Полный текст (1 058 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تقييد تفسير كلمة التوحيد بقول: (في الوجود)
السؤال
هناك من العلماء من قيد تفسير كلمة التوحيد بقوله: (لا معبود بحق في الوجود إلا الله) فما تعليقكم؟
الجواب
كلمة الوجود تحصيل حاصل، وإنما المقصود أنه لا معبود بحق، ومن المعلوم أن كل شيء في الوجود موجود، فالله تعالى موجود، وغيره موجود.
стр. 177
بيان شرط العمل الذي ينفع صاحبه
السؤال
نقل عن شيخ الإسلام ﵀ أن المبتدع إذا كان عنده إخلاص في العمل الذي ابتدعه فإنه يؤجر على تلك النية، فما مدى صحة هذا الكلام؟
الجواب
ما أدري، لكن من المعلوم أن العمل الذي ينفع صاحبه عند الله هو العمل الذي يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، وإذا كان مخالفاً للسنة فإنه داخل تحت قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).
стр. 178
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
ذكر بعض أهل العلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الركن السادس، فما صحة ذلك؟
الجواب
نعم ذكرهما بعض أهل العلم، وهذا يدل على أهميتهما، لكنه لم يرد شيء يدل على إضافتهما إلى الأركان، ولا شك في أهميتهما؛ لأن بهما قيام الدين.
стр. 179
حكم قتال مانع الزكاة
السؤال
إذا كان لا يخرج من الإسلام إلا من ترك الصلاة فكيف قاتل أبو بكر ﵁ من امتنع عن أداء الزكاة؟
الجواب
أبو بكر ﵁ قاتلهم لأنهم امتنعوا عن أدائها، فهو قاتلهم من أجل أن يؤدوا هذا الواجب الذي لابد من إخراجه، لكن لو تمكن من أخذها منهم من غير قتال فإنها تجزئ، أي: أن الإنسان إذا امتنع وأخذت منه قهراً من غير قتال حصل المقصود، لكن هؤلاء امتنعوا، وقوتلوا على أنهم لم يدفعوها.
стр. 180
تقديم الشهادتين على الصلاة في حق من دخل في الإسلام
السؤال
هل يؤمر الكافر الذي يسلم بالصلاة مع الشهادتين، أو يؤمر بالشهادتين ثم يؤمر بالصلاة بعد ذلك عندما يتمكن التوحيد من قلبه؟
الجواب
يؤمر بالشهادتين، وإذا جاء وقت الصلاة يؤمر بالصلاة، فيؤمر بالشهادتين لأنهما هما الأساس، وهما المدخل والمفتاح، وبعد ذلك إذا جاء وقت الصلاة يؤمر بالصلاة.
стр. 181
حكم قرن الشهادتين عند الدخول في الإسلام بشهادة أن عيسى رسول الله
السؤال
بعض من يسلم يأمره بعضهم بأن يقول عند الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، فهل هذا سائغ؟
الجواب
هذا يمكن أن يكون مع النصارى الذين يعبدون عيسى ويجعلونه إلهاً، فإنهم إذا شهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله فمعنى ذلك أنهم تركوا ما كانوا يعتقدونه من إلاهيته، وعلموا أنه عبد ورسول، فهو عبد الله يعبد الله، ورسول لا يكذب.
ولكن المقصود الذي هو الأساس ويغني ويكفي هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
стр. 182
إقامة الحجة على تارك الصلاة
السؤال
هل يلزم في تكفير تارك الصلاة ما يلزم في تكفير مرتكب المكفرات غير ترك الصلاة من إقامة الحجة وانتفاء الموانع، أم يكفي الرجل بمجرد تركه للصلاة أن يكفر من غير إقامة الحجة عليه؟
الجواب
إذا حكم بكفره يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا يتطلب إقامة الحجة، فإن تاب بعد إقامة الحجة عليه يترك، فإذا لم يتب فإنه يقتل.
стр. 183
أهمية توحيد الإلهية وبيان أن الخلاف بين الأنبياء والكفار كان بسببه
السؤال
قرأت في كتاب (الظلال) قولاً في معنى (لا إله إلا الله) أن معناها: لا حاكم إلا الله، وأن الإلهية معناها الحاكمية، والخلاف مع كفار قريش كان في الربوبية وليس في الإلهية، فما تعليقكم؟
الجواب
هذا كلام غير صحيح، وإذا كان هذا الكلام موجوداً في الكتاب المذكور فهذا كلام باطل، وذلك أن الخلاف مع كفار قريش إنما كان في الإلهية، وهذا نص في القرآن، كما حكى الله جل وعلا عنهم قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، والآيات في سورة النمل: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، كلها سيقت في توحيد الربوبية الذي أقروا به من أجل إلزامهم بتوحيد الإلهية الذي جحدوه.
ثم إن الله تعالى أخبر أن الرسل أرسلوا لعبادة الله وحده، وترك عبادة الطاغوت، وجاء ذلك في القرآن إجمالاً وتفصيلاً، أما الإجمال ففي قول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول كانت هذه مهمته.
فقوله تعالى: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا))، أي: مهمة كل رسول ((أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ))، يعني توحيد الإلهية، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، والأمر بالعبادة من توحيد الإلهية.
وأما التفصيل فإن كل رسول أرسله الله كان يدعو قومه إلى عبادة الله وحده، كما قال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكل رسول كان يقول هذا الكلام لقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولا يدعوهم إلى أن يعتقدوا أن الله رب وأن الله تعالى موجود؛ لأنهم لم ينكروا ذلك، وإنما الشيء الذي أنكره الكفار والذي قامت الخصومة بين الأنبياء والأمم من أجله إنما هو في توحيد الإلهية وليس في توحيد الربوبية.
стр. 184
حكم من أفطر يوماً من رمضان متعمداً
السؤال
ورد فيمن أفطر يوماً من رمضان عامداً متعمداً أنه لن يجزيه صيام الدهر وإن صامه، ألا يدل ذلك على كفره؟
الجواب
لا أعلم أولاً عن ثبوت الحديث، وأما قضية الكفر فإنه لا يدل على الكفر، إلا إذا لم يصمه جاحداً.
стр. 185
حكم الجهاد في سبيل الله
السؤال
سمعت من خطيب مسجد أن الجهاد فرض عين في كل بلد حتى يخرج منه كل كافر أو مشرك، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب
يكون الجهاد فرض عين في حالتين: إحداهما: إذا داهم العدو المسلمين، فإن كل واحد من المسلمين عليه أن يجاهد؛ لأن هذا قدر مشترك بين الجميع.
وكذلك إذا استنفر الإمام، فإنه يتعين على الجميع أن ينفروا، مثلما حصل في غزوة تبوك، فإنه استنفر الناس ولم يبق إلا أهل الأعذار الذين لم يجدوا ما يحملهم، فأتوا إلى النبي ﷺ يطلبون منه أن يحملهم، فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه) فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع.
