يديه، وكان ذلك علىٌّ (﵁) وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم. عرض علىٌّ عليهم الإسلام فأبوا فقاتلوهم، يقول صاحب الرحيق المختوم: " ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا، لاقي المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب، واقتحم المسلمون حصن ناعم "، ثم انتقل القتال إلى حصن الصعب وفرض المسلمون عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث فتحه الله بدعوة النبىِّ ( ﷺ )، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه. ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات، وكان ذلك وقت نهى النبىِّ الصحابة عن أكل الحمر الإنسية، وبعد ذلك تحول اليهود إلى قلعة الزبير فحاصرهم النبىُّ ( ﷺ ) وقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ( ﷺ ) وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وفرض المسلمون عليهم الحصار، وقام أبو دجانة باقتحام القلعة، واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجري قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول. ثم كان حصن النَّزَار وكان أمنعهم لأنه كان على جبل مرتفع، ولا يستطيع المسلمون اقتحامه، يقول صاحب الرحيق المختوم: " ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخري، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم ".
стр. 107
ولما أتم رسول الله ( ﷺ ) فتح ناحية النطاة والشق، تحول إلى أهل الكتيبة التي بها حصن القَمُوص: حصن بني أبي الحُقَيْق من بني النضير، وحصن الوَطِيح والسُّلالم، وجاءهم كل فَلِّ كان انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن. ولما أتي رسول الله ( ﷺ ) إلى هذه الناحية ـ الكتيبة ـ فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى همّ رسول الله ﷺ أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله ( ﷺ ) الصلح. ثم كانت المفاوضة بعد ذلك، حيث أرسل ابن أبي الحُقَيْق إلى رسول الله ( ﷺ ): أنزل فأكلمك؟ قال: (نعم)، فنزل، وصالح على حقن دماء مَنْ في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله ( ﷺ ) وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء
ـ أي الذهب والفضة ـ والكُرَاع والْحَلْقَة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله ( ﷺ ):
" وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا "، فصالحوه على ذلك، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين، وبذلك تم فتح خيبر. وبعد ذلك قُتل ابن أبى الحقيق لمالٍ أخفاه.
وفيها: سبي رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول.
стр. 108
ولقد أعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله ( ﷺ ) أن يقرهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله ( ﷺ ) والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله ( ﷺ ) سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس
سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، وكانت مغانمها كثيرة. وفيها دس السُّم للنبىِّ ( ﷺ ) بعد اطمئنانه فى خيبر.
وقد اختُلف فى جملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ما بين ستة عشر رجلاً إلى واحد وتسعين. أما قتلي اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً.
من فوائد الحديث:
١ - فيه تذكير بنعمة الله بفتح خيبر التى كانت تمثل حجر عثرة فى سبيل الدعوة.
٢ - وفيه التذكير بعزة الإسلام والمسلمين حيث أذاقوا اليهود أشد العذاب.
٣ - وفيه علامة من علامات نبوة النبىِّ ﷺ ، وذلك فى جرح سلمة، وعين علىِّ ? ﵃
٤ - الحرص التام على التعلم، كما حدث من يزيد لما سأل سلمة عن الأثر الذى رآه فى ساقه.
٥ - على المرء إذا وقع فى ضائقة عليه أن يفزع إلى أهل العلم، كما حدث من سلمة مع النبى ( ﷺ )
٦ - الإفتخار بنعمة الله من باب " وأما بنعمة ربك فحدث " فإن سلمة افتخر بما خصه الله بإظهار علامة من علامات نبوة النبى ( ﷺ ) على نفسه، فأخبر به يزيد رغم أنه لم يسأله عنه.
стр. 109
٧ - وفيه أن المفتى إذا سئل عن شىءٍ وعلم أن للسائل حاجةً إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه، وهذا ما فعله سلمة من ذكر نفث النبىِّ على جرحه ولم يرد فى سؤال يزيد.
٨ - وفيه التلطف فى السؤال. حيث أن يزيد سأل سلمة بكنيته، فقال يا أبا مسلم، والكنية أقرب إلى القلب من الاسم.
٩ - وفيه أنه يجوز السؤال عن الخصوصيات إذا كان فيها منفعة للعامة، وخاصةً إذا جاءت قرينةٌ
توحى بذلك فجرح سلمة من خصوصياته إلا أن صحبة سلمة للنبى ( ﷺ ) جعل يزيد يقدم أن من وراء جرحه هذا حدثاً ينتفع به، وينفع به من وراءه فسأله عنه.
الحديث الرابع والخامس عشر
١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَامَ تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَهرِيِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ اغْسِلُوا " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنَسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ (٢٤٧٧)
١٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ ذَاكَ. (٥٤٩٧)
الشرح:
стр. 110
أما الحديث الأول فقد قال القسطلانىُّ فى "إرشاد السارى": " هذا الحديث تاسع ثلاثيات البخارى "
وأخرجه البخارىُّ فى كتاب المظالم، باب " هل تكسر الدِّنانُ التى فيها خمر أو تُخرَّقَ الزّقِّاق؟ "
والحديث الثانى قال الكرمانىُّ عنه فى "شرح البخارى": " هذا هو سابع عشر الثلاثيات "
وقد أخرجه البخارىُّ فى كتاب الذبائح والصيد، باب " آنية المجوس، والميتة " فقد روى شيخا البخارىِّ الحديث عن يزيد عن أبى سلمة، وتعدّدُ الطرق تعطى بعض الفوائد، كحل إشكال، أو إيضاح شيءٍ مبهم، أو زيادة فائدة.
والحديث ينقل لنا ما قد أصاب الناس ليلة فتحوا خيبر من جوعٍ شديد، فإنهم قد وجدوا حمراً أهليةً فذبحوها، ووضعوها على القدور، فعلم النبىُّ ( ﷺ ) بذلك فحرمها، وأمرهم بإهراقها وكسر
الآنية، ثم خفف الحكم بجواز استخدام هذه الآنية بعد غسلها. قال ابن الجوزى (١):
" أراد التغليظ عليهم فى طبخهم ما نهى عن أكله فلما رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأوانى "
وقوله " قال أبو عبد الله " هو المصنف؛ الإمام البخارى، وقوله "الأَنَسِيَّة" -بفتح الهمزة - نسبةً إلى الأنس بالفتح - بسكون النون وفتحها - ضد الوحشة، والمشهور فى الروايات بكسر الهمزة وسكون النون نسبةً إلى الإنس أى بنى آدم لأنها تألفهم وهى ضد الوحشية.
وهما روايتان حكاهما القلضى عياض وآخرون، كما نقل ذلك النووىُّ عنهم.
والحديث ينقل لنا بعض أحكام الأطعمة والآنية، وتصور لنا مجتمع الصحابة، فى أنصع صوره حيث استجابوا لأمر النبى ( ﷺ ) رغم جوعهم.
وفيه أربع مسائل:
الأولى: حكم لحوم الحمر الإنسية.
стр. 111
روى البخارى من حديث أبى ثعلبة قال: " حرم رسول الله ( ﷺ ) لحوم الحمر الأهلية " وعند البخارى من حديث أنس أن النبى ( ﷺ ) أمر منادياً فنادى فى الناس: " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس "
قال النووى: " قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا لهم إلا عن ابن عباس (١)، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثها الكراهة " ا. هـ
وقد جاءت روايتان عن النبى ( ﷺ ) عند أبى داود والطبرانىُّ بحل الحمر الأهلية إلا أنهما بهما مقال كما ذكر ابن حجر وقال: " لو ثبتا لاحتمل أن يكون قبل التحريم ".
وقال القرطبى: " قوله " فإنها رجس " فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج، فالأمر بإكفاء القدور وغسلها لا يكون إلا للمتنجس "
والتقيد بقوله ( ﷺ ) " الأهلية " يؤخذ منه جواز أكل الحمر الوحشية .. قاله ابن حجر.
الثانية: حكم الآنية التى استخدمت فى المحرمات.
