وقد خاض من خاض في هذه المسألة قديماً مثل الجهم بن صفوان فإنه لما اعتقد دوام النار مع الإله أنكر الحكمة والرحمة وصار هذا مذهباً يُتبع وهو أن الله يفعل بمشيئة مجرّدة وليس لأفعاله تعليل بالحكمة والرحمة لا سيما العذاب، وقد رَدّ أهل السنة هذا الاعتقاد الفاسد، وهذا الموضع لا يحتمل الإطالة.
стр. 282
(بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) الآية
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) (١).
البنان: هي أطراف الأصابع وتسويتها هنا معناها: إعادتها إلى هيئتها الأولى، فأيهما أصعب: إعادة البنان أم إعادة العظام؟ قد يتساوى الأمر عند النظرة الأولى، ولكن إذا عرفنا أن لكل إنسان رسماً خاصاً لبنانه لا يشابه رسم لبَنان أي إنسان آخر، وقد استخدمت بصمات البنان في التعرف على الشخصية. انتهى.
قول صاحب كتاب توحيد الخالق عن تسويتها أن معناها إعادتها إلى هيئتها الأولى غلط فليس هذا المراد بالتسوية هنا إنما هو كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية العوفي ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير: وأنه لو شاء تعالى لجعله خُفًّا أو حافراً، ذكره ابن كثير في تفسيره.
стр. 283
قال ابن القيم: لو شاء لَسَوّاها وجعلها طبقاً واحداً كالصفيحة انتهى (١).
والرب سبحانه هنا جمع بين كمال قدرته على جمع عظام الإنسان ونعمته عليه بأنه جعل بنانه بهذه الصفة التي يتمكن بها من أغراضه ما لا يحصل بدونها مع تجميله بها.
أما البصمات وإرادة التعرّف على الشخصية كما ذكر فليس هو المراد قطعاً وليست البصمات أبلغ في اختلاف الناس في خطوطها من صفاتهم الأخرى التي هي أظهر وأبين لكل أحد لا سيما في وقت نزول القرآن الذي ألْقى النبي ﷺ لصحابته معانيه كما ألقى لهم ألفاظه، وكان اهتمامهم بالمعاني أعظم من اهتمامهم باللفظ.
إن اختلاف الخلق في صُوَر وجوههم وأصواتهم وجميع صفاتهم ظاهر بيّن وقد جعل سبحانه ذلك من آياته الدّالة على قدرته فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) الآية. فاختلاف اللغات والحلى التي هي الألوان ظاهر بل واختلاف نبرات الأصوات من شخص إلى آخر، وغير ذلك من عجائب قدرة الله.
فلو كان الأمر كما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أن التسوية المراد بها الإعادة إلى الهيئة الأولى لكان ذكر إعادة صور الوجود على
стр. 284
هيئتها الأولى كذلك الأصوات أبلغ وأظهر لكل أحد، وخطوط أطراف الأصابع أمر خفي.
وقطعاً فليس هو المراد، أما القدرة فصالحة لكل شيء فليس النزاع فيها ولا في اختلاف الخطوط في البنان من شخص لآخر، إنما المراد معنى الآية وكوْن القرآن يُطَوَّع على مقتضى أحوال الناس والزمان فيجاري أهوائهم ويُساير أغراضهم.
وفي صفحة ٣٦٦ (توحيد الخالق) ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قول من يقول: (إن الإسلام رجعية) ثم تكلم عن الإسلام والرجعية بكلام حق وباطل وتمام عن معنى التقدم.
وعلى كل حال فلصاحب كتاب توحيد الخالق أمثال كثيرون يقيسون الأمور بآرائهم بكلامهم في الدين حيث يسْتحسنون ما فُتِنَتْ به الأمة في هذا الزمان ويعظمون شأنه مما فُتح على أعداء الله استدراجاً وإضلالاً.
والتقدم والتأخر حقيقتة ما قال سبحانه في كتابه العزيز: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) أي يتقدم بطاعة الله ورسوله أو يتأخر بمعصية الله ورسوله.
وما أكثر الخوض في عصرنا في معاني أسماء مُحْدَثة وأمور مُحْدَثة بهوى جارف وعقل تالف.
стр. 285
ولقد بَهَرَتْ معجزات نبينا في هذا الزمان بوقوعها كما أخبر ﷺ مثل قبض العلم بموت العلماء فتظهر الرؤوس الجهال (١) وقد امتلأت اليوم منهم الأرض وهم الذين يقيسون الأمور بآرائهم فيستحسنون ما وافق أهوائهم وإن خالف الحق.
وظهرت معجزات الرسول ﷺ في وقتنا جليّة ناطقة فقد أخبر إخبارات خرجت مخرج الذّم والتحذير لأمته فوقع تصديق ما أخبر به واتباعه كما أخبر بالوصف الدقيق (شبراً بشبر) و (ذراعاً بذراع) (٢) ونحو ذلك مما يبين شدة العناية بتحقيق اتباع سنن أهل الكتاب وغيرهم من الأمم.
والمراد أن الكلام في الدين لم يكن هكذا كما حصل في وقتنا كُلٌّ يخوض بما شاء، فترى الشخص شُهد له أنه قد ارتفع مقامه وعَلَتْ مكانته فتراه فوق وهو لا يُحسن تثبيت قدمه على الدرجة الأولى.
стр. 286
كلام في القدر
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان: (التعذيب والكتابة في اللوح): ويقول بعض المرتابين: إذا كان الله قد كتب علينا في اللوح أننا سنعمل الشر فلماذا يعاقبنا على ما قد كتب علينا؟.
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق: والجواب واضح وهو أن علم الله السابق الذي كتب في اللوح لم ينزل إلى الأرض لإرغامنا على فعل الشر والخير حتى نحتج بهذا السؤال، فليس لعلم الله السابق وما كُتِب في للوح قوة تسوقنا مُكرَهين إلى فعل الأشياء، بل علم الله السابق صفة انكشاف لما سنعمل بحريتنا لا صفة تغير لأفعالنا، وكل إنسان منا يشعر تمام الشعور أنه يمارس عمله بحرية تامة؛ ويشهد بذلك ما في جسم الإنسان من عضلات إرادية تعمل تحت إرادة الإنسان، وعضلات لا إرادية هي تلك التي لا دخل للإنسان في توجيهها، كعضلة القلب، وعضلات المعدة، ولذلك لا ينبني على أعمال هذه العضلات اللاإرادية أي ثواب أو عقاب.
