Полный текст (446 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بيان من يدخل في مسمى أهل السنة والجماعة
السؤال
هل مسمى أهل السنة والجماعة يدخل فيه بعض من الطوائف الضالة كالأشعرية والماتريدية ونحوها؟ وهل من الممكن استبدال هذا المسمى بمسمى السلفية؟
الجواب
السلفية، وأهل السنة والجماعة، والإسلام، والإيمان، والتقوى جميعاً بمعنى واحد، والعبرة في هذه الأسماء هي موافقة القرآن وموافقة السنة وموافقة هدي الرسول ﷺ ، وهذا هو الميزان، فإذا انتسبت طائفة من الطوائف أو شخص من الأشخاص أو ملة من الملل انتسبت انتساباً إلى السلفية، أو إلى أهل السنة، أو إلى الإيمان، أو إلى الإسلام، أو إلى التقوى، وهي مخالفة لنصوص القرآن، ومخالفة لأحاديث الرسول ﷺ ، ومخالفة لهدي الرسول ﷺ فهذه النسبة لا تنفع؛ لأن العبرة الحقيقية ليست بالانتساب، وإنما هي بالعمل والموافقة الحقيقية للشرع.
أما الأشعرية والماتريدية فالأصل أنهم لا يدخلون في أهل السنة والجماعة؛ لمخالفتهم للسنة والجماعة في أبواب كثيرة في العقيدة، حتى لو قالوا: نحن من أهل السنة لكن بعض الإخوان يقول: نلغي اسم أهل السنة والجماعة ونستخدم (السلفية) حتى لا نتورط في دخول الأشعرية في اسم أهل السنة وأقول: هناك طائفة من طوائف الشيعة اسمها السلفية، فهل نلغي اسم السلفية مثلاً؟! والباطنية يقولون: نحن مسلمون، فهل نلغي اسم الإسلام مثلاً؟ وهناك طوائف ضالة منحرفة كثيرة تنتسب إلى الإيمان، وتنتسب إلى التقوى، وتنتسب إلى الإسلام، فهل نلغي هذه الأسماء لوجود طوائف تنتسب إليها؟!
و
الجواب
لا، ولكن نميز عندما نأتي باسم من الأسماء، فنقول: أهل السنة والجماعة هم الموافقون للقرآن، وهو موجود، والموافقون لأحاديث الرسول ﷺ وهي موجودة، والموافقون لهدي الرسول ﷺ وهو موجود، فنعرض كل طائفة أو فكرة أو قول أو عقيدة على ما عندنا من القرآن ومن أحاديث الرسول ومن هدي الرسول ﷺ ، فإن كانت موافقة لقول الرسول ﷺ وللآيات القرآنية فهي من السنة، وإن كانت مخالفة فهي مردودة، هذا هو القول العدل في هذه المسألة.
стр. 352
الآثار المترتبة على القول بخلق القرآن
السؤال
هل هناك ضرر في القول بخلق القرآن، أم أن القول بأن القرآن مخلوق هو خلاف عقيدة السلف فقط، وليس هناك إلزامات يلتزمها من قال بخلق القرآن؟
الجواب
هناك التزامات كثيرة يلتزمها من قال بخلق القرآن، فالقرآن كلام الله، فإذا قالوا: إن القرآن مخلوق فمعنى هذا أن كلام الله مخلوق، فإذا كان كلام الله مخلوقاً فكيف يكون الله إله العالمين ورب الناس أجمعين؟! بل يكون مخلوقاً تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالموضوع متعلق بالله ، وليس مقتصراً على مخالفة لفظية لعقيدة السلف، بل هي مخالفة حقيقية والقرآن مليء بالآيات التي تبين أن القرآن كلام الله، فهل هذه الآيات حق أم باطل؟! فالذي يقول: إن القرآن مخلوق يخالف هذه الآيات، ومخالفة هذه الآيات ليست بالهينة، فالله حين يأمر الله الإنسان بالصلاة فيخالفها، هل تعد المخالفة يسيرة؟! وكذلك مخالفة الزكاة، وكل أمر من أوامر الشرع مخالفته ليست يسيرة، ومخالفة النصوص الشرعية ليست يسيرة، فالله أخبر أن القرآن كلامه ، كما في قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فالقرآن هو كلام الله ، فيأتي هذا ويقول: إنه مخلوق! فإذا قال: كلام الله مخلوق وقع في الشرك؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، فلا يصح أن يقول: إنه مخلوق.
وأقول: إن الذي يقول: إن القرآن مخلوق مخالف لكثير من الآيات القرآنية، ومخالف لصفات رب العالمين، وأعظم ما ينبغي أن يعظّمه الإنسان هو رب العالمين، فليس المخالفة فقط كائنة للسلف، والسلف ما اعتقدوا هذه العقائد إلا بناء على وجود أدلة عليها في القرآن والسنة، وهذه الأدلة إذا خالفها الإنسان وقع في الضلال، وما المشكلة بيننا وبين الكفار؟! هل هي أننا مسلمون وهم كفار فقط؟! لا، بل المشكلة أنهم خالفوا كلام الله الذي خلق الناس وخلقهم، ومخالفة كلام الله ليست يسيرة، فقد أوصلتهم إلى الخلود في جهنم.
إذاً: ينبغي أن يفهم وجه محاربتنا مثل هذه الطوائف الضالة المنحرفة، وأنه ليس المقصود أن نتعصب لطائفة معينة، ولكون هؤلاء خالفوهم نغضب عليهم ونتكلم عليهم! لا، بل لأنه يترتب على ذلك مصائب عملية، فكل فرقة عندها آراء وعندها ضلالات يترتب عليها مصائب كثيرة جداً في المجتمع، منها مصائب عملية في الواقع، ومنها مصائب علمية في العقائد.
ولك أن تتصور التمييز بين البشر في العقيدة، فالمسلم والكافر في الشكل العام سواء، لكن أين هذا وأين ذاك؟ هذا في أعلى عليين في الجنة، وذاك في أسفل سافلين في قعر جهنم، مع أن الأشكال واحدة، فما تغيرت إلا العقيدة التي في النفوس، وهكذا موضوع خلق القرآن وغيره من الموضوعات الأخرى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 353
شرح العبودية [٩]
مما يترتب على شهود الحقيقة الكونية دون الدينية عند الصوفية إهمال توحيد الألوهية، وإسقاط التكاليف عن العباد إذا بلغوا درجة معينة في العبودية.
وترتب على ذلك القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بما لا يدع لهم فيه حجة، إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس.
стр. 354
موجز لما سبق أخذه من كتاب العبودية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة حتى أتاه اليقين من ربه.
أما بعد: فقبل أن نبدأ في الكلام على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الكتاب أحب أن ألخِّص ما سبق أن قرأناه من هذا الكتاب.
فقد بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بتعريف العبادة، وذكر أمثلتها ومنزلتها ومكانتها، ثم بعد أن عرّف العبادة وذكر منزلتها ومكانتها وأنها تشمل الدين بأكمله، ذكر تعريفها الشرعي، وبعد أن ذكر تعريفها الشرعي ومعناه قسّم العبودية إلى قسمين: الأول: العبودية الاضطرارية: وهذه العبودية الاضطرارية هي بمعنى ربوبية الله وخلقه وأمره .
الثاني: العبودية الاختيارية وهي بمعنى: إلاهية الله وعبادته بإرادة العبد واختياره ورغبته.
ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن العبودية الأولى يقر بها المشركون ويعترفون بها، ويثبتون أن الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر جميع شئونهم، وقال في أثناء ذلك: إن إثبات هذه العبودية وحدها لا يكفي في الإسلام، بل لا بد من أن ينضاف إلى إثبات العبودية الاضطرارية عبودية الاختيار، وهي أن يعبد المرء الله بقلبه ولسانه وجوارحه.
