فانظر إلى الخصومة التي وقعت بين هاتين الطائفتين، وكلتاهما ضالتان وأهل الحق هم أهل السنة الذين أثبتوا خلق الله ، وأن الله خلق أشياء يحبها، وخلق أشياء لا يحبها لحكمة وهو الحكيم ، وهناك أوامر أَمَرَ الله بها وجعل من خلقه ما يصرف عن هذه الأوامر -مثل إبليس والنفس الأمارة بالسوء- حتى يبتلي العباد، وهذه المسألة لم تفهمها تلك الطوائف جميعاً.

стр. 339

الشيخ عبد القادر الجيلاني وعبارته في القدر يقول رحمه الله تعالى: [وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زل فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان من لا يحصيهم إلا الله الذي يعلم السر والإعلان] وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر ﵀ فيما ذُكر عنه، فقد قال: إن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أنا، فإني انفتحت لي فيه روزنة -والروزنة هي الكوة أو النافذة- فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً للقدر. اهـ. ثم شرح الشيخ كلامه بعد ذلك. وهنا أحب أن أشير إلى أمرين: الأمر الأول: الكلام على الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى، فإن الكلام فيه كثر عند كثير من الناس بحق وبباطل، والناس فيه على طرفين ووسط، فمنهم من عظّمه ونسب إليه كثيراً من العقائد الباطلة والفاسدة، ومنهم من تكلم عليه وشتمه بغير حق، والحق وسط بين هذين الرأيين، وستأتي الإشارة إليه بإذن الله. الأمر الثاني: هو شرح عبارة الشيخ عبد القادر بيان معناها، فإن بعض الناس قد لا يفهم معنى عبارة الشيخ ﵀.

стр. 340

التعريف بالشيخ عبد القادر الجيلاني أما الشيخ عبد القادر فهو أبو محمد عبد القادر الجيلاني، ولد في جيلان أو في كيلان، ولهذا ينسب تارة فيقال عنه: عبد القادر الجيلاني، وتارة يقال عنه عبد القادر الكيلاني، وتارة يقال عنه عبد القادر الجيلي. وقد ولد في القرن الخامس في سنة أربعمائة وإحدى وسبعين، وتوفي في سنة خمسمائة وستين، وعبد القادر الجيلاني حنبلي المذهب، تلقى العلم على أبي الخطاب الكلوذاني صاحب (التمهيد في أصول الفقه) وصاحب (رءوس المسائل في الفقه) وهو حنبلي مشهور، وكذلك أخذ الفقه أيضاً عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي المشهور صاحب كتاب (الكنوز) وهو كتاب كبير في الفقه كما هو معلوم، وصاحب (الواضح في أصول الفقه) وهو مخطوط، ويحقق الآن في جامعة أم القرى، وكذلك تلقى طريقته في العبادة وفي أعمال القلوب عن شيخ له اسمه حمّاد بن مسلم الدبّاس، وستأتي الإشارة إلى حمّاد في وقت آخر، وعبد القادر الجيلاني صنف كتاباً مطبوعاً اسمه (الغنية لطالبي الحق وله كتاب أيضاً اسمه (مفاتيح الغيب) أو (فتوح الغيب)، هذه الكتب التي صنفها بيده ﵀، وأما بقية الكتب التي تنسب إليه فهي عبارة عن كتب يصنفها الصوفية وينسبونها إلى الشيخ.

