← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36624

الفرقان في بيان إعجاز القرآن

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (465 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أقول: الحذر مما يطلقه المتأخرون على زمانهم وعلومهم فالجاهل يغتر بهذه الإطلاقات والمدائح، فقول صاحب كتاب توحيد الخالق: (عصر العلوم الكونية) يُشْعر هذا التعبير بأن علوم الكون ما كانت تُعرف في الماضي وأن الصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين كالدراويش يقرأون القرآن ولا يعلمون ما فيه من العلوم الكونية، فكم ذكر الله السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والحيوان والنبات والرياح والسحاب، وغير ذلك والسلف لم يكتشفوا ما في الكون حتى جاء العلم الحديث، وصاحب كتاب توحيد الخالق له كلام صريح في ذلك لكن يقال هنا: خبنا إذاً وخسرنا إن كنا بحاجة إلى الملاحدة ومُقلِّديهم ليعلموننا العلوم الكونية، وقد تقدم بيان ضلالهم العظيم في (السديم) والمجرات.

стр. 142

تجهيل السلف ومن تجهيل صاحب كتاب توحيد الخالق للسلف ما قاله عنهم بعدما ذكر الأبعاد الخيالية لفضاء الملاحدة في تفسيره لقوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) ويأتي في موضعه إن شاء الله، فقد قال: إن حقيقة الآية بقيت مجهولة مدة طويلة وقال عن الآية أنها تعلن جهل الناس بها وقت نزولها من العليم الخبير. انتهى. وفيه من تجهيل السلف ما شارك به صاحب كتاب توحيد الخالق المتكلمين وأمثالهم من الذين فرحوا بما عندهم من العلم. وقال في ص٣٤٠ من كتابه (توحيد الخالق) جميع ما جاء في القرآن حق لا شك فيه وإن لم يكن مدْركاً ذلك وقت نزوله إلا على طريق الإجمال والتأويل لضعف العلوم الإنسانية آن ذاك. انتهى. الحقيقة التي لا شك فيها أن الله حمى أصحاب نبيه ومن تبعهم بإحسان من هذا الهذيان، المضلّ عن الديّان، وأعطاهم من العلم النافع ما خَصّهم به وكل يعمل على شاكلته. وقال في (ص١١٨): فقد تكلم القرآن بحقائق لم يعرفها البشر إلا بعد تقدم العلوم وأجهزة الكشف العلمي.

стр. 143

وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في (ص٣٤١) أن آيات من القرآن كانت في الماضي تُؤَوَّل أو تفسّر بغير معناها يقول: لعدم معرفة السابقين بحقائق خلْق الله ودقائق ما أشارت إليه الآية، ويقول: من إعجاز القرآن حقائق تظهر في عصر العلم الكوني جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة، وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً. وسوف يظهر في هذا الكتاب غير ما تقدم إن شاء الله ما يبين إحالاته الدقيقة التي لو كانت صحيحة فإن الله لم يُرِدْها بكلامه كيف والبناء كله مبني على الخرص والخيال والضلال. وكيف يُجَهِّل صاحب كتاب توحيد الخالق السلف لَمّا فُتِنَ بهذيان الملاحدة؟ ولقد تبين ويأتي أيضاً ما يعكس كلامه تماماً وأنه هو الذي أوّل آيات القرآن وفسّرها بغير معناها بل بضلال مبين. ويقول: وهناك آيات وألفاظ قرآنية لم تكن لِتُفهم حقيقتها حتى جاء التقدم العلمي يكشف على دقّة تلك المعاني والألفاظ القرآنية مما يوحي إلى كل عاقل بأن كلام الكتاب الكريم كلام الله المحيط علماً بكل شيء وإن كان قد حدث جهل بفهم بعض ألفاظه ومعانيه فإن زيادة علوم الإنسان قد جاءت لِتُعرِّف الإنسان بما جهل من كلام ربه، انتهى (١).

стр. 144

لقد أكثر صاحب كتاب توحيد الخالق من تجهيل الأمة لأجل المعطلة وعلومهم المضلة التي ليس المسلمون بحاجتها كما سيتبين إن شاء الله فيما بعد. وكذلك صاحب كتاب (الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان) قال عن النطفة: وهذا يعني أن الصحابة الكرام والسلف الصالح لم يعرفوا شيئاً عنها لذا كان أمر النطفة غيباً في الماضي السحيق فأضحت مرئية في القرن العشرين. انتهى (ص٤١). يريد بذلك ما يقوله أرباب العلوم الحديثة أن النطفة هي الحيوان المنوي المذكر الموجود في النطاف وهو دقيق جداً، وقد فرح المتأخرون بالإحالات الدقيقة وظنوا أنهم استأثروا بعلم خفي على السلف، وقال عن العَلَقة: لم تكن معروفة قبل القرن العشرين. انتهى. وهؤلاء لم يعرفوا قدر السلف وعلمهم ومن الجانب الآخر انبهروا بما فُتِح على أعداء الله من الضلالة. وليعلم الناظر في هذا أن بعض من فُتِن بعلوم الغرب يُجَهِّل حتى الرسول ﷺ وقد ذكر ابن تيمية عن المتكلمة والمتفلسفة أن منهم من يقول عن الرسل بل لم يكونوا يعرفون هذا، وإنما كان كمالهم في القوة العملية. انتهى (١).

стр. 145

ويقول عن هذه العلوم والكشوف المحدَثة: فإذا بالعلوم الحديثة تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة بَيْد أن القرآن قد نَبّه عليها وأشار إليها إشارات صريحة من قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، فكان ذلك تفسيراً عملياً لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا) انتهى. إنه على مقتضى ما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من مقلِّدة أرباب العلوم الحديثة أن بيان تفسير آيات كثيرة في القرآن إنما ظهرت على يد هؤلاء المعطلة، وقد أكثر صاحب كتاب توحيد الخالق من تجهيل السلف. وهذه الآية: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ) الآية يكثر من ذكرها المتأخرون يستشهدون بها على ضلال المعطلة، ويأتي إن شاء الله بيان معناها في موضعه. ويقول عن هذه العلوم الحديثة: إنها تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة. ويقول في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) إن التقدم العلمي جاء ليبين الأبعاد لمواقع النجوم، وذلك ما جهله الإنسان طويلاً.