فإذا علمت أن شخصاً قد مشى إلى عمل من خير أو شر فهل علمك يؤثر فيما عمله الشخص المذكور؟ كذلك فإذا فعلت خيراً مثلاً،
стр. 287
وكتب شخص ما فعلت من خير، فهل يقول أي عاقل: إن تلك الكتابة هي التي أرغمتك على فعل الخير؟ كلا، إن كتابة الشخص ليست إلا تسجيلاً لما فعلت، والكتابة في اللوح ليست إلا تسجيلاً لما ستفعل باختيارك، وليس من فرق بين التسجيل لفعلك قبل حدوثه، والتسجيل بعد حدوثه إلا لذلك الفرق بين علم الله الواسع الشامل السابق، وعلم الإنسان المحدود اللاحق. انتهى (١).
كلام صاحب كتاب توحيد الخالق في القدر هنا خوض بلا علم بل بجهل وضلال، والخوض بشأن القدر حاصل في هذه الأمة والأمم قبلها، ومعلوم أن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان والكلام فيه مزلّة ومضلّة إلا من وُفّق للعلم به على مقتضى مذهب أهل السنة والجماعة.
فقول صاحب كتاب توحيد الخالق: (عِلم الله السابق الذي كتب في اللوح لم ينزل إلى الأرض لإرغامنا على فعل الشر والخير حتى نحتج بهذا السؤال فليس لِعلم الله السابق وما كُتب في اللوح قوة تسوقنا مكرهين إلى فعل الأشياء) كلام ركيك، حيث لم يجعل لعلم الله تأثيراً إلا أنه كاشف فقط حيث قال بعد ذلك: (بل علم الله السابق صفة انكشاف لما سنعمل بحريتنا لا صفة تغيير لأفعالنا) هذا كلام جاهل بالقدر،
стр. 288
فالعلم السابق ليس كاشفاً لما سيعمل العباد فهذا يُشعر بمذهب القدرية الذين يزعمون أن العبد يخلق فعله اسْتقلالاً بل علم الله الذي كتبه في اللوح مُقارن لإرادته سبحانه أن يقع هذا المعلوم كما أراد، فقط أن علمه وإرادته سبحانه متقدمة وقوع الفعل من العباد كما تقدم ذلك وجودهم، فإذا وُجدوا أظهر معلومة فيهم كما كتبه علماً في اللوح فعملوا على مقتضى ما عَلِم وأراد وكَتب، فهذه ثلاث مراتب: (العلم) و (الإرادة وهي المشيئة) و (الكتابة) بقيت مرتبة رابعة إذا علمها العبد واعتقادها يحل الإشكال ويتبيّن الحق من الضلال، وهي مرتبة (خلق الأفعال) وهذه مراتب القدر الأربع من لم يُحْكمها اضطرب في شأن القدر، فنفي أن يكون لعلم الله السابق قوة تسوقنا إلى فعل الأشياء، هذا من جنس مذهب القدرية.
أما قوله: (مكرهين) فنفيه الإكراه هنا يزيد الأمر وضوحاً وكأنّ العبد يفعل بإرادة وقدرة مستقلة وهذا باطل وهو مذهب القدرية.
وأهل السنة يثبتون خلق الله سبحانه لأفعال العباد وينفون أن يكون ذلك إكراهاً أو إرغاماً أو جبراً إذ العبد يفعل بقدرة واختيار وإرادة، فهذا يُخرجه من أن يوصف بأنه مكره ومجبر، والله سبحانه هو الخالق لفعله بأن جعله قادراً مختاراً مريداً، وهذا يخرجه من أن يوصف بأنه خالق لفعله.
стр. 289
فقوله: (لما سنعمل بحريّتنا، وقوله: وكل إنسان منا يُشعر تمام الشعور أنه يُمارس عمله بحريّة تامة) يُشعر أن العبد يخلق فعله وهذا إثبات خالق مع الله، وخلق الله لأفعالنا لا ينفي أننا نعمل بحريتنا واختيارنا إنما ينفي أن تكون هذه الحرية والاختيار اسْتقلالاً منا إذْ أن حرّيتنا واختيارنا مخلوق ذلك كله لله فيجعلنا نختار ما يُريد بحريتنا.
أما تشبيه صاحب كتاب توحيد الخالق إيقاع العبد عمله بالعضلات الإرادية وغير الإرادية ثم تمثيله بأن عِلْم شخص بعمل شخص ليس له تأثير بذلك العمل، هذا تشبيه علم الرب بعلم عباده وهو باطل والفرق أن الرب سبحانه يعلم ما سيفعله العبد لأنه قد أراده وعلمه وكتبه ويخلقه على مقتضى علمه وإرادته وكتابته ... أما علم الشخص بعمل شخص آخر فغير مؤثر بخلاف علم الرب سبحانه بعمل العبد فإنه سابق في التقدير مؤثر في الإيجاد.
فإذا قيل: هذا هو الجبر والإكراه والإرغام بعينه، قيل: ليس كذلك، فالمجبور مسلوب الإرادة والاختيار كالأشجار المحرَّكة بالرياح والمرتعش، أما العبد فيعمل بإرادة واختيار تخرجه عن مقام الجبر وإن كان الرب سبحانه هو خالق إرادته واختياره.
والمراد أن صاحب كتاب توحيد الخالق تكلم في علم الله السابق وكتابته وأهمل الإرادة وخلق الأفعال، وهذا تخبيط.
стр. 290
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق: وقد يسأل مرتاب قائلاً: إذا كان الله قد علم أني سأفعل شراً لماذا لم يمنعني عنه؟.
ثم قال: والجواب: لو عرف هذا المغرور حقيقة طلبه لكف عن الطلب، ولعَلِم بسخف اعتراضه على خالقه الحكيم.
إن السائل لهذا السؤال يريد من الله أن يجبره على فعل الخير، وترك الشر، ومعنى ذلك: أن يسلب الله الإنسان أهم الخصائص الإنسانية، وهي خاصة الإرادة التي تفعل بها ما تشاء لأن الله إذا أرغم الإنسان على فعل الخيرات، وترك الشرور، فذلك معناه: سلب الإرادة والاختيار وتحويل الإنسان إلى آلة كالجماد الذي يتحرك دون إرادة منه أو تدبير، ولقد كرَّم الله بني آدم بمنحهم الإرادة وحرية الاختيار، وإن كان سبحانه يعلم ما سيفعل الخلق إلا أنه لم يشأ أن يعذبنا على ما يعلم منا، بل شاءت إرادته أن يكون الجزاء بعد فترة يظهر فيها العمل، وتشهد به الأرض والملائكة والجوارح والثقلان بما لا يبقى معه أي سبيل للإنسان إلى تكذيبه أو إنكاره، وهل يستطيع كافر اليوم أن ينكر أنه يمارس أعماله بغير إرادة منه؟! وهل يستطيع كافر أن ينكر علم الخالق بما خلق؟ (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١).
