كلامهم في قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) الآيات.
إن ما خاضوا به من بداية الكون من أول خطوة باطل وكذب وضلال مبين، ويكفي قول صاحب كتاب توحيد الخالق: (إن نشأة الأرض والكواكب كانت منذ ٤.٥ بليون سنة تقريباً) (١).
نحن ولله الحمد لا نقبل مثل هذه الإحالات الكاذبة من أعداء الله ورسوله ولسنا بحاجة إلى أن يخبرونا عن بداية الكون ولا نهايته لأن الكفار وكفرهم شر والشر لا يأتي بالخير، ولقد أضلّهم إبليس بمكره وكيْده حتى عن إثبات وجود الخالق سبحانه بسبب هذه العلوم، وهم لو أثبتوا وجوده ما خرجوا عن دين أبي جهل.
نحن عندنا كلام ربنا خالق الكون ومُبْدعه وقد أخبرنا عن بداية الكون ونهايته بما يكفينا ويغنينا عن دَجَل الدجاجلة وخوض الخائضين مما يزيدنا إيماناً بربنا وعلماً بكمال قدرته وحكمته وجميع أسمائه الحسنى من لطفه بعباده بما خلق لهم وسَخّر.
لم يُحْوِجْنا الله ولا نبينا ﷺ للكفار، فالعلم الذي يستحق أن يسمى علماً عندنا وهو وحي ربنا خالق الكون العليم به سبحانه، والحقيقة أن ما تهوّك به المتهوكون من هذا العلم الحديث وكشوفاته ما هو إلا فتنة.
стр. 107
لقد ذكر الله في كتابه بداية المخلوقات وأنها مادة وهي (الدخان) وقد ذكرت في (هداية الحيران) كلام شيخ الإسلام في بداية المخلوقات أنقله هنا:
قال ﵀: وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وخلق ذلك من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض وهو (الدخان) الذي هو البخار كما قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وهذا الدخان هو بخار الماء الذي كان حينئذ موجود كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين وكما عليه أهل الكتاب (١).
فليحذر المسلم من ملايين وبلايين الدهرية المعطلة هي والله متاهة وضلالة وخيالات مضلمة، وإنك لا تجد في كلام السلف هذه الخيالات التي هي إحالات أعداء الله، فهم يقصدون بذلك تعظيم نفوسهم وعلومهم وليَسْتَوْطِن اليأس قلب الناظر في علومهم وكشوفاتهم من أول نظرة فيها وأول خطوة يخطوها في طريقهم أن الأمر كله مُسَلَّم لهم بلا منازعة ولا نظر ولا فكر، ولذلك لجأوا إلى هذه الإحالات الشيطانية.
стр. 108
وليحذر العاقل من هؤلاء النقلة المقلِّدة إذْ أن غايتهم أن ينقلوا كلام الملاحدة لا أقول: على عِلاّته لأنه كله عِلّة لا دواء لها إلا الرجوع إلى الوحي المطهر بتفسير السلف الصالح، وأعجب الآن مما يقول هذا: أما أقرب نجم إلينا فيبعد عنا أربع سنوات ضوئية، وأما أبعد شبه نجم (الكازار) فتفصله عنا مسافة تزيد عن عشرة مليارات سنة ضوئية، فالإنسان حتى الآن لم يكتشف من الفضاء إلا مقدار نقطة ماء من محيط، ولقد أنبأ المولى في تنزيله بأن الإنسان سينفذ من أقطار السموات والأرض بواسطة سلطان العلم، كما أنبأ أيضاً بأن النفاذ من أقطار السموات يبقى محفوفاً بالمخاطر، ومنها تعرُّض المركبات ومن فيها لشواظٍ من النار والنحاس: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ) (١).
فالإنس والجن لن يستطيعا استكشاف جميع أقطار السموات والأرض أو العيش طويلاً خارج أقطار الأرض، وتاريخ اكتشاف الفضاء لم يخلُ يوماً من المآسي، ومنها انفجار المكوك الفضائي الأميركي (تشالنجر) وبالرغم من أن علماء الفلك يخططون اليوم للنفاذ إلى الأجرام البعيدة بواسطة محطات فضائية، إلا أن قدرتهم على سبر آفاق الكون تبقى محدودة جداً بالنسبة للمقاييس الكونية الهائلة، ولو سلّمنا جدلاً،
стр. 109
كما يقول أحد علماء الفلك، أن باستطاعة العلم بناء مركبة فضائية تصل سرعتها إلى سرعة الضوء، أي ٣٠٠ ألف كلم في الثانية (وهذا في حدود الاستحالة، فأسرع المركبات اليوم لا تتجاوز سرعتها ٣٠ كلم في الثانية)، فسيبقى الإنسان مدة أربع سنوات على ظهر مركبة تسير بسرعة الضوء حتى يصل إلى أقرب نجم إلينا وثلاثين ألف سنة حتى يصل إلى مركز مجرّتنا اللبنية، و٢٠٠ ألف سنة حتى يدور حولها، وعشرة مليارات سنة ونيّفاً ليصل إلى أبعد نجم استطاع أن يرصده، و٤٠ مليار سنة ليدور حول هذا الكون، هذا إن بقي الكون بدون توسُّع منذ انطلاقه!!! انتهى (١).
واعلم أن علوم هؤلاء الضلال وكشوفاتهم المحصورة بخيالاتهم المظلمة تُغَيِّر الفطرة، وقد ذكر شيخ الإسلام أن عوام النصارى تنكر فطرهم ما يقوله علماؤهم عن الله ولكنهم يتبعونهم فتتغير فطرهم. قال ﵀ في نقض التأسيس ٢/ ٥٣٤.
مع أن هذا حين تقوله علماؤهم لعامتهم تنكره فطرهم وتدفعه عقولهم لِما يجدون في أنفسهم من العلم الضروري بنفي ذلك (المراد هنا أن الفِطَر تُنكر دوران الأرض وتنكر اتساع الكون ببلايين المجرات لأنه مخالف للفطرة من طلب الرب في العلو دائماً وصغر الكون بالنسبة
стр. 110
لخيالات وهذيانات الملاحدة) ثم قال شيخ الإسلام: فإنهم كما قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فالنصارى مولودون على الفطرة التي تُنكر ذلك، ولكن الدين الذي وجدوا عليه آباءهم هو الذي أوْجب تغيير فطرتهم. انتهى.
والمراد منه بيان تغيير الفطرة من طلب الرب في العلو دائماً حيث أن علوم المعطلة مُغَيّرة للفطرة، مُفسدة للدين ولما تكلم شيخ الإسلام عن أمثال هؤلاء المعطلة قال: فإذا دُفع صِِيَالهم وبُيِّن ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله (١).
وانظر الإحالات الضالة المضلة في العالَم العلوي والسفلي:
فالأرض والكواكب في علومهم نشأت منذ ٤.٥ بليون سنة والمجرات بلايين وبينها مسافات تُقَدّر بالسنين الضوئية وسرعة الضوء، بزعمهم ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة.
وبعض جسيمات الذرّة لا يُعَمّر في الذرة أكثر من عشرة أجزاء من مليون جزء من الثانية، وقد تقدم ذكر هذا الهذيان وأنه لا يُحيل مثل هذه الإحالات إلا من لا يدري ما يخرج من رأسه.