قال ابن حجر: " المعتمد فيه التفصيل: فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها وإذا غسلت طهرت وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز" ا. هـ
فإذا لم يوجد غيرها فإنها تُغسل ويؤكل فيها لقول النبى ( ﷺ ) لأبى ثعلبة الخشنىِّ كما عند البخارىِّ: " أما ما ذكرت أنك بأرض قوم أهلِ الكتاب تأكل في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ..... الحديث "
الثالثة: كيف التوفيق بين تحريم لحوم الحمر الإنسية وبين آية الأنعام:
стр. 112
" قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... الآية " (الأنعام، ١٤٥) وما شابهها من آيات، ولم يذكر فيها الحُمُر؟
قال ابن القيم فى الزاد (١): " فإنه لم يكن قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة والتحريم كان يتجدد شيئا فشيئا فتحريم الحمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت عنه النص لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصص لعمومه، فضلا عن أن يكون ناسخا والله أعلم " ا. هـ
وقال ابن حجر (١): " والجواب عن آية الأنعام أنها مكية وخبر التحريم متأخر جدا فهو مقدم، وأيضا
فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر
فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخره وكتحريم السباع والحشرات " ا. هـ
الرابعة: العلة فى تحريم الحمر الإنسية.
стр. 113
روى عن الصحابة كثيرٌ من العلل، لكن يقدم قول النبى ﷺ عن غيره من الأمة حتى ولو كانوا الصحابة أنفسهم، قال ابن القيم: " وصح عن النبى ﷺ تعليل التحريم بأنها رجس وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم فلما قيل له: فني الظهر وأكلت الحمر حرمها، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم تخمَّس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية وكانت تأكل العذرة، وكل هذا في الصحيح لكن قول رسول الله ﷺ : (إنها رجس) مقدم على هذا كله، لأنه مِنْ ظن الراوي وقوله بخلاف التعليل بكونها رجسا " ا. هـ
الخامسة: ما معنى لجاهد مجاهد؟
(لجاهِدٌ) بكسر الهاء وتنوين الدال (مُجاهدٌ) بضم الميم وتنوين الدال أيضا.
ولها معنيان عند أهل العلم، قال النووى (١):
وفسروا لجاهد بالجاد في علمه وعمله، أي: لجاد في طاعة الله، والمجاهد في سبيل الله، وهو الغازي.
وقال القاضي: فيه وجه آخر جمع اللفظين توكيدا، قال ابن الأنباري: العرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت له من لفظه لفظا آخر على غير بنائه زيادة في التوكيد، وأعربوه بإعرابه فيقولون: جاد مجد، وليل لائل وشعر شاعر، ونحو ذلك.
قال القاضي: ورواه بعض رواة البخاري وبعض رواة مسلم: (لجاهَدَ) بفتح الهاء والدال على أنه فعل ماض (مَجاهدَ) بفتح الميم ونصب الدال بلا تنوين، قال: والأول هو الصواب. والله أعلم.
وفى الحديث جملةٌ من الفوائد ذكرها ابن حجر:
١ - الذكاة لا تطهر ما لا يحل أكله.
٢ - وأن كل شيء تنجس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرةً واحدةً لإطلاق الأمر بالغسل فإنه يصدق بالامتثال بالمرة، والأصل أن لا زيادة عليها.
٣ - وأن الأصل في الأشياء الإباحة لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا مع توفر دواعيهم على السؤال عما يشكل.
стр. 114
٤ - وأنه ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع أشاع منعه إما بنفسه كأن يخاطبهم وإما بغيره بأن يأمر مناديا فينادي لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزا. ا. هـ (١)
٥ - وفيه أيضاً سرعة استجابة الصحابة للنبىِّ ( ﷺ ) فى تنفيذ أمره، فقد أكفئوا القدور واللحم يفور فيها.
٦ - وفيه تقديم مراد الله سبحانه على مراد النفس، وإن كان فيه نوع تعذيبٍ.
٧ - وفيه نجاسة لحوم الحمر الأهلية، كما هو مذهب الجمهور خلافاً للمالكية.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. (٤٢٧٢)
الشرح:
قال الكرمانىُّ فى "شرح البخارى": " هذا هو خامس عشر الثلاثيات "، كما ذكره البدر العينى فى "عمدة القارى" والقسطلانى فى إرشاد السارى".
وأخرجه البخارى فى كتاب المغازى، باب " بعث النبى ﷺ أسامة بن زيد إلى الحُرَقات (٢) من جهينة، وهى بطن من جهينة، والمقصود بابن حارثة الذى فى الحديث هو زيد بن حارثة والد أسامة، جعله أميرا عليهم، والظاهر أن هذا كان في غزوة مؤتة، وقد خرج سلمة مع زيد فى سبع سرايا كما فى رواية أبى مسلم الكجى عن أبى عاصم " وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا " والحديث ينقل لنا صورةً من صور التحدث بنعم الله على عبده.
وفيه مسألتان:
الأولى:
ما هى السبع غزوات التى غزاها سلمة مع النبىِّ ( ﷺ )؟
стр. 115
والسبع غزوات التى غزاها سلمة مع النبى ( ﷺ ) ذكر يزيد بن أبى عبيد أربعةً منها وقال: " ونسيت بقيتهم " كما أخرجه البخارى فى الحديث الذى يلى الحديث الذى معنا فى الباب، والأربعة التى ذكرها هى:
خيبر
والحديبية
ويوم حنين
ويوم القرد
وقال ابن حجر (١): " وأما بقية الغزوات التي نسيهن يزيد فهن:
غزوة الفتح
وغزوة الطائف، فإنهما وإن كانا في سنة غزوة حنين فهما غيرهما،
وغزوة تبوك وهي آخر الغزوات النبوية،
فهذه سبع غزوات كما ثبت في أكثر الروايات " ا. هـ
وقد ذكر فى روايةٍ محفوظة " تسع غزوات بدلاً من سبع " فأجاب ابن حجر على ذلك فقال: " فلعله عد غزوة وادي القرى التي وقعت عقب خيبر، وعد أيضا عمرة القضاء غزوة كما تقدم من صنيع البخاري فكمل بها التسعة"، وقد روى أبو مسلم الكجى عن أبى عاصم هذا الحديث
وزاد فيه: " وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا ".
الثانية:
الغزوات السبع التى كانت لزيد.
ذكر أهل السير السرايا السبع لزيد، وتتبعها ابن حجر وذكرها فقال:
" وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة فبلغت سبعا كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذكر ما لم يذكره بعض
فأولها: في جمادى الأخيرة سنة خمس قبل نجد في مائة راكب.
والثانية: في ربيع الآخر سنة ست إلى بني سليم.
والثالثة: في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين فتلقى عيرا لقريش وأسروا أبا العاص بن الربيع، والرابعة: في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة.
والخامسة: إلى حُسْمَى - بضم المهملة وسكون المهملة مقصور - في خمسمائة إلى أناس من بني جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل.
والسادسة: إلى وادي القرى.
والسابعة: إلى ناس من بني فزارة.
стр. 116
وقد ذُكِرَ فى الحديث إمارة زيد، وقد كان طَعَن فى إمرته أناسٌ، فلما أمَّرَ النبىُّ ( ﷺ ) ابنَه أسامة طعن فيه أناسٌ أيضاً فقال النبىُّ ( ﷺ ): " إن تطعنوا فى إمارته فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة ".
من فوائد الحديث:
١ - جواز التحدث بنعمة الله إن أمن العبد على نفسه من فتنة العجب. فقد تحدث سلمة عن غزواته كلها.
٢ - وفيه منقبة لزيد بن حارثة حيث أمَّرهُ النبىُّ ( ﷺ ) فى عددٍ كثيرٍ من السرايا.
٣ - وفيه عزة الإسلام حيث كانوا لا يخافون فى الله لومة لائم فكانوا ينطلقون فى المعمورة يبلغون دين الله.
٤ - وفيه شجاعة الصحابة، وبذلهم الأرواح فى سبيل نشر الدين.
٥ - وفيه السمع والطاعة ولو كان عبداً حبشياً، وذلك فى قوله: " اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا " أو" يؤمره
علينا "، فقد كان فى الجيش أجل منه، ولكن أمر فوجب السمع والطاعة.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا. (٥٥٦٩)
الشرح:
قال الكرمانىُّ فى "شرح البخارى ": " هذا هو الثامن عشر من ثلاثيات البخارى "
стр. 117
والحديث أخرجه البخارىُّ فى كتاب الأضاحى، باب " ما يؤكل من لحوم الأضاحى، وما يتزود منها" وقد شرع الله الأضاحى، للحصول على التقوى، حيث أنها عبادة لا يجوز صرفها لغير الله خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية الذين كانوا يذبحوا للأصنام فقال تعالى: " لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ " (الحج، ٣٧).
