Полный текст (1 058 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الأحكام المترتبة على إسقاط الجنين
السؤال
ما هي الأحكام المترتبة على الإسقاط قبل نفخ الروح أو بعده؟
الجواب
قبل نفخ الروح لا يكون إنساناً؛ لأن الإنسان هو المكون من الروح والجسد، وليس من واحدة منهما، وهو إنما كان إنساناً في نفخ الروح، وكونه حصل اجتماع الأمرين فيه فهو الروح والجسد، فلذلك لا يكون إنساناً حتى تأتي الروح وتدخل في الجسد، وإنما يعتبر قطعة من اللحم لا توصف بحياة، بل هي موصوفة بالموت كما ذكرت أنها الموتة الأولى التي كان الإنسان فيها في بطن أمه، وكان لحماً ليس فيه روح، فيكون بذلك في حال الموتة الأولى، والحياة تبدأ بنفخ الروح؛ ولهذا تترتب الأحكام على نفخ الروح فيه، فإذا أكمل مائة وعشرين يوماً وأسقط بعد ذلك، فإنه تترتب عليه الأحكام التالية: يغسل ويصلى عليه، وتكون به أمه أم ولد إذا كانت أمة، وكذلك أيضاً تخرج المرأة من العدة إذا كانت حاملاً، سواء كانت عدة وفاة أو عدة طلاق، وتكون المرأة نفساء أيضاً، ولا تصلي ولا تصوم في حال نفاسها حتى ينقطع الدم وإذا كان قبل ذلك فإنه لا تعتبر نفساء، ولا تمتنع من الصلاة والصيام، وهذا دم فساد ولا يقال له دم نفاس، وكذلك الأمور الأخرى لا يترتب عليه أنه يصلى عليه إذا كان قبل هذا السن أو هذا المقدار من مدة مكثه في البطن، ولو حصل فيه التخلق؛ لأن التصوير يمكن أن يكون قبل ذلك؛ لأن حديث ابن مسعود ما فيه تعرض للتصوير، لكن جاء في القرآن: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] في المضغة، والمخلقة قيل: هي المصورة، وغير المخلقة: هي غير المصورة، لكنه لا يعتبر إنساناً إلا إذا نفخت فيه الروح، فبعد مائة وعشرين يوماً تترتب عليه الأحكام، وقبل ذلك فالأحكام تختلف عن الأحكام قبل ذلك؛ لأنه قبل ذلك يعتبر ميتاً، وبعد ذلك يعتبر حياً، فإذا حصلت الولادة بعد أن صارت فيه الحياة أجريت عليه كل الأحكام، وإذا كان قبل ذلك فإنه يعتبر دماً فاسداً خرج من المرأة فلا يغسل ولا يصلى عليه إذا كان مخلقاً، وكذلك أيضاً لا تعتبر المرأة ولدت، وإنما يكون ذلك بعد المائة والعشرين.
وإذا نزل وفيه ملامح أعضاء فإن كان قبل المائة والعشرين فهو يصير في حكم الميت من أهل الموتة الأولى التي تكون قبل نفخ الروح فيه؛ لأنه لا يكون إنساناً إلا إذا نفخت فيه الروح، والإنسان مكون من مجموع الروح والجسد، كما أن العبد مكون من مجموع الروح والجسد؛ ولهذا قالوا: إن الرسول ﷺ أسري به بروحه وجسده؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] والعبد: إنما هو اسم لمجموع الروح والجسد، فلا يقال: إن الإسراء بالروح دون الجسد، وإنما هو بمجموع الأمرين؛ لأن العبد اسم لمجموعهما، والإنسان اسم لمجموعهما، كما أن الكلام اسم للفظ والمعنى، لا يقال: إنه اسم للمعنى دون اللفظ، ولا يقال: للفظ دون المعنى، وإنما هو لمجموع الأمرين، الكلام اسم للفظ والمعنى، والإنسان اسم للروح والجسد.
стр. 212
توجيه حديث حذيفة بن أسيد (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)
السؤال
ما توجيه حديث حذيفة بن أسيد في مسلم: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)؟
الجواب
حديث ابن مسعود ثبت في الصحيحين وحديث حذيفة بن أسيد هذا لم يخرجه البخاري وإنما خرجه مسلم، بل أعرض عنه البخاري، وأما مسلم فإنه أخرجه.
فمن العلماء من قال: إن المعول هو ما جاء في حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة ما تعرض لنفخ الروح، وإنما جاء نفخ الروح في حديث ابن مسعود وهو بعد مائة وعشرين يوماً، فيمكن أن يجمع بينهما بأن التصوير -كما هو معروف- يتم في الطور الثالث؛ لأن الطور الثالث فيه قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥]، يعني: أنها مصورة وغير مصورة، وذلك قبل نفخ الروح فيه، فيكون بذلك إما أن الكتابة حصلت مرة واحدة، والمعول في ذلك على ما جاء في حديث ابن مسعود أو أنها حصلت مرتين، مرة في الأربعين الثانية، ومرة بعد الأربعين الثالثة، وبعض أهل العلم قال بهذا، وبعضهم قال بهذا، وأظن ابن رجب رجح أن تكون الكتابة واحدة، وهي الكتابة التي تكون عند نفخ الروح فيه.
فيمكن أن يكون التصوير بعد الأربعين الثانية، لكن لا يترتب عليه حكم من الأحكام؛ لأنه ما جاء أنه تنفخ فيه الروح إلا بعد المائة والعشرين في حديث ابن مسعود.
ويمكن أن يكون هناك تخليق متفاوت، فإذا لم يرجح حديث ابن مسعود على حديث حذيفة بن أسيد يكون هذا وهذا، وكل منهما قد حصل.
стр. 213
حكم من قال: إن في حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها إدراجاً
السؤال
قوله في آخر الحديث: (فو الله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) إلى آخر الحديث قيل: إن هذا مدرج من كلام ابن مسعود؟
الجواب
هذا ليس صحيحاً؛ لأنه جاء ما يبين أنه من قول الرسول ﷺ ، وقد قال بعده: كذلك رواه سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود من قوله.
وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة أيضاً، والأصل عدم الإدراج حتى يثبت الإدراج.
стр. 214
ما يحمل عليه حديث ابن مسعود في سوء الخاتمة أو حسنها
السؤال
هل يمكن أن نحمل هذا الحديث في آخره بالنسبة للخاتمة على ما جاء في الصحيح من ذلك الرجل الذي قد أبلى بلاءً حسناً، ثم لما جرح جزع فقتل نفسه، وقال عنه النبي ﷺ : (إنه من أهل النار) ثم قال في آخر القصة: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟
الجواب
نعم، هذا مثاله، هذا من جملة الحالات التي يكون فيها الإنسان عمل أعمالاً طيبة فيما يظهر للناس، ولكن الشروط عنده ما توافرت، فلا تقبل لوجود خلل فيها، وإن كان ليس بهذا الوصف الذي جاء في الحديث أنه راءى.
وابن رجب أو غيره ذكر هذين المعنيين في قوله : ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] قال: التوفيق بين ما جاء في الآية وما جاء في الحديث بجوابين: أحدهما: أن يكون هذا الذي عمله فيما يظهر للناس، ويكون عنده مراءاة تمنع من قبول عمله، وأنه في ظاهر أمره من عمل أهل الجنة، ولكن الواقع أنه من عمل أهل النار؛ لأن الظاهر خلاف الباطن، ويكون هذا من جنس النفاق، الذي يظهر صاحبه للناس شيئاً والواقع بخلافه، أو أنه لم تحصل له اكتمال الشروط في قبول العمل الذي لا يضيعه الله .
стр. 215
استحالة الاطلاع على الجنين وتمييزه أهو ذكر أم أنثى قبل الأطوار الثلاثة
السؤال
هل يمكن أن يعرف خلق الجنين قبل المائة والعشرين يوماً أهو ذكر أو أنثى، وذلك عن طريق الأجهزة الحديثة؟ وهل هذا يعتبر من الاطلاع على علم الغيب؟
الجواب
بعد المائة والعشرين التي حصل فيها نفخ الروح يمكن، وبعد أن علم الملك أنه ذكر أو أنثى لا يعتبر من علم الغيب الذي اختص الله به، وقبل أن يعلم أحد من خلقه فإنه يكون من خصائصه سبحانه، لكن بعدما علم الملك يمكن أن يعلم الناس ذلك، ولا يقال: إن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؛ لأنه علمه غير الله.
стр. 216
حكم إسقاط الجنين لوجود عيب فيه
السؤال
هل يجوز إسقاط الجنين؛ لأنه عرف أن فيه عيب؟
الجواب
الذي لا إشكال فيه أن الجنين لا يتعرض له بإسقاط، وبعض أهل العلم قال: إذا كان في الشهر الأول يجوز إسقاطه، والأصل أنه لا يتعرض له بإسقاط حتى في الشهر الأول؛ لأن الحمل وجد، فالحمل يحافظ عليه، وهذا هو الذي لا إشكال فيه.