ومن الإحالات العجيبة الاستدلال البعيد ما ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق عند قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) قال:
стр. 111
ولقد ثبت لدى الباحثين أن بعض البكتيريا تستطيع الحياة بدون هواء غير أنه لا يمكن مطلقاً أن توجد حياة بدون ماء كما تشير الآية إلى ذلك من قبل أن يعرف البشر شيئاً من ذلك (١).
صاحب كتاب توحيد الخالق يريد أن يغصب آيات القرآن لمجاراة علوم الكفار فيقول بالقرآن برأيه، والآية على تقدير أن ما قاله في شأن ما لا يُرى بالعين صحيح فلا تدل عليه بوجه من الوجوه وإنما هو تأويل كلام الله على غير مراده سبحانه بل على هزليات لا يخاطب الله عباده بمثلها، فإن المراد بالآية أن أصل الأحياء كلها الماء، والسنة تُفسر القرآن وتوضحه فقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية بعد أن ذكر أن معناها أن أصل الأحياء هو الماء ذكر حديث أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كل شيء؟ قال: (كل شيء خُلق من ماء) (٢).
قال ابن كثير بعد أن أوْرده: إسناده على شرط الصحيحين فالذي جاء في الحديث وهو مبين للقرآن أن أصل الأحياء هو الماء وانظر إلى أين ذهب صاحب كتاب توحيد الخالق.
وسوف يأتي من إحالات صاحب كتاب توحيد الخالق معاني الآيات ما يبيّن كيف يكون الضلال والإضلال.
стр. 112
لقد تكلم سلف هذه الأمة في معاني القرآن والحديث وبعضهم تَوَسّع في ذلك لكنهم مع ذلك لم تتزيف عقولهم إلى مستوى أن يتلقّنوا من الكفرة تخريفهم وهذيانهم مثل هذا الزمان.
تكلموا في عمر الدنيا وما تجاوزوا سبعة آلاف سنة.
وتكلموا في الفضاء وما تجاوزوا مسيرة خمسمائة عام وذلك يقارب ٩ ملايين كيلو متر حسب اصطلاح أهل الوقت، وتكلموا في الأرض ونشأتها والسموات ولا يوجد في كلامهم ما نراه في كلام هؤلاء الدجاجلة الذين فرحوا بما عندهم من العلم واحْتالوا بهذه الإحالات ليُسَلَّم لهم الأمر. ونبينا ﷺ لم يتركنا عيالاً على المعطلة في معرفة مخلوقات ربنا.
وتكلم العلماء في الأيام المذكورة في القرآن وما تجيء المسافات والأزمنة التي يذكرونها قِطْرة في بحور هؤلاء الكفرة.
أتكون خزائن العلم مغلقة عن خير القرون ومن بعدهم الذين هم خير أمة أخرجت للناس وأُعطي مفاتيحها الملاحدة المعطلة ويكون السلف في جهالة في معرفة مخلوقات ربهم من الصحابة فمن بعدهم؟ يقرءون آياتاً لا يعرفون معناها، ويتفكرون في خلق السموات والأرض على عماية (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) ومن يلحق غبارهم في العلم بالمخلوقات وخالقها؟.
стр. 113
ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن استواء الله على العرش بعد خلقه السموات والأرض في ستة أيام فذكر ألوف السنين، قال ﵀: وقد أخبر أنه استوى عليه (يعني العرش) لما خلق السموات والأرض في ستة أيام وأخبر بذلك عند إنزال القرآن على محمد ﷺ بعد ذلك بألوف السنين، (ولم يذكر الملايين والبلايين). انتهى (١).
وتتميماً للفائدة وإن كان الذي سوف أذكره من كلام شيخ الإسلام ليس هو موضوع البحث لكن قد يتساءل الناظر في الآيات الواردة في ذكر استواء الرب سبحانه على عرشه بعد خلق السموات والأرض فيقول في نفسه: أين كان سبحانه قبل ذلك؟ أو يتخيل أن يكون الله داخلاً في المخلوقات أثناء خلقها أو بعد خلقها فهذا كله باطل، فقد ذكر شيخ الإسلام في موضع آخر من فتاويه أن الرب سبحانه كان عالٍ على العرش قبل خلق السموات والأرض وإنما حصل الاستواء عليه بعد خلق السموات والأرض.
والمراد هنا ذكر الأزمنة والمسافات وأن السلف لم يتلاعب بهم الشيطان كما تلاعب بعقول هؤلاء.
стр. 114
ولما كان الكلام على دَعْوى انفصال الأرض عما في السماء وتقرير صاحب كتاب توحيد الخالق وغيره ما يقوله الملاحدة في ذلك وتلمّسهم ما يدل على ذلك من القرآن بزعمهم مثل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) وقوله تعالى: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا).
يبحث صاحب كتاب توحيد الخالق عن آيات يغصبها لتجاري علوم الملاحدة ويزعم أن ذلك من إعجاز القرآن وأنه يُوجب الإيمان.
ولقد تكلم هو وكثيرون غيره في بَدْء الخلق وفي وصف الأرض وما فوقها بكلام هو من أخطر الكلام وأضره على عقيدة المسلم.
والآيات المذكورة لا تدل على ما ذهبوا إليه فإن كلام السلف فيها مخالف من كل وجه لكلام هؤلاء فآية سورة الأنبياء كلام السلف فيها ابن عباس وعطية العوفي وأبو صالح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ويحيى وابن كثير كلامهم في الآية أن السموات والأرض متصل بعضها ببعض ففتق هذه من هذه فجعل السموات سبعاً والأرض سبعاً وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، ومعنى (رتقاً) أن السماء لا تمطر والأرض لا تُنبت ففتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات، وأن السماء
стр. 115
واحدة ففتق منها سبع سموات وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين، وأنه فصل بين الأرض والسماء بالهواء.
هذا خلاصة كلام المفسرين في الآية وقد ذكر ابن كثير ﵀ وهو مخالف لتخرصات ودجل الملاحدة فالسلف تكلموا عن بداية الخلق على نور من خالقه، ففسروا آيات القرآن التي ذكر الله فيها بداية تكوينه هذا الكون وهم مُقرون بالخالق وقدرته الباهرة على الخلق والتكوين وتكلموا بذلك على ما يقتضيه كلام الخالق نفسه سبحانه لا آرائهم وكشوفاتهم فجاء كلامهم كلام أهل علم وتقوى وَوَرَع وبصائر فذة فأصابوا الحق في العلم بالمخلوقات كما كانوا على الإصابة والسداد في العلم بخالقها إذْ أنهم لم يتَعَدَّوا طورهم ولا حَكّموا آرائهم ولا ركنوا في معرفة مخلوقات الخالق إلى الجاحدين له المنكرين لوجوده، حتى أرواحهم ينكرونها، وأي خير يُرجى من المعطلة؟ إن الشر لا يأتي بالخير.
هذه طريقة السلف في الكلام في الكون، أما المعطلة فمن أول خطوة ينظرون إلى الكون على أنه لا خالق له فتخرصوا في كلامهم في بداية الكون وأصله كلاماً يليق بهم وهم نَضْحُ آنيتهم وهو نتيجة ظلمة أفكارهم فزاد ضلالهم وأضلوا من قلَّدهم.