وقال عنهم الرسول ﷺ وهو في طريقه إلى تبوك: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) يعني أنهم معكم بنياتهم وقلوبهم، ولكنهم ما استطاعوا أن يصلوا بأجسامهم؛ لأنه لا ظهر لهم يركبون عليه، ولا يجدون من يحملهم على ظهر له حتى يتمكنوا من المشاركة بالجهاد بالنفس، ولهذا قال ﵊: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر).
فالجهاد هو فرض كفاية، وذلك لأنه يؤخذ من الناس أفراد حتى يجتمع جيش ويذهب للغزو، ولكنه إذا داهم الناس العدو فإن جميع أهل البلد عليهم أن ينفروا، وعليهم أن يقاتلوا.
فيكون فرض عين في هذه الحالة وحالة، وكذلك إذا استنفر الإمام، وفي غير هاتين الحالتين هو فرض كفاية وليس فرض عين.
стр. 186
حكم تارك الحج
السؤال
جاء في الحج قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، فهل فيه دليل على حمله على الكفر الأصغر؟
الجواب
لا، فمن لم يعتقد وجوبه فإنه لا شك في أنه يكون كافراً كفراً مخرجاً من الملة، وأما إذا لم يجحد وجوبه وكان مقراً بوجوبه وهو قادر عليه فمعلوم أنه إذا كان غير قادر على الحج لا يجب عليه، لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فإذا كان قادراً ولم يفعل فإن ذلك لا شك في أنه من الشيء الذي يؤاخذ عليه؛ لأن الحج على الفور وليس على التراخي.
стр. 187
حصول المنفعة بإخراج الزكاة للفقير ولصاحب المال
السؤال
هل يمكن أن نقول: إن الزكاة يعود نفعها على الفقير وعلى صاحب الزكاة بدليل الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]؟
الجواب
الزكاة نفعها يعود على صاحبها، فيؤجر ويثاب على ذلك، وتكون سبباً في نماء ماله وطهارة ماله.
وأيضاً نفعها متعدٍ إلى الفقراء والمساكين، فهو نفع متعدٍ، ومع ذلك فإن الإنسان المزكي هو مأجور، وفي ذلك طهارة ماله وزكاؤه ونماؤه.
стр. 188
حكم قتال مانعي الزكاة
السؤال
هل يمكن أن نقول: إن أبا بكر ﵃ قاتل مانعي الزكاة لأنهم جحدوا أمراً معلوماً من الدين بالضرورة؟
الجواب
إذا كانوا جحدوه فإنهم يكونون مرتدين، والواقع أن بعضهم لم يجحدها، بل بخلوا وقالوا: إن هذا إنما يكون للرسول ﷺ ولا يدفع لغيره.
فأخطئوا وفهموا فهماً خاطئاً، فقوتلوا على ذلك.
стр. 189
الفرق بين من ترك أربعة من أركان الإسلام مجتمعة وبين من ترك واحداً منها
السؤال
هل هناك فرق بين من ترك الأركان الأربعة على الآحاد ومن تركها مجتمعة؟ وهل السلف مجمعون على كفر التارك لها؟
الجواب
لم يجمع السلف على كفره إذا كان تركها تكاسلاً؛ لأن الصلاة نفسها هناك من يقول بأنه لا يكون كافراً من تركها، فما دونها من باب أولى، فليس هناك إجماع، فمن ترك الأربعة الأركان متكاسلاً وليس جحوداً فليس هناك إجماع على كفره، وإنما الصلاة هي التي فيها الخلاف، والبقية -كما هو معلوم- الخلاف فيها غير واضح، كما جاء في الحديث الذي أشرت إليه: (فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
стр. 190
بيان أن إثبات توحيد الإلهية أولى من إثبات توحيد الربوبية
السؤال
هناك من قال: إن توحيد الربوبية أولى من توحيد الإلهية، بدليل أن أول سؤال في القبر: من ربك.
فما تعليقكم؟
الجواب
معلوم أن الشيء الذي هو أهم من غيره هو الشيء الذي بعث الرسول ﷺ من أجله وأنزلت الكتب من أجله، وكل رسول أرسل للقيام به والدعوة إليه، والله ما قال: أرسلنا في كل أمة رسولاً أن أقروا بوجود الله، أو اعتقدوا أن الله رب العالمين.
وإنما الشيء الذي أرسلهم من أجله هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ لأن هذه الأمور كلها مطلوبة: الربوبية والإلهية والأسماء والصفات.
ولكن الذي أرسلت الرسل من أجله وأنزلت الكتب من أجله هو الذي يقدم على غيره.
وأما الشيء الذي أقر به الكفار فيجب الإقرار به، ويجب التصديق بكل ما جاء عن الله ورسوله ﷺ ، لكن العناية تكون بتوحيد العبادة الذي خلقت من أجله الخليقة وأرسلت من أجله الرسل، والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليؤمروا وينهوا.
وقال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
فهذا هو الذي يجب أن يعتنى به، وأما أن يشغل الناس بتوحيد الربوبية فإن هذا يعتبر تحصيل حاصل؛ لأن من كان مقراً بالربوبية فلا حاجة به إلى أن يعتنى بإثبات توحيد الربوبية، كما أن الكفار الذين كانوا مقرين بالربوبية كان يأتي تقرير توحيد الربوبية من أجل إلزامهم بتوحيد الإلهية، أي: كان يأتي تقرير الربوبية ثم يأتي بعده إنكار وجود إله مع الله، ويبين لهم أنه كيف تعتقدون بأنه كذا وكذا مع ذلك؟ فإذاً: الشيء الذي أقر به الكفار لا يعتنى به ويهمل الشيء التي بعثت من أجله الرسل وأنزلت من أجله الكتب، بل ينبغي العناية بهذا الأمر العظيم، وأما ذاك فهو شيء قد أقر به الكفار الذين بعث فيهم الرسول ﷺ .
стр. 191
حكم تأخير الصلاة عن وقتها
السؤال
إذا كان الشخص لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، كأن يصلي الفجر بعد طلوع الشمس، أو يخل بأركان الصلاة، فهل يعتبر تاركاً للصلاة كافراً بذلك؟
الجواب
لا شك في أن الإنسان الذي يتعمد ترك شيء من أركان الصلاة لا يعتبر أنه صلى؛ لأنه لابد من الإتيان بالأركان، فإذا لم يأت بالأركان فصلاته وجودها مثل عدمها، وأما تأخير الصلاة عن وقتها فذلك أمر خطير، ولكنه ليس مثل تركها.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها يُصلى وراءهم، ولكن على الإنسان أن يصلي الصلاة في وقتها ويجعل الثانية نفلاً، وهذا يدل على أن الأمر أهون، ولا شك في أن الأمر خطير، والإنسان لا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها.
