هذا والله من عجائب وقتنا بل ومن ثمار ظلماته موْج في قعر المحيطات العميقة تكتنفه ظلمات، اكتشفه الباحثون ولم يعرفه الأولون، هذا معنى (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أما ما يُرى ويعرف لكل احد وهو أن أعمال الكافر كظلمة ليل بحر مائج يُغطيه السحاب فهذا كأنه لا يبيّن المعنى ولا يفي بالمقصود.
كذلك قوله: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) يوجد فوق الغلاف الجوي فضاء خال من الهواء فالإنسان إذا وصل إليه يجد صعوبة وضيق، فيقال في معنى الآية ببساطة: صفة الكافر في حال سماعه للحق أو انتفاعه به كمن يحاول الصعود إلى السماء فهو ما لا يقدر عليه فهو في ضيق وشدّة وهو على الأرض.
كذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أحياء لا تُرى بالعين لا تعيش بدون الماء.
يقال: معنى الآية أن أصل الأحياء من الماء، كذلك قوله: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) والحاجز بين البحرين والمجرات وأبعادها خيالية والذرات التي لا تُرى.
وغير ذلك إذا تتبّعتَه وجدتَ إحالات على تقدير صحتها فهي كالطلاسم وهذا لا يليق بكلام الله وفهم معانيه فقد جعله سبحانه هدى وشفاء لا أحاجي وطلاسم مفاتيحها بأيدي معطلة دهرية يخرجون في
стр. 212
آخر الأمة.
إن المقلِّدة يَدَعون الواضح الجلي الهيِّن السهل الصحيح الذي يدركه كل أحد.
إلى شيء على تقدير وجوده خفي صعب باطل لم يرده الله بكلامه لا يُدْرَك إلا بالخيال.
وصاحب كتاب توحيد الخالق يُبالغ بتعظيم هذه العلوم والكشوفات مما جعله ينسب إلى الله وإلى نبيه الباطل فإنه يقول في موج وظلمة بحره المزعوم.
* موج من فوقه موج:
وإلى قبل عام ١٩٠٠م كان الناس جميعاً لا يعرفون إلا موجاً واحداً في البحار، هو ذلك الموج المشاهد على سطح الأرض فجاء البحارة الإسكندنافيون ليكشفوا للعالم حقيقة كانت مخبوءة في أعماق البحار، تلك الحقيقة هي أنه يوجد في أعماق البحار نوع آخر من الموج، وأنه يقذف بالغائصين فيه كما يقذف الذي فوق بالسابحين عليه، غير أن الله قد أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي ﷺ الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان.
стр. 213
قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) (١).
فتأمل كيف تنص هذه الآية على هذه الحقيقة؟! وكيف تؤكد أنها طبقات بعضها فوق بعض؟ فمن أين لمحمد ﷺ علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون في عهده إلى قبل ٧٦ عاماً؟! ص٣٤٦. انتهى.
أنظر كيف أن صاحب كتاب توحيد الخالق يقرر أن موجه وظلماته التي في أعماق البحار هي المراد بالآية فهو يقول: (غير أن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان).
وانظر قوله: (فمن أين لمحمد ﷺ علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون من عهده إلى قبل ٧٦ عاماً) فنسب موج وظلمة خيال المعطلة إلى أنه معنى الآية وأن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان نبيه، وهذا كذب على الله وعلى رسوله، وقد تقدم أن المراد الموج المشاهد وظلمة الليل وظلمة السحاب بلا تكلف.
стр. 214
(وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً)
ثم تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق في جملة خوضه وخرصه على الجبال فقال: في قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً).
الوتد يُغرس في الرمل لتثبيت الخيمة، وهكذا الجبال قد اخترقت بامتدادها الطبقة اللزجة التي تقع أسفل الطبقة الصخرية التي تُكَوِّن القارات. فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد بالنسبة للخيمة فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يُغْرَس في الصحراء وكذلك الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.
ولقد تأكد الباحثون من هذا في عام ١٩٦٥م، وعلموا أنه لولا أن الله قد خلق الجبال بشكل أوتاد لطافت القارات، ومالت الأرض واضطربت من تحت أقدامنا، والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن، قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) وقال سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) (١).
стр. 215
صاحب كتاب توحيد الخالق يفسر القرآن كما تبين على مقتضى نظريات المعطلة، وقد بيّنت ولله الحمد انهيارها من أصلها في الكلام على السديم المزعوم، وحيث أنه متابع للقوم فقد خاض في شأن الجبال على مقتضى النظريات الزائفة كما خاض في دوران الأرض على طريقتهم.
وهنا زعم أن الجبال تُثبِّت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة التي زعم أنها لَزِجَه وأنها تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.
وهكذا تستمر إحالات صاحب كتاب توحيد الخالق إلى ظلمات خيالات المعطلة، وكلامه هذا وغيره مبني على مقتضى نظرياتهم وهو يغصب آيات القرآن غصباً ويقسرها قسْراً لتجاري هذيان الملاحدة.
فالطبقة التي يزعمون أن أصول الجبال مغروسة فيها طبقة مُتَخيَّلة على مقتضى أن الأرض منفصلة من السديم الغازي الدائر وكانت حين انفصالها غازاً دائراً حتى تكثفت وبردت وصارت صالحة للحياة مع استمرار دورانها، فعندهم أنه أثناء دورانها برزت من باطنها الجبال لِتثبِّتها ليس التثبيت الذي أراد الله بكلامه وإنما تثبتها عن الاضطراب والميدان حال الدوران.
وحيث أن السديم باطل والدوران باطل فكذلك هذا الكلام عن الجبال باطل لأنه مبني على باطل فالجبال مُلْقاة من أعلى إلى أسفل كما
стр. 216
تواتر ذكر إلقائها إلقاءاً في القرآن بخلاف دعوى الملاحدة أنها برزت من باطن الأرض أثناء الدوران.
