← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

جهات قرب الورثة من الميت قوله: (فلأولى رجل ذكر) أولى بمعنى أقرب، وهذا مأخوذ من قول: فلان يلي فلاناً، يعني: أنه بعده، ويليه مباشرة، وليس بمعنى أنه أحق رجل ذكر، وإنما هو أولى وأقرب رجل ذكر إلى الميت. وعلى هذا فإذا ترك الميت أبناء إخوة أشقاء وأبناء إخوة لأب وأعمام وأبناء الأعمام فإن أقربهم الإخوة الأشقاء إذا كانوا موجودين فيحوزون الميراث ويستقلون به إذا كانوا منفردين، وإن كان معهم أصحاب فروض أخذوا ما أبقت الفروض، فيكون قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر). إذاً: فأقرب هؤلاء الأربعة الأصناف هم الإخوة الأشقاء؛ وقدموا على الإخوة لأب؛ لأن عندهم سببين: سبب القرابة من جهة الأم، وسبب القرابة من جهة الأب، فالجهة واحدة وهي جهة الإخوة. وأما إذا وجد إخوة لأب وأعمام فإن الإخوة لأب أولى من الأعمام؛ لأن الأخ لأب يدلي إلى الميت بأبيه، وأما العم فيدلي إليه بجده، فمن كان متفرعاً عن الأب القريب فهو أولى من المتفرع عن الأب البعيد، وهكذا الأعمام أخوان الجد أو من فوقهم الذين هم إخوان أبي الجد وإن علاء، وكذلك أبناؤهم وإن نزلوا، فكل من يدلي إلى الميت بمن هو قريب منه هو الذي يحوز الميراث، ومن كان أبعد فإنه لا يحوزه سواء كان ذلك في جهة واحدة أو في جهتين، كالإخوة لأب مع الأعمام فإن هؤلاء في جهة وهؤلاء في جهة؛ لأن أبناء الإخوة يدلون بالإخوة وذلك لمشاركتهم الميت في أبيه، وأما الأعمام فيشاركون الميت في جده وليس في أبيه، فمن يدلي إلى الميت بالأب القريب أولى ممن يدلي إليه بالأب البعيد الذي هو فوق القريب. وعلى هذا فقوله ﷺ : (لأولى رجل ذكر) يعني: من كان قريباً إلى الميت، سواء كان ذلك القرب من جهة واحدة أو من جهتين، وهناك من يدلي إلى الميت بسببين كالأم والأب وهناك من يدلي بسبب واحد وهو الأب فقط، فإن الإخوة الأشقاء مقدمون على الإخوة لأب؛ لأن هؤلاء يدلون بالأم والأب وهؤلاء يدلون بالأب فقط، فكانوا أولى وأقرب إلى الميت من هؤلاء. وهكذا إذا كان ذلك في جهتين كما قلنا بالنسبة للإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب مع الأعمام الذين يدلون بقرابتهم إلى الميت في مشاركتهم في جده؛ لأن العم يشارك الميت في أب أبيه، وأما الأخ فيشاركه في أبيه، ومن يشارك في الأب أولى ممن يشارك في الجد.

стр. 1017

سبب ذكر تقييد الرجل بالذكر في الحديث قوله: (لأولى رجل ذكر) معلوم أن الرجل هو الذكر والذكر هو الرجل، فلماذا جاء ذكر الذكر مع ذكر الرجل؟ علل العلماء بتعليلات متعددة، ولكن يبدو أن أقربها هو: أن الرجل عندما يذكر فإنه يتبادر الذهن إلى نجدته وقوته ونصرته وأنه رجل؛ لأن الصغير لا يقال له: رجل، وإنما يقال له: ذكر، فلما كان الأمر لا يختص بأصحاب النجدات والإعانات والنصرة والقوة والدفاع عن الميت لكونه عنده قدرة على ذلك وإنما الأمر يتعلق فقط بالإرث، أضاف إلى ذلك شيئاً يبين أنه ليس الأمر خاصاً بمن يوصف بأنه رجل وهو الذي عنده قوة وعنده شدة وعنده إعانة. فإذاً: جاء ذكر الذكر بعد ذكر الرجل ليبين أن الأمر لا يختص بالرجال وإنما هو بالذكور الذين يقابلون الإناث. ولهذا جاء في ميراث الأبناء إذا اجتمعوا مع البنات مع أخواتهم والإخوة إذا اجتمعوا مع أخواتهم قوله : ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]؛ لأن الذكر يقابل الأنثى والرجل يقابل المرأة، والمرأة غالباً تطلق على الكبيرة والرجل يطلق على الكبير، والأمر لا يختص بالرجال والنساء الكبار وإنما هو للذكور، فيستوي في ذلك من بلغ عمره مائة سنة ومن عمره سنة أو أقل من سنة، فما دام أنهم أبناء للميت أو إخوة للميت أشقاء أو لأب فإنهم يتساوون في الميراث لا يفرق بين كبير وصغير، بل ذلك منوط بالذكورة والأنوثة، ولهذا قال : ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦] فيما يتعلق بميراث الأبناء، وجاء في الإخوة الأشقاء في آخر سورة النساء: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، يعني: أن الذكور لهم ضعف الإناث سواء كان الذكور كباراً أو صغاراً، وسواء كانت الإناث كباراً أو صغاراً. وعلى هذا فهذا الحديث إذا ضم إلى آيات المواريث وإلى ما جاءت به السنة من أحاديث تبين بعض أنواع المواريث مثل ما ذكرنا في مسألة الشقيقة مع البنت أو البنتين فإنها تكون مقدمة على الإخوة لأب، ولا يقال: إن قوله: (لأولى رجل ذكر) بأن أولى رجل ذكر الذي يستقل عن الأنثى هو الذي لا يفرد فيه إلا الأنثى لو انفردت، كأبناء الإخوة الأشقاء وأبناء الإخوة لأب وكذلك الأعمام وأبناء الأعمام فإن الذكور هم الذين يستقلون بالميراث.

