← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36624

الفرقان في بيان إعجاز القرآن

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (465 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأرض مركز الكون الرابع: الأرض هي مركز الكون وحولها تدور الشمس والقمر والنجوم، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فهم يدورون في السماء المستديرة، ومن التلاعب بالقرآن أن يُسْتدل على دوران الأرض بهذه الآية وهي ضَدّ ذلك فهي دليل على ثبات الأرض وسكونها لا على دورانها، فالرب سبحانه وبحمده ذكر في الآية الليل والنهار والشمس والقمر ولم يذكر الأرض لأن هذه الأربع تدور حولها وهي ثابتة، فقد تبين أن الدليل الحق لا يدل على الباطل بل يكشفه ويبين بطلانه لأن الدليل الحق لا يدل إلا على الحق، فلما كانت هذه الآية حقاً أبَتْ أن تنقاد للباطل، إنما المسألة كما قال ابن القيم ﵀ في (الكافية الشافية): والناس أكثرهم فأهْل ظَوَاهِرٍ ... تبدو لهم ليْسوا بأهل معاني فهم القشورُ وبالقشور قَوَامُهم ... واللّبُّ حظُّ خلاصة الإنسانِ فعلى الموفق أن ينظر ببصيرة نافذة إلى بَوَاطن الأمور ولبابها ولا يكتفي بالظواهر، ومن كان مخطئاً مغتراً بمن تَصَدَّوْا لهذه النظريات ثم تنبّه وعرف الأمر على وجهه فهنيئاً له فالرجوع إلى الحق فضيلة.

стр. 317

إن من عرف السماء الدنيا التي هي سقف الأرض كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) وعرف أن هذا السقف بناء، كما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) ولولا أنها بناء لما قال : (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) يعني شقوق، ولَما قال تعالى: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) وهي الشقوق أيضاً إن الفضاء لا يقال فيه هذا، فكلام الله ينزه عن هذا الهزل. وعرف أيضاً أن هذا السقف للأرض كلها وأنه على شكل الكرة وقد تقدم بيان ذلك، وعرف صُغر مسافة الفضاء بالنسبة لفضائهم الذي لا ينتهي، وكم يذكر الله السموات والأرض ويذكر هذا الفضاء المحدود بقوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا) فهو الفضاء كله وقد قدّرت مسافته في (هداية الحيران) بـ ٩ ملايين كيلو متر تقريباً حسب اصطلاح أهل الوقت في قياس المسافات، ومن شاء فلْيُحَوّل مسافة الخمسمائة عام لسير الإبل إلى الكيلو متر فيظهر له أن خيالات الملاحدة منطلقة منفرطة ضالة تائهة، ولا والله لا تعدو نظرياتهم عن الفضاء والمجرات وملايين الشموس والدوران خيالاتهم والأوراق التي يُسَوِّدونها بهذا الهذيان. والمراد أن من عرف ذلك كما ينبغي على ضوء الكتاب والسنة تساقطت من خياله نظرياتهم وعرف معنى: ومن يكن الغراب له دليلاً ... يمرّ به على جِيَف الكلاب

стр. 318

فأي خير يُرجى من الكفرة أعداء الله ورسوله وأعداء دينه؟. وعرف أيضاً أن هذا الغلو بهم وبعلومهم هو معنى: ولوْ لَبِسَ الحمار ثياب خَرٍّ ... لقال الناسُ: يا لَكَ من حمارِ والكلب كلب ولو طُوِّق بالذهب، وعرف أيضاً أنهم فتنة زماننا العظمى، وحيث قلت: تساقطت من خياله نظرياتهم فأنا أقصد أن هذا هو مجالها، أما في الخارج فليس لها وجود، لأن الوجود الذهني الخيالي شيء والوجود الحقيقي شيء آخر. وهنا سؤال وارد لا محالة وهو: بما أن القوم طاروا بأقمارهم وصواريخهم ودمروا مسافات خيالية وزعموا وصول القمر فلماذا لم يذكروا السماء المبنية ولا مرة واحدة مع أن قرب مسافتها بالنسبة لمسافاتهم كقطرة ماء بالنسبة للبحر؟. فنحن بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن نصدقهم مكذبين للحق الذي بين أيدينا وقد أتانا من خالقنا وخالق الكون سبحانه، أو نكذبهم مصدقين بالحق، وكل يعمل على شاكلته، فهذا برهان يبين دجلهم إذْ أنهم لو اقتربوا من السماء لرأوها كما رَأتْها الجن حيث قالوا: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً) فالجن أعقل وأعلم منهم.

стр. 319

إنها قريبة جداً بالنسبة لمسافاتهم الخيالية الدجّلية، ولا ريب أنهم لو اقتربوا منها ما عادوا إلى الأرض. ومن الضلال تسمية الأرض كوكباً لأن الكواكب هي النجوم التي في السماء، أما الأرض فسماها الله ورسوله الأرض، وهم يسمون الشمس نجم، وفي رد شيخ الإسلام على أهل المنطق قال: وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدّهم للإنسان وللشمس بأنها كوكب يطلع نهاراً وهل من يحدّ الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من أجهل الناس. انتهى (١). كذلك هؤلاء في تسميتهم للشمس بالنجم ويزعمون أن في الكون ملايين الشموس وكذبوا لا يوجد سوى شمس واحدة لكنهم كالأنعام بل أضل.

стр. 320

(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) الآية ومن نمط التحيّل على النصوص أيضاً ما ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق في (ص٣٧٧) قال: وقد رأى بعض المفسرين أن قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) إشارة صريحة إلى أنه دوران الأرض، وأنكروا أن يكون ذلك يوم القيامة، لأنه لا يبعث الإنسان إلا بعد أن تكون الأرض قاعاً صفصفاً فلا يتمكن من الرؤية فيها، قال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً) (١). الجواب: صاحب كتاب توحيد الخالق يتشبّث بأي شيء يظن أنه يُرَوِّج بضاعة القوم ويأبى الله أن تنطمس المعالِم بشبهات زائفة وتأويلات زائغة وهو لم يذكر هؤلاء السادة الذين أتوا بما لم تستطعه الأوائل بمخالفتهم السلف في تفسير القرآن، وسياق الآيات يبين أن ذلك يوم القيامة فالتأويل الباطل هنا لدوران الأرض كالتأويل الباطل للسلطان في سورة الرحمن.