стр. 146

انتهى، وقد تقدم كلامه على هذه الآية وعظم الضلال فيه وقال بعد ذكر ملايين الملاحدة الخيالية: أليس هذا كشف لما تضمنته الآية الكريمة من حقيقة بقيت مجهولة مدة طويلة. انتهى (١). كيف يقول صاحب كتاب توحيد الخالق هذا والنبي ﷺ بَيَّن ألفاظ القرآن ومعانيه للصحابة ﵃، قال شيخ الإسلام ﵀: فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة عَرَّفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلّغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلّغوا حروفه. انتهى (٢). ومن تجهيل السلف قول محمد متولي الشعراوي في كتابه الذي سماه (فيض الرحمن) قال في فَيْضه (ص٣٢): نأتي بعد ذلك إلى الأشياء المتصلة بقوانين الكون والخلق، تلك الأشياء التي لم يكن للعقل البشري الاستعداد العلمي وقت نزولها ليفهمها تماماً. انتهى. وهذا تنقص ظاهر للنبي ﷺ والصحابة وسوف يأتي إن شاء الله تقريره أن الله في كل مكان مما يبين أنه هو ومن على شاكلته الضلاّل الجهال.

стр. 147

وقال في فيضه: أي أن هناك آيات من القرآن تعطينا الآن عمقاً جديداً لم يوصل إليه أول وقت نزول القرآن. انتهى. وكم وكم من الطوام عند هذه الأشكال الذين ارْتووا من ماء آجن.

стр. 148

(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) الآية ومن ضلال هذه العلوم الكونية ما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أنها من الآيات التي يريها الله العباد في الآفاق وفي أنفسهم يقول: (وإذا بالوعد متحقق فهناك آيات كثيرة ظهرت لعلماء الكون في الآفاق وكان الله قد أخبر بها رسوله أو بنى عليها حكماً أو أشار إليها) ص٢٤٣. وذكر من الآيات أعمدة الجذب التي لا تُرى، قال: (وكشف التقدم العلمي أن لكل كوكب ولكل نجم في السماء مركز ثقل في داخله غالباً ما يكون قريباً من وسط جوفه، وبالرغم من أن هذه الكواكب والنجوم في حركة مستمرة إلا أن المسافة بين مراكز الثقل بين هذه الكواكب والنجوم ثابتة لا تزيد ولا تنقص، مما يشير إلى أن هناك عموداً للجذب لا يُرى يحفظ مراكز الثقل في أجرام السماء على مسافات ثابتة من بعضها، بالرغم من الحركة التي تشمل كل هذه الأجرام، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأعمدة التي لا تُرَى في قوله تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ

стр. 149

لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (١). الجواب: أنظر غير ما تقدم من كشف التقدم العلمي أعمدة لا ترى وهي تجعل الأجرام على مسافات ثابتة من بعضها بالرغم من الحركة التي تشمل كل هذه الأجرام يعني الدوران ثم يستدل بهذه الآية ويقول: ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأعمدة التي لا تُرى. وخوض صاحب كتاب التوحيد بالقرآن خطير ولَوْ أنه لما شُغف بعلوم الملاحدة وكشوفاتهم لم يذكر القرآن ولم يحشر آياته غصْباً وكذباً وباطلاً لتروج البضاعة الفاسدة الكاسدة ويحصل اللبْس. فكلامه هذا مبني على الأصل المنهار الذي تقدم ذكره وهو المادة الأولية للكون (السديم) وأنه يدور فانفصلت عنه الكواكب ومن ضمنها الأرض، والكل ينفصل وهو يدور حول نفسه وحول تابعه، والضابط لهذا الدوران والحركة المنظِّم لها هو نظرية الجذب التي اكتشفها بزعمهم (نيوتن) وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب. فليعجب الناظر من هذه الخيالات السخيفة الباردة وكيف تُحال إلى كلام الرب سبحانه وأن هذا المراد بقوله تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) وكلامه يبين بوضوح ضلالة عن

стр. 150

السموات المبنيّة حيث جعل المراد من ذكر السموات هنا أجرام الكواكب الدائرة في فضاء الملاحدة الخيالي، إنه يغصب آيات القرآن لتجاري الضلال وهذا مُحال لكن يَغْتّر به الجهال، والجهال ليسوا من لا يعرفون الكتابة والقراءة كما هو اصطلاح أهل الوقت، إنما الجهال الضّلال الذين لم يعرفوا رأساً بما أتى به نبيهم ﷺ والذي هو العلم المستحق أن يسمى علماً. فانظر كيف يصرفه معاني القرآن لهذيان الملاحدة. قال ابن كثير ﵀ في الآية المتقدمة بعد أن ذكر كمال قدرته سبحانه وعظيم سلطانه: قال: فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها مرتفعة عليها من كل جانب على السواء وبُعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حَوَتْ وبينهما من بُعْد المسير خمسمائة عام وسمكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) الآية. ثم ذكر ابن كثير ﵀ ما رُويَ عن السلف في قوله تعالى: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) وأن بعضهم قال: لها عمد ولكن لا تُرى وبعضهم

стр. 151

قال: يعني بلا عمد، ورجّح ابن كثير أنها بلا عمد قال: وهذا هو اللائق بالسياق والظاهر من قوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ) فعلى هذا يكون قوله (تَرَوْنَهَا) تأكيداً لنفي ذلك أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة. انتهى. أنظر الفرق بين كلام السلف في القرآن والخلوف وقد تقدم بيان شكل السموات والإجماع على كرويتها وأن الله سبحانه ذكر أنها بناء ولها أبواب وليس لها فطوراً ولا فروجاً، كذلك السنّة مثل حديث الإسراء وغيره مما فيه تعيْين جلي واضح للسموات السبع التي لا يعرفها الملاحدة ولا من قَلّدهم وهذا عين الضلال عن الإله المعبود سبحانه الذي تحبه القلوب وتطلبه وتريده وتَتَوَجّه إليه الذي هو سبحانه بذاته على عرشه الذي فوق سمواته وهو سقف العالَم كله كما أن السماء الدنيا سقف الأرض قال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً). فانظر الفرق بين ما ينقل هؤلاء عن أرباب العلم الحديث وأنه الضلال عن الإله المعبود سبحانه وأن مبلغ علمهم فضاء لا يُحد وأجرامُ كواكب تدور فيه، نعوذ بالله من الضلال. ثم كيف يجعله العمد مركز ثقل في جوف الكوكب وأن هناك عموداً للجذب لا يُرى لحفظ أجرام الكواكب مع أن الآية فيها بيان

стр. 152

عظمة قدرة العظيم سبحانه أن رفع هذه السموات المبنيّة بغير عمد، كيف صرف صاحب كتاب توحيد الخالق هذا المعنى العظيم للآية الكريمة من السموات المبنية إلى كواكب دائرة في فضائه الخيالي وفضاء الملاحدة؟. والسماء الدنيا هي التي نرى بأبصارنا ذات اللون الأزرق قال شيخ الإسلام: ولأن الله أخبرنا أنا نرى السموات بقوله: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئَاً وَهُوَ حَسِيرٌ) وقال: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ)، وأمثال ذلك من النصوص الدالة على أن السماء مشاهدة والمُشاهَد هو الفلك فدل على أن أحدهما هو الآخر (١).