وفى هذا الحديث ينقل لنا صورة من حال الصحابة، فى عامٍ أصابهم فيه الجهد، فجعل النبى ( ﷺ ) الحق فى الأضاحى للناس أجمعين، ليس لأصحابها فقط مراعاةً لحوائج الناس، وتحقيقاً للإيمان الذى جعل النبى ( ﷺ ) شرطه أنه " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، وفِعْلُ النبىِّ هذا ينقل لنا صورةً من صور رحمة النبىِّ بالأمة، ثم جعل النبى ( ﷺ ) أمر أضحيته بعد هذا العام يرجع للمضحى نفسه، ومن أجل هذا الحديث اختلف أهل العلم فى بعض المسائل الخاصة بالأضحية، وهو ما نبينه فى عرضنا لمسائل الحديث.
وفى الحديث خمس مسائل:
الأولى: الأضحيةُ وحكمها ووقتها:
تعريفها:
الأضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها ويجوز حذف الهمزة وفتح الضاد كأنها اشتقت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه، وبها سمي اليوم يوم الأضحى. وهى مايذكى تقرباً إلى الله تعالى فى أيام النحر بشرائط مخصوصة. (١)
حكمها:
اختلف العلماء فى وجوب الأضحية على الموسر على قولين كما قال النووى (٢):
أ - فقال جمهورهم هي سنة فى حقه إن تركها بلا عذر لم يأثم ولم يلزمه القضاء وممن قال بهذا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدرى وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وبن المنذر وداود وغيرهم
стр. 118
ب - الوجوب واختلف القائلون بذلك على من تجب:
* فقال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث هي واجبة على الموسر وبه قال بعض المالكية.
* وقال النخعى واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى.
* وقال محمد بن الحسن واجبة على المقيم بالأمصار.
* والمشهور عن أبى حنيفة أنه انما يوجبها على مقيم يملك نصابا والله أعلم " ا. هـ
ومن أدلة القائلين بالوجوب الأمر الذى فى الآية " فَصلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر" ولكن فيها تأويلات، وبحديث جندب بن سفيان (﵁) المتفق عليه أن النبىَّ قال: " من ذبح قبل أن يصلى فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح " وأُجيب بأن فى بيان شروط الأضحية لا فى وجوبها، وحديث أبى هريرة عند ابن ماجةَ وغيره " أن النبىَّ ( ﷺ ) قال: من كان له سعةٌ ولم يُضَحِّ فلا يقربنَّ مُصلانا " وأجيب عليه بترجيح وقفه.
ومن أدلة القائلين بالاستحباب حديث أم سلمة أن النبىَّ ( ﷺ ) قال: " إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره وبشره شيئاً " فقوله " وأراد أحدكم " صارفٌ من الوجوب إلى الندب. وما ثبت عن الصحابة كما فى مسند عبد الرزاق والبيهقىُّ عن أبى سريحة بسند صحيح قال: " رأيت أبا بكر وعمر، وما يضحيان ".
أما وقتها:
فبعد صلاة العيد، ولا تجزئ قبله، قال بن المنذر:
"وأجمعوا أنها لاتجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر واختلفوا فيما بعد ذلك "
أما آخر وقتها فعلى مذاهب ذكرها النووى فى شرح مسلم، وأشهرها مذهبين:
الأول: مذهب الشافعىِّ فقال: " تجوز فى يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة بعده " وممن قال بهذا علىُّ بن أبى طالب وجبير بن مطعم وبن عباس وعطاء والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدى فقيه أهل الشام ومكحول وداود الظاهرى وغيرهم.
الثانى: قال أبو حنيفة ومالك وأحمد تختص بيوم النحر ويومين بعده وروى هذا عن عمر بن الخطاب وعلى وبن عمر وأنس رضى الله عنهم.
стр. 119
واختلفوا فى جواز التضحية فى ليالى هذه الأيام، وذلك على مذهبين، الراجح قول الجمهور بالجواز، وهو رأى الشافعىُّ وأبى حنيفة، وأحمد وإسحاق وأبى ثور.
الثانية: حكم ادخار لحوم الأضاحى بعد ثلاث.
على مذهبين عند أهل العلم ذكرها ابن بطال فى شرحه للبخارى:
الأول: ذهب قوم إلى أن يحرموا لحوم الأضاحى بعد ثلاث، واحتجوا بحديث أبى عبيد عن على بن أبى طالب: (أن النبى نهى أن يؤكل من لحم الأضاحى بعد ثلاث) وبحديث ابن عمر: (أنه ﵇ أباح لهم الأكل منها ثلاثًا) وإليه ذهب ابن عمر.
الثانى: رأى الجمهور فإنهم لم يروا بأكلها وادخارها بأسًا، واستدلوا بحديث سلمة هذا، واختلُفَ فى أحاديث الإباحة هل هى ناسخة للنهى أم لا:
فقال الجمهور: أحاديث الإباحة ناسخة للنهى فى ذلك، وهذا قول الطحاوى، وقال المهلب: "والذى يصح عندى أنه ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وإنما كان لعلة فلما زالت العلةُ زال الحكم " وقول عائشة (رضى الله عنها): (وليست بعزيمة ولكنه أراد أن يطعم منه) يبين أنه ليس بمنسوخ، وقال آخرون كان النهي للكراهة لا للتحريم والكراهة باقية إلى اليوم-أفاده البدر العينى.
الثالثة: كيفية تقسيم الأضحية.
قيل: يستحب له أن يتصدق بثلثها، ويأكل ثلثها، وُيطعم الجيران ثلثها؛ لأن ذلك كان يفعله بعض السلف، لقوله: " فكلوا وتصدقوا وأطعموا " وذهب إلى ذلك الشافعىُّ، وقد ورد فى هذا آثارٌ ضعيفة، حتى قال الثورىُّ: " إن تصدق بلقمة أجزأه ".
فله أن يقسمها كيفما شاء، ولو تصدق بها كلها جاز، لما عند البخارىِّ ومسلم من حديث علىِّ (١) " أن النبىَّ أمره أن يقوم على بُدْنه كلها لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطى فى جزارتها شيئا "
الرابعة: هل قول النبى ( ﷺ ) "فكلوا " يوجب على المضحى الأكل منها؟
стр. 120
قال ابن بطال: قال الطبرىُّ: لا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أن المضحى غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم، فدل إجماعهم على ذلك أن الأمر بالأكل منها بمعنى الإذن والإطلاق، لا بمعنى الإيجاب، فيستحب له الأكل منها كما فعل النبىُّ ( ﷺ ).
وسئل مجاهد وعطاء عن الذى لا يأكل من أضحيته قالا: إن شاء لم يأكل منها، قال الله تعالى:
(وإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أرأيت إن لم يصطد؟. وقال إبراهيم: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل ".
وقال النووى كما نقل ابن حجر:" مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الأضحية وإنما الأمر فيه للإذن، وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه الماوردىُّ عن أبى الطيب بن سلمة من الشافعية.
الخامسة: هل قول النبىِّ " وَأَطْعِمُوا " يوجب الصدقة من الأضحية؟
قال النووى كما نقل ابن حجر: أما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الأضحية بما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها.
من فوائد الحديث:
١ - للإمام والعالم أن يراعى مصالح الناس فيما ليس فيه مخالفةٌ للشرع، فله أن يأمر بمثل ما أمر به النبىُّ، ويحض عليه إذا نزل بالناس حاجة.
٢ - وفيه المواساة.
٣ - وفيه كراهية أن يبيت المرء شبعان وجاره جائع.
٤ - وفيه جواز ادخار الأقوات، وليس فيه منافاةٌ مع التوكل، فقد كان ( ﷺ ) يدخر لأهله قوت سنة
مُسْنَدُ
﴿أنَسِ بنِ مَالِك﴾
التراجم
أنس بن مالك
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري، الخزرجي، النجاري، المدني، خادم رسول الله ﷺ وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا.
стр. 121
روى عن: النبي ﷺ علما جما، وعن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وعنه كثير: كالحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وحميد الطويل، وعيسى بن طهمان، وقد سرد صاحب (التهذيب) نحو مائتي نفس من الرواة عن أنس.
وكان أنس يقول: " قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين"
وقال: كناني النبي ﷺ أبا حمزة ببقلة اجتنيتها.
وقال: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله ﷺ قد أزرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه، فقالت:
يا رسول الله هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده). فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم.
قال الذهبى: لم يعدُّه أصحاب المغازي في البدريين؛ لكونه حضرها صبيا ما قاتل، بل بقي في رحال الجيش، وقال: وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.
قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم -يعني: أنسا -.
وقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.
ومن كراماته:
فعن ثابت البناني، قال: جاء قيَّمُ أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك.
فتردى أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى، ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه، ومطرت، حتى ملأت صهريجه، وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت؟
فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرا.
وقد كان النبي ﷺ يخصه ببعض العلم.
قال المثنى بن سعيد: سمعت أنسا يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي.
وعن جميلة مولاة أنس، قالت: كان ثابت إذا جاء إلى أنس قال: يا جميلة، ناولينى طيبا أمس به يدى، فإن ابن أبى ثابت، لا يرضى حتى يقبل يدى ويقول: يد مست يد رسول الله ﷺ .
стр. 122
وكان قد تعرض اليه الحَجَّاج وقال له كلاما شديدا، فكتب أنسُ إلى عبد الملك بن مروان، فكتب للحجاج بالذهاب إلى أنس والاعتذار إليه فجاءه وقال له: يا أبا حمزة غضبت؟
قال: نعم، تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال: إياك أعني واسمعي يا جارة، أردت أن لا يكون لأحد عليَّ منطق.
الوفاة:
ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين. وأما موته: فاختلفوا فيه، فقيل: أنه مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقال عدة - وهو الأصح -: مات سنة ثلاث وتسعين.
(مسنده):
ألفان ومائتان وستة وثمانون. اتفق له: البخاري، ومسلم على مائة وثمانين حديثا.
وانفرد البخاري: بثمانين حديثا، ومسلم: بتسعين، فيكون له فى الصحيحين ٣٥٠ حديثا.
وروى عن أنس فى الثلاثيات راويان: حميد الطويل، وعيسى بن طهمان ..
الأول: حميد الطويل
اسمه والتعريف به:
هو حميد بن أبي حميد الطويل البصري، الإمام، الحافظ، أبو عبيدة البصري، مولى طلحة الطَلَحَات، ويقال: مولى سلمة واختلف فى اسم أبيه، وهو خال حماد بن سلمة.
وهو كثير التدليس عن أنس حتى قيل ان معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتادة ووصفه بالتدليس النسائي وغيره، وقد وقع تصريحه عن أنس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره، قال الذهبى: "لحميد عن أنس في كتب الإسلام شيء كثير، وأظن له في الكتب الستة عنه مائة حديث ".
مولده:
في سنة ثمان وستين، عام موت ابن عباس.
الشيوخ والتلاميذ:
روى عن أنس بن مالك، والحسن، وعكرمة، وثابتا البناني، وابن أبي مليكة، ويوسف بن ماهك، وطائفة. وكان صاحب حديث، ومعرفة، وصدق.
حدث عنه عاصم بن بهدلة، وشعبة، وزياد بن سعد، وابن جريج، والسفيانان، والحمادان، ومالك، والأنصارى - الذى معنا فى هذه الروايات - وغيرهم كثير ..
سبب تسميته بالطويل:
стр. 123
قال الأصمعي: رأيت حميداً ولم يكن بطويل، ولكن كان طويل اليدين، وكان قصيرا، لم يكن بذاك الطويل، ولكن كان له جار يقال له: حميد القصير. فقيل: حميد الطويل؛ ليعرف من الآخر.
الجرح والتعديل:
وثقه ابن معين والعجلى وأبو حاتم الرازي، وابن خراش.
قال يحيى القطان: مات حميد وهو قائم يصلي.
الوفاة: مات حميد سنة اثنتين، أو ثلاث وأربعين ومئة.
وقد روى عن حميد، محمد الأنصارى:
محمد بنُ عبدِ الله الأنصَارِي
اسمه والتعريف به:
هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى، أبو عبد الله البصرى القاضى (قضى بالبصرة وببغداد)
مولده:
وكان مولده فى السنة التى ولد فيها عبد الله بن المبارك وهى سنة ثمانى عشرة ومئة.
وهو من صغار أتباع التابعين.
الجرح والتعديل:
قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائى: ليس به بأس.
وذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات "، وقال ابن حجر: ثقة، روى له: الجماعة.
ومن أحواله:
قال الأنصارى عن نفسه: ما أتيت سلطانا قط إلا وأنا كاره.
وذكر عمر بن شبة فى " أخبار البصرة " أنه ذكر للقضاء أيام المهدى سنة ست وستين ومئة فقال عثمان بن الربيع الثقفى للفضل بن الربيع: إنه فقيه، وعفيف، ولكنه يأتمّ بقول أبى حنيفة، ولنا فى مصرنا أحكام تخالفه فلا يصلحنا إلا من أجاز أحكامنا. فتركوا ولايته إذ ذاك.
قال يحيى بن معين، قال: كان محمد بن عبد الله الأنصارى يليق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ فقال: للحرب أقوامٌ لها خلقوا وللدواوين كتَّابٌ وحُسَّابُ
الوفاة:
لم يزل الأنصارى بالبصرة يحدث إلى أن مات بها فى رجب سنة خمس عشرة ومئتين.
стр. 124
الأحاديث الثلاث (الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون)
١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ " زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ. (٢٧٠٣)
١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. (٤٤٩٩)
٢٠ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ. (٦٨٩٤)
الشرح:
الحديث الأول قال فيه الكرمانىُّ فى "شرح البخارى": " وهذا عاشر ثلاثيات البخارى "
وقد أخرجه البخارى فى كتاب الصلح فى الباب الثامن من الكتاب، باب" الصلح فى الدية " ولم يذكر غيره، وفى الجهاد والسير " رضوا بالأرش وتركوا القصاص "
والحديث الثاني قال الكرمانىُّ عنه: " هذا هو الحديث السادس عشر من الثلاثيات "
стр. 125
وأخرجه البخارى فى كتاب التفسير، سورة البقرة، باب " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر- إلى قوله تعالى:" عذاب أليم " ثم رواه بسند آخر فى نفس الباب فى الحديث الذى يليه.
أما الحديث الثالث فقد قال الكرمانىُّ فى "شرح البخارى": " وهذا هو الحديث الموفى للعشرين من الثلاثيات "
وقد أخرجه البخارى فى كتاب الديات بَاب ﴿السِّنَّ بِالسِّنِّ﴾
والرُّبَيِّع: هى أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن مالك.
والأَرْشُ: دِيَةُ الجِراحة (كما قال الفراهيدى) وقال صاحب اللسان: وسُمِّي أَرْشاً لأَنه من أَسباب النزاع يقال أَرَّشْتُ بين القوم إِذا أَوقعت بينهم.
ورواية الفزارى هذه رواها البخارى فى كتاب التفسير (سورة المائدة) باب "والجروح قصاص" برقم (٤٦١١) والفزارى اسمه مروان بن معاوية، روى عنه البخارى بواسطة وقد وثقه أحمد وبن معين -وهو من شيوخهما-، والعجلى وغيرهم ومعدود من المدلسين.
وفى رواية " فعجب النبى ﷺ وقال ... الحديث " قال ابن حجر: ووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو فبر قسم أنس.
وفيه سبع مسائل:
الأولى: ضبط قوله ﷺ " كتاب الله القصاص "
قال ابن حجر: "واختلف في ضبط قوله ﷺ " كتاب الله القصاص " فالمشهور أنهما مرفوعان على أنهما مبتدأ وخبر، وقيل منصوبان على أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل أي كتب الله القصاص أو على الإغراء، والقصاص بدل منه فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه بأن يكون خبر مبتدأ محذوف."
الثانية: المعنى المراد من قوله " كتاب الله القصاص"
стр. 126
قال ابن حجر: " واختلف في المعنى فقيل: المراد حكم كتاب الله القصاص فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل المراد بالكتاب الحُكْم أي حكم الله القصاص، وقيل أشار إلى قوله (والجروح قصاص، فعاقبوا) وقيل إلى قوله (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقيل إلى قوله (والسن بالسن) في قوله:
(وكتبنا عليهم فيها) بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه.
الثالثة: كيفية توجيه إنكار أنس لأمر النبي ( ﷺ ) لأنه خلافٌ لما عَلِمْناهُ من الصحابة من سرعة الاستجابة؟
قال ابن حجر: " وقد استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الرُّبَيِّع مع سماعه من النبي ﷺ الأمر بالقصاص ثم قال " أتكسر سن الربيع "؟ ثم أقسم أنها لا تكسر "
ثم ذكر لذلك ثلاث أجوبة (١):
ا- قيل أشار بذلك إلى التأكيد على النبي ﷺ في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنها.
