← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الحلال البيّن ومثاله دل الحديث على أن الأشياء -من حيث الحِلّ والحرمة- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حلال بيّن واضح لا خفاء في حِلّه، وكل يعرف أنه حلال؛ وذلك لوضوحه، -من حيث الحِلّ والحرمة- مثل: الزروع، والحبوب، والثمار، وبهيمة الأنعام، فإن هذه من الأمور التي يشترك الناس في معرفة أنها حلال، فما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام، فهذه من الحلال البين الواضح الذي لا إشكال فيه، ولكنها لا تكون حلالاً إلا إذا كان وصولها إلى الإنسان بطريق مشروع، بأن يكون بعمل يده، أو وصلت إليه بشراء أو بميراث، أو ما إلى ذلك، فإنها حينئذٍ من الحلال البين. وأما إذا وصلت بطريق غير مشروع كسرقة أو اغتصاب فإنها لا تكون حلالاً، إذ ليس للإنسان أن يستعمل بهيمة الأنعام أو ينتفع بها أو يذبحها ويأكلها وقد سرقها، فإن هذا من الحرام البين؛ لأن هذا المال الذي هو في أصله حلال إذا وصل بطريقة محرمة فإنه يكون حراماً، ولكنه إذا وصل إلى الإنسان بطريق من الطرق المشروعة لوصول الشيء إلى الإنسان فإنه يكون حلالاً.

стр. 247

الحرام البين ومثاله القسم الثاني: حرام بين أي: أنه واضح الحرمة لا خفاء فيه، مثل: شرب الخمر، وأكل الميتة، ونكاح ذوات المحارم، كل هذا من الحرام البين الذي هو واضح لا خفاء فيه، ويعرفه الخاص والعام. فهذان صنفان لا إشكال فيهما، إذ لا إشكال في حل الحلال وحرمة الحرام، لأن هذا بين وهذا بين.