стр. 1018

الوارثون بالتعصيب جاءت السنة بتوريث العصبة الذين هم عصبة بالنفس في المعتقة والمعتق، وهذا بسبب الإعتاق وبسبب النعمة على المعتق، فإنهم يرثون المعتق سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، والنساء ليس فيهن من يرث بالتعصيب بالنفس إلا المعتقة فقط، كما يقول صاحب الرحبية: وليس في النساء طراً عصبة إلا التي منت بعتق الرقبة يعني: أن النساء ليس فيهن عصبة بالنفس إلا التي منت بعتق الرقبة التي هي المعتقة، فإنها ترث ولكن هذا الميراث بعد أن ينتهي العصبة من جهة النسب وإن علوا وإن نزلوا، كالأعمام وإن علوا، وكأبناء الأعمام وأبناء الإخوة وإن نزلوا، فإن الإرث بالتعصيب في النسب مقدم على الإرث بالتعصيب بالسبب الذي هو العتق، لكن العتق يكون فيه ميراث النساء بالنفس، وعلى فهذا فهناك ميراث تعصيب بالنفس وتعصيب بالغير. والذين يرثون بالتعصيب بالنسب هم: الذكور الذين يستقلون بالميراث لو انفردوا والمعتق والمعتقة إذا انفردوا، والمعتقة تأتي من الإناث فيمن يرث بالتعصيب بالنفس. والذي يرث بالتعصيب بالغير هي المرأة التي يفرض لها لو انفردت، ولكنه إذا جاء معها أخوها فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين كالبنات والبنين وكأبناء البنين وبنات البنين فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وكالإخوة الأشقاء مع أخواتهم الشقيقات والإخوة لأب مع أخواتهم لأب، فإن الأنثى إذا انفردت فرض لها النصف، كالبنت وبنت الابن والشقيقة والأخت لأب، وإن كن أكثر من واحدة فرض لهن الثلثان، وسواء كان هذا الميراث بطبقة واحدة أو بطبقتين فإذا لم توجد بنتان ولكن وجد بنت وبنت ابن فإن البنت يكون لها النصف وبنت الابن يفرض لها السدس تكملة الثلثين؛ لأن البنات المجتمعات لا يحصلن أكثر من ثلثين، فإن كن في درجة واحدة حزنه بالتساوي، وإن كن في درجتين فإن التي في الدرجة الأولى تأخذ النصف والتي في الدرجة الثانية وهي بنت الابن مع البنت يفرض لها السدس تكملة الثلثين، وهكذا الأخت لأب مع الأخت الشقيقة فإنه يفرض للشقيقة النصف والأخت لأب يفرض لها السدس تكملة الثلثين؛ لأنهن يرثن ميراث الأخوات، والأخوات يكون لهن الثلثان. لكن إذا وجد معهن إخوانهن صار للذكر مثل حظ الأنثيين، فالبنات مع البنين وبنات الأبناء مع بني البنين الذين في درجة واحدة يشتركون في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك الإخوة الأشقاء مع الأخوات الشقيقات والإخوة لأب مع الأخوات لأب يكون للذكر مثل حظ الأنثيين. فالعصبة بالغير أربعة أصناف: اللاتي يفرض لهن النصف لو انفردن، واللاتي يفرض لهن الثلثان لو اجتمعن، وإذا جاء معهن إخوانهن فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن انفردن فالنصف لواحدة والثلثان لاثنتين فأكثر، وسواء كن في طبقة واحدة كالبنات أو في طبقتين كالبنات وبنات الابن فإن الميراث يكون الثلثين فقط، وهذا هو التعصيب بالغير. وأما التعصيب مع الغير فميراث الأخوات الشقيقات والأخوات لأب مع البنات، فالأخوات مع البنات عصبات. فإذا وجدت شقيقة مع بنت أو بنتين فإنها تأخذ الباقي، فإن كانت مع بنت واحدة أخذت الباقي وهو نصف، وإن كانت مع ابنتين أخذت الباقي وهو الثلث. وكذلك الأخت الشقيقة إذا كانت واحدة فلها النصف، وإن كن اثنتين فلهن الثلثان، والأخوات لأب ليس لهن شيء، كما أن بنات الأبناء ليس لهن شيء إذا حاز البنات الثلثين. فإن وجدت شقيقتان ووجدت أخت لأب فإنها لا تأخذ الباقي. والأخوات الشقيقات يأخذن الباقي بعد فرض البنت ويقدمن على الإخوة لأب؛ لأنهن يدلين إلى الميت بقرابتين، بخلاف الأخ لأب فإنه يدلي إلى الميت بقرابة واحدة. هذا هو ما يتعلق بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر).

стр. 1019

شرح آيات المواريث في مسألة المواريث ذكر الله ثلاث آيات في سورة النساء، الآية الأولى: تتعلق بعمودي النسب وهم أصول الميت وفروعه، وأصول الميت هم آباؤه وأمهاته، وفروعه هم أبناؤه وبناته وأبناء بنيه وإن نزلوا. والآية الثانية: تتعلق بميراث الزوجين والإخوة لأم الذين لا يرثون إلا بالفرض وليس لهم تعصيب، ولا يرثون بالتعصيب بحال، وهؤلاء يرثون من جهة قرابة الأم ومن جهة الزوجية ونصيبهم إنما هو بالفرض فقط. وأما القسم الأول المذكور في آية العمودين ففيه فرض وفيه تعصيب؛ لأن الأب يفرض له ويرث بالتعصيب، والابن لا يرث إلا بالتعصيب والبنت يفرض لها، والبنتان يفرض لهما ومع إخوانهما يشتركون للذكر مثل حظ الأنثيين. أما الآية التي في آخر سورة النساء وهي الثالثة فهي في الإخوة الأشقاء والإخوة لأب وميراثهم على طريقة ميراث الأبناء، وهي في الكلالة، ومعنى كلالة: ألا يكون للميت أصول ولا فروع، أي: ليس له ولد ولا والد، فمن ليس له ولد ولا والد فإنه يورث كلالة؛ لأنهم كالمحيطين بالميت بخلاف الأصول فإنها فوقه والفروع تكون تحته، وأما الإخوة فهم محيطون به، فقيل لهم: كلالة، فيرثون كلالة إذا لم يكن للميت والد ولا ولد. فالإخوة للأم كذلك لا يرثون إلا عند عدم الولد والوالد، وكذلك الإخوة الأشقاء والإخوة لأب لا يرثون إلا عند عدم الولد والوالد، ولكن كما هو معلوم أنه بالنسبة للولد الذكر أو الذكور والإناث يأخذون الميراث ولا يبقى للإخوة شيء، وأما إذا كانوا إناثاً خلصاً فلهن النصف أو الثلثان والباقي يأخذه أقرب من يكون للميت، والإخوة الأشقاء هم أقرب من يكون للميت إذا لم يكن له أصول ولا فروع، وميراثهم على طريقة ميراث الأبناء، فإن الأخت الواحدة لها النصف والبنتين لهما الثلثان، وهكذا الأختان الشقيقتان أو لأب لهما الثلثان، فإذا كن اثنتين فأكثر فإنهن يشتركن في الثلثين، ولو وجدت أخت شقيقة وأخت لأب فإن الأخت الشقيقة لها النصف والأخت لأب لها السدس تكملة الثلثين؛ لأنهن يرثن بالإخوة الثلثين، فتكون الأقرب منهن الشقيقة لها النصف والتي هي أبعد والتي هي أبعد منها لها بقية الثلثين، وإذا اجتمع الذكور والإناث فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كان هناك إخوة أشقاء مع أخواتهم أو إخوة لأب مع أخواتهم فإنه للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن وجد ذكور خلص فإن الإخوة الأشقاء يحجبون الإخوة لأب؛ لأنهم يدلون إلى الميت بسببين وهما: الأبوة والأمومة، والإخوة لأب إنما يدلون إليه بالأبوة فقط.

стр. 1020

الفرق بين خرجه فلان ورواه فلان ويلاحظ في تعبير ابن رجب ﵀ عند التخريج أنه يقول: خرجه فلان، وأما النووي فإنه يقول: رواه فلان، فـ ابن رجب حين يعبر بالتخريج يقول: خرجه البخاري ومسلم خرجه مسلم خرجه البخاري خرجه أبو داود، ولا فرق بين هذا وهذا، وكل من التعبيرين صحيح؛ فإن قيل: رواه البخاري ومسلم أو قيل: خرجه البخاري ومسلم فالمعنى والمؤدى واحد.

стр. 1021

شرح حديث: (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة) قال الحافظ ابن رجب ﵀: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة)، أخرجه البخاري ومسلم. هذا أيضاً من جوامع كلمه ﷺ ، فإن كل واحدة من النسب يحرم مثلها من السبب الذي هو الرضاع؛ لقوله ﷺ : (تحرم الرضاعة ما تحرم الولادة)، وهذا يمكن أن يعرف عن طريق المحرمات بالنسب ثم ما يماثلهن من الرضاعة.