стр. 291
(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (١). (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (٢). وما علينا إذا لم يقتنع المعاندون بعد ظهور الحق الأبلج، فقد قال تعالى لمحمد ﷺ : (إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ) (٣). (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (٤). فيفترون بقولهم: إذا كان الله يهدي من يشاء فلماذا يعذبنا وقد أضلّنا؟ ولوْ تدبّر هؤلاء الزائغون آيات القرآن لوجدوا الجواب واضحاً جلياً، ولعلموا أنه لا سلطان لأحد على ربه، وأن معنى ذلك: هو أن الله يفعل ما يشاء لا ما يشاء غيره، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء لكن ربنا هو العدل الحكيم سبحانه فلا يهدي إلا من عمل ما يستحق به الهداية، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً) وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) كما أن مشيئة الله العامة لا تُضل إلا من يستحق الضلال، قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). انتهى (٥).
صاحب كتاب توحيد الخالق في جوابه هذا الطويل مثل كلامه المتقدم اقتصر على الكلام في المشيئة والعلم وليس يذكر خلق الأفعال وهو
стр. 292
مذهب أهل السنة في القدر، وللبخاري ﵀ صاحب الصحيح كتاب في خلق الأفعال، ولا يمكن أن تحصل معرفة القدر إلا بمعرفة مراتبه الأربع، وقد تقدم ذكرها، وكل مرتبة منها عليها أدلّة الكتاب والسنة كالشمس.
فقول السائل: إذا كان الله قد علم أني سأفعل شراً لماذا لم يمنعني منه؟ هذا من جنس ما ذكر الشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل) قال: إعلم أن أول شبهة وقعت في الخلق شبهة إبليس، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الرأي، واستكباره بالمادة التي خُلق منها، وهي النار على مادة آدم، وهي الطين.
وتشعّبت عن هذه الشبهة سبع شبهات: صارت هي مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع عنه.
ثم قال في الشبهة الأولى: قد عَلِم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل، فلِمَ خلقني أولاً؟ وما الحكمة في خلقه إياي، ثم ذكر الشهرستاني باقي الشبه.
стр. 293
وقد أوردها ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) (١).
قال ابن القيم: فهذه القصة في المناظرة هي نقل أهل الكتاب، ونحن لا نصدقها ولا نكذبها، وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس، وعلى كل حال فلا بد من الجواب عنها سواء صدرت عنه أو قيلت على لسانه فلا ريب أنها من كيده، وقد أخبر تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب مَوْقعها عند من أصّل أصولاً فاسدة كانت سَدّاً بينه وبين ودّها، وقد اختلفت طرق الناس في الأجوبة عنها.
فقال المنجمون وزنادقة الطبائعيين والفلاسفة: لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيء من ذلك، بل لم يزل الوجود هكذا (إعلم أن أرباب العلوم الحديثة هم ورثة هؤلاء).
ولما ذكر قول هؤلاء ذكر قول الجبرية والقدرية ثم قال: وقالت الفرقة الناجية حزب الله ورسوله، ثم أتى ﵀ بعلم قد لا يُوَفق له كل أحد فمن أراده فليراجعه في موضعه.
والقصد هما أن الشبهة التي أورد صاحب كتاب توحيد الخالق هي ميراث إبليسي، فالرب سبحانه خلق الخلق وقَدّر سعادتهم وشقاوتهم قبل
стр. 294
خلقهم وهو أعلم بمن يصلح للهدى ممن لا يصلح وهو حكيم في كل ما يفعل.
والإحتجاج بالقدر مردود وهو ميزان إبليسي فقد قال إبليس: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) أما آدم ﵇ فقال: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فمن احتج بالقدر على معصيته إلتحق بإبليس، ومن أقرّ بظلمه لنفسه إلتحق بأبيه آدم ﵇، لأن القدر يؤمَن به ولا يُحْتج به فقوله: لماذا لم يمنعني؟.
يُقال: الرب سبحانه لم يُجْبرك حتى تقول: لماذا لم يمنعني؟ بل أعطاك إرادة واختياراً ففعلت ما فعلت بإرادتك واختيارك، صحيح أن إرادتك واختيارك كل ذلك مخلوق، ولكنه يُخرجك من أن تكون مُجْبراً على فعلك، والقدر سِرّ الله في خلقه، وقد اسْتأثر منه بعلمٍ ما اطّلع عليه ملَك مقرّب ولا نبي مُرْسَل.
ولو كنتَ صادقاً في عبوديتك لإلهك الحق لعلمتَ أنه لا يَتَوَجّه إليه الاعتراض، فهو سبحانه أحكم الحاكمين.
وهو سبحانه أراد إرادة كونية قدرية أن تفعل الشر لعلمه فيك السابق وحكمته التي يضع فيها الشيء مَوْضعه.
стр. 295
وأراد إرادة دينية أن تفعل الخير لكنك غير قابل لذلك، وبما أنه خلق نفسك ونفوس البشر كلهم متحركة بالإرادة، فالتي لا تتحرك بإرادة الخير لا بد أن تتحرك بإرادة الشر.
والكلام بالقدر ليس هو موضوعنا هنا لكني رأيت صاحب كتاب توحيد الخالق لم يُحسن جواب تلك الشّبه فأشرت إلى ذلك إشارة، ومن أراد الشفاء في شأن القدر فعليه بشفاء العليل.
стр. 296
الجنة عرضها السموات والأرض فأين النار ؟
قال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص٣٧٠:
قال: وهذه شبهة أخرى تقول: إذا كان الله قد وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض، فأين النار؟.
ثم قال: والجواب: في مكان آخر يعلمه الله، ألا ترى أنه إذا جاء النهار ذهب الليل الذي كان يملأ الآفاق إلى جهة أخرى. انتهى.
الجواب: صاحب كتاب توحيد الخالق لا يعرف موضع الجنة وموضع النار لأنه مفتون بعلوم الغرب التي مُسَلَّماتها عنده وعند أمثاله أن الأرض تدور لأنها منفصلة بِفِعل دوران السديم المزعوم.
ودوران الأرض لا يتّفق معه إثبات علو وسفول للكون لأن الذي يكون في وقت عالٍ يكون في وقت آخر سافل، وهكذا باستمرار.