стр. 153

النار السوداء قال صاحب كتاب توحيد الخالق: النار السوداء: قبل ثلاث سنوات أي في عام ١٩٧٣م، اكتشف الباحثون أن في السماء نجوماً سوداء وأنها أشد حرارة من النجوم المشتعلة بلون أبيض، وأن النجوم البيضاء أشد حرارة من النجوم الحمراء التي تشتعل بلون أحمر. وهكذا عرف الباحثون أن النار السوداء هي أشد أنواع الحرارة التي عُرِفَت حتى اليوم، ولقد أخبر الرسول ﷺ بحديث يحمل هذه الحقيقة في وقت ما كان يتصور فيه أحد من البشر أن هناك ناراً سوداء على الإطلاق، قال ﵊: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أُوقِدَ عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة" (١). وصدق الله القائل عن رسوله ﷺ : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (٢). انتهى (٣).

стр. 154

الجواب: هذا الكذب والدجل يليق بهؤلاء الباحثين الضالين المضلين، ولذلك قالوا عن النجوم هذا الدجل، وليس في النجوم ناراً كما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق وباحثوه ولا في السماء نار، وإنما النار في الأرض السابعة السفلى وهي سجين وأسفل السافلين، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله. فليست النار في السماء ولا النجم الذي ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق ونعوذ بالله من التكلف والقول على الله وعلى رسوله بغير علم. أما حديث: "أوقد على النار" ففيه كلام. ولو قُدِّر أنه صحيح فليست هذه الكواكب هي نار جهنم وكذب من زعم ذلك، كما أنه من الكذب أن النجوم نفسها نار، وإنما هذا من هذيان المعطلة وتلفيق المقلدة.

стр. 155

(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) ثم قال تحت عنوان: (الحاجز بين البحرين) ص١٥٩. وقد اكتشف الباحثون أن مياه البحار والأنهار لا تمتزج مع بعضها البعض، بل لقد وجدوا أن مياه البحر الأبيض المتوسط لا تمتزج بمياه المحيط الأطلنطي عند جبل طارق فتغطس مياه البحر الأبيض تحت مياه المحيط لأن البحر الأبيض أكثر ملوحة من المحيط، ولم يعرف محمد ﷺ البحر ولم يشاهد ملتقى البحار والأنهار وما كان يملك من أدوات البحث والتحليل ما يفهم به ما تقرره هذه الآية: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) (١). فهناك التقاء ولكن هناك حاجز وسبحان القائل: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٢). الجواب: أن هذا من جملة ما يُفترى على كلام الله من شؤم هذه العلوم الحديثة، ولم يُرد سبحانه بكلامه ما ذهب إليه هؤلاء، وكون مياه

стр. 156

البحار والأنهار لا يمتزج بعضها ببعض فهو والله الكذب البارد السامج، وإن غاية عذوبة ماء النهر أن تُدْرَك عند مصبّه في البحر أما إذا التقى بماء البحر فقطعاً يمتزج أحدهما بالآخر فتتلاشى عذوبة ماء النهر بقدر بُعْده عن مصبّه من البحر وبقدر ملاقاته لماء البحر فيصيران ماءً واحداً مالحاً لكثرة ماء البحر وملوحته، والبحار مثل ذلك إذا الْتقت مياه بعضها ببعض امتزجت في الحال، أما المكابرات والسخافات فلها عقول تقبلها. أما البرزخ المذكور في آية سورة الرحمن فهو الحاجز من الأرض لئلا يبغى هذا على هذا وهذا على هذا فيزيل أحدهما صفة الآخر ليس هو حاجز من الماء. وكذلك هو البرزخ المذكور في سورة الفرقان قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) والمراد بالبحرين الأنهار العذبة والبحار المالحة، والبرزخ والحِجر هو الحاجز كما في آية سورة الرحمن وآية سورة النمل، والمراد بذلك اليابس من الأرض المانع من طغيان بعضها على بعض فتذهب الحكمة من وجود الأنهار وعذوبتها والحكمة من وجود البحار وملوحتها. ومن شاء فليأخذ بإناء صغير أو كبير ماءاً من النهر ثم يصب عليه ماءاً من البحر فيشرب إنه يجد الماءان صار ماءاً واحداً بالامتزاج.

стр. 157

وكم وكم يُحيل أرباب هذه العلوم على دقائق خيالية إذا سُلِّط عليها نور الوحي بانت ظلمتها وظهرت زيوفها فالحاجز يمنعها من الاختلاط وهو حاجز الأرض، أما إذا تداخلا واختلطا فيمتزجان ضرورة. ثم ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في (ص٢٦٣) أن الباحثين اكتشفوا حقائق في الكون قد أخبر عنها القرآن وإنما لم تكن البشرية تعرف عن هذه الحقائق شيئاً. انتهى. وقد ظهر للقارئ المنصف بعض هذه الكشوفات وضلالها وأن القرآن لا يأتي بمثل هذا الضلال، وسوف أذكر غير ما تقدم مما يُدَّعى أنه إعجاز للقرآن وهو ضلال. والحقيقة أن السلف لم يكونوا يعرفوا هذا الضلال فقد حماهم الله منه ولم يكن الشيطان يطمع بهم إلى هذا الحدّ فيتلاعب بهم في شأن السموات والأرض والمخلوقات، وكان لهم تمام المعرفة وكمالها. وهم أول من مُدح بهذه الآية وأولى بها قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ).