стр. 192
حكم من أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة
السؤال
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى قاعدة، وهي أن من أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة كشعائر الإسلام مثل الأذان والزكاة والصلاة في العيد وغيرها فإنه يقاتل، لا لكفره ولكن لمنعه، فما تعليقكم؟
الجواب
لا أدري بصحة هذا الكلام المنقول، فإن الإنسان إذا أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر، فالزكاة من أنكرها ومن أنكر وجوبها كفر، ويقتل لكفره وردته، وأما إذا كان منعها كسلاً أو منعها بخلاً وشحاً فهذا هو الذي لا يقتل، ولكنها تؤخذ منه قهراً، وإن قاتل، أو إن لم يحصل أخذها منه إلا بالقتال فإنه يقاتل، كما حصل من أبي بكر الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة.
стр. 193
حكم التعميم في الدعاء
السؤال
إمام مسجد يدعو في الصلاة ويقول: اللهم! إن أعراض المسلمين قد انتهكت في كل مكان.
فهل يجوز مثل هذا الدعاء؟
الجواب
التعميم لا يصلح، وكل شيء فيه تعميم لا يصح أن يؤتى به، ولا يصلح للإنسان أن يأتي بشيء ليس بلائق، وإنما يسأل الله أن يحفظ المسلمين ويحفظ أعراضهم وأموالهم وأبدانهم وقبل ذلك دينهم، أما أن يقول: إنه حصل كذا وكذا فالله تعالى أعلم بالواقع، فمثل هذا التعميم لا يصلح.
стр. 194
وجوب النطق بالشهادتين
السؤال
هل يمكن أن تعتبر الشهادتان من العبادات القولية إن جاز هذا التعبير؟
الجواب
الشهادتان لا شك في أنه لابد من التلفظ بهما، ولا يكفي أن الإنسان يسرهما ويقولهما بقلبه، ولهذا لابد من النطق بهما حتى يعتبر الإنسان من جملة المسلمين، فيدخل الإنسان في الإسلام بأن ينطق بالشهادتين مع الإقرار بما في قلبه، لكن عصمة الدم تكون بحصول ظهور ذلك منه وإن كان باطنه يخالف ظاهره، كما هو شأن المنافقين.
فمن أظهر شيئاً أخذ بظاهره، وسريرته إلى الله .
стр. 195
الأجر على حسن النية في الخطأ
السؤال
من وقع في البدعة من حيث إنه لا يريد أن يبتدع -كالحافظ ابن حجر والنووي في مسألة التبرك بالصالحين- هل يؤجر على نيته؟
الجواب
يؤجر على أعماله الطيبة الكثيرة التي قام بها في خدمة الإسلام، ومثل هذا الخطأ يرجى من الله أن يتجاوز عنه.
стр. 196
حكم الذهاب بالمرأة إلى طبيب أسنان
السؤال
هل يجوز أن أذهب بزوجتي إلى طبيب أسنان، علماً بأنه لا يوجد في المستوصف الذي في حينا طبيبة، ولا أقدر على أن أذهب إلى المستشفيات الخاصة؛ لأن تكاليفها باهضة؟
الجواب
إذا كان الأمر يحتاج إلى هذا فلا بأس بذلك.
стр. 197
حكم الأخذ مما أوصى به الوارث
السؤال
هل يجوز أخذ شيء من مال والدي الذي توفي وأوصى بأن الثلث من ماله سبيل؟
الجواب
الثلث أو الوقف يصرف وفقاً لما أوصى به الواقف، ويكون على نظر الذي جعل ناظراً أو جعل مسئولاً عن الوقف، فلا يأخذ الإنسان منه شيئاً، إلا إذا كان وضع للمحتاج وكان هذا محتاجاً وأعطاه ناظر الوقف فلا بأس؛ لأن إعطاء الأقارب المحتاجين أولى من إعطاء غيرهم، وأما كون الإنسان يقبض ويأخذ شيئاً وهو ليس مسئولاً فلا، بل يرجع في ذلك إلى الناظر؛ لأن الشخص الناظر هو الذي يقدر الحاجة، وأما كون الإنسان يأتي ويأخذ بنفسه فقد يكون غير محتاج، ويأخذ وهو غير محتاج.
стр. 198
حكم بناء سور المقبرة من أموال الزكاة
السؤال
في قريتي مقبرة للمسلمين وليس لها سور، فهل يجوز أن نجمع أموال الزكاة من المسلمين ونبني للمقبرة سوراً؟
الجواب
لا؛ فإن الزكاة لا تصرف في بناء هذه الأعمال، فلا تنفق في بناء أسوار المقابر، ولا بناء أربطة، ولا المساجد، ولا تعبد منها الطرق، وإنما تصرف الزكاة في مصارفها، لكن يمكن أن يجمع لسور المقبرة من التبرعات التي هي إحسان وليست زكاة واجبة.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 199
شرح الأربعين النووية [١١]
ذكر النبي ﷺ أطوار خلق الإنسان الثلاثة وهو في بطن أمه، وما يحدث له من تغير في الخلقة أثناء هذه الأطوار بمشيئة الله وقدرته، وقد ربطت هذه الأطوار بخاتمة الإنسان، فذكر فيها كتابة الملك لأجل العبد وعمله، وشقي أو سعيد، وهذا كله لحكمة أرادها الله وارتضاها لعباده.
стр. 200
شرح حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)
الحديث الرابع من أحاديث الأربعين النووية -حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه- الذي يقول فيه الإمام النووي: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري ومسلم.
هذا الحديث بدأه عبد الله بن مسعود ﵁ عند إخباره بتحديث النبي ﷺ أصحابه بقوله: (وهو الصادق المصدوق).
أولاً: قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهذا فيه بيان أصل تسمية السنة حديثاً، أي: أنه يقال لها: حديث؛ لأنها حديث الرسول ﷺ لأصحابه، وهنا قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، فإذاً: سنة رسول الله ﷺ هي حديثه الذي يحدث به أصحابه؛ ولهذا يقولون: إن حديث الرسول ﷺ وسنته معناهما واحد، فإذا قال الفقهاء أو شراح الحديث: وهذه المسألة ثابتة بالسنة والإجماع، فإن المراد بالسنة ما يرادف الحديث، فإذاً: قول عبد الله بن مسعود ﵁: (حدثنا رسول الله ﷺ هذا هو بيان الأساس الذي بني عليه تسمية السنة حديثاً، وأن النبي ﷺ كان يحدث أصحابه، وهنا يخبر أنه حدثهم، فقال: حدثنا رسول الله ﷺ .