ب- وقيل كان حَلِفُه قبل أن يعلم أن القصاص حتمٌ، فظن أنه على التخيير بينه وبين الدية أو العفو
حـ- وقيل لم يرد الإنكار المحض والرد، بل قاله توقعاً ورجاءً من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش، وبهذا جزم الطيبي فقال: لم يقله رداً للحكم، بل نفى وقوعه لما كان له عند الله من اللطف به في أموره والثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد.
الرابعة: حكم القصاص فى السن؟
стр. 127
قال تعالى " والسن بالسن " بناءً على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد فى شرعنا ما يرفعه. قال ابن حجر: " قال ابن بطال: أجمعوا على قلع السن بالسن فى العمد واختلفوا فى سائر عظام الجسد، فقال مالك فيها القَوَد (١)، وقال الشافعى والليث والحنفية: لا قصاص فى العظم غير السن "ا. هـ
الخامسة: كم قيمة الأرش فى السن؟
قال القرطبى: " قال ابن المنذر ثبت عن رسول الله ( ﷺ ) أنه أقاد من سن، وجاء الحديث عن الرسول ( ﷺ ) أنه قال:"فى السن خمسٌ من الإبل " (٢) ا. هـ
السادسة: هل الدية فى الأسنان كلها سواء؟
وفيه قولان لأهل العلم، نقلها القرطبى عن ابن المنذر (٣):
الأول: لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات، لدخولها كلها في ظاهر الحديث،
وبه يقول الأكثر من أهل العلم. منهم عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري
والشافعي وأحمد وإسحق، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية."
الثانى - عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، وذلك خمسون دينارا، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير.، وكان عطاء يفرق أيضاً.
والراجح قول الجمهور لما ثبت عن النبى ( ﷺ ) عند أبى داود من حديث ابن عباس وصححه الألبانى قال ( ﷺ ): " الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء ".
السابعة: هل هناك فرقٌ بين أسنان الصغير وأسنان الكبير؟
قال القرطبى فى التفسير (٤): بالنسبة للصغير:
стр. 128
اختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر (١)، فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شئ على القالع، إلا أن مالكا والشافعي قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها.
وقالت طائفة: فيها حكومة (٢)، وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال النعمان.
وقال ابن المنذر: يستأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاما، على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش.
وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة، روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافعى لهذا مدة معلومة.
أما الكبير: قال: إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت، فقال مالك لا يرد ما أخذ.
وقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي قولان: يرد ولا يرد، لأن هذا نبات لم تجربه عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر. وتمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد، أصله سن الصغير.
من فوائد الحديث:
١ - وفيه جواز الحلف فيما يظن وقوعه. فقد قال أنس " والله لا تكسر ثنى الربيع "
٢ - الثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة بذلك عليه. فقد أثنى الرسول على أنس بقوله:
" إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ".
٢ - واستحباب العفو عن القصاص.
٤ - والشفاعة في العفو.
٥ - وأن الخيرة في القصاص أو الدية للمستحق على المستحق عليه.
٦ - وإثبات القصاص بين النساء في الجراحات وفي الأسنان.
٧ - وفيه الصلح على الدية، وجريان القصاص في كسر السن.
стр. 129
٨ - وفيه أن ما وقع هو إكرامٌ من الله لأنس ليبر يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم.
٩ - وفيه عدل الإسلام والمساواه بين أتباعه فى الأحكام، ولا فضل لأحد على أحدٍ إلا بالتقوى.
الراوى الثانى عن أنس
عيسى بن طهمان
اسمه والتعريف به:
هو عيسى بن طهمان بن رامة الجشمى، أبو بكر البصرى (نزيل الكوفة) من صغار التابعين
الشيوخ والتلاميذ: ومن شيوخه انس بن مالك وثابت، ومن تلامذته خلاد بن يحيى، وعبد الله بن المبارك، والفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وغيرهم.
الجرح والتعديل: وثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، والنسائي، والدارقطنىُّ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، يشبه حديثه حديث أهل الصدق، ما بحديثه بأس. وقال أبو داود: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة. وقال مرة أخرى: ثقة وقال ابن حبان وحده لا يجوز الاحتجاج به.
الوفاة: قال الذهبى: مات قبل الستين ومئة.
وروى من الثلاثيات عن عيسى خلاد بن يحيى:
خلاد بن يحيى
اسمه والتعريف به:
هو خلاد بن يحيى بن صفوان السلمى، أبو محمد الكوفى (نزيل مكة)
قال الذهبى: الإمام، المحدث، الصدوق، أبو محمد السلمي، الكوفي، وهو من صغار أتباع التابعين.
الشيوخ والتلاميذ: روى عن سفيان الثورى وعيسى بن طهمان، وفطر بن خليفة، ومسعر بن كدام، وغيرهم، وحدث عنه: والبخاري، اسماعيل بن يزيد الرازى عم أبى زرعة، وأبو زرعة، وغيرهم كثير.
الجرح والتعديل: قال ووثقه أحمد ابن حنبل والدارقطنى والعجلى، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال ابن حجر صدوق، رمى بالإرجاء، وقال الذهبي: ثقة يهم ولكن كان يرى شيئا من الإرجاء، وذكره ابن حبان فى الثقات.
وقال الحاكم: قلت للدراقطنى: فخلاد بن يحيى؟ قال: ثقة، إنما أخطأ فى حديث واحد ; حديث: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "، رفعه، ووقفه الناس.
وروى له أبو داود والترمذى.
الوفاة: وقال البخاري: سكن مكة، ومات بها، قريبا من سنة ثلاث عشرة ومائتين.
стр. 130
وقال حنبل بن اسحاق: مات سنة سبع عشرة.
ولخلاد عن عيسى عن أنس فى الثلاثيات حديث واحد وهو:
الحديث الواحد والعشرون
٢١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ " (٧٤٢١)
الشرح:
أخرجه البخارى فى كتاب التوحيد باب " وكان عرشه على الماء " " وهو رب العرش العظيم " والشاهد من سياقته فى هذا الباب قول زينب: " إن الله انكحني فى السماء " وقد ذكر البخارى أطرافاً من قصة زواج النبى ﷺ بزينب فى مواضع أخرى منها كتاب التفسر (سورة الأحزاب)، وفى علامات النبوة.
وزينب (رضى الله عنها) هى بنت جحشٍ من بنى أسد بن خزيمة وهى ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، ومن خواصها أن الله سبحانه كان وليها الذى زوجها لرسوله، وكانت تفتخر بذلك على نسائه، وهى الزوجة السابعة للنبى ﷺ تزوجها بعد أم سلمة (رضى الله عنها)، وتوفيت فى أول خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
وقولها " إن الله أنكحني " دليله قول الله تعالى " وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا .... الآية " (الأحزاب / ٣٧)
وفى الحديث خمس مسائل:
الأولى:
ما بوب عليه البخارى وهى مسألة الاستواء.
وفى معنى الاستواء قال ابن بطال: " اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا:
стр. 131
* فقالت المعتزلة: معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة. ورد عليهم بقوله:
" فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرا غالبا مستوليا، وقوله: "ثم استوى " يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنه كان مغالبا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه، وهذا منتف عن الله سبحانه "
* وقالت المجسمة: معناه الاستقرار. ورد عليهم بن بطال بقوله:
" وأما قول المجسمة ففاسد أيضا، لأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول والتناهي، وهو محال في حق الله تعالى، ولائق بالمخلوقات لقوله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ وقوله: ﴿لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ "
* وقال بعض أهل السنة: معناه ارتفع، وبعضهم معناه علا، وبعضهم معناه الملك والقدرة.
قال وأما تفسير استوى: علا فهو صحيح وهو المذهب الحق، وقول أهل السنة لأن الله سبحانه وصف نفسه بالعلي. وقال: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ وهي صفة من صفات الذات.
وأما من فسره: ارتفع ففيه نظر لأنه لم يصف به نفسه.
وقيل معنى الاستواء التمام والفراغ من فعل الشيء، ومنه قوله تعالى:" ولما بلغ أشده واستوى" فعلى هذا فمعنى استوى على العرش أتم الخلق، وخص لفظ العرش لكونه أعظم الأشياء.