فكيف يتفق لمن هذا اعتقاده معرفة الجنة والنار على الحقيقة بل والسموات وهو لا يثبت عنده علو ولا سفول للكون ثابتاً.
أما من يعتقد ثبات الأرض وسكونها فعلو الكون وسفوله ثابت عنده لا سيما وهذا من مهمات اعتقاده حيث معرفته بربه سبحانه وعلوّه وفوقيته فطرة وشرعة يتعبد بذلك إلهه ويتطلبه قلبه، فهو يطلبه فوقه دائماً
стр. 297
كما أخبر سبحانه عن نفسه وأخبر بذلك عنه رسوله الكريم ﷺ .
وعلوم الغرب مبنية على الضلالة، فمن أول خطوة إلى آخرها لا وجود للرب ولا ذِكر له ولا بإسمه (١) فضلاً عن العلم بعلوه ومكانه سبحانه ومكان الجنة ومكان النار، إن فاقد الشيء لا يعطيه، والهدى لا يدرك بمسالك الضلالة، والشر لا يأتي بالخير.
والمراد أنه إذا كان عرض الجنة السموات والأرض فليس معناه أنه تشغل حيِّز السموات والأرض وتملأ فراغ السموات والأرض وإنما المقصود أن مسافة عرضها كمسافة عرض السموات والأرض فهذا مُراد منه تقدير السِّعة لا شغل الحيِّز.
وبما أن الجنة فوق السماء السابعة وسقفها عرش الرحمن، وبما أن السموات كروية فسماؤنا الدنيا هذه الأرض في وسطها كالنقطة في الدائرة لكن بما أن هذه الأجسام كروية فيقال في وسطها وجوفها أوضح من أن يقال: كالنقطة في الدائرة، ثم السماء الدنيا في جوف الثانية وهكذا.
فإذا علمت أن المسافات بين كل سماء وسماء كما بيننا وبين السماء الدنيا تبين لك سعة العالَم العلوي لا سيما ما فوق السماء السابعة وهناك
стр. 298
الجنة والجنة درجات فيها مائة درجة ما بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض.
والجنة وإن كانت درجات آخذة في العلو فهي كما وصف ابن القيم ﵀ فدرجاتها كما يكون الجبل العظيم المنبسط فالجنان المرتفعة يوصل إليها كالصعود على الجبل الذي على أكنافه البساتين، كذلك النزول من الدرجات العلى إلى ما هي أسفل كالنزول من الجبل الذي تقدم ذكره هذا تقريب لبيان أن ليس درجاتها كالدار التي غرفها فوق بعض بالتساوي.
وبما أن الجنة فوق السماء السابعة فلا تسأل عن سعتها، فإذا كانت الأرض في جوف كرة السماء الدنيا فهي صغيرة بالنسبة إليها إذ السماء الدنيا محيطة بها من كل الجهات فكيف بسعة السماء الثانية، وهكذا.
فسعة العالَم العلوي عظيمة، لكنها شيء وهذيان الملاحدة شيء آخر حيث أن السّعة عندهم إلى ما لا نهاية.
وعرض الجنة ذكره الرب سبحانه في سورة (آل عمران) قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) وفي سورة (الحديد) قال تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الآية.
والقرآن يفسر بعضه بعض فقوله تعالى: (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
стр. 299
وَالأَرْضُ) يفسّره قوله تعالى: (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).
فهذا قياس ظاهر بهذا التحديد (كعرض).
أما النار فهي أسفل سافلين وهو سجين وهو الأرض السابعة السفلى.
أما إن صَحّ عن النبي ﷺ : (فأين الليل إذا جاء النهار) (١) فهو جواب فَهِمَ السائل منه المراد.
وليس هناك تعارض بين وجود النار وكون الجنة عرضها السموات والأرض، والنار ليست في السماء.
قال ابن كثير: والصحيح أن سِجِّيناً مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتّسع، فإن الأفلاك السبعة (هي السموات) كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة.
ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وقال ها هنا: (كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وهو يجمع بين الضيق والسفول، إلى آخره، من تفسير ابن كثير.
стр. 300
(لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ)
ثم تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق عما سماه: (الإسلام وغزو الفضاء) قال: يرى بعض الجهلة أن محاولات الإنسان لغزو الفضاء فيه زعزعة للدين، وتمرد على الخالق الذي أوجد الإنسان، كما يرون أن هذه المحاولة لم تكن في حساب الدين ولم يشر إليها مطلقاً، الأمر الذي يوجد الحيرة في نفوس المتدينين القاصري الفهم؛؛ فلا يدرون كيف يحددون موقفهم أمام هذه المحاولة!! والواقع أن تطلع الإنسان إلى استكشاف هذا الكون ليس فيه ما يزعزع العقيدة الصحيحة في نفس الإنسان، وليس تمرداً على دين الإسلام بل إن فيها -في الحقيقة- معجزة لنبيه ﵊ وتصديقاً لما جاء في كتابه العزيز عن إحاطة علم الله سبحانه بكل ما كان وسيكون من أمر الإنسان قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ) (١) وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ) (٢).
стр. 301
فإذا عرفنا أن النجوم لا تزال في مجال السماء الدنيا أي السماء القريبة من الأرض، وإذا عرفنا أيضاً أن علم الإنسان لا يزال محصوراً في نطاق النجوم التي هي زينة السماء الدنيا، وأن المحاولات مستمرة في اكتشاف نجوم جديدة مهما كبَّر الإنسان أجهزة الرصد لديه -مع العلم أن بيننا وبين بعض هذه النجوم مسافة لا يقطعها الضوء إلا في ستة بلايين سنة ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلثمائة ألف كيلو متر- فإذا عرفنا هذا وتأملنا القرآن الكريم وجدناه يخبر -قبل أربعة عشر قرناً- بأن الإنسان سيحاول النفوذ والخروج من أقطار السموات والأرض، كما حاول الجن من قبلهم ولم يستطيعوا تجاوز المنطقة الحرام التي يسترقون فيها السمع من الملأ الأعلى، وأشار القرآن إلى أن المحاولة لن تكون إلا عندما يكون لدى الإنسان سبب يمكنه من النفاذ ووسيلة بها يصعد في السماء وليس ذلك السبب أو الوسيلة إلا نعمة من نعم الله. قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ) انتهى (١).