стр. 116
ولذلك تكلموا في أزمان سحيقة لا حقيقة لها وإنما هي خيالات في أذهانهم الخاوية، كما تكلموا في أبعاد خيالية مُتناسبة مع تلك الأزمان وكل ذلك صور مرسومة في أذهانهم لا وجود لها في الخارج.
والصور الذهنية الخيالية لا حَدَّ لها وهي تذهب في الماضي الخيالي السحيق، والمستقبل الخيالي البعيد، بل والحاضر المباشر العتيد، كل ذلك في مجال التصوّر والخيال لا حدّ له ولا ضابط.
والمراد أنهم حاولوا في الماضي على أبعاد خيالية سحيقة وقد مَرَّ كلام صاحب كتاب توحيد الخالق أن الأرض والكواكب نشأت منذ ٤.٥ بليون سنة.
أصل الكون عندهم هو السديم أو الضباب الكوني أو الغبار أو الدخان، وهذه كلها مواد متشابهة، ويزعمون أن هذه المادة الغازية كانت تدور بسرعة فانفصلت منها الكواكب ومن ضمنها الأرض.
وصارت هذه المنفصِلات تدور بنفس الطريقة والوجهة التي عليها المادة الأولى التي انفصلت عنها حسب نظرية نيوتن، وبعد الملايين والبلايين من السنين بردت الأرض وتصلّبت وصارت صالحة للحياة، ومن هنا يُكمل الداروينيون المنظومة فيبدأ طور الأميبا إلى آخر الدّجَل.
وإياك أن تسأل عن السديم من أين جاء أو من أوْجده؟ أو من الذي جعله يدور فكل هذا لا يهم سالك طريق القوم إنما المهم أن نتابع ونسكت لنحظى بالشرف الرفيع والعزّ المنيع.
стр. 117
هذا الطريق سار عليه أكثر أهل هذا العصر غايتهم أن ينظروا ما يصل إليهم من نظريات هذا العلم الحديث مُسَلِّمين لأهله أزمّتهم مُعَظمين لهم ومُبَجلين، ويَرون أن الاعتراض على نظرياتهم وكشوفاتهم لا يُفكر فيه إلا مُحَنَّط حسب تعبيرهم، كيف يُعْترض على من غزوا الفضاء ووصلوا إلى القمر وغاصوا في البحار وكشفوا المجهول، وأذهلوا بحضارتهم العقول، إن الاعتراض على هؤلاء السادة مرفوض غير مقبول.
هذا الصنف من المقلِّدَة الأتباع وَطَّنوا نفوسهم على ألا يرفعوا رأساً أمام السادة ولا يلتفتوا إلى مُعترض عليهم إذْ أحسن أحواله عندهم أنه جاهل، فهؤلاء رضوا بذل نفسي لا يفارق قلوبهم.
وكثيرون منهم فارقوا دينهم حيث ولجوا بحاراً لُجّيَّة، إذْ أن هذه العلوم تبدأ بالتعطيل وتنتهي إليه، إنه لا ذكر لله ولا مجرد الاسم في نظرياتهم وكشوفاتهم وعلومهم، لأنهم من أول خطوة لا يعترفون ولا يقرّون بخالق لمعارضة ذلك لأصولهم التي أهمّها عدم الإيمان والإقرار بغير المحسوس، لكن ما يوجد في علومهم من ذكر الله من آيات القرآن أو الأحاديث فهذا من تصرف المترجمين لتروج البضاعة بهذا الخداع والتغرير، ويا ويلهم من هذا اللبس.
أما الصنف الآخر فهم الذين خلطوا هذه العلوم الحديثة والكشوفات بعلم الدين وهم الذين أقحموا آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ إقحاماً
стр. 118
وغصبوها غصباً لتجاري هذه العلوم وتُماشيها، وخطر هؤلاء عظيم إذْ أنهم يرومون الجمع بين الحق والباطل، والنور والظلمة، مع أن الأضداد ما تزال ولن تزال متضادّة مُتنافرة لا سيما وأن الذي بين الحق والباطل زيادة على المضادة والمنافرة المباغضة لكن رام الجمع من لم يُحَكِّم براهين السمع.
لقد تقدم ذكر بعض آيات خُلِطَتْ مع بضائع مُزْجاة فاسدة لِتُرَوِّجها ويأتي غيرها:
والناس أكثرهم فأهل ظَوَاهرٍ ... تبدو لهم ليسوا بأهل معاني
فهُمُ القشور وبالقشور قَوَامهم ... واللّب حَظُّ خلاصة الإنسان
ونرجع الآن إلى الانفصال المزعوم، بما أن السديم يدور فكل ما انفصل عنه يدور والأرض كذلك، وهنا أعيد قولي المتقدم وهو: وإياك أن تسأل لعلمي أن هذا الكلام مرفوض عند الصنف الثاني الذين تقدم ذكرهم إذْ أنهم يقولون: بل اسأل يا أخي عن هذه العلوم والكشوفات تأتيك الإجابات آيات من القرآن وأحاديث عن الرسول، محفوفة قبلها أو بعدها بعبارة: (من علّم النبي الأمي منذ ١٤٠٠ سنة بأن كذا وكذا).
تقدم أن السلف من المفسرين وغيرهم تكلموا في الكون على مقتضى كلام مُكَوِّنِه وكلام نبيه ﷺ ، أما هؤلاء فلا يؤمنون بالأنبياء ولا
стр. 119
يلتفتون إلى أخبارهم، ولذلك هاموا بأودية ضلالة لا تُحَدُّ بحدود، ضلوا وإن كانوا من قبل في ضلال وأضلوا كثيراً.
فيقال: خُرافة السديم باطلة من أولها إلى آخرها وأدَلّ دليل على بطلانها بلايين السنين الخيالية المزعومة وقد تقدم كلام السلف في الأزمنة وحاشاهم من هذا الهذيان فلا بد أن يكون هؤلاء أهدى من سلف الأمة سبيلاً، وأدَلّ دليل أيضاً على بطلان هذه النظرية من أولها إلى آخرها أن الأرض ثابتة ساكنة قارة لا تدور لا دورة يومية حول نفسها كما زعموا ولا دورة سنوية حول الشمس فكل هذا باطل وقد بيّنت بطلانه في كتاب: (هداية الحيران في مسألة الدوران).
فالذي يعتقده أهل الإسلام في الكون أنه مخلوق من مادة وهي (الدخان) واستدلوا بقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وهو دخان لا يدور، وتقدم كلام شيخ الإسلام.
فموافقة الملاحدة على وجود هذه المادة قبل المخلوقات لسنا ولله الحمد بحاجة إليها ولا يتوقف تصديقنا ربنا ونبينا على ما يُقره الكفار أو يُنكرونه.
стр. 120
والآن جاء مفترق الطرق فدخان الملاحدة أو سديمهم أو غبارهم (جاء لا يعلم من أين ولكن جاء) (١)، إنه جاء من نفسه وصار يدور من نفسه وانفصلت عنه الكواكب الأسطورية من نفسها ودارت حوله بنفسها وكان الممسك لها الأجرام العظيمة الدائرة بالفضاء حول توابعها: (إسحاق نيوتن) بنظرية الجاذبية، وقد تقدم ذكر ذلك.