стр. 321

أما من أنكر أن يكون ذلك يوم القيامة لأن الإنسان لا يبعث إلا والأرض قاعاً صفصفاً فلظنه أن الرؤية هنا للبصر وليس كذلك، بل الرؤية في آية سورة النمل للبصيرة كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) مع أن هذه الواقعة وقعت عام مولده ﷺ وإن كانت رؤية بالبصر فهي في القيامة. أما في آية سورة طه فالمقصود رؤية البصر (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثم يقال: كلام الله ينزه عن هذه المعاني الركيكة فإنه على تقدير أن الأرض تدور وأن معنى (تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) يعني الجبال فإن لَفْت النظر بهذا الاعتبار إلى الأرض كلها هو المناسب لبلاغة كلام الله، ولماذا تُخَصّ الجبال وهي أجزاء صغيرة بالنسبة لما انْبَسط من الأرض من الصحاري والسهول بل والبحار، أليس يقول الله : (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ). إن هذا أبلغ في القدرة وأبلغ في البلاغة، لو كانت الأرض تدور وإن هذا والله التكلف، وكم ذكر الله الأرض في كتابه العزيز وليس في ذلك ولا آية واحدة تشير ولو من بعيد إلى الدوران كيف والآيات جاءت ببيان القرار والسكون، ولا يسلم من هذا الوباء والبلاء إلا من حل عقدة

стр. 322

(حذامي) بُعداً وسحقاً لأعداء الله كيف بلغت بنا الفتنة بهم إلى أن يهون علينا كلام ربنا كل هذا الهون حتى نجرّ آياته بعمايتنا إلى عماية من ضلوا وأضلوا كثيراً، ووالله ما أمَّلوا أن يحصل لهم كل هذا ولا يُقاربه، ولكنها الفتن وظلمات الذنوب ومن هنا يتحير السالك، ومن هنا وقعنا في المهالِك.

стр. 323

(وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) الآية وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). نعم: والبشر يعجزون عن استرداد أي شيء يأخذه الذباب، لأنه بمجرد أخذه يصب عليه من لعابه، فيحوله من فوره شيئاً آخر لا يمكن استعادته (١). الجواب: إن هذا الكلام السخيف وهذه الإحالات التافهة العسرة على تقدير صحتها كل هذا لا يشبه فصاحة كلام الله وبلاغته وإنما يناسب عقول أهل الزمان المفتونين بالغرب الكافر، وكون هذا المثل العظيم الذي ذكره الله سبحانه يبين في بطلان الشرك به وقبحه وسخف عقول الكفار الذين يعبدون آلهة يبلغ بها العجز أن تخلق أحقر مخلوق وأصغره وهو الذباب بل لو سلبها الذباب شيئاً ما استطاعت استرداده لعجزها وحقارتها، وقد كانوا يصبون اللبن والعسل ونحوه على الأصنام

стр. 324

فيقع عليها الذباب، فيخبر المعبود الحق أن هذه المعبودات الباطلة لا تملك نفعاً ولا دفعاً. قال ابن كثير في قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) أي هم عاجزون عن خلق ذباب واحد بل أبلغ من ذلك عاجزون على مقاومته والانتصار منه لو سلبها شيئاً من الذي عليها من الطيب ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) قال ابن عباس: الطالب الصنم والمطلوب الذباب. انتهى (١). أنظر الفرق بين السلف والخلوف وكيف يصرف صاحب كتاب توحيد الخالق معاني كلام الله على هذه المهازل التي لا تدرك، هذا على تقدير صحتها، ويدع المعنى العظيم الجليل الذي أراده الله سبحانه بكلامه إنها تأويلات سوء. والإنسان يعجب كيف عاد هذا المعنى العظيم الكبير لهذا المثل الذي ضربه الخالق لحسن توحيده وقبح الشرك به وتفاهة المشرك ومعبوده، كيف عاد هذا إلى أن الذباب بمجرد أخذه الشيء يصب عليه من لُعَابه فيحوّله من فوره شيئاً آخر لا يمكن استعادته.

стр. 325

إنه كلام لا شك صارف عن تدّبر القرآن والانتفاع به من حُسن الإيمان وقبح الشك والطغيان حيث تعود هذه المعاني الجليلة العظيمة إلى هزليات وسخافات. لقد أنزل الله القرآن هدى وشفاء لم ينزله أحاجي وأغاليط وطلاسم وأسرار، وأي نفع وفائدة نكسبها إذا علمنا أن الذباب يفعل ما زعم أرباب هذه العلوم الملاحدة؟ على تقدير صحته؟ إن هذا مراد إبليس وهو إحالة معاني كلام الله العظيمة إلى سخف وتفاهة، وقد ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (الإيمان) تحت عنوان: الإعجاز العلمي الحديث للقرآن (ص٨٣) قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) الآية وكثيراً ما يُردد مُروِّجوا هذه البضائع المزيّفة هذه الآية يستدلون بها على ما فُتح على الملاحدة من الضلالة، وقد تقدم بيان معناها. فيا من يريد علم القرآن خذه من السلف الكرام، الذين يُجلُّون كلام الرحمن عن اللغو والهذيان. قال ابن القيم ﵀ في معنى آية سورة (الحج): فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فلم يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأوضح برهان بأوجز عبارة وأحسنها وأحلاها وسَجّل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في

стр. 326

صعيد واحد وعاوَن بعضهم بعضاً بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد. ثم بيَّن عجزهم وضعفهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم، فأي شيء أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وحده؟. فهل قَدَرَ القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها، فأقام سبحانه حجة التوحيد وبيّن ذلك بأعذب ألفاظ وأحسنها، ولم يستكرهها غموض، ولم يشِنْها تطويل، ولم يعبها تقصير، ولم يُزر بها زيادة ولا نقص، بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز ما لا يتوهمه متوهّم، ولا يظن ظان أن يكون أبلغ من معناها منها. وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشأن، البليغ في النفع ما هو أجلّ من الألفاظ. انتهى. وقد قال ﵀ في كتاب الأعلام: حقيقي على كل مسلم أن يُسْمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه. انتهى. تأمل الفرق بين هذا المعنى العظيم المراد بهذا وبين ما يُهَوِّن شأن كلام رب العالمين وينقص قدره ويُسقط حرمته مما خاض به الخائضون وتهوك به المتهوكون يظهر لك الفرقان بين طرق الضلال وطريق الإيمان.