وقيل إن " على " في قوله على العرش بمعنى: إلى، فالمراد على هذا انتهى إلى العرش أي فيما يتعلق بالعرش لأنه خلق الخلق شيئا بعد شيء، ثم من هذه نخرج بمسألةٍ أخرى:
* هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعل؟
قال ابن بطال: " واختلف أهل السنة فمن قال معناه علا قال هي صفة ذات، ومن قال غير ذلك قال هي صفة فعل، وإن الله فعل فعلا سماه استوى على عرشه، لا أن ذلك قائم بذاته لاستحالة قيام الحوادث به " ا. هـ
وقال ابن خزيمة:
من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا.
стр. 132
وعلق الذهبىُّ على كلام ابن خزيمة قائلاً (١):
" من أقر بذلك تصديقا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله ﷺ وآمن به مفوضا معناه إلى الله ورسوله، ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة، فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقَفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى، وكلام ابن خزيمة هذا - وإن كان حقا - فهو فج، لا تحتمله نفوس كثير من متأخري العلماء. " ا. هـ
الثانية:
زواج النبى ﷺ بزينب بنت جحش والوليمة عليها.
فقد تزوج النبى ( ﷺ ) بزينب بعدما قضت عدة طلاقها من زيد بن حارثة، فقد أخبر اللهُ النبىَّ ( ﷺ ) أن زينب ستكون من أزواجه فكتم ذلك النبى ﷺ وقال لزيد لما اشتدت زينبُ عليه " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ"، وكان يخشى أن الناس يتكلمون أنه تزوج بحليلة ابنه من التبنى، فنزل القرآن ليبطل كل معتقدات الجاهلية فى مسألة التبنى، وجعل تطبيق هذا عملياً على شخص النبى ( ﷺ ) القائد حتى يسهل الأمر على أتباعه بعد ذلك، فنزل القرآن بتزويج النبى بها، وهذا ما كان النبىُّ يخفيه، يقول ابن حجر: " والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا " ا. هـ، فلذلك كانت تفتخر على أزواجه.
стр. 133
وفى هذا الزواج المبارك أَوْلَمَ النبىُّ ( ﷺ ) عليها وأطعمهم لحماً وخبزاً، وقد وقع عند مسلم وعلقه البخارى عن أنس أيضاً قال: " تزوج النبي ﷺ فدخل بأهله، فصنعت له أم سليم حيسا، فذهبت به إلى النبي ﷺ فقال: ادع لي فلانا وفلانا، وذهبتُ فدعوتهم زهاء ثلاثمائة رجل " وللتوفيق بين الروايتين قال ابن حجر:
"ويجمع بينه وبين رواية حميد بأنه ﷺ أولم عليه باللحم والخبز، وأرسلت إليه أم سليم الحَيْس "
مسائل تتعلق بالوليمة:
تعريفها: الوليمة: اسم للطعام فى العرس خاصة.
حكمها: فيها رأيان لأهل العلم:
الأول: الوليمة سنةٌ مستحبةٌ مؤكدة للمتزوج أن يولم بما تيسر دون إسراف للنهى الوارد فى ذلك، وقد أولمَ النبىُّ ( ﷺ ) على نسائه كما فى هذا الحديث، وهذا مذهب الجمهور.
الثانى: الوجوب
وذهب إلى ذلك الشافعىُّ ومالك - فى قول- والظاهرية، وهو رأى الشيخ الألبانى، ومن أدلتهم:
قول رسول الله ﷺ : " إنه لا بد للعرس (وفي رواية للعروس) من وليمة " (١)
إجابة الدعوة للوليمة:
ذهب جمهور العلماء، -وبه قال الشيخ الألبانى كما فى آداب الزفاف- إلى أن إجابة دعوة العُرْس واجبة إلا لعذر، ودليل ذلك رواية ابن عمر عند البخارى: قال ( ﷺ ): " إذا دُعِىَ أحدكم إلى الوليمة فليأتها ".
وكذلك حديث أبى هريرة عند البخارى ومسلم موقوفاً " ومن ترك الدعوة فقد عصى أبى القاسم ".
* ومن الأعذار المخالفات الشرعية التى تقع، وما شابهها. ودليل ذلك ما رواه ابن ماجة بسند صححه الشيخ الألبانى فى آداب الزفاف عن علي قال:
" صنعت طعاما فدعوت رسول الله ﷺ فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع ..... الحديث "
стр. 134
وقال الإمام الأوزاعي: " لا ندخل وليمة فيها طبل ولا معزاف " (١)
ولمناسبة الكلام على زواج النبى ﷺ بزينب والحديث من قصة الأحزاب فهنا سؤالٌ يطرح نفسه وهى المسألة الثالثة:
الثالثة:
هل حرمت النساء على النبى ﷺ تحريماً أبدياً لقوله تعالى " لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ "؟
هذا الأمر على أقوال ذكرها ابن كثير فى تفسيره:
الأول: أن الأية منسوخة، قاله: ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم قال ابن كثير ﵀: " هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ ، كما فى قوله " إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... الآية ". فلما اخترن رسول الله ﷺ ، كان جزاؤهن أن الله قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول ﷺ عليهن.
ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد (٢) عن السيدة عائشة -- قالت:" ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء"
стр. 135
وعن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله، : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.
الثانى: وقال آخرون: بل معنى الآية: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك. هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعِكْرِمة، والضحاك -في رواية -وأبي رَزِين -في رواية عنه -وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية -والسدي، وغيرهم.
قال ابن كثير ﵀: " واختار ابن جرير، ﵀، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف؛ فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم ".
الرابعة:
نزول آية الحجاب.
وقد رواها البخارى عن أنس فى أكثر من موضع بعضها أسهب من بعض حتى قال أنس عن نفسه:
" أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب ... الحديث " حيث قد طال مُكْثُ بعضِ الصحابة
فى بيت النبى ﷺ ليلة عرسه ممن حضر الوليمة، فلما خرجوا قال أنس: " فذهبت أدخل فأُلْقِىَ الحجاب بينى وبينه وأنزل الله الآية .. "
فقد أرخى الستر بينه وبين خادمه ولم يكن له بذلك عهد، وقد أكملت رواية الترمذى الأمر فقد قال أنس فيها: " فلما أرخى الستر دونى ذكرت ذلك لأبى طلحة فقال: إن كان كما تقول لينزلن فيه قرآن، فنزلت آية الحجاب ". وحجاب أمهات المسلمين كلم عمرُ بنُ الخطاب النبىَّ ( ﷺ ) فيه كثيراً قائلاً: " احجب نساءك " حتى نزل القرآن موافقاً لرأيه.
стр. 136
وآية الحجاب هي: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ .... الآية " (الأحزاب / ٥٣)
الخامسة: بعض أحكام الحجاب الشرعى.
تعريفه (١): الحجاب: مصدر يدور معناه لغة على: السَّتر والحيلولة والمنع.
وحجاب المرأة شرعاً: هو ستر المرأة جميع بدنها وزينتها، بما يمنع الأجانب عنها من رؤية شيء من بدنها أو زينتها التي تتزين بها، ويكون استتارها باللباس وبالبيوت.
أما ستر البدن: فيشمل جَميعه، ومنه الوجه والكفان.
وأما ستر زينتها: فهو ستر ما تتزين به المرأة، خارجاً عن أصل خلقتها، وهذا معنى الزينة في قول الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ [النور: ٣١]، ويسمى: الزينة المكتسبة، والمستثنى في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ هو الزينة المكتسبة الظاهرة
والحجاب حجابان؛ حجاب البروز ويكون باللباس الشرعى الذى سنذكر أوصافه.
وحجاب البيوت، ويكون بملازمة البيت لقوله تعالى: " وقرن فى بيوتكن "
شروط الحجاب (٢):
١ - استيعاب جميع البدن إلا ما استثني. ... ٢ - أن لا يكون زينة في نفسه. ... ٣ - أن يكون صفيقا لا يشف. ... ٤ - أن يكون فضفاضا غير ضيق.
٥ - أن لا يكون مبخرا مطيبا. ... ٦ - أن لا يشبه لباس الرجل.
٧ - أن لا يشبه لباس الكافرات. ... ٨ - أن لا يكون لباس شهرة.
فضائل الحجاب:
стр. 137
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ (١): ومن وراء افتراضه حكم وأسرار عظيمة، وفضائل محمودة، وغايات ومصالح كبيرة، منها:
١ - حفظ العِرض. ... ٢ - طهارة القلوب، لقوله تعالى: ﴿ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾.
٣ - مكارم الأخلاق من العفة والاحتشام والحياء والغيرة، والحجب لمساويها.