ثم بعد ذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀ طائفة وهم أهل التصوف، ووصفهم بأنهم الذين يشهدون الحقيقة الكونية، والحقيقة الكونية هي العبودية الجبرية أو العبودية الاضطرارية، فهؤلاء شهدوا هذه الحقيقة وعظّموها، وجعلوا مدار الدين عليها، وترتب على شهودهم هذا زلات وأخطاء كثيرة.
ثم بعد ذلك بدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يتحدث عن أصناف هؤلاء وأنواعهم، ويرد على كل نوع من هذه الأنواع.
هذه خلاصة ما سبقت قراءته بشيء من التفصيل.
стр. 355
الأمور المترتبة على شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية
стр. 356
إهمال توحيد الألوهية
وقد سبق أن أشرت إلى أن الذين يشهدون الحقيقة الكونية ترتب على فعلهم عدة أمور منها: إهمال الحقيقة الشرعية، وإهمال توحيد الإلهية، وهو إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا التوحيد هو أساس دعوة الرسل، وهو الذي من أجله خلق الله الجن والإنس، وهو دين العالمين، وهو الدين المشترك بين الأنبياء رضوان الله عليهم أجمعين.
وتوحيد الإلهية يمكن أن يسمى بعدة أسماء، فيمكن أن يسمى توحيد الإلهية، ويمكن أن يسمى توحيد العبادة، ويمكن أن يسمى ملة إبراهيم؛ فملة إبراهيم هي توحيد الإلهية، ولكن الحقيقة والمعنى والمضمون واحد.
فأقول: ترتب على اشتغال الصوفية بشهود الحقيقة الكونية وشهود الربوبية أمور، منها: أولاً: إهمال توحيد الإلهية، وقد سبق أن أشرت في دروس سابقة إلى آثار هذا الإهمال، مما أدى إلى تغيير مفهوم التوحيد عند أهل التصوف، وترتب على ذلك تغيير مفهوم الشرك، فأصبح الشرك عندهم هو القدح في الربوبية فقط، وأما تعظيم جانب الربوبية واعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ولو انضاف إلى ذلك الشرك في الإلهية فلا يضر عندهم، ولا يرونه من الشرك، ولهذا اختلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مع هؤلاء الصوفية ومع الأشاعرة في مفهوم الشرك؛ فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعتبر أن الطواف حول القبور شرك؛ لأنه صرف لنوع من أنواع العبادة لغير الله، وهي عبادة الطواف، وأن الاستغاثة بغير الله شرك فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأن الذبح للقبور شرك، وأن القوانين الوضعية التي يحل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال شرك، لكن هؤلاء لا يعتبرون ذلك من الشرك؛ لأن هذه الأنواع والأمثلة التي ذكرتها ليس فيها قدح في الربوبية عندهم، وأحسنهم من يعتبر هذه من الأخطاء من الذنوب والمعاصي.
فالأمر الأول الذي ترتب على شهود هؤلاء للحقيقة الكونية: إهمال الحقيقة الشرعية أو الدينية، وهو ما أدى إلى الخلاف في مفهوم التوحيد وفي مفهوم الشرك، وترتب على ذلك الصراع الفكري الذي يعيشه المسلمون الآن في الكلام على القبور والطواف حولها، والكلام على الاستغاثة بغير الله، وطلب الشفاعة من الرسول ﷺ ، وسن القوانين الوضعية وتحكيمها في حياة الناس، ونحو ذلك من الانحرافات الكبرى التي نعتبرها نحن -أهل السنة والجماعة- من الشرك، ونجد أن هؤلاء الصوفية والأشاعرة لا يعتبرون ذلك من الشرك، وهذا الأمر سببه الأساسي هو الإغراق في شهود الحقيقة الكونية واعتبارها الدين بأكمله.
стр. 357
الاحتجاج بالقدر وإسقاط التكاليف
الأثر الثاني: الاحتجاج بالقدر، وقد سبق أن أشرت إلى أن هؤلاء عظّموا الحقيقة الكونية وفنوا فيها، والفناء سيأتي له تفصيل إن شاء الله، لكن معناه بشكل عام هو: غياب الذهن في طلب شيء معين.
فهم طلبوا معرفة أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ففنوا في هذا الأمر، فاعتبروا أن كل مخلوقات الله معظّمة ومقدّسة ولها منزلة ولها مكانة، ونحن نعلم أن الله خلق أشياء وهو يكرهها ويبغضها، فخلق الكفر، وخلق الذنوب والمعاصي، وخلق إبليس، وخلق الكفار، وخلق أهل الإجرام، وخلق أشياء كثيرة جداً وهو يبغضها، والحكمة من ذلك: الابتلاء، لكن هؤلاء لما فنوا في مخلوقات الله اعتبروا كل المخلوقات معظّمة، وبناء على هذا أسقطوا التكاليف عن الناس جميعاً، واعتبروا كل الناس ممدوحين وأنهم على حق، وهؤلاء الذين شهدوا الحقيقة الكونية ليسوا على درجة واحدة، وإنما هم على درجات متعددة أشار إليها شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة، وسنعرض لكل طائفة من هذه الطوائف التي فنت في الحقيقة الكونية وما ترتب على فنائها في الحقيقة الكونية، وشهودها لهذه الحقيقة من آثار خطيرة في المعتقد.
стр. 358
اعتقاد وحدة الوجود
فنبدأ أولاً: بطائفة الحلول والاتحاد، أو ما يسمى: بأهل وحدة الوجود، وخلاصة مذهب أهل الحلول والاتحاد وأهل وحدة الوجود: أنه لا يوجد فرق بين الخالق والمخلوق، فليس هناك فرق عندهم بين الخالق والمخلوق؛ فالخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق، وكل شيء موجود في هذا الكون هو خالق ومخلوق في نفس الوقت، سواء أكان ممدوحاً أو مذموماً، ويمثل هذا المذهب ابن عربي الطائي، وابن سبعين، والعفيف التلمساني ونحوهم من الزنادقة المشركين، وهذه هي حقيقة مذهب هؤلاء، ولهذا وجد في أشعارهم وفي أقوالهم ما يدل على ذلك، فتجد أحدهم يقول: ما في الجبّة إلا الله، يعني الجبة التي يلبسها، أي أنه هو الله، ويقول ابن عربي: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟! إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف؟ وكذلك يقول في صفة الكلام: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه يعني أن كل الكلام الموجود في الدنيا من حق وباطل، وصحيح وفاسد، وكلام الرجال والنساء، والغيبة والنميمة، وذكر الله ، ونهيق الحمير، ونباح الكلاب، وزقزقة العصافير، كل ذلك عنده هو كلام الله .
وليس كل الصوفية على هذا المذهب، ولكن القائلين بوحدة الوجود أحرجوا، فقيل لهم: كيف نجمع بين التعدد الموجود مع قولكم: إن هذه الوحدة كلها إله واحد؟! فقد أتيتم بما هو أشنع من رأي النصارى؛ فإن النصارى يقولون: الأب والابن وروح القدس إله واحد، فقال لهم الناس: كيف يكون الثلاثة واحداً؟! فأنتم أتيتم بما هو أدهى! فقالوا: لا، فهذا الكون مثل البحر، والبحر -مثلاً- هو الله ، وهذه المخلوقات مثل الأمواج، وهذا تخريج كبيرهم الذي علمهم السحر وهو العفيف التلمساني، وهو أخطرهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀، وأشدهم فهماً للفلسفة وإدراكاً لها، فهو يشبه الله تعالى بالبحر والمخلوقات بالموج فالموجة الأولى لا تخرج من البحر، بل هي البحر نفسه، وهذا أمر ظاهر الفساد، فإذا كانت الموجة هي البحر فكيف بالموجة الثانية، ولا شك في أن هذه العقيدة أفسد من كل عقيدة فاسدة، بل إنهم قالوا بأن فرعون من أكبر الموحدين، والسبب في أن فرعون من أكبر الموحدين هو أنه قال: أنا ربكم الأعلى، وصدق -هكذا يقولون- في أنه هو ربهم الأعلى، لكن فرعون لما رأى نفسه ملكاً ورأى حوله الجنود اعتقد أن الإله نوعان: أعلى وأسفل، فأضاف نفسه إلى الإله الأعلى فقط.