стр. 217
معرفة الجنين قبل مائة وعشرين يوماً
السؤال
هل يمكن معرفة الذكر والأنثى قبل المائة والعشرين يوماً؟
الجواب
إذا كان كما جاء في حديث ابن مسعود قال: ذكر أو أنثى، وذلك بعد مائة وعشرين يوماً فلا إشكال، وأما على حديث ابن أسيد فممكن، والتعويل هو على حديث ابن مسعود والله أعلم، لكن بعد المائة وعشرين يوماً ما فيه إشكال، وكما هو معلوم قبل ذلك لما كان علقة كيف يطلع عليه الناس بواسطة هذه الأجهزة وكيف يمكن أن يتوصلوا إلى معرفة شيء ولا ندري هل حصل التخليق أو لم يحصل في هذه المدة؟ لأن الذي جاء في القرآن: ((مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)) بالنسبة للمضغة، لكن قبل ذلك ما جاء إلا في حديث حذيفة بن أسيد.
стр. 218
المقصود بالظلمات في قوله تعالى: (ظلمات ثلاث)
السؤال
قول الله ﵎: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] ما هي هذه الظلمات؟
الجواب
ظلمة البطن، والرحم، والمشيمة، وهي الغشاء الذي يكون حول الجنين؛ لأنه يوجد ثلاث أغطية، أول شيء: المشيمة التي هي الغطاء الخفيف الذي يكون في داخله الجنين، ثم الرحم، ثم البطن، فهذه ثلاث ظلمات.
стр. 219
تخصيص ملك واحد للأجنة
السؤال
هل كل إنسان موكل به ملك ينفخ فيه الروح، ويكتب ما يتعلق به، أم هو ملك واحد، ملك الأجنة؟
الجواب
الظاهر أنه ملك واحد موكل بالأجنة، مثل ملك الموت.
стр. 220
معرفة الشقاوة والسعادة خارجة عن حدود طاقة الإنسان
السؤال
هل يمكن القول: بأنه يمكن أن يعرف بعض الناس شقاوة الإنسان وسعادته، ورزقه مادام قد علمه الملك وهو مخلوق؟
الجواب
لا، ما يمكن؛ لأن هذا شيء وهذا شيء، الشقاوة والسعادة وإن علمها الملك ليس بإمكان الناس أن يعرفوها، وليس كل ما يعلمه الملك يمكن أن يعلمه الناس؛ لأن الملائكة يعلمون ما في السماوات، ونحن لا نعلمه، الملائكة يعلمون أموراً في السماوات، ونحن لا نعلمها ولا نعرف عنها شيئاً، فليس كل ما يعلمه الملك يعلمه الناس، لكن قيل في الذكورة والأنوثة بالوسائل والأجهزة الحديثة يمكن أن يعرف أنه ذكر أو أنثى، وبهذا يخرج لو قال أحد: إن الذي في هذه البطن هو ذكر أو أنثى، فلا يقال: إن هذا من علم الغيب؛ لأن هذا يمكن أن يعرف ما دام أنه علم الملك بأنه ذكر أو أنثى، لكن هناك أمور تعلمها الملائكة وهي من الأمور الغيبية، فهي غيب بالنسبة لنا وليس لنا أن نتكلم فيها ونحن ما عندنا منها علم، والملائكة يعلمونه، فلا يقال: إن كل ما يعلمه الملائكة يمكن أن نعلمه، ففرق بين كون الملك عرف الشقاوة والسعادة، وعرف أن ما في البطن ذكر أو أنثى؛ لأن الشقاوة والسعادة لا يمكن أن يتوصل إليها أحد، وأما الذكورة والأنوثة فيمكن أن يتوصل إلى معرفتها بأجهزة وبوسائل وما إلى ذلك.
стр. 221
جواز الحلف على الفتوى
السؤال
هل يمكن أن يستدل بهذا الحديث على جواز الحلف على كل فتوى يفتي بها؟
الجواب
الأمر جائز، ولكن رسول الله ما حلف في كل شيء، وإنما حلف في بعض الأحوال دون بعضها، لكن كون الإنسان يلتزم هذا، فالرسول ﷺ ما التزمه.
ثم أيضاً كون الإنسان يحلف على ما يفتي به يحلف على ماذا؟ يقول: إن هذا حق! قد يكون اجتهد فأخطأ، والرسول ﷺ أخبر بأن المجتهدين ينقسمون إلى قسمين: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد) فبين النبي ﷺ أن المجتهدين ينقسمون إلى مصيب ومخطئ، وليس كل مجتهد مصيب، أي: ليس كل مجتهد مصيب حقاً، أما كون كل مجتهد مصيب أجراً فنعم مع التفاوت في الأجر، المجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، فكل من المجتهدين مصيب ومحصل أجراً، وأما كون كل مجتهد يصيب الحق، فالحديث يدل على عدم ذلك، وعلى أن ذلك غير صحيح؛ لأنه قسم المجتهدين إلى مصيب ومخطئ، فلا يقال: إن كلهم مصيبون.
وقد ذكر ابن القيم عدة أيمان النبي ﷺ التي جاءت في الأحاديث كلها، وأظنها سبعين أو فوق السبعين في هذه الحدود، فذكر كل ما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه حلف به، وهو ما ذكر الأيمان، وإنما ذكر عددها، وكون الإنسان يحلف على شيء يجزم به واضح مثلما جاء في حديث ابن مسعود هذا، أو شيء ثبت به الحديث عن رسول الله ﷺ ، ولم يكن منسوخاً ولا مرجوحاً أي: أنه محكم، فإذا حلف الإنسان على ما جاء في الحديث فيمكن، لكن كون الإنسان يحلف على فتواه، أو على كل ما يفتي به يحلف به، فهذا غلط، وقد يكون مخطئاً.
стр. 222
إثبات عذاب القبر ونعيمه
السؤال
على ما يرجع الضمير: (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)؟
الجواب
يرجع إلى الجنة والنار: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها) أي: الجنة والمقصود من ذلك كما عرفنا، الموت الذي وراءه نعيم الجنة أو عذاب النار؛ لأن الإنسان ينعم في قبره بنعيم الجنة، ويعذب بعذاب النار وهو في قبره، كما قال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] يعني: تقوم الساعة، ويحصل البعث، فهم يعذبون في قبورهم بعذاب النار، وكذلك حديث البراء بن عازب: (يفتح له باب من الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها).
стр. 223
الحكمة من ذكر بدء خلق الإنسان وخاتمته في حديث ابن مسعود
السؤال
ما الرابط بين ذكر بدء حياة الإنسان في أول الحديث، ثم في آخره خاتمة الإنسان؟
الجواب
أنه لما ذكر أطوار الإنسان، ثم ذكر الشقاوة والسعادة، بعد ذلك ذكر قضية السعادة والشقاوة، وأن العبرة بالنهاية؛ لأنه أولاً خلق الإنسان وكيف تم خلقه، ولما جاء عند ذكر شقي أو سعيد، عقبها بقوله: بأن الشقاوة والسعادة سبق بها القضاء والقدر، وأن كل شيء سينتهي إلى ما قدر له، وأن العبرة بالخواتيم؛ ولهذا كان بعض العلماء يلعن المعين مقيداً بالموت مثلما كان يفعله ابن كثير ﵀، فإنه كان إذا كان شخص معين فيه خبث وفيه كذا، قيد اللعن بكونه مات على الكفر، مثلما قال في الفارابي عندما ذكر ترجمته في البداية والنهاية، قال: إنه كان يقول بمعاد الأرواح دون الأجساد ثم قال: إن كان مات على ذلك فعليه لعنة رب العالمين؛ لأن العبرة بالنهاية.
стр. 224
موت الفجأة ليس من سوء الخاتمة
السؤال
هل موت الفجأة يعتبر من سوء الخاتمة؟
الجواب
لا، لا يقال: إنه من سوء الخاتمة، قد يكون الإنسان مستمراً على حالة طيبة، ومات فجأة، وقد يكون الإنسان على حالة سيئة ومات فجأة، فلا يقال: إن موت الفجأة من سوء الخاتمة؛ لأنه قد يموت إنسان مستقيم على طاعة الله وملازم لتقوى الله فجأة.
стр. 225
قراءة في كتاب شفاء العليل
هذا كتاب شفاء العليل فيه ذكر الجمع بين حديث ابن مسعود السابق، وحديث حذيفة بن أسيد، يقول ابن القيم ﵀: ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوماً من حصول النطفة في الرحم، ثم قال: وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوماً، وفي لفظ: (بأربعين ليلة)، وفي لفظ: (اثنتين وأربعين ليلة)، وفي لفظ: (بثلاث وأربعين ليلة)، وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد الله.
وإن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدر الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حتى يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقاوته أو سعادته، وهذا تقدير آخر.
يعني: إذا كانا ملكين مختلفين فلا إشكال، فالإشكال إذا كان الذي يكتب ملكاً واحداً؛ لأنه إذا كتب في الأول فكيف يسأل في المرة الثانية عند الكتابة الثانية؟! أما إذا كانت الكتابة الأولى حصلت من ملك، والكتابة الثانية حصلت من ملك آخر، فالأمر واضح.