كذلك فتثبيتها للأرض ليس كما زعموا أنه لمنعها من الميدان أثناء الدوران وإنما كما قال السلف قال ابن كثير ﵀: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً) أي ممهدة للخلائق ذلولاً قارة ساكنة ثابتة. (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) أي جعلها لها أوتاداً أرساها بها وثبتها وقرّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، انتهى من تفسيره.
فإن سألت عن سكونها عن الاضطراب الذي ذكر ابن كثير فلا تظن أنه يوافق هذيان الملاحدة الذين يزعمون أن الجبال تُسَكّن اضطراب الأرض حال الدوران، هذا ظن باطل لأنه كما تبين مبني على أصل باطل.
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة بعد أن ذكر أن الأرض خلقها الله واقفة ساكنة ذكر الجبال وقال: ومن منافعها ما ذكره الله تعالى في كتابه أن جعلها للأرض أوتاداً تثبتها ورواسي بمنزلة مراسي السفن وأعْظِمْ بها من منفعة وحكمة (١).
وقال شيخه ابن تيمية: والأرض يحيط الماء بأكثرها، والهواء يحيط بالماء والأرض، والله تعالى بسط الأرض للأنام وأرساها بالجبال لئلا تميد
стр. 217
كما تُرْسي السفينة بالأجسام الثقيلة إذا كثرت أمواج البحر وإلا مادت (١).
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت) (٢) فهذا الميدان والاستقرار لأن الأرض والمقصود اليابس منها خلق على الماء فهو يضطرب اضطراب السفينة الواقفة على ساحل البحر، ولذلك توضع عليها الأثقال لِتَسْكن.
والمتأخرون يزعمون أن وظيفة الجبال تثبيت الأرض عن الميدان أثناء الدوران وهذا باطل مبني على السديم الباطل.
ورحم الله ابن القيم حيث يقول: فلا تُتْعب ذهنك بهذيانات الملحدين فإنها عند مَن عرفها مِن هَوَس الشياطين وخيالات المبطلين، وإذا طلع فجر الهدى وأشرقت النبوة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) انتهى.
وأين ابن القيم يرى آيات كلام الله رب العالمين تُحْشَر حَشْراً وتُقْسَر قسْراً لمصاحبة هوس الشياطين وخيالات المبطلين؟.
ويقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ص٢/ ٥٧: إن دوران الأرض حول محورها يُشكّل تضاريس سطح الأرض، ثم ذكر بعض
стр. 218
الجبال وأنها تجمّعت لفترات طويلة من الزمن تصل إلى مئات الملايين من السنين، وبفعل النشاط النووي في باطن الأرض تعرضت هذه الرواسب لحركات رفع تكتونية أدّتْ إلى ظهورها على سطح الأرض على شكل طبقات رسوبية مُلْتوية متخذة شكل السلاسل الجبلية والهضاب العالية. انتهى.
إن دعوى بروز الجبال من باطن الأرض مبني على اعتقاد دورانها واعتقاد دورانها مبني على اعتقاد السديم واعتقاد السديم مبني على اعتقاد تكوينه الذرّي وكل هذا باطل سوف يظهر بطلانه بهذا الكتاب إن شاء الله غير ما تقدم.
والرب سبحانه خلق الجبال في الهواء وألقاها على الأرض لئلا تميد وتضطرب.
стр. 219
(قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ)
السير في الأرض لمعرفة كيفية بدء الخلق:
قال صاحب كتاب توحيد الخالق: (إن تحديد المنهج العلمي للبحث أمر في غاية الأهمية، وهذه الآية القرآنية: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ... ) تحدد لنا منهجاً علمياً لمعرفة كيفية بدء الخلق وتبين أنه لا بد لنا من أن نسير في الأرض باحثين ومنقبين، وأن معرفة تلك الكيفية التي بدأ بها الخلق تتوقف على سيرنا على الأرض، وهذا ما وجده الباحثون في هذا الزمان من أنه لا بد من دراسة عينات الصخور والمقارنة بين تركيبات الأرض المختلفة إذا أردنا أن نعرف بدء الخلق على الأرض فمن أخبر محمداً النبي الأمي ﷺ بكل هذا؟.
الجواب: ليس مراد الله بكلامه هذا الهذيان الذي ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق وإنما ذكر هذا لِينزل بمعاني القرآن إلى هذه المستويات الدنيئة الهزيلة السخيفة بل والباطلة، فما للمسلمين ودراسة عينات الصخور والمقارنة بين تركيبات التربة المختلفة؟.
لقد أراحنا الله من هذا العناء والضلال الذي ظهرت نتائجه عند أعداء الله فتكلموا بأصل الكون السديمي وأصل الإنسان القردي،
стр. 220
واتساع الفضاء الذي لا ينتهي.
قد علمنا من كلام ربنا وكلام نبينا ما يغنينا عن سلوك مسالك أهل الضلال سواء في بداية الخلق ونهايته وكل ما نحتاج إليه مما يُصلحنا من أمور ديننا ودنيانا، والشر لا يأتي بالخير والهدى لا يجيء من الضلال.
وانظر الآن كلام علماء السلف في هذه الآية وأمثالها يتبين لك الفرقان بين سبيل الرحمن وسُبل الشيطان.
قال ابن القيم ﵀: كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض، سواء كان السير الحسِّي على الأقدام والدواب أو السير المعنوي بالتفكّر والاعتبار، أو كان اللفظ يعمّهما وهو الصواب فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحلّ بالمخاطبين ما حَلّ بأولئك.
ولهذا أمر الله أولي الأبصار بالاعتبار بما حلّ بالمكذبين (١). انتهى.
وأخبر أن حُكم الشيء حكم مثله وذلك مما يوجب الحذر أن يحل بالمخاطبين ما حَلّ بمن قبلهم، فأين هذا مما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق أم أنه التلاعب بكلام الله وتصريفه تبعاً للهوى والضلال، وذكر ﵀ قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا).