стр. 1022

حد الرضاع المحرم العلماء لهم تفاصيل فيما يتعلق بالرضاعة وبيان كيفيتها. ومما يدخل في مسائلها أن التحريم إنما يكون بخمس رضعات فأكثر، فإذا قل عن خمس رضعات فإنه لا يحرم، كما ثبتت السنة بذلك عن رسول الله ﷺ . وأن يكون ذلك في زمن الرضاعة وهو الحولان، فرضاع الكبير لا يؤثر ولا عبرة به، وما جاء في قصة سالم مولى أبي حذيفة هذا خاص به، ولا يقال: إنه يتعداه إلى غيره، ولو قيل بتعديه لأمكن كل امرأة أن تتخلص من زوجها بأن تحلب من ثديها في كأس ثم تعطيه ويشرب وهو لا يدري، فإذا فرغ قالت: أنا أمك من الرضاعة وتخلصت منه، فرضاع الكبير لا يؤثر، وإنما جاء ذلك في قصة سالم مولى أبي حذيفة وهو خاص بـ سالم مولى أبي حذيفة فلا يتعداه إلى غيره. فإذاً: الرضاع يكون خمس رضعات فأكثر وفي المدة التي ينفع فيها الرضاع ويسد الرضاع فيها الجوع، وأما إذا كان تغذى الطفل بالطعام وفطم عن الرضاع فإن رضاعه لا عبرة به.

стр. 1023

المحرمية بالرضاع لو رضع طفل من امرأة فإنه يكون أخاً لجميع أولادها ولو كانوا من عدة أزواج قبل الذي رضع من لبنه وهو زوجها أو بعده، أي: إذا كانت قد تزوجت بعدة أزواج ولها من كل زوج أولاد فرضع شخص من لبنها مع أحد أولادها من الرجل الذي هو زوجها في الوقت الحاضر، فإنه يكون أخاً لجميع أولادها السابقين واللاحقين، ويكون أيضاً أخاً لأولاد صاحب اللبن ولو كانوا من عدة زوجات، سواء كانوا قبل هذا الرضاع أو بعد هذا الرضاع؛ وهذا يكون خاصاً بالمرتضع، أما إخوانه الذين لم يرضعوا فلا علاقة لهم بهذا التحريم، وكذلك يكون المرتضع ابناً لجميع أمهات المرضعة، ويكون ابناً للفحل وأخاً لجميع أولاده وابناً لأمهاته وآبائه، كل ذلك يختص به هذا المرتضع الذي رضع اللبن فهو الذي ينفرد بالحرمة ويحصل له هذا الانتشار الواسع، وأما الذين لم يحصل لهم رضاع من أقاربه فإنه ليس لهم علاقة بهذا التحريم.

стр. 1024

شرح حديث: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر) الحديث الخامس والأربعون: عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أنه سمع النبي ﷺ وهو بمكة يقول: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) رواه البخاري ومسلم. يعني: لما حرمت عليهم الميتات عمدوا إلى الشحوم فأذابوها وباعوها على أنها ودك لا شحم، وهذا من حيل اليهود التي أخبر بها رسول الله ﷺ وأنهم احتالوا على ما حرم الله فحولوه إلى شيء آخر، وصار له اسم آخر والنتيجة واحدة، والله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه. وقوله ﷺ : إن الله ورسوله حرم جاء في بعض الروايات: (حرما) بالتثنية؛ لأن الضمير يرجع إلى الله ورسوله ﷺ ، وعلى هذه الرواية التي فيها الإفراد: (حرم) فإنه يقال فيها: إن الضمير يرجع إلى الثاني الذي هو الرسول ﷺ ، والضمير الذي يرجع إلى الله محذوف وتقديره: إن الله حرم ورسوله حرم، فيكون خبر الأول محذوفاً والثاني موجوداً، ويكون هذا مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] يعني: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه. وكذلك قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف يعني: نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راضٍ، فحذف الخبر في الأول فقال: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ بدلالة الثاني على الأول، أي: بدلالة المذكور على المحذور، فيكون ذكر الضمير على سبيل الإفراد هو من هذا القبيل.

стр. 1025

تحريم بيع الميتة والخمر قوله: (حرم بيع الخمر والميتة)، الميتة هي حرام أكلها وبيعها؛ لأن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، فلا يقال: إنه يتخلص من المحرم ببيعه ثم يؤكل ثمنه، بل ما هو حرام فإنه يحرم بيعه، والخمر حرمت لما فيها من الفساد ولما فيها من الضرر ولما فيها من زوال العقل، بهذه اللذة التي صار إليها من ابتلي بها، وهي لذة عاجلة تعقب حسرة وتعقب ندامة، وقد سماها رسول الله ﷺ أم الخبائث؛ لأن الإنسان إذا أتى بها وسكر فإن كل شيء يمكن أن يفعله، حتى إنه قد يزني بمحارمه والعياذ بالله؛ لأن عقله قد ذهب وليس بموجود، ولهذا يقول ابن الوردي في لاميته العظيمة التي يقول فيها في شطر من شطر أبياتها: كيف يسعى في جنون من عقل فهذا شيء عجيب! فإنسان أعطاه الله عقلاً ثم كيف يسعى باختياره وإرادته إلى أن يكون من جملة المجانين؟! ومعلوم أن السكران يذهب عقله والعياذ بالله! فيحصل منه أنواع الخبائث، ولهذا قيل للخمر: إنها أم الخبائث؛ لأنها تؤدي إلى الخبائث، فالإنسان إذا فقد عقله يتصرف تصرفات خبيثة وقد يقع فيها على محارمه والعياذ بالله! وقد يحصل منه أمور منكرة وأمور مستقذرة مثل قصة سكران كان يبول ويأخذ بوله ويشربه ويغسل به وجهه! وكل هذا قبح وسوء، سببه ونتيجته هو تضييع العقل وإفساد العقل. إذاً: فالله تعالى حرم الميتة فلا تؤكل ولا تباع، وحرم الخمر فلا تشرب ولا تباع، وحرم الخنزير فلا يؤكل ولا يباع، وكذلك حرم الله الأصنام فلا يجوز بيعها، وإن كانت أعيانها قد تكون طاهرة وتكون سليمة فقد تكون من حجارة أو من خشب فلا يجوز بيعها؛ لأنها أصنام تعبد من دون الله، لكن لو كسرت وحطمت وصارت قطعاً فإنه يمكن الاستفادة من هذه القطع وهذه الكسر؛ لأنها خرجت عن كونها صنماً، فيمكن أن يستفاد من هذه الحجارة في بناء أو في غير ذلك.

стр. 1026

حكم شحوم الميتة وجلودها قول الرسول ﷺ : (إن الله تعالى ورسوله حرم الميتة) هناك شيء يتعلق بشحوم الميتة، فقد سأل رجل فقال: (يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟) يعني: يتخذونها للإضاءة، فقال ﷺ : (لا، هو حرام)، وقد اختلف العلماء في قوله: (هو حرام) هل يرجع إلى البيع أو يرجع إلى هذه الأمور التي ينتفع بها؟ فمنهم من قال: إن التحريم يرجع إلى البيع، ومنهم من قال: إن التحريم يرجع إلى الاستفادة منها والاستصباح ودهن الجلود وطلاء السفن، يعني: أن تطلى من الخارج بهذه الأدهان بحيث لا يؤثر فيها الماء وكثرة سيرها في الماء ومكثها في الماء، فيكون ذلك مما يساعد ويعين على سلامتها وعلى بقائها وعدم تأثرها. ولا شك أن عدم استعمال الميتة وما يتعلق بها أولى، وإنما يستثنى من ذلك الجلود، فإنه يجوز الاستفادة بها بعد الدبغ؛ لأنها تطهر بالدبغ كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ ، وهذا إنما يكون خاصاً فيما يؤكل لحمه ويكون ميتة، والمذكى كما هو معلوم مما يؤكل لحمه يمكن الاستفادة من جلده، ولا يقال: إنه نجس كالميتة، وإنما هو طاهر، ولكنه يدبغ من أجل إزالة الشعر والاستفادة منه. أما إذا كان الجلد مما لا يؤكل لحمه كالحمير والكلاب والخنازير وغير ذلك فإنه لا يستفاد منه ولا ينتفع به، وإنما الاستفادة تكون من مأكول اللحم؛ لأنه هو الذي تنفع فيه الذكاة، وأما ما لا يؤكل لحمه فهو بمنزلة الميتة وإن ذكي؛ لن ذكاته لا تخرجه من كونه ميتة. ثم قال: (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) يعني: أذابوه وصار بدل ما كان شحماً يقال له: ودك، فباعوه وأكلوا ثمنه، وهذا من حيلهم التي بينها رسول الله ﷺ وهي حرام. فالخمر لا يستفاد منها ببيعها ولا يستفاد منها بشيء، وإنما يجب إراقتها وإتلافها، والميتة كذلك لا يستفاد منها إلا بجلدها إذا دبغ، وكذلك الأمور الأخرى لا يستفاد منها لا بالأكل بالنسبة للخنزير ولا بالبيع، وكذلك بالنسبة للأصنام لا يستفاد منها ببيعها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإشراك بها مع الله، وكونها تعبد من دون الله وفي ذلك مضرة، وإنما تحطم وتكسر ولا تبقى صنميتها ووثنيتها، ويمكن أن يستفاد منها في بنيان أو في جدار؛ لأنها لم تبق صنماً.