стр. 341

عقيدة الشيخ عبد القادر السلفية وما أخذ عليه في منهج التصوف وعقيدة الشيخ عبد القادر في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي القدر، وفي اليوم الآخر، وفي النبوات ونحو ذلك هي عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهو موافق لعقيدة السلف في هذا الأمر، والذي يطلع على كتابه (الغنية) يعرف هذا؛ فإن من يقرأ في الغنية يجد أنه يذم علم الكلام ويثبت الصفات، ويذم تأويل المتكلمين للاستواء ولغير ذلك من الصفات الإلهية، ونجد -أيضاً- أنه دائماً ينص على وجوب الاعتماد على الكتاب والسنة، وكتاب (الغنية) فيه قسم خاص بالكلام على العقائد، وقد وضح فيه عقيدته في أهم هذه المسائل جميعاً، فهو يقول: إن الإيمان قول وعمل، وقول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ونحو ذلك من مقالاته، وهو في التوحيد وأقسامه الثلاثة موافق للسنة، ولم يكن على رأي أهل الكلام في أي عقيدة من هذه العقائد، لكن الذي وقع فيه الشيخ عبد القادر هو أنه خالف السنة في بعض الأمور العملية في التعبد، فهو أول من جاء بفكرة الطرق الصوفية، وهو أن يجعل له تلاميذ معينين يقومون بالدراسة عليه، ويأخذون طريقته في التعبد، ويلتزمون طريقته في التعبد ويتواطئون عليها، فيعلم السابق منهم اللاحق، وهو -كذلك- كان -كما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء- يقوم بما تسميه الصوفية: (الخلوة) حيث كان يختلي بنفسه كثيراً، وكان ربما ذهب إلى الصحراء وبقي في المكان الخالي وقتاً كثيراً، وهذه الخلوة بهذه الطريقة لا شك في أنها مخالفة لسنة الرسول ﷺ ، فإن الرسول ﷺ كان يجتمع بالناس ويجاهد معهم، ويعيش معهم ويختلط بهم، ولا يختلي للتعبد إلا في حالات، مثل الاعتكاف، والاعتكاف ليس ميدانه الصحراء أو الكهوف والمغارات أو الأماكن البعيدة، وإنما مكانه المساجد كما هو معلوم، فحصل عنده شيء من الأخطاء في موضوع السلوك وفي موضوع التعبد. وفي هذا يمكن أن نشير إلى تنبيه مهم جداً، وهو أن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم منهج كامل، فهو منهج في الاعتقاد، وفي نفس الوقت منهج في طريقة التعبد والسلوك إلى الله ، وهو كذلك منهج في الدعوة إلى الله ، وهو منهج في الحرب والسياسة، وهو منهج في التغيير وإنكار المنكر، ونحو ذلك، وهو منهج في طلب العلم وكيفية التعلم، وهو منهج في الاستدلال بالنصوص، وهو منهج في التفقه، ولهذا ينبغي أن يدرس منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم بهذه الشمولية؛ لأن بعض الناس يتصور أن منهج السلف ومنهج أهل السنة والجماعة خاص بمسائل العقائد المشهورة مثل الصفات، أو قضايا الإيمان، أو اليوم الآخر والغيبيات ونحو ذلك، وهذا غير صحيح، فمنهج السلف منهج كامل في ميادين متعددة، وقد يكون الإنسان في بعض الأحيان موافقاً للسنة في مجال العقائد النظرية، لكنه قد يكون مخالفاً للسنة في أبواب أخرى وهذه قضية لا بد من أن يهتم بها الإنسان، فقد يكون الإنسان في بعض الأحيان موافقاً للسلف في العقائد، فهو يثبت الصفات، وعقيدته في القدر مثل عقيدة السلف، وفي بقية المسائل الاعتقادية مثل عقيدة السلف، لكنه يخلط في الدعوة إلى الله ، فتجد أنه قد يوالي الظالمين مثلاً، أو يداهن الطواغيت، أو يتنازل عن كثير من قضايا دعوته الأساسية، وربما يصل إلى حد أنه يغير بعض المفاهيم الشرعية بسبب طلبه لمكانة عند أحد ونحو ذلك، فهذا المنهج مخالف لمنهج السلف رضوان الله عليهم حتى لو كان الرجل نفسه موافقاً لعقيدة السلف في موضوع الأسماء والصفات وفي موضوع العقائد النظرية المعروفة. فالشيخ عبد القادر وقع في بعض الأخطاء، وهذه الأخطاء التي وقع فيها لا شك في أنها لا تبعده عن السنة، لكنه مخطئ في ذلك. وأما ما ينسبه إليه الصوفية من كثير من العقائد الفاسدة والباطلة فلا شك في أنه ليس عليه في ذلك شيء، وليس عليه وزر، فإن النصارى نسبوا إلى عيسى ﵇ أموراً كثيرة جداً وهو منها براء، وكذلك اليهود نسبوا إلى إبراهيم، وكذلك الباطنية نسبوا إلى الرسول ﷺ وإلى الدين أموراً كثيرة وهي باطلة، فليس كل أمر ينسب إلى عالم من العلماء يكون عليه وزره فيما نسب إليه من هؤلاء الضالين، وإنما الضالون يتحملون وزر ذلك يوم القيامة. والشيخ عبد القادر الجيلاني له تلاميذ كثر، منهم أبو محمد أحمد بن عبد الله بن قدامة المقدسي صاحب المغني، ومنهم أيضاً أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي صاحب (عمدة الأحكام) الكتاب الذي يدرس، وهو حنبلي مشهور على طريقة الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