ثم قوله: (وهو الصادق المصدوق) هذا الكلام قاله ثناءً على رسول الله ﷺ ، وليس معنى ذلك أن المقام مقام احتمال أن يكون هناك شك، وأن من الناس من يشك في هذا الخبر، بل كل ما أخبر به الرسول ﷺ فهو حق وصدق، ويجب تصديقه، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ؛ لأن معناها: تصديقه بكل ما أخبر، وامتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، وألا يعبد الله إلا طبقاً لما جاء به ﷺ ، فإنما قال ذلك تعظيماً وثناءً على الرسول ﷺ ، وبيان أن هذا من جملة أمور الغيب التي لا تعرف إلا عن طريق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن هذا الذي أخبر به أمور غيبية لا تعرف إلا عن طريق الوحي، وقوله: (الصادق) يعني: الصادق في قوله، فهو صادق فيما يقول ﵊، المصدوق فيما يخبر به مما جاء به من الوحي، فهو صادق في قوله، وتصديقه متعين بكل ما أخبر به من خبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 201
ما يكون منه خلق الإنسان
ثم ذكر هذا الذي حدثهم به: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك) يعني: أربعين (ثم يكون مضغة مثل ذلك) يعني: أربعين، فتكون عدة هذه الأطوار الثلاثة مائة وعشرين يوماً، كل طور عدته أربعون يوماً، وقوله ﷺ : (يجمع خلقه) المقصود بالخلق هنا: ما يكون منه الخلق، وهو الماء الذي يخرج من الرجل والمرأة، فإن هذا يجمع في الرحم، ويكون الولد من هذا الماء المجموع الذي حصل من الرجل والمرأة، لكن ليس المقصود أن الإنسان يخلق من كل الماء، بل ثبت في صحيح مسلم في أحاديث العزل أنه ليس من كل المني يكون الولد، وإنما الحمل يكون من قطرة يسيرة من المني، وهذا الرسول ﷺ قاله في العزل؛ لأن الذين يعزلون حتى لا تحمل المرأة -وذلك غالباً إنما يكون في الإماء- إنما يريدون أن يستمتعوا بهن، ولكن لا يريدون أن يحملن؛ لأنهن إذا حملن صرن أم ولد لا يتمكنون من بيعهن والتصرف في ماليتهن؛ ولهذا كانوا يعزلون خشية أن تحمل فتضيع عليه تلك المالية، فلا يتمكن من بيعها، فالرسول ﷺ أخبر بأن الله تعالى إذا قدر الولد فإنه يوجد ولو حصل العزل؛ لأنه قد تأتي قطرة تنطلق من غير إرادة الإنسان ولو حتى أخرج وأفرغ في الخارج ويكون منها الولد؛ ولهذا قال ﵊ في الحديث الذي في صحيح مسلم: (ليس من كل المني يكون الولد) يعني: أنه يكون الولد من شيء يسير من المني، وليس المقصود من ذلك أنه يكون من جميع المني، وأن الإنسان إذا أخرج وأفرغ في الخارج فإنه يكون بذلك قد عزل.
فإذاً: قوله: (يجمع في بطن أمه) يعني: ما يكون منه خلقه، والذي منه خلقه هو الماء كما قال الله : ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] وقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢٢] يعني: هو من هذه النطفة، وهذه النطفة هي الماء القليل اليسير جداً، فقد تكون في الرحم مدة أربعين يوماً وهي نطفة، ثم بعد ذلك تتحول إلى قطعة دم متجمد يسير، ثم تكون علقة، ثم بعد ذلك تتحول إلى مضغة وهي قطعة من اللحم على قدر ما يأكله الآكل، وقيل لها مضغة لأنها تكون على قدر المضغة من الطعام.
ثم إذا وصلت إلى هذه المرحلة -التي هي الطور الثالث: المضغة- تكون بعد ذلك مخلقة أو غير مخلقة كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] والمخلقة: هي التي حصل فيها التصوير، وغير المخلقة: هي قطعة اللحم التي لم يحصل فيها تصوير، وفي هذه الحال تخلق، ثم بعد ذلك تستمر ويكون النفخ في الروح بعد كمال الأربعين الثالثة، وقد تسقط قبل ذلك ويكون دماً فاسداً أو قطعة لحم ليس فيها خلق إنسان، ولا يترتب على سقوطها حكم من الأحكام التي ترتبت على سقوطها بعد نفخ الروح، فبعد أن تكمل المائة والعشرين يوماً، وينفخ فيها الروح، ثم بعد ذلك تسقط، فإن الحال يختلف عن سقوطها قبل ذلك.
стр. 202
نفخ الروح في الجنين بعد مروره بالأطوار الثلاثة
فهذه الأطوار الثلاثة تنتهي بمائة وعشرين يوماً، ثم بعد ذلك تنفخ الروح في هذا الجسم والجسد الذي صور وخلق، وصار على هيئة الإنسان، وبذلك يكون حياً، وقبل ذلك هو ميت، يعني: من وقت ما صار نطفة إلى أن نفخت فيه الروح لا يعتبر حياً، وإنما يعتبر ميتاً، وهذه هي الموتة الأولى التي ذكرها الله في القرآن، ذكر الله أن الناس لهم موتتان وحياتان كما قال الله عن الكفار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] فالموتة الأولى هي هذه الحالة التي يكون عليها الإنسان في بطن أمه قبل أن تنفخ فيه الروح، فيقال له: ميت، وهذه هي الموتة الأولى من الموتات الأربع التي ذكرها الله في هذه الآية من سورة غافر، وهاتان الموتتان والحياتان فصلهما الله في أول سورة البقرة، حيث قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]، يعني: أنكم كنتم نطفة وعلقة ومضغة ليس فيكم حياة، فأحياكم بأن نفخ فيكم الروح بعد تمام المائة والعشرين يوماً كما جاء في حديث ابن مسعود فهذه الموتة الأولى في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] أي: حصل نفخ الروح، ثم هذه الحياة تستمر إلى بلوغ الأجل، ثم يأتي الموت عند نهاية الأجل، وهذه الموتة الثانية، ولكن هذه الموتة لا ينافيها أن يكون الإنسان حياً حياة برزخية، وأنه ينعم في قبره يعني: الروح والجسد كل منهما يعذب في القبر أو ينعم؛ لأن هذه الحياة التي هي الحياة البرزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله ، والإنسان بمغادرته هذه الحياة يكون قد مات، ولكن لا ينافيه ما جاء من النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أن الإنسان ينعم في قبره أو يعذب؛ لأن هذه حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها.
