← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36624

الفرقان في بيان إعجاز القرآن

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (465 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فقد صارت مروجاً لأن المرْج هو الأرض الواسعة يكون فيها النبات الكثير، فهذا قريب. أما الأنهار فالإشكال فيها، فإن كان المراد هذه المياه الجارية المتدفقة على غير المعتاد فقد انحل الإشكال، وإن كان غير ذلك فالله أعلم ولا نتكلف. وعلى كل الأحوال سواء كانت هذه المزارع الكثيرة التي غَطَّت مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة هي المراد بالمروج وهذه المياه المتدفقة هي المراد بالأنهار أو أن المراد غير ذلك مما يعلمه الله، لكن المجزوم به أن ما تُوبع به المعطلة في بيان معنى الحديث باطل. أما كونها تعود كما ورد في الحديث فإذا كان المعنى أنها كانت في الماضي مروجاً وأنهاراً فما المانع من ذلك؟ لكن الباطل كل الباطل هذيان المعطلة لأن مَبْناه على كلامهم الباطل في الكون. والعجب من صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن ينبهرون انبهاراً ظاهراً وينفعلون انفعالاً لا يستطيعون إخفائه إذا سمعوا من بعض الملاحدة كلمة فيها إما إقرار بالجملة بوجود خالق للكون من غير التزام بعبوديته أو نحو ذلك، إنهم يُقيمون الدنيا ويقعدونها، وقد كان يحصل أعظم من ذلك من اليهود والنصارى في حياة النبي ﷺ وبعده ولا تُقام

стр. 352

الدنيا ولا تُقعد، فإنه يوجد في كل زمان من يعترف بالخالق من الدهرية ومن يعترف بالرسول من أهل الكتاب من غير دخول في الإسلام. كذلك فإن دعوة الكفار بما يؤيّد باطل قومهم باطلة حيث إنها تؤول إلى الضلال، ولقد اهتدت الخلق من العرب والعجم على يد رسول الله ﷺ وأصحابه وأتباعهم بالطرق الشرعية قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهل نسْتدرك ونكمل بهذه الطرق المحدَثة الدعوة أم أنه فَتْح أبواب ضلالة؟ ثم لوْ قُدِّر مصلحة بذلك فمفاسدها لا تُحد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والداعي إذا دعى إلى الله متبعاً بذلك نبيه ﷺ فلا يُسْأَل عن نتائج دعوته، فبعض الأنبياء يأتي يوم القيامة ومعه الرجل وبعضهم معه الرجلان وبعضهم يأتي وليس معه أحد ونشهد أنهم بَلّغوا البلاغ المبين، وليس عليهم ملام. وإنما يسْأل الداعي عن انحرافه في الدعوة عن طريق نبيه ﷺ وهو قد أُمر بإتباعه دون تكلّف. وقد تقدم جواب شيخ الإسلام فيمن يدعو بالغناء بالشعر المباح بمصاحبة الدّف فاهتدى على يديه قطّاع الطريق الذين يقتلون ويشربون الخمر ويسرقون، فقال عن طريق دعوته إنها بدعية.

стр. 353

وارجع إلى قول شيخ الإسلام ﵀ في الجواب وهو أن العمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم فإن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَه. وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه. انتهى. فيقال هنا: إنه على تقدير وجود مصلحة فما قيمتها وما قدْرها بجانب مفسدة التعطيل الذي تُفتح أبوابه، وبجانب تحريف معاني كلام الرب سبحانه وتغيير المراد منه؟ مع أن أمر هؤلاء الخائضين مبني على الظن والتخرص وانظر ما قاله صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) ١/ ٩٩ ومع كلامه هذا يُقرر نظرياتهم الزائفة يقول: ومع كل هذا الاجتهاد العلمي في تفسير الآيات القرآنية الكونية، فإن ما قدمه المفسرون في شأن عبارة عن تفسيرات ظنية، ولا يمكن الجزم فيها بأمور يقينية، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، ومهما تقدم العلم وتطورت أساليبه سيظل الإنسان عاجزاً عن معرفة كيفية تكوين الكون بما فيه من عناصر وظواهر، ولن يستطيع الإنسان بما أوتي من علم محدود معرفة أصل مادة الكون وممن خلق؟ وسبحان الله العلي القدير بديع السموات والأرض، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.

стр. 354

الدعوة إلى الله بالطرق الشرعية وحتى يتبين أن صاحب كتاب توحيد الخالق سلك في الدعوة مسلكاً محدثاً خالف فيه السلف الذين اتبعوا نبيهم ﷺ وصحابته الكرام في الدعوة امتثالاً لقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فسوف أذكر هنا كلامه من كتابه (العلاج هو الإسلام) من ص١٦ - ٢٢ قال صاحب كتاب توحيد الخالق: * سؤال له أهميته: لكني سألت نفسي وقلت: لو حضر الآن عندنا جمع من أساتذة الجامعات، ومن رؤساء الشركات، والقادة السياسيين، ومن محرري الصحف والكتاب فيهم مجموعة من الطبقة المثقفة في أنحاء العالَم من الشرق والغرب، وجلسوا وقالوا: حسناً أسمعونا ما عندكم .. سألت نفسي: كيف سنقيم لهم الحجة بان محمداً رسول الله ﷺ ؟! كيف سنقنعهم بذلك؟!. * الإجابة الربانية: ووجدت الجواب، -والجواب ليس من عندي- الجواب من عند الله الذي يعلم أن هذا ما سيكون، وأن هؤلاء البشر سيوجدون وغيرهم

стр. 355

فجعل الله لهم الجواب. سألت نفسي وقلت: إن الذين عاشوا في عهد الرسول ﷺ كانوا يشاهدون بينات قوية وحججاً واضحة، فكيف لا يؤمنون وهم يشاهدون انشقاق القمر نصفين؟!. وهم يشاهدون الرياح تقاتل مع الرسول ﷺ . وهم يشاهدون الملائكة تنزل. وهم يشاهدون الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ . وهم يشاهدون الدعوة تستجاب يدعو الرسول ﷺ لشخص فقئت عينه فلا يرفع يده إلا بعين أخرى هي أحسن من العين التي لم تصب. يخبرهم بأخبار الغيب ﷺ . * سؤال يخطر بالبال: فسألت: هل جيلنا هذا قد حرم من البيّنة الواضحة التي تسكن اليقين في قلبي؟!. هل هذه الأمم والشعوب التي لا تعرف البلاغة ولا تدرك الفصاحة في لغة القرآن والإعجاز البلاغي .. هل عليها أن تتعلم اللغة العربية، وأن تتفوق في فنون فصاحتها لتدرك الإعجاز البلاغي في هذا الكتاب الكريم؟!.