стр. 221
(سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا) الآية
قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان:
* مما تُنبِتُ الأرض:
كان المعلوم لدى الناس جميعاً، أن الذكورة والأنوثة لا توجد إلا في الإنسان والحيوان فقط، أما في النبات فهو كسائر الجمادات لا يتصف بذكورة أو أنوثة، وبالرغم من أن زراع -مثلاً- يعلمون أن النخل لا يُثمر إلا إذا أُبِّر (لُقِّحَ) بضرب أجزاء الطلع بطلع نخلة أخرى، فإن ذلكم لم يكن يعني لديهم أي شيء غير أنها عادة، أثبتت التجارب نفعها، ولذلك نجد في الحديث الشريف قصة من هذا النوع، فعندما مر الرسول ﷺ بقوم يؤبرون النخل نهاهم عن ذلك فانتهوا، ولم يحتجوا على رسول الله ﷺ بقولهم: إن النبات مذكر ومؤنث ولا يتم الثمر إلا بالتلقيح (التأبير) بين المذكر والمؤنث، وكذلك الرسول ﷺ علمه البشري، يقصر عن إدراك الزوجية الموجودة في النخل لأن الأجزاء المذكرة والمؤنثة غاية في الصغر لذلك وجدناه ينهاهم، فلما جاء وقت الثمر لم تثمر النخل، فذهبوا يشكون أمرهم إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) (١) أي: إني لا أعلم بهذه الفنون الزراعية، وأنتم أعلم مني وليس ما
стр. 222
قلت وحياً من الله إنما هو رأيي البشري، وإذا كنا نرى نقصاً في علم الرسول ﷺ البشري في إدراك الزوجية في النبات فإن ذلك كان مجهولاً عند البشرية جميعاً حتى تقدمت أجهزة التكبير، وتقدم علم تشريح النبات وذلك نص ما جاء في الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) (١).
صاحب كتاب توحيد الخالق يغلو غلواً مُفرطاً بعلوم المعطلة وكشوفاتهم وهذا الخلط والتخبيط له أثر سيء على الشريعة الطاهرة النّقيّة بل هو تحول خطير عن طريق السلف الصالح التي هي إتباع الرسول ﷺ إلى طُرق مُحْدَثة تقوده إلى الضلال.
ومن فتنة صاحب كتاب توحيد الخالق وغلوّه بهذه العلوم وأربابها أن جَهّل سلف الأمة بأمور كثيرة وفي مواضع عديدة من كتاباته، والعكس صحيح فقد اسْتأثروا بالعلم النافع وحاز من قَلَّدَ الكفار الجهالة والضلالة.
أنظره هنا جعل الأمة جاهلة بذكورة النبات وأنوثته، وحتى تلقيح النخل وصفهم بأنهم يفعلونه عادة مع أنهم قبل أن يُخْلق صاحب كتاب توحيد الخالق وأرباب علومه يسمون ذكر النخل (الفحل) يعني الذكر.
стр. 223
والعملية التي يعلمونها بأخذ طَلْع الفحل ويُؤبِّرون به النخلة المؤنثة التي تحمل الثمر يسمونها عملية التلقيح يعني تلقيح الذكر للأنثى.
ثم يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق: لم تتعطل معايش الأمة قبل وجود هؤلاء المعطلة الذين إن أصابوا في شيء فهم كما وصف الله (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) كيف وخطؤهم فادح وضررهم في الدين والدنيا بيِّن واضح.
ووالله إن مجانيننا وعجائزنا لا يُقارَنون بمن يُسميهم المقلِّدة (علماء) إذ أنهم دهرية معطلة، والذين عرفوها من الصواب في هذه المخلوقات غايتهم فيه أن اكتشفوا بعض مخلوقات الله ، ولا نسبة لصوابهم مع ما ضلوا به وأضلوا.
إنهم لو عرفوا كل دقائق الكون المخلوق وعظائمه وعَدّوها وأحْصوها ووزنوها وعرفوا طولها وعرضها فإن غايتهم في ذلك معرفة السلفيات التي لم تأت بدقائقها الرسل ﵈ لئلا يشغلوا العباد عما خُلقوا له من عبادة ربهم وتعلّق قلوبهم وأرواحهم بالملأ الأعلى لا الجولان مع الديدان والذباب والكلاب والخنازير.
لقد ذَكَرَتْ الرسل لأممهم ما ينتفعون به في أمور معاشهم الذي هو وسيلة لمعادهم وما ألْهَوْهم وشغلوهم بدقائق تُفنى من أجل معرفتها
стр. 224
الأعمار وتكلّ الأفهام لأنها علوم غير نافعة وقد استعاذ ﷺ من علم لا ينفع، كيف وعلوم هؤلاء ضامنة للضلال.
إن عجائزنا ومجانيننا يعرفون ربهم ويدعونه ويعرفون من مجملات الشريعة ما لا يعادل أحدهم بملء الأرض من هؤلاء المعطلة الملاحدة أعداء الله ورسوله، ولقد أنزلهم خالقهم الخبير بهم منزلتهم اللائقة التي مهما رُفِعوا إلى غيرها لم يرتفعوا إلا عند من اتصف بقوله تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) والمنزلة التي أنزلهم الله بها هي: (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) وفي دعاء القنوت: (ولا يعز من عاديت) (١) إن النفخ بصور هؤلاء وعلومهم غِش للأمة ظاهر، ومن تَبَنَّاه وقام به فصفقته صفقة مغبون خاسر.
والمراد هنا أن الأمة كلها لو لم تعلم أن النبات مذكر ومؤنث فمعايشهم منتظمة، وقد وضعوا الدنيا موضعها التي وضعها الله ورسوله قال تعالى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية. وقال ﷺ : (ما لي وللدنيا) (٢) وأخبرنا أنها لا تساوي عند خالقها جناح بعوضة، وأنها جنة الكافر، وهذا يطول جداً وإنما المقصود أن تعظيم الكفار وعلومهم من المقلّدة أوْرث ذلاً نفسياً امتلأت منه القلوب وزَهّدَ الجهال بالعلم الذي هو العلم وهو الممدوح وهو غذاء القلوب ونعيم الأرواح وهو معرفة الإله
стр. 225
وعبادته والإقبال على طاعته باتباع نبيه الذي به تنشرح الصدور وتسْتنير القلوب، ولهذا خُلق الإنسان ونهايته إلى نتائج هذا العلم في الآخرة.