ثم ذكر صاحب توحيد الخالق كلاماً بعد أن ذكر قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ذكر فيه أن القرآن أخبر أن المحاولة ستكون فِعْلاً، يعني محاولة ما سماه (غزو الفضاء) وذكر أن القرآن أول من
стр. 302
أخبر عن احتمال أو إمكان غزو الإنسان للفضاء في وقت كان فيه الغزو أمراً مستحيلاً، مما يشهد شهادة قاطعة بأن هذا القرآن وحي الله الذي يعلم السّرّ في السموات والأرض.
فقوله: يرى بعض الجهلة أن محاولات الإنسان لغزو الفضاء فيه زعزعة للدين وتمرّد على الخالق.
يقال له: كلمة غزو الفضاء كلمة خبيثة فالذي فوق الأرض هو المسافة بين السماء المبنية وجرم الأرض وفوق ذلك السموات التي فيها ملائكة الرحمن وفوق السماء السابعة الجنة والعرش وفوق العرش الرب سبحانه وبحمده.
وكلمة (غزو) تستعمل لمحاربة الأعداء فإذا رام الإنسان الصعود إلى فوق وسمّى ذلك غزواً فتلك شيطنة إنسيّة، أما الفضاء فهو في كلام هؤلاء كما تبين هو ما فوق إلى ما لا نهاية.
أما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أن بعض الجهلة يروْن في غزو الفضاء زعزعة للدين، فكوْنهم جَهَلَة بميزانك لأنهم ينكرون هذا الغزو المنكَر فالأمر ولله الحمد فيه اتّساع إذْ لسْتَ أنت أهلاً لِتَقْيِيم الناس وإنزالهم منازلهم، ويكفي ما في هذا الكتاب من بيان تلاعبك بالقرآن وقَسْر آياته ولَيِّ أعناقها لتجاري علوم المعطلة الكفرة مما يبين من هم الجهلة بل والضُّلاّل بميزان محمد ﷺ ؟.
стр. 303
وحسْبك أن تفتضح بما عِبْتَ به غيرك أن تستدل على غزو فضائك المزعوم بآية سورة الرحمن التي استدلالك بها يبيّن إفلاسك من أن تجد في كلام الله ما يؤيّد هذه الشيطنة والفَرْعنة.
والآية ليس تأويلها يعني وقوعها في الدنيا وإنما في الآخرة فسياق الآيات قبلها وبعدها دالّ على ذلك، فقد قال تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ) قال ابن عباس: وعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ.
وكذا قال الضحاك: هذا وعيد، وقال قتادة: قد دَنا من الله فراغ لخلقه، وقال ابن جريج: أي سنقضي لكم، وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب يُقال: لأَتفرغنّ لك وما به شغل، يقول: لآخذنّك على غِرَّتِك.
ذكر ما تقدم ابن كثير في تفسيره، وقال في قوله تعالى: (لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ) أي لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم أينما ذهبتم أُحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقْدر أحد على الذهاب.
(إِلا بِسُلْطَانٍ) أي إلا بأمر الله (يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلاَّ لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ).
стр. 304
فَزَعْم صاحب كتاب توحيد الخالق وغيره أن هذه الآية تعني أو تشير ولو أدنى إشارة إلى ما حصل من هذه المحاولات الجنونية هو من أبطل الباطل ولقد أُسقْطت حرمة القرآن بهذا التلاعب.
ولقد كتب في هذه المسألة سابقاً كتاباً اسمه (دعوى وصول القمر) أو (القمر ووصوله) نقلت فيه كلام بعض الغربيين وهو (بلكسنج) الذي أنكر الوصول إلى القمر وبيّن أن المسألة لا تعدو التمثيل.
كذلك سمبسون وهو غربي أيضاً فَضَحَ قومه في دعواهم وصول القمر وعشرون مليون أمريكي يُنكرون الوصول إليه وأن المسألة خدعة.
والمراد هنا أن الاستدلال بآية سورة الرحمن على ذلك من أبيْن الكذب وأبطل الباطل، والقمر في السماء المبنية الشفافة، قال تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً) والسماء مليئة بالحرس.
ونقل صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) هذيان المقلِّدين عن نشأة القمر بزعمهم وأنه انفصل من الأرض أثناء دورانها وأنه موضع انفصاله هو الحيّز الذي يشغله المحيط الهادي، وانظر تفصيل صاحب النظرية القرْدية (داروين).
ومن ثم اقترح بعض العلماء أن القمر انفتق وانسلخ عن كوكب الأرض من الحيز الذي يشغله المحيط الهادي اليوم، وذلك خلال الزمن الجيولوجي الأول Palaeozoic Era الذي تميز بنشاطه التكتوني العنيف،
стр. 305
وحدوث الحركات التكتونية الكبرى المعروفة باسم الحركات الكاليدونية Caledonian Orogenesis ( في العصر السليوري Silourian منذ نحو ٥٠٠ مليون سنة) والحركات الهرسينية Hercyian ( في العصر الكربوني Carboniferous منذ نحو ٤٠٠ مليون سنة).
وقد كانت قشرة الأرض في هذه الفترة الجيولوجية القديمة لدنة ولزجة بفعل التيارات الحرارية الصاعدة من باطن الأرض الملتهب، ومع دوران الأرض حول نفسها انتفخت المناطق الاستوائية من سطحها، وانبعجت ثم تفتقت وتمخض عنها ميلاد كويكب صغير تابع للأرض وهو القمر، وتبلورت هذه الأفكار في نظرية تعرف باسم نظرية انسلاخ القمر عن الأرض.
نظرية انسلاخ القمر وانفصاله عن وجه الأرض:
أول من رجح هذه النظرية هو العالم تشارلس داروين عام ١٨٧٨م، واعتقد أن القمر وهو النجم التابع للأرض انفصل عنها تبعاً لتفاعل كل من قوة جذب الشمس للأرض من ناحية وقوة الطرد المركزية الناشئة عن دوران الأرض.
اعلم أن ضلالات القوم مبنية على نظريات مجالها أذهان خاوية مظلمة والطريقة التي سلكوها هي أن أحدهم يتخرص في شيء من الأشياء فيتلقّفه آخر فيزيده من هذيانه ويُقرّره ويُعظمه كشيء مُسَلَّم لا
стр. 306
يقبل إعادة النظر، ثم ينظر فيه آخر ويزيده من ذهنه بما شاء، وفي الآخر تتكوّن سلسلة هذيانات وتخريفات تصير علماً لمن لاحظ لهم من العلم فإذا جاء هؤلاء أتباع الرسول بالعلم سخروا بهم وفرحوا بما عندهم من العلم.