стр. 356

* الإجابة في هذا الكتاب الكريم عن كل هذه التساؤلات: فوجدت أن الأجوبة موجودة في غاية الوضوح والقوة في هذا الكتاب الكريم. أولاً: أن معجزة محمد ﷺ باقية لا تنتهي بانتهاء زمنه ﵊. أين عصا موسى ﵇؟! أيها اليهود قدموا لنا عصى موسى، أرونا هذه العصا وهي تفرق البحر نصفين، وهي تتحول إلى ثعبان، هل يمكنكم أن تقدموا لنا هذه المعجزة؟. إن هذا ليس لكم وليس في استطاعتكم إلا خبر التاريخ، أيها النصارى أين بينة عيسى ﵊، وهل تستطيعون أن تقدموا للناس عيسى اليوم وهو بُبريء الأكمه، والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله. يقولون: ليس عندنا بينة حاضرة الآن، بينات الرسل قبل محمد ﷺ انقطع وجودها بحياة الرسل على الأرض، وإن كان سيدنا عيسى ﵊ سيعود مرة ثانية وما بقى لأتباعها إلا الخبر والرواية وهذا الخبر وتلك الرواية من أراد أن يشكك في تلك الأخبار والروايات في هذا الزمان فعنده إمكانية أن يشكك ولولا أن القرآن سجلها، وشهد بها وأثبتها لما تمكن النصارى من أن يقيموا سنداً مضبوطاً صحيحاً يقنع العقل

стр. 357

المحايد الذي يبحث عن الحقيقة في هذا الموضوع، لكن معجزة محمد ﷺ باقية إلى الآن: القرآن والسنة والوَحْي. قال ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة) (١). * حجة محمد ﷺ : فحجة محمد ﷺ هي بيّنته التي عليها يؤمن الناس، وهي الوحي، والوحي ذاته بين أيدينا في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ . ولكن ما طبيعة هذا الإعجاز؟ طبيعته التجدد، أنظروا إلى الطبيعة العجيبة في هذا الوحي: كتاب وسنة ولكنها تتجدد مع مر الزمن، وتتجلى مع كل عصر بجديد تقنعهم، وتبين لهم أن هذا الوحي من عند الله -جلّ وعلا- وأن الرسول صادق ما كذبهم ﷺ . كيف تتجدد هذه المعجزة المتمثلة في كتاب الوحي؟ إن طبيعة الإعجاز في هذا الكتاب طبيعة علمية؛ فهذا الكتاب نزل بعلم الله، وانتشر علمه ليزداد منه جيل بعد جيل، فكلما تقدم البشر في

стр. 358

علومهم وارتقوا إلى مستوى فهم العلم الإلهي الذي يشتمل عليه الوحي علم ذلك الجيل بذلك النوع من العلم أن هذا الوحي من عند الله -جلّ وعلا- فالرسالة المعجزة واحدة، الرسالة وبيّنتُها اجتمعتا في شيء واحد وهو الوحي. إن البشر يتقدمون في كل مجال من المجالات، وفي أي ميدان من الميادين تجد الوحي يغطي تلك المجالات، ويتحدث عنها، ويتجدد علمه لأهل كل عصر، فإذا بالوحي والعلم الذي بالوحي يتجلى عصراً بعد عصر، وزمناً بعد زمن ليتبين للناس أن هذا الوحي من عند الله. قال تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (١). أي: شهادة الله بأن هذا القرآن من عند الله والعلم الذي في هذا القرآن، وأن هذا العلم يتجلى جيلاً بعد جيل وزمناً بعد زمن، كما قال تعالى في كتابه الكريم: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (٢) أي هو يتجلى حيناً بعد حين، وزمناً بعد زمن، حتى إذا دخل أهل الجنة شهدوا إعجازاً علمياً أيضاً في الجنة، وإذا دخل أهل النار شاهدوا إعجازاً علمياً؛ فقال أهل الجنة: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (٣). (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ

стр. 359

حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (١). فبيّنة هذا القرآن، وحجة هذا القرآن متجددة مع الزمان ذلك لأن طبيعة المعجزة في هذا الوحي هي (طبيعة علمية)، العلم يتجدد زمناً بعد زمن ويتقدم في مجال إثر مجال، وحيثما توجه علم الإنسان وجد جديداً في هذا الوحي يبين له أن هذا الوحي من عند الله. * تطاول ممقوت على علوم الأولين: وأهل عصرنا الذين تفوّقوا في مجال الكشوف الكونية يلذّ لهم أن يتطاولوا على الدين؛ لقد وقف احدهم يتطاول لا أقول: وقف أحدهم قاصداً واحداً بعينه فـ (الواحد) هنا عبارة عن الجميع، كلهم يتطاولون!! كلهم إذا نظروا إلى الأجيال من قبلهم قالوا: في نصف القرن الأخير في الخمسين سنة الأخيرة فقط ٧٠% من العلم البشري في التاريخ كله هو حصيلة خمسين سنة لتقدم العلم السريع، فماذا عند الأولين من علوم؟! وماذا عسى أن يكون عند السابقين من العلوم والمعارف؟! إن لدينا الأجهزة، وعندنا الأدوات والإمكانيات، عرفنا أسرار السماء، عرفنا أسرار البحار، عرفنا باطن الأرض، عرفنا أسرار تركيب الإنسان، عرفنا، عرفنا ... إلخ.