стр. 1027

شرح حديث: (كل مسكر حرام) قال ابن رجب رحمه الله تعالى: عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى ﵁: (أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة فيها فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقيل لـ أبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: كل مسكر حرام) خرجه البخاري. قوله ﷺ : (كل مسكر حرام)، هذا جواب جامع يدخل فيه المسئول عنه وغير المسئول عنه، وأن القضية معلقة بالإسكار، فكل ما أسكر فإنه حرام سواء كان من الشعير أو من العسل أو من العنب أو من التمر أو من أي شيء، وسواء كان جامداً أو سائلاً أو مسحوقاً أو غير مسحوق، كل ذلك حرام؛ لأن الأمر علق بالإسكار. فقوله ﵊: (كل مسكر حرام) هذا من جوامع كلمه ﷺ ، ولهذا لما سئل بعض الصحابة عن الباذق -وهو نوع من الشراب- قال: (سبق محمد ﷺ الباذق، فقال: (كل مسكر حرام))، يعني: أن الشريعة في عموماتها وكلياتها يدخل فيها ما كان معروفاً وما ليس بمعروف، فقوله: (كل مسكر حرام)، أنيط الحكم بالإسكار في جميع أحواله سواء كان سائلاً أو جامداً أو دقيقاً أو أي شيء آخر، ولا ينظر إلى ما وراء ذلك. ثم إن قوله: (كل مسكر حرام)، يكون في القليل والكثير، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وإنما حرم القليل الذي لا يسكر؛ لأنه ذريعة إلى المسكر، وهذا من باب سد الذرائع ومنع الأشياء التي توصل إلى الغايات، فالقليل وإن كان لا يسكر فإنه حرام. فالرسول ﷺ سئل عن نوعين من النبيذ فعلق الرسول ﷺ الأمر بالإسكار، وهذا معناه: أنه إذا كان غير مسكر فلا بأس، وإن كان مسكراً فهو حرام، وقد جاء في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ حرم الانتباذ في أوعية غليظة يمكن أن يحصل الإسكار فيها ولا يظهر على الخارج منها، وهي الدباء وهو القرع الذي يخرج لبه ثم ييبس ويكون يوضع يكون فيه النبيذ، وكذلك الحنتم وهي جرار ينتبذ بها، والمقير وهو الذي طلي بالقار، والمزفت وهو الذي طلي بالزفت، وكانت هذه أشياء غليظة يمكن أن يحصل فيها الإسكار ولكن لا يظهر على خارجها، وليست كالأسقية التي هي من الجلود؛ فإنها إذا حصل تغير في داخلها ظهر على سطحها، أما هذه فلا يظهر على سطحها، وكان هذا في أول الأمر، ثم إن ذلك نسخ بما يوافق هذه القاعدة التي جاءت في حديث أبي موسى وكذلك في حديث بريدة بن الحصيب الذي ذكر فيه النبي ﷺ الناسخ والمنسوخ في ثلاثة أمور فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ألا فادخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في أوعية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً). أي: المهم ألا تستعملوا شيئاً يوصل إلى حد الإسكار، فما أسكر كثيره لا تستعملوه لا كثيره ولا قليله، فهذا الحديث بين فيه ﷺ أن الأمر يتعلق بالإسكار، وأنه إذا لم يصل إلى حد الإسكار في الكثير فإنه لا بأس بالقليل والكثير، وإن كان كثيره يسكر وقليله لا يسكر فإنه يحرم الكثير والقليل. إذاً: الرسول ﷺ لما سأله أبو موسى عن هذين الشرابين اللذين كانا موجودين في اليمن وهما: نبيذ العسل، ونبيذ الشعير، ما أجابه الرسول ﷺ عليهما وإنما أجابه بقاعدة كلية يندرج تحتها المسئول عنهما وغيرهما، فذكر له: أن كل مسكر حرام وكل ما لم يسكر فإنه حلال.

стр. 1028

الأسئلة

стр. 1029

حكم الأدوية التي يدخل في تركيبها الكحول السؤال كل مسكر حرام قليله وكثيره فكيف بنسبة الكحول في الدواء؟ الجواب الشيء الذي يتخذ للعلاج إذا كانت نسبته قليلة مع الدواء فإن ذلك لا يؤثر، مثل البنج فقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ أن استعمال البنج في الدواء حتى يغيب العقل من أجل قطع شيء من الإنسان بحيث لا يشعر أن ذلك جائز.

стр. 1030

حكم العطور المشتملة على كحول السؤال كل العطور الآن تصنع من الكحول، فما مقدار كمية الكحول الجائزة؟ الجواب هذا الكلام ليس بصحيح، لا يقال: كل العطور تصنع من الكحول؛ فكم هناك من العطور التي لا كحول فيها! وكم من طيب ليس فيه شيء من الكحول! ولكن إذا كان هناك طيب فيه كحول وطيب سالم من الكحول فكون الإنسان يأخذ الحلال البين ويترك الشيء الذي هو مشتبه أولى؛ حتى يتقي الشبهات لئلا يقع في المحرم.

стр. 1031

حكم التماثيل المتخذة للزينة السؤال ما حكم التماثيل التي تباع ويتخذها الناس كزينة في البيوت؟ الجواب ليس للناس أن يحوزوا هذه التماثيل ولا أن يقتنوها، بل يجب أن تحطم وتتلف، ولا يجوز أن يقتني الناس تماثيل؛ لأن التماثيل كما هو معلوم هي وسيلة إلى الشرك.

стр. 1032

توحيد الضمير في قوله: (إن الله ورسوله حرم) السؤال ألا يكون قوله ﷺ : (إن الله ورسوله حرم) من باب التأدب مع الله حتى لا ينسب التشريع لكليهما؟ الجواب قد جاء في الحديث في بعض الروايات الصحيحة: (إن الله ورسوله ينهيانكم) وكذلك جاء: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).

стр. 1033

نجاسة عين الخمر السؤال هل الخمر نجسة العين؟ الجواب من العلماء من قال: إنها نجسة العين وأن الإنسان إذا وقعت عليه فإنه يزيل تلك النجاسة.

стр. 1034

بيان محرمية الرضاع السؤال في أي شيء تكون محرمية الرضاع؟ الجواب تكون بما يماثلها من النسب؛ فالأخت من الرضاع كالأخت من النسب، والأم من الرضاع كالأم من النسب، والجدة من الرضاع كالجدة من النسب، والجد من الرضاع كالجد من النسب، والابن من الرضاع كالابن من النسب، وكذلك حليلة الابن من الرضاع كحليلة الابن من النسب، كما ذكر ذلك العلماء وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فقوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ليس إخراجاً لزوجات الأبناء من الرضاعة وإنما جاءت في إخراج زوجات الأبناء المتبنين؛ فإن ذلك لا يحرم وإنما الذي يحرم هو زوجة الابن من الرضاع كزوجة الابن من النسب.