стр. 342

خلوة الجيلاني وتقريرها عند الصوفية إذا جئنا إلى الخلوة نجد أن الصوفية يستدلون بقول الله : ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٥١]، فقالوا: إن الله جعل موسى يخلو معه أربعين يوماً، وبناء على هذا فنحن نطالب الناس بأن يخلوا مع الله أربعين يوماً، وهذا أتم أنواع الخلوة. ويستدلون -أيضاً- بأن الرسول ﷺ كان قبل البعثة يخلو ويتحنث في غار حراء الأيام ذوات العدد كما قالت عائشة ﵂ فيما رواه البخاري. لكن هذه الاستدلالات استدلالات باطلة، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة له ضمن مجموع الرسائل والمسائل، وهذا كتاب مهم جداً، أعني الرسائل والمسائل، فله رسالة اسمها العبادات الشرعية والفرق بينها وبين العبادات البدعية، يقول فيها ﵀: [وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأ؛ فإن ما فعله ﷺ قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه، وإلا فلا]، فما فعله الرسول قبل النبوة لا نحتج به؛ لأنه بعد النبوة إن أمرنا به اتبعناه فيه وإن لم يأمرنا به دل هذا على أن ما فعله قبل النبوة هو باجتهاد منه وليس بوحي جاءه من السماء. قال: [وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون، وقد أقام صلوات الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح فأقام بها قريباً من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع وأقام بها أربع ليال، وغار حراء قريب منه، ولم يقصده، وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية، ويقال: إن عبد المطلب سن لهم إتيانه؛ لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة صلوات الله عليه، كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذه تغني عن إتيان حراء، بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي، فإنه لم يكن يقرأ، بل قال له الملك ﵇ اقرأ، قال صلوات الله عليه وسلامه: فقلت: لست بقارئ، ولا كانوا يعرفون هذه الصلاة، ولهذا لما صلاها النبي ﷺ نهاه عنها من نهاه من المشركين، كـ أبي جهل، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:٩ - ١٤] إلى آخر السورة]. هذا يدل على أن استدلالهم بتحنث النبي ﷺ في غار حراء ليس استدلالاً مستقيماً، وأما استدلالهم بكون موسى ﵇ واعده الله أربعين يوماً فهو استدلال باطل، وهنا أشير إلى بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية الذين يرون أن طريق الدعوة أول ما يتم يتم بهذه الخلوة أو الخروج، أو نحو ذلك من الأعمال التي يقومون بها، وقد يحددون لها كيفية معينة خاصة، فإما أن تكون ثلاثة أيام، أو تكون أسبوعاً، أو تكون أربعين يوماً، وقد يحتجون عليها بهذه الآية، واحتجاجهم باطل، وطريقتهم ليست طريقة سنية. يقول شيخ الإسلام ﵀: [وطائفة] يعني من هذه الصوفية [يجعلون الخلوة أربعين يوماً، ويعظّمون أمر الأربعينية، ويحتجون فيها بأن الله تعالى واعد موسى ﵇ ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، وقد روي أن موسى ﵇ صامها، وصام المسيح -أيضاً- أربعين لله تعالى، وخوطب بعدها، فيقولون: يحصل بعدها الخطاب والتزيل] أي: يتصورون أنه إذا جلس أحدهم هذه الأربعين يوماً يحصل له كشوفات، أو يحصل له بركات أو المنتسبون إلى الدعوة اليوم يقولون: إنه في الغالب يلتزم، وهذا -أيضاً- غلط فإن هذا ليس من شريعة محمد ﷺ ، بل شرعة لموسى ﵇، كما شرع له السبت، والمسلمون لا يسبتون، وإنما عيدهم يوم الجمعة، وقد حرّم في شرعه أشياء لم تحرم في شرع محمد ﷺ ، فهذا تمسك بشرع منسوخ، وذاك تمسك بما كان قبل النبوة، وقد جرب أن من سلك هذه العبادات البدعية أتته الشياطين، وحصل له تنزّل شيطاني وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عدداً طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزل حتى أن أحد الصوفية يقال له: ابن سبعين جلس في غار حراء شهراً ينتظر جبريل حتى يأتي بالنبوة، هكذا يتصورون، وهذا من الجهل ومن سوء الفهم لأحكام الله ، وقد يكون من سوء العقيدة في كثير من الأحيان. وهناك بدعة عند الطريقة القادرية يسمونها الركعات القادرية، وهذه الركعات القادرية عندهم هي عبارة عن ست ركعات يصلونها بعد صلاة المغرب، ويقولون: إنها تعدل عبادة اثنتي عشرة سنة. ويستدلون عليها بحديث، وهو قوله: (م