стр. 360

* هذا من فضل ربي! ولكن من فضل الله -سبحانه- أن يجدوا وأن يجد الباحثون أن كثيراً مما شاهدوه في آفاق الكون قد ذكر في كتاب الله الكريم وفي سنة نبيه الأمين ﷺ . فجاء الجواب إذن الجواب القريب السريع واللغة العالمية المشتركة بين اليابانيّ والأمريكيّ والروسيّ والهنديّ واليهوديّ والنصراني والأوربي، اللغة المشتركة اليوم بين علماء العصر هي (الكشوف العلمية) في آفاق الكون، أليست هذه هي: (مناهج الدراسة في جميع هذه البلدان) إنها لغة واحدة تتخاطب بها البشرية، الكشوف الكونية وهم أعرف الناس بها والعلماء أعرف الناس بما يجب أن يبذل في هذا المجال لتحقيق كشف علمي، وهم أعرف من غيرهم كيف جاءت هذه الكشوف الكونية، وكم من الوقت بذل؟ وكم من الجهد والطرق والوسائل حتى وصلوا إلى تحقيق أمر من الأمور، فإذا قلنا لهم: هذا الذي علمتموه بعد طول بحث وأجهزة دقيقة وإمكانيات هائلة ووقت طويل هذا الذي اكتشفتموه قد أجراه الله على لسان نبي أميّ قبل ألف وأربع مائة عام في زمن كان العقل تغلب عليه الخرافة وأصدق دليل على هذا تلك البيئة التي بُعث فيها محمد ﷺ وكيف كانت تفكر، هذا نموذج من التفكير: يأخذ أحدهم قطعة من الحلوى، ويشكلها على شكل صنم، ثم يعبدها .. لماذا؟ قال:

стр. 361

لتحفظني من شرور الطريق!! قطعة صنعها هل ستحفظه؟ وهي التي إذا جاع أكلها، فكيف تحفظه؟ ثم كيف لم تدفع عن نفسها غائلته لا منطق إنه تخريف في تخريف، حجر لا يضر ولا ينفع أما وسيلة العلم المتبعة؛ فهي الكتابة على الأحجار والجلود فتصوروا يا طلاب العلم لو طلبنا منكم يا طلاب الجامعة أن تعودوا للكتابة على الأحجار أي تقدم ستحرزونه في هذا؟ تلك وسيلة العلم وذلك مستوى التفكير، تنجيم، تخريف، شياطين، هذا هو المستوى في ذلك العصر، في عصر سادته الخرافة ومع هذا المستوى تأتي الأوصاف الدقيقة لظواهر كونية بأسلوب يعجز عنه جميع علماء اليوم وفي عصرنا هذا. ثم ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق من جنس ما في جميع كتبه من الخوض الذي يجمع فيه بين آيات القرآن غصْباً وعلوم الملاحدة فذكر تحت عنوان: (أمثلة للسّبق القرآني): السحب الركامية وأسرار البحار وأن مياهها لا تمتزج وقد تقدم بيان ذلك وذكر النبات من جنس ما يُردِّد في كتبه، وذكر الجبال. بعد ذلك قال في ص٥٠: هذا أيها الأخوة جواب عن السؤال الذي تطرقت إليه في بداية المحاضرة (يريد السؤال الذي تقدم في ص٢٩٣. وهو قوله سؤال له أهميته). ثم قال: وهو هل يمكننا أن نتكلم مع مجموعة من أقطاب العالَم اليوم كلاماً يفهمونه ويؤثر فيهم ويعرفون أنه الحق؟. يقال للزنداني: النبي ﷺ دعا أمم الكفر على اختلاف نِحَلِهِم بالطرق الشرعية وأمرنا باتباعه وأخبر الله سبحانه أن أتباعه على الحقيقة هم الذين يدعون على بصيرة وذلك بالطرق الشرعية. أما ما أُحْدث من مجاراة المعطلة وتنزيل معاني آيات القرآن قسْراً على مقتضى ضلالهم فهذا يزيدهم إغراءً بضلالهم ويُضل المسلمين عن معاني كلام ربهم، وقد أمرنا الله باتباع نبينا ﷺ في الدعوة وغيرها، أما تحكيم الرأي فضلالة. ومما يبين إعجابه بالدعوة بهذه الطرق الضالة المضلّة وحَثّه على سلوكها قال في كتابه: (العلاج هو الإسلام). قال: هل يمكننا أن نتكلم عن مجموعة من أقطاب العالَم

стр. 362

اليوم كلاماً يفهمونه ويؤثر فيهم ويعرفون أنه الحق؟. الجواب: صاحب كتاب توحيد الخالق يسدّ طرق الدعوة الرحيبة المستنيرة ويفتح هذا الطريق المظلم. الدعوة كغيرها من أمور الدين التي أُمرنا أن نتبع فيها ولا نبتدع، ولينظر من ترك طريق الرسول ﷺ وأصحابه بالدعوة بأي شيء وقع؟. لقد حُرِّفت معاني القرآن والحديث، واحْتُقِر السلف، وعُظِّم الكفار، وعُظِّم وصُوِّب ضلالهم، وضل من ضل من المسلمين بسلوك طرق ظنوها

стр. 363

طرق هدى وهي طرق ضلالة، وغير ذلك من الأضرار التي سببها الأكبر انتحال طريق مُحْدَث لمعرفة الحق والدعوة إليه. لقد اتسعت الفتوحات في خلافة عمر ﵁ وما دعا الصحابة دول الكفر بغير الطريق التي دعا بها نبيهم لم يغيروا ولم يبدلوا لا في الدعوة ولا غيرها، وقد كان واقع الحال من اتساع الفتوحات والإنفتاح على عالَم مختلف عن عالَم الصحابة ﵃ داع للتغيير والاستحسان، ولكن الشيطان لم يقدر عليهم، وحتى لغات القوم لم يتعلموها، وقد كانت الحاجة إليها ماسّة بل نقل شيخ الإسلام في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) الكتاب العظيم الذي لم يُكتب في موضوعه مثله، ولو رجعت الأمة اليوم إلى ما فيه لوجدت عزها المفقود، ونصرها الموعود. والمراد أن الشيخ ذكر في (ص١٢٨) نهي عمر عن تعلم رطانة الأعاجم وذكر أن هذا مما يبين ثبوت قوة شكيمته في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم. ونقل الشيخ عن مالك (١) أنه قال: ونهى عمر ﵁ عن رطانة الأعاجم وقال: إنها خِبٌّ (٢) (ص١٣٥). وذكر الشيخ في نفس الكتاب تحريق عمر الكتب الأعجمية وغيرها.

стр. 364

وذكر شيخ الإسلام أيضاً أن عمر انتفع بما أنكر عليه النبي ﷺ لما رأى بيده شيئاً من التوراة (١)، قال الشيخ: ولهذا كان الصحابة ينهون عن اتباع كتب غير القرآن، وعمر انتفع بهذا حتى أنه لما فتحت الإسكندرية وُجِدَ فيها كتب كثيرة من كتب الروم فكتبوا فيها إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال: حسْبنا كتاب الله (٢). أما قول صاحب كتاب توحيد الخالق المتقدم: (فكلما تقدم البشر في علومهم وارْتقوا إلى مستوى فهم العلم الإلهي الذي يشتمل عليه الوحي، إلى آخره، فيقال له: أي تقدم هذا الذي يرقى بالبشر إلى فهم العلم الإلهي؟ إن كانت علوم المعطلة فقد تبين ضلالها، وإن كان العلم النافع فهو في نقص من وقت الصحابة إلى يومنا هذا الذي قَلّ فيه العلم النافع الذي يصل نوره إلى القلوب فيوجب التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ويوجب الخشية التي هي من أبرز علاماته، فأين العلم اليوم، وأين أثره في الوجود؟. أما ما فُتح من العلم في وقتنا فهو مصروف عن طريقه مُبْعَدٌ عن تأثيره مُزاحَمٌ بما يضعفه مشوب بما يفسده. وكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر ﵄ أنه وجد مكتبة في بلاد فارس فيها كتبهم فأمر عمر أن تحرَّق.