لقد انتشر في العالَم واشتهر تكذيب بالكسنج لقومه في دعواهم وصول القمر وما استطاعوا الردّ عليه لأنه فضحهم بما يعلمون أن كلامه كلام خبير بهذا المجال وخافوا أن يزيد في فضيحتهم وكشف كذبهم فآثروا السكوت عنه.
ولقد بيّن غاية البيان أن المسألة لا تعدوا فلماً مصوراً في مواضع مُهيّأة على الأرض وقال: وتم تصوير وتسجيل هذه المشاهد وكل الأحداث شبه الخيالية من تجول ركاب السفينة على سطح القمر وما إلى ذلك قبل عدّة شهور من المهمة في منطقة تبعد ٣٢ ميلاً شرقي صحراء (نيفادا) وكان الاسم السري الذي أُطلق على هذه العملية: (مشروع أبوللو المثير).
وقال قبل هذا الكلام في كتابه (لم نهبط على القمر) قال: إن المشاهد المتعلقة بهذه المرحلة إنما هي مثل إعداد تصوير الأفلام السينمائية في (هوليود) تماماً، ولقد أنفقت الولايات المتحدة مبلغ ثلاثين بليون دولار لإعداد العَربات والبيئة القمرية ومشاهد الأرض الفوتوغرافية مما مَكّنها من
стр. 307
إقناع العالَم بأنها حقيقة لا خيال، ولقد أدهشت العالَم وحيَّرته. انتهى باختصار.
ونحن ولله الحمد لم ننظر في إنكار وصول القمر أو حتى القرب منه كلام هذا فإن الذين يقرأون القرآن ويعقلون قد أنكروا ذلك من البداية وعلموا أنه دجل لكني ذكرته هنا ليتبيّن أن هذا الدجَل قد أنكره عليهم من هو مشارك لهم في شيْطنتهم حيث أن بلكسنج هذا متخصص في علومهم الفضائية.
ولا نستبعد أن يُُقيَّض منهم من ينكر ملايينهم وبلايينهم الزمانية والمكانية ولسنا ولله الحمد بحاجة إلى إقرارهم أو إنكارهم وإنما كثيرون من قومنا لكلام الكفار عندهم وزن راجح على كلام خالق الكون ورسوله ﷺ وعلى كلام أهل مِلّتهم (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ).
وحتى دوران الأرض أصدر بعض الفرنسيين واسمه (رايوفيتش) كتاباً اسمه (الأرض لا تدور) ذكر فيه براهيناً عديدة وقال في آخره: ويُبرهن ذلك على أن الشمس تدور حول الأرض، وكذا القمر يدور حولها مما يدل على عدم حركتها.
وقال فرنسي آخر بعد أن رد القول بدوران الأرض بكلام طويل قال: ومن هنا ترى تأكيد أن الأرض تدور لا معنى له لأنه لا يوجد ما يثبته بالتجربة.
стр. 308
كروية الأرض وثباتها
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه، ص٣٧٦:
كروية الأرض ودورانها:
هناك من يقول: إن القرآن قد وصف الأرض بأنها مسطحة، بينما أثبت العلم أنها كروية، فقد جاء في القرآن قوله تعالى: (وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) كما أن القرآن لم يخبر بدوران الأرض، ومثل هذا القول لا يدل على عمق في تدبر آيات لقرآن الكريم، ولهذا فلا بد من نظرة تأمل عميقة لقول الله : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) انتهى.
قوله: أثبت العلم أنها كروية، يقال له: أنت تنفخ في صورة هذا العلم المرْديَ المهلك، وتَتَهالك في تزكيته وتحْسينه وليس لك في ذلك حجة ولا برهان بل فعلك هذا من علامات تَشَرّب قلبك بفتنة علوم المعطلة الدهرية، حتى أن المتابع لكتاباتك يظن أن السلف كانوا في عِماية وجهل وأن من لم ينْهل من هذه العلوم والكشوف ويسير معها حيث سارت، ويطير معها حيث طارت، ويغوص معها حيث غاصت، يظن أنه
стр. 309
من عداد الدراويش.
ولقد صارت من نتائج هذا التّبنّي مْنك ومن أمثالك لعلوم الغرب الترويج لهذه البضائع الكاسدة الفاسدة حيث لما فُتنتم بها مزجتموها مزجاً مع كلام الملك العظيم سبحانه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو صفة من صفاته، وفضله على سائر الكلام كفضل من تكلم به سبحانه على خلقه.
فكون الأرض على شكل الكرة تكلم بذلك أهل العلم من السلف قبل وجود علمك هذا وقبل وجود أهله ونقلوا الإجماع على ذلك.
فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك مشهور وقد نقل الإجماع الذي ذكره ابن المنادي على ذلك، كذلك تكلم في ذلك ابن القيم في مفتاح دار السعادة وغيره.
وقد كان الصحابة ﵃ يعرفون ذلك من قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) والتكوير إنما يكون على الجسم المستدير.
كذلك فإن هذه الآية تدل على تكوير السماء، وقد تقدم ذلك.
والمراد هنا أن الأمة في غُنْية عن هؤلاء وعلومهم، وإن غايتهم إذا اكتشفوا من هذه المخلوقات شيئاً على هيئته بعد فناء الأعمار وإفساد العقول والأفكار فغايتهم أن يعرفوا هذا المخلوق على ما هو عليه، وليس
стр. 310
في هذا طائل فتفسير الماء بعد الجهد بالماء تكلف من فارغ، كيف وقد ضلوا بالمخلوقات عن خالقها، والذي ينبغي التنبّه له بما أن الفتنة حاصلة بشكل لم يسبق له مثيل أن التدقيق في علم الكونيات على تقدير الإصابة في ذلك ليس مما جاءت به الرسل ﵈، لأن أهْوَن أضراره أنه شاغل عن المطلوب، ولذلك لا نجد من أئمة الإسلام من كان همّه وشغله وعلمه بالسفليات كحال علوم الكفَرة الذين يُفنون أعمارهم في ذلك، وفي الآخر يأتون بالضلالات وأحسن أحوالهم تفسير الماء بعد الجهد بالماء، ثم لا يسلم المتابع لعلوم هؤلاء وكشوفهم من الزيغ والضلال لأنهم من أول خطوة ينكرون الخالق سبحانه، وأيّ خير يرجى من هؤلاء.