والآن جاء دَور صاحب الإعجاز حيث يقول: نعم هؤلاء كفار ملاحدة معطلة لكن هذا علم ونحن نأخذ منهم العلم، فنأخذ نظرية السديم أو الدخان ونتابع معهم نشأة الكون وفَرْقٌ بيننا وبينهم، فهم لا يُقِرِّون بالخالق ونحن نُقِرُّ به، نقول: الذي أوجد هذه المادة الأولى هو الله، والذي جهل هذه الكواكب ومن ضمنها الأرض تدور هو الله، والممسك لها هو الله.
تأمل معي أيها القارئ في هذا المفترق ما انجرّ على عقيدة أهل الإسلام من البلاء العظيم، هذه النظرية مبنيّة على التعطيل وتنتهي إليه ومع هذا يُقال: إن هذا فعل الله وخلق الله وتكوين الله وتُلتمس آيات من القرآن تُقْسَرُ قسْراً لتجاري العلوم والكشوف.
стр. 121
أما كلام السلف فنظروا للكون بنور كلام خالقه وتكلموا على هذا المقتضى، فهم يصفون المخلوقات كما وصفها خالقها.
هذا النموذج من الطريقة المسلوكة في هذا العصر لإثبات الإعجاز المزعوم، ولذلك لما قُوبَلَتْ نظريات الملاحدة مثل هذه النظرية بنصوص القرآن التي تبين بطلانها لم يلتفت إليها المقلِّدة.
فالقول بدوران الأرض منفي بنصوص تهدم البناء من أصله، حيث أنه بلا شك أن الأرض ثابتة وقد وضّحتُ ذلك في (هداية الحيران) فبطلتْ أسْطورة السديم وما انفصل عنه بطريقة الدوران الميكانيكية وبقي ما ذكره الله في القرآن وتكلم به السلف وهو (الدخان) وقد تقدم كلام السلف في ذلك مما يدل أن الله سبحانه خلق الأرض والسموات من مادة، أما أن هذه المادة تدور وانفصل منها كواكب تدور فهذا هذيان.
ولتعلم مراد إبليس من تأسيس نظرية الدوران في السديم المزعوم فانظر فروع هذا الأساس وتابعها يظهر لك بجلاء أن الأمر مُبْرم بليل من قِبَلِ من قال لربك: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ) فقد حصل له فوق مراده بهذه النظرية إذْ أنها تقود حَتْماً إلى الضلال عن الخالق المعبود سبحانه.
فالسديم عندهم في فضاء لا حَدَّ له ولا يوجد في أذهانهم وتصوّراتهم غيره وقد انفصلت عنه بسبب دورانه الشموس ويسمونها النجوم، والشموس بفعل الدوران انفصلت عن كل شمس مجموعتها، فهذه
стр. 122
التي يسمونها (المجموعة الشمسية) من مواليد السديم ولم ينته الأمر على هذا فأمثال هذه المجموعة الشمسية ملايين سابحة في الفضاء الذي لا حدّ له وإن شِئْت قل: بلايين، فقلب الميم باءً لا يؤثّر في هذه الخيالات، والأتباع قدْ وطّنوا نفوسهم على قبول المحالات وتَرَوَّضوا على التصديق بفاسد الخيالات.
ثم إن هذه المجموعة الشمسية تُكَوِّن بدورها مجرات وهي تدور حولها، والمجرات بلايين، ولم ننْتَه بعد فالتوالد مُستمر من السديم، وكل شيء يدور في فضاءٍ خلاءٍ بالمجرات معمور.
والسؤال الوارد الآن ولا بد أن يُورده المسلم، وهو: أين خالق الكون؟ أما أرباب هذه العلوم الحديثة فلا يخطر ببالهم هذا، لأنهم قد تخلّصوا من اعتقاد خالق من أول خطوة في علومهم هذه، فالكون واحد لا إثْنَيْنِيَّة فيه عندهم.
وإنما الشأن بالمسلم، إنه إذا سرح بخياله مع القوم وتخيّل فضاءً لا حَدّ له وبلايين مجرات تدور ويُدار حولها كيف يعرف خالقه ومعبوده وكيف يُثبت وجوده؟ إن خياله على مقتضى هذه النظريات لا يحتمل الزيادة فقد امْتَدّ إلى غير مدى كيف والكون يتّسع والمجرات تتوالد؟.
اعلم أن نتائج وعواقب هذا الاعتقاد الضلال المضمون، وسالك هذا الطريق تائه عن ربه لا يدري أين هو وتجارته تجارة خاسر مغبون.
стр. 123
السموات السبع
ومما يوضح ما أقول هنا أن أرباب الإعجاز المزعوم لا تجد للسموات المبنية في علومهم ذكراً، لأن البناء من الأصل مبني على فضاء لا ينتهي وأجرام كواكب تدور فيه بسرعة هائلة، ولا يوجد في علوم أرباب هذه النظريات غير ذلك إطلاقاً.
إن أمثل أهل الإعجاز طريقة من لَوْ ذكر السموات السبع قال: فوق ذلك، يعني السموات فوق هذا الفضاء اللانهائي وفوق المجرات، ومعلوم أن هذا من أعظم التناقض والتعارض والمكابرة حيث أن فضاء هذه الخيالات لا ينتهي بحَدّ كيف وهم يذكرون أبعاداً لا يستوعبها الخيال بين بلايين المجرات يزعمون تقديرها بالسنين الضوئية، وكل هذا منحوت في أذهان مظلمة، والحقيقة شيء آخر.
أما سائر الأتباع مُقَلِّدة الملاحدة فبعضهم يقول: لا أدري ما السموات السبع، وبعضهم يقول: هي كواكب، وبعضهم يقول: طبقات غازية في الفضاء، وهكذا تراهم بين إنكار واضطراب وشك.
وبمعرفة كيفية السموات كما خلقها الله تنهدم نظريات الكفر من أصلها ولا سيما السماء الدنيا، فخذ التعريف بها من وصف خالقها
стр. 124
سبحانه ومن كلام العلماء حقيقة الذين هم علماء الدين لا علماء الملاحدة الذين أُطْلق عليهم اسم العلماء وهم أضل من الأنعام.
السماء الدنيا بناء ولها أبواب، لها جُرمٌ وسمك، قريبة جداً إذا قارَنْتَ مسافتها بما يتخيّله الملاحدة، ما لها شقوق ولا فروق ولا فطور وهذه الثلاث بمعنى واحد، ولولا أنها بناء لما نفى الله عنها الفروج والفطور، ولما وصفها بأنها شداداً وطباقاً.
فكونها بناء قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء)، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) وغير ذلك من الآيات.
وأما الأبواب فقال تعالى: (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً) أنظر هنا (وفتحت) وفي حديث الإسراء المتقدم أن جبريل كلما جاء سماء يستفتح بابها فيفتح له.
أما الجرم فمعلوم أن البناء له جرم وله سمك، ولا يكون بناء يوصف بأنه له أبواب وما له فطور ولا فروج إلاّ ما يُحسّ ويلمس، والجن أخبر الله عنهم أنهم يقولون: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً).