стр. 365

وفيما تقدم حجة على أهل الوقت. والمقصود أن الدعوة كغيرها إنما تكون بالاقتداء والاستنان برسول الله ﷺ وأصحابه الكرام ﵃ حيث وفّقهم الله للكمال في ذلك، فمن خالفهم في منهج الدعوة بَان خَلَلُه بقدر مخالفته حَتْماً. أما طرق الدعوة المستحدثة فَعَواقبها لا تؤول إلى خير لا على المدعو ولا على الداعي نفسه، ولذلك يقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) ص٥١. ودراسة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم تهدف إلى إقناع غير العرب والإنسانية كلها بالقرآن الكريم، وأنه من عند الله ، وتعزيز إيمان المسلمين بالقرآن وحمايتهم من أخطار الغزوات الفكرية وبريق النتائج المعاصرة، ومن ثم فإن الأبواب مفتوحة لكل العلماء لدراسة آيات الله الكونية والطبيعية كل في تخصصه على مر الزمان وجيلاً بعد جيل للوقوف على ما تم للعلم الوصول إليه من بعض الحقائق التي أشار إليها القرآن الكريم. يقال: إقناع غير العرب بالقرآن الكريم إنما يكون بالطرق الشرعية للدعوة، ولقد اهتدت العرب وغير العرب بدعوة الرسول ﷺ ودعوة أصحابه وأنزل الله على نبيه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي).

стр. 366

فالرسول ﷺ ومن دعا بدعوته على نهجه هم أهل البصائر وهم أهل الإتباع وهم الفرقة الناجية حيث حققوا معنى (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (١)، ومعنى (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (٢) ومعنى (وإياكم ومحدثات الأمور) ونحو ذلك من النصوص الآمرة بالإتباع الناهية عن الإحداث، وذلك في الدعوة وغيرها. وقد بينت في هذا الكتاب خطر هذه الطرق المحدَثة وأن أخطر شيء في ذلك تحريف وصرف معاني القرآن وهذا منهج سوء، وأن هذه الطرق ضلالة في الوسيلة والغاية. نعود الآن إلى خبر النبي ﷺ بعودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً فمما ينبغي التنبّه له أنه ليس كل ما أخبر به ﷺ أنه سيقع يكون مرضياً لله، فقد رأينا في زماننا من يحتج بمجرد وُرُود الخبر بأن هذا الشيء سيقع بأنه صالح ونافع، وليس الأمر كذلك، بل أكثر ما أخبر الرسول ﷺ أنه سيكون في آخر الزمان في أمته أكثره منهي عنه مثل إخباره بأن أمته تتبع سنن اليهود والنصارى، فإنه خبر جاء على وجه التحذير والذم لسننهم، والقليل جاء على وجه المدح مثل وصف الغرباء والإخبار بالمهدي وعيسى.

стр. 367

ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق يُعظم من شأن العلم ويقول: العلم هو الطريق إلى الإيمان، ويقول: العلاقة بين العلم والإسلام، ويقول: لماذا نشبت المعارك بين العلم والدين ويقول: من جهة أخرى كان العلم في بلاد المسلمين وديار المسلمين يقوم على البحث الذي يقوم على التحقيق، كان يجد بيئة خصبة لنموّه، وكان يجد إقبالاً عليه، وكان يجد حثاً عليه من علماء المسلمين. يقال للزنداني: ما هو العلم الذي تغلو به كل هذا الغلو؟ أهو علم الرسول ﷺ والصحابة فهذا علم الأمة المتبعة لنبيها وصحبه الكرام، أما غيره فسوف ترى كيف قوبل من علماء المسلمين، فإنه لما أدخل المأمون علوم اليونان وترجمها دخل على الإسلام والمسلمين من ذلك بلاء عظيم. وقد كان مشغوفاً بتلك العلوم، فانظر ما قاله العلماء في ذلك.

стр. 368

علم الأمة ميراث الرسول ذكر السفاريني في كتابه: (لوامع الأنهار البهية) عن الصلاح الصفدي أنه قال: حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه كان يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال العلوم الفلسفية بين أهلها. انتهى. وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (تذكرة الحفاظ) في ترجمة شجاع ابن الوليد بن قيس: لما قتل الأمين واستخلف المأمون على رأس المائتين نَجم التشيّع وأبدى صفحته وبزغ فجر الكلام وعُرّبت كتب الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية ... إلى أن قال: إن من البلاء أن تعرف ما كانت تنكر وتنكر ما كنت تعرف وتُقدّم عقول الفلاسفة ويُعزل منقول أتباع الرسل ويُمارى في القرآن ويُتبرم بالسنن والآثار وتقع الحيرة، فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. انتهى.

стр. 369

وقال المقريزي في كتاب (الخطط): وقد كان المأمون لما شُغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عَرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة ومائتين من الهجرة فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها فانجرّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين وعَظُم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفراً إلى كفرهم. انتهى (١). وقد تقدم أمر عمر ﵁ بتحريق مكتبة الإسكندرية ومكتبة فارس حماية وصيانة لعلم الوحي أن يُشاب بما يُفضي إلى الخسران والتباب. ويقال للزنداني: قلت بعد الكلام السابق: لكن بعد أن ضعف المسلمون واستلمت قيادة العالَم القوّة الكافرة يوم ذاك القوة الصليبية ونهض العلم في ديارها سَرَعان ما اصطدم العلم بالدين المبدّل المحرّف. انتهى. (ص٣٤، ٣٧). فهذا الكلام يتبين منه مرادك بالعلم وأنه علوم الغرب الكافر، أما العلم الذي زعمت أنه في بلاد المسلمين يقوم على البحث فهو علم ابن سينا ومحمد بن زكريا الرازي وابن الهيثم، وهؤلاء كفار بشهادة علماء