стр. 343

معنى عبارة الشيخ الجيلاني في القدر أما عن معنى كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني، فإنه يقول: (إن الكثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، فإنه انفتحت لي فيه روزنة). يعني: فتح الله لي فيه طريقاً في العلم، فما هو هذا الطريق في العلم؟ يقول: (فنازعت أقدار الحق) يعني الله (بالحق) يعني بالدين (للحق) يعني: للعقيدة الصحيحة. أي: نازعت أقدار الله التي قدرها، أي: تعاطيتها أو تعاملت معها، كما قال الله : ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣] وليس المعنى أنهم يتخاصمون، فهم في الجنة. يقول: (فنازعت أقدار الحق) يعني: تعاطيت أقدار الله ، وفهمتها فهماً صحيحاً (فنازعت أقدار الحق بالحق للحق) وحينئذ يكون معنى كلامه أن الله قدر مقادير كثيرة في الكون منها الخير ومنها الشر، ومنها الصحيح ومنها الفاسد، ومنها الإيمان ومنها الكفر، ومنها الطيب ومنها الخبيث، ومنها الحق ومنها الباطل، فيقول: أنا أخذت بالقدر، وهو الحق والإيمان، والصدق والإسلام، فنازعت الأقدار مثل الكفر والضلال والانحراف بالحق، وهو الإسلام والإيمان ونحو ذلك، وكلها قدر، فالإسلام قدر الله وخلقه، وكذلك الكفر قدر، وكذلك الحق قدر، والباطل قدر، فيقول: أنا أخذت إرشاد الله ، فأخذت الإيمان -وهو من قدر الله- فنازعت به قدر الله ، وهذا ما أراده الله ، فالله خلق هذه المخلوقات حتى يرى من يختار الخير عن طواعية ورغبة ويجتهد فيه وينازع القدر الباطل الذي خلقه الله للابتلاء كما هو معلوم. يقول: [والرجل] يعني: الرجل الحقيقي [من يكون منازعاً للقدر، لا من يكون موافقاً للقدر] فقوله: [من يكون منازعاً للقدر] يعني القدر الباطل، مثل الشر بأنواعه وصوره، ومثل الباطل، ومثل الانحراف، ومثل أي أمر من الأمور السيئة. والمشكلة هي أن كثيراً من الجبرية في حقيقة حياتهم العملية ينازعون القدر بالقدر، فإذا جاء البرد -وهو من قدر الله- فإن الإنسان يستخدم قدر الله وهو -الدف- لرد قدر الله ، وهو البرد، وحين تكون حروب وفتن في البلدان يخرج منها أناس يبحثون عن الأمن، والحرب قدر؛ لأنهم يبحثون عن الأمور التي توافقهم، ولهذا تجد أن الإنسان مفطور على أخذ بعض أقدار الله لينازع بها بعض أقدار الله المؤلمة، فهناك أقدار مؤلمة، مثل الحرب، ومثل المرض، ومثل الأذى بكل أنواعه، ونحو ذلك، وهذه لا يصح للإنسان أن يرضى بها، فإذا مرض لا يصح له أن يرضى، وإنما يداوي مرضه بالعلاج، وإذا جاءه الشيطان فإنه يعالجه بالقرآن فيدفعه عن نفسه. إذاً: نحن نأخذ من قدر الله ما نرد به قدر الله ، نأخذ الإرادة الشرعية فنرد بها بعض الإرادة الكونية. والله خلق الخلق السيء للابتلاء، لكن الصوفية الذين تعلقوا بالإرادة الكونية وقالوا: إن العبرة هي بالإرادة الكونية حتى في الأقدار الطبيعية لا يردون تلك الأقدار، فتجد أحدهم يصبر على البرد، فعندما يأتيه برد لا يتغطى منه، وإذا جاءته الشمس يصبر عليها ويظن أن هذا تعبد؛ لأنه يقول هذا خلق الله، وعندما يأتيه حجر ساقط من سقف فإنه يصبر حتى يقع على رأسه، فتسيل دماؤه ويفرح بهذا، ويظن أنه بهذا قد حقق جهة من العبودية؛ لأن التعبد عنده هو شهود الخلق، وثمرة شهود الخلق هي التعامل مع المخلوقات بهذه الطريقة، وهي الصبر عليها وعدم مدافعتها. وهذا لا شك في أنه اعتقاد فاسد وباطل، وتكفي هذه الإشارة لشرح كلام الشيخ عبد القادر. نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 344