والمراد النظر بما تقدم من كلام صاحب كتاب توحيد الخالق على علوم الملاحدة وكشوفهم واستشهاده بالقرآن وبيان الضلال في ذلك، وهنا لما تمخّض الجمل فَوَلَدَ فأراً، يعني لما كشف هؤلاء شكل الأرض حيث خلقها الله كذلك جاء صاحب كتاب توحيد الخالق يقول: أثبت العلم أنها كروية، وقبله قطب صاحب الضلال زعم أن الكروية اكتشفت حديثاً، وقد تقدم أن ذلك معروف عن السلف.
ثم إن هنا شيء لا بد من فهمه وهو أن إثبات الملاحدة لكروية الأرض إنما هو بناء على أصولهم الفاسدة التي تبدأ من السديم، ولذلك فَكَرَوِيّتها عندهم إنما حصلت نتيجة الدوران ملايين السنين وقد كانت
стр. 311
غازاً ثم تكثفت وتصَلّبت وصلحت للحياة، هنا تبدأ نظرية المتأقْرِدْ (داروين) وغيرها من نظريات الزيْف لبدء الحياة على الأرض.
إنها والله ضلالات يقود بعضها إلى بعض، ولقد كنا بعافية قبل هذا الانفتاح الضلالي.
أما المسلم الموفق فيعتقد ولله الحمد أن الله خلق الأرض بقدرته على هذه الصورة من أول ما خلقها، وجعلها برحمته ولطفه صالحة للحياة من حين خلقها.
وقد استغل صاحب كتاب توحيد الخالق الفرصة هنا بأنْ قَرَنَ دَوران الأرض مع كرويتها، وقد جَرَفَتْه علوم الملاحدة جرفاً وإلا فأين هذا من هذا؟.
إن دوران الأرض المزعوم المتَخَيَّل الموهوم لا يعدو مساحة أخيْلة مظلمة، ليس له في الواقع شاهد ولا دليل بل الواقع المحسوس الملموس يُكذِّبه، كذلك النقل والإجماع أيضاً وقد بيّنت ذلك ولله الحمد بكتاب (هداية الحيران) وكتاب (الأرض ودورانها) وقد وضّحْت بالأدلة والرسوم ما يبين أن الأرض ثابتة قارّة ساكنة والحمد لله.
وقد ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في صفحة ٣٧٧ أن قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) يُوَضّح دوران الأرض حيث زعم أن الدحو في اللغة هو الدّحْرجة والدحْرجة تعني الدوران، وعقل صاحب
стр. 312
كتاب توحيد الخالق مُتكيّف لقبول مثل هذه المحالات، كما أنه مستعد للتحيّل لجرِّ الآيات إلى عالمَ الضلالات.
فكلامه أن معنى الدّحو الدوران من أبطل الباطل، ونعوذ بالله من التكلف والقول على الله بغير علم.
وقد بيّن ابن كثير معنى الآية، فقد نقل قول ابن عباس ﵄: ودحْيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسُّبل والآكام فذلك قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا).
وذكر ابن كثير أن معنى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) هو (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) وفي تفسير سورة السجدة ذكر ابن كثير ما يوضح ذلك أيضاً.
وما الذي أعمى صاحب كتاب توحيد الخالق عن أكثر من آية يذكر الله سبحانه فيها أنه جعل الأرض قراراً، والقرار بلغة القرآن الثبات والسكون وآيات أخرى يذكر سبحانه فيها إلقاءه الجبال عليها لتستقر وتثبت لأنها على الماء؟ لكن جاء التحيّل فيقولون: لا ننكر القرار وإنما هو حاصل مع الدوران كذلك إرساء الجبال لحفظ توازن الأرض أثناء الدوران، فإن الكلام في قرارها وحفظ توازنها جاء من نظريات الملاحدة الذي يزعمون أن الجبال برزت من باطنها لحفظ توازنها، وقرارها أثناء
стр. 313
الدوران، وهذا هَوَس يليق بأفكارهم وإلا فالجبال ملقاة إلقاء من فوق الأرض، خُلِقَتْ فألقيت لم تبرز من الأرض، ولما كانت هذه النظريات لا تقوم على أركان وثيقة بل هي من أول خطوة ظلمات بعضها فوق بعض، فلا تروج إلا بالتحيّل.
стр. 314
جريان الشمس بالفلَك غير الجريان حول المجرة
ولذلك لما عَلم القوم أن القول بثبات الشمس ودوران الأرض مخالف لجريان الشمس الوارد في القرآن ظنوا أنهم يتخلصون من هذه المشكلة بإثبات جريانها حول مركز المجرة كما زعموا، وهذا من جنس التلاعب بتأويل كلام الله وعَسْفه على مقتضى الهوى، ظن علماء القرن الثامن عشر والتاسع عشر أن الشمس ثابتة لا تتحرك، وتبعهم بعض المرتابين في دينهم وتشككوا في قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) حتى جاء التقدم العلمي فكشف خطأ ما ذهب إليه علماء القرنين الماضيين وأثبت أن الشمس تجري حول مركز المجرة التي تعتبر أرضنا جزءاً منها والتي تدور كما يدور الرحى، فعرفنا بذلك شيئاً من معنى قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) كما ثبت أخيراً أن للشمس حركة حول نفسها فهي تجري ولكن حول نفسها، وقد يكون للآية معانٍ كثيرة غير ما اتضح حتى الآن. انتهى (١).
стр. 315
الجواب على هذا أن يقال: إنه لا يستقيم الظل والعود أعوج، ويقال أيضاً: كيف يهتدي السالك والدليل حائر.
فالذي ذكره عن جريان الشمس حول مركز المجرة باطل من أصله ببطلان الزعم أن هناك ملايين المجرات بفضاء لا يُحَدّ، وقد تقدم بطلان ذلك بتحديد الفضاء بانتهائه بجرم السماء المبنية وأنه ليس هناك غير مجرّة واحدة هي في السماء المبنية كسائر النجوم هي شيء ومجراتهم الخيالية شيء آخر، فهذا أولاً.
الثاني: أن جريان الشمس المذكور في القرآن هو دورانها في كرة السماء حول كرة الأرض، وبذلك يتعاقب الليل والنهار، أما الفصول الأربعة فتتعاقب باختلاف مطالع الشمس ومغاربها كل يوم إذ لها كل يوم مطلع ومغرب، فهذا الجريان للشمس حول الأرض الثابتة الساكنة لا حول المجرة المتخيّلة التي لم تولد بعد من خيالات المعطلة المظلمة.
الثالث: أن جريان الشمس المذكور في القرآن هو جريانها في الفلك وهو كرة السماء والفلك هو المستدير، أما جريان شمس الملاحدة فهو حركتها هي وكواكبها المزعومة المتخيَّلة التي تسمى (المجموعة الشمسية) في فضاء لا حَدّ له ليس في سماء مبنية وحول المجرة المزعومة ليس حول الأرض الثابتة.