стр. 370

المسلمين الحقيقيين مثل ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم. أما علم الرسول فإنه لا يقوم على التجارب، هؤلاء هم الذين يصول بينهم ويجول صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله، أما قول صاحب كتاب توحيد الخالق: سرعان ما اصطدم العلم بالدين المبدّل المحرّف، فيقال له: علمك هذا اصطدم بالدين المحفوظ، وقد تقدم بيان ذلك ويأتي غيره، ونحن لا نَزِنُ شرعنا بما يحصل بين الكفار فليس بيننا وبينهم التقاء في شيء. وعلم المسلمين الذي جاء به الرسول ﷺ ليس هو الذي يقوم على البحث والتحقيق على مسالك المعطلة، فهو ولله الحمد نور وهدى وهو فطرة وشرعة، قد هيأ الله أسباب علمه بفطر سليمة، ونظر مجرد لا شدة ولا تعسير ولا إفناء الأعمار على ما يوجب الضلال والخسار، بل هو (نور على نور). إن بليّة صاحب كتاب توحيد الخالق التي أحدثت اللبس العظيم مع أنه فيها مقلِّد لمن سبقه من مصريين وغيرهم هي: أولاً: تسمية ضلال أعداء الله علماً. ثانياً: أنه يؤيد ويصدق الدين.

стр. 371

ثالثاً: ذكرهم ما جرى بين الملاحدة الكفرة أرباب العلوم التجريبية والضُّلال الكفرة أرباب الكنائس وثلْبهم أرباب الكنائس لأجل المعطلة. رابعاً: زعمهم أن كل ما ردّه أرباب الكنائس على الملاحدة باطل لأنه ممن الدين المحرّف، فتفرّع من ذلك. خامساً: قبول هذه العلوم وتزكيتها بالدين غير المحرّف، وهو دين الإسلام فتفرّع من ذلك. سادساً: أن من عارض هذه العلوم والكشوفات فهو من جنس أرباب الكنائس، ولو كانت الحجة معه من الكتاب والسنة. وإليك بيان ما تقدم: فالأول: التسمية بإطلاق اسم العلم خطأ فاحش حصل به لبس عظيم، وتقدم بيان ذلك. الثاني: أن هذا العلم يؤيّد الدين وأنه طريق للإيمان، وتقدم بيان أنه ضلال مضاد للدين إلا ما ندر لكن طرقه فاسدة، والمسلمون في غنى عنه. الثالث: ذكر ما جرى بين الكفرة لأجل هذه العلوم والقياس عليه فاسد من أصله فإن أحوال المسلمين لا تقاس بأحوال الكفار. الرابع: ليس كل ما أنكره أرباب الكنائس باطل وليس كل ما في كتبهم محرّف، فقد أنكروا على أرباب العلوم التجريبية الحديثة.

стр. 372

كونهم بنوا علمهم على عدم الإيمان بغير المحسوس الذي بدأ بجحود أن للكون خالقاً، وجحود جميع المغيبات من الملائكة والجن، والبعث والجنة والنار والنبوات. فأرباب الكنائس من هذا الوجه خير بكثير منهم حتى لَوْ أصاب أهل هذه العلوم في علومهم الكونية، فأولئك خير منهم لإقرارهم بالخالق والملائكة والجن والبعث والنبوات، كيف وكلامهم في الكونيات تابع لضلالهم عن المكوِّن لها إذْ أنهم لا يعتمدون على كلامه ولا كلام رسله، وإنما هوى النفوس غالب، كذلك أنكروا عليهم القول بدوران الأرض لأنه ترجمة لمعتقدهم الخبيث في الكوْن على انه لا خالق له وأصله السديم. وتقدم هذا والله سبحانه أمر نبيه أن يعدل بين أهل الكتاب قال تعالى عن نبيه ﷺ : (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) وغير ذلك. الخامس: كون هذه العلوم والكشوف قُبِلَتْ وزُكّيَتْ بالدين وكلام رب العالمين وكلام رسوله الكريم، هذا لم يصدر إلا في أوان رفع العلم النافع، وتقدم ذلك. السادس: الطعن فيمن عارض هذه العلوم مبني على الطعن الجائز على أرباب الكنائس، وقد تبين أنهم أقرب للحق وإن كان الكل كفاراً فالمعطل شَرّ بكثير من المشرك.

стр. 373

وتسمية ضلالات الملاحدة علماً هو كما قال شيخ الإسلام لبن تيمية لما ذكر أن الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على نفي شيء من الصفات يسمون ذلك توحيداً ويسمون علمهم علم التوحيد وأن المعتزلة ومن وافقهم على نفي القدر يسمون أنفسهم العدْلية. ثم قال ﵀: ومثل هذه البدع كثير جداً يُعَبَّر بألفاظ الكتاب والسنة عن معان مخالفة لما أراده الله ورسوله بتلك الألفاظ (مثل إطلاق هؤلاء اسم العلم على علوم الملاحدة) ولا يكون أصحاب تلك الأقوال تلقوها ابتداء عن الله ورسوله ﷺ بل عن شبه حصلت لهم وأئمة لهم (كذلك هؤلاء لم يتلقوا أقوالهم هذه عن الله ورسوله بل أحدثوها) وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم وعمدة لهم ليظهر بذلك أنهم متابعون للرسول ﷺ لا مخالفون له (كذلك هؤلاء سموا هذه العلوم الخبيثة باسم العلم حجة لهم وعمدة). ثم قال ﵀: وكثير منهم لا يعرفون أن ما ذكروه مخالف للرسول ﷺ بل يظن أن هذا المعنى الذي أراده هو المعنى الذي أراده الرسول ﷺ وأصحابه. انتهى (١).

стр. 374

(وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق ذكر في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص٦٨ أن الجبال تكوّنتْ عن طريق خروجها من باطن الأرض في صورة براكين، وكما قلت سابقاً فإن نظرياتهم ترتبط بعضها ببعض فهم إنما قالوا ذلك لأجل دورانها السريع وبرزت الجبال من باطنها أثناء الدوران لحفظ توازنها. وهذا قلب للحقيقة فإن الإلقاء يكون من أعلى إلى أسفل وقد ذكر الله ذلك في آيات عديدة من كتابه وصاحب كتاب توحيد الخالق شعر بالتعارض لكنه دَرَجَ على تذليل الصعوبات والحزونات ليزكوا هذا العلم ويصلح وهيهات، وهنا احتال فقال: فالجبال ألْقي بها من باطن الأرض ثم ذكر قوله تعالى: (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) فتأمل الحيلة فإنه عَلِمَ أن آيات إلقاء الجبال معارضة فلذلك بحث عن آية أخرى لا تمت للموضوع بصلة حيث المراد منها البعث من القبور، ولما قرّب المسألة وهَوّن أمر التعارض بين نظرية بروز الجبال من باطن الأرض بهذه الآية أتى بقوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ) على مراد المعطلة، ورسم صورة يزعم أنها تبين خروج الجبال من باطن الأرض.