قال: وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتب بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود: (ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات)، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راكب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوماً، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول الله ﷺ ، وصدق بعضها بعضاً، ودلت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق.
اهـ والعلماء اختلف تفسيرهم لهذا الحديث كما ذكر ذلك ابن رجب وغيره، وذكر كلاماً غير هذا الكلام، فالمسألة اجتهادية، ولكن إذا ثبت أن الملك الأول غير الملك الثاني فيكون الأمر واضحاً.
والله تعالى أعلم.
стр. 226
شرح الأربعين النووية [١٢]
حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) من أعظم الأحاديث أهمية؛ إذ هو أصل في وزن جميع الأعمال الظاهرة، وفي رد جميع البدع المحدثة، وقد اشتغل العلماء به شرحاً واستنباطاً.
стр. 227
أهمية حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)
الحديث الخامس من الأحاديث الأربعين النووية: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
هذا حديث عظيم من جوامع الكلم التي أوتيها الرسول الكريم ﷺ ، وقد مر عند الكلام على الحديث الأول، وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات) أن هناك أحاديث قيل فيها إنه يدور عليها العلم، وهي من جوامع الكلم، وهذه الأحاديث قيل: هي حديثان، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: أكثر، ولكن حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) يأتيان فيها، فالذي قال: إن الدين يرجع إلى حديثين ذكرهما، ومن قال: هي ثلاثة، ذكرهما، ومن قال: أربعة، ذكرهما، فهذان حديثان تكرر كلام العلماء في بيان أهميتهما، وأنهما من الأصول التي يبنى عليها هذا الدين.
وحديث عائشة هذا أصل في وزن الأعمال الظاهرة، وأن المعتبر منها ما كان وفقاً لما جاء به الرسول الكريم ﷺ ، وأنه إذا كان على خلاف ما جاء به بأن كان مبنياً على بدع، وأمور محدثه، فإنه لا يعتبر، ولا يعول عليه، ولا يلتفت إليه، ويكون باطلاً حيث كان مبنياً على بدعة، وليس مبنياً على سنة.
وحديث: (إنما الأعمال بالنيات) أصل في وزن الأعمال الباطنة.
إذاً: الحديث الأول في الأمور الباطنة، وهذا الحديث في الأمور الظاهرة.
قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني: من أتى بشيء لم يكن مما كان عليه رسول الله ﵊، ومما جاءت به السنة عن رسول الله ﵊، وإنما هو من محدثات الأمور؛ فإنه مردود على صاحبه، ولا عبرة به ولا قيمة له.
стр. 228
الإخلاص والمتابعة شرطان لقبول الأعمال
كل عمل يتقرب به إلى الله لا ينفع صاحبه إلا إذا توافر فيه شرطان: أحدهما: أن يكون خالصاً لله.
الثاني: أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، والشرط الثاني هو مقتضى هذا الحديث، فكل عمل من الأعمال لابد فيه من إخلاص العمل لله، وأن يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﵊، فإذا توافر هذان الشرطان فإن العمل يكون مقبولاً، وإذا اختل أحدهما فإن العمل لا عبرة به، ولا قيمة له.
فإذا كان العمل خالصاً لله، ولكنه مبني على بدعة، ولم يكن مبنياً على سنة فهو مردود؛ لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وإذا كان العمل مبنياً على سنة، ولكن أشرك مع الله غيره فيه، فإنه يكون مردوداً على صاحبه، وقد قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] وقال الله في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
إذاً: لا بد من هذين الشرطين، وهما مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، فإن الإخلاص لله هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله، وإذا أشرك مع الله غيره فيها فإنه لا عبرة بها، ولا قيمة لها، وترد على صاحبها، فلا بد أن يكون العمل خالصاً لله حتى يكون معتبراً، ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله ﵊: ألا يعبد الله إلا طبقاً لما جاء به ﵊، فلا يعبد بالبدع والمحدثات والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي هي مخالفة لما كان عليه رسول الله ﵊ وأصحابه الكرام؛ ولهذا فإن الرسول ﷺ أمر باتباع السنن، وحذر من البدع، كما في حديث العرباض بن سارية وهو الحديث الثامن والعشرون من الأربعين النووية، يقول فيه النبي ﷺ : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
стр. 229
صفات شريعة الإسلام
هذه الشريعة متصفة بثلاث صفات: الصفة الأولى: أنها عامة للثقلين: فلا يسع أحداً من الجن والإنس الخروج عنها، من حين بعث الله رسوله ﷺ إلى قيام الساعة، قال ﵊ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به، إلا كان من أصحاب النار)، فإن اليهود والنصارى من أمة محمد ﵊ أمة الدعوة، والدعوة موجهة للجن والإنس جميعاً، وكل إنسي وجني من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة هو من أمة محمد ﵊، أعني من أمة الدعوة، فالدعوة موجهة للجميع، وكل يدعى إلى الدخول في هذا الدين.
الصفة الثانية: أنها خالدة وباقية ومستمرة.
فالشرائع السابقة كان لها أمد تنتهي إليه، وأما شريعة نبينا محمد ﵊ فإنها باقية ومستمرة؛ ولهذا كانت معجزته باقية ومستمرة، وهي القرآن الذي عجز الفصحاء والبلغاء عن أن يأتوا بشيء من مثله، فشريعته مستمرة، ومعجزته مستمرة، والتحدي مستمر وموجود، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل القرآن، بخلاف الرسل السابقين فإن رسالاتهم لها أمد ولها وقت ثم تنسخ، ومعجزاتهم وقتية لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، وأما معجزة نبينا محمد ﵊ -وهي القرآن- فإنها باقية ومستمرة؛ لأن شريعته باقية ومستمرة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الصفة الثالثة: الكمال.
فهي كاملة لا نقص فيها، ولا تحتاج إلى إضافات تلحق بها وتضم إليها، ولا تحتاج إلى ترقيع وإلى ترميم، بل هي في غاية الكمال والتمام، لا نقص فيها حتى يضاف إليها شيء، فالبدع التي تضاف إليها مردودة على صاحبها.
стр. 230
ليس في الإسلام بدعة حسنة
جاء عن الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه أنه قال: من قال إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].
ومعنى ذلك أن الرسول ﷺ ما بلغ هذه البدعة التي قالوا إنها تضاف إلى الشريعة، فالبدع ليست من سنته وليست من هديه ﷺ ؛ لأنه ﵊ بين للناس كل ما يحتاجون إليه، فلا تحتاج الشريعة إلى أمور تضاف إليها وتلحق بها، بل هي كاملة.
وقد توفي رسول الله ﷺ وما ترك أمراً يقرب إلى الله إلا ودل الأمة عليه، وما ترك أمراً يباعد من الله إلا وحذر منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا قال الإمام مالك بعد ذلك: فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً.
فالشيء الذي لم يكن ديناً في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه لا يكون بعدهم ديناً، وهذا يبين لنا أن هذه الفرق التي حدثت بعده ﷺ ، وصار لها عقائد خاصة، ليست من دين الإسلام، بل دين الإسلام الحق هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه.
يقول الإمام مالك ﵀: مالم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، يعني: مالم يكن ديناً في زمان محمد ﷺ وأصحابه لا يكون بعد ذلك ديناً؛ لأن الدين هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والعقائد التي أحدثت ونبتت وولدت بعد زمنه ﷺ باطلة، فمنها ما كان في آخر عهد الصحابة، ومنها ما كان بعد ذلك، ولا شك أنها باطلة، ولا يمكن أن يعقل ولا أن يقبل أن يكون هناك حق حجب عن الصحابة ﵃ وأرضاهم، وادخر لأناس يجيئون بعدهم، بل هذه العقائد المحدثة داخلة تحت قوله ﷺ : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) يعني: اختلافاً كثيراً في الأهواء والبدع، وقد أرشدنا ﵊ عند هذا الاختلاف والتفرق إلى المنهج القويم والصراط المستقيم في قوله: (فعليكم بسنتي) يعني أن طريق السلامة، وطريق النجاة أمام هذا الاختلاف كائن في سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
ويكفي في معرفة بطلان العقائد المحدثة أن الصحابة ﵃ وأرضاهم ما كانوا يعتقدونها ولا كانوا يعرفونها، ولا يعقل أن يكون حق قد حجب عن الصحابة وخفي عليهم، وادخر لأناس يجيئون بعدهم، بل هذه المحدثات التي حصلت لهؤلاء الذين من بعدهم شر، وقد حمى الله أصحاب رسوله من الوقوع في ذلك الشر، ووفقهم لسلوك الصراط المستقيم الذي جاء به النبي الكريم ﵊؛ ولهذا يقول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فالطريق إلى الله واحد، وهو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والمناهج والطرق الأخرى مجانبة ومخالفة لهذا الطريق، وهي باطلة ومردودة على أصحابها؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث الذي معنا: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).
