← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36624

الفرقان في بيان إعجاز القرآن

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (465 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تَوَقّفتُ لا ادري تجاه الحقائقِ ... أأنِّي خلقت الله أم هُوَ خالقي أنظر هذا الكفر الغليظ والجرأة على الله سبحانه، والمراد انه لتأثره بعلوم الغرب قال ما قال، وكذلك أنكر البعث لأنه غير محسوس له كما يُنكر أسيادُه غير المحسوس. يقول: وسائلةٌ هل بعد أن يعبثُ البِلى ... بأجسادنا نحيا طويلاً ونُرْزَقُ فقلتُ مجيباً إنني لستُ واثقاً ... بغير الذي حِسِّي له يتحقق وهيهات أن تُرجى حياة لميِّتٍ ... إليه البِلى في قبره يتطرّق تقولين يفنى الجسم والروح خالدٌ ... فهل بخلود الروح عندكِ منطق؟ أنظر قول هذا الزنديق: (إنني لست واثقاً بغير الذي حِسِّي له يتحقق) فهو مذهب أرباب العلوم الحديثة حيث لا يؤمنون بغير المحسوس مع تناقضهم البيّن من إيمانهم بمجرات من نسج الخيال وذرات لا تُدرك لأنها في عالَم المُحال. وهو مُنكِر لوجود الخالق يقول: لما جهلتَ من الطبيعة أمرها ... وأقمتَ نفسكَ في مقام مُعَلِّلِ أثبتَّ ربّاً تبتغي حَلاًّ بِهِ ... للمشكلات فكان أكبر مُشكلِ ويزعم الخبيث أن الله هو الأثير وان الله في الطبيعة والطبيعة في الله وهذا هو مسلك أرباب العلوم الحديثة وهو وحده الوجود التي يؤمن بها الزهاوي.

стр. 177

والمراد هنا ما دَخَله وأمثاله من إلحاد الملاحدة المعطلة أهل العلوم الحديثة، فهو يؤمن بمذهب (دارون) في النشوء والارتقاء وقد صَرّح بذلك فهو يقول: (والمذهب القويُّ في رأيي هو مذهب دارون في النشوء والارتقاء وقد تبعته ولم يتبعه في العراق أحد قبلي، وقد شاع فيه [يعني في العراق] بسببي) وله قصيدة عنوانها: (سليل القرود) قال فيها: وُلِدَ القرد قبل مليون عامٍ ... بَشَراً فارتقى قليلاً قليلا أيُّ شيء أَلَمَّ بالقرد حتى ... هَجَرَ الغاب نَجْلُه والقبيلا وعلى رجليه مشى بعد أن ... سارَ على أربعٍ زماناً طويلا يا لَهُ من تطوّرٍ حَوّل القرد ... لإنسان يُحسن التخييلا فليتأمل العاقل ما يفعل الشيطان بمن أعطاه قيادة وهو الذي يفتخر بأنه من نسل القرود فيقول: إنْ نحن إلا أقْرُدٌ ... مِن نسْل قردٍ هالِكِ فَخْرٌ لنا ارْتقاؤنا ... في سُلّم المداركِ إن الشقاء ليس له نهاية وقد قيل: (واخو الجهالة في الشقاوة يَنْعمُ). فانظر تأثّره بِدَارون لأن العلوم الحديثة تُوصل مُتّبعها إلى ذلك، فبعد أن يعتقد السديم والمجرات السابحة في فضاء لا ينتهي إن طلب قلبه ربه لم يجده وأحسن أحواله أن يقع وحده في الوجود، وهو البحر الذي غرق فيه من غرِق من مُقَلّدة الملاحدة.

стр. 178

فإذا نظر في العالَم السفلي ونشأة الحياة في الأرض ما استطاع التخلّص من نظرية دارون اللهم إلا أن يَفِرّ إلى مثلها يعني كائنات حَيّة نشأت مقطوعة عن منشئ فهذا مذهب الطبائعيين وهم أرباب العلوم الحديثة. وإنه لمن الضلال المبين أن تُتَخذ كفريات الكفرة ونظرياتهم الإلحادية طريق هُدى وذلك بدعوى إثبات الخالق، وقد تبين من بطلان نظرياتهم ما فيه كفاية، وسوف يأتي زيادة على ذلك إن شاء الله. وحيث أن الأمر كما قلت أن المعتقد لِما يعتقده هؤلاء المعطلة في السديم ليس له تخلّص من نظرية دارون في نشوء الكائنات إلا أن يلْجأ إلى مثلها. يقول الزهاوي الملحد: كل ظني أن الحياة على الأرض ... بَدَتْ من تفاعل الكيمياءِ وقال: ثم إن الحيوان بعد دُهُورٍ ... صار إنساناً ماشياً باسْتواءِ وقضتْ سُنَّة الوِراثةُ فيهِ ... أن تكون الأبناءُ كالآباءِ أما صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله فيريدون أن يفرضوا هذا السديم المزعوم على الدين فرضاً بإثبات الخالق فَيَنْجرّ من يُحَسِّن الظن بهم ويُصدقهم في عدم التعارض مع الشريعة إلى الوقوع في الضلال وقد

стр. 179

لا يشعر. ولذلك يقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن السديم وذراته المزعومة المتخيَّلة: إذا شاهدنا تركيب السديم وجدناه يتكون من ذرات مادية، وقد عرف العلماء أن هذه الذرات مركبة من عدة جسيمات (إلكترونات، بروتونات، نيترونات ... إلخ). ومن هذا التركيب تستنتج العقول أن هناك بداية لتكوين الذرة في الكون وأن تكوين الذرة ليس أزلياً ليس قبله شيء، إنما الذرة مخلوق حادث وعرفنا ذلك من اجتماع أشياء مختلفة متغايرة: (إلكترونات ذات شحنة كهربائية سالبة بروتونات ذات شحنة كهربائية موجبة، نيوترونات ميزونات ... إلخ)، وذلك كما تعرف أن القلم الذي بيدك حادث ليس أزلياً من ملاحظة تركيبه من سن معدنية، وجسم عاجي، فتجزم بأن هناك لحظة جمع فيها المعدن مع العاج. وكذلك تدلنا العقول أيضاً على أن هناك لحظة جمعت فيها الإلكترونات مع البروتونات مع غيرها لتكوين الذرة تلك اللحظة هي لحظة تكوين الذرة المادية في هذا الكون الذي يتكون منها السديم. وإذن ليس هذا السديم أزلياً قديماً كما يزعم الكافرون اليوم، ولا تظن أن قبل التقاء الإلكترونات مع البروتونات مع غيرهما من مكونات