стр. 248

المشتبهات القسم الثالث: المشتبهات التي لا يتضح كونها من الحلال البين أو من الحرام البين، وإنما هي واقعة بين هذا وهذا، ويحتمل أن تكون من الحلال أو الحرام. فما اشتبه ولم يتضح فيه الدليل والحكم الشرعي فإن الورع اجتنابه وعدم الوقوع فيه، وأما إذا اتضح حله أو حرمته بالدليل فعند ذلك يكون من الشيء الذي يشتبه على بعض الناس أو على كثير من الناس ويعلمه بعض الناس، لكن حيث لا يتضح الدليل على حرمة الشيء أو على إباحته وحله فإن الورع يكون بتركه، كما جاء في الحديث الآخر: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) فما دام أنه متردد بين أن يكون حلالاً وأن يكون حراماً فالاحتياط والورع للإنسان أن يتركه. وأما إذا كان من الأمور التي فيها خفاء بحيث يخفى الدليل على بعض الناس ويعلمه بعضهم، فإن الحديث دل على أن الكثير من الناس لا يعلمها، ومفهوم ذلك أن بعض الناس يعلمها؛ لأن الدليل قد يكون فيها خفياً ولا يطلع عليه كل الناس، وليست مثل: بهيمة الأنعام، فمن المعلوم أنها حلال، وليست مثل: حرمة الخمر، حيث إن بيان حرمتها واضح، وإنما يكون الأمر متردداً بين الحل والحرمة، حيث يوجد في ذلك دليل يدل على الحل، ويخفى على بعض الناس مثل: لحوم الخيل، فما كل الناس يعلم أن لحوم الخيل حلال، وهذا الحكم يخفى على بعض الناس، وقد جاء في الحديث ما يدل على أنها حلال، لكنها ليست من الحلال البين عند كل أحد، وإنما هي من الحلال البين عند من عرف الدليل، لكن الإنسان الذي لم يبلغه الدليل ولم يعرف الحكم في المسألة ثم دار بين هذا وهذا فالاحتياط له بأن يترك ولا يقدم على ذلك الشيء المحتمل للحل والتحريم. وأما إذا عرف الدليل على أن ذلك سائغ وليس بحرام فإنه يأخذ بالدليل، والذي لا يعرف هذا الدليل ولا يعرف شيئاً يدل على حل لحوم الخيل، ولا يدري هل ثبت أم لم يثبت، فإن الاحتياط والورع -كما جاء في الحديث- هو الترك وليس الإقدام على الفعل؛ لأن الإنسان إذا فعل، ذلك فيحتمل أن يكون قد فعل أمراً محرماً أو أن يكون فعل أمراً حلالاً، ولكنه إذا ترك ذلك سلم من أن يكون فعل أمراً محرماً. قوله: (وبينهما أمور مشتبهات) يعني: مشتبهة في كونها من الحلال البين أو من الحرام البين، فهذه لا يعلمها كثير الناس وبعضهم يعلمها؛ لأن المفهوم معناه: أن بعض الناس يفهمها وقد يقف على الدليل الذي خفي على بعض الناس، فمن وقف على الدليل أخذ به، ومن لم يقف عليه وكان متردداً بين أن يكون حلالاً أو حراماً، فالاحتياط والمطلوب في حقه أن يتركه وألا يقدم عليه. قوله: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس). معنى ذلك: أن بعض الناس يعلمها، وهناك أمور أخرى تشتبه ولا يعلم الناس حقيقتها، مثل: ما جاء عن الرسول ﷺ أنه وجد تمرة وكان لا يدري هل هي من الصدقة أو من غير الصدقة، ولذلك تركها فلم يأكلها لأن آل محمد ﷺ لا تحل لهم الصدقة، ومن المعلوم أن مثل هذا من علم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله، فإذا وجد إنسان من أهل البيت تمرة وقعت في الطريق فلا يدري هل هي من الصدقة أم لا؟ فهذا لا يمكن الوصول إلى معرفته؛ لأنه شيء مجهول، لكن ما دام أن فيه احتمال ولم يتبين فيه لا هذا ولا هذا فالسلامة إنما تكون في الترك وليست في الفعل، كما قال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). بعد أن ذكر النبي ﷺ هذه الأقسام الثلاثة فرع الكلام الذي يأتي متعلقاً بالقسم الثالث وهو: الأمور المشتبهة، فبين ﵊ حكم الأمور المشتبهة فقال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). الشبهات أي: الأشياء المشتبهة التي لا يدرى أهي حلال أم حرام. قوله: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: عمل على براءة نفسه من أن يكون عليه نقص في دينه، وأيضاً سلم من أن يعرض نفسه للوم الناس ووقوعهم في عرضه، والإنسان يحرص على أن تحصل له السلامة في دينه وعرضه، فدينه لا يكون فيه نقص، وعرضه لا ينال أحد منه ولا يتكلم فيه بسوء. فالاستبراء للدين يتعلق بما بينه وبين الله. والاستبراء للعرض يتعلق بما بينه وبين الناس. قوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي: الذي يتساهل في الوقوع في أمر مشتبه لا يعلم حله وحرمته قد يؤدي به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم.

стр. 249

أقسام الناس في الأمور المشتبهة والناس بالنسبة للأمور المشتبهة ينقسمون إلى قسمين: الأول: قسم يستبرىء منها ولا يقع فيها، وهذا يسلم دينه وعرضه. الثاني: (من وقع في الشبهات) يعني: أقدم على هذا الأمر المشتبه، ولم يتركه مع اشتباهه واحتماله لأن يكون حلالاً وأن يكون حراماً، بل هان عليه أن يقدم على شيء لا يطمئن إلى كونه حلالاً، وإذا أقدم الإنسان على مثل هذا وتساهل فيه فقد يؤدي به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم. وهذا لم يستبرئ من الشبهات، بل وقع فيها واستهونها وأقدم عليها، فإن ذلك قد يجره إلى أن يقع في الأمر المحرم؛ لأنه دخل في شيء لم يتبين له حله، وقد يكون هذا الشيء حراماً، فإذا سهل عليه ذلك فإنه قد يسهل عليه أن يقدم على الأمر المحرم. فالقسم الأول محمود والثاني مذموم.