أما القرب فالسماء الدنيا قريبة جداً وذلك بالنسبة للمسافات الخيالية التي يهذي بها الملاحدة فهي مسيرة خمسمائة عام بتقدير سَيْر الإبل.
стр. 125
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام) الحديث رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
وله حكم المرفوع فمثله لا يقال من قِبَل الرأي.
وفي حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم والبزار، عن النبي ﷺ وفيه: (وهل تدرون ما فوقكم؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف، ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (بينكم وبينها خمسمائة سنة) الحديث قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وفي حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: (بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة) (١). وأحاديث أخرى تدل على نفس المسافة بين السماء والأرض وأنها خمسمائة عام تركتها اكتفاء بما ذكرت.
سبق وقلت أنه بمعرفة كيفية السموات كما خلقها الله تنهدم نظريات الكفر من أصلها ولا سيما السماء الدنيا.
стр. 126
وهذا لزيادة التعريف بالسماء وزيادة انهيار نظريات الكفار أذكر شكلها وَوَضْعها بالنسبة للأرض، إنها محيطة بالأرض من كل جانب إحاطة الكرة بما في وسطها حيث أن شكلها كروي.
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجلين تنازعا في (كيفية السماء والأرض) هل هما (جسمان كُرِّيّان) فقال أحدهما: كُرِّيّان، وأنكر الآخر هذه المقالة: وقال: ليس لها أصل ورَدَّها فما الصواب؟.
فأجاب ﵀: السموات مستديرة عند علماء المسلمين، وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك غير واحد من العلماء أئمة الإسلام: مثل أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي أحد الأعيان الكبار من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد وله نحو أربعمائة مصنف.
وحكى الإجماع على ذلك الإمام محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي، وروى العلماء ذلك بالأسانيد المعروفة عن الصحابة والتابعين، وذكروا ذلك من كتاب الله وسنة رسوله، وبسطوا القول في ذلك بالدلائل السمعية، وإن كان قد أُقيم على ذلك أيضاً دلائل حسابية، ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك إلا فرقة يسيرة من أهل الجدل لما ناظروا المنجّمين، وذكر كلاماً ثم قال: وما علمت من قال أنها غير مستديرة وجزم بذلك إلا مَنْ لا يُؤبَهُ له من الجهال.
стр. 127
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
وقال تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ).
وقال: وأما من ادّعى ما يخالف الكتاب والسنة فهو مبطل في ذلك. انتهى باختصار (١).
وقال: وإذا كانت سماء الدنيا فوق الأرض محيطة بها فالثانية كُرِّيَّة وكذا الباقي، والكرسي فوق الأفلاك كلها. (يعني السموات) والعرش فوق الكرسي. انتهى (٢).
وقال ابن تيمية: المنكِر لكروية السماء مخالف لجميع الأدلة. انتهى (٣).
قال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٣١: وقد حكى ابن حزم وابن المنير وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة. انتهى.
إن من عرف وصف السماء وشكلها كما تقدم يظهر له بجلاء أن ما يتخيّله أرباب العلم الحديث من الفضاء اللانهائي والمجرات التي لا تحصى
стр. 128
ضلال عن الخالق وتعطيل له وأن هذه تبدأ بعقيدة الدهرية وتنتهي إليها وأي شيء أعظم من هذا؟.
قد تبينت المسافة بين السماء المبنية المشاهدة ذات اللون الأزرق في الأرض وأنها مسافة صغيرة جداً وأن ذلك هو الفضاء كله وأنه ما يقارب تسعة ملايين كيلو متر حسب اصطلاح أهل العصر، وأنه هو الذي يقول عنه الرب : (وَمَا بَيْنَهُمَا) عندما يذكر السماء والأرض، هذا هو الفضاء كله.
أما فضاء خيال الملاحدة ومُقلِّديهم فهذا قطرة من بحره إذْ فضاؤهم لا يُحَدْ، فقارن الآن بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال بين ما يُصَدِّقه العقل السليم ويؤيده ويشهد بصحته وبين ما يستنكره ويُنكره، وذلك بوصف ما تخيّل الملاحدة وأتباعهم في العالم العلوي، وحيث قلتُ هنا: (العالَم العلوي) فمرادي من لم تفسد فطرته بعلوم الملاحدة فهو يثبت العلو والسفول للكون، والذي هو لازم ثباته في الوجود وفي عقيدة المسلم لمعرفة علوّ ربه وقصده له.
قال شيخ الإسلام في مسألة الجهة: وإنما الجهة اللازمة الثابتة الحقيقية هي جهتا العلو والسفل فقط، فالعلو ما فوق العالَم، والسفل (سجين) وأسفل السافلين وهو أسفل العالَم وقعْره وجوفه. انتهى (١).
стр. 129
أما الملاحدة ومن قلدهم فليس للكون عندهم علو ثابت ولا سفول ثابت لأنهم يعتقدون فضاء لا ينتهي وكواكب تدور فيه فما كان في ساعة أعلى صار في الساعة التي بعدها أسفل وهكذا فلا ثبات للكون عندهم، فلا علو ولا سفول ثابت ومن عرف هذا عَلِمَ المراد بهذه النظريات وأنه الإضلال عن المعبود الحق سبحانه ليتوه القلب عن معبوده.
والمراد أن الضّدُّ يُظهر حسنه الضّدّ فبإشارة إلى خيال الملاحدة في الكون مع المقارنة بما تقدم من الوصف الصحيح له يتميز الحق من الباطل والحالي من العاطل.
وسوف أنقل هنا ما ذكرته في (هداية الحيران) من وصف سيد قطب للكون بعد أن ذكر قوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) قال: وهذه الشمس واحدة من نحو مائة مليون من الشموس في المجرة القريبة منا، والتي نحن منها، وقد كشف البشر حتى اليوم نحو مائة مليون من هذه المجرات مُتناثرة في الفضاء الهائل من حوْلها تكاد تكون تائهة فيه. انتهى.
تأمل اللاّمعقول المُكَذَّب بصحيح المنقول، فهذه الشمس واحدة من نحو مائة مليون شمس، ونحن لا نجد في كلام الله وكلام رسوله ﷺ إلا شمساً واحدة، كذلك الأمة بعد نبيها من جيل الصحابة ﵃ إلى وقتنا هذا لم يذكروا شمساً ثانية مع هذه الشمس فضلاً عن مائة
стр. 130
شمس أو ألف شمس أو مليون شمس، كيف بمائة مليون شمس؟ كذلك الأمم قبلنا.
ومع هذا الخيال يقول سيد قطب بعد الكلام السابق: (والذي كشَفَه البشر جانب ضئيل صغير لا يكاد يُذكر من بناء الكون، وهو على ضآلته هائل شاسع يُدير الرؤوس مُجرّد تَصَوّره). انتهى.
تأمل الجانب الضئيل الذي لا يكاد يُذكر من بناء الكون تعرف معنى (الفضاء لا حَدَّ له) في كلامهم في علومهم الحديثة، كيف إذا عرفت أن مائة المليون الشمس كل شمس منها لها توابع كتوابع شمسنا هذه التي سَمّوها: (المجموعة الشمسية) وكل مجموعة شمسية المسافة بينها وبين توابعها ٣٦٧٥ مليون ميلاً.
