← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36624

الفرقان في بيان إعجاز القرآن

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كذلك شيخه قبل أن يُخلق هؤلاء بقرون أن القمر يستفيد ضوءه من الشمس فهذا ابن القيم لما شرح آية الكسوف في كتابه النفيس (مفتاح دار السعادة) قال: وأما سبب خسوف القمر فهو توسّط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعاً من اكتساب النور من الشمس، ويبقى ظلام ظل الأرض في ممرِّه لأن القمر لا ضوء له أبداً وأنه يكتسب الضوء من الشمس. انتهى (١). وقد أخبر شيخه أن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار (٢) لِعِلْمه ﵀ أن جرم الأرض يحول بينه وبين الاستفادة من ضوء الشمس، وذلك لا يكون إلا ليالي الإبدار لتوسط جرم الأرض بين الشمس والقمر، ولا يحتاج أن أبحث عن كلام العلماء في ذلك وغيره الذين هم قبل شيخ الإسلام وتلميذه فيكفي في إبطال مزاعم صاحب كتاب توحيد الخالق ما نقلت عنهما، والعلم النافع في الدين والدنيا عند المسلمين. وصاحب كتاب توحيد الخالق ما زال في تجهيل للماضين وغلوٍ بأعداء الله الملاحدة فقد قال في قوله تعالى: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا). قال: فمن الأرض يخرج ماء المطر، ولا يزال بعض الناس يظنون أن ماء المطر يسكب من خزانات في السماء.

стр. 247

الجواب: أهل الإسلام يعرفون هذا وهو مدوّن في كتبهم قبل أن تُخلق ويُخلق علماؤك. قال ابن القيم ﵀: فيُنشئ سبحانه السحاب وهي روايا الأرض ثم يرسل الرياح فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الأنثى. وقال: فالله سبحانه ينشئ الماء في السحاب إنشاء وتارة يقلب الهواء ماء وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الأرض. انتهى المقصود (١). كتاب ابن القيم (مفتاح دار السعادة) كتاب نفيس تكلم فيه عن المخلوقات على مقتضى الكتاب والسنة وما يوافقها من الأمور العقلية بكلام يفتح للعبد أبواب التفكر السليم الذي يزيده هداية إلى الصراط المستقيم بخلاف هذيان الملاحدة ومن قلّدهم. ويقول صاحب كتاب توحيد الخالق: وماء البحار الأول كان جزءاً من الأرض نتج عن التفاعلات الكيماوية أثناء تَصَلّب القشرة الأرضية (٢). الحذر من نظريات هؤلاء الملاحدة الضُّلال فإن صاحب كتاب توحيد الخالق مفتون بخيالاتهم، فكلامه مُتَفرِّع من نظرياتهم الخيالية

стр. 248

فقوله: أثناء تصلّب القشرة الأرضية هو على مقتضى زعمهم انفصال الأرض ودورانها وأنها كانت غازية فبردت وتكثفت، وكل هذا هَوَس بل الله سبحانه خلق الأرض بقوله (كن) فكانت كما هي، ولا مَرّت عليها ملايين سنين خيالات المعطلة وإنما هم يتكلمون عن كَوْن مُوجِدٍ لنفسه. ولذلك اقترحوا وتخرصوا له نظريات خيالية كاذبة باطلة، وقد ضحك عليك وأضحك عليك العقلاء من أحالك إلى ملايين وبلايين السنين، وملايين وبلايين المجرات والسنين الضوئية، ولا والله ما تقول الحمير هذا لو نطقت. وإذا كان هؤلاء لا يؤمنون إلا بالمحسوس فهل كان السديم لهم محسوساً وانفصال الأرض وغيرها منه وهل رأوا هذه التفاعلات الكيماوية التي نتج عنها ماء البحر أم أنه الهذيان؟.

стр. 249

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) الآية وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص٣٥٦: وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (١). (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) (٢). فالآية الأولى تذكر أن هناك شيئاً آخر سيركبه الإنسان ويتزين به، سوف يخلق والناس لا يعلمون به، وأنه من جنس ما يركبه الإنسان ويتزين من خيل وبغال وحمير، وجاءت الآية الثانية تقول بأن الله قد أعد للإنسان مركوباً كذلك الفلك المشحون، هو (من مثله) وإذا تأمل الإنسان في وسائل النقل الأولى لا يجد شيئاً قد ركبه الإنسان يشبه الفلك المشحون فما هو إذن؟. ولقد جاء التقدم العلمي بالجواب وعرفنا من وسائل المواصلات والزينة غير الخيل والبغال والحمير وعرفنا ما يشبه ذلك الفلك المشحون:

стр. 250

من قطارات وحافلات (باصات) وطيارات وبواخر، فعرفنا جزءاً من المقصود بقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ). وقوله سبحانه: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ). ورأينا حديث رسول الله ﷺ عندما قال: (لتتركن القلاص فلا يسعى عليها) (١) وها قد حلت وسائل النقل الحديثة مكانها. انتهى. صاحب كتاب توحيد الخالق يُؤوِّل القرآن ليصرف معانيه لمجارات هذه العلوم ورفع شأنها وتعظيم أمرها، والذي يضعه الله لا يرتفع والكفار ليس في أعمالهم مصلحة خالصة ولا راجحة. هنا ذكر آية سورة النحل وأن التقدم العلمي جاء بالجواب عنها وتأويلها، وليس معناها كما تخرص هو وأمثاله. قال ابن جرير ﵀: يقول تعالى ذِكره: ويخلق ربكم مع خلقه هذه الأشياء التي ذكرها لكم ما لا تعلمون مما أعدّ في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها ما لم تَرَهُ عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر، كذلك فسّرها القرطبي والبغوي. والحاصل أن هذه الآية كغيرها لا تطاوع الضلالات والأهواء وتُجاريها. أما قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) فلابد أن تغصب هذه الآيات لتنقاد ولو أبت كغيرها.