وابن عربي هذا كفّره العلماء؛ لأن هذه العقيدة هي أكفر عقيدة وجدت على أهل الأرض، فـ شيخ الإسلام ﵀ في مواطن يقول: لم يأت أحد بمثل العقيدة التي جاء بها هؤلاء، ولهذا استحلوا المحارم، فعندهم لو أن رجلاً نكح ابنته فلا شيء عليه؛ لأن الرب ينكح الرب! هكذا يعتقدون وهكذا يرددون.
وابن عربي الطائي هذا يحسن الظن به آلاف مؤلفة من الناس، والسبب في إحسانهم الظن به هو أن كتابه (الفتوحات المكية) مليء بالمواعظ ومليء بالإرشاد ومليء بالتوجيه ومليء بالكلام الجميل، وكان صاحب عاطفة جياشة وأسلوب حسن، وهو شاعر متميز، لكنه كان على الشرك.
ولا شك في أن عقيدة هؤلاء لا تحتاج إلى ردود تفصيلة؛ لأن فيها إبطالاً لرسائل الأنبياء، بل فيها إبطال لكل الأديان، ولهذا فإن هذه العقيدة -كما يقول أهل العلم- يكفي في نقدها أن تتصورها، فإذا تصورتها وضح نقدها، ولو اشتغلت في نقدها وأطلت لأخذ ذلك منك جهداً كبيراً، فيكفي أن تعلم أنه يقول: إنك أنت الله، وأنت تعرف نفسك.
стр. 359
الردود على طائفة الحلولية الاتحادية
إذاً: هؤلاء لا شك في أنهم أكفر من اليهود والنصارى كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله كتب في الرد على هؤلاء أكبرها رسالته المسماة: (بغية المرتاد) وهي رسالة عظيمة كتبها في الإسكندرية عندما أخرج من القاهرة إلى الإسكندرية، وكانت الإسكندرية في تلك الفترة يكثر فيها المشتغلون بالفلسفة الإشراقية، وهي فلسفة التصوف.
فرد عليهم بهذا الكتاب، وهو كتاب مطبوع موجود، وقد يسمى: (السبعينية)؛ لأنه في الرد على ابن سبعين، وهو من أئمة هؤلاء.
ومن كتبه رحمه الله تعالى كتاب اسمه (حقيقة مذهب الاتحاديين) وهو مطبوع في مكانين: في مجموع الفتاوى التي جمعها ابن قاسم في المجلد الثاني، وطبع أيضاً في مجموعة الرسائل والمسائل التي جمعها الشيخ محمد رشيد رضا، وطبعت قديماً في مطبعة المنار، ثم طبعت بعد ذلك في دار الكتب العلمية وغيرها من الدور البيروتية.
وله من الكتب -أيضاً- كتاب اسمه (الرد الأقوم على فصوص الحكم)، وقد أفرد في الرد على هذا الكتاب لـ ابن عربي، وله كتاب اسمه: (الحجج العقلية والنقلية في رد بدع الجهمية والصوفية) وهو -أيضاً- مطبوع في المجلد الثاني من مجموع الفتاوى.
وله -أيضاً- رسالة خاصة إلى إمام من أئمتهم المعاصرين له يسمى نصر المنبجي، وهي -أيضاً- مطبوعة، وفي المجلد الثاني من مجموع الفتاوى.
وقد رد عليهم أيضاً ملا علي قاري الحنفي، فله كتاب كبير بعنوان: (رد الفصوص) يعني: رد فصوص الحكم لـ ابن عربي.
كما أن ممن رد عليهم برهان الدين البقاعي، فله كتاب سماه: (تنبيه الغبي في تكفير ابن عربي)، وهو كتاب موجود ومشهور حققه الأستاذ عبد الرحمن الوكيل، وقد كان عبد الرحمن الوكيل في بداية أمره صوفياً على عقيدة هؤلاء، ثم بعد ذلك رجع إلى السنة.
стр. 360
تناقض الحلولية ومخالفتهم لدين الأنبياء
إذاً: الطائفة الكبيرة التي ضلت بسبب شهود الحقيقة الكونية هم أهل الاتحاد والحلول، وقد سبقت الإشارة إليهم، والرد عليهم واضح جداً، فإن الإنسان إذا نظر في عقيدتهم وجد أنها مخالفة لدين الأنبياء جميعاً، فإن الله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وغير ذلك آيات كثيرة جداً تفصل بين الناس، وتجعل منهم أهل الجنة وأهل النار، فإذا كان كل شيء هو الله فالجنة هي الله، والنار هي الله أيضاً، وهم متناقضون تناقضاً كبيراً جداً، فالعجيب أنهم يكفرون النصارى، فلما سئلوا: لماذا تكفرون النصارى؟ قالوا: لأن الواجب أن يعمموا في الإلهية، وهم خصصوها بثلاث، فالتخصيص هذا في حد ذاته كفر.
فيقال لهم: كيف تكفرون الله، إذ النصارى هم الله، ودينهم هو الله، وكل شيء هو الله؟! فهم ضالون منحرفون متناقضون لا شك في ذلك، ولهذا قد يصبر أحدهم على القتل ويظن أن قاتله هو الله، كما صبر ابن الفارض على ذلك؛ فإن ابن الفارض قتل، والسهروردي قتل، وهو من الفلاسفة المشهورين، وقتل غيرهما، وصبروا على القتل وهم يعتقدون أن هذا هو مقتضى شهود الحقيقة الكونية.
стр. 361
مقتطفات من كلام شيخ الإسلام على شاهدي الحقيقة الكونية
стр. 362
تسوية أصحاب الحقيقة الكونية بين الأجناس المختلفة
وقد سبق أن أشرت إلى أن الصوفية ليسوا طائفة واحدة، وإنما هم طوائف، وهذه الطائفة التي ذكرتها هي ممن يشهد الحقيقة الكونية، وقد أطال الكلام عليها ﵀، ويمكن أن نقرأ مقتطفات من كلامه فيها، يقول: [فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية] يعني: من شهد الربوبية دون الإلهية، [سوى بين هذه الأجناس المختلفة] أي: والحال أن الله تعالى يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، ويقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢].
يقول: الذي يشهد الحقيقة الكونية يسوي بينها؛ لأنها كلها مخلوقة لله ليس بينها فرق، فالجميع مخلوق لله، وقد سبق أن أشرنا إلى أنه لو كان الشيء مخلوقاً لله فلا يعني ذلك أن الله لا يبغضه، ولا يعني أن الله لا ينهانا عنه، فقد يخلقه وينهانا عنه، وقد يخلقه وهو مبغض له، والحكمة في هذا الابتلاء، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
стр. 363
تسوية أصحاب الحقيقة الكونية بين الله وبين كل موجود
يقول: [حتى تئول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله والأصنام]، فكيف تئول به هذه التسوية حتى يسوي بين الله والأصنام؟! لأنه يعتقد أن الأصنام مخلوقة لله ، وبناء على هذا يعتقد أن عبادتها صحيحة، فهو سوى بين الله وبين الأصنام في العبادة.
وليس المقصود أنه سوى بين الله والأصنام في كل شيء؛ لأنه يشهد الحقيقة الكونية التي هي خلق الله، والأصنام يعتبرها من خلق الله، لكن سوى بين الله وبين الأصنام في العبادة، فهؤلاء لما أهملوا الحقيقة الدينية حصل عندهم الشرك، فلما حصل عندهم الشرك بدءوا يدافعون عن الشرك، فإذا عبدوا القبور مثلاً، أو عبدوا الأصنام، أو عبدوا أي شيء من دون الله قالوا: نحن لسنا كفاراً؛ لأننا نعتقد أن الموجد والخالق والرازق هو الله، فهم عندما قالوا بهذا القول سووا بين الله وبين الأصنام في الحقيقة الدينية الشرعية، أي: في الإلهية.
ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا يشهدون الحقيقة الكونية، ويقرون بأن الخالق هو الله تعالى إذا سئلوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله هو خالق السموات والأرض، وهو مدبر كل شيء، وما عبدوا الأصنام لأنهم يعتقدون أن هذه الأصنام خالقة ورازقة ومحيية ومميتة ومدبرة، بل عبدوها لأنهم يعتقدون أنها وسائط، كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
ولهذا أثبت الله في القرآن لكفار قريش وغيرهم من كفار العرب أنهم يشهدون الحقيقة الكونية، والدليل على هذا قول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فهم يؤمنون بالله إيمان الربوبية كما قال جماعة من المفسرين، ويشركون بالله في الإلهية، فهل نفعهم الإيمان بالربوبية؟! ما نفعهم.
وهكذا فهؤلاء المتصوفة لما عظموا الحقيقة الكونية والربوبية شابهوا المشركين، وسيأتي معنا نص شيخ الإسلام ﵀ على مشابهتهم للمشركين.
إذاً: معنى قول شيخ الإسلام ﵀: [حتى تئول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام] يعني: التسوية في الحقيقة الدينية، وأما الحقيقة الكونية فهي التي أوصلته إلى هذه التسوية، يقول: [بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود] يعني: في العبودية، حيث إن هذه المخلوقات كلها لله .
إذاً: المقصود بالتسوية تسوية العبادة، وليست تسوية الخلق والرزق، يقول: [وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقاً لكل موجود؛ إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا أعظم الكفر والإلحاد برب العالمين، وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله] يعني: عندما يتجاوزون كثيراً وأكثر يصل بهم الحال إلى أنهم يعتقدون أنه ليس إلا المخلوقات فقط، وهي التي خلقت نفسها، فهي الإله، وهي المألوه في نفس الوقت.
ثم قال: [لا بمعنى أنهم معبودون، ولا بمعنى أنهم عابدون؛ إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، وهذا هو دين ومذهب وحدة الوجود، كما صرح بذلك طواغيتهم كـ ابن عربي صاحب الفصوص] أي: فصوص الحكم كما سبق أن أشرت إلى ذلك.
وهناك كتاب آخر بنفس الاسم اسمه (فصوص الحكم) للفارابي، والفارابي هو الفيلسوف الملحد المشهور والموسيقار المشهور الفارابي، له كتاب اسمه: (خصوص الحكم) في الفلسفة.
وقد سبق أن ذكرت أن ابن سبعين بقي في غار حراء ينتظر الوحي شهراً؛ لأنه يعتقد أنه يمكن أن يحصل له التنبؤ، والعجيب أنه يحتاج إلى النبوة مع أنه يعتقد أنه هو الله، فانظروا إلى التناقض، فكيف تذهب وتجلس في غار حراء شهراً تنتظر النبوة وأنت الله كما تزعم، والجبل الذي بجوارك هو الله أيضاً، وتطلب من الله وأنت الله، فكيف يطلب الله منك؟! فأفسد دين مر على أهل الأرض هو دين هؤلاء.
стр. 364
مشابهة أصحاب وحدة الوجود لليهود في هدم الدين
وهذا يسوقنا إلى التنبيه على مسألة، وهي أنه في بعض الأحيان نجد بعض المناهج المضلة والفاسدة، وقد نضحك منها، مثل هذا الاعتقاد الفاسد، لكن لتعلم أن هؤلاء ليس مقصودهم تقرير عقائد معينة، بل هدف هؤلاء تحطيم هذا الدين فقط.
وهذا من خطط اليهود العالمية، وهذا ينبغي أن نفقهه، فنستفيد من أحداث كثيرة تمر على العالم، فاليهود من خططهم ليصيروا شعب الله المختار، ويهيمنوا على الدنيا، ويكون لهم كل التأثير، من خططهم في تحقيق ذلك تحطيم الأديان، ويعتقدون أن تحطيم الأديان دين، فهم أرادوا تحطيم النصرانية وحكموها بالفعل، ويعتقدون أن ذلك دين، وحاولوا تحطيم الإسلام، وهم يعتقدون ذلك ديناً؛ لأنهم يعتقدون أن اليهود فيهم صفة خاصة هي أنهم أهل حقد وحسد، فعندما جاء هذا الدين، وجاء به نبي عربي من ولد إسماعيل غضبوا، وكأنهم يريدون أن يحجروا على الله أنه لا يضع النبوة إلا فيهم.
فلما غضبوا حسدوه، فلما حسدوه لم يتبعوه، وفيهم من الإدراك الشيء الكثير، فهم يعرفون أن أي دين يأتي من عند الله فهو ناجح مائة في المائة، وإذا أخذه قوم وآمنوا به سيكون لهم السيطرة وسيكون لهم النصر والظفر في الدنيا كلها، وحينئذ سيكونون مهزومين ضعفاء محتقرين، وليس عندهم الاستعداد لأن يلتزموا بدين الله ، فما هو الحل؟ الحل هو تحطيم الأديان كلها حتى الدين الحق، فقالوا: حطموا الأديان واجعلوها كلها باطلة، واشغلوا الناس بالشهوات والملذات، وأفسدوا الناس بكل ألوان الفساد.
ويعتقدون أن ذلك من الدين، وقد يستغرب الإنسان ويقول: هل توجد أمة من أمم الأرض لها دين محترم وتفسد أديان الآخرين وتظن أن هذا من دينها؟
و
الجواب
نعم، وهذا هو حال اليهود.
стр. 365
ظهور بولس وتحريفه لدين النصارى
وكان أول من أثر في دين النصارى هم اليهود، فظهر منهم رجل اسمه بولس شاول، فـ بولس شاول كان رجلاً مُضْطهِداً للنصارى؛ لأن النصارى كانوا في زمن الدولة الرومانية مضطهدين، وكانوا أعداداً معينة في بلاد الشام، وكان اليهود يتعاونون مع الرومان الوثنيين ضد النصارى، وعيسى ﵇ بعث إلى اليهود كما يروون في الإنجيل أنه يقول: (إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة).
والحقائق الشرعية تثبت أن عيسى ﵇ بعث إلى اليهود من أجل أن يصحح معتقداتهم بعد موسى ﵇، فآمن به طائفة سميت النصارى، وكفرت به البقية، وهم: بقية اليهود، وكانوا يتعاونون مع الرومان الوثنين ضد هؤلاء، وبالفعل تعاونوا معهم تعاوناً قوياً جداً، وطاردوهم، واضطهدوهم، فصاروا مشردين، وكان من أبلغ من يطارد النصارى بولس شاول اليهودي، ثم فكر في أسلوب آخر غير أسلوب المواجهة المادية فقال: أفسدهم عن طريق العقائد.
وهذه هي خطة اليهود، فجاء إلى النصارى وقال لهم: عندما أتيت إلى مدينة كذا -وذكر اسم مدينة- جاءني نور من السماء، وعندما جاء النور من السماء فزعت، فإذا هو يسوع، فقال: يا بولس! لماذا تطارد أتباعي؟! ثم وضع يده على قلبي فآمنت.
ثم قال: يا بولس! كرس بالإنجيل، يعني: ادع إلى الإنجيل.
فجاءهم بولس وأسلم.
فتخيل كم تكون عظمة فرحة النصارى المساكين عندما يؤمن بدينهم من كان يضطهدهم، سيفرحون فرحاً عظيماً جداً، وهذا الذي حصل، حيث فرحوا إلا طائفة يسيرة منهم عرفوا خطط اليهود، وحذروا البقية الباقية، لكن ما كان للتحذير فائدة عند هؤلاء، فبدأ يأتي بآراء وبدأ يقرر قواعد دين النصارى، وبدأ يقول: أريد أن أكتب الإنجيل.
وبدأ يزاحم الإنجيل، مع أن الأناجيل كتبت بعد رفع عيسى بزمن طويل، فبدأ يأتي برسائل سميت فيما بعد: (رسائل بولس).