стр. 327

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) الآية ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق بعد الكلام السابق في كتاب (الإيمان) ص٨٤: لقد تحقق الوعد من ربنا في هذا الزمان، فرأى الكافرون الذين لم يتبيَّنوا الحق آيات الله في آفاق المخلوقات، وما رأوا تلك الآيات والأسرار إلا بأدق الأجهزة والوسائل، كالطائرات والغواصات، والتي لم يملكها الإنسان إلا في هذا الزمان، فكان لهم في ذلك بينةٌ بأن الله هو الذي أخبر محمداً ﷺ عن هذه الأسرار في الخلق، يوم لا أجهزة بحث علمي، ولا طائرات، ولا غواصات، فكان هذا لوناً جديداً من إعجاز القرآن، يبين للكافر اليوم صدق رسول الله ﷺ وصدق هذا الدين، ومن أمثلة ذلك: ما كان أحدٌ يظن أن أصل السماء ونجومها، وكواكبها هو الدخان، حتى تقدمت أجهزة البحث العلمي، وشاهد الباحثون بقايا الدخان، لا تزال تتكون منه النجوم إلى يومنا هذا، والله يقول: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) انتهى.

стр. 328

أنظر قوله: ما كان أحد يظن أن أصل السماء ونجومها وكواكبها هو الدخان حتى تقدمت أجهزة البحث العلمي، وقد تقدم كلام علماء الإسلام في بدء الخلق وكلامهم في (الدخان) فهل كان أهل الإسلام يجهلون كلام ربهم وما ذكره عن مخلوقاته حتى وُجِدَ الملاحدة فأنقذوهم من جهلهم ودَلّوهم على من هم له جاحدون منكرون؟. لقد قال علماء الأمة الذين يستحقون أن يُسَمّوْا علماء: لو أقام العلماء كتاب الله وسنة رسوله ما احتاجوا إلى الكفار لا في دينهم ولا دنياهم، وهذا وعزة ربي هو الحق. وقد ذكرت في كتابي (الأرض ودورانها) أن مجانيننا وعجائزنا خير من ملء الأرض من هؤلاء الذين فُتن بهم وبعلومهم من فُتِن. هذا وقد علم القارئ مما تقدم كيف ضلَّ الكفرة بالدخان الذي هو عندهم (السديم) وكيف يجعل صاحب كتاب توحيد الخالق هذا هو هذا وأن هذا يبين صدق الرسول والدين وهو الضلال المبين؟. وانظر قوله: وشاهد الباحثون بقايا الدخان لا تزال تتكون منه النجوم إلى يومنا هذا. كل هذا مجاراة للضُلاَّل، وإنه لمن الكذب البيّن قولهم: لا تزال تتكوّن من الدخان النجوم إلى يومنا هذا، وهو مبني على مقتضى أصولهم

стр. 329

الفاسدة بأن الفضاء لا حَدَّ له والنجوم تتكون باستمرار تلقائياً نتيجة الدوران للسُّدُم المزعومة المتخيَّلة، وقد تبين بطلان هذا الهذيان. والله سبحانه وبحمده خلق السموات والشمس والقمر والنجوم والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فقد انتهى خلق النجوم مع السماء ومن هنا حُرِّف معنى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) ويأتي بعد هذا إن شاء الله. وقد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ). قال ابن كثير يبين معنى قوله تعالى: (وإذ قال) بصيغة الماضي قال: لأن كثيراً من أمور يوم القيامة ذُكر بلفظ الماضي ليدل على الوقوع والثبوت (١). فيلزم من زعم أن معنى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أنها ما تزال تَتّسع يلزمه أن الله قال لعيسى ﵇ ما قال في الماضي مع أنه سيكون يوم القيامة، وحيث أنه لا يلزم فقوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي قد حصل هذا في الماضي وفُرِغ منه بمعنى: فقد وسْعناها. وإليك الكلام في الآية.

стр. 330

ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (الإيمان) ص٨٥: وكشف الباحثون الآن: أن نجوم السماء لا تزال تُخلق، وأن مدن النجوم يتباعد بعضها عن بعض وبهذا عُرف أن السماء لا تزال تتسع، قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) . الجواب: لو قال الله أو رسوله: وإذا قال الباحثون فاستمعوا لهم وأنصتوا لعلكم ترحمون لما زاد كثير من أهل الوقت الذين تشرّبت قلوبهم فِتَن الملاحدة شيئاً من الإصغاء والاهتمام. ولقد شربت الأمة الذل النفسي مع الماء واسْتنشقته مع الهواء لما وُجِد من ينفخ بصور الكفرة أعداء الله ورسوله حتى زال الفرقان ورحل من قلوب من يَدّعون الإسلام العدوان لأعداء الرحمن، وحَلّ لهم في محله التعظيم والتفخيم والتكريم، وهكذا تكون الفتن، وما كانت الأمة هكذا حتى بُلِيتْ بهؤلاء ومُقلِّديهم لأن الأمة كانت في الماضي بعافية من هذه الفتن ولهم عقول يعلمون بها أن الكلب كلب ولو طُوِّق بالذهب كيف إذا طُوِّق بالأقذار، فكانت الأمة قبل أن يكون القرآن حِرْفة وقبل أن يخلط المسك بالعذرة تعرف معنى قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) وتعمل على مقتضاه، فكانت العزة لها. فَزَعْم صاحب كتاب توحيد الخالق أن باحثوه كتشفوا أن نجوم السماء لا تزال تُخلق، وأن مدن النجوم يتباعد بعضها عن بعض وأنه بهذا