стр. 251

فقول صاحب كتاب توحيد الخالق: وجاءت الآية الثانية تقول بأن الله قد أعَدّ للإنسان مركوباً كذلك الفلْك المشحون ثم ذكر وسائل المواصلات الحاصلة وأن هذا معنى قوله تعالى: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ). وقد قال ابن كثير: قال العوفي عن ابن عباس ﵄ يعني بذلك الإبل فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها، وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية وعبد الله بن شداد وغيرهم، وقال السدي: في رواية: هي الأنعام، وقال ابن جرير: حدثنا الفضل بن الصباح حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: أتدرون ما قوله تعالى: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ)؟ قلنا: لا. قال: هي السفن جُعلتْ من بعد سفينة نوح ﵊ على مثلها، وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضاً المراد بقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) أي السفن. ويُقوِّي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا: (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) انتهى ما أورده ابن كثير.

стр. 252

وكم وكم مما التمس له من نصوص الكتاب والسنة ما يؤيّده ويُحسنّه مما دخل على الأمة من أمور التشبه وغيرها، فالله هو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به، وبحث موضوع التشبه له غير هذا الموضع لأن موضع هذا الكتاب كله في ما يسمى بإعجاز القرآن. أما الحديث الذي ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق: (لتتركَنَّ القلاص فلا يُسعى عليها) وقوله: (وها قد حلَّت وسائل النقل الحديثة مكانها) فإنه من جنس تخرصه وقوله على الله وعلى رسوله بغير علم فالذي فِهمَهُ هو من الحديث أنه تعطيل ركوب النوق لأجل هذه المراكب الحادثة وهذا فهم خاطئ، فإن المراد بالحديث ليس تعطيل السعي عليها بتعطيل ركوبها والحمل عليها وإنما هو السعي عليها لجباية الزكاة (السعاية). والحديث رواه مسلم أن النبي ﷺ قال في نزول عيسى: (وتُتْرك القِلاص فلا يُسعى عليها). قال ابن الأثير: (يعني ترك الزكاة فلا يُسعى عليها بصدقة) فمعناه: لا يخرج ساعٍ إلى زكاة لقلّة حاجة الناس إلى المال واستغنائهم عنه وذلك زمن المهدي. وأحاديث المهدي ظاهر فيها أنه لا وجود لهذه المراكب الحادثة حيث أنهم يستعملون الخيول.

стр. 253

والحديث نفسه يدل على ذلك، فقد ذكر النبي ﷺ في أوّله نزول عيسى ﵇ ثم أخبر بما يكون في ذلك الزمان من كونه يحكم بالعدل ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ثم قال: (ولتُتْركن القلاص فلا يسعى عليها) يعني ذلك الوقت لأن الناس قد أغناهم الله وكثرت الأموال لديهم لوجود المهدي الذي يحثوا المال حَثْواً فلا يُسْعى على القلاص وهي الإبل الفتيّة يعني لا يخرج ذلك الوقت السعاة لجباية الزكاة. وأعجب ما وقفت عليه في شأن هذه المراكب المستحدثة ما نُقل في الخبر أنه قال: تهيج المركبات في الأزقّة، تتراكض في الساحات، منظرها كمصابيح، تجري كالبرق، انتهى. قال بعض المتأخرين في تعليقه على هذا الأثر: وهذا إليه المنتهى في وصف هذه السيارات انتهى. وليُعلم أن أشياء كثيرة ذُكر أنها تحدث عند اقتراب الساعة، وقد ذُكرت على سبيل الذم. وهذا من أتباع سنن أهل الكتاب حذو القذة بالقذة وشبراً بشبر وذراعاً بذراع التي وردت أخباراً مذمومة، مع أنها ستقع.

стр. 254

الوعيد على تفسير القرآن بالرأي قال ابن كثير في مقدمة تفسيره: فأما تفسيره القرآن بمجرد الرأي فحرام، ثم ذكر حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فلْيتبوأ مقعده من النار) (١). وذكر قول أبي بكر ﵁: (أيّ أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم). وعن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. وسأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة، فقال له ابن عباس: فما (يوم كان مقداره ألف سنة) فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. قال عبيد الله بن عمر: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن

стр. 255

المسيب ونافع، وروى الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد تبيّن بذلك أن من فسّر القرآن أو الحديث وتأوّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مُفْتَرٍ على الله، ملحد في آيات الله محرّف للكلم عن مواضعه. وهذا فَتْحٌ لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. انتهى (١). وقد فَسَّر صاحب كتاب توحيد الخالق وغيره هذه الآية وغيرها من آيات القرآن على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين. ونقل ابن القيم في (أعلام الموقعين) ١/ ٥٨ أن ابن عباس قال: من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة رسول الله ﷺ لم يَدْرِ ما هو منه إذا لَقي الله . ونقل أيضاً قول معاذ ﵁: (تكون فتن فيكثر فيها المال ويُفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن، فيقرأه الرجل فلا يتبع. فيقول: والله لأقرأنّه علانية. فيقرأه علانية فلا يتبع. فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب الله ولا من سنة

стр. 256

رسول الله ﷺ فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة). قاله معاذ ثلاث مرات. انتهى. كذلك فقد بيّن شيخ الإسلام أن من فسّر القرآن والحديث بغير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فإنه يُجَوِّز أن تكون الأمة مجتمعة على ضلالة في تفسير القرآن والحديث، وهذا عظيم، وأن يكون الله أنزل الآية وأراد بها معنىً لم يفهمه الصحابة والتابعون. انتهى (١). تأمل هذا الكلام والذي قبله وانظر ما خاض به المتأخرون من تفسير القرآن والحديث بما هو غير معروف عن الصحابة والتابعين وأن من نتائج ذلك تجْويز أن تكون الأمة مجتمعة على ضلالة في تفسير القرآن والحديث وأن يكون الله أراد بالآية معنىً لم يفهمه الصحابة والتابعون، ثم انظر ما تقدم وما يأتي من تفسير صاحب كتاب توحيد الخالق وغيره آيات القرآن والأحاديث على معاني محدَثة ليست على نهج الصحابة والتابعين بل ضلالة مُحقّقة وخيالات مُزَوَّقة، ففي ذلك تغيير معاني القرآن وما أُريد به وإضلال الأمة عنه. وتأمل هذا الكلام لشيخ الإسلام في شأن تفسير القرآن تعلم ما وقع فيه هؤلاء وذلك أن من قال: إن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث.