стр. 250

المثل الذي ضربه النبي ﷺ للوقوع في الشبهات ثم إن النبي ﷺ بعدما ذكر هذين القسمين من الناس في موقفهم من الأمور المشتبهة ضرب لذلك مثلاً يقرب فيه الأمور المعنوية، بحيث تكون مشابهة للأمور الحسية، وذلك من كمال البيان والنصح من رسول الله ﷺ ، فإنه يضرب الأمثال لأصحابه ولأمته حتى يظهر الأمر المعنوي في صورة الأمر الحسي الذي هو مشاهد ومعاين، فضرب لذلك النبي ﷺ مثلاً فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) لأن الرعاة الذين يرعون الغنم والإبل لهم حالتان بالنسبة للحمى، والإنسان إذا قرب منه صار عرضة لوقوع ماشيته فيه؛ لأنها ترى الخضرة أمامها، فتنطلق إليها، وتصل إلى هذه الخضرة التي قد حميت، ومنع الناس والبهائم من الوصول إليها فمن يرعى حول الحمى الذي حمي ومنع من الوصول إليه، وصارت أرضه معشبة ومخصبة، فإن الراعي الذي يكون حول الحمى قد يغفل فتنطلق دوابه وتصل إلى ذلك المكان الأخضر فترعى فيه، فيتعرض للعقوبة. وأما الذي يبتعد عن الشبهات فإنه كالراعي الذي يرعى بعيداً عن الحمى ويجعل غنمه أو إبله في مكان بعيد عن الحمى بحيث لا تصل إليه؛ لأنه بذلك احتاط وابتعد، فلم يعرض نفسه لأن يقع في أمر يعود عليه بالمضرة، وأما من تهاون وقرب من الحمى وصار على حافته وليس هناك شيء يحجب عنه كجدار أو شيء يمنع من وصول الدواب إليه، فإنها تنطلق وتقع في ذلك الشيء الذي منع منه. والرسول ﷺ قد وضح هذا لمن يتهاون في الأمر ويقع في الأمور المشتبهة، وجعله كالراعي الذي يرعى حول الحمى، فذلك يؤدي به إلى الوقوع في الأمر الممنوع. وأما الذي يبتعد عن الحمى، وتكون غنمه أو ماشيته في أماكن بعيدة بحيث لو نبت واحدة منها فلن تصل إلى الحمى؛ لأن بينها وبينه مسافة يستطيع أن يردها وأن يلحقها بنظيراتها ومثيلاتها، فإنه يكون بذلك سلم وعمل على الاحتياط والسلامة. إذاً: هذان القسمان أو الصنفان اللذين مضيا -وهما: الذي اتقى الشبهات والذي وقع في الشبهات- مثلهما كمثل راعيين: أحدهما: يأتي إلى مكان محمي ويجعل غنمه على حافته، فتكون بذلك عرضة لأن تقع في الأمر الممنوع. والثاني: الذي ابتعد عن الحمى ورعى غنمه في أماكن بعيدة، فإنه بذلك يسلم من أن تصل غنمه إلى هذا الأمر الممنوع منه. وهذا التمثيل للأمور المعنوية بالأشياء الحسية يعتبر من نصحه ﷺ وبيانه وفصاحته وبلاغته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. والأمثال يكون فيها تقريب الأمر المعنوي بقياسه وإلحاقه بالأمر الحسي المشاهد المعاين مثلاً: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، الشبهات: مثلاً لما حول الحمى، والحرام مثلاً للحمى، فالذي يقرب من الحمى ويصير في الشبهات التي هي حول الحمى يصل إلى الممنوع منه (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه). ثم إن النبي ﷺ بين أن الأشياء المعنوية والحسية التي ضربها في المثل هي: أن لكل ملك من ملوك الدنيا حمى، يعني: قد يحمي له مكاناً يختص به، وسواء كان له أو لما يتعلق بالمنفعة العامة كأن يجعل مكاناً للصدقة أو لماشية الصدقة، فالإنسان إذا قاربه فإنه يقع في ذلك الشيء الذي حمي ومنع، وإذا ابتعد عنه فإنه يكون قد سلم وابتعد عن المشتبهات. قوله: (ألا وإن لكل ملك حمى): الحمى: هو ما يحميه الإنسان من أرض خصبة لا يأتي إليها أحد، وهذا حمى حسي. قوله: (ألا وإن حمى الله محارمه): وهذا حمى معنوي، وهو الذي أريد تقريبه بضرب المثل بالحمى الحسي عندما ذكر الراعي يرعى حول الحمى، وهذا هو المشبه به. وأما المشبه فهو محارم الله ، والمحارم: الحرام البين الذي لا يجوز الوقوع فيه. وأن الإنسان ينبغي له أن يبتعد عنها وعن الشبهات التي توصل إليها. فقوله: (ألا وإن لكل ملك حمى) هذا هو التشبيه الحسي، والذي ذكر فيه أن الراعي يرعى حول الحمى. وقوله: (ألا وإن حمى الله محارمه) هذا هو المشبه، لأن الأمور المعنوية التي هي حرام لا يجوز للإنسان أن يقدم عليها أو أن يكون قريباً منها بالشبهات التي ليست من الحلال البين ولا من الحرام البين، فمن تساهل في الوصول إليها والوقوع فيها -أي: المشتبهات- سهل عليه أن يقع في المحرم، كما تقدم في أثناء الحديث: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام).