٤ - علامة على العفيفات لقوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾
٥ - قطع الأطماع والخواطر الشيطانية. ... ٦ - حفظ الحياء.
٧ - الحجاب يمنع نفوذ التبرج والسفور والاختلاط إلى مجتمعات أهل الإسلام.
٨ - الحجاب حصانة ضد الزنا والإباحية.
٩ - المرأة عورة، والحجاب ساتر لها، وهذا من التقوى ... ١٠ - حفظ الغيرة.
السادسة: تفاخر زينب على أزواج النبى ﷺ .
وكانت تفخر على نساء النبى ( ﷺ ) بقولها: " أنتن أنكحكن آباؤكن "
فهل كل نسائه زوجها أبوها؟
قال ابن حجر: وهذا الإطلاق محمول على البعض، وإلا فالمحقق أن التي زوجها أبوها منهن عائشة وحفصة فقط، وفي سودة وزينب بنت خزيمة وجويرية احتمال، وأما أم سلمة وأم حبيبة وصفية وميمونة فلم يزوج واحدة منهن أبوها.
من فوائد الحديث:
١ - وجوب الحجاب على نساء المؤمنين.
٢ - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد قال أنس: " نزلت فى زينب " ولكن الحكم عام لكل مسلمة بنص كتاب الله قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ "
٣ - ترك الكنية لا يتنافى مع الأدب، فقد قال أنس: " نزلت فى زينب " ولم يقل: " أم المؤمنين " والصحابة هم آدب القوم.
٤ - وجوب الوليمة فى الأعراس.
٥ - لا يشترط اللحم فى الوليمة ولكن بما تيسر، لما عند مسلم فى هذه الرواية: " فصنعت له أم سليم حيسا " - أى فى الوليمة -، وكما فى حديث أنس عند البخارى فى زواج النبىِّ بصفيه،
стр. 138
وفيه: " فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولا لحم ... .. الحديث "
٦ - جواز الافتخار بما أنعم الله به، إذا أمن العبد على نفسه الفتنة.
٧ - مشروعية التحدث بنعم الله، ووجوب الشكر عليها.
٨ - وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن هم بأمر سواءٌ كان هذا الأمر خيراً أم شر، كما تبين ذلك من بعض طرق الحديث فعند مسلم قالت زينب لزيد لما جاءها فى زواج النبى منها: " ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربى ".
٩ - مكانة النبى ( ﷺ ) عند الصحابة ومدى رفعة أخلاق هذا الجيل الفريد، ففى رواية مسلم أن النبىَّ أرسل زيدٌ يذكرها عليه، فلما انطلق زيدٌ إليها قال: " فلما رأيتها عظِمَت فى صدرى حتى ما أستطيع أنظر إليها أن رسول الله ذكرها، فوليتها ظهرى ونكصت على عقبى فقلت: " يا زينب أرسل رسول الله يذكرك ....... ".
١٠ - وفيه أنه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة له من كان زوجها إذا علم أنه لا يكره ذلك. قاله النووى.
١١ - وفيه أن الوليمة على الزواج مما لا يدخل فى العدل بين الأزواج، فقد أولم ( ﷺ ) على زينب بما لا يولم به على غيرها، كما قال أنس.
١٢ - وفيه علامة من علامات نبوته ( ﷺ )، حيث أنه لما أهدى له الحيس من أم سليم وضع يده عليه ودعا، حتى طعم الجميع، حتى قال أنس: " فما أدرى حين وضعت -أى الطعام- كان اكثر أم حين رفعت ".
١٣ - جواز الوكالة فى الدعوة إلى الوليمة.
١٤ - لا يشترط ان يكون مال الوليمة من مال الزوج بل يجوز إهداؤه إليه.
١٥ - وفيه أنه من الأدب مراعاة مشاعر الناس، ومراعاة حالة المضيف حتى لا تثقل عليه، فيتأذى بذلك ويمنعه الحياء من الإفصاح بمراده.
١٦ - وفيه تكفل الله عن حماية جناب النبى ( ﷺ ) من كل ما قد يسبب له أذى فقال للأمة: " إن ذلكم كان يؤذى النبى ".
стр. 139
١٧ - وفيه حفاظ الله لهذه الأمة فى كل أحوالها، فقد قال تعالى: " والذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليم " فلما غفل هؤلاء النفر الذين أطالوا البقاء عند النبى أن هذا مما يؤذيه رفع الله الحرج عن الأمة فعلمهم حتى لا ينالهم العذاب الأليم.
مُسْنَد
﴿عبد الله بن بُسْر﴾
التراجم
عبد الله بن بسر
هو الصحابي، المعمر، بركة الشام، أبو بسر ويقال أبو صفوان المازني، نزيل حمص.
له ولأبويه صحبة، وصحبتة يسيرة زارهم النبى ﷺ وأكل عندهم، ودعا لهم، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله ﷺ .
روى له الجماعة وله: أحاديث قليلة بلغت خمسين حديثا، وكان ممن صلى إلى القبلتين.
وقد غزا جزيرة قبرس مع معاوية في دولة عثمان.
صفته:
وقال حريز بن عثمان: رأيت عبد الله بن بسر وثيابه مشمرة، ورداؤه فوق القميص، وشعره مفروق يغطي أذنيه، وشاربه مقصوص مع الشفة، كنا نقف عليه، ونتعجب.
وقال صفوان بن عمرو: رأيت في جبهة عبد الله بن بسر أثر السجود.
قالت أم هاشم الطائية: رأيت عبد الله بن بسر يتوضأ، فخرجت نفسه ﵁.
الوفاة:
قال الواقدي: مات سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام.
قال: وله أربع وتسعون سنة. وقيل سنة ست وتسعين.
* وقد روى أحمد فى ذلك بسند حسن عن عصام بن خالد قال: حدثنا الحسن بن أيوب الحضرمي قال: أراني عبد الله بن بسر شامة في قرنه، فوضعت أصبعي عليها، فقال: وضع رسول الله ﷺ أصبعه عليها، ثم قال: " لتبلغن قرنا ".
وله فى الثلاثيات حديثٌ واحد والراوى عنه: " حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ "
حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ
اسمه والتعريف به:
حريز بن عثمان أبو عثمان الرحبي المشرقى الحمصى، محدث ثقة ثبت، من أهل حمص.
لم يكن في الشام أعلم منه بالحديث في عصره. رحل إلى بغداد في زمن المهدي العباسي، وزار مصر، وحج.
стр. 140
وكانوا يتهمونه بانتقاص عليّ والنيل منه. والرحبي نسبة إلى (رحبة) بطن من حمير، حدث بالشام وبالعراق، وحديثه نحو المائتين، ويرمى بالنصب. وقد روى البخارىُّ عنه لما تقرر فى الأصول من أن المحدثين يون الرواية عن اهل البدعة من الخوارج والرافضة إذا كانوا من أهل الضبط والديانة، ولا تكون الرواية فيما تؤيد بدعته.
مولده:
قال يزيد بن عبد ربه: ومولده سنة ثمانين.
الجرح والتعديل:
قال الذهبى معقباً على ما رمى به: " هذا الشيخ كان أورع من ذلك، وقد قال معاذ بن معاذ: لا أعلم أني رأيت شاميا أفضل من حريز."
وقد قال أبو حاتم: لا يصح عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أحدا أثبت منه.
وقال أحمد بن حنبل: حريز: ثقة، ثقة، ثقة، لم يكن يرى القدر.
ومن حِكَمِه:
" لا تعادِ أحداً حتى تعلم ما بينه وبين الله، فإن يكن محسناً، فإن الله لا يُسْلمه لعدواتك، وإن يكن مسيئا، فأوشك بعمله أن يكفيكه ".
الوفاة:
توفي حريز بن عثمان: سنة ثلاث وستين ومائة، وله نيف وتسعون سنة.
وليس له فى الثلاثيات إلا حديثٌ واحد يرويه عنه: عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ
عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ
اسمه والتعريف به:
عِصَام بن خَالِد أَبُو إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ الْحِمصِي، من صغار أتباع التابعين، وهو من شيوخ الإمام أحمد
الشيوخ والتلاميذ:
روى عن أبيه وحريز وأرطاة ابن المنذر وإسماعيل بن عياش وصفوان بن عمرو بن هرم السكسكي وغيرهم، وروى عنه الإمام احمد، والبخاري، والحسن بن على بن عياش الحمصي، ومحمد بن مسلم الرازي وغيرهم.