стр. 257

يقول شيخ الإسلام في هؤلاء: إنهم جَوَّزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وأن يكون الله أنزل الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون ولكن قالوا: إن الله أراد معنىً آخر. انتهى. تأمله فقد وقع فيه ما لا يحصى من الخلق، ويوضح ذلك ويُعظم خطره قوله ﵀: ولم يستشعروا أن المتأوّل هو مبيّن لمراد الآية مخبر عن الله تعالى أنه أراد هذا المعنى إذا حملها على معنى. انتهى (١). وحيث أن النبي ﷺ أمرنا باتباعه واتباع خلفائه الراشدين ونهانا عن الإحداث والتغيير والتبديل، وقد قال تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية. وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة فما ظن من زعم إعجاز القرآن بعدد حروف الآيات المتناظرة ونحو ذلك مما لم يذكره النبي ولا الصحابة مثل كتاب (المعجزة) الذي تكلف فيه صاحبه بما أحدثه مما لا يعهد للأمة به، فهل في بيان النبي والصحابة نقص حتى يكمله المتأخرون أم أنها الجرأة على كلام الله وانصراف القلوب عن تدبر معانيه إلى حساب حروفه؟.

стр. 258

وحيث قد تبين خطر القول على الله بغير علم في تفسير كلامه وتبين أن أمر هؤلاء الخائضين أخطر لأنهم مفسرون كلام الله بضلال أعدائه وخيالاتهم فمع هذا يغرهم الشيطان ويعدُهم ويمنيهم ولذلك يقول زغلول النجار: لأن التفسير يبقى محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الآيات القرآنية، وإن أصاب الإنسان فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. ويقول: وزماننا هو زمان العلم، ولذلك فكل الذين اجتهدوا في الماضي بذلوا أقصى ما يستطيعون وفتحوا الباب لمحاولة تفسير هذه الآيات الكونية بمعطيات العلوم لأن الاقتصار على البُعد اللغوي فقط لهذه الآيات الكونية لا يمكن أن يوصل لإبراز الجانب الإعجازي فيها بطريقة مقنعة ولا يمكن أن يوصل لفهمها فهماً صحيحاً ومن ثم فلا بد من توظيف العلوم. يقال لهذا وأمثاله: أما الأجر والأجران فأماني مفلس، ونحن نعلم يقيناً ولله الحمد أنكم بحاجة إلى من يدعوكم لا أن تتصدروا للخلق وما تَعَرَّضتم لتفسير كلام الله وتجرأتم على ذلك من صلاح وخير فيكم بل يعلم الموفق أن فعلكم هذا هو من العقوبات التي تعاقبون بها حيث أن فعل الذنب يكون عقوبة على ذنوب قبله، إن كلام الله أعظم من أن يُتلاعب به هكذا ويستهان به. ولقد كان السلف يتهيّبون أن يتكلموا في تفسير القرآن مخافة الزلل

стр. 259

وهم أهل العلم والتقى والصلاح ولا نقارنهم بكم فَنَقَع في أن (السيف أمضى من العصا). أما تسمية هذا الزمان زمان العلم فإعلان عن الجهل بالعلم، أما ما ذكر هذا من الاقتصار على البُعد اللغوي في الآيات الكونية وأنه لا يوصل للإعجاز ولا لفهمها فهماً صحيحاً فمعنى هذا أن السلف قصّروا في فهم القرآن وبيان إعجازه حيث لم يسلكوا هذه الطرق المظلمة وحاشا وكلا، ومن الذي قال: إن الأمة لا تعرف إعجاز القرآن سواء آيات الكون أو غيرها إلا الجانب اللغوي؟. إن آيات الكون هي الآيات المشهودة ولقد نظروا فيها بالنظر المجرد على مقتضى خبر الله وخبر رسوله ففُتح لهم من العلوم ومن زيادة الإيمان ما لا يُشاركون فيه، وتكلموا في التفكر وعظم فائدة ومنفعته لكن هذا بشرط أن يكون مُتَعلق التفكر والنظر حقائق ثابتة صحيحة يطابق الذهن فيها ما في الخارج، أما خيال الملاحدة فثمرة كفرهم وضلالهم والتفكر فيه يقود إلى الضلالة. وكيف يقول هذا: ولا يمكن أن يوصل إلى فهمها فهماً صحيحاً يعني إلا بهذه الطرق المحدَثة؟ فهل يقول: إن الصحابة ما فهموا آيات الكون وكذلك من تبعهم من أهل العلم والإيمان؟. وليعلم المتأخرون أن معاني القرآن لم تُتْرك لهم حتى يخوضوا هذا

стр. 260

الخوض والأمر والله عظيم. قال شيخ الإسلام ﵀: يجب أن يُعلم أن النبي ﷺ بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه (يُقال هنا: هل بيّن ﷺ معانيه كما يزعم هؤلاء بحيث يجاري علوم الفلاسفة والملاحدة؟ فإن قيل: هذه الأمور جاءت بعد النبي والصحابة، قيل: المراد أن معاني القرآن قد انتُهْي منها فبيانها بذلك ضلال مبين وتلاعب بكلام رب العالمين). ثم قال قدّس الله روحه: فقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) يتناوله هذا وهذا. (يعني يتناول اللفظ والمعنى). انتهى (١). وقال ﵀: ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ فمن خالف قولهم وفسرّ القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً. انتهى (٢). اعلم أنه بعد هذه التفاصيل لا يلتفت إلى شبه هؤلاء في تأويلهم كلام الله إلا مفتون حيث أن لهم شُبَه ولكنها داحضة، ولذلك قال شيخ الإسلام بعد الكلام السابق: ومعلوم أن كل من خالف قولهم (يعني السلف في التفسير) له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية. (يعني فلا يُلتفت إلى شبهته).