стр. 180

الذرة كانت الإلكترونات، والبروتونات سابحة في الكون، هي وباقي مكونات الذرة، ثم اتحدت لتكوين السدم، لا تظن ذلك لأن الإلكترونات قد خُلقت لتتحد بالبروتونات وبسائر المكونات الأخرى لتكوين الذرة، ولمعادلة شحنة البروتونات الموجبة، وقد خلقت سائر مكونات الذرة لتكوين الذرة وفق خطة محكمة وتنظيم دقيق وتقدير محدد موزون، فإذا كانت الحكمة المشاهدة من خلق (البروتونات، الإلكترونات ... إلخ) هو: تكوين الذرة. وإذا كانت الذرة المادية حادثة غير أزلية. فلا شك إذن أن وجود هذه المكونات (إلكترونات، وبروتونات ... إلخ) حادث ليس بأزلي الذي لا أول له كما يزعم الكافرون (١). أنظر قوله عن الذرة: (إنما الذرة مخلوق حادث). وقوله: (وإذن ليس السديم أزَليّاً قديماً كما يزعم الكافرون). يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من الذين سلكوا هذا المسلك: أنتم لا للأعداء كسرتم ولا الإسلام نصرتم، وإنما صِفتكم كمن يُطِبُّ زكاماً فَيُورثُ جُذَاماً. وإنه من الكذب على الله أن يُوصف بأنه خالق لِما لم يخلقه بل لِما لا وجود له إلا في الخيال بل لِما أُريد به كَيْد دينه وإضلال عباده.

стр. 181

تزعمون أن هذا يدلّ على الله ويَهْدي إليه، والشر لا يأتي بالخير، كيف تُرْجى هداية عن طريق ضلالة، إنه يُجنى من الشوك العنب. أما من نُفِخَ بِصورهم وأنهم أسلموا وأنهم عرفوا الخالق وأنهم يعني عن طريق هذه العلوم والكشوف فهؤلاء بين أمور هي: الأول: ذكر أهل العلم من السلف أن المتكلمين بما معهم من الحق رغم ضلالهم ينتفع بهم البعيد عن الإسلام حيث يقرّبونه إليه لكن من أراد سلوك الصراط المستقيم عن طريق الرسول ﷺ فإنهم يقطعونه، فتأمل هذا فقد ضلّ بسبب عدم معرفته أو عدم المبالاة بما يؤول إليه خلائق. الثاني: أن غاية كثير منهم الإقرار بالخالق وأن للكون مدبّر وهذا الإقرار لا يُدخل في الإسلام فإن المشركين يقرّون بهذا. الثالث: اغترار هؤلاء بأن طُرق قومهم ضلال لعدم إثبات الخالق فقط فتبقى هذه النظريات الضالّة المضلّة عندهم صحيحة وعلم يدل على الله ويهدي إليه وأن ضلال من ضَلّ من قومهم فقط لعدم إثباتهم الخالق، فتكون هذه النظريات وسائل للدلالة على الله وهي من أعظم ما يُبعد عنه كما أنهم هم يضلون بمتابعتها. الرابع: إضلال المسلمين وغِشّهم بتحسين هذه الطرق ومدحها فيحصل الضلال.

стр. 182

ولقد ضل عن مكان الله من تابع هذه العلوم حيث لا يعرف سموات ولا علو ثابت ولا سفول ثابت للكون، ولا يعرف العرش. وقد ذكر المكان ابن تيمية نقلاً عن السلف (١). إن الضلال عن مكان الله تضمنه هذه العلوم الملحدة لمن تابعها وسار في ركبها حيث يتخيل الكون كله فضاء لا حَدّ له محشو بمجرات لا يحصرها العدد ولا تزال تتوالد، فمن جرته هذه العلوم والكشوف ضل ضلالاً بعيداً ولا يدري أين ربه، وقد يقع في وحدة الوجود. ولا محذور في ذكر المكان لله إذا أثبتنا استوائه على العرش وأن العرش فوق السموات السبع وأن النبي ﷺ لما عُرج به كلما ارتفع كلما قرب من ربه، وأنه قرب من ربه لما عُرج به قرباً تأخر عنه جبريل ﵇. وقد ورد ذكر المكان حيث أقسم الله به كما جاء في الحديث أن الشيطان قال مخاطباً الله تعالى: وعزتك لأغوينّ بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم. فقال الله تعالى: (وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأغفرن لهم ما استغفروني) رواه الترمذي.

стр. 183

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولفظ المكان ورد عن السلف، قال حماد بن زيد: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء. انتهى (١). وقال شيخ الإسلام أيضاً: قد وَردت الآثار الثابتة بلفظ المكان فلا يصح نفيه مطلقاً. انتهى (٢).

стр. 184

الدعوة إلى الله ليعلم الخائضون في مسألة الدعوة في وقتنا أنهم بدعوتهم الكفار عن طريق التسليم لهم بضلالاتهم لا يُقيمون الحق وإنما يُضلون الخلق. قال شيخ الإسلام ﵀: فمما يرفع الله به الدرجات كما رفع درجات إبراهيم ويوسف ﵈ أن يُحْتج عليهم بالحجج الدافعة لهم، وأن يُكادوا كيْداً حسناً لدفع كيْدهم وعدوانهم على الإيمان وأهله، فلا يُمَكّنون من القدح في الإيمان بما يُسَلِّمه لهم المؤمنون. انتهى (١). كذلك هؤلاء من أراد أن يدعوهم فبالحق لا بالضلال لأن دعوتهم بضلالهم تمكين لهم بأن يقدحوا في الإيمان، إن إقرارهم على كون يتسع ومجرات لا تنتهي وخيالات لا تقف عند حد يُغْريهم بباطلهم، ويزهْدهم بما عند المسلمين من الحق. وإنما الصراط المستقيم أن يُدْعون إلى الله بالطرق الشرعية ويُجابهون مجابهة بأن نظرياتهم خيالية باطلة وأنها في أذهانهم فقط ليس لها حقيقة في الخارج ويبين لهم الحق في ذلك، ومن سلك غير هذه الطريق فهو كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀: من عبد الله بجهل كان ما يُفسد