الأسئلة

стр. 345

الخلوة في منهج بعض الجماعات العصرية وأصل مأخذها السؤال بعض الجماعات تطالب أتباعها بالخلوة لمدة ثلاثة أيام أو أربعين يوماً، فهل هذا من الأعمال الصوفية؟ الجواب نعم، فقد أخذوا هذه الطرق من الصوفية، لكن بعضهم قد يدخل على ذلك تحسينات وتعديلات، لكن أصلها مأخوذ من هذه الطرق الصوفية.

стр. 346

أنواع الجبرية السؤال كم أنواع الجبرية، وما معنى شهودهم؟ الجواب سيأتي الكلام على أنواع الجبرية وعلى عقيدة الجبرية مفصلاً إن شاء الله تعالى.

стр. 347

شرط استحقاق وصف السلفي السؤال هل من يخالف السلف في منهج واحد يطلق عليه سلفي أم لا، كمن يخالف السلف في منهج الدعوة أو السلوك؟ الجواب الذي يخالف منهج السلف إما أن تكون مخالفته مخالفة جزئية، وإما أن تكون مخالفته مخالفة كلية، فإذا خالف السلف مخالفة كلية في باب من الأبواب فلا يكون سلفياً، ولا يكون صاحب سنة في هذا الباب، وإن كان صاحب سنة في أبواب أخرى، ولهذا يوالى على ما عنده من الاعتقاد ويعادى على ما عنده من الانحراف. أما إذا كانت هناك أخطاء جزئية فلا يقال إنه خرج من السلفية بمجرد أنه أخطأ بعض الأخطاء، فكلنا ذو خطأ، ولا يعصم الإنسان من الخطأ، وهذه الأخطاء تحصل من الناس، ولا ينبغي على الإنسان أن يعادي أشخاصاً بسبب خطأ واحد، وإلا لم يبق لنا أحد حتى نحن سنتفرق وسنكون على طريقة الخوارج، فأنت فيك خطأ، وهذا فيه خطأ، وقد يبتدع الإنسان بدعة في بعض الأحيان، والثلاثة الذين جاءوا إلى الرسول ﷺ وطلبوا الرهبانية هل عاملهم النبي ﷺ معاملة المبتدعة؟! لا، بل وجههم ونصحهم، لكن مخالفة السلف في قواعد أساسية لا شك في أنها تنتهي إلى آراء وتصبح لها فرقة، وحينئذ يجب أن ينكر على فاعل ذلك ويجب أن ينصح بقدر المستطاع.