стр. 261

هل معاني آيات القرآن غير معروفة حتى يُبينها المتأخرون ؟ هذا السؤال وارد ولا بد ليكون الجواب عليه دافع بإذن الله للطوفان الغامر الذي ابْتُلْيَتْ به الأمة في نهاية عمرها. ليُعلم أن رسول الله ﷺ ما مات إلا بعد أن بيّن للأمة ما أُنزل إليها من ربها. قال ابن القيم ﵀ في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) ١/ ١١٧ قال في ردّه على الجهمية: الوجه السادس والأربعون: أنه سبحانه بيّن بأنه يُبين لهم غاية البيان وأمر رسوله بالبيان، وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبيّن للناس. ولهذا قال الزهري: (من الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) فهذا البيان الذي تكفّل به سبحانه وأمر به رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده أو المعنى وحده أو اللفظ والمعنى جميعاً. ولا يجوز أن يكون المراد بيان اللفظ دون المعنى، فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرسالة. وبيان المعنى وحده بدون دليله هو اللفظ الدّال عليه ممتّنع، فَعُلِم

стр. 262

قطعاً أن المراد بيان اللفظ والمعنى فكما نقطع ونعلم أن الرسول ﷺ بَيَّن اللفظ، فكذلك نتيقّن أنه بيّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ، وهذا هو الذي ينبغي فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود، وكيف يُتَيَقّن بيانه للوسيلة ولا يُتَيقن بيانه للمقصود، وهل هذا إلا من أبيْن المحال؟. فإن جاز عليه ألاّ يبين المراد من ألفاظ القرآن جاز عليه إلا يبين بعض ألفاظه. انتهى. تأمله فإنه قاطع لحجة هؤلاء الذي فسروا القرآن وزعموا بيان معانيه على مقتضى علوم المعطلة، إنه كلام مُبَرْهَن لا يُجادل فيه إلا مكابر معاند، كلام حجته فيه وهو شرعي عقلي ومع إيجازه فقد أكمل معناه، قدس الله روحه ورضي الله عنه. ووالله إن الأمر لفي غاية الخطورة أنْ حَسَّن الشيطان لأهل الوقت وسَهّل الكلام في معاني كلام الملك العلاّم، الذي لا يشبه كلامه كلام، كيف يُجعل مُصَدّقاً ومُؤيِّداً لخيالات مظلمة هي نَضْح أوَان قَذِرة من البرابرة الطغاة. قال ابن جرير الطبري ﵀ في (جامع البيان) ١/ ٧٨ - ٧٩ قال: فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 263

الذي جعل الله إليه بيانه قائل بما لا يعلم وإن وافق قِيلُه ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم قائل على الله ما لا علم له به. انتهى. إذا كان هذا فيمن وافق قوله كتاب الله الصواب فكيف بمن يقول فيه بالضلال والإضلال؟. ولا شك أن الذين تجرأوا على كلام الله وصرفوا معانيه مجاراة لعلوم الملاحدة حُرموا العلم به ووقعوا في أمر عظيم، وكم ممن يغتر بكلام الشعراوي وأمثاله عن القرآن. قال محمد متولي الشعراوي في (معجزة القرآن): وعطاء القرآن عطاء متجدد، وهذا العطاء هو استمرار لمعنى إعجاز القرآن، ولو أفرغ القرآن عطاءه كله في عدد من السنوات، أو في قرن من الزمان، لاستقبلته القرون الأخرى دون إعجاز أو عطاء، وبذلك يكون قد جمد، والقرآن لا يجمد أبداً، وإنما يعطي كل جيل بقدر طاقته، ولكل فرد بقدر همته، والقرآن فيه تفصيل كل شيء، فكلماته مفصلة تفصيلاً دقيقاً. انتهى. ويقال: ما هو العطاء المتجدد أهو كما زعمت في كتابك الذي سميته (فيض الرحمن في معجزة القرآن) أن الله في كل مكان ص٢٩٤، ٢٩٩، وهذا مذهب الجهمية، قال شيخ الإسلام: ومن ها هنا جعله كثير من

стр. 264

الجهمية حالاً في كل مكان، وربما جعلوه نفس الوجود القائم بالذوات أو جعلوه الوجود المطلق أو نفس الموجودات، فهذا كله من أبطل الباطل، وهو تعطيل للصانع ففيه من إثبات فقره وحاجته إلى العالم ما يجب تنزيه الله عنه. انتهى. يقول الشعراوي في ص٢٩٤ من فيْضه: والله موجود في كلا المكانين (يعني السماء والأرض) وفي كل مكان وزمان. وقال: وهذا دليل على أن الله موجود في كل مكان. وقال: في ص٢٩٩ من فيْضه: أن الله موجود في كل مكان يكلم نبياً وهو على الأرض ويكلم نبيه وهو عند سدرة المنتهى، ولوْ كان الله موجوداً في السموات وحدها ما كلّم نبياً على الأرض، ولو كان موجوداً في الأرض وحدها ما كلّم نبياً عند سدرة المنتهى. انتهى. وقد كتبت رداً عليه اسمه: (إقامة الحجة والبرهان على من زعم أن الله في كل مكان وفسرّ برأيه القرآن). فيقال له: أهذا إعجاز القرآن؟ وأنا أعلم أن من دخل في ضلالات الملاحدة في كلامه عن نشأة الكون وصفته أنه يضل عن ربه حيث لا يقدر على إثبات السموات السبع والعرش.

стр. 265

وليعلم هؤلاء أن عطاء القرآن المتجدد المستمر إنما هو لمن تأدب معه ووقف حيث أوْقفه، فكم في القرآن من الندب إلى النظر في ملكوت السموات والأرض، فهذا يزيد الإيمان بشرط أن تنظر بعلم مُسبّق وهو أن الله وصف السموات والأرض والكون كله كما خلقه فأنت تقرأ الآيات المتلوّة وتنظر الآيات المشهودة فترى ما يَبْهرك من عجيب صُنع الإله العظيم، وبهذا يكون النظر والتفكر بدليل مطابق للواقع في نفس الأمر بخلاف خيالات الملاحدة فأول نقد في ذلك لمتابعهم الضلال عن ربه ومكانه وسمواته وأرضه لأنه يبحثون عن مجهول لا يُعرف إلا بتعريف خالقه. إذن المؤمن ينظر ويتفكر بدليل ذهني وعقلي داخلي مطابق لوجود خارجي حِسِّي واقعي، فأي الفريقين أهْدى؟ ثم إن دليل المؤمن الذهني إنما هو سمعي فقد استفاده من وصف خالق الكون لمخلوقاته. وأما إعجاز القرآن فذكر القرطبي وابن جرير منها: (إعجاز القرآن): ١ - نظمه البديع. ٢ - أسلوبه. ٣ - الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال. ٤ - التصرف في لسان العرب.