стр. 331

عُرف أن السماء تَتسّع كَذِبٌ محض وباطل صِرْف لو قاله عالم من علماء المسلمين لَعَلِمَ العامة أنه زَلّ وأخطأ، كيف والقائلون بهذا لا يعرفون كيف يضعون أقدامهم على الأرض فما لهم وللسماء؟ وأي علم عندهم عن السماء؟ هم أجهل الخلق بها بل إنهم لها جاحدون ولمن خلقها منكرون، فما بالنا صِرَّنَا نتلقى علمها منهم؟ أنقص فيما عندنا يكمله هؤلاء أم عيب يصلحونه؟. أما وصَفَها ربنا في كتابنا وأعاد وكرّر، فذكر اللمس والنظر، وإرجاع البصر، وذكر البناء والأبواب، وأخبر بعجز من يروم الرقيّ إليها بالأسباب، أما ذكر الانشقاق والفطور، وما في خلق السماء من عجائب الأمور؟. أما ذكر نبينا الكريم انفتاح أبوابها لروح المؤمن وغلقها عن روح الكفور، أما صعد إليها، وسما فوقها وعلى عليها، واستقبلته ملائكتها بالفرح والسرور؟. أأصبحنا عالَة على هؤلاء الأنجاس؟ ونحن نحن الناس، العلم عندنا والعز لنا، والمجد مجدنا، لولا أننا تركنا دربنا، ألسنا خير أمة أخرجت للناس، أخَيْرِِيّتنا بمشابهة الأرجاس، والنزول من العلو إلى السفول والرضا لشمسنا بالكسوف ولقمرنا بالأفول .. ؟

стр. 332

لا وعزّة العزيز ما عِزنا بمشابهة الكفار، لا بالعلم ولا بالعمل ولا بالغرور وطول الأمل، هذا طريق الذل والهوان الموصِل إلى البوار والخسران. ليعلم هؤلاء الخائضون أن الرب سبحانه وبحمده يقول للشيء (كن فيكون) وقد قال للسماء والأرض: (ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) قال هذا بعد فراغ وانتهاء. فالسماء والأرض خلقهما الرحمن قبل استوائه على عرشه وكان قبل ذلك عالٍ عليه وعلى مخلوقاته وإنما حصل الاستواء بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام. ومعنى قوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) ليس هذيان أعداء الرحمن، قال ابن كثير: أي قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي. انتهى. فكلام ابن كثير يبيّن أن هذا حصل في الماضي حين خلقها سبحانه وهو الصواب، أما الملاحدة فليس عندهم سماء مبنية وإنما فضاء فيه ملايين وبلايين المجرات فالإتساع عندهم هو ما ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق عنهم وهو تباعد المجرات لأن النجوم لا تزال تُخلق، فهذا على مقتضى أصولهم من دوران السُّدُم التي تتولّد منها بزعمهم الكواكب، وقد تبين مراراً أن هذا هذيان.

стр. 333

ولذلك قال في كتابه (العلاج هو الإسلام) (ص٧٢). قال عن أرباب هذه العلوم: فدرسوا الكون ووجدوا أنه ما زال يتسع ويتباعد وذلك مصداق قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي لا زلنا نوسِّع في بناء هذا الكون. انتهى. أقول: هذا كذب وباطل وإنما المراد منه الضلال عن خالق الكون سبحانه المعبود الحق، وقد تقدم بيان هذا. ولقد أضل الكفرة المعطلة صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله عن السماء المبنية، وقد تقدم تخبيطه في ذلك مراراً. وقال في كتابه (العلاج هو الإسلام) ص٩٧: فالله يخبرنا أن السماء كانت دخاناً ما كانت نجوماً (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) فالطور الأول للسماء أنها كانت دخاناً ثم أصبحت في طور آخر وكانت نجوماً ثم جاءت بعد ذلك الأرض. انتهى. وهذا والله الضلال عن الله، وفوقيته وعرشه حيث جعل صاحب كتاب توحيد الخالق السماء المبنية نجوماً تقليداً للمعطلة. وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق أن القمر كان مشتعلاً ثم انطفأ ومُحيَ ضوءُه، واستدل بقوله تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) وهذا أيضاً

стр. 334

مبني على أصول المعطلة المنهارة حيث يزعمون أنه منفصل من الأرض أثناء دورانها وأنه تكثف وبرد فيما بعد. واستدل صاحب كتاب توحيد الخالق بقول ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر. صاحب كتاب توحيد الخالق يتوهم أن قول ابن عباس هذا يؤيد كشوفات الباحثين لأنهم يزعمون أن الشمس نار عظيمة ويأتي إن شاء الله ذكر ذلك في موضعه، وبما أن الأرض بزعمهم منفصلة عن الشمس، والقمر منفصل عن الأرض فكونه يضيء كالشمس تصديق لخيالاتهم، وابن عباس ﵄ حين فسر الآية بذلك ليس مراده أن القمر نار كالشمس على ما يزعم الملاحدة بل مراده فقط أنه يضيء كالشمس يعني ينبعث منه الضوء ليس يسْتفيده من الشمس كحاله الآن وأن المحو هو جعله لا يُضيء من ذاته وإنما يستفيد ضوءه من مقابلته للشمس. وقد فسّر علي ﵁ المحو باللطخة التي في القمر. وذكر شاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (الإيمان) ص٨٦ الصعود إلى السماء وضيق التنفس مستدلاً بقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقد تقدم بيان ذلك.

стр. 335

وقال: واكتشف الباحثون أن في النباتات جميعاً زوجية (ذكراً وأنثى) وما كان أحد يعلم ذلك من قبل وذكر قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) وقد تقدم بيان العلم بهذا قبل أن يخلق الكفرة. كذلك ذكر في كتابه (الإيمان) الموج الذي زعم أنه في أعماق البحار، وسبق الرد على هذا. وذكر أشياء من هذا القبيل الذي بانَتْ لمن يبصر نماذجه وعيّناته ثم قال: فمن كشف لمحمد ﷺ هذه الأسرار قبل ألف وأربعمائة عام يوم لا طائرات ولا غوّاصات ولا مخترعات علمية؟ إلى آخر كلامه. الجواب: أيظن صاحب كتاب توحيد الخالق أن في هذه الهذيانات مدح للرسول والكتاب الذي جاء به من ربه؟ حاشا وكلاّ، فالمدح بالباطل كالذمّ بالباطل. إن وصْف مخلوقات الإله العظيم على غير ما هي عليه بل على ما يفتح أبواب الضلال، والاستدلال على ذلك بكلامه سبحانه جناية عظمى ومصيبة كبرى وكذب عليه وتأويل لكلامه بالباطل. أيظن هؤلاء أنهم يعظمون الله ويعظمون كلامه بمتابعتهم خرافات المعطلة؟ ليس هذا إلا إسقاط حرمة القرآن من القلوب وفَتْح باب احتقار السلف الصالح، وفتح باب تعظيم الكفار، وفتح باب الوقوع في