ثم الحياة الثانية وهي الحياة بعد البعث، وهي التي تكون مستمرة إلى غير نهاية، والإنسان فيها إما منعم وإما معذب، إما من أهل الجنة ويكون مستمراً فيها إلى غير نهاية، وإما من أهل النار ويكون مستمراً فيها إلى غير نهاية، وإن كان من المسلمين فإنه يعذب في النار على قدر جرمه إن لم يتجاوز الله عنه، ولكنه يخرج من النار ويدخل الجنة، وبعد ذلك الحياة مستمرة من حين البعث والنشور إلى غير نهاية.
стр. 203
الموتات الأربع التي فصلها الله في القرآن
فإذاً: قبل نفخ الروح فيه هي الموتة الأولى التي جاءت في القرآن في سورة غافر في ذكر الموتتين والحياتين، وفي سورة البقرة بالتفصيل لهذه الموتات الأربع، والموتة الأولى هي التي تكون قبل نفخ الروح، حيث يكون الشخص فيها نطفة وعلقة ومضغة، وكما فصل الله هذه الموتات الأربع في آية البقرة، وكذلك الآية التي في سورة الحج: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج:٦٦] ((وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ)) أي: بعدما كنتم أمواتاً، والموت: هو الذي كان بعد وجود خلق الإنسان ولم تنفخ فيه الروح، وليس المقصود بذلك العدم قبل أن توجد النطفة؛ لأن العدم لا يوصف بالموت، والله أخبر بأن الموت مخلوق فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢] فهو من الصفات الوجودية، وليس من الصفات العدمية؛ ولهذا أخبر أنه خلق الموت.
إذاً: فإن الموتة الأولى هي الحالة التي يكون الإنسان فيها في بطن أمه قبل أن تنفخ فيه الروح، وقبل أن تحصل له الحياة باجتماع الروح والجسد؛ لأنه باجتماع الروح والجسد تحصل له الحياة، وقبل ذلك الحياة غير موجودة، وإذا نزعت الروح من الجسد في آخر عمره ودفن الميت خرجت الروح من الجسد فصار الموت، ولكن الروح لها اتصال بالجسد، فتنعم وتعذب وهي متصلة بالجسد، ومنفصلة عنه، وأمور البرزخ من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله .
وقد جاء في سورة المؤمنون ذكر الأطوار وكيفية خلق الإنسان أكثر مما جاء في هذا الحديث وفي آية الحج، وذلك في قول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] فذكر سبعة أحوال في هذه الآية من خلق آدم إلى أن خلق الإنسان على هيئته الكاملة التي قال الله : ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] وهنا كلمة: ((الْخَالِقِينَ)) لا يراد بها الموجدين؛ لأن الموجد هو الله وحده لا شريك له، وغيره لا يوصف بالإيجاد، ولكن المقصود بالخلق هنا: التقدير؛ لأن التقدير يمكن أن يكون من الإنسان والله تعالى يقدر وهو خير الخالقين، وأما الموجودون فلا أحد يوجد إلا الله ؛ ولهذا يأتي الخلق بمعنى التقدير، كما يقول الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري يخلق أي: يقدر، وهو الذي يرسم شيئاً ثم ينفذه وفقاً لما رسم، فهذا يقال له: خلق، لكن الإيجاد من العدم إلى الوجود هذا لا يكون إلا لله ؛ ولهذا فقوله: ((فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) ذكر الخالقين والمقصود بههم المقدرون لا الموجودون، فهذه أطوار سبعة جاءت في هذه الآية: أولها: خلق آدم من تراب، ونهايتها كون الإنسان يكون على هذه الهيئة، وهي الخلق السوي الذي هو الخلق الآخر بعد مضي هذه الأطوار التي قبله.
стр. 204
الرحم والجنين وكل به ملائكة مختصون
قوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) وفي هذا الإيمان بالملائكة، وأن الرحم وكل به ملائكة مهمتهم أنهم يكتبون رزقه وأجله، ذكراً أو أنثى، وشقياً أو سعيداً، وهذه الكتابة هي غير الكتابة السابقة التي هي في اللوح المحفوظ؛ لأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء كائن، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والله تعالى يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاٌ﴾ [الحديد:٢٢] يعني: في اللوح المحفوظ، فهذه كتابة أخرى غير الكتابة السابقة، والملك يسأل عن الأجل والرزق، وعن: ذكر أو أنثى، وشقي أو سعيد ويكتب ذلك.
ثم في هذا دليل على أنه بعدما يكتب الملك هذه الكلمات، ويسأل الله عنها فيجاب -وهي بيان رزقه وأجله، وذكر أو أنثى، وشقي أو سعيد- ويكون الإنسان خلق ذكراً أو أنثى فإنه لا يبقى علم الذكورة والأنوثة من العلم الذي اختص الله به؛ لأن الملك قد علم، فلم يبق من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ؛ وإذا كان الملك قد علم فإنه يمكن أن يعرف ما في البطن هل هو ذكر أو أنثى بواسطة وسائل؛ لأنه لم يبق من خصائص علم الغيب الذي يختص الله تعالى به؛ فقد علمه الملك والشيء الذي علمه غير الله لم يكن من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، نعم أنه قبل ذلك لا يعلمه إلا الله ، لكن بعدما سأل الملك وأجيب، وعرف أنه ذكر أو أنثى صار ذلك مما علمه بعض المخلوقات، وهو الملك، فيمكن للناس أن يتمكنوا من معرفته؛ لأنه لم يبق من علم الغيب الذي اختص الله تعالى به، وفي هذا بيان أن الشقاوة والسعادة مقدرة، وأن كل شيء قد قدر، وسبق به القضاء والقدر، وأن الناس يصيرون إلى ما قدر لهم، ولكن ذلك بأفعالهم وأعمالهم، وليس قسراً لهم وقهراً وجبراً، وإنما يقدمون على ما يقدمون عليه بإرادتهم ومشيئتهم، فيتحقق بذلك ما سبق أن قدره الله وقضاه من كون الإنسان شقي أو سعيد.
стр. 205
مآل الناس إلى ما قدر الله من السعادة أو الشقاوة
ثم إن الرسول ﷺ لما أخبر بأن الملك يكتب هذا وهذا، ومنها: أن الإنسان يكون شقياً أو سعيداً وهو في بطن أمه، وأن الله قد علم ذلك وكتبه، وأن العبرة تكون بالخواتيم والنهايات، والناس لا يعلمون ما قدره الله ، ولا يعرفون الخواتيم والنهايات، وإنما مطلوب منهم أن يعملوا، فلما ذكر قوله ﷺ : (شقي أو سعيد) بعد ذلك أخبر بأن هذا الذي كتبه الله من الشقاوة والسعادة سيصير الناس إليه، وسينتهون إلى السعادة أو الشقاوة، إما إلى السعادة التي قد قدرها الله وقضاها، وإما إلى الشقاوة التي قدرها الله وقضاها، ولا بد أن يصيروا إلى ذلك.