стр. 231
النية الصالحة لا تنفع مع مخالفة السنة
الحديث يدل بعمومه على أن أي عمل يخالف السنة، ويكون مبنياً على بدعة؛ لا عبرة به ولو كان قصد صاحبه حسناً، فلا يكفي في العمل أن يكون قصد صاحبه حسناً، بل لا بد مع حسن القصد أن يكون على وفق السنة، وإلا كان مردوداً؛ لعموم قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).
وبيان ذلك أن الرسول ﷺ ما فصل ولا قال: من كان قصده حسناً فحكمه كذا، ومن ليس قصده حسناً فحكمه كذا، بل عمم وأطلق فقال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وكثير من الناس يقدمون على البدع وقصدهم حسن، ولكن حيل بينهم وبين التوفيق وصرفوا عنه، إذ ليس كل من يكون قصده حسناً يكون عمله مقبولاً، بل لا بد من توافر شرط القبول بأن يكون العمل على وفق السنة، وقد جاء في السنة ما يدل على ذلك: وذلك أن أحد أصحاب رسول الله ﷺ ذبح أضحيته قبل صلاة العيد، وكان يريد من وراء ذبحها في هذا الوقت أن تطبخ، ويكون اللحم عند الفراغ من صلاة العيد جاهزاً، فتكون أضحيته أول ما يأكله الناس وهم بحاجة إلى الطعام واللحم، فقصده طيب؛ لأنه يريد أن يكون أسبق من غيره في تقديم الطعام للمحتاجين، فلما علم الرسول ﷺ بذلك قال له: (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية؛ لأنها لم تقع على وفق السنة، والعمل لا بد في اعتباره أن يكون على وفق السنة، فإذا ذبحت قبل صلاة العيد فمعناه أنها ذبحت في غير وقت الذبح، فلا تكون أضحية، بل تكون شاة لحم، أي من جنس الذبائح التي يذبحها الناس ليأكلوا اللحم، ولا يعتبر ذبحها أضحية وقربة وطاعة؛ لأن الذبح إنما يبدأ بعد صلاة العيد، ولا يكون قبل صلاة العيد؛ ولهذا روي أن صلاة العيد في الأضحى تعجل بعد دخول الوقت ليتسع للناس وقت الذبح، وصلاة عيد الفطر تؤخر شيئاً بعد دخول الوقت ليتسع للناس وقت إخراج زكاة الفطر؛ لأن أفضل وقت لإخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل الصلاة، فإذا أخرت الصلاة شيئاً يسيراً بعد دخول وقتها اتسع للناس وقت إيتاء زكاة الفطر.
وقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث عن بعض أهل العلم أنه قال: وفي هذا دليل على أن العمل لا يعتبر إلا إذا كان موافقاً للشرع، ولا يكفي حسن قصد الفاعل.
يعني: إذا كان قصد صاحبه حسناً لا يكفي لقبوله؛ لأن الرسول ﷺ قال لهذا الصحابي: (شاتك شاة لحم)، ولم يعتبر حسن قصده.
ومما يدل على ذلك أيضاً: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﷺ بلغه أن أناساً متحلقون في المسجد، وبأيديهم حصى، وفي كل حلقة شخص يقول لهم: كبروا مائة، هللوا مائة، سبحوا مائة، احمدوا مائة، فإذا قال: كبروا مائة، صاروا يعدون بالحصى: الله أكبر، الله أكبر، مائة، ثم يقول: هللوا مائة، فيقولون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ويعدون بالحصى مائة، ثم يقول: سبحوا، فيقولون: سبحان الله، سبحان الله، ويعدون بالحصى مائة، وهكذا.
فوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن ﵁ وقال: ما هذا يا هؤلاء؟! عدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ أو أنكم مفتتحو باب ضلالة! يعني: إما أنكم أحسن من أصحاب الرسول ﷺ ، وعندكم طريقة أحسن من طريقة أصحاب الرسول ﷺ ، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة، ففهموا أن الطريقة الأولى لا سبيل لهم إليها، ولا يمكن أن يكونوا أحسن من أصحاب الرسول ﷺ ، وبقيت الثانية، وهي أنهم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا: سبحان الله! يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، فقال ﵁: وكم من مريد للخير لم يصبه، كم من مريد للخير لم يصبه، كم من مريد للخير لم يصبه.
قال الإمام مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ومعلوم أن أولها -وهم الصحابة- إنما صلحوا باتباع الرسول ﵊، والعمل وفقاً لسنته، مع حذرهم من البدع، ولا يمكن لغيرهم أن يصلح إلا بسلوك هذا المسلك الذي سلكوه، والمنهج القويم الذي طرقوه.
стр. 232
روايات حديث: (من أحدث في أمرنا)
هذا الحديث جاء بالروايتين: رواية في الصحيحين وهي: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) ورواية في صحيح مسلم وهي: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
والرواية الثانية أعم من الأولى وأشمل؛ لأن الأولى مختصة بالإحداث، وأما الثانية فهي تتعلق بالعمل، وهي أعم من أن يكون الإنسان محدثاً للعمل أو متابعاً لغيره فيه ومسبوقاً إليه، فقوله (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني سواء كان هو الذي أحدثه، أو أنه مسبوق إلى إحداثه ولكنه تابع من أحدثه قبله.
стр. 233
ما بني على مخالفة السنة فهو مردود
قوله: (رد) بمعنى مردود، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، فرد بمعنى مردود، كخلق بمعنى مخلوق، ونسخ بمعنى منسوخ.
والمعنى أن ما بني على مخالفة السنة فإنه يرد، وإذا وجدت عقود مخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإنها مردودة على صاحبها، والعقد الذي بني على ذلك يكون فاسداً.
ومما يوضح هذا قصة العسيف الذي جاء أبوه إلى رسول الله ﵊ ومعه خصمه الذي هو زوج المرأة، وقال: إن ابني كان عسيفاً على هذا -يعني: كان أجيراً عنده- فزنى بامرأته، وهذا يبين أن الشر يحصل بسبب المخالطة والاحتكاك من بعض الناس لبعض، فإن هذا العامل لاتصاله بالمرأة جرى الكلام معها، ووقع الشيطان بينهما حتى زنى بها، فقوله: (إن ابني كان عسيفاً) يعني أنه ما تسلق الجدران، وليس غريباً على البيت، وإنما زنى بها بسبب هذا الاختلاط وهذا الاحتكاك.
قال: وإنني أخبرت أن على ابني الرجم.
يعني: أخبره بعض من لا علم عنده بأن ابنك سيقتل وسيرجم، قال: فذهبت إليه واصطلحت معه على مائة شاة ووليدة، يعني: أعطيه هذا حتى يسامح ابني، ولا يحصل الرجم، ولما جاء هذان الاثنان قال الزوج: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، فقال النبي ﷺ (لأقضين بينكما بكتاب الله)، فقال والد العسيف: (يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي) يعني: ائذن لي في الحديث، وهذا فيه أدب، وحسن مخاطبة، ثم قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا، وإنني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديته بمائة شاة ووليدة، وإنني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني الجلد وتغريب سنة، وأن على زوجة هذا الرجم، فقال النبي ﷺ : (الوليدة والغنم رد عليك)، وهذا هو محل الشاهد، يعني مما يطابق الحديث الذي معنا أن العقود إذا كانت مبنية على أمر محرم وعلى مخالفة الشرع فإنها تنقض وترد، ولا تعتبر، وأن الصلح إذا كان مبنياً على أمر مبتدع محرم فإنه لا يجوز الوفاء به، بل يتعين إبطاله وإلغاؤه، ولهذا الرسول ﷺ أبطل هذا الصلح الذي جرى بينهما وقال: (الوليدة والغنم رد عليك) أي: مردودة عليك، وهذا يدخل تحت قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فإن هذا عمل من الأعمال المخالفة لما جاء به رسول ﷺ ، وذلك الحكم أو ذلك الاتفاق يكون باطلاً ويكون لاغياً ولا عبرة به ولا قيمة له.
قوله: (الوليدة والغنم رد عليك) دليل على أن العقود إذا أبرمت وكانت مخالفة للسنة فإنها تلغى وتبطل، ويرجع إلى اتباع السنة، وإلى اتباع ما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، أي: أنه لا يحصل الإنسان ثمرات العقد إذا كان مبنياً على باطل، بل يلغى ذلك العقد، ويرجع الأمر إلى الحكم الذي جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وأخبره النبي ﷺ أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام، وأن امرأة هذا عليها الرجم ثم قال: (واغد يا أنيس إليها، فإن اعترفت فارجمها).
ومحل الشاهد منه: أن الصلح الذي وقع بين والد العسيف وبين زوج المرأة لاغ وباطل، وبين النبي ﷺ الحكم الشرعي وهو الرجم على المحصنة، والجلد مائة جلدة، والتغريب لمدة سنة على من كان بكراً ولم يكن محصناً.
ثم إن قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يدل بمنطوقه على أن كل ما أحدث مما هو خلاف الشرع فإنه مردود على صاحبه، ويدل بمفهومه على أن كل ما وقع مطابق للشرع فإنه معتبر يتعين العمل به.