стр. 348

بيان المقصود عند نقد العلماء السؤال ذكرت في حلقة ماضية عن الشيخ أبي حامد الغزالي أنه صوفي، مع أنه علّامة في الأصول وفقيه ومجتهد، فلو بيّنت هذا الأمر حتى لا يساء به الظن بالكلية؟ الجواب إن من نذكره في هذه الدروس لا ينبغي أن يساء به الظن، فقد يكون الإنسان عالماً في مجال ومخطئاً في مجال آخر، وينبغي أن يكون عندنا توازن في الفهم، فإذا ذكرنا شخصاً ونقدنا ما عنده من الخطأ فإنه لا يعني هذا أن هذا الإنسان لا يوجد عنده جوانب من الخير، وجوانب من الصلاح، وجوانب من الإيمان والتقوى، فقد يوجد عنده جوانب من الإيمان، لكننا ننقده من هذه الزاوية لبيان خطأ هذه الزاوية، حتى لا يضل الإنسان، لكن لا يعني هذا أننا نحكم عليه بأنه لا يستفاد منه، أو بأنه يرمى هو وكتبه في البحر! فهذا غير صحيح. فنحن إذا نقدنا أحداً فإن الهدف هو توضيح الخطأ حتى لا يقع الإنسان فيه، وليس الهدف هو إسقاط العلماء أو الكلام عليهم؛ فإن لحوم العلماء مسمومة كما نعلم، وإن كان من تمسك ببدعة فإنه يرد عليه ولا ينسب إلى أهل العلم. فلا بد من فهم الهدف من إيرادنا لبعض الأسماء ونقدها، وهو أن يبتعد الإنسان عن الخطأ الذي وقعوا فيه والانحراف الذي انحرفوا فيه.

стр. 349

معنى قول الجيلاني: (لا من يكون موافقاً للقدر) السؤال ما معنى قول الشيخ عبد القادر (والرجل من يكون منازعاً للقدر، لا من يكون موافقاً للقدر)؟ الجواب يعني: لا يكون موافقاً للقدر السيئ، فالله خلق الكفر، فلو أن إنساناً قال أنا أريد أن أوافق هذا القدر فإنا نقول له: أخطأت في فهم موافقة القدر.

стр. 350

حقيقة الروحانية عند الصوفية السؤال أفضتم في الكلام على الصوفية ولكنكم -أيضاً- في بحر مهاجمتكم لها لم تتطرقوا إلى ما فيها من جوانب روحانية، ومن الإنصاف عند ذكر شيء أن تذكروا ما له وما عليه؟ الجواب سبق أن أشرت إلى أن الصوفية منهج فاسد دخل على الإسلام من أديان الهند، والصوفية عندهم عقائد ضالة ومنحرفة وخطيرة على الإسلام والمسلمين، وأما الجوانب الروحانية فنحن لا نأخذها من الصوفية، وإنما نأخذها من القرآن والسنة، فإن القرآن والسنة مليئان بأعمال القلوب، وبالتقوى وبالإنابة، والخشية، والخوف، والمحبة، والرجاء، ونحو ذلك من الأعمال القلبية، وهنا أحب أن أشير إلى مسألة مهمة جداً، وهي أن بعض الناس يتصور أن طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم هي طريقة في المسائل النظرية فقط، ونحن نقول: لا، بل السلف الصالح رضوان الله عليهم أخبارهم مليئة بالخشية والخوف من الله والتوكل على الله والإنابة والبكاء من خشية الله، وقد وصلوا إلى الدرجات العلى في الأنس بالله ، لكن بمنهج مستقيم، وهو منهج النصوص الشرعية، فروحانية الصوفية لا تنفع، لأنها روحانية نتجت عن أعمال بدعية، وخلوات بدعية، وأذكار بدعية، فهي روحانية فاسدة؛ إذ المبني على الفاسد فاسد، لكن هناك روحانية أخرى عند السلف الصالح رضوان الله عليهم تنشأ عن أعمال موافقة للأدلة الشرعية، وموافقة لطريقة الرسول ﷺ في الذكر، وطريقة النبي ﷺ في التعبد ونحو ذلك، فهذه الروحانية هي النافعة، والروحانية التي نطالب بها هي التي كانت عند السلف رضوان الله عليهم المأخوذة من النصوص الشرعية، فأنت إذا قرأت القرآن تجد أنه مليء بالحث على الإيمان وعلى الخشية ووصف المؤمنين بالخشية، بل إن ما يذكر من أخبار أهل الجنة وأخبار أهل النار المقصود به توريث الخشية في النفس، ولهذا كانت قراءة القرآن من أعظم الطرق التي تلد الروحانية، لكن بشرط أن تكون قراءة تدبر وتأمل أما الخلوات الصوفية فهي -وإن ولدت روحانية- لا تنفع؛ لأنها مبنية على فاسد.