стр. 1035

شرح الأربعين النووية [٣٦] جوامع كلمه ﷺ أحاديث تجمع معاني كثيرة في ألفاظ قليلة، ومن تلك الأحاديث: حديث علامات المنافق، وحديث التقلل من الطعام، وحديث التوكل على الله، وحديث الحث على ذكر الله، وهذه الجوامع مما اهتم بها العلماء وحرصوا على جمعها واعتنوا بشرحها، فينبغي الاعتناء بها والاستفادة منها.

стр. 1036

شرح حديث: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه) الحديث السابع والأربعون من الأحاديث الخمسين بتتمة ابن رجب، وهو الحديث الخامس من الأحاديث الثمانية التي زادها ابن رجب: عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن، بحسب امرئ أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن. ذكر المصنف تخريجه عن الإمام أحمد وعن ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة وهم من عدا الإمام أبا داود رحم الله تعالى الجميع. وكان من طريقة الإمام النووي ﵀ عندما يخرج الأحاديث أن يقول: رواه فلان وفلان، فيعبر بـ (رواه)، وأما الحافظ ابن رجب فإنه يعبر بـ (خرجه) وأحياناً يعبر بـ (رواه)، ولا فرق بين خرجه ورواه، فإن المقصود به المؤلف الذي روى هذا الحديث في كتابه بسنده إلى رسول الله ﷺ . قوله ﷺ : (ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن)، الوعاء هو: الظرف الذي توضع فيه الأشياء، والبطن هو: الذي يوضع فيه الطعام، وإذا أُكثر من الطعام أدى إلى تخمة وصار ضرراً وشراً على صاحبه؛ وذلك لما ينتج عنه من الكسل والخمول والفتور، وما يحصل عنه أيضاً من الأمراض والأمور المنغصة. وبعد أن بين النبي الكريم ﷺ أن البطن هو شر وعاء يملأ أرشد ﵊ إلى الطريقة المثلى في الأكل وهي أخذ الكفاية، ثم بين هذه الكفاية فقال ﵊: (بحسب امرئ) أي: يكفيه (أكلات يقمن صلبه)، أكلات: جمع أكلة، أي: لقيمات يقمن صلبه، وصلبه هو ظهره، وذلك أنه إذا أكل الإنسان وحصل له التغذي بالطعام فإنه يكون عنده نشاط وتكون عنده قوة وفيه حياة، وإذا ذهب عنه الطعام أدى به ذلك إلى السقام وإلى المرض، وربما أدى به ذلك إلى الموت بسبب الجوع. وقوله ﵊: (بحسب) الحسب هنا بمعنى الكافي، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أي: كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين، وقد مر في حديث أبي هريرة: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، أي: لو لم يكن عنده من الشر إلا هذا لكان كافياً فكيف إذا كانت عنده شرور أخرى، فإن ذلك شر إلى شر وضرر إلى ضرر. ثم إن النبي ﷺ أرشد الإنسان إذا لم يكتف بهذه الأكلات التي يحصل بها إقامة الصلب إلى هذه القسمة الثلاثية، وهي أن يكون ثلث بطنه لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. فالرسول ﷺ ذكر ثلاثة أحوال للناس: فالحالة الأولى: حال من يملأ بطنه، وبذلك يتعرض لأسباب الأمراض وللأسقام وللكسل والخمول، والحالة الثانية: حال من يأتي بالطريقة التي فيها الكفاية، وهي الأكلات التي يقمن صلبه، وإذا كان ولا بد فهناك شيء بين الكفاية والامتلاء، وهو أن يملأ الثلثين ويبقى ثلث يكون فيه مجال للتنفس وهذه هي الحالة الثالثة. فهذا هو هديه ﷺ فيما يتعلق بالمآكل والمشارب.

стр. 1037

شرح حديث: (أربع من كن فيه كان منافقاً) قال المصنف ﵀: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر) خرجه البخاري ومسلم. هذه أربع خصال إذا اجتمعت في الإنسان صار منافقاً، وإذا وجدت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. والمراد بالنفاق هنا: النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي هو الذي لا يخرج من الملة، والنفاق الاعتقادي هو النفاق المخرج من الملة، وهو الذي أصحابه مخلدون في النار، كما قال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]. فأقرب الأقوال في معنى النفاق هنا أنه النفاق العملي الذي هو إخلاف الوعود والفجور في المخاصمة، وكذلك الغدر عند المعاهدة والكذب، والمطلوب من المسلم أن يكون متحلياً بضد هذه الخصال، فيكون عند الحديث صادقاً، فلا يقدم على الكذب ولا يحدث صاحبه بما هو كذب، ويحذر من أن يكون من أهل الفجور والكذب، وإذا لم يحدث بما هو صدق فليمسك عن الكلام، كما قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). وقوله: (وإذا وعد أخلف) هذا يكون فيمن يعد وفي نيته أن يخلف، فهذا هو الوصف المذموم، وأما إذا وعد الإنسان وهو يريد ألا يخلف ثم حصل له مانع يمنعه من الوفاء بالوعد وحصل له أشياء تحول بينه وبين تنفيذ ما وعد فإن هذا لا يكون آثماً، وإنما الآثم هو الذي من شأنه أن يعد وهو غير صادق في وعده. وقوله: (وإذا خاصم فجر) أي: أنه إذا خاصم لا يتحاشى في الكلام، بل يزيد في الكلام ويتكلم بالكلام الباطل في حال الخصومة، والأصل أن يمسك المرء لسانه عند الخصومة فلا يتعدى ولا يتجاوز ولا يتكلم إلا بما هو خير، ولا يتكلم بشيء تصل إليه مضرته، بل يكون كلامه باعتدال وتوسط، ولا يتجاوز الحد إلى أن يكون ظالماً لمن يحدثه ومن يخاصمه فيكون فاجراً بالخصومة، فالفجور هو: الميل عن الحق مع الاحتيال عليه. وقوله: (وإذا عاهد غدر) أي: أنه إذا أعطى العهد والميثاق فإنه يغدر ولا يفي بعهده.