وهكذا بدأ يخترع لهم ديناً آخر ويحرف الدين من داخله، فلما آمن قسطنطين -وهو رئيس الدولة الرومانية- بالنصرانية وكان وثنياً واجه دينين للنصرانية: الدين الأول: الدين المحرف الذي جاء به بولس، واتبعه عدد كبير من النصارى ممن اغتروا بـ بولس، وبقيت طائفة يسيرة أتباع لرجل موحد نصراني اسمه: آريوس، فلما أسلم قسطنطين أراد أن يجعل مذهب الدولة الرسمي الرومانية المذهب النصراني، فوجد مذهبين: أحدهما إما التوحيد الخالص الذي يمثله آريوس، والآخر مذهب بولس شاول.
ثم كانت الخلاصة أن أقاموا مجمعاً سموه: (مجمع نيقية) في عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين ميلادية تقريباً، وفيه أعلن عند الرومان أن المذهب النصراني على طريقة بولس شاول هو المذهب الرسمي للدولة، ومن تلك الفترة صار هو المذهب الرسمي وهو مذهب محرف ضال.
إذاً: استطاع اليهود أن يضربوا دين النصارى من الجذور، ولهذا نلحظ الآن النصارى في أوروبا وفي أمريكا وفي غيرها مثل الخواتم في أيدي اليهود يعبثون بهم كيفما يشاءون، وانظر إلى موضوع من الموضوعات الأخلاقية، وهو المحافظة على العرض، فالمحافظة على العرض من الأمور المشتركة بين الأنبياء، فالأنبياء لهم دين اتفقوا فيه جميعاً، وهناك أشياء تشريعية اختلفوا فيها، ومن التشريع المشترك حفظ العرض، والمحافظة على الأهل والبعد عن الفواحش، كالزنا واللواط، فذلك محرم في كل الشرائع عند كل الأنبياء بدون استثناء، وما جاء أحد منهم بحل الزنا أو اللواط أو نحو ذلك.
وانظر اليوم إلى العالم الغربي الذي أصبح ذنباً لليهود، لقد أصبح متفسخاً إلى أبعد حد؛ لأن الذي شرع له الزنا، وشرع له الفواحش هم اليهود، فأراد اليهود أن يعملوا في دين الإسلام مثل ما عمل بولس في دين النصرانية.
стр. 366
الفكر اليهودي ومحاولة هدم الإسلام
وإذا كان دين النصارى واجه واحداً وهو بولس؛ فهذا الدين واجه عشرات من بولس، فظهر ابن سبأ ودعا إلى عقائد ضالة صار عليها طائفة اسمها السبئية، ثم صار عليها بعد ذلك طوائف كالشيعة، وظهر مثل هؤلاء ودعوا إلى هذه العقائد الضالة.
فـ ابن عربي وابن سبعين وغيرهما وهؤلاء ليس المقصود أن عندهم شبهة ولم يفهموا الحقيقة، لا، بل المقصود أكبر من هذا، فهم زنادقة يريدون إفساد الإسلام؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان عنده شبهة ويقول بهذه العقيدة الغريبة التي ما قال بها أئمة الكفر في تاريخ الأرض كله.
فنعرف من هذا أن هؤلاء الزنادقة يريدون هدم الإسلام من الداخل.
стр. 367
شاهدو الحقيقة الكونية ضالون عن الحقيقة الكونية والدينية
يقول الشيخ: [ويشهدون أنهم العابدون والمعبودون، وهذا ليس بشهود للحقيقة لا الكونية ولا الدينية] يعني: هؤلاء زنادقة حتى في شهود الحقيقة الكونية، وإن كان ذلك هو الشيء الذي تذرعوا به، لكن -في الحقيقة- ليس هذا هو الهدف، فليس الهدف أنهم شهدوا الحقيقة الكونية فأوصلهم هذا الشهود بطريقة عفوية إلى هذه العقائد الضالة.
[بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا وجود كل وصف مذموم وممدوح نعتاً للخالق والمخلوق؛ إذ وجود هذا هو وجود هذا عنده].
стр. 368
بيان موقف أهل الإيمان
قال: [وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم أهل القرآن كما قال النبي ﷺ : (إن لله أهلين من الناس.
قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن أهل الله وخاصته)، فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق ليس هو حالاً فيه ولا متحداً به، ولا وجوده وجوده، والنصارى إنما كفرهم الله إذ قالوا بالحلول واتحاد الرب بالمسيح خاصة، فكيف من جعل ذلك عاماً في كل مخلوق؟! ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]].
هؤلاء لا يفرقون بين الطاعة والمعصية، ولا يفرقون بين الكفر والإيمان، ولا يفرقون بين أي عقيدة وأي عقيدة أخرى.
[ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وأنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا به على كل ذلك كما قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، معناها: نعبدك وحدك لا شريك لك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] معناها: نستعين بك وحدك لا شريك لك.
ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق، فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به، مزيلين بذلك ما قدر من السيئات].
стр. 369
دفع القدر بالقدر فطرة وشرع
إن الذين يحتجون بالقضاء والقدر ويقولون: الله خلق الفساد، وخلق المعاصي، وخلق الكفار، وخلق المنافقين، فلماذا تشغلوننا بمحاربة هؤلاء وبمواجهتهم وبمقاتلهم، وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وبالحسبة عليهم؟! لماذا تشغلوننا بذلك مع أن الله قدر ذلك وكتبه؟! نقول لهم: نعم قدره الله وكتبه، لكن قدر وكتب أن نرد هذا المقدر المكتوب.
وهذا القدر المقصود به: الابتلاء، فإن الله قدر ذلك ليختبرك أنت؛ ولهذا قام النبي ﷺ بالجهاد مع أنه يعرف أن كفر كفار قريش هو من قدر الله ، وكذلك قام الصحابة من بعده، وقاموا بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وقام أئمة الدين بالدعوة إلى الله ، وإصلاح النفس، وإصلاح المجتمع.
وهناك فرق كبير بين إنسان يعتقد أنَّه ليس في الإمكان أحسن مما كان، فيعتقد أنه هذا الوضع وضع طبيعي، وأن الأخطاء موجودة منذ زمن، وكذلك المنكرات، وبين شخص يتعامل مع الواقع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فبعض الناس إذا قيل له: انتشر التبرج، فلا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن وبالكلام الطيب، قال: يا أخي! في الزمن الماضي كان هناك تبرج وسفور يوم كان الجهاد في سبيل الله قائماً.
ونقول: صحيح أنه كان هناك تبرج وسفور، لكن هل معنى هذا أن يقره الإنسان؟! بل يدفعه بقدر ما يستطيع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكلمة الطيبة.
وبهذا ينتشر الخير، وينتشر الصلاح على قدر نشاط أهله وعلى قدر بذلهم وجهدهم وقناعتهم بأن إيصال الحق إلى الناس أمر ضروري جداً، وأنه من قدر الله الواجب علينا.
وأما المعاصي والمنكرات فقد خلقها الله ، لكن أمرنا بدفعها، وهكذا ركب الله هذا الكون وجعله مدافعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فأهل الحق يدفعون أهل الباطل، والمؤمنون يدفعون الكفار، وأهل الدعوة والإخلاص يدفعون أهل النفاق، وهكذا يكونون في مجاهدة، والجميع من قدر الله ، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة، ورد الباطل من القدر الواجب الذي يعاقب عليه الإنسان إذا لم يقم به.
يقول: [فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل]، فلو أن إنساناً جاءه الجوع فقال: لا أريد أن آكل، لأن الجوع قدر الله، أو جاءه البرد فقال: لا أريد أن أستتر من هذا البرد؛ لأنه قدر الله، أو جاءه الحر فقال: لا أريد أن آتي في مكان مبرد؛ لأن الحر قدر الله لكان سفيهاً، فالحر والجوع والبرد من قدر الله، كما أن الذنوب والمعاصي من قدر الله، فلماذا الذنوب والمعاصي نرضى بها ولا نرضى بالحر والجوع؟! فلو كان عند الإنسان توحيد خالص لآلمته هذه الذنوب والمعاصي كما يؤلمه الجوع، والجميع من قدر الله .