ثم قال قطب: فالمسافة بيننا وبين الشمس نحو ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال ذلك رأس أسرة كوكبنا الأرضي بل هي على الأرجح أم هذه الأرض الصغيرة. انتهى.
هذه المسافة التي ذكر قطب هي المسافة بين الأرض والشمس عندهم، وهو هنا جاوز السماء الدنيا المحيطة بالأرض إحاطة الكرة بما فيها المبنية ذات الأبواب بأربعة وثمانين مليوناً من الأميال، حيث بيّنت قبل أن المسافة بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام كما في الأحاديث وأنها تقارب تسعة ملايين كيلو متر مع اعتبار الفرق بين الميل والكيلو متر،
стр. 131
وهذا لا يؤثر بما نحن فيه إذ الأمر أعظم من أن يوصف.
ثم ملايين قطب تلك ليست كل مسافة التي يسمونها المجموعة الشمسية وإنما هذا الذي بين الأرض والشمس فقط، وقد تقدم ذكر مسافة المجموعة الشمسية عندهم، فالمريخ أبعد من الأرض والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتو كما زعموا.
ثم قال قطب: (أما المجرة التي تتبعها الشمس فقطرها نحو من مائة ألف سنة ضوئية، والسنة الضوئية تعني مسافة ستمائة مليون ميل). انتهى.
يقول عن قطر المجرة أنه (نحو مائة ألف مليون سنة ضوئية) هذه المائة ألف مليون كل واحدة منها تعني مسافة ستمائة مليون ميل.
كل هذه الخيالات تبين معنى قولهم: الفضاء لا ينتهي.
ثم قال قطب: (وأقرب المجرات الأخرى إلى مجرتنا تبعد عنا بنحو خمسين وسبعمائة ألف سنة ضوئية).
وقد وجدتُ مثل هذا الكلام عن المجرات والسنين الضوئية المزعومة في الكتاب المسمى: (الله يتجلى في عصر العلم) فقد ذكر صاحب الكتاب قول الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) ثم قال: ويحدثنا علماء الفلك بأن المسافات بين النجوم تبلغ حَدَّ الخيال، وهي جديرة بأن يُقسم بها الخالق لعظمها، فإن مجموعات النجوم التي تُكَوِّن أقرب مجرات السماء منا تبعد عنا بنحو
стр. 132
٧٠٠ ألف سنة ضوئية، والسنة الضوئية تعادل عشرة ملايين الملايين من الكيلو مترات. انتهى ص١٦٤.
لاحظ ٧٠٠ ألف سنة ضوئية والسنة الواحدة تعادل عشرة ملايين الملايين من الكيلو مترات، ولاحظ أن هذه المجرة أقرب مجرات السماء منا، فكل هذا يبين معنى الفضاء اللانهائي فإذا جاء السؤال: أين السموات السبع أين الله؟ جاء الجواب بالإنكار أو أحسن الأحوال الريب والشك وحسبك به بلاءاً عظيماً وكفراً.
ومع هذا يقول قطب بعد الكلام السابق: ونذكر مرة أخرى أن هذه المسافات وهذه الأبعاد وهذه الأحجام هي التي استطاع علم البشر الضئيل أن يكشف عنها، وعلم البشر هذا يعترف أن ما كشفه قطاع صغير في هذا الكون العريض. انتهى.
ولذلك لما قلّدهم قطب في هذه العلوم الفاسدة لم يستطع إثبات السموات المبنية المحيطة لأن أرباب هذه العلوم ينكرون وجود السموات وما فوقها، وراجع إن شئت كلام قطب عن السموات فقد ذكرت ذلك في (هداية الحيران) ص٤٣ الطبعة الأولى ١٤١٢ هجرية وص٣٠ الطبعة الثانية.
وقد رسم صاحب كتاب التوحيد المجرة المزعومة في كتابه وأنها تدور وتدور معها الشمس ص٣٧٩ ولا شك أن القوم أصحاب خيال
стр. 133
ضال وأن من قلّدهم في هذيانهم ضل، انظر ما ينقل عنهم صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ١/ ٩٧ يقول:
واقترح العلماء أن المجموعة الشمسية تستغرق ٢٠٠ مليون سنة لكي تُتِم دورة واحدة كاملة حول مركز درب التبانة وأن المجموعة الشمسية قد دارت في مدارها منذ نشأتها حتى اليوم نحو ٢٠ دورة فما بالنا بمقدار دورة الكون كله حول مركزه. انتهى.
ويقول في إعجازه ١/ ١٤٧: وأن شمسنا يمكن لها أن تحتفظ بصورتها الحالية دون تغيير ملحوظ في حجمها العام لمدة طويلة من الزمن تصل إلى نحو ٣٠ بليون سنة. انتهى.
ليعلم الناظر في هذا أن هذه الخيالات من الملايين والبلايين في تقدير الزمان والمسافات أنها وحي شيطاني ليذهل المخلوق عن الموت وأمر الآخرة زيادة على ما حصل له من إضلاله عن خالقه وذهوله عما خُلق له، وكل يعمل على شاكلته.
وانظر الآن صاحب كتاب (من علم الفلك القرآني) ص٦١ لتعلم ضلال القوم عن السماء التي وصف الله ورسوله، قال:
السماء بمعنى الكون: وإذا عنينا بالسماء الكون وما فيه من نجوم ومجرات وما بينها من غيوم فكل شيء في الكون يرجع إلى ما كان عليه، فمن المتفق عليه اليوم بين أكثر علماء الفلك أن الكون ليس أزلياً، بل بدأ
стр. 134
منذ خمسة عشر مليار سنة تقريباً بكتلة بدائية هائلة انفجرت وتَشَتَّتَتْ في أرجاء الكون ومنها تكونت لاحقاً النجوم والكواكب والمجرات والسُّدُم، فالنجوم تنشأ من غيمة كونية خلال ملايين بل مليارات السنين بفعل تكثّف المواد التي تؤلف الغيمة وتحوّل جزءاً منها إلى نجم يضيء خلال ملايين أو مليارات السنين ثم ينفذ وقوده فيتحول إلى نجم هائل متفجر ما يلبث أن ينفجر، ثم يموت ليرجع كما بدأ غيمة كونية، ثم تعاد الكرة التي تتطلب ملايين السنين مصداقاً لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (١).
ولقد رأى العلماء في القرن العشرين كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده، ليس فقط في النجوم بل في كل المخلوقات، أما في زمن التنزيل فلم يكن باستطاعة العلم أن يرى شيئاً عن عملية بدء الخلق وإعادته، فسبحان الذي صدقنا وعده، كيف لا، وهو القائل: (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٢).
وقد وعدنا بأننا سنرى كيف يبدأ الخلق ثم يعيده، واستقر خبر ما أنبأنا به بعد خمسة عشر قرناً من التنزيل من خلال الكشف العلمي لدورة الحياة في المخلوقات الحية وغير الحية. انتهى.
стр. 135
هكذا يتكلمون عن السماء تقليداً للمعطلة الضّلاّل، وأعجب من قول هذا: أما في زمن التنزيل فلم يكن باستطاعة العلم أن يرى شيئاً من عملية بدء الخلق وإعادته، فهذا تجهيل للسلف.