стр. 185

أكثر مما يُصلح. نسمع عن طوائف في زماننا تَبَنّوْا الدعوة بطريق محدَثة فرأوا مصالح تلك الدعوة فعَظّموها وكبّروها وما نظروا المفاسد الحاصلة، مع أن دَرْءّ المفاسد مقدّم على جلب المصالح، وكذلك فالعمل لا بد أن يكون على دليل لا أن الإنسان يعمل العمل ثم يلتمس من مجملات الشريعة وعموماتها دليلاً يحتج به. إذا تبيّن هذا فإن فلاسفة وغيرهم انتفعوا بأن اقتربوا من الإسلام بسبب ضُلاّل ممن ينتسبون للدين، ولم يجعل العلماء هذه النتائج رافعة للملام بل عابوا الوسائل وما اغْتّروا بالغايات. وقد نقلت جواباً لابن تيمية ﵀ لما سُئل عن شيخ يتوِّب قطاع طريق لا يصلون ويفعلون المحرمات لكنه دعاهم، بغير الطرق الشرعية سُئل ﵀ عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك، ثم إن شيخاً من المشائخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك فلم يمكنه إلا أن يقيم له سماعاً يجتمعون فيه بهذه النية وهو بدُفّ بلا صلاصل وغناء المغني بشعر مباح بغير شبّابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصيح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات ويؤدي المفروضات

стр. 186

ويتجنب المحرمات فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين: أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها أن يعلم أن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً وأنه أكمل له ولأمته الدين كما قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه والشقاوة لمن عصاه فقال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) وقال تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). ثم ذكر ﵀ آيات وأحاديث بهذا المعنى الذي هو لزوم الكتاب والسنة في جميع الأحوال والرد إليهما، ثم قال: إذا عُرف هذا فمعلوم إن ما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين لابد أن يكون فيما بعث الله به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول ﷺ لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصاً محتاجاً تتمة، وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب، والأعمال الفاسدة نهى الله عنها.

стр. 187

والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك. وهكذا ما يره الناس من الأعمال مقرباً إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه وإلا فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره ولم يهمله الشارع فإنه ﷺ حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين. إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي يدل على أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي تتوب العصاة أو عاجز عنها فإن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم

стр. 188

بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي، بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهم خير أولياء الله المتقين من هذه الأمة تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية وأمصار المسلمين وقراهم قديماً وحديثاً مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية ... إلى آخره. في هذا الجواب رد على جميع من أحدثوا في الدعوة ما أحدثوا مما يخالف ما كان عليه السلف. وتأمل قوله ﵀: وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره لم يهمله الشارع فإنه ﷺ حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوِّت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين، فهذا يبين الأضرار الحاصلة من تحذلق المتحذلقين وتكلف المتكلفين الذين اتبعوا أهواءهم وفتحوا للأمة أبواب الضلالات والفتن وذلك بمخالفتهم لما كان عليه السلف من صدق الإخلاص وحسن الاتباع. وشيخ الإسلام نفسه هو الذي ذكر عن المتكلمين أنه ينتفع بهم البعيد عن الإسلام فيُقربون جنس الفلاسفة بعض التقريب للإسلام ولكن

стр. 189

من أراد سلوك الصراط المستقيم عن طريق الرسول قطعوه وهذا كتاب عنوانه: (الله يتجلى في عصر العلم) تأليف مجموعة من أهل هذه العلوم الحديثة. ومعلوم أن تسمية الكتاب بهذا الاسم خطأ فهذا العصر عصر الجهل ليس عصر العلم إنما عصر العلم عصر الصحابة ﵃. وهم يريدون بالعلم علومهم الفاتنة، يتكلم هؤلاء عن إثبات الخالق ويستدلون بعلومهم الضالة عن الكون لكن لا يصلون إلى نتائج يقينية فضلاً عن الحقائق الإيمانية. والسبب أن الطريق الذي سلكوه متاهة ومضّلة، والإقرار بوجود الخالق فطري وإنما هم تفسد فطرهم بعلومهم عن الكون حيث أن مبناها على التعطيل فلا توصل إلى الإقرار بالخالق إلا من بعيد مع ملازمة الشك والتعارض والقلق. وليس العجب منهم فهذا الطريق ظنوه موصلاً لهم إلى معرفة الخالق والإقرار بوجوده إنما العجب ممن يدّعي أنه مسلم ومن أتباع الرسول ﷺ ثم هو يسلك مسالكهم ويُحسّن طرقهم فيكون بذلك معيناً لهم على ضلالهم مع إضلاله لغيرهم.

стр. 190

وتسمية ضلالات هؤلاء علماً لها آثار سوء عليهم وعلى المسلمين، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فليس لأحد أن يبتدع اسماً مجملاً يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويُعلّق به دين المسلمين. انتهى (١). والأمة مأمورة باتباع نبيها في كل شيء في الدعوة وغيرها، ولقد حُذّرنا من الإحداث، وهذا في الدعوة إلى الله وغيرها. والتفكر والنظر إنما يكون نافعاً يزداد به الإيمان إذا كان على النهج المحمدي أما طرق المغضوب عليهم والضالين في علومهم وتفكرهم ونظرهم فضلاله. والإقرار بالخالق فطري، وما كانت دعوة الرسل إلا إلى إفراد الإله الحق بالعبادة لكن الجاحد الملحد يدعى أولاً إلى الإقرار بوجود الخالق وإنما لا يُدعى بطرق تبعده وتزيده ضلالاً، فطريقة هؤلاء في علومهم إنما نشأت كثمرة من ثمار تعطيلهم فلا يُدْعَون بها، لأنها لا تهديهم بل تزيدهم ضلالاً وحيْرة، وإنما يُدْعَوْن بالطرق الشرعية، وقد أُمرنا أن نتبع ولا نبتدع، فلينظر إلى السماء بعينه ويُذكر له بناءها وقربها وأن فوقها الخالق العظيم، والأرض التي تحت أقدامه يذكر له ثباتها وأن الرب خلقها لتكون فراشاً ومهاداً للخلائق، وهكذا تكون الدعوة بالسماحة والسهولة التي جاءت بها الحنيفية، كذلك يذكر له بدء خلقه من النطفة وما في ذلك