стр. 234
ترجمة عائشة ﵂
طريقة الإمام النووي ﵀ أنه عندما يذكر الصحابي يذكر كنيته، وهنا ذكر عن أم المؤمنين عائشة أنها أم عبد الله، ولم يكن لها ولد، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمرها ثماني عشرة سنة، وإنما كنيت بكنية أختها أسماء أم عبد الله بن الزبير، فإن عائشة خالته فكنيت به.
ووصفه لها بأنها أم المؤمنين هذا الوصف ثابت لزوجات الرسول ﷺ ، والله تعالى ذكر ذلك في كتابه فقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وهن ﵅ زوجاته في الدنيا والآخرة، ويكن معه في الجنة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
ويطلق عليهن أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على كل أحد بعد رسول الله ﷺ ، لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة ﵅ وأرضاهن.
стр. 235
فوائد حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)
هناك بعض الفوائد كتبتها حول هذا الحديث، وهي كما يلي: الحديث الخامس عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
١ - هذا الحديث أصل في وزن الأعمال الظاهرة، وأنه لا يعتد بها إلا إذا كانت موافقة للشرع، كما أن حديث (إنما الأعمال بالنيات) أصل في الأعمال الباطنة، وأن كل عمل يتقرب فيه إلى الله لا بد أن يكون خالصاً لله، وأن يكون معتبراً بنيته.
٢ - إذا فعلت العبادات كالوضوء، والغسل من الجنابة، والصلاة، وغير ذلك على خلاف الشرع فإنها تكون مردودة على صاحبها غير معتبرة، وأن المأخوذ بالعقد الفاسد يجب رده على صاحبه ولا يملك، ويدل لذلك قصة العسيف الذي قال النبي ﷺ لأبيه: (الوليدة والغنم رد عليك).
٣ - ويدل الحديث على أن من ابتدع بدعة ليس لها أصل في الشرع فهي مردودة، وصاحبها مستحق للوعيد، فقد قال النبي ﷺ في المدينة: (من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة أجمعين).
ولا يقال عمله مردود فقط، بل هو مع ذلك آثم؛ لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه.
٤ - الرواية الثانية التي عند مسلم أعم من الرواية التي في الصحيحين، لأنها تشمل من عمل البدعة سواء كان هو المحدث لها أو كان مسبوقاً إلى إحداثها وتابعاً لمن أحدثها.
٥ - معنى قوله في الحديث (رد) أي: مردود عليه، وهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول مثل: خلق بمعنى مخلوق، ونسخ بمعنى منسوخ، والمعنى: أنه مردود باطل غير معتد به.
٦ - لا يدخل تحت الحديث ما كان من المصالح في حفظ الدين، أو موصلاً إلى فهمه ومعرفته، كجمع القرآن في المصاحف، وتدوين علوم اللغة والنحو، وغير ذلك.
فمثلاً: جمع القرآن في مصحف واحد عمله عثمان، بعد زمنه ﷺ ولم يكن منه ﷺ ، ولكنه من الأمور التي لا بد منها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وهذا من حفظ القرآن، فلا يقال إنه من البدع غير الجائزة، حيث لم يكن موجوداً في زمنه ﷺ ؛ لأنه احتيج إليه حتى لا يضيع القرآن، وحتى لا يذهب بذهاب حملته؛ ولهذا اعتبر جمع عثمان هذا من مناقبه وفضائله ﵁، لأنه حفظ على هذه الأمة القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، وذلك بجمعه في هذا المصحف، وفي ذلك تنفيذ وتطبيق وتحقيق لقوله الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وبعض الناس يأتي بالبدعة ثم يستدل عليها بجمع القرآن!
و
الجواب
أن هذا إضافة في الدين مما ليس منه، فهو بدعة، وأما جمع القرآن فهو تنفيذ لما جاء في القرآن من حفظ الكتاب.
وكذلك تدوين العلوم التي فيها إعانة وتسهيل للوصول إلى معرفة الكتاب والسنة مثل علم اللغة وعلم النحو لا يقال: هذه من محدثات الأمور، بل هذه من الأمور التي توصل إلى غايات، وفيها تسهيل الوصول إلى معرفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لأن الكتاب والسنة جاءا بلغة العرب، ففي جمع اللغة وتدوينها تسهيل لمعرفتها، وكذلك علم النحو يدون حتى يعرف نظم الكلام ومعناه، فالمرفوع يرفع، والمكسور يكسر، والمفتوح يفتح، وهذا لا يعرف إلا عن طريق علم النحو.
قبل تدوين علم النحو كان الناس على السليقة يتكلمون على ما جبلوا عليه، لكن بعد ذلك حصل تغير الألسنة، وصار الناس بحاجة إلى أن يدون علم النحو، فلا يقال إن هذا من البدع التي لا تجوز، أو لا يقال إن البدع التي تحدث في الدين هي من جنس إحداث علم النحو وإحداث علم اللغة وما إلى ذلك، فإن هذا شيء وهذا شيء، فلا يقاس هذا على هذا، ولا يمنع هذا من أجل هذا.
٧ - الحديث يدل بإطلاقه على رد كل عمل مخالف للشرع ولو كان قصد صاحبه حسناً، ويدل له قصة الصحابي الذي ذبح أضحيته قبل صلاة العيد فقال له النبي ﷺ : (شاتك شاة لحم).
وكذلك أثر عبد الله بن مسعود ﵁ الذي أشرت إليه، فإنه واضح أن المعتبر هو ما كان عليه رسول الله ﵊، وأن العمل إذا وقع على خلاف الشرع فإنه لا يسوغ.
٨ - هذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمعنى: أن من كان عمله جارياً تحت أحكام الشرع موافقاً لها فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود.
стр. 236
قواعد مستنبطة من حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)
يستفاد من الحديث ما يلي: ١ - تحريم الابتداع في الدين.
٢ - أن العمل المبني على بدعة مردود على صاحبه.
٣ - أن النهي يقتضي الفساد، فقد أخبر الرسول ﷺ أن الإحداث مردود، ومعنى ذلك أنه إذا وجد شيء مبني على ذلك فإن العقد يكون فاسداً إذا كان من قبيل العقود، وإن كان من قبيل الأعمال كالغسل من الجنابة، والصلاة وغير ذلك فإنه يكون فاسداً، ويكون لاغياً وباطلاً.
٤ - أن العمل الصالح إذا أتي به على غير الوجه المشروع كالتنفل في وقت النهي بغير سبب، وصيام يوم العيد ونحو ذلك فإنه باطل لا يعتد به.
فهناك أعمال هي في أصلها مشروعة مثل صلاة النافلة، لكن كون الإنسان يأتي به في وقت النهي وهو ليس من ذوات الأسباب، فهذا التنفل يعتبر مردوداً؛ لأنه مخالف لما جاءت به السنة، لأن السنة جاءت بالنهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس.
ومن جنس ذلك: قصة ابن مسعود المتقدمة، فإن كون كل رجل يذكر الله مشروع، لكن كونه يؤتى به على هذه الطريقة الجماعية وبعد الحصى، وكون واحد منهم يقول: سبحوا مائة.
فيعدون سبحان الله، سبحان الله فهذه الهيئة وهذه الكيفية مبتدعة.
أما كون الإنسان يسبح ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ويكون لسانه رطباً من ذكر الله ؛ فهذا مشروع، ولكن إذا أتى به على وجه مخالف للشرع صار العمل بدعة، وإن كان في أصله جائزاً.
٥ - أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: (ليس عليه أمرنا)، فإذا حكم الحاكم بشيء، والمحكوم له يعلم بأنه ليس محقاً في الشيء الذي حكم له به، بأن يكون مبنياً مثلاً على شهادة الزور، لم يجز له أن يأخذه، ولا أن يقول: ما دام قد حكم الحاكم فهذا المال يكون حلالاً لي، فنقول: ليس حلالاً لك، بل هو حرام وإن حكم به الحاكم، لأن الحاكم لا يعلم الغيب، والرسول ﷺ يقول: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو ليدعها) ومعنى ذلك أن حكم الحاكم لا يحل ما كان حراماً، وإذا حكم بشيء على وجه يعلم المحكوم له بأنه مبطل، وأنه ليس محقاً في ذلك، فإن ذلك الحكم لا يغير شيئاً، ولا يفيد الإنسان، وليس عذراً للإنسان في أكل الحرام.
٦ - أن الصلح الفاسد باطل، والمأخوذ عليه مسترد.
ويوضح ذلك قصة العسيف التي ذكرناها.
стр. 237
سبب رواية حديث: (من أحدث في أمرنا هذا)
ذكر ابن رجب سبب رواية الحديث فقال: وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له ثلاثة، فأوصى بثلث هذه الثلاثة مساكن، فهل تجمع له بمسكن واحد؟ فقال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، حدثتني عائشة أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) خرجه مسلم.