إن من يأكل رغيفاً أو تمرات أو شربة لبن ويحمد الله الذي رزقه وهو مسلم خير من مِلءْ الأرض من أعداء الله ورسوله من الكفار ولا يضرّ هذا المسلم أنه لا يعرف كيف يُخْبَز الرغيف ولا كيف ينمو الثمر ولا سبب تغير طعم اللبن ولا يعرف الميكروب ولا البكتيريا، ولا هذه الدقائق التي شُغِلَ بها من شُغِل لتحقيق قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).
إن المؤمن له مطلب سامٍ رفيع وله هِمّة عليّة وله بصيرة يتطلّع بها من خلال حجب الغيوب إلى ما أعَدّه الله لأوليائه من النعيم المقيم وما أعدّه لأعدائه من العذاب الأليم يرجو رحمة ربه ويخاف عقابه إنه عن الهذيانات في شغل شاغل وهمٍّ واغِل.
والمؤمن متأدب بتأديب ربه : (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ويعرف معنى قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وأن هذا التكريم يَرْبو به عن السفاسف.
قد هيؤك لأمر لو فطنتَ له ... فارْبأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
стр. 226
والمراد هنا التأبير، ليعلم صاحب كتاب توحيد الخالق أنه لم يتأدب مع رسول الله ﷺ ولا فهم الأمر على حقيقته فقوله: (وكذلك الرسول ﷺ علمه البشري يَقْصر على إدراك الزّوْجية الموجودة في النخل لأن الأجزاء المذكرة والمؤنثة غاية في الصغر لذلك وجدناه ينهاهم) فكونه لم يتأدب مع رسول الله ﷺ أنه وصف علمه البشري كما قال بالقصور.
وكونه لم يفهم الأمر على حقيقته وذلك زعمه أن النبي ﷺ نهاهم عن عملية التلقيح مع أنه لم ينههم كما يأتي إن شاء الله بيانه.
وصاحب كتاب توحيد الخالق يريد أن يُرَوِّج بضائع الكفرة البائرة الخاسرة بأنهم استأثروا بعلوم وكشوف تميّزوا بها عن سائر قرون الأمة حتى القرون المفضلة كما هو ظاهر من كلامه.
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق أيضاً من جملة قِلَّة أدبه مع رسول الله ﷺ : (فذهبوا يشكون أمرهم إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) ثم فَسَّر كلام النبي ﷺ هذا فقال: أي إني لا أعلم بهذه الفنون الزراعية وأنتم أعلم مني، وليس ما قلت وحْياً من الله إنما هو رأيي البشري ثم قال: وإذا كنا نرى نقصاً في علم الرسول ﷺ البشري في إدراك الزوجية في النبات فإن ذلك كان مجهولاً عند البشرية جميعاً حتى تقدمت أجهزة التكبير وتقدم علم تشريح النبات.
стр. 227
صاحب كتاب توحيد الخالق أراد بهذه المسألة ترويج بضائعه بالتكبير والتشريح وتحسين مسالك المعطلة المضلّة ويزعم أن البشرية جميعاً تجهل الزوجية في النبات حتى ظهرت هذه العلوم الحديثة.
وهذا الكلام من جنس قول سيد قطب: إن كروية الأرض لم تكتشف إلا حديثاً مع أن علماء السلف ذكروها قبل أن يوجد أهل العلم الحديث وذكروا الإجماع على أن الأرض على شكل الكرة، وليس لهذا كبير اهتمام فهو علم بوصف مخلوق.
والمراد هنا نفي صاحب كتاب توحيد الخالق عن البشرية جميعاً العلم بزوجية النبات وهذا نفْخٌ منه بصورة علومه الحديثة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والنبات جميعه إنما يتولّد من أصلين (١). انتهى. وهذه هي الزوجية.
قال ابن القيم ﵀: فصل: ثم تأمل هذه النخلة التي هي إحدى آيات الله تجد فيها من الآيات والعجائب ما يبْهرك فإنه لمّا قَدّر أن يكون فيه إناث تحتاج إلى اللقاح جُعلت فيها ذكور تلقحها بمنزلة الحيوان وإناثه ... انتهى (٢).
стр. 228
فهل كانت تجهل البشرية جميعاً هذا الأمر حتى كشفه المعطلة أم أنه التخرّص والافتتان بالغرب الكافر؟ ولا حاجة أن نكثر النقل والكلام في هذا فهو معروف.
والآن نعود إلى بيان أن النبي ﷺ لم ينْههم عن التلقيح.
قال ابن تيمية: وهو لم ينههم عن التلقيح لكن هم غلطوا في ظنّهم أنه نهاهم كما غلط من غلط في ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود. (١) انتهى.
وقوله ﷺ : (أنتم أعلم بأمور ديناكم) لا يعني هذا حرية التصرف في الأمور الدنيوية بلا ضابط ديني، وهو ﷺ لم يترك للأمة ذلك بل أحكم لها أمور الدنيا والآخرة ورَبَط هذه بهذه وتولى أمر هذه وهذه، يعرف ذلك من نظر أدنى نظر في أمره ونهيه وهَدْيه وهَدْي أصحابه الذين هم أعلم الناس به وأحرص الناس على متابعته.
ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق يُجَهِّل الأمة بفهم معاني القرآن ذكر ذلك في مواضع عديدة ويرفع قدْر علوم المعطلة بغلو عظيم وهوىً جارف فبعد أن قال في ص٣٥٢ توحيد الخالق: (وهناك آيات وألفاظ قرآنية لم تكن لتفهم حقيقتها حتى جاء التقدم العلمي) وقال عن القرآن
стр. 229
أيضاً: (وإن كان قد حدث جهل بفهم بعض ألفاظه ومعانيه) ثم ذكر من الأمثلة ما يأتي: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) .
قال: ومن أمثلة ذلك:
١ - قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).