стр. 158

(يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) الاحتفاظ بالأعمال للنظر فيها: لقد ثبت أخيراً ثبوتاً قاطعاً أنه ما من صوت من الأصوات، ولا عمل من الأعمال، ولا حركة من الحركات، إلا وهي مسجلة في سجل الكون، ومدونة في كتاب الوجود، فليس شيء منها ضائعاً ولا يمكن لشيء منها أن يزول، ولقد صُنِعَت آلة تصوير حديثة تمكن بها الباحثون أن يصوروا أحداثاً بعد ساعة من وقوعها ولقد جاء في تفسير قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (١). عن أبي هريرة ﵁: (قرأ رسول الله ﷺ : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) فقال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها

стр. 159

أن تقول: عمل كذا وكذا قال: فهذه أخبارها") (١). وإذا كان الباحثون في هذا الزمان قد اكتشفوا أن كل عمل محفوظ مسجل على صفحة الوجود، فلماذا سُجِّلَت الأعمال إذن؟ ألا تجد العقول جواباً إلا أن تقول سُجِّلَت الأعمال لإعادة عرضها ولكنا لا نرى الإعادة في الدنيا! إذاً لا بد أن العرض سيكون بعد هذه الحياة كما نطق الكتاب وقال المرسلون. انتهى٢٨٩. هذا الذي يذكره صاحب كتاب توحيد الخالق بلا شك ولا رَيْب أنه من دجل أعداء الله وخوارقهم الشيطانية فتصوير الأحداث الماضية مَخْرقة، والشيطان يقدر على ذلك ويفعله لأوليائه، وذلك بأن يُظهر لهم صورة بعض ما حدث كسائر ما أقدر الله عليه الشياطين حيث أن الشياطين تُمثِّل الإنس تماماً بالصور والصوت فلا يعجزهم مثل ذلك وأعظم منه. والذي يُسمونه (تحضير الأرواح) في مصر وغيرها من هذا الجنس حيث يزعمون أن روح الميت حضرت فيسمعون صوت هذه الروح، وهو شيطان تمثّل بصورة روح الميت ويتكلم بمثل كلامه ويخبرهم عن أمور كانت جارية وقت حياة الميت وبعدها ولوْ قد مات منذ مائة سنة أو أكثر

стр. 160

فالشياطين تمثله، ويظنون أن روحه هي التي حضرت وإنما هو شيطان يُمثله. والشياطين تقدر على أعظم من هذا إذا تقرّب إليها العبد بما يُسخط ربه، إما الكفر أو الفواحش وغيره، وقد ذكر ابن تيمية ما هو أعجب مما اغترّ به صاحب كتاب توحيد الخالق في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وفي مواضع من الفتاوى ذكرتُ طرفاً من ذلك وغيره في كتاب (الحق المستبين) وغيره. أما أن يُقال: ما من صوت من الأصوات ولا عمل من الأعمال ولا حركة من الحركات إلا وهي مسجلة في سجل الكون ومدوّنة في كتاب الوجود وأن الملاحدة صنعوا آلات تصوير تُصَوِّر الأحداث الماضية فهذا أكذب الكذب وأبطل الباطل، ومما يُروِّج لأعداء الله من الأباطيل ليأخذوا من قلوب المسلمين عبوديتهم لربهم من الخوف والرجاء، وينقمع المسلم في ذُلٍّ نفسيٍّ لا يفارق قلبه أمام هؤلاء الملاحدة، وهو من جنس دعوى وصول القمر مع أن هذا لم يكن ولن يكون، وأنا أباهل من يدّعي هذه الدعوى الزائفة. وإن جرأة صاحب كتاب توحيد الخالق على كلام الله وكلام رسوله جرأة عجيبة حيث أتى بسورة (الزلزلة) بعد الخارقة مُسْتدلاً

стр. 161

بتسجيل الأعمال التي تعاد يوم القيامة، وإن صاحب كتاب توحيد الخالق ليؤدي خدمات جليلة لأعداء الله مع خطورة كلامه في الدين. فقوله: فلماذا سجّلت الأعمال إذن؟ بعد قوله: كل عمل محفوظ مسجل على صفحة الوجود ثم قوله: سُجِّلَتْ الأعمال لإعادة عرضها ولكن لا نرى الإعادة في الدنيا إذاً لا بد أن العرض سيكون بعد هذه الحياة. هذا الكلام خلاف ما جاء عن الله وعن رسوله فقد أخبر سبحانه في كتابه العزيز عن الملائكة الحفظة كما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ)، وقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وغير ذلك مما يبين أن تسجيل الأعمال والأقوال وظيفة الملائكة ليس سجل الكون وكتاب الوجود وصفحة الوجود كما يزعم صاحب كتاب توحيد الخالق. ليعلم صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من المبهورين بما فُتح على أعداء الله من هذه الفتن والخوارق أن هذا ابتلاء من الله ، ونحن ولله الحمد على يقين أن هؤلاء الكفرة لن يعدو قدْرهم. وأما عن الرسول ﷺ فأخبر كذلك بالحفظة وأنهم يتعاقبون علينا في صلاة الفجر وصلاة العصر (١).

стр. 162

أما أن تُحدث الأرض بما عُمل على ظهرها فشيء آخر غير تخريف الملاحدة حيث ينطقها الله الذي انطق كل شيء إذا شاء وذلك يوم القيامة، وهذا أمر زائد على ما يكتبه الحفظة فحديث الأرض بما عُمل عليها لا يكون إلا يوم القيامة. أما ما زعمه صاحب كتاب توحيد الخالق فخوارق أعداء الله بلا شك ولا ريب والشياطين تعمل لأوليائها مثل هذا ولكن بشكل محدود وإنما يُسلطون على أمثالهم. أما في سائر الناس وسائر الأحوال فلا يقدرون على شيء من ذلك. والمثال المقرِّب للمسألة أن الشياطين حاضرة الناس يرونهم ويسمعونهم ويرون أفعالهم فمن تقرب إليها بما يحبونه خدموه بمثل هذه الخدمات وأحب ما يُحبون الكفر بالله والفواحش، وهذا أسهل على الشياطين لأنهم يقدرون على التشبه بالناس والحيوان بحيث لا يُفرق بين هذا وهذا، والصور لا تكلفهم شيئاً، فإن الله سبحانه أقدرهم على التصور بغيرهم بسهوله وسرعة ومطابقة. وقد ضل في مثل هذا الخوارق خلائق لا سيما عباد القبور وغيرها من الأصنام فإن الشيطان يتمثل بصورة المقبور فيُرى خارجاً من القبر، وقد يقضي حاجة وليَّه من الإنس.