стр. 191

من عجائب تنقله بالأطوار في الرحم، وهكذا. إن هذه المجموعة السابقة الذكر يتكلمون عن الخالق من بعد بعيد فإثباتهم لوجوده محاط بالريب محفوف بالمعارضة مكتنف بالقلق، ولذلك فإن إيمان من آمن منهم بوجود الخالق في الغاية من الضعف مع أن الإقرار بالخالق لا يدخل في الإسلام. وإذا قارنا بين هذه القلّة والندرة من كفار هذا العصر الذي يقرون بالخالق وهم مدعوون بعلومهم الضالة وبين من دعاهم النبي ﷺ والصحابة والسلف الصالح تبين لنا الفرق العظيم الكبير بل وكأن هؤلاء الذين أُشيع عنهم وأذيع أنهم أسلموا وأقيمت الدنيا وأقعدت بتحسين هذه العلوم والكشوف من أجلهم، كأنهم لا شيء بالنسبة لمن اهتدى بالطرق الشرعية السهلة الميسّرة لكل أحد، ومن عاب هذه الطريقة فقد عاب النبي والصحابة والسلف وابتدع وأحدث في الدعوة.

стр. 192

دوران الأرض ولما أن صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله رضوا أصول القوم من السديم وذراته وانفصال ما انفصل عنه من الكواكب التي بينها الأرض صار لزاماً لهم المتابعة في المسير وإلا انخرق النظام، ولذلك قال صاحب كتاب توحيد الخالق ما قال عن دوران الأرض تبعاً لأصول المقلِّدين في السديم. أما من يقول بثبات الأرض فلا يُقِر بهذا السديم أصلاً فضلاً عن دورانه وذرّاته، وإنما يقف حيث أوقفه الله ورسوله بأن الكون خلقه الله من مادة وهي (الدخان) المذكور في القرآن، وأن الأرض هي أسفل العالَم ومركزه وأنها كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء) وقوله تعالى: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً) الآية. وقد وضّحتُ ذلك ولله الحمد في (هداية الحيران في مسألة الدوران). والمراد هنا أن يقول في كتابه (توحيد الخالق) ص٣٣: وإذا تأملت إلى هذه الأرض التي تسكن فيها وجدتها تسير مع المجموعة الشمسية كأنها على عِلم بِدَوْرها وعلاقاتها مع غيرها فكان ذلك الإتزان في السير، ونحن نعلم أن الأرض صماء عمياء جامدة لا عقل لها ولا تدبير ولا علم،

стр. 193

كل ذلك شاهد قائم يصيح في أهل العقول قائلاً: إن ربكم قد أحاط بكل شيء علماً. انتهى. هكذا صاحب كتاب توحيد الخالق يُقرّر نظريات الملاحدة الباطلة ويُثبت الخالق وأنه خلق الأرض على مقتضى نظريات الكفرة، وهذا ضلال مبين ويحسب هو وأمثاله أنهم بذلك يُحسنون صُنْعاً. إن الذي يعتقد دوران الأرض يستلزم اعتقاده نشأة الكون على مقتضى زعم الملاحدة في السديم، وهذا يجرّه حتماً إلى اعتقاد المجرات المزعومة في الفضاء الذي لا ينتهي، وقد تقدم بيان المجرات من كلام صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) وكلامه الخيالي فيها كما يزعم الملاحدة، وإنما يُفارقهم بإثبات الخالق. فيقال له أنت اثبتَّ وجود الخالق على مقتضى فضاء لا ينتهي فأين مكان هذا الخالق وأين هو وأين سمواته المبنية ذات الأبواب والتي ليس لها فطور والتي تنشق يوم القيامة لنزول الملائكة كما قال تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً). ونحن نقرأ في سبعة مواضع من القرآن (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فأين هذا العرش؟ إن اعتقاد فضاء لا ينتهي لا يتفق معه اعتقاد وجود ما تقدم ذكره.

стр. 194

فإذا قالوا: السموات والعرش والرب فوق هذا كله، قيل لهم: هل تقولون إن السموات السبع والعرش العظيم شيء ثابت مستقر وأن السماء بناء حقيقة كما في آيات عديدة من القرآن أم أنها دائرة سابحة مع المجرات. إن قلتم أن هذه المخلوقات العظيمة من السموات السبع والعرش العظيم ثابتة انتقض غَزْلكم وبطلت نظرياتكم من سديمها إلى مجراتها، لأن السموات بناء كروي محيط بالأرض من كل جانب، وبعضها في جوف بعض كما أن الأرض في جوف السماء الدنيا المباشرة لنا القريبة منا، وقد تقدم ذكر الإجماع على كرويّة السماء. وإن قلتم: إنها تدور مع المجرات جئتم ببهتان عظيم حيث جعلتم عرش الرحمن يدور به ولم تميزوه عن سائر الكواكب مع أنه عظيم مجيد كريم والرب سبحانه فوقه فهل يدور الرب وعرشه مع مجراته أم ماذا؟ تعالى الله علواً كبيراً عن هذا الضلال المبين. كذلك تورد عليكم ظاهرة العلو والسفول، فمن المعلوم ولله الحمد في عقيدة أهل الإسلام أن الرب سبحانه هو العلي الأعلى وأنه فوق مخلوقاته عالٍ عليها بذاته مستوٍ على عرشه، فإن كان يدور مع مجراته المزعومة فلا يكون هو الأعلى بل يكون مرة أعلى ومرّات أسفل تعالى الله وذلك بحكم الدوران والتقلّب المزعوم، وإن كانت السموات ثابتة