فقوله تعالى: (وَهِيَ دُخَانٌ) أي أن السماء كانت دخاناً، وأن البحث العلمي الآن ليقول: إن أصل الأرض ونجوم السماء هي السُّدُم، والسدُم: عبارة عن غازات تعلق فيها بعض المواد الصلبة المظلمة، فليست كالنجوم مشِعّة مضيئة أليس أدَق وصف لذلك هو وصف (دخان) (١).
الجواب: تقدم ما يبين أن السُّدُم عند هؤلاء المعطلة هي أصل الوجود وأنها بلا بداية وأنها لا تفنى وأنها تدور وأن انفصال ما ينفصل منها بسبب الدوران وأنها مكوَّنة من الذّرات.
وهذا كله مخالف للآية لأن الدخان المذكور فيها حادث بعد أن لم يكن وهو بخار ماء كما تقدم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وليس (سُدُماً) وليس يدور، ولم ينفصل منه شيء على مقتضى عقيدة الدهرية، وإنما خلق الله الأرض ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلق السموات المبنية من هذا الدخان، وهذا أيضاً يفنى بخلاف مذهب الدهرية، وليس مكوّن من
стр. 230
الذرات المزعومة، بل هذه الذرات شابه بها المعطلة أهل الكلام من الجهمية ونحوهم الذين يقولون بالجوهر الفَرْد، وتقدم بيانه، وتأمل قول صاحب كتاب توحيد الخالق: وأن البحث العلمي الآن ليقول: إن أصل الأرض ونجوم السماء هي السُّدُم تعلم أنه ضال عن السماء المبنيّة حيث لا ذكر لها في علوم القوم بل هي عندهم لا وجود لها.
стр. 231
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) الآية
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق:
٢ - قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) قرّر علم الفلك الحديث بأن السماء لا زالت في اتّساع دائم سواء في تكوين مُدُن نجومية جديدة باستمرار أو في تباعد هذه المدن النجومية باستمرار.
الجواب: انظر ضلال صاحب كتاب توحيد الخالق كغيره من المقلِّدة عن السموات المبنية المحيطة بالأرض فالسماء لا زالت في اتساع يعني السُّدم فهي السماء عنده وعندهم، ولذلك وصفها بالاتساع الدائم وهو تكوين المدن النجومية بزعمه لأن السُّدُم هي التي تكوِّن عندهم النجوم بدورانها المستمر السريع الذي يسبّب انفصال النجوم وتباعُدِها.
ليُعلم أن هذه نهاية علوم أرباب العلم الحديث وأنها كما بدأت بالتعطيل انتهت إليه، ولذلك فإن صاحب كتاب توحيد الخالق لما فُتِن بعلومهم قاد من قلّده إلى هذه النهاية فالسماء فضاء واتساعها تكوين مدن نجومية وتباعدها باستمرار.
وهنا سؤال وارد ولا بد فيقال: أين السموات السبع المبنية؟ أين الكرسي؟ أين الجنة؟ أين العرش؟ أين الله؟.
стр. 232
ومن يكن الغراب له دليلاً ... يَمُرّ به على جِيَف الكلاب
قال ابن كثير في تفسير آية الذاريات: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا) أي جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً. (بأيد) أي بقوة: قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد.
(وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي قد وسّعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي. انتهى.
انظر قوله ﵀: أي قد وسّعْنا أرجاءها يعني السماء المبنية وأن هذا في الماضي لا المستقبل فقد وسّعها الرب سبحانه حين خلقها ولم تتغير لا باتساع زائد ولا ضيق، فالسماء الدنيا كرة محيطة بها، وهكذا كل واحدة محيطة بالتي أسفل منها؛ فالسموات والأرضين كرة واحدة سطحها سطح السماء السابعة ومركزها الأرض السابعة السفلى.
وهذه السموات في الغاية من حسن المنظر وبهائه وفي تفسير ابن كثير ﵀ في قوله تعالى في سورة الذاريات: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) قال: قال ابن عباس ﵄: ذات الجمال والبهاء والحُسُن والاستواء، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم.
стр. 233
وقال ابن كثير في وصف السماء المبنية:
فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء، مكلّلة بالنجوم الثوابت والسيارات، مُوَشّحة بالشمس والقمر والكواكب والزهرات.
فقد تبين أن تخبيط المتأخرين في هذه الآية كغيرها من آيات القرآن المغصوبة لمجارات علوم المعطلة وكشوفهم، فالسماء قدْ فَرَغَ الرب سبحانه من خلقها وقد وسّعها حين خلقها فهي باقية على خِلقتها الأولى.
أما الملاحدة ومن قلّدهم فلا يرشدونك إلى سموات مبنية وعالَم علويّ عجيب تسكنه ملائكة الرحمن وفوقه كرسي الرب وجنته وعرشه، ولا ذكر لهذا في علومهم وحسبك بهذا كفراً عظيماً وخَطْباً جسيماً.
فصاحب كتاب توحيد الخالق مُحَرِّف للكلم عن مواضعه حيث جعل توسعة السماء الكائنة في الماضي حين بناها الرب جعلها للمستقبل كذلك جعل السماء هي السّدم وتكوينها المدن النجومية وتباعدها المسْتمر فيا له من ضلال مبين.
стр. 234
(وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) الآية
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق:
٣ - قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) اكتشف (نيوتن) أن السماء قانوناً محكماً دقيقاً يُحكم أجرام السماء هو قانون الجذب وأن محصّلة هذا الجذب بين الكواكب هو الاتزان بينها (الميزان) ويعتبر اكتشاف الكوكبين (نبتون وبلوتو) نصراً للقانون الذي اكتشفه نيوتن، فباستخدام ميزان الجذب حدد الفلكيون مواقع لكوكب (أورانس) ولكن بواسطة الرصد وجدوا مواقعه مختلفة فافترض الفلكيون وجود كواكب أخرى تؤثر بجذبها لأورانس، وقد أمكن حساب مواقع الكوكب السيار نبتون في السماء من مقدار تأثيره على أورانس، وحدد الاتجاه الذي شوهد فيه بعد تقدم وسائل الرصد، تطبيقاً لقانون الجذب، وبالمثل في هذا الميزان أمكن اكتشاف السيار الآخر (بلوتو) فهل فُهِم الآن معنى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)؟! (١).