стр. 1038

شرح حديث: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله) قال المصنف ﵀: وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا الحديث فيه بيان أن الإنسان عليه أن يكون متوكلاً معتمداً على الله في جميع شئونه مع أخذه بالأسباب المشروعة التي شرعها الله ، فلا يكون متوكلاً بدون الأخذ بالأسباب وإنما يكون متوكلاً مع الأخذ بالأسباب؛ لأن الرسول الكريم ﷺ أرشد إلى الاثنين معاً، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله). فقوله: (احرص على ما ينفعك)، هذا فيه أخذ بالأسباب واستعانة بالله وتوكل عليه وطلب للمعونة منه، فيكون الإنسان قد جمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسبب الأسباب وهو الله ، فإن الأسباب إذا لم يشأ الله أن تكون مفيدة لم يحصل الإنسان من ورائها على فائدة، ولكنها تكون مفيدة بتوفيق الله وإعانته وتسديده، فعند ذلك ينفع السبب وينتهي إلى حصول المسبب، وإلا فإن الأسباب في حد ذاتها دون عون الله لا تنفع، فعلى الإنسان أن يأخذ بها ولا يعتمد عليها، ولكن يعتمد على مسببها الذي هو النافع الضار الذي لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وكما جاء في حديث وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). وفي هذا الحديث يقول ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير)، ثم بين كيف يكون رزق الطير، فقال: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فالطير لا تجلس في أوكارها تنتظر شيئاً يأتيها وإلا ماتت وهلكت، وإنما شأنها أنها تأخذ بالأسباب فتذهب في الصباح خاوية البطون خماصاً، ثم ترجع بطاناً، أي: ممتلئة البطون، فهي قد أخذت بالأسباب، فأنتم عليكم أن تأخذوا بالأسباب وأن تتوكلوا على الله ، لا أن تتوكلوا على الله بدون أخذ بالأسباب؛ لأن الأخذ بالأسباب والاعتماد عليها والغفلة عن الله من أخطر الأشياء، واعتقاد أن الأسباب تنفع وتضر بطبيعتها قدح في التوحيد، فهي لا تنفع ولا تضر إلا إذا جعلها الله نافعة أو جعلها ضارة. ومحو الأسباب عن أن تكوناً أسباباً نقص في العقل، فالذي يقول: إذا كتب الله لي شيئاً فسيأتيني ولن أفعل الأسباب ناقص العقل، وذلك مثل أن يقول الإنسان: إن الولد لا يأتي إلا عن طريق الزواج، لكن إذا كتب الله لي أن يأتيني فسيأتيني ولو بغير زواج؛ فهذا نقص في العقل؛ لأن الولد لا يأتي إلا بفعل الأسباب بطريق الزواج، قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]. وجاء في حديث الرجل الذي قال: أعقل ناقتي أم أدعها وأتوكل؟ فقال ﵊: (اعقلها وتوكل)، يعني: خذ بالأسباب وتوكل على الله ، فلا يهمل الإنسان الأسباب أصلاً ولا يأتي بالأسباب معتمداً عليها غافلاً عن الله ؛ لأن الأسباب إذا لم يجعلها الله نافعة لم يحصل من ورائها فائدة للإنسان. وقوله: (لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، الطير هذا شأنها، والله تعالى ألهمها هذا العمل الذي قامت به من غدوها في الصباح تبحث عن الرزق ثم ترجع في المساء فتبيت في أوكارها وقد امتلأت بطونها وجلبت الرزق والعيش لأفراخها التي في عشها، فلم تهمل الأسباب؛ فأنتم كذلك إذا فعلتم مثلما تفعل هذه الطيور معتمدين على الله مع أخذكم بالأسباب، فإن الله تعالى يرزقكم ويحقق لكم ما تريدون من الخير.

стр. 1039

شرح حديث (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) قال المصنف ﵀: [عن عبد الله بن بشر رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فدلني على شيء أتمسك به، فقال: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ]. هذا الحديث فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على الخير وسؤالهم عن أمور الدين وعن الأمور الجامعة التي يحصلون فيها الأجور العظيمة، وهي أعمال خفيفة ويسيرة لا مشقة فيها، بل عملها يسير وفضلها كبير وجزاؤها عظيم من الله ، فهو يسأل ويقول: (إن شرائع الإسلام كثرت علي) والمقصود من ذلك: النوافل، وإلا فإن الفرائض يتعين على كل مسلم أن يأتي بها، ولكن السائل يسأل عن الشيء الذي يمكنه أن يعتني به وأن يحرص عليه فيما يتعلق بالنوافل، فهو يطلب أن يدله ﷺ على باب منها يتمسك به يكون جامعاً للخير ومحصلاً للأجر، كما سبق أن مر بنا في الحديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). فلما أراد باباً جامعاً يتمسك به من أبواب الخير فيما يتعلق بالنوافل أرشده النبي ﷺ ألا يزال لسانه رطباً من ذكر الله ؛ وذلك بكثرة ذكر الله . ومعلوم أن ذكر الله يطلق إطلاقاً عاماً ويطلق إطلاقاً خاصاً، فإطلاقه العام يدخل تحته الصلوات، ويدخل تحته قراءة القرآن، ويدخل تحته الأذكار، وأما الذكر الخاص فهو الأذكار الخاصة كالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، فإن هذه الأذكار هي الذكر الخاص، وإلا فإن الصلاة ذكر لله ؛ لأنها مشتملة على ذكر الله من أولها إلى آخرها، وكذلك قراءة القرآن فهو خير الذكر وخير الكلام وأفضل الكلام، ثم بعد ذلك الأذكار التي مع الأدعية؛ لأن الأدعية هي سؤال الله ما يريده الإنسان، وأما الأذكار فهي الثناء على الله بما يليق به من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وهذه هي الأذكار التي أرشد النبي ﷺ أن يكون الإنسان لسانه رطباً بها، وذلك سهل عليه في أي وقت وفي أي حين، والنبي ﷺ -كما ثبت في الصحيح- كان يذكر الله على كل أحيانه، والله أمر بذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]. وأثنى الله على الذاكرين والذاكرات فقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، ذكر ذلك في جملة الخصال العشر التي ذكرها الله في سورة الأحزاب. فهذا هو المعنى الذي عناه الرسول ﷺ في قوله: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وهذا لا شك أنه من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأن الإنسان يأتي بذكر الله ، وذكر الله هو تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وتعظيم وثناء على الله ، ويكون لسانه رطباً بذلك؛ لأنه إذا كان مشتغلاً بذكر الله صار منشغلاً عن غير ذكر الله من الكلام الذي لا يليق والذي لا ينبغي، فتعويد الإنسان نفسه أن يكون ذاكراً لله يحصل به الحسنات العظيمة لعمل يسير وشيء سهل خفيف، ولهذا جاء عن النبي ﷺ في آخر حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، وهما من ذكر الله ، فوصفهما بأنهما خفيفتان على اللسان، وذكر الله كله خفيف على اللسان. فأرشد النبي ﷺ إلى هذا العمل العظيم الذي هو إدامة ذكر الله وكثرة ذكره ، وهذا يكون من الإنسان وهو ماشٍ وقائم وقاعد ومضطجع وفي جميع أحواله، وذلك سهل عليه؛ لأنه لا يحتاج إلى كلفة ولا يحتاج إلى مشقة، وليس فيه إلا تحريك اللسان بخير، حتى يعود على الإنسان بخير، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وبهذا يكون انتهينا من شرح الأحاديث الأربعين أو الاثنين وأربعين التي جمعها الإمام النووي ﵀ المتوفى سنة (٦٧٦هـ)، ثم الثمانية التي أضافها الحافظ ابن رجب المتوفى سنة (٧٩٥هـ). وهذا الذي ختم به ابن رجب لا شك أنه ختام عظيم، وهو نظير ختم البخاري لكتابه بحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان)، كما أن الإمام النووي ﵀ ختم الاثنين والأربعين بحديث أنس بن مالك الذي فيه: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي). فالإمام النووي ﵀ ختم بذلك الحديث، وابن رجب ﵀ ختم بهذا الحديث، والبخاري ﵀ ختم بذلك، ولهذا تابعه بعض العلماء فختموا كتبهم بهذا الحديث، فإن المنذري ختم به كتابه الترغيب والترهيب.

стр. 1040

ذكر بعض جوامع الذكر ونذكر الفصل الأخير من كلام ابن رجب ﵀، قال: ابن رجب رحمه الله تعالى: فصل: قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم، فكان ﷺ يعجبه جوامع الذكر ويختاره على غيره من الذكر، كما في صحيح مسلم عن ابن عباس عن جويرية بنت الحارث ﵃ أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟! قالت: نعم، فقال النبي ﷺ : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته).