стр. 163

السديم والآن نعود إلى (السديم) المزعوم حيث ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق في صفحة ٣٢١ ولأنه أصل الكون عندهم -أي عند الملاحدة-. ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قول الملاحدة أن السديم المادِّي أول بلا بداية وأنه لا خالق له. وقد تقدم الكلام عن السديم وأنه بزعمهم منه انفصلت الكواكب بواسطة الدوران في فضاء لا حَدَّ له فانظر تصريحهم بأنه لا خالق له، فهذه بداية هذه العلوم الحديثة وهذا أصلها وتنتهي للتعطيل، ولذلك لا تجد في كلام المقلِّدة ما يدلك على السموات التي فوقها ربك كما تجد ذلك ظاهراً جلياً بيّناً قريباً في كلام السلف الذين يتكلمون في معاني كلام خالق هذا الكون ورسوله، وقد تقدم ما يبين ما أقول، ويأتي ما يزيده وضوحاً إن شاء الله. والعجيب من صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من المفتونين بهذه العلوم الحديثة وكشوفاتها أنهم يذكرونها على أنها فعل الله يعني أنه خالق الكون والكائنات هكذا على ما يزعمه الملاحدة بخيالاتهم فيرومون

стр. 164

الجمع بين الحق والباطل رغم التعارض والتناقض والتنافر، وهذا لبس عظيم حصل بسببه ما لا يحيط بعلمه إلا الله . وبما أن هذه البداية للكون عند الملاحدة وأن السديم هو الأول بلا بداية فتَبَعاً لهذا الضلال البعيد تخيّلوا أنه يتكوّن من ذرات مادية مركبة من عِدَّة جُسَيْمات (الكترونات وبروتونات ونيترونات) نقل هذا عنهم صاحب كتاب توحيد الخالق في ص٣٢٢ كما يذكر ذلك غيره من إتباعهم، فالكون عندهم كله يتكون من الذرة. والمراد هنا أن هذه الذرّات المزعومة كالسديم المزعوم كل ذلك مبني على خيال غارق في ظلمات التعطيل يُصَرّفه الشيطان على مراده. وأعجب من زعمهم عدم الإيمان بغير المحسوس، ومع هذا أثبتوا هذا السديم الذي لا بداية له ولا خالق فهو خالق لنفسه، وأثبتوا أنه يتكون من ذرات والذرات تتكون من الكترونات وبروتونات ونيترونات تدور في داخل الذرة كما تدور كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس. وإذا كانت الذرة كما يصرّحون هم أنها لا تُرى ولا بأكبر المجاهر فكيف بمكوِّناتها الدائرة حولها؟، وكيف آمنوا بها؟ وهم لا يؤمنون إلا بالمحسوس. وربهم السديم الأول بلا بداية كيف آمنوا به أيضاً وهم لم يُحِسِّوه ولم يَجسّوه وكيف عرفوا أنه يتكون من ذرات؟.

стр. 165

إنهم نظروا إلى الكون من أول نظرة وأول خطوة في علومهم التجريبية الحديثة على أنه لا خالق له فجاءت عجائب ظلمات الخيالات ودواهي الضلال والكفريات. وكلامهم في المادة التي أصلها الذرَة وكلامهم في الذي يسمونه السديم وكوْن ذلك بلا بداية وحركة الدوران هو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن أسلافهم الدهرية. قال ﵀: القول بأن جَوَاهر العالَم أزليّة وهو القول بِقِدَم المادة وكانت متحركة على غير انتظام فاتفق اجتماعها وانتظامها فحَدَثَ هذا العالَم قولٌ في غاية الفساد. انتهى. تأمله فإنه هو قول هؤلاء، وهنا لا بد من الإشارة إلى بداية هذه العلوم.

стр. 166

الكنيسة بدأت هذه العلوم التجريبية الحديثة في بلاد الغرب على أصول تقدم ذكرها مثل عدم الإيمان بغير المحسوس الذي المراد الأعظم منه جحد مكوِّن لهذه المكوِّنات ومُوجدٍ لهذه الموجودات فأول خطوة خَطَوْها وأكبر أصل أصَّلوْ أن لا خالق للكون، فنظروا في الكون على هذا المقتضى، ولا تسأل عن ضلال مَنْ دين أبي جهل أحسن منه لأن أبا جهل داخل في قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). أبو جهل يقر بوجود الرب وأنه خالقه ورازقه بل ويعبده لكنها عبادة شركية لا تنفعه. أما هؤلاء فكما رأيت أصولهم، فهم معطلة دهرية، والمراد هنا أن أرباب الكنائس النصرانية علموا أن أرباب العلوم التجريبية معطلة جاحدون للخالق وعملوا أيضاً أنهم يقولون: الأرض على شكل الكرة وأنها تدور، فقامت قائمة الكنائس عليهم لأنهم أقرب منهم إلى الحق وإن كانوا كفاراً فما زالوا على إقرار بالربوبية والنبوات وبقية كتب أنبيائهم عندهم، ورغم تحريفها ففيها ما لم يحرف من معرفة الخالق والنبوة ونحو ذلك، فالمشرك خير من المعطّل الملحد الدهري.

стр. 167

والمراد أن أرباب الكنائس أنكروا على المعطلة ما افْتَروْه وحصل بين الطائفتين شرٌّ عظيم. وكان مما أغرى المعطلة بما عندهم إنكار الكنيسة لِكروية الأرض واستدلالهم على هذا الإنكار بما ليس بدليل، والمعطلة لا يشكّون في ذلك فقد ظهر لهم بجلاء فرَأوا أن الكنيسة تكابرهم مكابرة فرفضوا كل ما يأتي به أربابها. كذلك زعم المعطلة أن الأرض ليست هي مركز الكون وليست ثابتة بل تدور حول نفسها وحول الشمس مما زاد غيظ أرباب الكنائس عليهم لأنهم يجدون في كتبهم أن الأرض مركز الكون وأنها ثابتة وعرفوا أن هؤلاء المعطلة لا يقرون بالخالق. والكنيسة أخطأتْ في أمور أغرت المعطلة وزادت في تباعدهم عن تعاليمها والمعطلة فرحوا بما عندهم من معرفة أن الأرض على شكل الكرة وأغراهم الشيطان أن طريقهم في العلم والمعرفة هو الصواب الذي لا ينبغي الالتفات إلى غيره، فأحسنوا الظن بنفوسهم وعلومهم لبعض حق أصابوه في المخلوقات وأساءوا الظن بأرباب الكنائس لمكابرتهم إياهم على ما لا تصلح المكابرة فيه، واستمر كل على ما هو عليه، طرفان متباعدان لا يلتقيان.