ما زال صاحب كتاب توحيد الخالق في قَسْر آيات القرآن وغصْبها لتجاري علوم المعطلة وكشوفهم فرَفْع السماء ووضع الميزان قانون الجذب
стр. 235
بين الكواكب واتزانها، فهل فُهِمَ الآن معنى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)؟ يا لها من جرأة على كلام الله، فهذا أيضاً مما يبيّن السماء عند هؤلاء أنها الفضاء والكواكب كما تبين مراراً، قال ابن تيمية: وجمهور المفسرين على أن المراد بالميزان العدل (١).
قال ابن كثير: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) يعني العدل كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) وهكذا قال ههنا: (أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) أي خلق السموات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل ولهذا قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) أي لا تبخسوا الوزن بل زِنوا بالحق والقسط كما قال تعالى: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) انتهى.
قارن بين ميزان (نيوتن) الذي ورثه صاحب كتاب توحيد الخالق وبين ما جاء عن السلف في معنى الميزان وتأمل التلاعب بالآيات.
أما تخبيطه فيما سمّاه كوكب (أورانس) و (نبتون) و (بلوتو) فهذا تابع لهذيان الملاحدة فيما يُسمونه: (المجموعة الشمسية) وتقدم الكلام عليها وعلى هذيان (نيوتن) في نظريته الخيالية التي جُعلت قاعدة لتكوين ما سموه (المجموعة الشمسية) وتجاذب الكواكب كلها والمجرات بزعمهم.
стр. 236
وليُعلم أن هذه النظريات لا تخرج من خيالاتهم المظلمة إلا إلى الأوراق والتمثيل في الأفلام المضلّة، أما الحقيقة التي عليها هذه المخلوقات فشيء آخر علمه ولله الحمد عند أهل الإسلام، ولقد تقاسم أرباب هذه العلوم الملحدة وأهل الكنيسة الخيالات المظلمة الإبليسية، فهؤلاء هذه خيالاتهم وأرباب الكنائس خيالاتهم في التثليث والصلبان، لعنة الله على الجميع.
стр. 237
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) الآية
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص٣٥٤:
٤ - قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) (١).
في هذه الآيات ألفاظ قرآنية كشف التقدم العلمي عن مقدار دقّتها:
أ- السماء بناها:
أثبت التقدم العلمي أن أجرام السماء كأحجار في بناء واحد يشد بعضه بعضاً، ويقوم كل على الآخر فإذا اختل النظام في جرم أو أجرام اختل البناء كله.
ب- رفع سمكها:
فلم يعرف الإنسان مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم فعرفنا أن السماء مرتفعة وليست قريبة كما يظن النظر المجرد.
стр. 238
أنظر كلام صاحب كتاب توحيد الخالق عن السماء وبنائها وكيف ضل عنها كأرباب العلوم الحديثة، فالسماء عندهم هي أجرام الكواكب يشد بعضها بعضاً بميزان الجذب كما تقدم.
أما رفع سمكها فمواقع النجوم يعني في الفضاء اللانهائي، وقد تقدم كلامه على قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) فجعل السماء كثرة المجرات والكواكب التي تكوّنها.
مع أن السمك هو غِلْظ البناء وكثافة جُرْمه، انظر فالله يقول: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) وصاحب كتاب توحيد الخالق يفسرها بأجرام السماء يعني كواكب العلو يشد بعضها بعضاً يعني بالجذب، والله يقول: (رَفَعَ سَمْكَهَا) وصاحب كتاب توحيد الخالق جعل سمك السماء المبنية هو ارتفاع النجوم، يا لَه من ضلال.
وقد قال من يسمى بأسماء أهل الوقت (الأستاذ الدكتور منصور محمد حسب النبي رئيس قسم الفيزياء في جامعة عين شمس) قال: إن العلم لا يعرف إلى الآن ما هي السموات والأرضون. انتهى. تأمل شارات هذا وعلمه.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه (المسائل الكافيّة في بيان وجوب صدق خبر رب البريّة) قال:
стр. 239
المسألة الخامسة عشر: السماء عقيدة المسلمين فيها أنها بناء عظيم وسقف لِما تحتها بلا عمد تُرى، ووصفها الله تعالى في كتابه العزيز بما ينطق بأنها بناء بالغ في الإتقان مثل قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ).
فمن قال واعتقد أنها جو وفضاء لا بناء واستمر مصممّاً على ذلك يكفر لتكذيبه الله تعالى في خبره (والسَّمَاءَ بِنَاءَ) وفي خبره (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) وفي خبره (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) وفي قوله: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا) وغير ذلك من الآيات الدّالة على أنها بناء محكم. انتهى (١).
أما سمك السماء فهو كثفها كما ورد في حديث العباس بن عبد المطلب وفيه: (وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة) (٢) وقد تقدم كلام ابن كثير على السموات وسمكها في تفسير آية سورة الرعد.
وقال ابن كثير في تفسير سورة النازعات:
стр. 240
(رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) أي جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مُكلّلة بالكواكب في الليلة الظلماء. انتهى؛ فسمك السماء هو غلظ بنائها وصاحب كتاب توحيد الخالق ليس عنده إلا كواكب سابحة في فضاء فإن قال: السموات السبع فوق، قيل له: إن أثبتّ السموات السبع كما وصف الله ورسوله علمتَ يقيناً أن علوم المعطلة وكشوفهم ضلال لا يجتمع مع الهدى وباطل لا يتفق مع الحق.
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق:
ج- (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا):
إن الأرض والشمس والنجوم كانت جميعاً شيئاً واحداً لا يتميز عليه ليل أو نهار، فلما حدث الانفصال وأخذت بعض الكواكب تبرد وتدور حول نفسها فببرودتها أصبحت معتمة وبدورانها أما الشمس والنجوم المضيئة تميز عليها النهار، كما تميز الليل، وهكذا تبين لنا دقة هذا التعبير. انتهى (١).
كلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا منكوس مبني على الانفصال الباطل، ولذلك جعل الأرض والكواكب تدور حول الشمس لانفصالها منها والرب سبحانه خلق الأرض أولاً ثم استوى إلى السماء فخلقها بشمسها وقمرها ونجومها، فالشمس تابعة للسماء خُلِقتْ معها.
стр. 241
أما إغطاش الليل وإخراج الضحى فهو حاصل بدوران الشمس على الأرض في السماء الكروية، وقد بينت ذلك في هداية الحيران والحمد لله وهو الحق الذي لا مِرْية فيه وهو معنى قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فقد ذكر سبحانه الليل والنهار والشمس والقمر وأنها تسبح في الفلك وهو السماء المحيطة بالأرض وسَبْحها دَوَرانها، ولم يذكر الأرض لدوران هذه الأربع عليها لا دورانها هي كذلك هو معنى قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) وهذا ناتج عن جريان الشمس في الفلك المستدير، فيتكوّر الليل والنهار على الأرض بالتعاقب.
أما قوله عن الكواكب أنها أخذت تبرد وتدور فهذا تابع لهذيان المعطلة وسديمهم المتخيَّل، وقد تبين فساد هذا الأصل المتخرَّص المظنون المتخيَّل الباطل.
стр. 242
(وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) الآية
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق: (١)
د- والأرض بعد ذلك دحاها:
دحاها: أي بسطها لتكون صالحة للإنبات ونفع الإنسان، ومن معاني الأدحية: البيض، ومن معاني دحا: دحرج، ويظهر أن الأرض عند انفصالها أخذت تدور وتتدحرج في مسارها ولا تزال تتدحرج وتتقلب وهي تجري في فلكها ومساره، فهل تلقى هذه الحقيقة العلمية أوضح معنى من قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)؟!.
الجواب: أدلة الكتاب والسنة والإجماع على أن الأرض ثابتة وقد بيّنت ذلك في (هداية الحيران) أما تدحرجها في مسارها وأنها لا تزال تتدحرج وتتقلّب وتجري في فلكها فمن أبطل الباطل، وأين الأرض والجريان في الفلَك؟ إنها في سفل العالَم قال تعالى: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) فالسماء مرفوعة والأرض موضوعة، وإنما تجري الشمس في فلكها، وذلك بدورانها في كرة السماء المستديرة على الأرض.
فكلام المعطلة ومن قلّدهم في دوران الأرض معكوس مقلوب.
стр. 243
أما مصدر الضوء الذي يُسَلّط على كرة متحركة بالدوران فهو تمثيل باطل يظهر بطلانه وينهدم بنيانه بإدارة مصدر الضوء نفسه على الكرة فيتعاقب الليل والنهار على أرض ثابتة ساكنة، كذلك فإن الفصول الأربعة تتغير بتغيّر مطالع الشمس ومغاربها فإن لها كل يوم مطلع ومغرب، وبذلك تختلف الفصول الأربعة، وفي (هداية الحيران) بيان ذلك والحمد لله.
стр. 244
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً) الآية
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً) قال: لقد أثبت التقدم العلمي أن ضوء الشمس من ذاتها فهي سراج، وأما القمر فليس ضوءه من ذاته إنما هو قد أُنير بضوء الشمس.
يقال لصاحب كتاب توحيد الخالق: إن تسمية فِتَن المعطلة تقدم علمي وإطلاق اسم العلم عليها بدون تقييد، كذلك إطلاق اسم العلماء على أربابها باطل وضلال، إنهم أضل من الأنعام.
أما تجهيل الأمة في مخلوقات الإله فهذا له نتائج وخيمة وعواقب أثيمة، والذي ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق هنا معروف عند الأمة قبل وجود الذي سماه (التقدم العلمي) وقبل وجود الذين يسميهم (علماء).
ثم الذي ينبغي أن يعلمه من فُتِن بهؤلاء أن علم أهل الإسلام ليس الانشغال وتضييع الأعمار ومَلءْ الدنيا بالعلوم الكوْنية والدقائق السفلية إنهم أعلى وأرفع وأجل وأكرم من ذلك لأن علمهم هو الوحي الذي أنزله خالقهم فما كان له صلة بهذا الوحي مثل النظر المجرّد بالمخلوقات
стр. 245
لزيادة الإيمان فهو مُيَسَّر لهم ولله الحمد، وقد حَصّلوا منه ما لا يحلم به أهل هذه العلوم ولا من قَلّدهم، وحتى في زماننا هذا جهله المسلمين وعوامّهم وعجائزهم وشيوخهم الذين بلغوا أرذل العمر عندهم من العلم بالمخلوقات ما ضَلّ عنه الملاحدة وأتباعهم وأضلوا عنه، فهذه السماء التي فوقنا يعرف مجانيننا أنها بناء وأن فوقها خالقنا، يكفي هذا أن تضمحل وتتلاشى علوم المعطلة وتذهب جُفاء بجانبه، حيث لا يعرفون سموات ولا خالق لعنة الله عليهم والملائكة والناس أجمعين حيث أنهم والله شغلوا العالَم بالضلال.
وعندما سأل النبي ﷺ الجارية أين الله: قالت في السماء قال من أنا قالت رسول الله فقال ﷺ أعتقها فإنها مؤمنة (١).
وقد رُوِّجت بضائعهم الخاسرة ونُفِخ في صُوَرِهِمْ وعلومهم وكشوفهم وهم عند المؤمنين لا يَعْدون قَدْرهم وموضعهم الذي وضعهم فيه رب العزة سبحانه: (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) نعم أضل من الأنعام لكن في هذا العصر صاروا بزعم من أضلّوه هُداة لأهل الإسلام.