стр. 336

أشراكهم وحبائلهم المنصوبة في ظلمات ضلالاتهم، وكم وقع فيها من وقع، ودعوتهم إنما تكون بالطرق الشرعية فهذا هو الصراط المستقيم. ثم ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان في كتابه (الإيمان) ص١٣٠، وهذا الكلام يذكره المتأخرون كثيراً لكن قَلّ من يعرف حقيقة قوله فضلاً عن أن يُحَقّقها، فإن هذا الكلام حق لكن بشرطه وهو: إذا كان المراد بالشريعة الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ التي أصلها وأساسها الكفر بالطاغوت والإيمان بالله فمن قال: إنها في بعض الأزمنة أو بعض الأمكنة لا تصلح فهو كافر بلا ريب، ولا يُقال: صالحة لكل زمان ومكان، وإنما واجبة وفرض عين في كل زمان ومكان، وهذه يخضع ويذل لها العباد لا تخضع وتذل هي لأهوائهم. وفرضيّة الشريعة في كل زمان ومكان بمقارنة الذل والخضوع لمن شرعها والانقياد له ليس تخضيعها وتذليلها للأهواء والضلالات. ثم ختم كتاب الإيمان بما يرى هو وأمثاله لتقدم المسلمين مما لا بد فيه من التخليط الذي استحسنوه وليس هو على منهج السلف.

стр. 337

خوض في مسمى العلم واسْتفتح صاحب كتاب توحيد الخالق كتابه الذي سمّاه (العلم طريق الإيمان) بكلامه عن العلم، وللمتأخرين خوض في اسم العلم حصل بسببه لبس عظيم فيطلقون هذا الاسم على ما ليس بعلم وعلى ما يضاد العلم وعلى ما هو علم لكنه غير نافع، وهذا خلط حصل بسببه اللبس، وقد كتبت في كتاب (العلم الذي يستحق أن يسمى علماً) وأنه الموروث عن رسول الله ﷺ وهو الممدوح بالكتاب والسنة. وأن الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله ﷺ لاسم العلم هو هذا، وعلى هذا كان السلف، أما ما عداه فيقيّد ليتبين الفرق بين ما هو من عند الله وهو المطابق للمعلوم في الخارج وبين غيره. ولما كان هذا الخلط حاصلاً تقرأ ما شئتَ من عبارات المتأخرين فيما يكتبونه: (العلم والدين) (العلم لا ينافي الدين) ونحو ذلك من العبارات التي يقصدون بها الجمع بين علوم المعطلة والدين، وكأن الدين ليس بعلم. أشار صاحب كتاب توحيد الخالق في بداية كتابه هذا إلى ما جرى بين أهل الكنائس في الغرب وبين أرباب العلم الحديث، وقد تقدم الكلام في هذا وبينت أنه لا يهمنا ما جرى بين ضُلاّل وهم أهل الكنائس وبين

стр. 338

من هم أضل منهم وأكفر المعطلة فميزاننا بين أيدينا وعلمنا الحاكم بين الناس فيما يختلفون فيه هو كلام ربنا ونبينا ولسنا عالة في ديننا لا على المغضوب عليهم ولا على الضالين ولا على المعطلة الملحدين، والحمد لله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا يعلمنا الكتاب والحكمة ويجعلنا شهداء على الناس وإلى يوم القيامة ففي القرآن ما يكشف ويبين كل بدعة وضلالة لكن عَلِمَ ذلك من علمه وجهله من جهله. ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه هذا ما تقدم تفنيده من زعمه أن الذي يصعد إلى الجو يجد ضيق في النَفَس ويستدل بقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) فقد كَرَّرَ هذه في ثلاثة كتب مما يبين حرصه على ترويج البضائع التالفة. وذكر أن قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) أن هذا أول إعلان عن إمكانية وجود إنسان في السماء، وهذا من جنس الزيوف. التي عَوَّدَنا عليها، والمراد هنا أهل سمواته مع أهل أرضه قال ابن كثير: أي لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه بل هو القاهر فوق عباده فكل شيء خائف منه فقير إليه وهو الغني عما سواه. انتهى. ولا تدل الآية على ما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق.

стр. 339

(لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) الآية وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق أن زغلول النجار أخبره أنه اطلّع على كلام لبعض من يسمون رواد الفضاء وأنه يذكر أنه عندما يخرج من الغلاف الهوائي للأرض ويدخل خارج الغلاف الهوائي أن هناك ظلام دامس وأن الشمس تبدو في تلك المنطقة باهتة جداً والنجوم ضعيفة جداً والسواد هو الغالب عليه وأن هذا الرائد يقول أثناء صعوده: الآن يقلّ الضوء، الآن سُدَّتْ أبصارنا وأغلقت، لا نرى شيئاً، قد أصبحنا عمياً، لأنه ليس هناك من انعكاسات لأشعة تأتي إلينا، ثم قال زغلول النجار المصري: لما سمعت هذا الكلام تذكرت قول الله : (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) انتهى (١). الجواب: أن هذا الزغلول المصري الجيولوجي شابه صاحب كتاب توحيد الخالق في الكلام بالقرآن بهذه الضلالات وغصب آياته لتجاري هذه الفتن، وليس المعنى كما ذهبوا إليه بل هو فاضح لتخريفهم فإن الخطاب مع الكفار المعاندين وأنهم كما قال ابن كثير: يخبر تعالى عن

стр. 340

قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم باباً من السماء فجعلوا يصعدون لما صَدّقوا بذلك بل قالوا: (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سُدَّت أبصارنا، وقال قتادة: عن ابن عباس: أُخِذَتْ أبصارنا، وقال العوفي عن ابن عباس: شُبِّهَ علينا وإنما سُحِرْنا، وقال الكلبي: عميت أبصارنا، وقال ابن زيد: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) السكران الذي لا يعقل. انتهى من تفسير ابن كثير. فالذي يُخبر به الذين يسمون: روّاد الفضاء أنهم إذا ارتفعوا وجدوا ظلمة وأنهم يقولون: سُدَّتْ أبصارنا وأغلقت لا نرى شيئاً، فهم يخبرون عن ظلمة يدخلون فيها إذا ارتفعوا في الفضاء. أما الذي تخبر عنه الآيتان فإنما هو تقدير معناه أن الله لو فتح لهم باباً من السماء المبنية ذات الأبواب ثم أقدرهم سبحانه على الصعود حتى وصلوا إلى السماء ودخلوا بابها واستمروا في الصعود لقالوا الذي ذكر الله عنهم. يعني أنه من شِدّة مكابرتهم وعنادهم ينكرون هذه الحقائق العظيمة لو حصلت لهم كما ذكر سبحانه، فأين هذا من هذا؟. فالرب سبحانه يخبر في الآيتين عن الكفار أنهم لو صعدوا ورأوْا بأعينهم صدق خبر الرسول محمد ﷺ بأن يُفتح لهم باب السماء فيعرجون