وهذه المسألة اجتهادية، وقد تكون المصلحة في جمع الثلث في بيت من البيوت الثلاثة، وقد تكون في غير ذلك، وذلك بأن يفرق على البيوت الثلاثة، فهذا يرجع فيه إلى القاضي وإلى الحاكم، فإذا رأى المصلحة في الجمع فإنه يجمعها بحيث إن الثلث يكون في بيت، والورثة يكون لهم بيتان يشتركون فيهما، أو يتصرفون فيهما بالبيع واقتسام الثمن، وذلك إذا كان البيت لا يقبل القسمة فيما بينهم بسبب ضيقه، وليس كل بيت يمكن أن يقسم بينهم للسكن، ويمكن أن يكون بعضهم محتاجاً إلى السكنى وبعضهم غير محتاج، لكنه يحتاج إلى أن يأخذ الإيجار، فهذا يرجع فيه إلى القاضي.
стр. 238
الأسئلة
стр. 239
البدعة الحقيقية والإضافية والمكفرة والمفسقة
السؤال
ما هي البدعة الحقيقة والبدعة الإضافية؟ وما هي البدعة المكفرة والبدعة المفسقة؟
الجواب
البدعة الحقيقية مستقلة، وليست مرتبطة بشيء، ولا مضافة إلى شيء.
وأما البدعة الإضافية فهي مضافة إلى شيء مشروع، وليست مستقلة كالبدعة الحقيقية.
وكذلك البدعة تنقسم إلى مفسقة وإلى مكفرة، هناك بدعة تصل إلى حد الكفر، فيكون هذا المبتدع كافراً فلا يصلى وراءه، وإذا كانت البدعة مفسقة، فإن صاحبها لا يكون كافراً، بل هو مسلم عنده فسق، وهذا إذا صلى إماماً صحت صلاته، وصحت إمامته، لكن لا ينبغي أن يكون إماماً، وإنما يولى الإمامة من يكون سليماً من البدع، لكن لو حصل أن فاسقاً تقدم وصلى، أو كان مبتدعاً بدعة مفسقة وليست مكفرة؛ فالصلاة وراءه صحيحة، ولا يقال باطلة؛ لأنه تصح صلاته، ومن صحت صلاته صحت إمامته، وأما الذي بدعته مكفرة فصلاته غير صحيحة، وصلاة من وراءه لا تكون صحيحة.
стр. 240
أضرار البدعة على الفرد والمجتمع
السؤال
ما أضرار البدعة على الفرد والمجتمع؟
الجواب
أضرار البدع على الأفراد والجماعات كثيرة؛ لأن فيها خروجاً عن الكتاب والسنة، واتهاماً للشريعة بالقصور، واتهاماً للرسول ﷺ بعدم التبليغ كما قال مالك: من قال: إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة.
يعني: أنه ما بلغ شيئاً يحتاج الناس إليه، بل الله لم يقبض نبيه ﷺ إلا وقد أكمل الله تعالى له الدين، وأتم به النعمة، وأتم عليه النعمة، وبلغ الناس كل ما يحتاجون إليه.
وصف بعض أصحاب رسول الله ﷺ هذه الشريعة بتمامها وكمالها فقال: توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعطانا منه علماً.
وقال أحد أهل الكتاب لبعض الصحابة: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! قال: نعم، أمرنا إذا ذهبنا لقضاء الحاجة ألا نستنجي برجيع ولا عظم، وأن نستنجي بثلاثة أحجار.
فإذا كانت شريعة الله أتت على كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة، ولم تترك ما يحتاج الناس إليه، فكيف تترك الناس في باب الأصول وفي باب العقيدة بغير إيضاح وبيان؟! لا شك أن الشريعة في غاية الكمال وفي غاية التمام.
أيضاً: من آثار البدع أن الناس يتعبدون الله بشيء لا يحصلون من ورائه ثمرة؛ لأن العمل يكون مردوداً لاغياً، فعمله يعتبر تضييعاً للوقت في غير فائدة بل في مضرة، كما عرفنا أن الإنسان الذي يأتي بالبدعة لا يكون الأمر مقصوراً على أنه قد ألغي عمله وبطل عمله؛ بل حصل إثماً بالإضافة إلى كونه لم يحصل فائدة، فكل هذه من الآثار التي تترتب على البدع.
أيضاً: من الآثار هجران السنن، والغفلة عنها؛ لأن من الناس من يحرص على البدع ويتهاون بالسنن.
стр. 241
كيفية التعامل مع المبتدع
السؤال
كيف يتعامل مع المبتدع؟
الجواب
التعامل مع المبتدع أن يجانب ويحذر، ولا يصار إلى مخالطته إلا لضرورة ولحاجة تلجئ إلى ذلك، فلا يتهاون بشأنه بحيث يكون التعامل معه كما يتعامل مع الناس الذين فيهم سلامة؛ بل المطلوب هو البعد عنه والحذر منه، ولكن إذا حصل أمر يقتضي الاتصال به فإنه يتصل به، ولكن مع الاتصال ينبغي أن يحرص على البيان والتوضيح، ويحرص على دعوته إلى السنة، ويبين أن البدع المحدثة لا تعود على أصحابها بالخير، وأن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين ظفروا بسلوك الصراط المستقيم، وأن من يسلك غير مسالكهم يكون منحرفاً عن الجادة، ولا يمكن أن يحجب عن الصحابة حق ويدخر لمن بعدهم، ويبين أن العقائد الباطلة حدثت بعد زمن الرسول ﷺ وأصحابه، فيبين له مثل هذا البيان لعل الله تعالى أن يهديه.
وأما إذا كان من أهل السنة، وحصلت منه أمور أخطأ فيها، فإنه لا تنفض اليد منه، ولا يحمل عليه، ولا يشن عليه، وإنما ينصح، ويحرص على هدايته ورجوعه إلى الصواب، ويبين له الحق إذا كان الحق واضحاً جلياً، ويجب عليه حينئذٍ أن يرجع، وإما إذا كان الذي اعترض عليه فيه محل نظر ومحل إشكال فينبغي أن يرجع إلى جهة علمية تفصل بين المتنازعين في ذلك.
стр. 242
توبة المبتدع
السؤال
ما حكم توبة المبتدع؟
الجواب
من ابتدع بدعة وتاب منها، فالتوبة تجب ما قبلها ومن تاب تاب الله عليه.
ثم إن الإنسان إذا أضاف إلى آخر بدعة سواء كان بدعة مسلماً بها أو غير مسلم بها، فإذا رد عليه وبين فقد أدى ما عليه، ولا يجوز أن يشغل الوقت كله بمتابعته، وبامتحان الناس به، وأن من لم يبدعه يعتبر مبتدعاً، ثم يتهاجر الناس، وتعم الفتنة كل مكان بسبب هذا الامتحان في موقف الإنسان من فلان الفلاني الذي اعترض عليه فلان الفلاني بكذا وكذا، فمثل هذا لا يجوز، وليست هذه طريقة السلف، والله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]، والإنسان ليس عليه إلا البلاغ، ولا ينبغي أن يشغل وقته في متابعة من يرد عليه، ثم يذهب الوقت كله في ردود واعتراضات وسباب، ثم ينقسم الناس إلى مجموعتين، مجموعة تؤيد هذا، والمجموعة الأخرى تؤيد هذا، ومن لا يبدع هذا يهجر، فتنتقل هذه العدوى إلى مختلف الأماكن وإلى مختلف البلاد.
ومثل هذا العمل كله من الجهل، ومن المعلوم أن أهل السنة ليس هذا عملهم، ومن أقرب من أدركناه وشاهدناه من أهل السنة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما، فإن شأنهم أنهم يبينون الحق، ويشتغلون بالعلم، ولا يكون شغلهم الشاغل متابعة الشخص الذي ردوا عليه.
الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ رد على مبتدع كان يقرر مذهب الأشاعرة، وكان من جملة كلامه: فلان هداه الله، ثم اشتغل بالعلم وإفادة الناس، وما كان شغله الشاغل أنه يتابع هذا الشخص الذي رد عليه.
ثم الأدهى والأمر من ذلك أن يأتي بعض الناس يؤيدون هذا، وبعض الناس يؤيدون هذا، ثم إذا لم يكن للإنسان موقف من هذا الشخص فإنه يبدع ويهجر! ولا شك أن هذا من عمل الشيطان، وهذا الأمر من الفتن الذي شغلت أهل السنة بعضهم ببعض، وشغلتهم عن الاشتغال بغيرهم ممن ينبغي أن يشتغل ببيان بدعهم والتحذير منهم ومن طرقهم ومناهجهم التي هي مخالفة للحق والهدى.
لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام جميل في مجموع الفتاوى يتعلق بـ يزيد بن معاوية قال فيه: إن جماعة يمدحون يزيد بن معاوية، وجماعة يذمونه، والصواب الذي عليه الأئمة أنه لا يخص بمحبة، ولا يلعن، وإن كان ظالماً فاسقاً، وقد يكون له أعمال يغفر الله له بسببها، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)، وأول جيش غزاها كان أميره يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري.
ثم قال: والصواب أنه لا يجوز أن يمتحن الناس به؛ فإن هذا من أعمال أهل البدع.