стр. 251

أهمية القلب في سائر أعضاء الجسم ثم بين ﵊ بعد ذلك عظم شأن القلب، وأنه بمثابة الملك للأعضاء، وأنها تابعة له، وأنه بصلاحه تصلح الأعضاء، وبفساده تفسد الأعضاء. فقال ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وقد ذكر هذه الجملة بعدما تقدم من ذكر وجوب ترك المحرمات وترك الأمور المشتبهة؛ لئلا يصل الإنسان إلى الأمر المحرم، وهذا فيه إشارة إلى أن سلامة المكاسب الطيبة والحرص على أن تكون بعيدة من المحرمات ومن الأمور المشتبهات -كل ذلك- له دخل في صلاح القلب وفساده؛ لأن استعمال الحرام والوقوع فيه مما يؤدي إلى فساد القلب، وكسب الحلال والابتعاد عن الحرام هو الذي يكون به صلاح القلب؛ لأن القلب يصلح باستقامة صاحبه على طاعة الله وطاعة رسوله ﵊، وأن يفعل المأمورات ويجتنب المنهيات، وهذه هي تقوى الله ؛ لأن تقوى الله: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله وعذابه وقاية تقيه منه، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، وهذه هي مناسبة ذكر الرسول ﷺ للقلب بعد ذكر الحلال والحرام. فإن ترك المحرم والمشتبه يعتبر من أسباب صلاح القلب، والعكس بالعكس، فإن الوقوع في الحرام والمشتبهات وترك المأمورات من أسباب فساد القلب، فعلى الإنسان أن يجعل بينه وبين الحرام مسافة بأن يترك الشيء الذي لا بأس به حذراً مما به بأس، ولهذا فإن النبي ﵊ أتى بذكر القلب بعد هذه الأمور، وهذا هو وجه ذكره بعدها. ثم فيه بيان عظم شأن القلب وأنه ملك الأعضاء، وأنها بصلاحه تصلح وبفساده تفسد، وقد مهد لذلك رسول الله ﵊ في بيان عظم شأن القلب بهذا التمهيد، لأن الإنسان إذا سمع هذا التمهيد وهذا التقديم - (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) - فإنه يتطلع ويحرص على معرفة هذه المضغة. ثم ما هي هذه المضغة؟ قال: (ألا وهي القلب) فبعد أن بين عظم شأنها وعظم فائدتها في حال صلاحها، وشدة خطورتها في حال فسادها، بعد ذلك جاء البيان من رسول الله ﷺ بأنها القلب، وأتى في ذلك بأداة التنبيه التي هي: (ألا) لأن (ألا) في حد ذاتها أداة تنبيه (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة ألا وهي القلب) فهذه أداة تنبيه تجعل الإنسان يتنبه ويعرف أهمية ما بعدها؛ لأن ذلك مما ينبغي الالتفات إليه والاهتمام والعناية به. وبهذا يتبين لنا أن حديث النعمان بن بشير حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد اشتمل على هذا الإيضاح وهذا البيان وهذا الحصر للأشياء إلى ما هو حلال بين، وإلى ما هو حرام بين، وإلى ما هو مشتبه، ثم بيان الذي على الإنسان أن يسلكه لسبيل المشتبه، وأنه إذا تركه فقد أخذ بأسباب السلامة لدينه وعرضه، وإذا لم يفعل ذلك فإنه قد عرّض عرضه للقدح، وعرض دينه للنقص، وأدى به ذلك إلى أن يقع في الأمر المحرم، ثم هذا البيان والإيضاح من رسول الله ﷺ لضرب هذا المثل العظيم الذي قرب فيه الأمر المعنوي بتشبيهه بهذا الأمر الحسي، وهو من كمال بيانه ونصحه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. والله تعالى أعلم.