стр. 375

وانظر معنى الآية المُحتال عليها: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) أي ألْقت ما في باطنها من الأموات وتخلّت منهم، قاله مجاهد وسعي وقتادة. انتهى (١). فلا مانع أن يُقلب معنى الآيات قلباً لتجاري علوم المعطلة.

стр. 376

بداية الكون وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص٨٥: تحت عنوان: (القصة من البداية) قال: وهَيّا لنبدأ الآن القصة منذ البداية: ما هو أصل هذا الكون؟ سؤال أجابت عليه البشرية عبر ثلاثة قرون وهي تلهث كان الناس يعتقدون أن الكون خلق هكذا كما هو: فالجبال هي الجبال منذ أن خلقها الله، والبحيرة هي البحيرة، ومنذ أن خلق الله السموات والأرض والهند هي الهند، والإنسان هو الإنسان، والنباتات هي النباتات كل شيء كما هو منذ أن خلقه الله ولكن في القرن الثامن عشر قرر علماء الجيولوجيا أن هذه تصورات ساذجة ليس الأمر هكذا لقد مر الخلق في أطوار فالسماء لم تكن هكذا، والأرض لم تكن هكذا، والإنسان لم يكن هكذا، والنباتات لم تكن هكذا، ثم أخذ الباحثون يطوّرون أجهزتهم. الجواب: الذين اعتقدوا أن الكون خُلق هكذا كما هو هم رسول الله ﷺ وأفضل الخلق بعد الأنبياء أصحابه ﵃ وأتباعهم

стр. 377

بإحسان من علماء الأمة وأئمتها وعامّتها، وقد أخذوا هذا العلم وفهموه من كلام خالق الكون وكلام رسوله ﷺ وهو الحق الذي لا مرية فيه ونباهل المعاند عليه كذلك الأنبياء جميعهم. أما أن يُقرِّر علماء الملاحدة أن هذه تصوّرات ساذجة فهذا إنماء يُفْزِع من يُقيم له وزناً، أما أتباع الرسول ﷺ فما شعروا إن كان يوجد على الأرض شيء اسمه علماء جيولوجيا فضلاً عن أن يُبالوا بهم عارضوا أوْ وافقوا وليسوا يَعْرضون ما جاء به نبيهم على الكفرة ليأخذوا رأيهم فهم أحقر عندهم وأجهل وأذل وأصغر من أن يَزِنُوا شيئاً من دينهم بموازينهم ويقيسوه بمقاييسهم. قال تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) ويكفي صاحب كتاب توحيد الخالق أنه جَهّل الأمة وعظّم علوم الكفار وجعل الأمة في هذا الزمان عالَة عليهم، وقد تبين ولله الحمد ما في علومهم من الضلال. أما ما أتى به الرسول وعَلِمَتْه الأمة فلَوْ أفنى هؤلاء أعمارهم ما بلغوا شيئاً منه بل لازْدادوا ضلالاً إلا إذا سلكوا مسلك أهل الإسلام، إن غاية علمهم في مجال المخلوقات وقد ضلوا بها ضلالاً بعيداً وأضلوا، أما أهل الإسلام فعلمهم أشرف العلوم وأعلاها على الإطلاق وهو العلم بربهم وبدينه، وأي قيمة للإنسان لو أتقن علوم المخلوقات كلها؟ إنه لا يزكو بهذا ولا يفلح كيف إذا خَبَّطَ فيها؟.

стр. 378

أما العلم الإلهي فهو أصل العلوم والعمل به منتهى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وهذا حَظّ أهل الإسلام، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) أي العلماء به. وقال تعالى: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) يعني القرآن أنزله وفيه علمه، وقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) هم علماء الدين. ورحم الله ابن القيم حيث قال: فتدبر القرآن إن رُمْتَ الهدى ... فالعلم تحت تدبّر القرآن نعم علمنا كله في القرآن وكلام نبينا ﷺ ولم يُحْوِجنا الله للضُّلاّل. الذين ما عرفوا الحكمة من إيجادهم التي هي عبادة خالقهم بل ولا عرفوه ولا أقرّوا به. فإذا كان هذا ضلالهم في أعظم أمورهم وهو وُجودهم بهذا الوجود فكيف ظنونهم وتخرصهم في الكائنات؟. لقد قارن غلو صاحب كتاب توحيد الخالق وفتنته بعلوم الغرب تجهيل أهل الإسلام، وقد تقدم في مواضع ذِكر زَعْمِه عن مخلوقات الله أنها لم تكن تُعرف في الماضي حتى ظهر العلم الحديث وفي كتابه (العلم طريق الإيمان) يُصَوّر العرب بصورة الجهل حين تكلم عن الهواء الذي يدور في الأرض ويرتفع قال: العرب إذا شاهدوا الرمال وهي تطلع فيها

стр. 379

الغبار فوق يقولون: إن الجن يتباروْن، بينهم خَصام، هذه معلومات العرب في القرن العشرين. انتهى (ص١٠٣). الجواب: إن العربي المنتسب للإسلام ولو من بعيد خير من مِلءْ الأرض من هؤلاء الكفرة المعطلة الدهرية الذين فُتِنَ فيهم من فُتِن، وعلى تقدير أن المسلم غلط في هذا الذي ذكرت فغلطه أفضل من صواب من قَلَّدتهم على غير هدى. فهو يُقر بالجن وأولئك الذين ينكرونهم لأنهم عندهم غير محسوسين، ويقر بخالقه وخالق الجن وجميع المخلوقات وأولئك لكل هذا جاحدون. كما أنه يعبد ربه وأولئك كافرون فأي الفريقين أفضل؟ وكون غلطه بمثل هذا أفضل من صواب المعطلة فالسبب أن الأمور التي أصابوا فيها صارت فتنة بهم وبعلومهم مع أنهم مسبوقين على ذلك مثل كلامهم في كروية الأرض الذي أدْهش المقلِّدة ظناً منهم أن ذلك لم يكن يُعرف قبل هؤلاء المعطلة وقد بينت ذلك.