والمراد أن أهل الإسلام ليسوا عالة على الكفار في معرفة الكونيات بل هم أعلم بها وأهدى سبيلاً، وأنا لن أُكلِّف نفسي في البحث عما ذكره السلف في شأن الشمس والقمر فأكتفي من طول البحث وإطالة الكلام بنماذج تكفي لبيان زيف الغلو بأهل هذه العلوم وتسمية علومهم المضلّة: (التقدم العلمي) فقد ذكر ابن القيم وهو في القرن السابع والثامن
стр. 246
كذلك شيخه قبل أن يُخلق هؤلاء بقرون أن القمر يستفيد ضوءه من الشمس فهذا ابن القيم لما شرح آية الكسوف في كتابه النفيس (مفتاح دار السعادة) قال: وأما سبب خسوف القمر فهو توسّط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعاً من اكتساب النور من الشمس، ويبقى ظلام ظل الأرض في ممرِّه لأن القمر لا ضوء له أبداً وأنه يكتسب الضوء من الشمس. انتهى (١).
وقد أخبر شيخه أن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار (٢) لِعِلْمه ﵀ أن جرم الأرض يحول بينه وبين الاستفادة من ضوء الشمس، وذلك لا يكون إلا ليالي الإبدار لتوسط جرم الأرض بين الشمس والقمر، ولا يحتاج أن أبحث عن كلام العلماء في ذلك وغيره الذين هم قبل شيخ الإسلام وتلميذه فيكفي في إبطال مزاعم صاحب كتاب توحيد الخالق ما نقلت عنهما، والعلم النافع في الدين والدنيا عند المسلمين.
وصاحب كتاب توحيد الخالق ما زال في تجهيل للماضين وغلوٍ بأعداء الله الملاحدة فقد قال في قوله تعالى: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا). قال: فمن الأرض يخرج ماء المطر، ولا يزال بعض الناس يظنون أن ماء المطر يسكب من خزانات في السماء.
стр. 247
الجواب: أهل الإسلام يعرفون هذا وهو مدوّن في كتبهم قبل أن تُخلق ويُخلق علماؤك.
قال ابن القيم ﵀:
فيُنشئ سبحانه السحاب وهي روايا الأرض ثم يرسل الرياح فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الأنثى.
وقال: فالله سبحانه ينشئ الماء في السحاب إنشاء وتارة يقلب الهواء ماء وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الأرض. انتهى المقصود (١).
كتاب ابن القيم (مفتاح دار السعادة) كتاب نفيس تكلم فيه عن المخلوقات على مقتضى الكتاب والسنة وما يوافقها من الأمور العقلية بكلام يفتح للعبد أبواب التفكر السليم الذي يزيده هداية إلى الصراط المستقيم بخلاف هذيان الملاحدة ومن قلّدهم.
ويقول صاحب كتاب توحيد الخالق: وماء البحار الأول كان جزءاً من الأرض نتج عن التفاعلات الكيماوية أثناء تَصَلّب القشرة الأرضية (٢).
الحذر من نظريات هؤلاء الملاحدة الضُّلال فإن صاحب كتاب توحيد الخالق مفتون بخيالاتهم، فكلامه مُتَفرِّع من نظرياتهم الخيالية
стр. 248
فقوله: أثناء تصلّب القشرة الأرضية هو على مقتضى زعمهم انفصال الأرض ودورانها وأنها كانت غازية فبردت وتكثفت، وكل هذا هَوَس بل الله سبحانه خلق الأرض بقوله (كن) فكانت كما هي، ولا مَرّت عليها ملايين سنين خيالات المعطلة وإنما هم يتكلمون عن كَوْن مُوجِدٍ لنفسه.
ولذلك اقترحوا وتخرصوا له نظريات خيالية كاذبة باطلة، وقد ضحك عليك وأضحك عليك العقلاء من أحالك إلى ملايين وبلايين السنين، وملايين وبلايين المجرات والسنين الضوئية، ولا والله ما تقول الحمير هذا لو نطقت.
وإذا كان هؤلاء لا يؤمنون إلا بالمحسوس فهل كان السديم لهم محسوساً وانفصال الأرض وغيرها منه وهل رأوا هذه التفاعلات الكيماوية التي نتج عنها ماء البحر أم أنه الهذيان؟.
стр. 249
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) الآية
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص٣٥٦:
وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (١).
(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) (٢).
فالآية الأولى تذكر أن هناك شيئاً آخر سيركبه الإنسان ويتزين به، سوف يخلق والناس لا يعلمون به، وأنه من جنس ما يركبه الإنسان ويتزين من خيل وبغال وحمير، وجاءت الآية الثانية تقول بأن الله قد أعد للإنسان مركوباً كذلك الفلك المشحون، هو (من مثله) وإذا تأمل الإنسان في وسائل النقل الأولى لا يجد شيئاً قد ركبه الإنسان يشبه الفلك المشحون فما هو إذن؟.
ولقد جاء التقدم العلمي بالجواب وعرفنا من وسائل المواصلات والزينة غير الخيل والبغال والحمير وعرفنا ما يشبه ذلك الفلك المشحون:
стр. 250
من قطارات وحافلات (باصات) وطيارات وبواخر، فعرفنا جزءاً من المقصود بقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ). وقوله سبحانه: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ).
ورأينا حديث رسول الله ﷺ عندما قال: (لتتركن القلاص فلا يسعى عليها) (١) وها قد حلت وسائل النقل الحديثة مكانها. انتهى.
صاحب كتاب توحيد الخالق يُؤوِّل القرآن ليصرف معانيه لمجارات هذه العلوم ورفع شأنها وتعظيم أمرها، والذي يضعه الله لا يرتفع والكفار ليس في أعمالهم مصلحة خالصة ولا راجحة.
هنا ذكر آية سورة النحل وأن التقدم العلمي جاء بالجواب عنها وتأويلها، وليس معناها كما تخرص هو وأمثاله.
قال ابن جرير ﵀: يقول تعالى ذِكره: ويخلق ربكم مع خلقه هذه الأشياء التي ذكرها لكم ما لا تعلمون مما أعدّ في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها ما لم تَرَهُ عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر، كذلك فسّرها القرطبي والبغوي. والحاصل أن هذه الآية كغيرها لا تطاوع الضلالات والأهواء وتُجاريها.
أما قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) فلابد أن تغصب هذه الآيات لتنقاد ولو أبت كغيرها.