الجرح والتعديل:
قال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات ".
وقال ابن حجر: صدوق.
الوفاة:
قال البخارى: مات ما بين سنة إحدى عشرة إلى سنة خمس عشرة ومئتين.
стр. 141
الحديث الثانى والعشرون
٢٢ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ شَيْخًا؟ قَالَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. (٣٥٤٦)
الشرح:
قال القسطلانى فى "إرشاد السارى": " هذا الحديث هو الثالث عشر من ثلاثياته وهو من أفراده " وكذا نص على ذلك الكرمانىُّ فى شرحه.
وأخرجه البخارى فى كتاب المناقب، باب " صفة النبى ( ﷺ ).وليس لعصام هذا فى البخارى سوى هذا الحديث، ومن النكت أن أبا زرعة الدمشقي وهو دون البخارى في الطبقة وقد يعد من أقرانه أن هذا الحديث وقع له ثلاثياً كما في تاريخه:
قال: حدثني علي بن عياش قال حدثنا حريز بن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر أرأيت رسول الله ﷺ أكان شيخاً؟ قال كان في عنفقته شعرات بيض.
والحديث ينقل لنا بعض صفات النبى ( ﷺ ) الخِلْقِيّة، فإنه لم يشب شعره.
وعلة تخصيص عبد الله بن بسر بصفة الصحبة فقال: " صاحب رسول الله " لأن هناك أيضاً " عبد الله بن بسر السكسكى الحبرانى " من صغار التابعين وهو من تلاميذ بن بسر الصحابى فحتى لا يتوهم ان الحديث مرسل خصصه - والله أعلم -
وفيه أربع مسائل:
الأولى: قوله " أرأيت "
لها احتمالان: قال ابن حجر:
الأول: بمعنى أخبرني و " النبي " بالرفع على أنه اسم كان، والتقدير: أخبرني أكان النبي ﷺ شيخا؟ واعترض البدر العينى على كون " النبى" اسم كان وقال: فيه ما فيه، والنبىُّ مرفوعٌ على الابتداء وكان شيخاً خبرها ا-هـ
стр. 142
الثاني: يحتمل أن يكون " أرأيت " استفهاما منه هل رأى النبي ﷺ ؟ ويكون " النبيّ " بالنصب على المفعولية. وكان شيخا استفهام ثان حذفت منه أداة الاستفهام. وقد جاءت بعض الروايات أن حريز سأله السؤالين، كما فى رواية أبى زرعة السابقة.
الثانية: العنفقة:
هى ما بين الذقن والشفة السفلى سواء كان عليها شعر أم لا. وتطلق على الشعر أيضا.
الثالثة: هل شاب النبى ( ﷺ ) أو صبغ؟
أجاب عبد الله بن بسر على حريز بن عثمان فى روايةٍ أخرى على هذا السؤال فقال له: " يا ابن أخى لم يبلغ النبى ( ﷺ ) ذلك " وروايات أنس كلها تدل على أن النبى ( ﷺ ) مابلغ به المشيب إلا قليل من الشعرات فى لحيته ما تجاوزت العشرين، كما روى البخارى عن أنس قال: " فتوفاه الله وليس فى رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء ". وقال الكرماني "شعرات": جمع قلة فلا يكون زائدا على عشرة، فيأخذ من كلام الكرمانى أن العشر كانوا فى عنقته، وما زاد على ذلك فكان فى لحيته كما قال أنس: " إنما كان شيءٌ فى صدغيه " أما ما ورد أنه قد رؤي شعرٌ أحمر للنبى ( ﷺ )، فإنما كانت هذه الحمرة من أثر الطيب، ودليل ذلك - كما ذكر ابن حجر - ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز قال:" قلت لأنس: هل خضب النبى ( ﷺ ) فقد رأيت شعراً من شعره قد لون؟ فقال: إنما هذا الذى لُوِّن من الطيب الذى كان يطيب به شعر رسول الله فهو الذى غير لونه "
الرابعة: ما الحكمة فى تقليل البياض بالنسبة له رغم أن للشيب فى الإسلام مكانة، قال عنها: " من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة "؟
стр. 143
قال القارى فى شرحه للثلاثيات: " لما كان النبىُّ ﷺ حبب إليه من الدنيا النساء، والنساء لا يحببن الشيب كما ثبت عن عائشة قالت: " ما شانه الله بالبياض " فقد صانه الله عما شانه لديهن، لئلا يكون مكروهاً عليهن ".
قلت وكما قال القائل: وقائلةٍ: تخضب فالغواني نوافر عن معاينة النذير
والنذير فى البيت هو الشيب كما ثبت عن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والطبرى فى قوله تعالى: " وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ "
ومن فوائد الحديث:
١ - مدى اهتمام الصحابة بشأن النبى ﷺ كله، حتى عدوا عدد الشيب فى رأسه.
٢ - صيانة الله لنبيه عما يشينه.
الباب الثالث
المبحث الأول: روايات فى البخارى بصورة الثلاثيات
المبحث الثانى: روايات فى البخارى فى حكم الثلاثيات
المبحث الثالث: ثلاثيات فى الأدب المفرد للبخارى
المبحث الأول
روايات بصورة الثلاثيات
هناك كثير من الأحاديث فى البخارى تأخذ صورة الثلاثيات، فسندها عبارة عن ثلاثة من الرواة، إلا أنها ليست روايات ثلاثية، وذلك إما لأنها من المعلقات ففيها راوٍ أو أكثر محذوف من أول السند، وإما للإرسال، أو غير ذلك من الأسباب التى تخرجه عن حيز الثلاثيات، ومن ذلك.
الحديث الأول
قال البخارىُّ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنَصِّلُ الْأَسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ
стр. 144
وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. (٤١١٧)
التعليق:
الحديث أخرجه البخارى فى كتاب المغازى، باب " وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال ". وفى نفى أن هذه الرواية من الثلاثيات يقول البدر العينى:
أبو رجاء العطاردي أسلم زمن النبي ولم يره، وهذا لا يحسب من الثلاثيات لأنه لم يرو حديثا عن النبي ﷺ بل حكى عن حاله فقط بخروجه، أي بظهوره على قومه من قريش بفتح مكة، وليس المراد منه مبدأ ظهوره بالنبوة ولا خروجه من مكة إلى المدينة.
الحديث الثانى
قال ابو عبد الله: وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي.
التعليق:
اخرجه البخارى فى كتاب المساقاة والشرب، باب: كتابة القطائع.
وهذه الرواية من المعلقات فإن البخارى لم يدرك الليث ولا يصح عده من الثلاثيات لأن البخاري أخذه عن واحد عن الليث إما عبد الله بن يوسف أو ابن بكير أو قتيبة أو غيرهم ممن حدث البخاري عنهم عن الليث ٠
стр. 145
الحديث الثالث
قال ابو عبد الله: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ الْبَيْتِ حَائِطٌ كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ الْبَيْتِ حَتَّى كَانَ عُمَرُ فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ جَدْرُهُ قَصِيرٌ فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
التعليق:
اخرج البخارى الحديث فى كتاب فضائل الصحابة، باب بنيان الكعبه
وهذا الحديث من مرسل التابعين فلا يصح عده من الثلاثيات لأن مقصودهم بها ما كان بين المصنف والنبي ﷺ ثلاثة أنفس.
المبحث الثانى
وهناك في الصحيح ما كان حكمه حكم الثلاثيات ولا يعد منها، وصورة ذلك أن يكون شيخُ شيخِ البخارى تابعياً ولكن لا يروى عن صحابىٍّ بل عن تابعىٍّ آخر، أو يكون بين البخارى والصحابىِّ اثنان، ولكن هذا الصحابىَّ يروى عن صحابىٍّ آخر،
كما قال ابن حجر (١): " أعلى ما يقع للبخاري ما بينه وبين الصحابي فيه اثنان، فإن كان الصحابي يرويه عن النبي ﷺ فحينئذ توجد فيه صورة الثلاثي، وإن كان يرويه عن صحابي آخر فلا، لكن الحكم من حيث العلو واحد لصدق أن بينه وبين الصحابي اثنين. وهكذا تقول بالنسبة إلى التابعي إذا لم يقع بينه وبينه إلا واحد، فإن رواه التابعي عن صحابي فعلى ما تقدم، وإن رواه عن تابعي آخر فله حكم العلو لا صورة الثلاثي ".
ومن ذلك:
الحديث الأول
قال البخارى: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب الصلاة، باب " باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به "