стр. 1041

ميزة الأذكار النبوية على المحدثات من الأذكار بعض الناس يكون عندهم أدعية متنوعة ليست من كلام الرسول ﷺ ولا من كلام سلف هذه الأمة، وإنما أنشأها بعض المتأخرين، ثم تجد بعض الناس يحرص عليها، كما سبق أن مرت الإشارة في دروس مضت عن دلائل الخيرات، وأن فيه أدعية محدثة، وأنها مشتملة على باطل، وبعضها فيه أمور محذورة، وبعضها فيه غلو، وبعضها فيه جفاء، والأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ هي التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان وأن يعتني بها، وأن يستعملها في دعائه، وأن يترك مثل هذه الأدعية. ويكفي في عدم صلاحيتها وأنها غير مناسبة أن بعض الناس يسأل عنها، وما دام الإنسان يسأل عنها فعليه أن يأخذ بالشيء الذي لا يحتاج أن يسأل عنه وهو كلام الرسول ﷺ ، فكون الإنسان يسمع بكلام ولا يدري صحته من سقمه، وهل هو طيب أو رديء فيأتي ويقول: ما رأيك في هذا الدعاء؟ يدل على أن فيه شيئاً، فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يشغل نفسه بمثل هذا السؤال، وإنما يشغل نفسه بتعلم الأذكار والأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ ويأخذ بها؛ لأنها من كلام الذي أوتي جوامع الكلم ﷺ ، وأيضاً كلامه فيه العصمة؛ لأنه كلام المعصوم ﷺ ، أما غيره من الناس فإنه يخطئ ويصيب، فقد يأتي بشيء محذور وقد يأتي بشيء لا يليق كما في دلائل الخيرات من الأدعية السيئة كدعاء: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، اللهم ارحم محمداً حتى لا يبقى من الرحمة شيء، اللهم بارك على محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، اللهم سلم على محمد حتى لا يبقى من السلام شيء. وأيضاً مثل: اللهم صل على محمد ما سرحت البهائم، اللهم صل على محمد ما شدت العمائم، اللهم صل على محمد ما نفعت التمائم. فهذا كلام البشر لا ينبغي أن يلتفت الإنسان إليه، وإنما يحرص على كلام المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فقد أعطاه الله جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالإنسان إذا حرص على كلامه وتعلم الأدعية والأذكار من كلامه ﷺ فإنه يحصل الشيء الذي فيه العصمة، ويحصل الأجر والثواب من الله ؛ لأنه أتى بسنة الرسول ﷺ وبما جاء عن رسول الله ﷺ .

стр. 1042

من الأذكار الجامعة: (سبحان الله عدد خلقه) قال ابن رجب ﵀: وخرجه النسائي ولفظه: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) وخرَّج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو قال: حصى تسبح به، فقال: (ألا أخبرك بما هو أيسر من هذا وأفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك). فهذه أدعية جامعة، ولكن ذكر الحصى وذكر النوى لم يثبت فيه شيء عن رسول الله ﷺ . قال ﵀: وخرَّج الترمذي من حديث صفية قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها، فقلت: لقد سبحت بهذه، فقال: ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني، فقال: قولي: سبحان الله عدد خلقه). وخرَّج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة: (أن النبي ﷺ مر به وهو يحرك شفتيه فقال: ماذا تقول يا أبا أمامة؟ قال: أذكر ربي قال: ألا أخبرك بأكثر وأفضل من ذكرك الليل؟ مع النهار والنهار مع الليل، أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما خلق، وسبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة، وصححه ابن حبان وانظر تمام تخريجه فيه. وفي النسخة الثانية قال: إسناده ضعيف، يحيى بن أيوب ليس بالقوي، وابن زرارة لا يعرف. وعلى كلٍ الإنسان يأتي بما ثبت ويستغني عما لم يثبت.

стр. 1043

أهمية تواطؤ القلب مع اللسان في الذكر وقوله: (يحرك شفتيه) أي: أن ذكر الله يكون باللسان مع القلب. والقراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان، ولا يكفي الإنسان أن يقرأ بقلبه أو يستحضر القرآن بقلبه دون أن يحرك لسانه، وإنما القراءة تكون بتحريك اللسان، كما قال : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]. والرسول ﷺ كانوا يستدلون على قراءته في الصلاة السرية باضطراب لحيته؛ لأنهم كانوا يرون عوارضه تتحرك من جهة اليمين ومن جهة الشمال إذا كانوا وراءه، وإنما تتحرك بالقراءة، والقراءة إنما هي باللسان، لأنه لو كانت القراءة بالقلب لم تتحرك اللحية. قال ﵀: [وخرَّج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء، وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناد له أن النبي ﷺ قال لـ معاذ: (يا معاذ! كم تذكر ربك كل يوم؟ تذكره كل يوم عشرة آلاف مرة؟ قال: كل ذلك أفعل، قال: أفلا أدلك على كلمات هن أهون عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف؟ أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما أحصاه، لا إلا الله عدد كلماته، لا إله إلا الله عدد خلقه، لا إله إلا الله زنة عرشه، لا إله إلا الله ملء سماواته، لا إله إلا الله ملء أرضه، لا إله إلا الله مثل ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله مثل ذلك معه)]. ويناسب الإنسان أن يقتني مثل صحيح الكلم الطيب، الذي جمعه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه لله من كتاب الكلم الطيب لـ ابن تيمية ﵀، فإن هذا الكتاب مع اختصاره مشتمل على جملة كبيرة من الأذكار والأدعية. وأما هذا الحديث فرواه الدولابي في الأسماء والكنى من طريق واصل بن مرزوق عن رجل من بني مخزوم يكنى أبا شبل عن جده، وكان من أصحاب النبي ﷺ . فهذا الحديث فيه مبهم، والإنسان يحرص على الإتيان بما ثبت وصح عن رسول الله ﷺ .

стр. 1044

أثر ابن مسعود في الذكر قال ﵀: وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة فقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البر والبحر، سبحان الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البر والبحر والسماء والأرض). وهذا موقف، وابن مسعود ﵁ له قصة مع الذين كانوا في المسجد متحلقين وبأيديهم حصى، وأحدهم يقول: ليسبح كل واحد مائة، ويهلل مائة، فوقف على رءوسهم ﵁، وقال: يا هؤلاء! عدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، فإما أنكم أهدى طريقة مما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أو إنكم تفتحون باب ضلالة، قالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، فقال ﵁: وكم من مريد للخير لم يصبه). يعني: أن المطلوب مع إرادة الخير موافقة السنة عن رسول الله ﷺ .

стр. 1045

أثر سليمان بن طرخان التيمي في الذكر قال ﵀: وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول: أمهلوا! سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول لا قوة إلا بالله، عدد ما خلق وعدد ما هو خالق، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق، وملء ما خلق وملء ما هو خالق، وملء سماواته وملء أرضه، ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ومبلغ رضاه، وحتى يرضى وإذا رضي. هذا من كلام سليمان بن طرخان التيمي والد المعتمر بن سليمان ومعلوم أن الأحاديث فيها ذكر الله ، وكونه يتخللها السكوت ثم يؤتى بمثل هذا الدعاء، هذا شيء غريب غير معروف، فالرسول ﷺ كان يحدث أصحابه وما كان يتوقف ويذكر الله مثل هذا الذكر، فنفس الحديث هو ذكر لله ، فاشتغال الإنسان بالحديث أو بالعلم هو ذكر لله ، دون أن يحصل هذا التوقف والإمهال من أجل أن يؤتى بمثل هذا الكلام. وقوله: (ومنتهى رحمته)، رحمة الله ليس لها نهاية إلا إذا كان المقصود بالرحمة الجنة؛ لأنها من رحمة الله ، وهي محدودة معروفة؛ ولكن ليس لنعيمها نهاية، بل نعيمها دائم ومستمر لا ينقطع ولا ينتهي أبد الآباد؛ فإذا كان المقصود بذلك الجنة فالجنة هي رحمة مخلوقة، فقد جاء في السنة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء). وأما رحمة الله فهي صفة من صفاته، فلا يصلح أن يقال: إن لها منتهى، فرحمة الله وسعت كل شيء وليس لها نهاية. وابن رجب ﵀ يجمع أشياء كثيرة طيبة وصحيحة ويجمع أشياء فيها غرابة. قال ﵀: وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال: رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته فقلت: ما صنعت؟ قال: خير، فقلت: ترجو للخاطئ شيئاً، قال: يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء. وما جاء عن رسول الله ﷺ أولى من هذه الرؤيا وغيرها. قال ﵀: قال ابن أبي الدنيا وحدثني محمد بن أبي الحسين قال: حدثني بعض البصريين أن يونس بن عبيد رآه رجلٍ فيما يرى النائم كان قد أصيب ببلاد الروم، فقال: ما أفضل ما رأيت ثَمَّ من الأعمال؟ قال: رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان. وعلى كل فإن الكلمات الجامعة والأدعية الجامعة هي التي جاءت في الأحاديث الصحيحة، وهي التي ينبغي للإنسان أن يشتغل بها، وأما مثل هذه الأمور ومثل هذه الحكايات والمنامات فلا يشتغل بها الإنسان.