стр. 168

أخطأت الكنيسة بإنكار كروية الأرض، وسبب الخطأ فُهُومُهُمْ الفاسدة، أما ما بقي في كتبهم من حق مَوْروث عن أنبيائهم فقطعاً ليس فيه ما يعتمدون عليه لِبَرْهَنَة هذا الإنكار. وقد وقع في هذا الخطأ من فَهِمَ بعض آيات القرآن على غير ما أراد الرب سبحانه حيث ظنوا أن قوله تعالى: (وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) أن هذا يُنافي كونها على شكل الكرة، وهذا معلوم أنه غلط إذْ لا منافاة ولله الحمد ولا تعارض، والذي يُدْرَك على حقيقته بالعقل الصريح محال أن يُعارضه النقل الصحيح، وإنما يأتي الخلل إما من المنقول بأن يكون غير صحيح أو صحيح ولكن الفهم لمعناه والمراد منه فاسد. أو يكون ما يُدّعى أنه عقلي صريح ليس كذلك بل خطأ وغلط، ومن هنا تأتي المصائب، ومن هنا يكون النزاع بين الطوائف المختلفة مع أسباب أخرى أيضاً. نحن نبصر الأرض بأبصارنا المحدودة على هيئة السطح المستوي، والسِّرّ في ذلك عظم جرمها، ولو كانت أبصارنا أقوى مما هي عليه لبان لنا خطأ ما تَوَهّمناه من التعارض. والجسم الكروي كلما كبرُ كلما ضعف تمييز انحناءاته بالبصر، والذي يرتفع فوق مكان عال من الأرض كالجبال الرفيعة يرى ما لا يراه من على وجه الأرض.

стр. 169

وليس المراد هنا بيان شكل الأرض فقد أصبح معلوماً يقيناً، وطرق معرفته مُتَعدّدة معروفة. إنما المراد أن أرباب الكنائس كابروا أولئك مما زادهم إغراءً بما عندهم وتمادياً في تعطيلهم. ولقد أصاب أهل الكنائس في إنكارهم على المعطلة جحد الخالق وكون الأرض تدور لأنها منفصلة من مادة أزلية لا بداية لها وعلموا أن ذلك معارض للحق الذي بقي في كتبهم على حاله، وأن معنى كلام المعطلة أن الأرض ليست مركز للكون وأسفله، فمكابرة المعطلة في جحد الخالق وزعمهم دوران الأرض لأجل انفصالها عن مادة أزلية أعظم بما لا نسبة له من غلط أرباب الكنائس، والكفر بعضه أشد من بعض. قال تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) وأهون أهل النار عذاباً أبو طالب (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) والنار دركات بعضها أشدّ من بعض. هذه إشارة يُسْتخلص منها ويتبيّن أن شراسة وغيْظ المشغوفين بهذه العلوم الحديثة على أرباب الكنائس إنما باعثها الهوى الذي يُعْمي صاحبه عن العدل الذي قامت به السموات والأرض، إن الذي ينظر في كتب كثير من المقلِّدة الأتباع لأرباب العلوم الحديثة يرى الدفاع المستميت عن المعطلة والسبب كلال عين الرضا عن رؤية العيب.

стр. 170

ولو أرشدوا لَنَقِمُوا على الطرفين وكانت نقمتهم أعظم على المعطلة الدهرية أرباب العلوم الحديثة من جهة تعطيلهم، وينقمون على أرباب الكنائس كفرهم وشركهم، لكن تكون النقمة على المعطلة أعظم من النقمة على المثلثة، كيف وكثير ممن كتبوا عن هذه العلوم لم ينقموا على أهل الكنائس شركهم إنما نقموا عليهم أشد النقمة لمعارضتهم مَنْ سَمّوْهم: (علماء). صبوا عليهم جام غضبهم لأجل ذلك لا لأجل الكفر، والرب سبحانه من أسمائه (العدل) وحكمه كله عدل لا ظلم فيه ولا مثقال ذرة، وقد أنزل على نبيه فيما يخص أهل الكتاب وهو لنا أيضاً: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)، وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ) وغير ذلك من الآيات البيّنة في الأمر بالعدل في كل شيء ومع كل أحد. وليعلم الناظر في هذا أننا ولله الحمد نُنكر على من ينفي ما لا يعلمه إذ حجّته عدم علمه، لأن عدم العلم بالشيء ليس بعلم فلا يوجب النفي ولا الإثبات وإنما التوقف وقول (الله أعلم) فهذه آداب شرعنا وقد قال تعالى في ذَمّ من يُنكر الشيء لعدم علمه به (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ) فهذا كَذَّبَ بما لم يعلم وجوده أو بما لم يعلم حقيقته لا بما يعلم أنه كذِب، وفرْقٌ بين هذا وهذا. فإذا قيل: أنتَ أنكرتَ الذرة التي اكتشفها الباحثون والعلماء والجُدد وأمرها ظاهر بَيّن في العلم كله اليوم فهذه مكابرة، قيل: أما الذرة نفسها

стр. 171

التي يصفون فإن القوم يقرون أنها لا تُرى ولا بأكبر المجاهر فكيف بما يدور حولها من الكترونات وبروتونات ونيترونات؟ فهم إنما يظهر لهم آثار يُحيلونها إليها مع عدم وجودها على وَصْفِهم، كما يُحيلون دوران الأرض والكواكب إلى سديم معدوم لا وجود له، وإلى التجاذب الذي قررّه نيوتن فغايتهم نظريات مرسومة على الأوراق يَعْضدونها بأفلام مُمَثَّلةً على مقتضى عقائدهم في الكون وذراته، والمفتون المغرور من خُدِع بنظريات مرسومة مُلَوّنة وأفلام سينمائية وتلفزيونية أبرزها وأظهرها الخيال الضال، وقد راج المُحال في عصرنا لما كُثر التفلّت من تعاليم الدين الحق وكُثر التنكر لها وانطلق العقل من عِقال الشرع الذي مجاله الآمن وحي خالقه وخالق الكون سبحانه. إن خروج العقل عما حَدّ له الشرع ولا شك يورده متاهات الحيرة والضلال، لأن الآمر بذلك والداعي إلى صراطه المُوغِل في الظلمات هو القائل لربنا : (وَلأُضِلَّنَّهُمْ) وقد جعل الرب سبحانه له نصيباً مفروضاً يُحقِّق عليهم وبهم هذا الضلال والإضلال، قَدَرٌ نافذ وحكمة بالغة، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ولكن حكمته وأقداره السابقة وجود خليقته أن (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ومن أراد إحراز دينه وتثبيت يقينه في مزَلّة، هي وعِزَّةِ ربي مَضَلّة فلينظر في كتاب (شفاء العليل في الحكمة والقضاء والقدر والتعليل) لابن القيم ﵀ ففيه