يقول: [وكذلك إذا آن أوان البرد دفعه باللباس، وكذلك كل مطلب يُدفع به مكروه، كما قالوا للنبي ﷺ : (يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقىً نسترقي بها، وتقىً نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: هي من قدر الله)] وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن المعنى صحيح وثابت في نصوص أخرى، [وفي الحديث: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض)] هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وابن ماجة في سننه، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة في المجلد الأول.
يقول: [فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية -وهي: ربوبيته تعالى لكل شيء- ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الديني والشرعي على مراتب في الضلال] ثم بدأ يذكر مراتب هؤلاء.
ونلحظ هنا أنه ذكر مراتب الضالين في شهود الحقيقة الكونية، وأخرج أهل الاتحاد والحلول وذكرهم قبل ذلك؛ لأن فساد مذهب أهل الحلول والاتحاد واضح جداً، لكن هؤلاء فسادهم أقل من أولئك، وكل له مرتبته ودرجته.
стр. 370
الأسئلة
стр. 371
حكم القول بأن الله لم يخل منه مكان
السؤال
يقول الشاعر: سبحان من لم يخل منه مكان.
فهل هذا الكلام موافق لمذهب أهل السنة والجماعة؟
الجواب
يحكم عليه بحسب قصده، فإن كان قصده أنه تعالى لم يخل منه مكان بعلمه وقدرته فلا شك في أنه صحيح، وإن كان يقصد ذاته فلا شك أنه باطل، وهذا هو مذهب أهل الحلول.
стр. 372
قاعدة: كل مادة مخلوقة وكل مخلوق مادة
السؤال
هناك مقولة أو قاعدة، وهي: (كل مادة مخلوقة، وكل مخلوق مادة) فما معنى (مادة)؟
الجواب
إذا كان المقصود بالمادة أن لها جرماً، وأنها كانت بعد أن لم تكن؛ فالقاعدة عادية ليس فيها شيء جديد.
стр. 373
مدى صحة القول بكتابة القدر على الجبين
السؤال
هل صحيح أن القدر مكتوب على الجبين؟
الجواب
المعروف أن القدر مكتوب في اللوح المحفوظ، ثم ينسخ في كتب الملائكة، أما كون القدر مكتوباً على الجبين فلا أعلم في هذا شيئاً.
стр. 374
الزنا مقدر مخلوق
السؤال
هناك شخص يقول: هل قدر الله الزنا؟! وهل معنى (قدر) أنه خلق الزنا؟ فما الجواب على مثل هؤلاء؟
الجواب
نعم قدر الله الزنا وخلق الزنا، لكن هناك قدر مكروه يكرهه الله ، وهناك قدر يحبه الله، فهذا من القدر الذي كرهه الله ونهانا عنه ليبتلينا أينا أحسن عملاً.
стр. 375
احتجاج آدم وموسى
السؤال
لو قال موسى لآدم: لماذا أكلت من الشجرة؟ فهل بهذا القول يحج موسى آدم؟!
الجواب
لا يتصور أن موسى يقول: لماذا أكلت من الشجرة؟ لأنه لو اعتبر أن الذنب عذر لكان ذلك خطأ، لكنه لامه على أنه كان السبب في إخراجهم من الجنة.
стр. 376
ابن عربي في ميزان الشريعة
السؤال
نود منكم أن تذكروا لنا عن ابن عربي ترجمة مختصرة عن عقيدته، حيث إني سمعت رجلاً يقول: ابن عربي ﵁ من العباد ومن الزهاد، وآخر يمدح الرجل؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى بعض عقائد ابن عربي، وكتب ابن عربي موجودة، وأوضح كتاب بين فيه عقيدته ومذهبه هو كتاب (فصوص الحكم) وهو كتاب مطبوع وموجود، وله أيضاً كتاب شرحه الكاشاني، والكاشاني من علماء الصوفية له كتاب اسمه (معجم مصطلحات الصوفية)، ترجم له فيه، ولعل أوضح من ترجم له وساق أقوال العلماء فيه رجل صوفي -أيضاً- يقال له: تقي الدين الفاسي، وله كتاب اسمه (العقد الثمين في تاريخ بلد الله الأمين)، ترجم لـ محي الدين بن عربي هذا، وساق أقوال العلماء فيه، وبدأ برأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ونقل أغلب كتاب (حقيقة مذهب الاتحاديين) تقريباً إن لم يكن نقله بالنص كاملاً، ثم نقل نصوصاً كثيرة عن الحافظ ابن حجر ﵀، وعن الذهبي، وعن عدد كبير من أهل العلم، وجميعهم يبين عقيدته الفاسدة التي كان عليها.
стр. 377
الطائفة النصرانية الموحدة
السؤال
هل الطائفة الموحدة التي من النصارى موجودة إلى الآن؟
الجواب
لا أعلم أنها موجودة، وقد كان يمثلهم قديماً آريوس، وقد صاروا قلة وانقرضوا، ولو كانوا موجودين فإنه لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً حتى يؤمنوا بمحمد ﷺ ، ولو كانوا موحدين على دين عيسى؛ لأن دين الرسول ﷺ ناسخ لغيره من الأديان، ولهذا ينزل عيسى في آخر الزمان ويحكم بشريعة محمد ﷺ ، والنبي ﷺ يقول: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار).
ولهذا يقول الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ويقول الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فلا يقبل منه شيء حتى ولو كان موحداً على دين المسيح عيسى بن مريم الذي نزل من السماء.
стр. 378
وجوب تغيير كل منكر
السؤال
هل الواجب علينا تغيير كل منكر صغيراً كان أم كبيراً؟
الجواب
يجب علينا أن نغير كل منكر، لكن على قدر استطاعتنا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فعلى قد استطاعتنا نقوم بتغيير المنكرات.
стр. 379
ما يجب بذله تجاه المنكرات
السؤال
هل نستطيع إزالة المنكرات كلها؟
الجواب
لا يلزم أن نقدر على ذلك، ولا نترك قدرة في وسعنا.
стр. 380
بيان معنى الاتحاد الخاص عند النصارى
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى، وهو أخبث الأقوال، وهم السودان والقبط، يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كما اختلط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالبية المنتسبين إلى الإسلام؟
الجواب
دين النصارى أساسه أن الإله هو الأب والابن وروح القدس، ثم اختلفوا في معنى هذا الكلام، فبعضهم قال: إن الأب والابن والروح القدس عبارة عن صفات، مثل: أن تكون طويلاً، وأبيض، وسميناً -مثلاً- أو نحيفاً، فهذه ثلاث صفات وأنت واحد.
فبعضهم قال: إن الأب والابن وروح القدس عبارة عن ثلاث صفات في إله واحد، وهذا قول أكثر النصارى، وهو قول اليعقوبية خاصة، ويقصد بالسودان نصارى السودان، وبالقبط النصارى الموجودين في مصر، فقولهم هو أن اللاهوت -ويقصدون به الله ، والناسوت -ويقصدون به الجسد الإنساني، وهو عيسى ﵇ اختلطا هذا الاختلاط مثل اختلاط الماء مع اللبن، فهل تستطيع أن تفرق بين الماء واللبن؟! فلو أخذت نصف كأس ماء ووضعت عليه نصف كأس لبن ومزجتهما سيخرج لك شيء ثالث ليس بماء ولا لبن، فلا تستطيع أن تقول: إنه ماء مائة في المائة، ولا تستطيع أن تقول: إنه لبن مائة في المائة، فهم يرون أن الله اختلط بالمسيح عيسى ابن مريم اختلاطاً لا يمكن معه التفريق بينهما.
ولا شك في أن هذا القول من أخبث الأقوال.