والمطلوب بعد هذا المقارنة بين ما جاء في الكتاب والسنة من وصف الكون وما جاء به العلم الحديث المحدث المضل.
وصاحب كتاب توحيد الخالق تكلم عن توحيد الصفات وعن الشرك بكلام مُقارب لكنه يذكر أنواع العبادة ولا يذكر المحبة التي هي أصل العبادة، كما أنه حين ذكر اسم (الإله) قال: (هو المالك الذي يملك جميع الصلاحيات والسلطات في السموات والأرض، فالحق مختص به والنعمة كلها بيده، والأمر له وحده، والقوة والحول في قبضته، وكل ما في السموات والأرض قانت له مطيع لأمره طوعاً وكرهاً، ولا سلطة لأحد سواه، ولا ينفذ في الكون حكم لغيره إلا برضاه). انتهى ص٢١٨.
هذا الكلام الذي ذكره صاحب الكتاب في معنى (الإله) غير صحيح وإنما هو في معنى (الرب).
أما معنى (الإله) فهو المألوه بالعبادة، والتألّه عمل القلب وهو يختص بعمل العبد لما يتصف به الإله الحق سبحانه من صفات الجلال والجمال والكمال الموجبة لتألّهه فطرة وشرعة، فهذا الذي يُسمى (توحيد الألوهية) و (توحيد العبادة)، وهذا التوحيد لا يتحقق للعبد إلا بإفراد
стр. 136
الإله الحق بالتألّه ونفيه عما سواه، وأصله المحبة، وصاحب كتاب توحيد الخالق أهملها، ولذلك قال: وتشتمل العبادة على الشكر والإنابة والسجود والتسبيح والخضوع والاستسلام والدعاء والتوكل، ولا يستحق أحد العبادة سوى الله. انتهى.
وهذا صحيح ولكنه ناقص حيث لم يذكر إفراد الله بالمحبة إذ هي أصل العبودية.
وعبارات السلف وافية بالمقصود بخلاف المتأخرين، وانظر ما نقله مؤلف كتاب (فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد) من كلام السلف في معنى "الإله" وتوحيد الإلهية) في أوله.
قال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وإنابة وإكراماً وتعظيماً وذلاً وخضوعاً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً.
إن مثل هذه التعريف يعطي العبد فرقاناً بين توحيد أفعال الرب سبحانه وتوحيد أفعال العبد فيفرّق بين ما يفعله هو وهو مطلوب منه وبين ما يُقرُّ به لربه، فالأول في اعتقاد فعل الرب والثاني في عمل العبد.
قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان: (الروح الإلهية):
إن أي كلام من كلام البشر، إنما يكون انعكاساً لشخصية قائلة، وعلمه ومزاجه ونفسيته، وكل كلام يحمل روح قائله لأنه أثر من آثاره، وقارئ القرآن المتدبر لا بد أن يقع في نفسه شعور بأن هذا القرآن كلام
стр. 137
الله وأنه مطبوع بروح الخالق سبحانه القائل: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) (١).
كلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا خطأ فاحش ولا يقال: القرآن مطبوع بروح الخالق فلا يوصف الرب سبحانه إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله الكريم ﷺ .
أما كلامه سبحانه فوصفه بأنه روح لأن به تحيا الأرواح، فهذا معنى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا).
стр. 138
هل الشريعة مَرِنَة
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق عن الشريعة أنها (أوْجدت الحلول لكل مشكلة في مختلف البلدان والأزمان).
وقال عن الشريعة أيضاً: إنها (مَرِنَة تستجيب لكل ألوان الحياة المتجدِّدة) ص٢٣٩.
هذه العبارات ونحوها لم ينفرد بالقول فيها وحده بل يقولها ويَسْتَعْذِبها ويسْتحْليها كثيرون من أهل هذا العصر المتحوِّل المنقلب وذلك لا يُجْدي عليهم شيئاً لأن الشريعة جاءت بلزوم الهَدْي الأول مع التحذير من الإحداث والتغيير، وأما إيجادها الحلول للمشاكل ومُرونتها فليس معناه أن يَصُبَّ أهل الوقت نصوصها في قوالب أهوائهم ثم يُعَلِّلون ذلك بمرونة الشريعة، فإن أمامهم يوم القيامة: (ماذا عبدتم. ماذا أجبتم المرسلين) وسيعلم من عبد غير الله أو استجاب لغير المرسلين أيّ بضاعة معه.
إن تحوّلاً وانقلاباً عجيباً غريباً طرق العالَم بأسْرِه غَيّر معالم الشريعة ودَمّرَ بيئة الفطرة سُمِّيَ: (حضارة) و (مدنية) و (نهضة) ونحو ذلك من أسماء هي من باب (زخرف القول غروراً) الذي بتفسير السلف هو:
стр. 139
تزيين الباطل بالألسنة، وقد راجت السلعة رَوَجَاناً منقطع النظير في زمن يسير، وهذه السلعة بدون هذه الزخارف هي التشبه باليهود والنصارى وهي تحقيق (ودنيا مؤثرة) و (شبراً بشبر وذراعاً بذراع وحذو القذة بالقذة).
والمراد هنا أن الفِطَر شَعُرَتْ بالمنافرة وعدم الملائمة لكن النفوس تَوَطّنَتْ لكثرة المباشرة والمِساس، فتبلّد الحِسّ أولاً، ثم أخيراً عُدِم الإحساس.
ولقد كانت مخالفة هذا الوارد للشريعة في البداية ظاهرة لكن لما طَمَّ الوادي غرقتْ حدوده، حتى أصبح من يشير إلى حدوده الغريقة من أجهل الخلق وأقلّهم عقلاً بل يصبح أعجوبة وطرفة للتّنَدْر.
وهذا الموضوع الكلام فيه يطول جداً وإنما ذكرت هذه الإشارة البسيطة بعد كلامه عن مرونة الشريعة وكونها تحل المشاكل، وأهل الوقت يميزهم عن السلف ميزات أكثر من أن تحصر لكن مرادي هنا رُخْص الكلام على المتأخرين، وقلّة العناية بوزنه بميزان الدين.
والمراد أنه طَمّ الوادي وقُلِعَتْ التخوم، وعَفَتْ الرسوم ظهرت هذه الأوصاف العجيبة للشريعة، فهي مَرِنَة وتحل المشاكل في كل زمان ومكان وصالحة لكل زمان ومكان، ومثل ما يقول الشعراوي محمد وأمثاله: إن
стр. 140
للقرآن عطاءً متجدداً في كل زمان، وقد سلك هذا المسلك وكثيرون مثله.
فيقال لهؤلاء: ليست مُرونة الشريعة أن تلاحق الناس وتتبعهم أينما توجّهوا ولو شردوا عنها شرود البعير عن أهله، فَتُجعل بمرونتها المدَّعاة تابعاً لا متبوعاً، هذه أماني المبطلين، وإنما المطلوب من العباد التمسك بأوامر الشريعة والتأدب بآدابها في كل زمان ومكان، وأن يكونوا هم خاضعين لها لا أن يُخَضِّعوها ويُذَلِّلوها لتجاري أهوائهم وأغراضهم، إنها عزيزة منيعة لا تخضع لأحد ولا تذل.