стр. 341

فيه ويرون آيات السماء (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) يقولون ذلك جحوداً ومكابرة وعناداً. فالقصة كلها ليس فيها ذكر ظلمات أثناء الصعود بل بالعكس فيها إبصار حقيقي ونظر تام على تقدير حصولها فإنهم رغم ما يبصرونه ويشاهدونه بأعينهم عن قرب من آيات ربهم الذي أرسل إليهم هذا الرسول الكريم ﷺ يلجّون في عتوّهم وعنادهم ويقولون ما ذكر الله عنهم. وقد ذكر الله من تعنّتهم ما يشبه هذا في سورة الإسراء وغيرها من سور القرآن، قال تعالى عنهم: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً). ويزيد ما تقدم وضوحاً ما رواه ابن جرير من حديث ابن عباس عن اجتماع كبراء قريش وسؤالهم النبي ﷺ هذه الأشياء التي ذكر الله عنهم في سورة الإسراء والحديث طويل وفي آخره أنه لما قام عنهم رسول الله ﷺ قام معه عبد الله بن أبي أمية وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب،

стр. 342

فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوّفهم به من العذاب، فو الله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيْم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزيناً أسفاً لِما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوْه. انتهى. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس في تفسير الآيات المتقدمة. والشاهد في قول عبد الله بن أبي أمية: (وأيم الله لو فعلتَ ذلك لظننت أني لا أصدقك) والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فأين هذا مما ذهب إليه زغلول النجار وأيده عليه صاحب كتاب توحيد الخالق؟ كيف تصرف معاني القرآن إلى هَوَس الملاحدة؟ هذا والله عظيم. وإنه لظاهر بيِّن أن هؤلاء لا يُعَوِّلون على تفاسير السلف إلا ما نَدَر، كذلك فإنه ظاهر بيِّن أنهم بأدنى ما يظنونه مناسبة بين الآية وبين كشوف الكفار ولو كان من باب: سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتّان بين مشرق ومغربِ

стр. 343

إنهم يظنون أنهم وجدوا ضالّتهم لترويج البضاعة المزجاة، وبذلك أتوْا بما لم تستطعه الأوائل. فليعلم هؤلاء أن فعلهم هذا يستلزم أن السلف قد أجمعوا في تفسير القرآن الذي خالفوهم به على ضلالة وحسْبهم بهذا ضلالة.

стр. 344

تصديق صاحب كتاب توحيد الخالق بالوصول إلى الكواكب ويقول صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص١٥: تقدم البحث الآن .. فماذا وجدوا؟ فبعد أن نزلوا في محطات في الكواكب في المجموعة الشمسية - ماذا وجدوا؟. وجدوا أن المقر في حالة تمثل حالة الأرض قبل ثلاثة بلايين عام، وأن الكواكب كلها تعتبر في حالة بدائية جداً بالنسبة للأرض فإذا رجعنا بعجلة الزمن إلى الخلف، نرجع ثلاثة بلايين حتى تكون الأرض كالقمر، فكيف كان القمر وكيف كانت الأرض؟ كانت في حالة سديمية دخانية هذا ما ذكره لي مدير مرصد طوكيو (بروفسيور/ يوشدو كوازي). صاحب كتاب توحيد الخالق يُصَدِق هذه المزاعم الباطلة وأنهم نزلوا في محطات في الكواكب في المجموعة الشمسية، وتأمل بلايين صاحب كتاب توحيد الخالق ومُقَلَِّديه وأن لهم خيالات وخيالات خيالية. وكل ما يذكرونه من ملايين السنين في عمر الكون ومسافات المجرات وأعدادها خيالات، أما الخيالات الخيالية فمجالها بلايين السنين

стр. 345

بالباء والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً ممن خلق وفضلنا عليهم تفضيلاً. ويقال: إذا حَدّث العاقل بما لا يليق فالمصدِّقُ لا عقل لَهْ، هذا إذا كان المُحدِّث عاقلاً. إنهم بهذا الهذيان يريدون أن يصدقهم الناس بوصول القمر وهم لم يقتربوا منه ولن يصلوا، ومادة العالم العلوي لا يعرفونها.

стр. 346

أرض العرب والمروج والأنهار وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص٢٥ تحت عنوان: (جزيرة العرب في ماضيها ومستقبلها) أن غربياً ذكر أنهم درسوا تاريخ الأرض في الماضي فوجدوا أنها تمرّ بأحقاب متعددة من ضمن هذه الأحقاب المتعددة حقبة تسمى العصور الجليدية، وهو أن كمية من ماء البحر تتحول إلى ثلج وتتجمع في القطب المتجمد الشمالي ثم تزحف نحو الجنوب وعندما تزحف نحو الجنوب تُغطي ما تحتها وتُغيّر الطقس في الأرض، ومن ضمن تغيير الطقس تغيير يحدث في بلاد العرب فيكون الطقس بارداً وتكون بلاد العرب من أكثر بلاد العالَم أمطاراً وأنهاراً. ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق للغربي: قلت له: إسمع من أخبر محمداً ﷺ بذلك هذا كله مذكور في حديث رواه مسلم يقول ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) ثم أخبر صاحب كتاب توحيد الخالق أن هذا الغربي قال: وهذا يدل على أن النبي محمد لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علوي.