стр. 266

٥ - الأخبار الغيبية في المستقبل. ٦ - الوفاء بالوعد. ٧ - الأخبار في أحوال الأمم الماضية. ٨ - علومه. ٩ - الحِكَم البالغة. ١٠ - التناسب في جميع ما تضمنه ظاهراً وباطناً من غير اختلاف. ١١ - التحدي بالإتيان بمثله أو عشر سور أو سورة مثله. وذكر العلماء غير ما تقدم من إعجاز القرآن لكن ليس في كلامهم ما يدل على هذا الضلال المبين. راجع ما شئت من تفسير صاحب كتاب توحيد الخالق للآيات التي تقدمت وما يأتي ترى كيف يترك الواضح البيّن في كلام السلف والذي هو الحق ويذهب إلى ما يشيه الأحاجي من أمور دقيقة بعيدة. فكلامه في قوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) مثل كلامه على غيرها مما خاض فيه بجهالة وضلالة.

стр. 267

الظلمات الثلاث وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص٣٥٧: وقوله تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (١). ما هي الظلمات الثلاث التي ينطوي داخلها الإنسان في بطن أمه من طور إلى طور؟. سؤال عرفت إجابته بدقة بعد أن تقدم علم التشريح وكشف أن الغشاء الذي يحيط بالجنين في بطن أمه ليس غشاء واحداً كما يُرى بالعين المجردة، وإنما هو أغشية ثلاثة هو الغشاء المنباري، والحزبون، والغشاء اللفائفي، وكل من هذه الأغشية لا يسمح بنفاذ الضوء أو الماء والحرارة، أفلا يكون بتلك الخصائص ظلمة وتكون جميعها ظلمات ثلاثً؟. انتهى. زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أن علم التشريح تقدم وكشف معنى الآية وأن الظلمات الثلاث هي التي ذكر عن المتبوعين والقول ما قالت حذامي، ومعلوم أن هذا باطل وقد تقدم، الكلام على تفسير القرآن

стр. 268

بالرأي وخطر مخالفة السلف، وقد نقل ابن كثير في تفسيره أن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد أنهم يقولون في قوله تعالى: (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ) أنها ظلمة الرِّحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن. انتهى. إن ما يفعله صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله في هذا الزمان جناية على كلام الله عظيمة وذلك بتغيير معانيه على مقتضى ضلالات وخيالات الملاحدة. وهذه الجناية أوْرثت ذلاً نفسياً للأتباع على غير بصيرة وأوْرثت تعظيماً لأعداء الله الكفرة حيث إنما تبيّنت وظهرت معاني القرآن على أيديهم بسبب علومهم وكشوفهم، ومن هذا عَزَف الكثير ممن فُتِنوا بهم عن المناهج السلفية، ومن هنا انفتح باب التنقص للصحابة والسلف بعدهم ولو لم يكن من بعض الناس بالمقال كان بالحال. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه طوائف من الضُّلال والمنحرفين ثم قال: (ثم إن هؤلاء مع هذا لم يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم بل ولا نُقل عن النبي ﷺ صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب وأنهم هم حقّقوا ما لم يحققه الصحابة).

стр. 269

ويقولون أيضاً: إن الرسول لم يعلمهم هذا لئلا يشتغلوا به عن الجهاد فإنه كان محتاجاً إليهم في الجهاد. وذكر كلاماً ثم قال: فهؤلاء جمعوا بين أمرين: بين أن ابتدعوا أقوالاً باطلة ظنوا أنها هي أصول الدين لا يكون عالماً بالدين إلا من وافقهم عليها، وأنهم علموا وبينوا من الحق ما لم يبينه الرسول والصحابة. وإذا تدبّر الخبير حقيقة ما هم عليه تبين له أنه ليس عند القوم فيما ابتدعوه لا علم ولا دين ولا شرع ولا عقل. انتهى. تأمله وطبّقه على ما حصل يظهر لك فضل علم السلف على الخلوف، وأن كلام الملاحدة في المخلوقات لا علم ولا دين ولا شرع ولا عقل. ثم قال شيخ الإسلام: وآخرون لما رأوا ابتداع هؤلاء وأن الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون مثل قولهم ظنوا أنهم كالعامة (يعني الصحابة والتابعين) الذي لا يعرفون الأدلة والحجج وأنهم كانوا لا يفهمون ما في القرآن مما تشابه على من تشابه عليه، وتوهّموا أنه إذا كان الوقف على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) كان المراد أنه لا يفهم معناه إلا الله لا الرسول ولا الصحابة فصاروا ينسبون الصحابة بل والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل وجعلوهم مثل أنفسهم لا يسمعون ولا يعقلون، وظنوا أن هذه طريقة السلف وهي الجهل البسيط التي لا يعقل

стр. 270

صاحبها ولا يسمع، وهذا وصْف أهل النار لا وصْف أفضل الخلق بعد الأنبياء (١). انتهى. لقد تشابهت القلوب فكثير من أهل وقتنا ينتقصون السلف وهم الناقصون المنقوصون والسبب في هذا التنقص أنهم لم يتعلموا مثل علومهم، كذلك يحتقرون ويزدرون من لم يحمل مثل شاراتهم المحدثة ويعتبرونه جاهلاً ولو كان على الاستقامة في دينه، ومعلوم أن هذا العيْب والثلب يتناول الصحابة والسلف.