стр. 195

والعرش ثابت والرب مستو على عرش ثابت تحمله الملائكة وهو سقف العالَم كله والجنة تحته بطلت خيالاتكم. وإن قلتم: نقول: السموات والعرش والجنة والرب فوق ولا نفصل قيل لكم: هذا مُفصّل بالكتاب والسنة ومبيّن ومُوَضح وكأن المؤمن يراه بعينه بل درجة الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه) كما في الحديث الصحيح (١)، فهل نَدَعُ ما جاء به نبينا لِما جاءت به المعطلة؟. ليعلم من ضلّ عن ربه أن القلب له وِجّهة يتوجه إليها وقبلة يستقبلها هو مفطور على ذلك، والشريعة تفصل ذلك، فوِجْهة القلب وقبلته جهة العلو إلى ربه معبوده كما أن قبلة بدنه في الصلاة بيته سبحانه، ولذلك فالعلو والسفول ثابت في الكون بخلاف نظريات الملاحدة المضلّة فلا ثبات فيها للعلو ولا للسفول وإنما حركات الدوران مستمرة وبسرعة هائلة ومن هنا يأتي الضلال عن ذي الجلال. وما أسرع ما يقع من صَدّق هذه النظريات في مذهب وحدة الوجود بحيث يكون الرب عنده هو المخلوقات نفسها، فهذا الحلول العام أو يقع في الحلول الخاص بأن يحلّ الرب في بعض الأعيان. لأن القلب مفطور على محبة خالقه وطلبه وإرادته فإذا جال في الفضاء الذي لا حَدّ له لم يَرَ إلا ملايين من المجرات متناثرة في فضاء لا ينتهي وكواكب دائرة بسرعة هائلة فأين الله؟ كيف والكون لا يزال

стр. 196

يتسع بزعمهم. إن الملاحدة ومن يُقَلّدهم إن أثبتوا سموات سبع شداد طباق مالها من فطور ولها أبواب والكرسي والجنة والملائكة والعرش وربه فوقه، إن أثبتوا ذلك كما ورد في الكتاب والسنة والإجماع، وقد تقدم بيان ذلك كله، إن أثبتوه صار للفضاء حداً ينتهي إليه والذي لا نسبة بينه وبين فضائهم لصغره وضيقه وهو الفراغ الذي بين جرم السماء وجرم الأرض. وأنا أقول: صغره وضيقه بالنسبة لفضائهم المتخيَّل والذي لا وجود له خارج أذهانهم. وإذا صار للفضاء حداً ينتهي إليه فإما أن تصطدم مجراتهم ببناء السماء وبالكرسي والعرش وبالجنة أو أنه لا مجرات إلا في خيالات مظلمات، والمجرة واحدة وهي نجوم صغيرة بالنسبة لغيرها من النجوم والتي نراها بعيوننا وكأنها سحاب رقيق تَشقه فجوة مستطيلة كمجرى النهر. وقد بيّنت في (هداية الحيران) أن السفر إلى هذه المجرات خطْفة شيطانية وسفر خيالي. والعجب من صاحب كتاب توحيد الخالق فقد تكلم في مقام الإحسان فقال: (المقام الأول وهو أعلاهما: أن تعبد الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة وهو أن يتنوّر القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة بالعرفان

стр. 197

حتى يصير الغيب كالعيان، فمن عبدَ الله على استحضار قربه منه وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم). انتهى ص٣٣٧. يقال له: أين هذا الرب الذي كأن العبد يراه؟. إن كلامك في مجرات الملاحدة وفضائهم الذي زعمت أن الله خالقه يُضلّنا ضلالاً بعيداً عن وجود الله فضلاً عن أن نعبده سبحانه وكأننا نراه. وكأن صاحب كتاب توحيد الخالق تَوَلّج في هذه الظلمات وما عرف تعارضها وتناقضها مع ما جاء في الكتاب والسنة، فلَوْ راجع الأمر قبل الفوات لكان خيراً له لأن كتبه مبثوثة في كل مكان والشباب خاصة قد علمتُ أنهم يقتنون كتبه ويقرءون له كثيراً لأنه يتكلم في علومهم. والمقصود أن دوران الأرض ظلمة بين ظلمتين الظلمة الأولى السديم الذي تفرّع منه الزعم بأن الأرض تدور، والثاني المجرات التي تفرّعت من هذا الدوران. ومن العجائب أن أصبح هذا الدوران عند كثير من أهل الوقت من المسلّمات التي لا يُنازع فيها إلا جاهل، والسّر في كون إبليس أعطاها كل هذه العناية والرعاية هو أن نفي دورانها يهدم نظريات الملاحدة

стр. 198

ويجتثها من أصولها حيث تبطل نظرية السديم ونظرية المجرات وما يتبع ذلك من الضلال الذي يصعب حصره. وأنا تحدّيت كل أحد بالمباهلة في عِدّة مواضع على أن الأرض ثابتة. قال محمد متولي الشعراوي في (الأدلة المادية على وجود الله): ولكن الحق قال: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) وما دام الله هو الذي جعل فلا بد أن يكون ذلك قد حدث ساعة الخلق، فأوجد الليل والنهار خلفة على الأرض ولكننا كما أوضحنا، فهذه هي البدايات، ولكن الله يقول لنا: إن في ساعة البداية كان الليل والنهار خلفة، إذن فلا بد أن يكون الليل والنهار قد وجدا معاً ساعة الخلق في الأرض، بحيث أصبح كل منهما خلفة للآخر، فلم يأتي النهار أولاً ثم خلفه الليل، لأنه في هذه الحالة لا يكون النهار خلفة بل يكون بداية، ولم يأت الليل أولاً ثم يخلفه النهار لأنه في هذه الحالة لن يكون الليل خلفة بل يكون بداية ولا يمكن أن يكون الليل والنهار كل منهما خلفة للآخر إلا إذا وجدا معاً ونحن نعلم أن الليل والنهار يتعاقبان علينا في أي بقعة من بقاع الأرض، فلا توجد بقعة هي نهار دائم بلا ليل، ولا توجد بقعة هي ليل دائم بلا نهار، بل كل بقاع الأرض فيها ليل وفيها نهار. ( ولو أن الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها، ووجد الليل والنهار معاً ساعة الخلق فلن يكون خلفة ولن يخلف أحدهما الآخر، بل يظل الوضع