ثم قال ﵊ بعد ذلك: (فو الله الذي لا إله إلا هو) وهذا فيه الحلف لتأكيد الأمر في نفس السامع، وإن لم يستحلف على ذلك، وهذا لزيادة تأكيد تحققه، وإلا فإن الخبر يجب تصديقه -حلف عليه أو لم يحلف- من رسول الله ﷺ ، لكن هذا من زيادة التأكيد؛ لأن القسم يؤتى به للتأكيد، فهو صادق سواء حلف عليه أو لم يحلف، لكن الإتيان بالحلف زيادة في تأكيد حصوله ووقوعه طبقاً لما أخبر به الرسول الكريم ﷺ .
(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) أي: بأعمال البر التي هي خير، والتي ثمراتها ونتائجها الوصول إلى الجنة.
(حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) أي: ما يكون بينه وبين بلوغ الأجل إلا شيء يسير قليل جداً، فهذا فيه إشارة إلى جزء من الوقت إذا بقي هذا الوقت فإنه يحصل والعياذ بالله للإنسان انحراف عن ذلك الذي كان عليه من الخير والبر، وكان عليه من العمل الصالح، (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) يعني: فيختم له بسوء والعياذ بالله، وتكون النهاية أنه ختم له بخاتمة السوء، ثم إن حصول هذا الذي حصل له في النهاية إنما حصل بعمله؛ ولهذا قال: (فيعمل بعمل أهل النار) هو نفسه يعمل بعمل أهل النار باختياره وإرادته يوم القيامة، وفي هذا بيان أنه لا بد من حصول واعتقاد الأمرين: الأول: أن الإنسان يعمل، وأن عمله سبب في دخوله النار، وسبب في دخوله الجنة.
الثاني: أن الإنسان مخير، فهو يفعل باختياره ومشيئته وإرادته.
ومع ذلك الجملة التي قبله: (فيسبق عليه الكتاب) تفيد أنه مخير أيضاً، بمعنى: أنه لا بد وأن يحصل له ما قدره الله وقضاه، فلا يقال: الإنسان مخير غير مسير، ولا مسير غير مخير، وإنما هو مخير مسير، مخير: باعتبار أن عنده إرادة ومشيئة وعقل يميز بين النافع والضار، وأنه قد يقدم إلى ما ينفعه أو إلى ما يضره، وعلى ضوء ذلك يثاب ويعاقب.
ومسير: أنه لا يحصل منه شيء لم يسبق به قضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته؛ لأنه لا يقع في ملك الله إلا ما شاءه الله ؛ ولهذا في هذه الجملة ذكر القدر، وذكر أيضاً كون الإنسان يصل إلى ما قدر عليه من النهايات بالأعمال التي يعملها وهي مقدرة، وتلك الأعمال إما أن تكون صالحة، وإما أن تكون طالحة.
(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) يعني: بينه وبين بلوغ الأجل، ومعلوم أن الإنسان إذا بلغ الأجل انتقل إلى الدار الآخرة، وهو إن كان من أهل السعادة يصل إليه النعيم في قبره، وإن كان من أهل الشقاوة يصل إليه عذاب النار في قبره.
стр. 206
تقدير الأعمال والخواتيم بمشيئة الله الموافقة لفعل العبد المختار
إذاً: في الحديث ذكر عمل يحصل به دخول الجنة، والعمل مقدر، ودخول الجنة مقدر، وكل من الأسباب والمسببات مقدرة، والإنسان عمل باختياره ومشيئته وإرادته ما يعود عليه بالخير، وعمل بمشيئته واختياره ما يعود عليه بالضرر، فجمع في هذا الحديث بين الأمرين، كون العباد يعملون ويكتسبون، وأنهم إن عملوا خيراً وجدوه أمامهم، وإن عملوا شراً وجدوه أمامهم، وأيضاً لا يحصل منهم شيء ما قدره الله وقضاه، بل الذي قدره الله وقضاه نافذ، فإذاً: عملهم الذي عملوه قبل ذلك هو بقضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، وقد حصل من العبد مشيئته وإرادته، ثم حصل بعد ذلك تغير حال الإنسان، وانحرافه عن طريق الصواب إلى طريق السوء، وعمله باختياره ومشيئته بعمل أهل النار، فمات على عمل أهل النار، وختم له بخاتمة السوء والعياذ بالله! ففي هذا الحديث بيان الأعمال، وأنها تكون مضافة إلى الإنسان، وأنهم يثابون عليها ويعاقبون، وأنها تكون بمشيئتهم وإرادتهم، وأن القدر لا بد منه، وأنه المقدر لا بد منه؛ ولهذا تكون مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وليست مستقلة عنها، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].
стр. 207
أحوال الناس في البداية والنهاية
وفي هذا الحديث بيان حالتين من الحالات الأربع التي تكون فيها أحوال الإنسان في البداية والنهاية؛ لأن أحوال الناس تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: منهم من يكون ولد على الخير ونشأ عليه، وختم له به، فتكون بدايته ونهايته كلها حسنة، مثل الشاب الذي نشأ في طاعة الله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (وشاب نشأ في طاعة الله) فهو نشأ على خير واستمر عليه، ومات على خير، فتكون بدايته ونهايته كلها خير.
القسم الثاني: العكس، وهو الكافر الذي ولد بين كفار ونشأ على الكفر، واستمر ومات عليه، فالبداية والنهاية سيئة، فهاتان الحالتان المتقابلتان في السعادة والشقاوة من البداية حتى النهاية، وينتج عن ذلك دخول الجنة أو دخول النار.
القسم الثالث: من تكون بدايته حسنة، ونهايته سيئة، وهو الذي أشار إليه الرسول ﷺ في الجملة الأولى بقوله: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها) يعني: الأعمال بالخواتيم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (وإنما الأعمال بالخواتيم) وهذا يكون في مثل الذين كانوا مسلمين، ودخلوا في الإسلام، واستمروا عليه، وفي آخر الأمر أدركهم الخذلان فارتدوا عن الإسلام، وماتوا على الردة.
القسم الرابع: العكس، من تكون بدايته سيئة، ثم نهايته حسنة، أي: أنه يعمل بعمل أهل النار طيلة حياته، ثم في آخر الأمر يوفق فيدخل في الإسلام، وبعد فترة وجيزة يموت، فتكون حياته معمورة بالسوء، ثم في آخر الأمر حيث لم يبق إلا اليسير تحول وانتقل من حال سيئة إلى حال حسنة.