стр. 271

شوائب الداروينية أما إذا انضاف إلى هذا ما دخل على كثير منهم من شوائب نظرية النشوء والارتقاء الداروينيّة فلا شك أن الأمر يكون أبلغ في التنقص للسلف الذي يقابله على هذا المقتضى ادّعاء الكمال للمتأخر حسب النظرية نفسها. وسوف أذكر نماذج لهذه الشوائب الداروينية: يقول صاحب كتاب (من أسرار عظمة القرآن الكريم) (وقد كان العقل البشري في أطوار نموِّه الأولى لا يرى شيئاً ببهره أقوى من المعجزات الكوْنية الحسّية، حيث لم يصل إلى النمو في المعرفة والتفكير. انتهى. (ص٨). أنظر قوله: (في أطوار نموه الأولى) هذا على مقتضى نظريات الغرب الكفرية من الداروينية ونحوها حيث يعتقدون تطوّر الكائنات وهو من أبطل الباطل. وما جواب هؤلاء إذ أُورِدَ عليهم شأن الرسول الكريم آدم أول البشر الذي سجدت له الملائكة وعلمه الله الأسماء كلها وأدخله الجنة هل كان عقله في أطوار نموه الأولى؟ كذلك نوح وإبراهيم وباقي الأنبياء

стр. 272

عليهم السلام ومن آمن بهم، هل كانت عقولهم في أطوارها الأولى؟ بُعْداً وسُحقاً. هذه عَدْوى علوم الملاحدة الكفرة، ومعلوم أن سَبّ الأنبياء كفر ووصْفهم بأن عقولهم بدائية كفر، كيف بمن ينسبهم إلى القرود كيف قاتل الله الملاحدة أعداء الله وأعداء رسله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام له: ومما يُشْبه هذا ظَنُّ طائفة كابن هود وابن سبعين والنفري والتلمساني: أن الشيء المتأخر ينبغي أن يكون أفضل من المتقدم لاعتقادهم أن العالَم مُتنقّل من الابتداء إلى الانتهاء كالصبي الذي يكبر بعد صِغَره والنبات الذي ينمو بعد ضعفه (١). هذا بعينه مذهب الداروينية فالعالَم عندهم مُتنقّل من الابتداء إلى الانتهاء، ولذلك سموا مذهبهم هذا: (التطور) (والنشوء والارتقاء) وانظر أسلاف الداروينية وأرباب هذه العلوم الحديثة إنهم أهل وحْدة الوجود، ولي كتاب بهذا الموضوع هو (وحدة الوجود العصرية) قال تعال: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) فأهل هذه العلوم هم ورَثة ابن سبعين والتلمساني وأضرابهم.

стр. 273

قيل لبعضهم: القرآن يخلف كلامكم. قال: القرآن كله شرك، يقصد أن القرآن فيه إثبات خالق ومخلوق وفرق وهم ليس عندهم إلا شيئاً واحداً هو هذه الموجودات. وقيل له: ما الفرق بين البنت والأجنبية؟. قال: لا فرق لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. والمراد أن هؤلاء المعطلة الملاحدة مثل أولئك، ولذلك قال عنهم ابن تيمية كلاماً ينطبق على هؤلاء الملاحدة تمام الانطباق في كلامهم في السديم والذرات والمجرات ونحو ذلك من الخيال. قال عن أهل وحدة الوجود ابن عربي والتلمساني وأمثالهم قال: ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوْهام، يتخيلون في نفوسهم أموراً يتخيلونها ويتوهّمونها، فيظنونها ثابتة في الخارج وذكر شيخ الإسلام ﵀ بعد الكلام السابق، أن كون من تأخر زمانه يكون أفضل ممن تقدم ليس عليه دليل وقال: بل إبراهيم الخليل قد ثبت بقول النبي ﷺ (أنه خير البريّة) (١) أي بعد النبي. وقال ﵀: وأصل الغلط في هذا الباب أن تفضيل الأنبياء أو الأولياء أو العلماء أو الأمراء بالتقدم في الزمان أو التأخر أصل باطل، وإنما هي من خيالاتهم، والخيال الباطل يتصوّر فيه ما لا حقيقة له. انتهى (٢).

стр. 274

قال تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ). قال صاحب كتاب (من أسرار عظمة القرآن): (فلما أوشك عهد بعثة الرسول ﷺ دخل العقل الإنساني مرحلة اكتماله وأخذت الأمم تسير قُدُماً في النضج الفكري) ص٨ انتهى. هذا الكلام مثل الذي قبله، ويلزم منه أن أهل العصور المتأخرة أفضل ممن قبلهم لأجل سنة التطور الباطلة وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (١) وبلا شك ولا ريب أن هذه الخيريّة في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة. فهذا ضد كلامهم، وقال الصغيّر: (واللغة تتطور كما تتطور المجتمعات) ص١٢ اللغة ليست تتطور ولا المجتمعات وإنما هذا خيال الملاحدة، وبعض أهل الوقت قد يتكلمون في مثل هذا الكلام تقليداً لغيرهم ولا يشعرون بما فيه من الدواهي.

стр. 275

خوض بجهل ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان: شُبهات وردُود: * كثرة الفاسدين: يقول بعض الجهلة: لماذا يرضى الله بوجود الأغلبية الكافرة من الناس؟ وإذا كان الإسلام هو الحق فلماذا لا يدين به أغلبية الناس؟ وقد يحاول بعض المضلين عناداً وحمقاً بقوله: إذا كانت الأغلبية ستدخل النار فأنا أحب أن أكون مع الأغلبية. ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق: والجواب: ابتداءً: من الخطأ اعتقاد أن الأرض مركز الكون، أو أنها شيء هام في هذا الملكوت، مع إجماع علماء الفلك على أن الأرض بين النجوم لا تساوي نقطة ماء في المحيط، وإذن فما قيمة كل من يعيش عليها في هذا الملكوت العظيم، وقد جاء في الحديث: (أنه لو كان الإنس والجن أولهم وآخرهم على أفْجَر قلب رجل منهم ما نقص من ملك الله شيء، ولو كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد في ملك الله شيء) (١) لأن الدنيا لا تساوي بأكملها عند الله جناح بعوضة. ولقد جاء في الحديث: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح

стр. 276

بعوضة ما سُقِي الكافر فيها شربة ماء) (١) وإذن ماذا ينقص في ملك الله لو كان في الأرض أغلبية كافرة؟. ولنتأمل في الأجيال السابقة: لقد فُنِيت من الدنيا فهل أنقص فناؤهم هذا من ملك الله شيئاً؟ وسيفنى بعدهم الآخرون (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) انتهى (٢). الجواب: اعتقاد أن الأرض مركز الكوْن وأنها أسفل العالَم هو الحق وأنا ولله الحمد بينت هذا في (هداية الحيران) وهذا اتفاق عند أهل الإسلام وإجماع منهم بلا منازع. وأما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق إجماع أهل الفَلك على أن الأرض بين النجوم لا تساوي نقطة ماء في المحيط فهذا هذيان مبني على خيالاتهم حيث يعتقدون الأرض كوكباً كسائر الكواكب وأنها تدور لانفصالها عن السديم المزعوم. وتصغير الأرض وأنها لا تساوي نقطة ماء في المحيط مبني على خيالات الملاحدة في المجرات الملايين والبلايين، وهذا هَوَس وقد تقدم بيان ذلك كله. قال تعالى: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) وهي المخلوقات، وكم يذكر الله الأرض في كتابه العزيز مُمتناً على عباده بجعله إياها ذلولاً لهم

стр. 277

ومهاداً وفراشاً وقراراً. وقد قال تعالى مبيّناً عظمته: (وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فلولا عظمها لما مَثَّلَ بها لِما يأخذ بيده سبحانه، وقد أسقط صاحب كتاب توحيد الخالق أهمية الأرض وصَغّر شأنها حيث قال: (أو أنها شيء هام في هذا الملكوت؟) لأنه تائه في خيال بلايين المجرات. قال ابن القيم ﵀ في (مفتاح السعادة) فصل: وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خُلقت رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشاً ومهاداً وذلّلها لعبادة، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السُّبُل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال فجعلها أوتاداً تحفظها لئلا تميد بهم، وَوَسَّع أكنافها، ودحاها فمدّها وبسطها، إلى آخر كلامه ﵀ (١). أما قوله: (وإذن فما قيمة كل من يعيش عليها في هذا الملكوت العظيم) فهذا يبين أن صاحب كتاب توحيد الخالق يخوض بكل واد وأن الكلام رخيص عليه وأنه يقحم نفسه في المضائق، وما عهدنا علماء السلف يتكلمون بالدين هكذا بالمجازفات والمغامرات والتخرصات، وكانوا يعظمون القول على الله بغير علم حيث عظمه الله قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ

стр. 278

الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) قال ابن القيم ﵀ في (أعلام الموقعين) ١/ ٣٨: فَرَتّب المحرمات أربع مراتب. وبدأ بأسْهلها وهو الفواحش ثم ثنَّى بما هو أشدّ تحريماً منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريماً منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم رَبَّع بما هو أشد تحريماً من ذلك، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعمّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه. انتهى. فجواب صاحب كتاب توحيد الخالق بهذا الكلام لِكْون الرب سبحانه يرضى بوجود الأغلبية الكافرة. خطأ فاحش ونسبة الرب سبحانه إلى ما ينزه عنه، والمعنى أنه يُعَذب أغلبية الناس لا لحكمة وإنما لأن ليس لهم قيمة عنده، وهذا قول على الله بلا علم وهو باطل أيضاً فالرب سبحانه حكيم وهو محسن في الأزل قبل أن يخلق الخلق فخلقهم لِيُفيض إحسانه عليهم وما خلق العباد للتعذيب بالقصد الأول، وإنما اقْتضت حكمته وجود من يعصيه ويخالف أمره لحكم تبهر العقول. وهذه مسألة كبيرة عظيمة وهي خلق الأشقياء وتعذيبهم، وقد تكلم السلف فيها بكلام رفيع من نظر فيه عرف الفرق بين علم السلف والخلوف. وقد تكلم ابن القيم ﵀ في مسائل كبيرة مثل الحكمة في خلق

стр. 279

إبليس والنار والكفر وغير ذلك من المسائل الجليلة التي لا تدرك إلا بعلم الكتاب والسنة دون خلط له بعلوم الفلاسفة ونحوهم مما خاض به المتأخرون ففي كتابه ﵀ النفيس (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) الجواب الشافي لمثل هذا السؤال. وقد ذكر في الباب الثاني والعشرين طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي فَعَلَ وأمرَ لأجلها، وقال: إنه أجلّ أبواب الكتاب. كذلك يقال لِصاحب كتاب توحيد الخالق: السؤال نفسه غلط فالرب سبحانه لا يرضى بوجود الأغلبية الكافرة من الناس فإنه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر، وإنما أراد ذلك إرادة كونية قدريّة لِحِكم باهرة، ولي كتاب فيه بعض البيان المقتبس من كلام هذا الإمام وشيخه وفيه كلام لهما عظيم بهذا الموضوع واسم الكتاب (الإنكار على من لم يعتقد خلود وتأبيد الكفار في النار) فيه أن تعذيب الكفار في النار اقتضته حكمة الحكيم سبحانه لا عبث عابث ولا تشفي مُتَشفي تعالى الله علواً كبيراً، وأن الكفر طارئ ليس بأصلي. وقد بينت في الكتاب المذكور حكمة تعذيب الكفار في النار وأنهم يخلدون فيها ويؤبّدون ويلبثون الأحقاب الطويلة لكن النار نفسها لا تدوم بدوام الله فهي ليست كالجنة لأن الجنة فضل والنار عدل ولا

стр. 280

يستوي فضل الرب وعدله. أما الخلود والتأبيد في لغة القرآن فلا يقتضي ذلك عدم النهاية بل المراد به لأهل النار المكث الطويل. وحيث أن الكفر طارئ دخيل ليس أصلي في المخلوق بل الأصلي التوحيد وهو الفطرة فمن هنا يُعلم أن الشر ليس إلا الله . وكلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا يُنَفِّر عن أرحم الراحمين الذي تغلب رحمته غضبه، والذي لا يتشفّى بالعذاب كالمخلوق، وإنما تعذيبه طُهْرَة للمُعَذَّب كالحدود في الدنيا والمصائب، ورب الدارين واحد، فالحدود كفارات والمصائب أيضاً وعذاب الآخرة من هذا الجنس فسنة الله وهي عادته لا تتغير لا في الدنيا ولا في الآخرة. وكلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا يدعو أيضاً إلى اليأس والقنوط وليس فيه تعليل أفعال الحكيم التي من عرفها أحَبّ ربه وأقبل على طاعته، وسوف أُرْفق هنا منظومة عنوانها (تعليل أفعال الجليل) فيها إشارة إلى هذا الموضوع وأن التعذيب في النار لم يصدر من الرب لمشيئة مجّردة كما يشير إلى ذلك صاحب كتاب توحيد الخالق، وهذا مذهب باطل، ولا لعدم مبالاةٍ بالخلق كما يُفهم من كلامه: (وإذن فما قيمة كل من يعيش عليها) بل الرب سبحانه حكيم رحيم فعله لا يخرج عن الحكمة والرحمة.