стр. 199

ثابتاً كما حدث ساعة الخلق، وبذلك لا يكون النهار خلفة الليل ولا الليل خلفة النهار، ولكن لكي يأتي الليل والنهار يخلف كل منهما الآخر، فلابد أن يكون هناك دوران للأرض لتحدث حركة تعاقب الليل والنهار، فثبوت الأرض منذ بداية الخلق لا يجعل الليل والنهار يتعاقبان، ولكن حركة دوران الأرض حول نفسها هي التي ينتج عنها هذا التعاقب أو هذه الخلفة التي أخبرنا الله بها إذن فقول الحق : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) يحمل معنيين المعنى الأول: أنهما خلقا معاً، فلم يسبق أحدهما الآخر، وهذا إخبار لنا من الله بأن الأرض كروية، والمعنى الثاني: أن الأرض تدور حول نفسها، وبذلك يتعاقب الليل والنهار). أنظر كيف تُغضب معاني كلام الله لِمُجاراة هذه العلوم الضالّة المضلّة يقول: (إذن فلا بد أن يكون الليل والنهار قد وُجِدا معاً ساعة الخلق في الأرض بحيث أصبح كل منهما خلفة للآخر، ثم يقول مجاراة لعلوم القوم: ولو أن الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها وَوُجد الليل والنهار معاً ساعة الخلق فلن يكونا خلفة ولن يخلف أحدهما الآخر بل يظل الوضع ثابتاً كما حدث ساعة الخلق).

стр. 200

يقال له: الليل والنهار قد وُجدا معاً ساعة الخلق وصار كل واحد منهما خلفة للآخر في نفس الوقت وحصل هذا والأرض ثابتة فما لنا ولهذيان المعطلة؟. فالرب سبحانه خلق الأرض أولاً قبل السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). قال ابن كثير ﵀: فذكر أنه خلق الأرض أولاً لأنها كالأساس والأصل أن يُبدأ بالأساس ثم بعده السقف كما قال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ). انتهى. إن علوم الملاحدة ومن قلّدهم ليس فيها للكون أساس ولا سقف فما كان اليوم أسفل يكون غداً أعلى وهكذا. والمراد هنا أن الرب لما خلق الأرض خلق السموات بما فيهن من الشمس والقمر والنجوم، والشمس خلقها من البداية في

стр. 201

السماء جارية دائرة على كرة الأرض، كذلك القمر والنجوم، فهي سراج أهل الأرض يدور عليهم لتعاقب دَوْلتي الليل والنهار فمِن حين خلق الله الشمس وصل نورها إلى الأرض فهذا النهار. ومعلوم أنها ليست تغمر الأرض كلها بالضياء وإنما نصفها فما غمرته بضيائها صار مقابِلُهُ ظل كرة الأرض وهو الليل، وحيث أن الشمس من البدء خلقها الله جارية في كرة السماء فبذلك جعل الله الليل والنهار خِلْفة، يأتي هذا فيذهب هذا، وما عدا ذلك فهذيان الملاحدة ومُقَلِّديهم.

стр. 202

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) الآية قال صاحب كتاب توحيد الخالق: القرآن يعد يكشف الآيات لتدعيم الإيمان: لكن الذي خلق الإنسان وعلمه، وأنزل القرآن وبيّنه اخبر في كتابه ووعده بأن سيكشف للناس وللعلماء خاصة حقيقة ما في هذا القرآن من آيات بينة لتكون دليلاً لهم على صدق رسالة محمد ﷺ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (١). قال تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (٢). وقال تعالى: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣). الوعد يتحقق: وقد تحقق وعد الله، وكان مما تحقق في عصرنا هذا عصر العلوم الكونية أنه كلما تقدمت الكشوف العلمية في ميدان من الميادين كشفت للناس عن آيات الخلق الباهرة التي تزيد الناس إيماناً

стр. 203

بربهم وخالقهم وكشفت أيضاً عن معنى من المعاني، فإن القرآن قد تحدث بصراحة أو أشار إليه؛ وبقيت تلك الآية تؤول أو تفسر على غير معناها لعدم معرفة السابقين بحقائق خلق الله، ودقائق ما أشارت إليه الآية، فكان هذا نوعاً من إعجاز القرآن يظهر في عصر العلم الكوني يشهد بأن القرآن: كلام الله بما حوى من حقائق جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن ليس من عند رجل أمي أو من عند جيل من الأجيال البشرية لا يزال يعيش في جهل كبير إنما هو من عند الذي خلق الكون وأحاط بكل شيء علماً، وصدق الله القائل لنبيه: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (١). إن ما يقوله صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن فُتِنوا بهذه العلوم من كون آيات الخلق ومعانيها تؤول وتفسّر على غير معناها عل عهد الصحابة فمن بعدهم من السلف الصالح، إنه قول عظيم خطير لأنه تجهيلٌ للسلف بعدم معرفة معاني هذه الآيات وتضليلٌ لهم باتّهامهم بتأويلها على غير معانيها والعكس هو الصحيح، وفيما ذكرته وأذكره إن شاء الله كشف لحقيقة الأمر. أما هنا فذكر قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) الآية وكثيراً

стр. 204

ما يستدل بها المفتونون بعلوم وكشوفات الغرب فيتأوّلونها على غير تأويلها، ويأتي إن شاء الله تفسيرها. وأما قوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) الآية فليس معناها كما أراد، قال ابن جرير ﵀: وعنى بالذين أوتوا العلم مُسْلِمَة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ونظرائه الذين قد قرءوا كتب الله التي أُنزلت قبل الفرقان فقال تعالى: وليرى الذين أوتوا العلم بكتاب الله الذي هو التوراة، الكتاب الذي أُنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق، وقيل: عَنَى بالذين أوتوا العلم أصحاب رسول الله ﷺ . انتهى. فهل أراد الله بالذين أوتوا العلم أهل هذه العلوم ومن قَلّدهم؟ وأيّ علم عند هؤلاء؟ وصدق رسول الله ﷺ فقد قال في الحديث الصحيح: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويُثْبت الجهل) (١) وهذا هو الحاصل في عصرنا، وقد استعاذ ﷺ من علم لا ينفع كيف بالعلم الضار؟

стр. 205

(كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص٣٤٣ على قوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء): بعد أن تمكن الإنسان من الطيران، والصعود إلى السماء، والارتفاع إلى طبقات الجو العليا، عرف أنه كلما ارتفع إلى أعلى قلَّ الأكسجين والضغط الجوي، مما يسبب ضيقاً شديداً في الصدور، وعملية التنفس، وذلك عين ما تنطق به الآية الكريمة قبل طيران الإنسان بثلاثة عشر قرناً من الزمان. قال تعالى: (مَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) (١). والحرج: شدة الضيق، والآية تمثل من عمل ما يستحق به أن يعاقبه الله بإضلاله، فمثل حاله عند سماعه الموعظة، وما يتصل بالإسلام، وما يصيبه من ضيق شديد كحال ذلك الذي يتصعد في السماء، وما أدرى الرجل الأمي بتلك الحقيقة التي لا تُعرف إلا من الله لمن تَصَعَّدَ في السماء فهل كانت له طائرة طار بها؟ انتهى.