стр. 243
الفرق بين البدع والمصالح المرسلة
السؤال
ما الفرق بين البدع والمصالح المرسلة؛ لأن الكثير يخلط بين الأمرين؟
الجواب
البدع هي أمور محدثة في الدين، وأما المصالح المرسلة فهي وسائل تؤدي إلى حفظ شيء من الدين أو إلى معرفة شيء من الدين كجمع القرآن وغيره من العلوم.
ومثال البدعة أن يسبح بالطريقة الجماعية التي أنكرها ابن مسعود، فمثل هذه الأعمال من الأمور المبتدعة، وكذلك كون الإنسان يصلي صلاة معينة على وجه معين في وقت معين، فهذه بدعة في الدين، وإضافة إلى الدين.
وأما المصالح المرسلة مثل جمع القرآن فهذا من أجل مناقب عثمان ﵁، وهو تنفيذ لقول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فهو لم يخرج عن السنة، بل فيه حفظ للكتاب الذي هو وحي الله إلى رسوله.
وكذلك الأمور التي توصل إلى فوائد وإلى مصالح مثل جمع الدواوين، فإن عمر ﵁ كتب أسماء الجند في دواوين، وكتب أعطياتهم، حتى يتميز منهم الذين يغزون، والذين يحتاج إليهم في الغزو، فمثل هذا لا بأس به؛ لأن هذا يؤدي إلى معرفة الناس، ومن يحتاج إليهم عند الغزو، ومعرفة من يعطى ومن لا يعطى، ومن وصلت إليهم أعطياتهم ومن لم تصل، وبيان أن هذا له كذا، وهذا له كذا، وهذا التدوين وكتابة أسماء الجند لم يكن في زمنه ﷺ ، ولكنه فعله عمر ﵁، ونحن مأمورون باتباع سنته حيث قال ﵊ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).
وكذلك تدوين علم النحو وعلم اللغة هو وسيلة إلى فهم القرآن وإلى فهم السنة، فليس إحداثاً في دين الله، وليس إحداث عبادة لله لم يأذن بها الله، وإنما هو إحداث شيء فيه خدمة للدين، وهو مهم، وفيه تسهيل فهم الكتاب والسنة.
стр. 244
شرح الأربعين النووية [١٣]
لقد أحل الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، فتبين الحلال من الحرام، وثم أمور تشتبه على الناس ما بين الحل والحرمة، فأرشدنا النبي ﷺ إلى اجتنابها؛ لأن التساهل فيها يؤدي إلى الوقوع في المحظور دون أن يشعر العبد، ولذا كان السلف رضوان الله عليهم يتركون بعض المباحات -فضلاً عن المشتبهات- تورعاً منهم وبُعداً عن الحرام وحذراً منه.
стр. 245
شرح حديث: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن)
الحديث السادس من الأربعين النووية للإمام النووي ﵀: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
هذا حديث عظيم من جملة الأحاديث التي ذكر العلماء أن مدار الإسلام عليها؛ وذلك لما اشتمل عليه الحديث من بيان الحلال والحرام، وما يشتبه بالحلال وبالحرام، وما يكون فيه الاحتياط والسلامة، ثم بيان عظيم لشأن القلب، وأنه ملك الأعضاء، فبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.
والحديث رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ ، وقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ ، وفي بعض الروايات أنه كان خطب به النعمان على المنبر، قيل: بالكوفة، وقيل: بحمص، وكان أميراً عليهما، فيمكن أن يكون ذلك حصل هنا أو هنا، وكان قد أكد سماعه أنه أهوى بيديه إلى أذنيه -يعني: مؤكداً السماع- مع قوله: سمعت رسول الله ﷺ ، فيكون جمع بين التأكيد للسماع بالقول وبالإشارة الدالة على ذلك الفعل، الذي هو سماعه من رسول الله ﷺ .
والنعمان بن بشير من صغار الصحابة، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمره ثمان سنوات، وفي هذا دليل على أن الصبي المميز يصح تحمله في صغره، ويؤدي في حال كبره، وهذا معتبر عند العلماء، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سمعها النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وكذلك غيره من صغار الصحابة الذين سمعوا من النبي ﵊ في حال صغرهم وأدّوا في حال كبرهم، ومثل ذلك الكافر الذي تحمل في حال كفره وأدى في حال إسلامه، فإن تأديته في حال الإسلام معتبرة لما تحمله في حال كفره؛ لأنه في حال الكفر غير مأمون، فإذا أدى حال كفره فلا يعتد بكلامه، ولكن إذا أدى بعد إسلامه فإنه مؤتمن على ما يأتي به؛ لأنه مسلم يخبر عن شيء سمعه من النبي ﷺ .
стр. 246
الحلال البيّن ومثاله
دل الحديث على أن الأشياء -من حيث الحِلّ والحرمة- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حلال بيّن واضح لا خفاء في حِلّه، وكل يعرف أنه حلال؛ وذلك لوضوحه، -من حيث الحِلّ والحرمة- مثل: الزروع، والحبوب، والثمار، وبهيمة الأنعام، فإن هذه من الأمور التي يشترك الناس في معرفة أنها حلال، فما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام، فهذه من الحلال البين الواضح الذي لا إشكال فيه، ولكنها لا تكون حلالاً إلا إذا كان وصولها إلى الإنسان بطريق مشروع، بأن يكون بعمل يده، أو وصلت إليه بشراء أو بميراث، أو ما إلى ذلك، فإنها حينئذٍ من الحلال البين.
وأما إذا وصلت بطريق غير مشروع كسرقة أو اغتصاب فإنها لا تكون حلالاً، إذ ليس للإنسان أن يستعمل بهيمة الأنعام أو ينتفع بها أو يذبحها ويأكلها وقد سرقها، فإن هذا من الحرام البين؛ لأن هذا المال الذي هو في أصله حلال إذا وصل بطريقة محرمة فإنه يكون حراماً، ولكنه إذا وصل إلى الإنسان بطريق من الطرق المشروعة لوصول الشيء إلى الإنسان فإنه يكون حلالاً.
стр. 247
الحرام البين ومثاله
القسم الثاني: حرام بين أي: أنه واضح الحرمة لا خفاء فيه، مثل: شرب الخمر، وأكل الميتة، ونكاح ذوات المحارم، كل هذا من الحرام البين الذي هو واضح لا خفاء فيه، ويعرفه الخاص والعام.
فهذان صنفان لا إشكال فيهما، إذ لا إشكال في حل الحلال وحرمة الحرام، لأن هذا بين وهذا بين.
стр. 248
المشتبهات
القسم الثالث: المشتبهات التي لا يتضح كونها من الحلال البين أو من الحرام البين، وإنما هي واقعة بين هذا وهذا، ويحتمل أن تكون من الحلال أو الحرام.
فما اشتبه ولم يتضح فيه الدليل والحكم الشرعي فإن الورع اجتنابه وعدم الوقوع فيه، وأما إذا اتضح حله أو حرمته بالدليل فعند ذلك يكون من الشيء الذي يشتبه على بعض الناس أو على كثير من الناس ويعلمه بعض الناس، لكن حيث لا يتضح الدليل على حرمة الشيء أو على إباحته وحله فإن الورع يكون بتركه، كما جاء في الحديث الآخر: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) فما دام أنه متردد بين أن يكون حلالاً وأن يكون حراماً فالاحتياط والورع للإنسان أن يتركه.
وأما إذا كان من الأمور التي فيها خفاء بحيث يخفى الدليل على بعض الناس ويعلمه بعضهم، فإن الحديث دل على أن الكثير من الناس لا يعلمها، ومفهوم ذلك أن بعض الناس يعلمها؛ لأن الدليل قد يكون فيها خفياً ولا يطلع عليه كل الناس، وليست مثل: بهيمة الأنعام، فمن المعلوم أنها حلال، وليست مثل: حرمة الخمر، حيث إن بيان حرمتها واضح، وإنما يكون الأمر متردداً بين الحل والحرمة، حيث يوجد في ذلك دليل يدل على الحل، ويخفى على بعض الناس مثل: لحوم الخيل، فما كل الناس يعلم أن لحوم الخيل حلال، وهذا الحكم يخفى على بعض الناس، وقد جاء في الحديث ما يدل على أنها حلال، لكنها ليست من الحلال البين عند كل أحد، وإنما هي من الحلال البين عند من عرف الدليل، لكن الإنسان الذي لم يبلغه الدليل ولم يعرف الحكم في المسألة ثم دار بين هذا وهذا فالاحتياط له بأن يترك ولا يقدم على ذلك الشيء المحتمل للحل والتحريم.
وأما إذا عرف الدليل على أن ذلك سائغ وليس بحرام فإنه يأخذ بالدليل، والذي لا يعرف هذا الدليل ولا يعرف شيئاً يدل على حل لحوم الخيل، ولا يدري هل ثبت أم لم يثبت، فإن الاحتياط والورع -كما جاء في الحديث- هو الترك وليس الإقدام على الفعل؛ لأن الإنسان إذا فعل، ذلك فيحتمل أن يكون قد فعل أمراً محرماً أو أن يكون فعل أمراً حلالاً، ولكنه إذا ترك ذلك سلم من أن يكون فعل أمراً محرماً.