وختم له بها، ومن أمثلة هذا القسم السحرة الذين كانوا سحرة مع فرعون، فإنهم كانت حياتهم كلها مبنية على الكفر والسحر، وفي آخر الأمر آمنوا برب هارون وموسى، وبعد ذلك ماتوا على هذا وانتهوا إليه، فكانت حياتهم كلها شر قبل الإيمان، وفي الآخر ابتلوا وصارت نهايتهم حسنة وطيبة، ومثل ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن أنس ﵁: (أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فمرض فذهب إليه الرسول ﷺ يعوده، فقال له: أسلم وعرض عليه الإسلام، وكان أبوه موجوداً عنده، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊ ثم مات، فقال ﵊: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) يعني: كان على ما كان عليه أبواه، كان على دين اليهودية، وبعد ذلك ختم له بخاتمة السعادة، ولم يكن بينه وبين الموت إلا شيء يسير جداً، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومات ولم يعمل عملاً، فختم له بخاتمة السعادة.
فهذه هي الأقسام الأربعة التي لا يخرج الناس عنها بالنسبة للبدايات والنهايات، وقريب من هذا التقسيم خلق الناس من الذكر والأنثى، فإن القسمة أيضاً رباعية؛ لأن المخلوقات أربعة أقسام: منهم من خلق من غير ذكر وأنثى وهو آدم، فإنه خلق من تراب، ومنهم من خلق من ذكر كحواء، ومنهم من خلق من أنثى كعيسى ﵇، وبقية الخلق خلقوا من ذكر وأنثى.
ومثلها أيضاً انقسام الناس في تحصيل الأولاد إلى أربعة أقسام: منهم من يكون له ذكور وإناث، ومنهم من يكون له ذكور خلص، ومنهم من يكون له إناث خلص، ومنهم من يكون عقيماً ليس له شيء من هذا ولا من هذا، فهي أيضاً قسمة رباعية.
الحاصل: أن الحديث في نهايته اشتمل على هاتين الحالتين من الأحوال الأربع، وهي: من بدايته حسنة ونهايته سيئة، ومن بدايته سيئة ونهايته حسنة.
стр. 208
الأسئلة
стр. 209
حكم الرؤيا المنامية في تصحيح الأحاديث وتضعيفها
السؤال
ذكر ابن رجب عن الرؤيا قال: وقد روي عن محمد بن يزيد الأسفاطي قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم، فقلت: يا رسول الله! حديث ابن مسعود الذي حدث عنك، فقال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) فقال ﷺ : والذي لا إله إلا هو لحدثته به أنا، يقوله ثلاثاً، ثم قال: غفر الله للأعمش كما حدث به، وغفر الله لمن حدث به قبل الأعمش، ولمن حدث به بعده.
ما حكم الرؤى المنامية في تصحيح الأحاديث أو تضعيفها؟
الجواب
لا يعول عليها، والحديث صحيح بدون رؤى، وهذه الرؤيا إن صحت أنها رؤيا، وأنها وقعت فقد وقعت مطابقة، لكن كونه يبنى على الرؤى شيء لم تثبت به السنة عن رسول الله ﷺ لا يعول على ذلك أبداً، فإذا كان هناك حديث ضعيف، ثم رأى أحد أن النبي ﷺ قال: إني حدثت به، لا يعول على ذلك، وإنما هذه رؤيا مطابقة لحديث صحيح، والعبرة إنما هو بصحة الحديث الرؤيا، وجدت الرؤيا أو لم توجد، لكن إن وجدت، وكانت صحيحة فهي مؤكدة، فالتأكيد بها يمكن؛ لأنه ما في مانع، لكن كونه يؤسس عليها أحكام، فالتأسيس غير التأكيد كحديث ضعيف يأتي إنسان ويقول: رأيت النبي ﷺ وقال: إنه صحيح فهذا لا يعول عليه.
стр. 210
ذكر رواية مرفوعة في بيان طريقة اجتماع ماء الرجل وماء المرأة
السؤال
روي في تفسير الجمع بين ماء المرأة والرجل حيث مرفوع بمعنى آخر: خرج الطبراني وابن منده في كتاب التوحيد من حديث مالك بن الحويرث: أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره كل عرق له دون آدم: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨]) وقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما.
الجواب
الاتصال كما هو معلوم غير الصحة، ويمكن أن يتصل الحديث أو الإسناد ولكن لا يكون صحيحاً؛ لأن الصحة شيء آخر غير الاتصال؛ فالصحيح: ما روي بنقل عدل تام الضبط متصل السند، غير معلل ولا شاذ، وهناك شيء آخر وراء الاتصال؛ لأنه قد يحصل الاتصال ويكون معه ضعف، وقد يحصل الاتصال ومعه ثقة الرجال، ويكون مع هذا كله الشذوذ الذي هو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
على كل: كونه ثابت أو غير ثابت لا أدري، لكن إذا كان ثابتاً فيكون ما اقتضاه صحيحاً من ناحية، وهذا قاله بعض الشراح، يعني: الماء يطير في جسد المرأة، ثم بعد ذلك يرجع، فإذا صح لا يوجد فيه إشكال، لكن حيث لم يصح ولم يثبت فإنه يكون الأقرب والله أعلم أن هذا الاجتماع الذي يكون بين ماء الرجل وماء المرأة، والذي يتكون منه خلق الإنسان.
стр. 211
الأحكام المترتبة على إسقاط الجنين
السؤال
ما هي الأحكام المترتبة على الإسقاط قبل نفخ الروح أو بعده؟
الجواب
قبل نفخ الروح لا يكون إنساناً؛ لأن الإنسان هو المكون من الروح والجسد، وليس من واحدة منهما، وهو إنما كان إنساناً في نفخ الروح، وكونه حصل اجتماع الأمرين فيه فهو الروح والجسد، فلذلك لا يكون إنساناً حتى تأتي الروح وتدخل في الجسد، وإنما يعتبر قطعة من اللحم لا توصف بحياة، بل هي موصوفة بالموت كما ذكرت أنها الموتة الأولى التي كان الإنسان فيها في بطن أمه، وكان لحماً ليس فيه روح، فيكون بذلك في حال الموتة الأولى، والحياة تبدأ بنفخ الروح؛ ولهذا تترتب الأحكام على نفخ الروح فيه، فإذا أكمل مائة وعشرين يوماً وأسقط بعد ذلك، فإنه تترتب عليه الأحكام التالية: يغسل ويصلى عليه، وتكون به أمه أم ولد إذا كانت أمة، وكذلك أيضاً تخرج المرأة من العدة إذا كانت حاملاً، سواء كانت عدة وفاة أو عدة طلاق، وتكون المرأة نفساء أيضاً، ولا تصلي ولا تصوم في حال نفاسها حتى ينقطع الدم وإذا كان قبل ذلك فإنه لا تعتبر نفساء، ولا تمتنع من الصلاة والصيام، وهذا دم فساد ولا يقال له دم نفاس، وكذلك الأمور الأخرى لا يترتب عليه أنه يصلى عليه إذا كان قبل هذا السن أو هذا المقدار من مدة مكثه في البطن، ولو حصل فيه التخلق؛ لأن التصوير يمكن أن يكون قبل ذلك؛ لأن حديث ابن مسعود ما فيه تعرض للتصوير، لكن جاء في القرآن: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] في المضغة، والمخلقة قيل: هي المصورة، وغير المخلقة: هي غير المصورة، لكنه لا يعتبر إنساناً إلا إذا نفخت فيه الروح، فبعد مائة وعشرين يوماً تترتب عليه الأحكام، وقبل ذلك فالأحكام تختلف عن الأحكام قبل ذلك؛ لأنه قبل ذلك يعتبر ميتاً، وبعد ذلك يعتبر حياً، فإذا حصلت الولادة بعد أن صارت فيه الحياة أجريت عليه كل الأحكام، وإذا كان قبل ذلك فإنه يعتبر دماً فاسداً خرج من المرأة فلا يغسل ولا يصلى عليه إذا كان مخلقاً، وكذلك أيضاً لا تعتبر المرأة ولدت، وإنما يكون ذلك بعد المائة والعشرين.