стр. 381
التفريق بين ابن عربي وابن العربي
السؤال
نرجو التنبيه على مسألة التفريق بين ابن عربي وابن العربي؟
الجواب
بعض المترجمين قد يقول: ابن العربي ويقصد صاحب الوحدة والحلول والاتحاد، وهذا غير صحيح، وليس هذا هو الفارق الوحيد بينهما، فهذا له كتب وله اسم خاص، وهذا له كتب وله اسم خاص، فهذا محي الدين بن عربي الطائي من طيء، وذاك رجل معافري يكنى: أبا بكر، مالكي المذهب، وكان في زمن غير الزمن الذي كان فيه ذاك.
стр. 382
الفرق بين الحلول والاتحاد
السؤال
ما معنى الحلول والاتحاد؟ وهل هناك فرق بين هذين الاسمين؟
الجواب
نعم هناك فرق بين هذين الاسمين، فالحلول لا يقتضي الامتزاج من كل وجه، والاتحاد يقتضي الامتزاج من كل وجه، ويمكن أن نمثل على هذا بمثال: فأنت إذا أتيت بكأس فارغ ثم وضعت فيه ماء فإن الماء حل في هذا الكأس، أي: دخل فيه، والكأس غير الماء، ويمكن أن تفرق بينهما.
لكن الاتحاد معناه الامتزاج، مثل ما سبق أن مثلت بالماء واللبن.
فالاتحاد أقوى في الامتزاج من الحلول، فأهل الحلول يقولون: إن الله موجود في حياة الناس، لكنه غير ممتزج بها، أما أهل الاتحاد فيقولون: إن الله ممتزج في الأشخاص، مثل الصبغة التي يصبغ بها الشيء بحيث يكون الجميع متفقاً في صبغة واحدة.
стр. 383
التفضيل بين العبادات والذوات
السؤال
ذكرت أن أفضل العبادات هو ما كان مطلوباً في وقته، وقلت: إن هذا هو الصحيح، ألا ترى أن هذا القول لم يحدد أفضل العبادات على الإطلاق؟
الجواب
التفضيل على الإطلاق غير وارد، ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ قاعدة نفيسة جداً في كتابه (بدائع الفوائد)، وقال فيها: إن التفضيل المطلق من كل وجه يندر في الأشياء.
فالأشخاص قد يكون أحدهم فاضل من جهة ومفضولاً من جهة أخرى، وضرب على هذا أمثلة، فقال: هل الأفضل عائشة ﵂ أم خديجة؟ وكلتاهما زوجتا النبي ﷺ ، ويحبهما رسول الله ﷺ محبة شديدة.
نقول: الأفضل باعتبار السابقة للإسلام ومناصرة النبي ﷺ في بداية دعوته خديجة، والأفضل باعتبار العلم، وباعتبار نشر العلم بين الناس، وقربها من الرسول ﷺ عائشة ﵂، ولهذا فإن التفريق بين الأشياء يمكن أن يكون باعتبارات مختلفة، ومثل هذا التفضيل بين الملائكة وصالحي البشر، فيمكن أن يقال: إن الملائكة أفضل باعتبار، وصالحو البشر أفضل باعتبار آخر.
فالملائكة أفضل باعتبار كثرة التعبد، صالحو البشر أفضل باعتبار أنهم ابتلوا بالشهوات والشيطان، فدفعوا في الوقت الذي لم يبتل فيه الملائكة بهذا.
стр. 384
حكم قيادة المرأة للسيارة
السؤال
ما حكم قيادة المرأة للسيارة؟ وما حكم الدعوة إليها؟
الجواب
قيادة المرأة للسيارة أمرها محسوم ولله الحمد، ففيها فتوى قديمة من المشايخ، ورأي الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره من المشايخ -مثل الشيخ محمد بن عثيمين، وأعضاء هيئة كبار العلماء- واضح في المسألة، وهو أنه لا يجوز أن تقود المرأة السيارة؛ لما يترتب على هذا من الفتن، فليس محل التحريم في قيادة المرأة للسيارة أنه لا يجوز أنها تمسك بآل القيادة وتشغل السيارة، لكن لما يترتب على قيادتها من فتن ومصائب.
وإذا كانت المشكلات موجودة الآن في حياة كثير من الناس بدون قيادة للمرأة للسيارة فكيف إذا قادت؟! فإذا قادت قيل: لا بد من كشف الوجه، وهذا مخالفة شرعية، ثم إن حقيقة ذلك دعوة لخروج المرأة، لكن بطريقة هادئة، فبعض الناس لا يريد أن يدعو إلى الفساد دفعة واحدة، لكنه يدعو إليه بشكل متدرج، فيقول: نريد قيادة المرأة للسيارة، وقد يورد ضوابط شديدة جداً، بحيث لا تقود إلا من الساعة السابعة في الصباح إلى السابعة في الليل، ولا تخرج عن الخطوط الطويلة، ولا تقود إلا من كان عمرها أربعين سنة، وهذه ضوابط ليست بالهينة، ثم تستمر سنتين أو ثلاث سنوات ثم ينقض ضابط، ثم ينقض الذي بعده، ثم ينقص الذي بعده، ثم نصبح مثل المجتمعات الفاسدة التي نعرفها في حياة المسلمين اليوم.
ولا شك في أن هذا لا يرضاه المسلم ولا يحبه، ويكفي أن أهل العلم الذين يعرفون مصالح الناس ويقدرونها، ويعرفون حاجة الناس، ويوازنون بين المصالح والمفاسد وهم أهل الحل والعقد في أي مجتمع من المجتمعات يكفي أنهم أفتوا في هذا الأمر.
أما أهل الفساد، وأهل الانحراف فلا يلتفت إليهم، وأقول: إنه ينبغي علينا أن نقنع الناس بأن الفساد شر عليهم جميعاً، على الصالح والطالح، والله يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، وهؤلاء المفسدون الذين يريدون خرق السفينة إذا تركهم الناس سيهلك أهل السفينة جميعاً.
ومع الأسف أننا نحن -الدعاة والمصلحين- قد يوجد لنا في بعض الأحيان بنات أو أخوات أو أمهات غير مقتنعات بالحجاب، حيث تأخذ الواحدة منهن الحجاب بشكل تقليدي، ولهذا لو وجدت فرصة ربما كشفت عن وجهها، وكثير من الفتيات تعيش بهذا الأسلوب مع الأسف الشديد، فلو كان هناك فرصة لأن تقود سيارة لقادتها وهي راغبة؛ بسبب أن مثل هؤلاء الفتيات لم يتربين تربية صحيحة في البيوت على أهمية الحجاب وأنه دين، فالحجاب دين مثل كون الصلاة ديناً، والصيام ديناً، والحج ديناً، والزكاة ديناً، فمن من النساء اليوم تعتقد أن الحجاب مثل الصلاة والصيام؟! فكثير من النساء عندهن أن الحجاب مثل غترتك أيها الرجل! وهذه مسألة خطيرة إذا لم تفهم الفتاة -سواء أكانت زوجة أم أختاً أم أماً أم قريبة- أن الحجاب دين يجب الالتزام به، وأن خروجها من بيتها من أكبر المصائب.
وهنا شيء أريد أن أنبه إليه، وهو أن أكثر ما يسعى إليه المفسدون أن يوجدوا صراعاً بين الرجل والمرأة، وهذا الذي تربى عليه الغرب، فالغرب تربوا على وجود صراعات دائمة بين الرجل والمرأة والفقير والغني، والحاكم والمحكوم، والضعيف والقوي، فالحياة عندهم مبنية على الصراع.
ولهذا قد يبدأ المفسدون بهذه القضية، فتجد الدندنة على موضوع أن الرجل هضم المرأة ولم يعطها حقوقها، وأن الرجل تعدى على حقوق المرأة، وقد يوجد هناك تعد من بعض الرجال لا يوافق الشرع، لكن هؤلاء أهل الفساد يلبسون الشرع أخطاء الناس، فقد توجد فتاة يظلمها أبوها فيزوجها رجلاً كبيراً جداً في السن حتى يتزوج هو بنت هذا الرجل، وهذا ظلم.