стр. 380

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ) الآية وليحذر من سلك هذه المسالك المظلمة أن يكون له ميراث ممن قال تعالى عنهم: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً). قال صاحب كتاب (هداية القرآن في الآفاق والأنفس) (ص٥١): ويحث المنهج القرآني على اتباع العقل وعدم اللجوء إلى التقليد الأعمى أو اتباع ما كان يفعله الآباء والأجداد وهو ما استرشد به العلم وسار عليه في تحليل الأمور، يقول ﵎: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) انتهى. القرآن يحث على اتباع الرسول ﷺ وحسْب العقل من الكمال أن يدل صاحبه على ذلك، ولذلك فأهل الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله هم أعقل الناس. أما الإشادة بالعقل ورفعه فوق منزلته وأن يُتَعَدّى به طَوْره فيستقل بما لا يُحْسِن الاستقلال به فطريقة هلكة، وكم ممن ضَلّ مغتراً بعقله.

стр. 381

وإنما يُمدح العقل إذا دَلّ على الرسول ﷺ أما التقليد واتباع الآباء على غير هدى وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ) الآية فليس المراد منها ما فَهِمَ هذا وأمثاله أنه مدح من يسْترشد بالكفرة على علوم الكْون حتى لو أصابوا فليس هذا مراد الله بكلامه فكيف وقد ضلوا بالمخلوقات وضلّوا وأضلوا عن الخالق، وإنما المراد بذم التقليد واتباع الآباء في الكفر بالله العظيم وعدم الإنقياد لنبيه ﷺ ، وإنما جرأة جريئة عاقبتها إلى أسوء السوء أن يُتلاعب بكلام الله هكذا. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلاماً يشبه ما نحن فيه من تصريف كلام الله وغصبه لمجاراة هذه الضلالات، قال ﵀: وكذلك تأويل القرآن على قول من قلّد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى يجعل القرآن تبعاً لمذهبه وتَقْوِيَة لقول إمامه، وكل محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه في كثير من ذلك أو أكثره. انتهى (١).

стр. 382

(وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق فسرّ قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فسّرها بالمادة الخضراء في النبات بأنها تأخذ الماء والهواء والضوء من السماء وجَهّل السلف قال: كان المفسرون السابقون يفسرون قول الله تعالى: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) يقولون: لعل المقصود بذلك ما أعَدّ الله في الجنة، وبعضهم يقول: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ) أي الماء الذي ينزل سبباً لإنبات النبات. انتهى (١). الجواب: الذي قاله صاحب كتاب توحيد الخالق في الآية باطل وهو يُفَسّر كلام الله برأيه، ولقد جَرّأته علوم المعطلة على القرآن فأقدم على أمور عظيمة. والذي قاله المفسرون السابقون هو الصحيح قال ابن عباس: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ) يعني المطر (وَمَا تُوعَدُونَ) يعني الجنة، وقاله مجاهد وغير واحد، ذكر ذلك ابن كثير في التفسير.

стр. 383

فالمطر في العلو وهو المراد بالسماء وفيه حياة الناس ورزقهم، والجنة فوق السماء السابعة، وهذا هو اللائق بكلام الله لا ما قاله صاحب كتاب توحيد الخالق مجاراة لأرباب العلوم الخبيثة.

стр. 384

انشقاق القمر ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان: * انشقاق القمر الذي جعل رائد الفضاء يعلن إسلامه!!. كان محمد ﷺ يطلب منه قومه آية فيشق الله له القمر نصفين، ويرى الناس ذاك القمر وقد انشق في السماء إلى نصفين يقول الرسول ﷺ : (اشهدوا أي: إذا طلبتم آية فاشهدوا هذه الآية) (١) ماذا قال الكافرون؟ أنكروا ما أنكروا ولكنهم اعترفوا فكيف كان اعترافهم؟ فسروها تفسيراً آخر غير الذي فَسّر به القرآن تلك الحقيقة، فقد بين القرآن أنها آية من آيات الله وبينت السنة أنها من معجزات محمد ﷺ ، وبين القرآن أن هذه الآية هي علامات الساعة؛ لأن القمر إذا انشق معناه أن البناء بدأ يتهدد، وأن بناء هذا الكون في طريقه إلى التحطيم، وعلماء الفلك اليوم يرون أن القمر قد تصدع ويُجمِعون على هذه الحقيقة، وواحد من رجال الفضاء الأمريكيين كان يطوف حول القمر في جانبه المظلم، أخبرني رئيس شركة بريطانية قال: رأى هذا الرائد الوجه المظلم للقمر فرأى فيه شقاً؛ فقال وهو يرى ويدور حول القمر، ما هذا الشق الذي بالقمر؟ فسمعه عالم باكستاني بمحطة الأرصاد التي بالأرض تشرف على رحلات هؤلاء

стр. 385

الروّاد، رد عليه قائلاً: أما علمت أنه انشق لمحمد ﷺ ، فنزل هذا الرائد يبحث عن الحقيقة ثم دخل في الإسلام وأعلن إسلامه، لكن الكافرين قالوا: سحر مستمر. انتهى (١). الجواب: يقال للزنداني: هذا دجل على دجل، ومن الذي وصل إلى القمر؟ إنهم لم يصلوا ولن يصلوا. وإن أدلة عدم وصولهم في الكتاب والسنة لكن العجب أن الغربيين أنفسهم من أنكر ذلك على قومه وبعض قومنا يجادلون من يُنكره، فهذا بلكسنج غربي منهم أنكر وصول القمر وأبطله ببيانات أسْكتت القوم فما قدروا أن يردّوا عليه لأنه كشفهم وفضحهم، وهو متابع للقضية حيث أخبر أنها مجرد خدعة خدعوا بها العالَم بصور أفلام أظهروها ما عَدَتْ التمثيل والتزوير، وإنكار بلكسنج اشتهر وانتشر منذ حوالي عشر سنوات. كذلك غربي آخر اسمه سيمبسون اشتهر إنكاره لوصول القمر، وأُعلن منذ سبع سنوات أن عشرين مليون أمريكي يُنكرون على قومهم ذلك. وتأمل مسارعة صاحب كتاب توحيد الخالق لخطْف أي شيء يقوله القوم فَيُلَفِّقَه ويُزوِّقه ثم يسْتشهد بآية أو حديث لتروج البضاعة: (ورائد