стр. 347

الجواب: نحن ولله الحمد بغنية عن أن تُفَسَّر لنا الآيات والأحاديث على مقتضى علوم الملاحدة، وخبر النبي ﷺ هذا نؤمن به ونصدّق ولا نتكلّف تكلفاً يلقينا في بحار الخيالات بل والضلالات، وقد قال تعالى عن نبيه: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)، وما قامت علوم مقلِّدة الدهرية إلا على ساق التكلف فإن هذا ظاهر لا يخفى. وقد تكلم على هذا الحديث كثيرون في وقتنا ومَرْجعهم كلهم في شرحه وبيانه إلى علوم المعطلة وكأنها قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إن من يتابع كلامهم في شأن عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً يرى أنه محال جملة وتفصيلاً على هذيان الغرب الكافرة من نشأة الأرض وكوْنها غازاً فتكثفت وكوْنها تدور، ولذلك شرحوا الحديث على اعتبار العصور الخيالية التي مَرَّت عليها الأرض فذكروا ما سمّوه العصر البليستوسين، والعصر الأوردفيشي، والعصر الكربوني، والعصر البرمي، وهذا العصر الذي سمّوه البرمي يقولون أنه متأخر عن العصور التي قبله، ويحددون عمر هذا العصر البرمي المتأخر بـ (٢٥٠ إلى ٢٧٠) مليون سنة تقريباً. كذلك شرحوا هذا الحديث على مقتضى أن الجزيرة العربية وأفريقيا كانت كتلة واحدة متصلة منذ ٤٠ مليون سنة.

стр. 348

وهذه العصور والملايين كلها من زبالة خيالات الملاحدة. والذي قاله نبينا ﷺ حق وصدق سواء أحاطت به عقولنا أو لم تحط به ولا يتم الإسلام إلا على ظهر التسليم. وهنا ينبغي الحذر الشديد من الوقوع في متاهات الكفرة وضلالاتهم أو شيء منها فإن بعضها يجرّ إلى بعض، إن نظرياتهم متعانقة متماسكة مشكاتها واحدة وهي مشكاة التعطيل تبدأ منه وتنتهي إليه. وليُعلم أن الخلاف بينهم في هذه النظريات يعود إلى وِفاق في الأصول الابتدائية والفروع النهائية وذلك أن الوجود واحد، وإن أحسن أحوال من سلك طريقهم في أصل الكون وتابع نظرياتهم في علم الأرض وغيره إن أحسن أحواله الشك وحسبك به داء، وإلاّ فكم وكم من ضحايا لهم في هذا الزمان صار سبيلهم سبيل من هلك. إن من يدّعي أن هذا الطريق يُعرِّف بالله أو يُقرب إلى الله أو يكمل علم الدين فإنه لا يرى الكفاية بما دعا إليه رسول الله ﷺ وصحابته ﵃ ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين وعلمائهم حتى عصرنا. فإن قال: هذا شيء لم يحدث في الماضي ولو حدث لجعلوه طريقاً للدعوة وللهدى والإيمان، فيقال: لو كان خيراً لفُتِحَ عليهم، وإنه إنما جاء ليزيد الدين غربة، وهذا حاصل فقد مُلئِت الدنيا من هذه العلوم وشُغِل الخلق فيما لم يؤمروا به بل بما نهوا عنه من الخوض والتخرص والظنون

стр. 349

والضلالات والخيالات وماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت والله إلحاد كثيرين ساروا مع هذه النظريات حيث سارت واسْتقرؤا بداياتها ونهاياتها فوصلوا إلى ما وصل إليه أربابها من التعطيل. وكأننا في جهل بمخلوقات ربنا حتى يعلمنا هؤلاء أو في نقص حتى يكملوا أحوالنا، أو أن الدعوة لا تحصل إلا بذلك. لقد أنزل الله آياتاً من كتابه العزيز فيها الثناء على المؤمنين الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض وأنهم هم أولوا الألباب، ولقد كان في ذروة هذا وسنامه الرعيل الأول، ولقد كان نظرهم وتفكرهم كنظر نبيهم وتفكره، ومن يؤمن إيمانهم؟ ومن يهتدي هُداهم؟. لقد حُشيَتْ قلوب أمة محمد ﷺ ذُلاًّ بجانب أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء دينه، وما ظُلمنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فقد ذكر أهل العلم أن كل شر في العالَم إنما يحصل بسبب الذنوب، وأن سلوك طرق الكفار والتشبه بهم في علومهم وأعمالهم لمن أضر الأضرار في هذا الزمان على الأمة وإنما (لا يشعر تائه لمصابه) وقد وَرَدَ أن الله إذا أراد إنفاذ أمر سَلَبَ أهل العقول عقولهم حتى ينفذه فإذا رَدّ عليهم عقولهم وقعت الندامة. ومما يبين فساد ما فُسِّرَ به الحديث ذكر العصور التي مددها بزعمهم ملايين السنين مع أن قبلها أزمان للمادة عندهم لا تُحَدّ فالمادة عندهم

стр. 350

أزلية وهو قول الفلاسفة وهو كفر حتى مع إثبات وجود الخالق كيف بهؤلاء الذين لا يعترفون بوجوده؟. والمراد أن سلوك سلبهم ضلالة من البداية إلى النهاية، أما إصابتهم فيما يصيبون فيه من العلم بالمخلوقات فغايتهم ظَواهِر من الحياة الدنيا عندنا ولله الحمد من العلم بها ما يكفي مع الأمان من سلوك طرقهم المفضية إلى الضلالة ولا بد. ألا يكفينا ما كفى الصحابة والسلف الذين ذهبوا بالإيمان واليقين والعلم الراسخ المتين؟ أيظن مقلِّدة الغرب أن يكونوا أهدى منهم؟ ولقد حُذِّرنا غاية التحذير من اتباع سنن الأمم قبلنا مع أننا أُخبرنا أن هذا الإتباع سيقع بشكل يكاد ألا يُصَدَّق به لولا أنه خبر الصادق المصدوق ﷺ فإنه لم يحدث في قرون الأمة مثل هذا الإتباع ولا ما يقارب عشر معشاره ولقد كانت النتيجة استحكام الغربة واشتداد الكربة. فالحديث ورد فيه ذكر المروج والأنهار، فالمروج في زماننا تَعَدَّتْ الوصْف والذي يعرف أرض الجزيرة قبل ٧٠ سنة تقريباً يعلم أن الذي حصل في أرضها انقلاب هائل ما كان أهلها يظنون أن يُقارب ولا بعض ما حصل. فقد عُمِرَت الأراضي بالزراعة سواء منها القابل المخصب، أو البور المجدب، وسواءاً القريب من المدن أو البعيد عنها كما هو ظاهر لكل أحد