لكن بعض المفسدين يلبس هذا الظلم هذا الدين، فيجعل هذا من ظلم الدين للمرأة والعياذ بالله، وهذه القضية قضية واضحة ومحسومة، ولله الحمد.
стр. 385
شرح العبودية [١٠]
المنحرفون في باب القدر ليسوا على مرتبة واحدة في الضلال والانحراف، فمنهم من نفى القدر وأنكره، وهم القدرية والمعتزلة، ومنهم من نفى اختيار العبد في الفعل تماماً، وهم الجبرية، ويدخل تحتهم طوائف من الصوفية وهم من يسمون بغلاة الحقيقة الكونية الذين يحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة.
стр. 386
قراءة في كتاب حلية طالب العلم
стр. 387
أهمية الآداب والأخلاق في حياة المسلم
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.
أيها الإخوة الكرام! سنبدأ -إن شاء الله- في هذا الدرس أولاً بقراءة شيء من كتاب (حلية طالب العلم) للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد، ثم بعد ذلك نبدأ بقراءة كلام شيخ الإسلام ﵀ وشرحه حسب القدرة والمستطاع.
وهذا الكتاب -وهو حلية طالب العلم- موضوعه الآداب والأخلاق، والآداب والأخلاق لهما أهمية كبرى في ميزان الشريعة، حيث إن العبد يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، وقد مدح الله رسوله ﷺ بالأخلاق فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فالأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة مهمة جداً لكل المسلمين ولطلاب العلم على وجه الخصوص، فطلاب العلم بحاجة إلى الأدب وبحاجة إلى الأخلاق، وينبغي لطالب العلم أن يفهم أنه كما ينبغي عليه أن يتعلم الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة ينبغي عليه - أيضاً - أن يتعلم الآداب، وأن يتعلم الأخلاق الكريمة، فلا فائدة من علم بلا أدب، والأدب له أهمية كبرى، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يبدءون بتدريس الأدب قبل العلم، والأدب من الإيمان، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وستون -وفي لفظ: بضع وسبعون- شعبة، فأعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، والحياء لا شك في أنه من أعظم الآداب والأخلاق الكريمة، وقد قال الصحابة رضوان الله عليهم: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن) أي: تعلمنا الأدب والأخلاق والعمل الصالح والتقوى والإخلاص لله قبل العلم، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، وهذه قضية مهمة، وهي أنه ينبغي على طالب العلم أولاً أن يبدأ بالآداب والأخلاق والإيمان والتقوى والإخلاص لله قبل أن يبدأ بالمعلومات المجردة، فإن العلم له ثمرة وله مقصود، وهذا المقصود هو العمل، فإذا كان العلم لا يوصل صاحبه إلى العمل والأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة فإنه لا خير فيه ولا نفع، فليس العلم معلومات مجردة يتلقاها الإنسان ويحفظها ويذاكرها مع أقرانه ليبرز فضله ويتميز على الآخرين، وإنما العلم أكبر من ذلك بكثير، فالعلم ينبغي على الإنسان أن يدرك أنه يهذب الأخلاق والطباع، ويربي النفس، وينمي الإيمان في القلب، وتنمو به شجرة التقوى في قلب الإنسان، فتثمر الأعمال الصالحة، واليقين، والصبر، والتوكل على الله ، والإنابة إليه، والخشية، والخوف من الله ، والمحبة له ولأوليائه، والبغض لأعدائه، فكل هذه الأعمال الإيمانية الكريمة التي هي ثقيلة في ميزان العبد يوم القيامة هي ثمرة العلم الذي يتعلمه، فإذا عرف الإنسان وإذا عرف طالب العلم أن العلم ليس مجرد حشد المعلومات وحفظها، وإنما هو العمل، والصبر، والأدب، والأخلاق العالية، والتصرف الحكيم، إذا عرف هذا الأمر فإنه سيهتم بالأدب وسيهتم بالإيمان، كما أنه سيهتم بالعلم، وحفظ الأدلة، وترتيب المسائل وفقهها.
стр. 388
أهمية الأدب والأخلاق في حياة طالب العلم
ومن الأمور التي يندى لها الجبين وجود طائفة من المشتغلين بالعلم الشرعي في الظاهر، فيشتغلون في العلم الشرعي بجمع المعلومات والاهتمام بالكتب ومعرفة أسمائها ومعرفة مصنفيها، وتكوين المكتبات في البيوت والحرص عليها، وحضور حلق العلم، والجلوس بين أهل العلم وطلابه، ثم يوجد من هؤلاء من يفتقد كثيراً من الآداب الشرعية التي ينبغي أن يهتم بها، وقد ألف السلف الصالح رضوان الله عليهم كتباً خاصة في آداب طالب العلم، فـ البخاري ﵀ عندما ألف الصحيح أفرد كتاباً سماه (كتاب الأدب)، وأفرد كتاباً خاصاً سماه (كتاب العلم) أيضاً، وذكر في كتاب العلم الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم، وكذلك الخطيب البغدادي ﵀ ألف كتاباً سماه (الجامع في آداب الراوي والسامع)، وأبو سعد السمعاني ألف كتاباً سماه (أدب الإملاء والاستملاء)، وألف كذلك ابن مفلح الحنبلي ﵀ كتاباً سماه (الآداب الشرعية) وكذلك ألف شمس الدين المرادي منظومة في الآداب وشرحت في كتاب عظيم في مجلدين، وهكذا اهتم السلف الصالح رضوان الله عليهم بهذا الموضوع، حتى قال بعضهم: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
يعني: قد يكون الإنسان من قبيلة ليست مشهورة بحسب، أو قد لا يكون له قبيلة، أو قد يكون إنساناً ضعيف الحسب والنسب، لكن يرتفع به أدبه، وعندما سأل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في زمانه الزهري ﵀ عن أهل العلم والأدب في كل قطر فإذا هم الموالي، فتعجب عبد الملك بن مروان أن يكون الموالي هم أهل الأدب والعلم، فـ عطاء بن أبي رباح كان عبداً مولى أسود قبيح المنظر، لكن كان يزدحم عليه الناس في مكة لأدبه وعلمه، فالقضية ليست قضية مناصب وليست قضية أشكال، وليست قضية أحساب وأنساب، بل القضية أكبر من ذلك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، ولهذا قال الأول: ما وهب الله لامرئ هبة أفضل من عقله ومن أدبه هما حياة الفتى فإن فقدا ففقد الحياة أحسن به فإذا فقد الإنسان العقل والأدب ففقد الحياة خير له وأفضل.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه)، يعني: الذي يبحث عن الخير يعطه، (ومن يتوق الشر يوقه)، فالذي يتوقى الشر ويحرص على البعد عنه سيوقيه الله ، والذي يحرص ويتحرى الخير فإنه سيعطاه بإذن الله تعالى.
وهذا الكتاب هو كتاب جمع فيه الشيخ بكر أبو زيد مجموعة من الآداب والأخلاق الكريمة، ذكر فيها آداب الطالب في نفسه، وأدبه مع أستاذه وشيخه، وأدبه في حياته العلمية، وهو كتاب نافع ومختصر ولطيف.
стр. 389
من أقوال السلف في الأدب وفضله
وقبل أن نبدأ في قراءة المقدمة لا بأس أن أشير إلى بعض كلام السلف رضوان الله عليهم في فضل الأدب.
يقول أبو زكريا العنبري ﵀: علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كروح بلا جسد.
وقال مخلد بن الحسين بن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث.
ويقول ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي -يعني الآداب والأخلاق والأعمال الكريمة- قبل أن يتعلموا العلم.
فالعلم بعد الهدي وبعد الأخلاق.
وقال مالك بن أنس لفتى من قريش: يا ابن أخي! تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم.
ويقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.
فللأدب أهمية كبرى في حياة السلف رضوان الله عليهم، وسنتناول الفصل الأول من الكتاب في درس قادم بإذن الله تعالى.
стр. 390
موجز لما سبق شرحه من كتاب العبودية
следующие страницы →