وإذا نزل وفيه ملامح أعضاء فإن كان قبل المائة والعشرين فهو يصير في حكم الميت من أهل الموتة الأولى التي تكون قبل نفخ الروح فيه؛ لأنه لا يكون إنساناً إلا إذا نفخت فيه الروح، والإنسان مكون من مجموع الروح والجسد، كما أن العبد مكون من مجموع الروح والجسد؛ ولهذا قالوا: إن الرسول ﷺ أسري به بروحه وجسده؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] والعبد: إنما هو اسم لمجموع الروح والجسد، فلا يقال: إن الإسراء بالروح دون الجسد، وإنما هو بمجموع الأمرين؛ لأن العبد اسم لمجموعهما، والإنسان اسم لمجموعهما، كما أن الكلام اسم للفظ والمعنى، لا يقال: إنه اسم للمعنى دون اللفظ، ولا يقال: للفظ دون المعنى، وإنما هو لمجموع الأمرين، الكلام اسم للفظ والمعنى، والإنسان اسم للروح والجسد.
стр. 212
توجيه حديث حذيفة بن أسيد (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)
السؤال
ما توجيه حديث حذيفة بن أسيد في مسلم: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)؟
الجواب
حديث ابن مسعود ثبت في الصحيحين وحديث حذيفة بن أسيد هذا لم يخرجه البخاري وإنما خرجه مسلم، بل أعرض عنه البخاري، وأما مسلم فإنه أخرجه.
فمن العلماء من قال: إن المعول هو ما جاء في حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة ما تعرض لنفخ الروح، وإنما جاء نفخ الروح في حديث ابن مسعود وهو بعد مائة وعشرين يوماً، فيمكن أن يجمع بينهما بأن التصوير -كما هو معروف- يتم في الطور الثالث؛ لأن الطور الثالث فيه قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥]، يعني: أنها مصورة وغير مصورة، وذلك قبل نفخ الروح فيه، فيكون بذلك إما أن الكتابة حصلت مرة واحدة، والمعول في ذلك على ما جاء في حديث ابن مسعود أو أنها حصلت مرتين، مرة في الأربعين الثانية، ومرة بعد الأربعين الثالثة، وبعض أهل العلم قال بهذا، وبعضهم قال بهذا، وأظن ابن رجب رجح أن تكون الكتابة واحدة، وهي الكتابة التي تكون عند نفخ الروح فيه.
فيمكن أن يكون التصوير بعد الأربعين الثانية، لكن لا يترتب عليه حكم من الأحكام؛ لأنه ما جاء أنه تنفخ فيه الروح إلا بعد المائة والعشرين في حديث ابن مسعود.
ويمكن أن يكون هناك تخليق متفاوت، فإذا لم يرجح حديث ابن مسعود على حديث حذيفة بن أسيد يكون هذا وهذا، وكل منهما قد حصل.
стр. 213
حكم من قال: إن في حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها إدراجاً
السؤال
قوله في آخر الحديث: (فو الله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) إلى آخر الحديث قيل: إن هذا مدرج من كلام ابن مسعود؟
الجواب
هذا ليس صحيحاً؛ لأنه جاء ما يبين أنه من قول الرسول ﷺ ، وقد قال بعده: كذلك رواه سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود من قوله.
وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة أيضاً، والأصل عدم الإدراج حتى يثبت الإدراج.
стр. 214
ما يحمل عليه حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها
السؤال
هل يمكن أن نحمل هذا الحديث في آخره بالنسبة للخاتمة على ما جاء في الصحيح من ذلك الرجل الذي قد أبلى بلاءً حسناً، ثم لما جرح جزع فقتل نفسه، وقال عنه النبي ﷺ : (إنه من أهل النار) ثم قال في آخر القصة: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟
الجواب
نعم، هذا مثاله، هذا من جملة الحالات التي يكون فيها الإنسان عمل أعمالاً طيبة فيما يظهر للناس، ولكن الشروط عنده ما توافرت، فلا تقبل لوجود خلل فيها، وإن كان ليس بهذا الوصف الذي جاء في الحديث أنه راءى.
وابن رجب أو غيره ذكر هذين المعنيين في قوله : ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] قال: التوفيق بين ما جاء في الآية وما جاء في الحديث بجوابين: أحدهما: أن يكون هذا الذي عمله فيما يظهر للناس، ويكون عنده مراءاة تمنع من قبول عمله، وأنه في ظاهر أمره من عمل أهل الجنة، ولكن الواقع أنه من عمل أهل النار؛ لأن الظاهر خلاف الباطن، ويكون هذا من جنس النفاق، الذي يظهر صاحبه للناس شيئاً والواقع بخلافه، أو أنه لم تحصل له اكتمال الشروط في قبول العمل الذي لا يضيعه الله .
стр. 215
استحالة الاطلاع على الجنين وتمييزه أهو ذكر أم أنثى قبل الأطوار الثلاثة
السؤال
هل يمكن أن يعرف خلق الجنين قبل المائة والعشرين يوماً أهو ذكر أو أنثى، وذلك عن طريق الأجهزة الحديثة؟ وهل هذا يعتبر من الاطلاع على علم الغيب؟
الجواب
بعد المائة والعشرين التي حصل فيها نفخ الروح يمكن، وبعد أن علم الملك أنه ذكر أو أنثى لا يعتبر من علم الغيب الذي اختص الله به، وقبل أن يعلم أحد من خلقه فإنه يكون من خصائصه سبحانه، لكن بعدما علم الملك يمكن أن يعلم الناس ذلك، ولا يقال: إن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؛ لأنه علمه غير الله.
следующие страницы →