стр. 172

الجواب عما يحوك في الصدر من أسباب سَبْق كتابة وإرادة شقاء الأشقياء وهي مسألة كبيرة جليلة، من أجل الخوض فيها بلا علم حار من احتار في خَلْق الكفار ومن يخلقه الرب وهو يعلم أنه يصير إلى النار. وما الحكمة في خلق الشرور المحضة مثل إبليس والشياطين والنار وحدود الشريعة المطهرة ما حكمتها وحكمة وجود ما ينافي الطباع ويُنغّص العيش ويُكَدّر الحياة، كل هذا وغيره مما لا يجد له المتأخرون أجوبة شافية كافية، تجدها في كتاب شفاء العليل وغيره من كتب هذا العالِم الجليل وشيخه -رحمهم الله تعالى-. والمراد أن الذرة هي عند القوم أصل الكون حيث أن السديم المزعوم يتكون منها ولذلك يقول صاحب كتاب توحيد الخالق: (الذرة لبنة البناء في الكون) ويزعم أن سبب اختلاف العناصر المادية يرجع إلى اختلاف عدد الجسيمات في الذرة وترتيبها، وهذا هو كلام أرباب العلوم الحديثة (١). وأنا ذكرت ما ذكرت لعلمي أن ضحايا كثيرة لهذا العلم الحديث هلكتْ باختيارها الضلال على الهدى والغيّ على الرشاد. لقد ضَلّت الخوارج بعقولها وكذلك القدرية والجهمية والمتكلمة والرافضة وغيرهم من طوائف الضلال، وهذا ليس موضوعنا وإنما نأخذ منه القَدْر المشترك بين هذه الطوائف وبين المتأخرين الذي لجّجوا في بحور

стр. 173

الظلمات إنه طلب العلم والهدى من غير مضانَّة لا مما ضُمِنَ إضلاله فليس بعد الحق إلا الضلال، كذلك احتقار السلف الصالح ولاسيما الصحابة رضوان الله عليهم، وأي شيء أهل الوقت بجانب الصحابة رضوان الله عليهم، لقد فتح الله عليهم من العلم بالله وبمخلوقاته مالا يشاركهم فيه مشارك وحسب من جاء بعدهم اقتفاء آثارهم، وإن من يستقرء تاريخ الأمة بعدهم يرى أن كل من كان إلى منهجهم أقرب ولِهَدْيهم ألزم كان إلى الفلاح أقرب. وبعكس ذلك تماماً من غيّر وبدّل، وعن طريقهم وسَمْتهم تحوّل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 174

أمثلة من الضحايا من أمثلة ضحايا علوم الملاحدة الشاعر العراقي (معروف الرصافي) قلّد الملاحدة في فضائهم الخيالي فأنكر السماء المبنية لأنه لا وجود لها ولا ذِكر في علومهم، يقول في شعره: ولستُ من الأُلى وهِمُوا وقالوا ... بأن الروح تعرجُ للسماءِ لأن الأرض تسج في فضاءٍ ... وما تلك السماء سوى الفضاءِ إن هذا لا بُدّ منه لمن اغترّ بعلوم المعطلة فهذا اعتقد دوران الأرض الذي هو فرع من دوران السديم الذي انفصلت منه، واعتقد الفضاء الذي لا حدَّ له فقال: (وما تلك السماء سوى الفضاء). إن إنكار السموات المبنية لم يُعهد بهذه الصورة قبل بداية هذه العلوم التجريبية، وكذلك لما قلّدهم في الذرة المزعومة أنكر فناء الأشياء وزعم أنها فقط تتحوّل من حال إلى حال وهذا هو اعتقاد المعطلة في الذرة وقد قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).

стр. 175

يقول في عدم فناء الأشياء: ولا من يرى الأشياء تفنى ... بحيث تكون من عدمٍ هواءِ ولكن هُنّ في جمع وفَرْقٍ ... تبدّلُ منهما صُوَر البقاءِ (١) يعني أن الأشياء لا تفنى وإنما تتبدل صورها بالجمع والفرْق يعني حسب التركيب الذري، ولذلك قال: (في جمع وفرق). وهذا الزنديق يُنكر الوحي على الأنبياء ويرى الشرائع مختلفة من قوم دهاة أذكياء خدعوا الناس بأنهم أنبياء يوحى إليهم، يقول عن نفسه: ولستُ من الذين يروْن خيراً ... بإبقاء الحقيقة في الخفاءِ ولا ممن يرى الأديان قامت ... بوحي مُنْزَلٍ للأنبياءِ ولكن هُنَّ وضْعٌ وابْتداعٌ ... من العقلاءِ أربابُ الدّهاءِ وقد أنكر البعث والجزاء عدو الله وتبرأ ممن يُصلي ويصوم يقول عن نفسه: ولا من معْشر صَلّوْا وصاموا ... لِما وُعِدوه من حُسْن الجزاءِ ولا ممن يرْون الله يجزي ... على الصلوات بالحور الوُضاءِ فهذا ممن صَرّحوا وغيره كثير يكتمون مثل زندقته، وكثيرون وقعوا في حيرة وشك. المثال الثاني: جميل الزهاوي العراقي، وهذا ممن تزنْدق بعلوم الغرب المعطلة، وله شعر كفريّ نجس يقول فيه:

стр. 176

تَوَقّفتُ لا ادري تجاه الحقائقِ ... أأنِّي خلقت الله أم هُوَ خالقي أنظر هذا الكفر الغليظ والجرأة على الله سبحانه، والمراد انه لتأثره بعلوم الغرب قال ما قال، وكذلك أنكر البعث لأنه غير محسوس له كما يُنكر أسيادُه غير المحسوس. يقول: وسائلةٌ هل بعد أن يعبثُ البِلى ... بأجسادنا نحيا طويلاً ونُرْزَقُ فقلتُ مجيباً إنني لستُ واثقاً ... بغير الذي حِسِّي له يتحقق وهيهات أن تُرجى حياة لميِّتٍ ... إليه البِلى في قبره يتطرّق تقولين يفنى الجسم والروح خالدٌ ... فهل بخلود الروح عندكِ منطق؟ أنظر قول هذا الزنديق: (إنني لست واثقاً بغير الذي حِسِّي له يتحقق) فهو مذهب أرباب العلوم الحديثة حيث لا يؤمنون بغير المحسوس مع تناقضهم البيّن من إيمانهم بمجرات من نسج الخيال وذرات لا تُدرك لأنها في عالَم المُحال. وهو مُنكِر لوجود الخالق يقول: لما جهلتَ من الطبيعة أمرها ... وأقمتَ نفسكَ في مقام مُعَلِّلِ أثبتَّ ربّاً تبتغي حَلاًّ بِهِ ... للمشكلات فكان أكبر مُشكلِ ويزعم الخبيث أن الله هو الأثير وان الله في الطبيعة والطبيعة في الله وهذا هو مسلك أرباب العلوم الحديثة وهو وحده الوجود التي يؤمن بها الزهاوي.