стр. 1046

الأسئلة

стр. 1047

معنى تسمية بعض الأحاديث بجوامع الكلم السؤال ما معنى تسمية أهل العلم لبعض الأحاديث أنها من جوامع الكلم وهل يدل ذلك الاستثناء على أن البعض الآخر ليست من جوامع الكلم؟ الجواب بعض الأحاديث يكون فيه كلام جامع تدخل تحته معانٍ كثيرة، وبعضها يكون فيه كلام لا يندرج تحته معانٍ كثيرة، مثل أن يسأل عن مسألة معينة فيأتي بالجواب عليها، وقد يسأل عن مسألة معينة ويأتي بجواب جامع مثل ما مر في حديث أبي موسى الأشعري أنه سأله عن شراب يقال له: البتع؟ فقال ﷺ : (كل مسكر حرام)، فأتى بجواب يشمل هذا ويشمل غيره. وقد يسأل عن شيء خاص ويجيب بجواب خاص، فلا يعتبر جومع الكلم كالأحاديث الجامعة.

стр. 1048

معنى قوله في حديث النفاق: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) السؤال ذكر في حديث النفاق أن من كانت فيه خصاله الأربع كان منافقاً خالصاً، وذكرتم في شرحه أنه النفاق العملي مع أنه وصفه بالخلوص، فإذا كان المرء لا يخرج من الملة بوجود هذه الخصال الأربع، فما معنى قوله ﷺ : (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم). الجواب هذا لا يعني أنه خرج من الإيمان، وإنما يعني أنه وإن حصل منه الصلاة والصيام وزعم أنه مسلم فهو منافق هذا النفاق العملي، لكن لا يقال: إنه خرج من الإسلام وصار من الكفار.

стр. 1049

مشروعية رفع الأصبع عند ذكر الله السؤال هل يشرع رفع الإصبع كلما ذكر الله ﵎، حتى في غير الخطبة؟ الجواب لا نعلم شيئاً يدل على مشروعيته باستمرار، ولكن أقول: الأصل فيه الجواز، وأما كون الإنسان لا يفعل كذا إلا رفع إصبعه، فلا أعلم شيئاً يدل عليه.

стр. 1050

الفرق بين قولهم (رواه فلان) و (خرَّجه فلان) السؤال قيل: إن الفرق بين (رواه) و (خرَّجه) أن الراوي هو الذي يروي الحديث بإسناد، والذي يروي بلا إسناد يسمى مخرجاً، فهل هذا صحيح؟ الجواب لا يقال له: مخرج أبداً، وإنما المخرِّج هو الذي يروي بالإسناد، ومن الغلط أن بعض الناس في هذا العصر يستعملون ذلك في حقب المتأخرين الذين يذكرون الأحاديث في كتبهم كـ النووي وابن حجر والسيوطي، فيقولون: خرجه ابن حجر وخرجه السيوطي وخرجه فلان، وهم ما خرجوه، فهؤلاء يذكرونه فقط ولا يخرجونه، وإنما الذي يخرج هو الذي يسند، وأما من يذكر الحديث فلا يقال له مخرج أبداً، وإنما يقال: ذكره فلان وعزاه إلى كذا، عزاه السيوطي إلى فلان، وعزاه ابن رجب أو ابن حجر إلى فلان، وهكذا وإذا قيل: رواه أبو داود أو رواه الترمذي أو خرَّجه البخاري أو خرَّجه مسلم فكله بمعنى واحد، وهو أن يأتوا بالأسانيد.

стр. 1051

الفرق بين خلف الوعد والغدر في حديث المنافق السؤال ما الفرق بين إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر؟ الجواب الوعد غير العهد، فالعهد أن يعطي عهد الله وميثاقه، مثل ما يحصل في الجهاد والمعاهدة بين المسلمين والكفار، وأما الوعد فهو أن يقول: إني سأفعل كذا وكذا وهو ناوٍ ألا يفعل.

стр. 1052

أهمية حضور القلب لنيل ثواب الذكر السؤال هل مجرد ذكر اللسان بدون مواطأة القلب يؤجر عليه الإنسان؟ الجواب لا يؤجر ما لم يحضر القلب، كما جاء أن الدعاء من قلب لاهٍ لا يستجاب؛ لعدم حضور القلب، فكذلك الذكر.

стр. 1053

الجمع بين حديث: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه) وحديث شرب أبي هريرة اللبن السؤال كيف نجمع بين حديث: (ما ملأ ابن آدم)، وحديث أبي هريرة لما شرب اللبن فقال له الرسول ﷺ (اشرب)، وفي الأخير قال أبو هريرة: (والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً)؟ الجواب لا يلزم من قوله: (لا أجد له مسلكاً) أن يكون قد امتلأ بطنه وأنه لم يبق فيه مجال، بل معناه أنه أخذ كفايته وحاجته وأنه قد روي، لكن الري كما هو معلوم يحصل بدون امتلاء البطن.

стр. 1054

حكم أمر الجالسين بالتسبيح والتحميد والتهليل السؤال يكون الرجل في مجلس لا يذكرون الله بل كلامهم في أمور الدنيا المباح، فإذا ذكرهم إنسان وقال لهم: قولوا: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، أو قال لهم: قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هل في ذلك بأس؟ الجواب المناسب أن يحول الكلام من كونه كلاماً فيما لا ينفع إلى ما ينفع مثل قراءة القرآن والباقون يسمعون، أو يقرءون شيئاً من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، أو يتذاكرون شيئاً من العلم بدلاً من أن يقول: سبحوا وهللوا وكبروا، فيكونون شبيهين بمن أنكر عليهم ابن مسعود.

стр. 1055

توصيف النفاق العملي ودخوله في الكبائر السؤال هل النفاق العملي من الكبائر؟ الجواب الكبيرة عند العلماء هي التي تشتمل على حد في الدنيا أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار أو إحباط عمل أو ما إلى ذلك، وهذه الأشياء ينظر فيما ورد من الأحاديث بخصوصها، فعلى ضوء ذلك يتبين هل هي من الكبائر أو ليست من الكبائر. فإذا قيل: هل يجوز إطلاق النفاق الأصغر والكفر الأصغر، فيقال: كافر ومنافق لمن وقع في تلك الخصال؟ فالجواب: لا يوصف أحد إلا في شيء ورد، وإذا كان المقصود أنه كفر دون كفر فينبه على ذلك ولا يطلق، حتى لا يظن أن الإنسان أضيف إليه شيء لا يستحقه، بل يضاف إليه شيء يستحقه حيث ورد، فمن وجد فيه شيء من ذلك فإنه يقال: وقع كفر دون كفر.
следующие страницы →