стр. 206

الجواب: لقد هان الكلام في القرآن على صاحب كتاب توحيد الخالق والخطر والله عظيم والأمر جسيم وإنما تُشْكى الأمور إلى الله وهو حسبنا ونعم الوكيل، إن هذا التلاعب بكلام الله وإجباره على مجاراة هذه العلوم والكشوف وتصديقها لمن علامات إثبات الجهل ورفع العلم النافع، ومن علامات رفع القرآن، ولا والله ما تجرأ على كلام الله أحد إلا لعظم جهله وضلاله، وقد تقدم كلام الصِّديق ﵁ في القول بالقرآن فما بال هؤلاء كأنما أُعطوا الأمان بأن يقولوا في القرآن بآرائهم وأهوائهم. ولقد أصبح الكلام في القرآن بالرأي فضيلة ومجال منافسة في عصرنا، فقد رأيت من ذلك عجائباً. فالذي يقوله صاحب كتاب توحيد الخالق حاشا وكلا أن يكون هذا مراد الله بكلامه، وكيف يخاطب الله خير القرون بما لا يعرفون ولا يفهمون؟ كيف يصف لهم الضلال بما لا يعقلونه وإنما يسْتأثر بفهمه ومعرفته المتأخرون، هذا تنقّص للسلف حيث يُظن أنهم يقرءون كلام الله ولا يعرفون معناه، وقد صَرَّح صاحب كتاب توحيد الخالق بذلك في مواضع من كتابه (توحيد الخالق) وتقدم بيان ذلك.

стр. 207

إن صرف معاني كلام الله إلى هذه المعاني السخيفة الهزيلة التي على تقدير صحتها لا تُعلم إلا لأفراد قد لا يخطر ببالهم مثل ما صال به وجال صاحب كتاب توحيد الخالق. أما ما يخاطب به الله عباده فهو الذي يعرفونه ليتحقق الانتفاع بالقرآن للمؤمن وقيام الحجة على الكافر. قال ابن عباس في الآية: يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يُدخله الله في قلبه. وقال ابن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدّة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول: فمثله في امتناعه عن قبول الإيمان وضِيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وِسْعِهِ وطاقته. انتهى. أنظر كيف حصل معنى الآية للسلف بأهون سبب، فكل يعرف هذا، فإن من يروم صعود السماء يجد من الشدّة والضيق والحرج ما يُشعره بامتناع حصول مرامه، فكذلك من يُرِد الله إرادة كوْنيّة إضلاله نَقْل الصخر أيْسَر وأهْوَن عليه من سماع الموعظة والدعوة إلى الله والدار الآخرة.

стр. 208

(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ) الآية وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ). قال: كما كشف العلم الحديث أن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وهو أطول وأعرض من الموج السطحي، وقد تمكَّن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار الصناعية أيضاً، والقرآن يذكر هذه الحقيقة قبل قرون (١). وقال قبل ذلك: الظلمات التي في البحار العميقة والأمواج التي تغشاها. كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة -كثيرة الماء- (البحر اللجي) ظلمات شديدة، حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، ولا توجد هذه الظلمات الحالكة في ماء البحر الذي يحيط بالجزيرة العربية. انتهى.

стр. 209

وهذا أيضاً من عجائب الإحالات ولا شك أنه تأويل لكلام الله باطل فالله سبحانه لا يخاطب عباده بمثل هذا. ولقد كاد إبليس هؤلاء بما خاضوا به من هذيان الكفار لِصرف معاني كلام الله عن حقيقتها وصرف التفكر فيها والانتفاع إلى الالتفات إلى الكفار والتعظيم لهم ولعلومهم وازدراء السلف وتنقّصهم. فهذه الآيات العظيمة ضرب الله فيها مثلاً لأعمال الكفار فوصَفَها بالسراب الذي يظنه رائيه ماءً فإذا وصل إليه لم يجد شيئاً لأن أعمال الكافر حابطة بالكفر. فهذا مثل والمثل الثاني لأعمال الكفار الظلمات في البحر العميق عظيم الموج فتتّفق ظلمة الليل وظلمة الموج وظلمة السحاب، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وقد خاطب الرب سبحانه عباده بما يعرفونه ويدركونه لا سيما الأمثال فإن المراد من ضَرْبها التفكر والاعتبار والعبور من صورة المثل إلى حقيقة المعنى المراد. فالذي ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق في تفسير القرآن بما يشبه الأحاجي بل بما يُنزّه كلام الله عنه خطره عظيم، وهو لا يُقرّب فهم القرآن بل يصُدّ عن فهمه بتغيير الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فهو سبحانه يخاطبهم بما يدركونه بحواسهم ويعرفونه بل ويشتركون في معرفته، وهو يُنزل الله على نبيه قرآناً يُتلى أربعة عشر قرناً معاني آيات

стр. 210

الخلق فيه كالطلاسم والألغاز لا تُعرف حتى جاء هذا العصر فظهرت معانيه على أيدي المعطلة ومقلّديهم؟ هذا منكر من القول وفيه من اسْتهجان السلف وتعظيم الكفار ما هو ضلال مبين. والذي يُقارن بين ما أذكره من تفسير السلف لكلام الله وما أنقله من تفسير المتأخرين يظهر له الفرق بين الهدى والضلال إلا من فسدت فطرته. قال قتادة: (لُّجِّيٍّ) هو العميق. (لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل الكافر الجاهل البسيط المقلّد الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين ذهب بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري. وقال أبي بن كعب في قوله تعالى: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) فهو يتقلب في خمسة من الظُّلَم: فكلامه ظلمه، وعمله ظلمه، ومدخله ظلمه، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار. انتهى. هل يحيل الله عباده إلى هذه الأشياء الدقيقة في فهم كتابه بحيث لا يُفهم القرآن إلا بصواريخ تجوب الفضاء وغوّاصات تذهب في أعماق البحار ومناظير تُقرّب البعيد وتُكَبِّر الصغير ثم يجعل مفاتيح ذلك مع أعدائه يكتشفونه في آخر الأمة؟.