فالشريعة سمحة مُيَسّرة ولله الحمد، ولكن في داخل حظيرتها، أما من تعدى طَوْره فليست مَرِنة له ولا سمحة ولا ميسّرة إلا أن يعود لمقامه مستشعراً أنه عبد مُدَبّر مُصرّف من قِبَل مالكه، فهنا يقال: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) و (بعثت بحنيفية سمحة).
ولقد تمادى صاحب كتاب توحيد الخالق في دَعْواه المرونة للشريعة وللقرآن والإنصباب بالقوالب الزمانية فقال في (ص٢٤٢) عن القرآن: فكلما مَرّ الزمن كلما كشف عن وجه جديد من إعجازه فما أن دخل الناس في عصر العلوم الكونية حتى وجدوا في كتاب الله نبأ بأن الله سيريهم آياته في الآفاق. انتهى.
стр. 141
أقول: الحذر مما يطلقه المتأخرون على زمانهم وعلومهم فالجاهل يغتر بهذه الإطلاقات والمدائح، فقول صاحب كتاب توحيد الخالق: (عصر العلوم الكونية) يُشْعر هذا التعبير بأن علوم الكون ما كانت تُعرف في الماضي وأن الصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين كالدراويش يقرأون القرآن ولا يعلمون ما فيه من العلوم الكونية، فكم ذكر الله السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والحيوان والنبات والرياح والسحاب، وغير ذلك والسلف لم يكتشفوا ما في الكون حتى جاء العلم الحديث، وصاحب كتاب توحيد الخالق له كلام صريح في ذلك لكن يقال هنا: خبنا إذاً وخسرنا إن كنا بحاجة إلى الملاحدة ومُقلِّديهم ليعلموننا العلوم الكونية، وقد تقدم بيان ضلالهم العظيم في (السديم) والمجرات.
стр. 142
تجهيل السلف
ومن تجهيل صاحب كتاب توحيد الخالق للسلف ما قاله عنهم بعدما ذكر الأبعاد الخيالية لفضاء الملاحدة في تفسيره لقوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) ويأتي في موضعه إن شاء الله، فقد قال: إن حقيقة الآية بقيت مجهولة مدة طويلة وقال عن الآية أنها تعلن جهل الناس بها وقت نزولها من العليم الخبير. انتهى.
وفيه من تجهيل السلف ما شارك به صاحب كتاب توحيد الخالق المتكلمين وأمثالهم من الذين فرحوا بما عندهم من العلم.
وقال في ص٣٤٠ من كتابه (توحيد الخالق) جميع ما جاء في القرآن حق لا شك فيه وإن لم يكن مدْركاً ذلك وقت نزوله إلا على طريق الإجمال والتأويل لضعف العلوم الإنسانية آن ذاك. انتهى.
الحقيقة التي لا شك فيها أن الله حمى أصحاب نبيه ومن تبعهم بإحسان من هذا الهذيان، المضلّ عن الديّان، وأعطاهم من العلم النافع ما خَصّهم به وكل يعمل على شاكلته.
وقال في (ص١١٨): فقد تكلم القرآن بحقائق لم يعرفها البشر إلا بعد تقدم العلوم وأجهزة الكشف العلمي.
стр. 143
وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في (ص٣٤١) أن آيات من القرآن كانت في الماضي تُؤَوَّل أو تفسّر بغير معناها يقول: لعدم معرفة السابقين بحقائق خلْق الله ودقائق ما أشارت إليه الآية، ويقول: من إعجاز القرآن حقائق تظهر في عصر العلم الكوني جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة، وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً.
وسوف يظهر في هذا الكتاب غير ما تقدم إن شاء الله ما يبين إحالاته الدقيقة التي لو كانت صحيحة فإن الله لم يُرِدْها بكلامه كيف والبناء كله مبني على الخرص والخيال والضلال.
وكيف يُجَهِّل صاحب كتاب توحيد الخالق السلف لَمّا فُتِنَ بهذيان الملاحدة؟ ولقد تبين ويأتي أيضاً ما يعكس كلامه تماماً وأنه هو الذي أوّل آيات القرآن وفسّرها بغير معناها بل بضلال مبين.
ويقول: وهناك آيات وألفاظ قرآنية لم تكن لِتُفهم حقيقتها حتى جاء التقدم العلمي يكشف على دقّة تلك المعاني والألفاظ القرآنية مما يوحي إلى كل عاقل بأن كلام الكتاب الكريم كلام الله المحيط علماً بكل شيء وإن كان قد حدث جهل بفهم بعض ألفاظه ومعانيه فإن زيادة علوم الإنسان قد جاءت لِتُعرِّف الإنسان بما جهل من كلام ربه، انتهى (١).
стр. 144
لقد أكثر صاحب كتاب توحيد الخالق من تجهيل الأمة لأجل المعطلة وعلومهم المضلة التي ليس المسلمون بحاجتها كما سيتبين إن شاء الله فيما بعد.
وكذلك صاحب كتاب (الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان) قال عن النطفة: وهذا يعني أن الصحابة الكرام والسلف الصالح لم يعرفوا شيئاً عنها لذا كان أمر النطفة غيباً في الماضي السحيق فأضحت مرئية في القرن العشرين. انتهى (ص٤١).
يريد بذلك ما يقوله أرباب العلوم الحديثة أن النطفة هي الحيوان المنوي المذكر الموجود في النطاف وهو دقيق جداً، وقد فرح المتأخرون بالإحالات الدقيقة وظنوا أنهم استأثروا بعلم خفي على السلف، وقال عن العَلَقة: لم تكن معروفة قبل القرن العشرين. انتهى.
وهؤلاء لم يعرفوا قدر السلف وعلمهم ومن الجانب الآخر انبهروا بما فُتِح على أعداء الله من الضلالة.
وليعلم الناظر في هذا أن بعض من فُتِن بعلوم الغرب يُجَهِّل حتى الرسول ﷺ وقد ذكر ابن تيمية عن المتكلمة والمتفلسفة أن منهم من يقول عن الرسل بل لم يكونوا يعرفون هذا، وإنما كان كمالهم في القوة العملية. انتهى (١).
стр. 145
ويقول عن هذه العلوم والكشوف المحدَثة: فإذا بالعلوم الحديثة تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة بَيْد أن القرآن قد نَبّه عليها وأشار إليها إشارات صريحة من قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، فكان ذلك تفسيراً عملياً لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا) انتهى.
إنه على مقتضى ما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من مقلِّدة أرباب العلوم الحديثة أن بيان تفسير آيات كثيرة في القرآن إنما ظهرت على يد هؤلاء المعطلة، وقد أكثر صاحب كتاب توحيد الخالق من تجهيل السلف.
وهذه الآية: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ) الآية يكثر من ذكرها المتأخرون يستشهدون بها على ضلال المعطلة، ويأتي إن شاء الله بيان معناها في موضعه.
ويقول عن هذه العلوم الحديثة: إنها تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة.
ويقول في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) إن التقدم العلمي جاء ليبين الأبعاد لمواقع النجوم، وذلك ما جهله الإنسان طويلاً.