قوله: (وبينهما أمور مشتبهات) يعني: مشتبهة في كونها من الحلال البين أو من الحرام البين، فهذه لا يعلمها كثير الناس وبعضهم يعلمها؛ لأن المفهوم معناه: أن بعض الناس يفهمها وقد يقف على الدليل الذي خفي على بعض الناس، فمن وقف على الدليل أخذ به، ومن لم يقف عليه وكان متردداً بين أن يكون حلالاً أو حراماً، فالاحتياط والمطلوب في حقه أن يتركه وألا يقدم عليه.
قوله: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس).
معنى ذلك: أن بعض الناس يعلمها، وهناك أمور أخرى تشتبه ولا يعلم الناس حقيقتها، مثل: ما جاء عن الرسول ﷺ أنه وجد تمرة وكان لا يدري هل هي من الصدقة أو من غير الصدقة، ولذلك تركها فلم يأكلها لأن آل محمد ﷺ لا تحل لهم الصدقة، ومن المعلوم أن مثل هذا من علم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله، فإذا وجد إنسان من أهل البيت تمرة وقعت في الطريق فلا يدري هل هي من الصدقة أم لا؟ فهذا لا يمكن الوصول إلى معرفته؛ لأنه شيء مجهول، لكن ما دام أن فيه احتمال ولم يتبين فيه لا هذا ولا هذا فالسلامة إنما تكون في الترك وليست في الفعل، كما قال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
بعد أن ذكر النبي ﷺ هذه الأقسام الثلاثة فرع الكلام الذي يأتي متعلقاً بالقسم الثالث وهو: الأمور المشتبهة، فبين ﵊ حكم الأمور المشتبهة فقال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
الشبهات أي: الأشياء المشتبهة التي لا يدرى أهي حلال أم حرام.
قوله: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: عمل على براءة نفسه من أن يكون عليه نقص في دينه، وأيضاً سلم من أن يعرض نفسه للوم الناس ووقوعهم في عرضه، والإنسان يحرص على أن تحصل له السلامة في دينه وعرضه، فدينه لا يكون فيه نقص، وعرضه لا ينال أحد منه ولا يتكلم فيه بسوء.
فالاستبراء للدين يتعلق بما بينه وبين الله.
والاستبراء للعرض يتعلق بما بينه وبين الناس.
قوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي: الذي يتساهل في الوقوع في أمر مشتبه لا يعلم حله وحرمته قد يؤدي به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم.
стр. 249
أقسام الناس في الأمور المشتبهة
والناس بالنسبة للأمور المشتبهة ينقسمون إلى قسمين: الأول: قسم يستبرىء منها ولا يقع فيها، وهذا يسلم دينه وعرضه.
الثاني: (من وقع في الشبهات) يعني: أقدم على هذا الأمر المشتبه، ولم يتركه مع اشتباهه واحتماله لأن يكون حلالاً وأن يكون حراماً، بل هان عليه أن يقدم على شيء لا يطمئن إلى كونه حلالاً، وإذا أقدم الإنسان على مثل هذا وتساهل فيه فقد يؤدي به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم.
وهذا لم يستبرئ من الشبهات، بل وقع فيها واستهونها وأقدم عليها، فإن ذلك قد يجره إلى أن يقع في الأمر المحرم؛ لأنه دخل في شيء لم يتبين له حله، وقد يكون هذا الشيء حراماً، فإذا سهل عليه ذلك فإنه قد يسهل عليه أن يقدم على الأمر المحرم.
فالقسم الأول محمود والثاني مذموم.
стр. 250
المثل الذي ضربه النبي ﷺ للوقوع في الشبهات
ثم إن النبي ﷺ بعدما ذكر هذين القسمين من الناس في موقفهم من الأمور المشتبهة ضرب لذلك مثلاً يقرب فيه الأمور المعنوية، بحيث تكون مشابهة للأمور الحسية، وذلك من كمال البيان والنصح من رسول الله ﷺ ، فإنه يضرب الأمثال لأصحابه ولأمته حتى يظهر الأمر المعنوي في صورة الأمر الحسي الذي هو مشاهد ومعاين، فضرب لذلك النبي ﷺ مثلاً فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) لأن الرعاة الذين يرعون الغنم والإبل لهم حالتان بالنسبة للحمى، والإنسان إذا قرب منه صار عرضة لوقوع ماشيته فيه؛ لأنها ترى الخضرة أمامها، فتنطلق إليها، وتصل إلى هذه الخضرة التي قد حميت، ومنع الناس والبهائم من الوصول إليها فمن يرعى حول الحمى الذي حمي ومنع من الوصول إليه، وصارت أرضه معشبة ومخصبة، فإن الراعي الذي يكون حول الحمى قد يغفل فتنطلق دوابه وتصل إلى ذلك المكان الأخضر فترعى فيه، فيتعرض للعقوبة.
وأما الذي يبتعد عن الشبهات فإنه كالراعي الذي يرعى بعيداً عن الحمى ويجعل غنمه أو إبله في مكان بعيد عن الحمى بحيث لا تصل إليه؛ لأنه بذلك احتاط وابتعد، فلم يعرض نفسه لأن يقع في أمر يعود عليه بالمضرة، وأما من تهاون وقرب من الحمى وصار على حافته وليس هناك شيء يحجب عنه كجدار أو شيء يمنع من وصول الدواب إليه، فإنها تنطلق وتقع في ذلك الشيء الذي منع منه.
والرسول ﷺ قد وضح هذا لمن يتهاون في الأمر ويقع في الأمور المشتبهة، وجعله كالراعي الذي يرعى حول الحمى، فذلك يؤدي به إلى الوقوع في الأمر الممنوع.
وأما الذي يبتعد عن الحمى، وتكون غنمه أو ماشيته في أماكن بعيدة بحيث لو نبت واحدة منها فلن تصل إلى الحمى؛ لأن بينها وبينه مسافة يستطيع أن يردها وأن يلحقها بنظيراتها ومثيلاتها، فإنه يكون بذلك سلم وعمل على الاحتياط والسلامة.
إذاً: هذان القسمان أو الصنفان اللذين مضيا -وهما: الذي اتقى الشبهات والذي وقع في الشبهات- مثلهما كمثل راعيين: أحدهما: يأتي إلى مكان محمي ويجعل غنمه على حافته، فتكون بذلك عرضة لأن تقع في الأمر الممنوع.
والثاني: الذي ابتعد عن الحمى ورعى غنمه في أماكن بعيدة، فإنه بذلك يسلم من أن تصل غنمه إلى هذا الأمر الممنوع منه.
وهذا التمثيل للأمور المعنوية بالأشياء الحسية يعتبر من نصحه ﷺ وبيانه وفصاحته وبلاغته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
والأمثال يكون فيها تقريب الأمر المعنوي بقياسه وإلحاقه بالأمر الحسي المشاهد المعاين مثلاً: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، الشبهات: مثلاً لما حول الحمى، والحرام مثلاً للحمى، فالذي يقرب من الحمى ويصير في الشبهات التي هي حول الحمى يصل إلى الممنوع منه (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).
ثم إن النبي ﷺ بين أن الأشياء المعنوية والحسية التي ضربها في المثل هي: أن لكل ملك من ملوك الدنيا حمى، يعني: قد يحمي له مكاناً يختص به، وسواء كان له أو لما يتعلق بالمنفعة العامة كأن يجعل مكاناً للصدقة أو لماشية الصدقة، فالإنسان إذا قاربه فإنه يقع في ذلك الشيء الذي حمي ومنع، وإذا ابتعد عنه فإنه يكون قد سلم وابتعد عن المشتبهات.
قوله: (ألا وإن لكل ملك حمى): الحمى: هو ما يحميه الإنسان من أرض خصبة لا يأتي إليها أحد، وهذا حمى حسي.
قوله: (ألا وإن حمى الله محارمه): وهذا حمى معنوي، وهو الذي أريد تقريبه بضرب المثل بالحمى الحسي عندما ذكر الراعي يرعى حول الحمى، وهذا هو المشبه به.
وأما المشبه فهو محارم الله ، والمحارم: الحرام البين الذي لا يجوز الوقوع فيه.
وأن الإنسان ينبغي له أن يبتعد عنها وعن الشبهات التي توصل إليها.
فقوله: (ألا وإن لكل ملك حمى) هذا هو التشبيه الحسي، والذي ذكر فيه أن الراعي يرعى حول الحمى.
وقوله: (ألا وإن حمى الله محارمه) هذا هو المشبه، لأن الأمور المعنوية التي هي حرام لا يجوز للإنسان أن يقدم عليها أو أن يكون قريباً منها بالشبهات التي ليست من الحلال البين ولا من الحرام البين، فمن تساهل في الوصول إليها والوقوع فيها -أي: المشتبهات- سهل عليه أن يقع في المحرم، كما تقدم في أثناء الحديث: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام).
следующие страницы →