стр. 351

بيان من يدخل في مسمى أهل السنة والجماعة السؤال هل مسمى أهل السنة والجماعة يدخل فيه بعض من الطوائف الضالة كالأشعرية والماتريدية ونحوها؟ وهل من الممكن استبدال هذا المسمى بمسمى السلفية؟ الجواب السلفية، وأهل السنة والجماعة، والإسلام، والإيمان، والتقوى جميعاً بمعنى واحد، والعبرة في هذه الأسماء هي موافقة القرآن وموافقة السنة وموافقة هدي الرسول ﷺ ، وهذا هو الميزان، فإذا انتسبت طائفة من الطوائف أو شخص من الأشخاص أو ملة من الملل انتسبت انتساباً إلى السلفية، أو إلى أهل السنة، أو إلى الإيمان، أو إلى الإسلام، أو إلى التقوى، وهي مخالفة لنصوص القرآن، ومخالفة لأحاديث الرسول ﷺ ، ومخالفة لهدي الرسول ﷺ فهذه النسبة لا تنفع؛ لأن العبرة الحقيقية ليست بالانتساب، وإنما هي بالعمل والموافقة الحقيقية للشرع. أما الأشعرية والماتريدية فالأصل أنهم لا يدخلون في أهل السنة والجماعة؛ لمخالفتهم للسنة والجماعة في أبواب كثيرة في العقيدة، حتى لو قالوا: نحن من أهل السنة لكن بعض الإخوان يقول: نلغي اسم أهل السنة والجماعة ونستخدم (السلفية) حتى لا نتورط في دخول الأشعرية في اسم أهل السنة وأقول: هناك طائفة من طوائف الشيعة اسمها السلفية، فهل نلغي اسم السلفية مثلاً؟! والباطنية يقولون: نحن مسلمون، فهل نلغي اسم الإسلام مثلاً؟ وهناك طوائف ضالة منحرفة كثيرة تنتسب إلى الإيمان، وتنتسب إلى التقوى، وتنتسب إلى الإسلام، فهل نلغي هذه الأسماء لوجود طوائف تنتسب إليها؟! و الجواب لا، ولكن نميز عندما نأتي باسم من الأسماء، فنقول: أهل السنة والجماعة هم الموافقون للقرآن، وهو موجود، والموافقون لأحاديث الرسول ﷺ وهي موجودة، والموافقون لهدي الرسول ﷺ وهو موجود، فنعرض كل طائفة أو فكرة أو قول أو عقيدة على ما عندنا من القرآن ومن أحاديث الرسول ومن هدي الرسول ﷺ ، فإن كانت موافقة لقول الرسول ﷺ وللآيات القرآنية فهي من السنة، وإن كانت مخالفة فهي مردودة، هذا هو القول العدل في هذه المسألة.