стр. 281

وقد خاض من خاض في هذه المسألة قديماً مثل الجهم بن صفوان فإنه لما اعتقد دوام النار مع الإله أنكر الحكمة والرحمة وصار هذا مذهباً يُتبع وهو أن الله يفعل بمشيئة مجرّدة وليس لأفعاله تعليل بالحكمة والرحمة لا سيما العذاب، وقد رَدّ أهل السنة هذا الاعتقاد الفاسد، وهذا الموضع لا يحتمل الإطالة.

стр. 282

(بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) الآية وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) (١). البنان: هي أطراف الأصابع وتسويتها هنا معناها: إعادتها إلى هيئتها الأولى، فأيهما أصعب: إعادة البنان أم إعادة العظام؟ قد يتساوى الأمر عند النظرة الأولى، ولكن إذا عرفنا أن لكل إنسان رسماً خاصاً لبنانه لا يشابه رسم لبَنان أي إنسان آخر، وقد استخدمت بصمات البنان في التعرف على الشخصية. انتهى. قول صاحب كتاب توحيد الخالق عن تسويتها أن معناها إعادتها إلى هيئتها الأولى غلط فليس هذا المراد بالتسوية هنا إنما هو كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية العوفي ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير: وأنه لو شاء تعالى لجعله خُفًّا أو حافراً، ذكره ابن كثير في تفسيره.

стр. 283

قال ابن القيم: لو شاء لَسَوّاها وجعلها طبقاً واحداً كالصفيحة انتهى (١). والرب سبحانه هنا جمع بين كمال قدرته على جمع عظام الإنسان ونعمته عليه بأنه جعل بنانه بهذه الصفة التي يتمكن بها من أغراضه ما لا يحصل بدونها مع تجميله بها. أما البصمات وإرادة التعرّف على الشخصية كما ذكر فليس هو المراد قطعاً وليست البصمات أبلغ في اختلاف الناس في خطوطها من صفاتهم الأخرى التي هي أظهر وأبين لكل أحد لا سيما في وقت نزول القرآن الذي ألْقى النبي ﷺ لصحابته معانيه كما ألقى لهم ألفاظه، وكان اهتمامهم بالمعاني أعظم من اهتمامهم باللفظ. إن اختلاف الخلق في صُوَر وجوههم وأصواتهم وجميع صفاتهم ظاهر بيّن وقد جعل سبحانه ذلك من آياته الدّالة على قدرته فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) الآية. فاختلاف اللغات والحلى التي هي الألوان ظاهر بل واختلاف نبرات الأصوات من شخص إلى آخر، وغير ذلك من عجائب قدرة الله. فلو كان الأمر كما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أن التسوية المراد بها الإعادة إلى الهيئة الأولى لكان ذكر إعادة صور الوجود على

стр. 284

هيئتها الأولى كذلك الأصوات أبلغ وأظهر لكل أحد، وخطوط أطراف الأصابع أمر خفي. وقطعاً فليس هو المراد، أما القدرة فصالحة لكل شيء فليس النزاع فيها ولا في اختلاف الخطوط في البنان من شخص لآخر، إنما المراد معنى الآية وكوْن القرآن يُطَوَّع على مقتضى أحوال الناس والزمان فيجاري أهوائهم ويُساير أغراضهم. وفي صفحة ٣٦٦ (توحيد الخالق) ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قول من يقول: (إن الإسلام رجعية) ثم تكلم عن الإسلام والرجعية بكلام حق وباطل وتمام عن معنى التقدم. وعلى كل حال فلصاحب كتاب توحيد الخالق أمثال كثيرون يقيسون الأمور بآرائهم بكلامهم في الدين حيث يسْتحسنون ما فُتِنَتْ به الأمة في هذا الزمان ويعظمون شأنه مما فُتح على أعداء الله استدراجاً وإضلالاً. والتقدم والتأخر حقيقتة ما قال سبحانه في كتابه العزيز: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) أي يتقدم بطاعة الله ورسوله أو يتأخر بمعصية الله ورسوله. وما أكثر الخوض في عصرنا في معاني أسماء مُحْدَثة وأمور مُحْدَثة بهوى جارف وعقل تالف.

стр. 285

ولقد بَهَرَتْ معجزات نبينا في هذا الزمان بوقوعها كما أخبر ﷺ مثل قبض العلم بموت العلماء فتظهر الرؤوس الجهال (١) وقد امتلأت اليوم منهم الأرض وهم الذين يقيسون الأمور بآرائهم فيستحسنون ما وافق أهوائهم وإن خالف الحق. وظهرت معجزات الرسول ﷺ في وقتنا جليّة ناطقة فقد أخبر إخبارات خرجت مخرج الذّم والتحذير لأمته فوقع تصديق ما أخبر به واتباعه كما أخبر بالوصف الدقيق (شبراً بشبر) و (ذراعاً بذراع) (٢) ونحو ذلك مما يبين شدة العناية بتحقيق اتباع سنن أهل الكتاب وغيرهم من الأمم. والمراد أن الكلام في الدين لم يكن هكذا كما حصل في وقتنا كُلٌّ يخوض بما شاء، فترى الشخص شُهد له أنه قد ارتفع مقامه وعَلَتْ مكانته فتراه فوق وهو لا يُحسن تثبيت قدمه على الدرجة الأولى.
следующие страницы →