стр. 316
الأرض مركز الكون
الرابع: الأرض هي مركز الكون وحولها تدور الشمس والقمر والنجوم، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فهم يدورون في السماء المستديرة، ومن التلاعب بالقرآن أن يُسْتدل على دوران الأرض بهذه الآية وهي ضَدّ ذلك فهي دليل على ثبات الأرض وسكونها لا على دورانها، فالرب سبحانه وبحمده ذكر في الآية الليل والنهار والشمس والقمر ولم يذكر الأرض لأن هذه الأربع تدور حولها وهي ثابتة، فقد تبين أن الدليل الحق لا يدل على الباطل بل يكشفه ويبين بطلانه لأن الدليل الحق لا يدل إلا على الحق، فلما كانت هذه الآية حقاً أبَتْ أن تنقاد للباطل، إنما المسألة كما قال ابن القيم ﵀ في (الكافية الشافية):
والناس أكثرهم فأهْل ظَوَاهِرٍ ... تبدو لهم ليْسوا بأهل معاني
فهم القشورُ وبالقشور قَوَامُهم ... واللّبُّ حظُّ خلاصة الإنسانِ
فعلى الموفق أن ينظر ببصيرة نافذة إلى بَوَاطن الأمور ولبابها ولا يكتفي بالظواهر، ومن كان مخطئاً مغتراً بمن تَصَدَّوْا لهذه النظريات ثم تنبّه وعرف الأمر على وجهه فهنيئاً له فالرجوع إلى الحق فضيلة.
стр. 317
إن من عرف السماء الدنيا التي هي سقف الأرض كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) وعرف أن هذا السقف بناء، كما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) ولولا أنها بناء لما قال : (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) يعني شقوق، ولَما قال تعالى: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) وهي الشقوق أيضاً إن الفضاء لا يقال فيه هذا، فكلام الله ينزه عن هذا الهزل.
وعرف أيضاً أن هذا السقف للأرض كلها وأنه على شكل الكرة وقد تقدم بيان ذلك، وعرف صُغر مسافة الفضاء بالنسبة لفضائهم الذي لا ينتهي، وكم يذكر الله السموات والأرض ويذكر هذا الفضاء المحدود بقوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا) فهو الفضاء كله وقد قدّرت مسافته في (هداية الحيران) بـ ٩ ملايين كيلو متر تقريباً حسب اصطلاح أهل الوقت في قياس المسافات، ومن شاء فلْيُحَوّل مسافة الخمسمائة عام لسير الإبل إلى الكيلو متر فيظهر له أن خيالات الملاحدة منطلقة منفرطة ضالة تائهة، ولا والله لا تعدو نظرياتهم عن الفضاء والمجرات وملايين الشموس والدوران خيالاتهم والأوراق التي يُسَوِّدونها بهذا الهذيان.
والمراد أن من عرف ذلك كما ينبغي على ضوء الكتاب والسنة تساقطت من خياله نظرياتهم وعرف معنى:
ومن يكن الغراب له دليلاً ... يمرّ به على جِيَف الكلاب
стр. 318
فأي خير يُرجى من الكفرة أعداء الله ورسوله وأعداء دينه؟. وعرف أيضاً أن هذا الغلو بهم وبعلومهم هو معنى:
ولوْ لَبِسَ الحمار ثياب خَرٍّ ... لقال الناسُ: يا لَكَ من حمارِ
والكلب كلب ولو طُوِّق بالذهب، وعرف أيضاً أنهم فتنة زماننا العظمى، وحيث قلت: تساقطت من خياله نظرياتهم فأنا أقصد أن هذا هو مجالها، أما في الخارج فليس لها وجود، لأن الوجود الذهني الخيالي شيء والوجود الحقيقي شيء آخر.
وهنا سؤال وارد لا محالة وهو: بما أن القوم طاروا بأقمارهم وصواريخهم ودمروا مسافات خيالية وزعموا وصول القمر فلماذا لم يذكروا السماء المبنية ولا مرة واحدة مع أن قرب مسافتها بالنسبة لمسافاتهم كقطرة ماء بالنسبة للبحر؟.
فنحن بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن نصدقهم مكذبين للحق الذي بين أيدينا وقد أتانا من خالقنا وخالق الكون سبحانه، أو نكذبهم مصدقين بالحق، وكل يعمل على شاكلته، فهذا برهان يبين دجلهم إذْ أنهم لو اقتربوا من السماء لرأوها كما رَأتْها الجن حيث قالوا: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً) فالجن أعقل وأعلم منهم.
стр. 319
إنها قريبة جداً بالنسبة لمسافاتهم الخيالية الدجّلية، ولا ريب أنهم لو اقتربوا منها ما عادوا إلى الأرض.
ومن الضلال تسمية الأرض كوكباً لأن الكواكب هي النجوم التي في السماء، أما الأرض فسماها الله ورسوله الأرض، وهم يسمون الشمس نجم، وفي رد شيخ الإسلام على أهل المنطق قال: وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدّهم للإنسان وللشمس بأنها كوكب يطلع نهاراً وهل من يحدّ الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من أجهل الناس. انتهى (١).
كذلك هؤلاء في تسميتهم للشمس بالنجم ويزعمون أن في الكون ملايين الشموس وكذبوا لا يوجد سوى شمس واحدة لكنهم كالأنعام بل أضل.
стр. 320
(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) الآية
ومن نمط التحيّل على النصوص أيضاً ما ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق في (ص٣٧٧) قال:
وقد رأى بعض المفسرين أن قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) إشارة صريحة إلى أنه دوران الأرض، وأنكروا أن يكون ذلك يوم القيامة، لأنه لا يبعث الإنسان إلا بعد أن تكون الأرض قاعاً صفصفاً فلا يتمكن من الرؤية فيها، قال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً) (١).
الجواب: صاحب كتاب توحيد الخالق يتشبّث بأي شيء يظن أنه يُرَوِّج بضاعة القوم ويأبى الله أن تنطمس المعالِم بشبهات زائفة وتأويلات زائغة وهو لم يذكر هؤلاء السادة الذين أتوا بما لم تستطعه الأوائل بمخالفتهم السلف في تفسير القرآن، وسياق الآيات يبين أن ذلك يوم القيامة فالتأويل الباطل هنا لدوران الأرض كالتأويل الباطل للسلطان في سورة الرحمن.