стр. 352

الآثار المترتبة على القول بخلق القرآن السؤال هل هناك ضرر في القول بخلق القرآن، أم أن القول بأن القرآن مخلوق هو خلاف عقيدة السلف فقط، وليس هناك إلزامات يلتزمها من قال بخلق القرآن؟ الجواب هناك التزامات كثيرة يلتزمها من قال بخلق القرآن، فالقرآن كلام الله، فإذا قالوا: إن القرآن مخلوق فمعنى هذا أن كلام الله مخلوق، فإذا كان كلام الله مخلوقاً فكيف يكون الله إله العالمين ورب الناس أجمعين؟! بل يكون مخلوقاً تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالموضوع متعلق بالله ، وليس مقتصراً على مخالفة لفظية لعقيدة السلف، بل هي مخالفة حقيقية والقرآن مليء بالآيات التي تبين أن القرآن كلام الله، فهل هذه الآيات حق أم باطل؟! فالذي يقول: إن القرآن مخلوق يخالف هذه الآيات، ومخالفة هذه الآيات ليست بالهينة، فالله حين يأمر الله الإنسان بالصلاة فيخالفها، هل تعد المخالفة يسيرة؟! وكذلك مخالفة الزكاة، وكل أمر من أوامر الشرع مخالفته ليست يسيرة، ومخالفة النصوص الشرعية ليست يسيرة، فالله أخبر أن القرآن كلامه ، كما في قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فالقرآن هو كلام الله ، فيأتي هذا ويقول: إنه مخلوق! فإذا قال: كلام الله مخلوق وقع في الشرك؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، فلا يصح أن يقول: إنه مخلوق. وأقول: إن الذي يقول: إن القرآن مخلوق مخالف لكثير من الآيات القرآنية، ومخالف لصفات رب العالمين، وأعظم ما ينبغي أن يعظّمه الإنسان هو رب العالمين، فليس المخالفة فقط كائنة للسلف، والسلف ما اعتقدوا هذه العقائد إلا بناء على وجود أدلة عليها في القرآن والسنة، وهذه الأدلة إذا خالفها الإنسان وقع في الضلال، وما المشكلة بيننا وبين الكفار؟! هل هي أننا مسلمون وهم كفار فقط؟! لا، بل المشكلة أنهم خالفوا كلام الله الذي خلق الناس وخلقهم، ومخالفة كلام الله ليست يسيرة، فقد أوصلتهم إلى الخلود في جهنم. إذاً: ينبغي أن يفهم وجه محاربتنا مثل هذه الطوائف الضالة المنحرفة، وأنه ليس المقصود أن نتعصب لطائفة معينة، ولكون هؤلاء خالفوهم نغضب عليهم ونتكلم عليهم! لا، بل لأنه يترتب على ذلك مصائب عملية، فكل فرقة عندها آراء وعندها ضلالات يترتب عليها مصائب كثيرة جداً في المجتمع، منها مصائب عملية في الواقع، ومنها مصائب علمية في العقائد. ولك أن تتصور التمييز بين البشر في العقيدة، فالمسلم والكافر في الشكل العام سواء، لكن أين هذا وأين ذاك؟ هذا في أعلى عليين في الجنة، وذاك في أسفل سافلين في قعر جهنم، مع أن الأشكال واحدة، فما تغيرت إلا العقيدة التي في النفوس، وهكذا موضوع خلق القرآن وغيره من الموضوعات الأخرى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 353

شرح العبودية [٩] مما يترتب على شهود الحقيقة الكونية دون الدينية عند الصوفية إهمال توحيد الألوهية، وإسقاط التكاليف عن العباد إذا بلغوا درجة معينة في العبودية. وترتب على ذلك القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بما لا يدع لهم فيه حجة، إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس.

стр. 354

موجز لما سبق أخذه من كتاب العبودية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة حتى أتاه اليقين من ربه. أما بعد: فقبل أن نبدأ في الكلام على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الكتاب أحب أن ألخِّص ما سبق أن قرأناه من هذا الكتاب. فقد بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بتعريف العبادة، وذكر أمثلتها ومنزلتها ومكانتها، ثم بعد أن عرّف العبادة وذكر منزلتها ومكانتها وأنها تشمل الدين بأكمله، ذكر تعريفها الشرعي، وبعد أن ذكر تعريفها الشرعي ومعناه قسّم العبودية إلى قسمين: الأول: العبودية الاضطرارية: وهذه العبودية الاضطرارية هي بمعنى ربوبية الله وخلقه وأمره . الثاني: العبودية الاختيارية وهي بمعنى: إلاهية الله وعبادته بإرادة العبد واختياره ورغبته. ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن العبودية الأولى يقر بها المشركون ويعترفون بها، ويثبتون أن الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر جميع شئونهم، وقال في أثناء ذلك: إن إثبات هذه العبودية وحدها لا يكفي في الإسلام، بل لا بد من أن ينضاف إلى إثبات العبودية الاضطرارية عبودية الاختيار، وهي أن يعبد المرء الله بقلبه ولسانه وجوارحه. ثم بعد ذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀ طائفة وهم أهل التصوف، ووصفهم بأنهم الذين يشهدون الحقيقة الكونية، والحقيقة الكونية هي العبودية الجبرية أو العبودية الاضطرارية، فهؤلاء شهدوا هذه الحقيقة وعظّموها، وجعلوا مدار الدين عليها، وترتب على شهودهم هذا زلات وأخطاء كثيرة. ثم بعد ذلك بدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يتحدث عن أصناف هؤلاء وأنواعهم، ويرد على كل نوع من هذه الأنواع. هذه خلاصة ما سبقت قراءته بشيء من التفصيل.

стр. 355

الأمور المترتبة على شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية
следующие страницы →