стр. 211

هذا والله من عجائب وقتنا بل ومن ثمار ظلماته موْج في قعر المحيطات العميقة تكتنفه ظلمات، اكتشفه الباحثون ولم يعرفه الأولون، هذا معنى (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أما ما يُرى ويعرف لكل احد وهو أن أعمال الكافر كظلمة ليل بحر مائج يُغطيه السحاب فهذا كأنه لا يبيّن المعنى ولا يفي بالمقصود. كذلك قوله: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) يوجد فوق الغلاف الجوي فضاء خال من الهواء فالإنسان إذا وصل إليه يجد صعوبة وضيق، فيقال في معنى الآية ببساطة: صفة الكافر في حال سماعه للحق أو انتفاعه به كمن يحاول الصعود إلى السماء فهو ما لا يقدر عليه فهو في ضيق وشدّة وهو على الأرض. كذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أحياء لا تُرى بالعين لا تعيش بدون الماء. يقال: معنى الآية أن أصل الأحياء من الماء، كذلك قوله: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) والحاجز بين البحرين والمجرات وأبعادها خيالية والذرات التي لا تُرى. وغير ذلك إذا تتبّعتَه وجدتَ إحالات على تقدير صحتها فهي كالطلاسم وهذا لا يليق بكلام الله وفهم معانيه فقد جعله سبحانه هدى وشفاء لا أحاجي وطلاسم مفاتيحها بأيدي معطلة دهرية يخرجون في

стр. 212

آخر الأمة. إن المقلِّدة يَدَعون الواضح الجلي الهيِّن السهل الصحيح الذي يدركه كل أحد. إلى شيء على تقدير وجوده خفي صعب باطل لم يرده الله بكلامه لا يُدْرَك إلا بالخيال. وصاحب كتاب توحيد الخالق يُبالغ بتعظيم هذه العلوم والكشوفات مما جعله ينسب إلى الله وإلى نبيه الباطل فإنه يقول في موج وظلمة بحره المزعوم. * موج من فوقه موج: وإلى قبل عام ١٩٠٠م كان الناس جميعاً لا يعرفون إلا موجاً واحداً في البحار، هو ذلك الموج المشاهد على سطح الأرض فجاء البحارة الإسكندنافيون ليكشفوا للعالم حقيقة كانت مخبوءة في أعماق البحار، تلك الحقيقة هي أنه يوجد في أعماق البحار نوع آخر من الموج، وأنه يقذف بالغائصين فيه كما يقذف الذي فوق بالسابحين عليه، غير أن الله قد أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي ﷺ الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان.

стр. 213

قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) (١). فتأمل كيف تنص هذه الآية على هذه الحقيقة؟! وكيف تؤكد أنها طبقات بعضها فوق بعض؟ فمن أين لمحمد ﷺ علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون في عهده إلى قبل ٧٦ عاماً؟! ص٣٤٦. انتهى. أنظر كيف أن صاحب كتاب توحيد الخالق يقرر أن موجه وظلماته التي في أعماق البحار هي المراد بالآية فهو يقول: (غير أن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان). وانظر قوله: (فمن أين لمحمد ﷺ علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون من عهده إلى قبل ٧٦ عاماً) فنسب موج وظلمة خيال المعطلة إلى أنه معنى الآية وأن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان نبيه، وهذا كذب على الله وعلى رسوله، وقد تقدم أن المراد الموج المشاهد وظلمة الليل وظلمة السحاب بلا تكلف.

стр. 214

(وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) ثم تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق في جملة خوضه وخرصه على الجبال فقال: في قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً). الوتد يُغرس في الرمل لتثبيت الخيمة، وهكذا الجبال قد اخترقت بامتدادها الطبقة اللزجة التي تقع أسفل الطبقة الصخرية التي تُكَوِّن القارات. فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد بالنسبة للخيمة فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يُغْرَس في الصحراء وكذلك الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات. ولقد تأكد الباحثون من هذا في عام ١٩٦٥م، وعلموا أنه لولا أن الله قد خلق الجبال بشكل أوتاد لطافت القارات، ومالت الأرض واضطربت من تحت أقدامنا، والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن، قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) وقال سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) (١).

стр. 215

صاحب كتاب توحيد الخالق يفسر القرآن كما تبين على مقتضى نظريات المعطلة، وقد بيّنت ولله الحمد انهيارها من أصلها في الكلام على السديم المزعوم، وحيث أنه متابع للقوم فقد خاض في شأن الجبال على مقتضى النظريات الزائفة كما خاض في دوران الأرض على طريقتهم. وهنا زعم أن الجبال تُثبِّت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة التي زعم أنها لَزِجَه وأنها تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات. وهكذا تستمر إحالات صاحب كتاب توحيد الخالق إلى ظلمات خيالات المعطلة، وكلامه هذا وغيره مبني على مقتضى نظرياتهم وهو يغصب آيات القرآن غصباً ويقسرها قسْراً لتجاري هذيان الملاحدة. فالطبقة التي يزعمون أن أصول الجبال مغروسة فيها طبقة مُتَخيَّلة على مقتضى أن الأرض منفصلة من السديم الغازي الدائر وكانت حين انفصالها غازاً دائراً حتى تكثفت وبردت وصارت صالحة للحياة مع استمرار دورانها، فعندهم أنه أثناء دورانها برزت من باطنها الجبال لِتثبِّتها ليس التثبيت الذي أراد الله بكلامه وإنما تثبتها عن الاضطراب والميدان حال الدوران. وحيث أن السديم باطل والدوران باطل فكذلك هذا الكلام عن الجبال باطل لأنه مبني على باطل فالجبال مُلْقاة من أعلى إلى أسفل كما
следующие страницы →