стр. 177

والمراد هنا ما دَخَله وأمثاله من إلحاد الملاحدة المعطلة أهل العلوم الحديثة، فهو يؤمن بمذهب (دارون) في النشوء والارتقاء وقد صَرّح بذلك فهو يقول: (والمذهب القويُّ في رأيي هو مذهب دارون في النشوء والارتقاء وقد تبعته ولم يتبعه في العراق أحد قبلي، وقد شاع فيه [يعني في العراق] بسببي) وله قصيدة عنوانها: (سليل القرود) قال فيها: وُلِدَ القرد قبل مليون عامٍ ... بَشَراً فارتقى قليلاً قليلا أيُّ شيء أَلَمَّ بالقرد حتى ... هَجَرَ الغاب نَجْلُه والقبيلا وعلى رجليه مشى بعد أن ... سارَ على أربعٍ زماناً طويلا يا لَهُ من تطوّرٍ حَوّل القرد ... لإنسان يُحسن التخييلا فليتأمل العاقل ما يفعل الشيطان بمن أعطاه قيادة وهو الذي يفتخر بأنه من نسل القرود فيقول: إنْ نحن إلا أقْرُدٌ ... مِن نسْل قردٍ هالِكِ فَخْرٌ لنا ارْتقاؤنا ... في سُلّم المداركِ إن الشقاء ليس له نهاية وقد قيل: (واخو الجهالة في الشقاوة يَنْعمُ). فانظر تأثّره بِدَارون لأن العلوم الحديثة تُوصل مُتّبعها إلى ذلك، فبعد أن يعتقد السديم والمجرات السابحة في فضاء لا ينتهي إن طلب قلبه ربه لم يجده وأحسن أحواله أن يقع وحده في الوجود، وهو البحر الذي غرق فيه من غرِق من مُقَلّدة الملاحدة.

стр. 178

فإذا نظر في العالَم السفلي ونشأة الحياة في الأرض ما استطاع التخلّص من نظرية دارون اللهم إلا أن يَفِرّ إلى مثلها يعني كائنات حَيّة نشأت مقطوعة عن منشئ فهذا مذهب الطبائعيين وهم أرباب العلوم الحديثة. وإنه لمن الضلال المبين أن تُتَخذ كفريات الكفرة ونظرياتهم الإلحادية طريق هُدى وذلك بدعوى إثبات الخالق، وقد تبين من بطلان نظرياتهم ما فيه كفاية، وسوف يأتي زيادة على ذلك إن شاء الله. وحيث أن الأمر كما قلت أن المعتقد لِما يعتقده هؤلاء المعطلة في السديم ليس له تخلّص من نظرية دارون في نشوء الكائنات إلا أن يلْجأ إلى مثلها. يقول الزهاوي الملحد: كل ظني أن الحياة على الأرض ... بَدَتْ من تفاعل الكيمياءِ وقال: ثم إن الحيوان بعد دُهُورٍ ... صار إنساناً ماشياً باسْتواءِ وقضتْ سُنَّة الوِراثةُ فيهِ ... أن تكون الأبناءُ كالآباءِ أما صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله فيريدون أن يفرضوا هذا السديم المزعوم على الدين فرضاً بإثبات الخالق فَيَنْجرّ من يُحَسِّن الظن بهم ويُصدقهم في عدم التعارض مع الشريعة إلى الوقوع في الضلال وقد

стр. 179

لا يشعر. ولذلك يقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن السديم وذراته المزعومة المتخيَّلة: إذا شاهدنا تركيب السديم وجدناه يتكون من ذرات مادية، وقد عرف العلماء أن هذه الذرات مركبة من عدة جسيمات (إلكترونات، بروتونات، نيترونات ... إلخ). ومن هذا التركيب تستنتج العقول أن هناك بداية لتكوين الذرة في الكون وأن تكوين الذرة ليس أزلياً ليس قبله شيء، إنما الذرة مخلوق حادث وعرفنا ذلك من اجتماع أشياء مختلفة متغايرة: (إلكترونات ذات شحنة كهربائية سالبة بروتونات ذات شحنة كهربائية موجبة، نيوترونات ميزونات ... إلخ)، وذلك كما تعرف أن القلم الذي بيدك حادث ليس أزلياً من ملاحظة تركيبه من سن معدنية، وجسم عاجي، فتجزم بأن هناك لحظة جمع فيها المعدن مع العاج. وكذلك تدلنا العقول أيضاً على أن هناك لحظة جمعت فيها الإلكترونات مع البروتونات مع غيرها لتكوين الذرة تلك اللحظة هي لحظة تكوين الذرة المادية في هذا الكون الذي يتكون منها السديم. وإذن ليس هذا السديم أزلياً قديماً كما يزعم الكافرون اليوم، ولا تظن أن قبل التقاء الإلكترونات مع البروتونات مع غيرهما من مكونات

стр. 180

الذرة كانت الإلكترونات، والبروتونات سابحة في الكون، هي وباقي مكونات الذرة، ثم اتحدت لتكوين السدم، لا تظن ذلك لأن الإلكترونات قد خُلقت لتتحد بالبروتونات وبسائر المكونات الأخرى لتكوين الذرة، ولمعادلة شحنة البروتونات الموجبة، وقد خلقت سائر مكونات الذرة لتكوين الذرة وفق خطة محكمة وتنظيم دقيق وتقدير محدد موزون، فإذا كانت الحكمة المشاهدة من خلق (البروتونات، الإلكترونات ... إلخ) هو: تكوين الذرة. وإذا كانت الذرة المادية حادثة غير أزلية. فلا شك إذن أن وجود هذه المكونات (إلكترونات، وبروتونات ... إلخ) حادث ليس بأزلي الذي لا أول له كما يزعم الكافرون (١). أنظر قوله عن الذرة: (إنما الذرة مخلوق حادث). وقوله: (وإذن ليس السديم أزَليّاً قديماً كما يزعم الكافرون). يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من الذين سلكوا هذا المسلك: أنتم لا للأعداء كسرتم ولا الإسلام نصرتم، وإنما صِفتكم كمن يُطِبُّ زكاماً فَيُورثُ جُذَاماً. وإنه من الكذب على الله أن يُوصف بأنه خالق لِما لم يخلقه بل لِما لا وجود له إلا في الخيال بل لِما أُريد به كَيْد دينه وإضلال عباده.
следующие страницы →