стр. 386

أسلم وجيولوجي تشهد)، وهكذا. حكايات باردة وخيالات كاذبة، والقمر انشق والتأم في وقته، وكون علماء الفلك اليوم يرون أن القمر قد تَصدّع ويُجمعون على هذه الحقيقة، فنحن ولله الحمد نكذّبهم وعلى يقين أن القمر على حاله لم يتغير فيه شيء وإنما يأتيه الموعود يوم القيامة قال تعالى: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) يعني ذهب ضوءه (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) قال مجاهد: كُوِّرا، وذلك يوم القيامة. فالقمر ليس ينشق في القيامة إنما يُجمع هو والشمس ويذهب ضوءه، ويُكوَّر هو والشمس. ومن شاء فليباهلني على عدم وصول بشر إلى القمر، وما خلق الله القمر لذلك بل هذا منافٍ لحكمة الحكيم، فالأرض هي موضع الخلق منها خُلقوا وفيها يحيْون وفيها يموتون ومنها يبعثون وفيها يحشرون، ومن ادّعى غير ذلك فهو مبطل ومخالف لما جاء عن الله ورسوله. والقمر لما انشق آية لرسول الله ﷺ التأم في وقته، ولو كان الشق باقياً لبقي القمر يُرى فلقتين والأمر واضح ولله الحمد. والعجب أن يظن صاحب كتاب توحيد الخالق وهذا الباكستاني أن تكلّفهم هذا وقولهم على الله ما لا يعلمون من نصرة الدين والدعوة إلى الله.

стр. 387

أما علموا أن هؤلاء يمكرون بهم وأنهم يدرسون الإسلام ليكيدوا لأهله وأنهم يبذلون الأموال العظيمة والجهد الكبير لأجل ذلك. أما علموا أن موافقتهم إياهم في دجلهم يزيدهم طغياناً وشراً ويزيد المسلمين ذلاً وهَوَناً. أما علموا أن الله لا يُمكّنهم من ذلك وأنهم لا يَعْدون قَدْرهم وأنهم فتنة عصرنا وسبب ذهاب ديننا. والذي لا شك فيه أننا لو نزلنا منازلنا لأنْزلناهم منازلهم (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لكننا حققنا ما كُتب علينا قدراً (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (ودنيا مؤثرة) (١) مع أن هذا ما رضيه الله لنا شرعاً ولا يقبله منا حجة وعذراً.

стр. 388

حيل لترويج بضائع فاسدة كاسدة ثم إن صاحب كتاب توحيد الخالق ذكر أن الفكر الشيوعي في القرن التاسع عشر والثامن عشر على أن الكون لا بداية له ثم قال: هذه جهالة القرن التاسع عشر والثامن عشر، وأما الآن ونحن في القرن العشرين فإن العلم والأكاديميات العلمية في موسكو وفي واشنطن، وفي كل البلاد المتقدمة قد أعلنت للدنيا بأجمعها أن الذين قالوا: إن الكون أزلي قديم كانوا مخرفين وما قالوا إلاَّ هراء. لقد قامت الأدلة على أن لهذا الكون بداية، وحسبوا البداية وقاسوا ووجدوا ساعات كونية في هذا الكون تدلهم على بداية خلق الأرض فقرروا عمر الأرض بأربعة ملايين ونصف من الأعوام، وقرروا عمر الشمس بكذا، وقرروا عمر النجوم بكذا، وعندهم أدلة الآن في أشعة عند درجة الصفر المطلق هذه تبين بداية الكون، وأن هذا الكون بدأ بانفجار هائل، وهذا الانفجار الذي جعل هذه الأجزاء لا تزال تتباعد في الكون، وفي الوجود إلى يومنا هذا، ولا تزال السماء تتسع. انتهى (١).

стр. 389

الجواب: هذا الرجوع على أن للكون بداية مثل الرجوع عن كوْن الشمس ثابتة وقد بينت أن الذي أثبتوه من حركتها غير الذي ذكر الله في كتابه العزيز وهو قوله تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) أي يدورون كما فسّرها ابن عباس وغيره أي أن الشمس تدور على الأرض في الفلك وهو السماء المبنية ليس الدوران على المجرة المزعومة المتخيَّلة. وهنا رجوعهم إلى أنّ للكون بداية ثم يذكر أن البداية بانفجار هائل وأن هذا الانفجار جعل الأجزاء تتباعد، فكذلك هذه البداية فإنها على مقتضى نظرياتهم الخيالية الضالة، وقد تقدم ما يبين بداية الكون وأنه الدخان وليس انفجاراً ولا دوراناً ولا تباعداً، ولا يُسْتبعد أنهم يمكرون بالمسلمين لينهمكوا في ضلال نظرياتهم الضالّة عن الكون لظنهم أنها لا تخالف القرآن. ولقد فرح المقلِّدة برجوع القوم عن اعتقاد ثبات الشمس وظنوا أن حركتها وجريْها الذي أثبته المعطلة أنه مطابق للقرآن وموافق حيث وَرَد فيه ذكر جريانها وليس كذلك وقدْ بينت قبل أن جرْيها دورانها على الأرض وهي في الفلك الكروي المستدير. ولذلك قال صاحب كتاب (الإسلام وارتياد القمر) تحت عنوان: (ص٢٥، ٢٦).

стр. 390

الشمس تجري: والشمس تجري بمجموعتها الشمسية كلها بسرعة اثنى عشر ميلاً في الثانية أي بما معدله (٢٥٩٢٠٠٠) مليونان وخمسمائة واثنان وتسعون ألف ميل في الساعة الواحدة والله خالقها هو الخبير بها وبحكمة جريانها وبمصيرها، تسير هذه الكتلة الهائلة وبهذه السرعة الهائلة أيضاً نحو برج الجبار وفي هذا الفضاء الواسع الرهيب ولا يختل سير نجم واحد بمقدار (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). ولقد سلخ علماء الفلك في القديم آماداً وهم يقولون ويقولون أن الشمس ثابتة وأن الأرض هي التي تدور حولها ولكن المرصد والتلسكوبات أثبتت خلاف ما كان يقوله من قبلهم والحمد لله الذي ظهر سداد كتابه الذي أنزل على رسوله الذي أرسل ... انتهى. الذي لا شك فيه أن هذا الخيال الزائف غير ما ذكر الله من جريان الشمس في الفلَك، ولقد أوْرد هؤلاء الإبل كما أوْردها سعدٌ المشتمل، وليت المصيبة كانت فَقْد الإبل ولكنها فقد الهدى بضلال العقل. وارجع الآن إلى أربعة الملايين والنصف التي زعموا أنها عمر الأرض واسأل ربك العافية.
следующие страницы →