стр. 351

فقد صارت مروجاً لأن المرْج هو الأرض الواسعة يكون فيها النبات الكثير، فهذا قريب. أما الأنهار فالإشكال فيها، فإن كان المراد هذه المياه الجارية المتدفقة على غير المعتاد فقد انحل الإشكال، وإن كان غير ذلك فالله أعلم ولا نتكلف. وعلى كل الأحوال سواء كانت هذه المزارع الكثيرة التي غَطَّت مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة هي المراد بالمروج وهذه المياه المتدفقة هي المراد بالأنهار أو أن المراد غير ذلك مما يعلمه الله، لكن المجزوم به أن ما تُوبع به المعطلة في بيان معنى الحديث باطل. أما كونها تعود كما ورد في الحديث فإذا كان المعنى أنها كانت في الماضي مروجاً وأنهاراً فما المانع من ذلك؟ لكن الباطل كل الباطل هذيان المعطلة لأن مَبْناه على كلامهم الباطل في الكون. والعجب من صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن ينبهرون انبهاراً ظاهراً وينفعلون انفعالاً لا يستطيعون إخفائه إذا سمعوا من بعض الملاحدة كلمة فيها إما إقرار بالجملة بوجود خالق للكون من غير التزام بعبوديته أو نحو ذلك، إنهم يُقيمون الدنيا ويقعدونها، وقد كان يحصل أعظم من ذلك من اليهود والنصارى في حياة النبي ﷺ وبعده ولا تُقام

стр. 352

الدنيا ولا تُقعد، فإنه يوجد في كل زمان من يعترف بالخالق من الدهرية ومن يعترف بالرسول من أهل الكتاب من غير دخول في الإسلام. كذلك فإن دعوة الكفار بما يؤيّد باطل قومهم باطلة حيث إنها تؤول إلى الضلال، ولقد اهتدت الخلق من العرب والعجم على يد رسول الله ﷺ وأصحابه وأتباعهم بالطرق الشرعية قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهل نسْتدرك ونكمل بهذه الطرق المحدَثة الدعوة أم أنه فَتْح أبواب ضلالة؟ ثم لوْ قُدِّر مصلحة بذلك فمفاسدها لا تُحد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والداعي إذا دعى إلى الله متبعاً بذلك نبيه ﷺ فلا يُسْأَل عن نتائج دعوته، فبعض الأنبياء يأتي يوم القيامة ومعه الرجل وبعضهم معه الرجلان وبعضهم يأتي وليس معه أحد ونشهد أنهم بَلّغوا البلاغ المبين، وليس عليهم ملام. وإنما يسْأل الداعي عن انحرافه في الدعوة عن طريق نبيه ﷺ وهو قد أُمر بإتباعه دون تكلّف. وقد تقدم جواب شيخ الإسلام فيمن يدعو بالغناء بالشعر المباح بمصاحبة الدّف فاهتدى على يديه قطّاع الطريق الذين يقتلون ويشربون الخمر ويسرقون، فقال عن طريق دعوته إنها بدعية.

стр. 353

وارجع إلى قول شيخ الإسلام ﵀ في الجواب وهو أن العمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم فإن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَه. وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه. انتهى. فيقال هنا: إنه على تقدير وجود مصلحة فما قيمتها وما قدْرها بجانب مفسدة التعطيل الذي تُفتح أبوابه، وبجانب تحريف معاني كلام الرب سبحانه وتغيير المراد منه؟ مع أن أمر هؤلاء الخائضين مبني على الظن والتخرص وانظر ما قاله صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) ١/ ٩٩ ومع كلامه هذا يُقرر نظرياتهم الزائفة يقول: ومع كل هذا الاجتهاد العلمي في تفسير الآيات القرآنية الكونية، فإن ما قدمه المفسرون في شأن عبارة عن تفسيرات ظنية، ولا يمكن الجزم فيها بأمور يقينية، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، ومهما تقدم العلم وتطورت أساليبه سيظل الإنسان عاجزاً عن معرفة كيفية تكوين الكون بما فيه من عناصر وظواهر، ولن يستطيع الإنسان بما أوتي من علم محدود معرفة أصل مادة الكون وممن خلق؟ وسبحان الله العلي القدير بديع السموات والأرض، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.

стр. 354

الدعوة إلى الله بالطرق الشرعية وحتى يتبين أن صاحب كتاب توحيد الخالق سلك في الدعوة مسلكاً محدثاً خالف فيه السلف الذين اتبعوا نبيهم ﷺ وصحابته الكرام في الدعوة امتثالاً لقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فسوف أذكر هنا كلامه من كتابه (العلاج هو الإسلام) من ص١٦ - ٢٢ قال صاحب كتاب توحيد الخالق: * سؤال له أهميته: لكني سألت نفسي وقلت: لو حضر الآن عندنا جمع من أساتذة الجامعات، ومن رؤساء الشركات، والقادة السياسيين، ومن محرري الصحف والكتاب فيهم مجموعة من الطبقة المثقفة في أنحاء العالَم من الشرق والغرب، وجلسوا وقالوا: حسناً أسمعونا ما عندكم .. سألت نفسي: كيف سنقيم لهم الحجة بان محمداً رسول الله ﷺ ؟! كيف سنقنعهم بذلك؟!. * الإجابة الربانية: ووجدت الجواب، -والجواب ليس من عندي- الجواب من عند الله الذي يعلم أن هذا ما سيكون، وأن هؤلاء البشر سيوجدون وغيرهم

стр. 355

فجعل الله لهم الجواب. سألت نفسي وقلت: إن الذين عاشوا في عهد الرسول ﷺ كانوا يشاهدون بينات قوية وحججاً واضحة، فكيف لا يؤمنون وهم يشاهدون انشقاق القمر نصفين؟!. وهم يشاهدون الرياح تقاتل مع الرسول ﷺ . وهم يشاهدون الملائكة تنزل. وهم يشاهدون الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ . وهم يشاهدون الدعوة تستجاب يدعو الرسول ﷺ لشخص فقئت عينه فلا يرفع يده إلا بعين أخرى هي أحسن من العين التي لم تصب. يخبرهم بأخبار الغيب ﷺ . * سؤال يخطر بالبال: فسألت: هل جيلنا هذا قد حرم من البيّنة الواضحة التي تسكن اليقين في قلبي؟!. هل هذه الأمم والشعوب التي لا تعرف البلاغة ولا تدرك الفصاحة في لغة القرآن والإعجاز البلاغي .. هل عليها أن تتعلم اللغة العربية، وأن تتفوق في فنون فصاحتها لتدرك الإعجاز البلاغي في هذا الكتاب الكريم؟!.
следующие страницы →