стр. 252

الأسئلة

стр. 253

المشتبهات في العقائد السؤال هل المشتبهات تكون في العقائد، مثل: كيفية الله، وكيفية ذاته، وصفاته؟ الجواب ما يتعلق بالله هو كيفية ومعنى. فالمعنى: ليس من قبيل المشتبه، بل هو من قبيل الواضح؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه، ولهذا فالمعنى يكون معلوماً، ولكن الكيف يكون مجهولاً، فالله تعالى يعلمه والناس لا يعلمونه، ولا يجوز أن يقال: إنه مشتبه يعلمه بعض الناس، فإنه لا يعلمه أحد، فهو من أمر الغيب الذي لا يعلمه الناس، وليس من قبيل المشتبه الذي يعلمه بعض الناس، ولهذا جاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. ولهذا فأهل السنة يفوضون في الكيف، فيقولون: الله أعلم بكيفية ذلك، وكيفيته لا يعلمها إلا الله، وأما بالنسبة للمعنى فلا يفوضونه، وإنما يفهمون المعاني على وفق ما خوطبوا به. فالسمع معلوم، والبصر معلوم، والكلام معلوم، والحياة معلومة، والاستواء معلوم، وكل هذه الصفات معانيها معلومة، لكن كيفيتها التي هي عليها في نفس الأمر لا يعلم بها إلا الله ، فلا يقال هي من المتشابه! فالنصوص في ذاتها ليست من المتشابه التي لا يعلمها إلا الله ، بل الناس خوطبوا بكلام يفهمونه، وهم يعلمون ذلك بمقتضى اللغة، وأما الكيفية فهي التي لا يعلمها إلا الله ، فهو الذي يعلم كيف هو، ورسول الله ﷺ بين للناس ما يمكنهم أن يعلموه ويعرفوه، وهو ما يتعلق بالمعاني، وأما الكيفيات فلا سبيل له إليها، فلا يقال: إنها من قبيل المشتبهات التي جاءت في هذا الحديث؛ لأن المشتبه الذي جاءت فيه أحاديث يعلمه بعض الناس، ويجهله كثير من الناس فكيفية الصفات ليست من هذا القبيل. وأهل السنة والجماعة مفوضة في الكيف وليسوا مفوضة في المعنى، وأما الذين يفوضون في المعنى يقولون: إننا لا نعرف ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فيزعمون أنها مثل: ﴿الر﴾ [يونس:١] و ﴿الم﴾ [البقرة:١] ومثل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ومثل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]. وهذا يعني: أنهم لا يعلمون معنى هذه الآية كما أنهم لا يعلمون المراد بقوله: ((الر)) [يونس:١]؛ لأن ﴿الم﴾ [البقرة:١] ليس كلاماً مركباً حتى يفهم بالتركيب، فالكلام يفهم بتركيبه وباتصال الكلمات بعضها ببعض، لكن هذه حروف مقطعة، والمشهور عند العلماء أنهم يقولون: الله أعلم بمراده بها، لكن بعضهم يقول: لعل المقصود من إيرادها بيان إعجاز القرآن، وذلك أنه يأتي بعد ذكر الحروف المقطعة ذكر القرآن ((الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٢ - ٣]، ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١ - ٢]، ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١]، وهكذا إلا في مواضع يسيرة جاءت في القرآن ليس فيها ذكر القرآن مثل: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] ومثل: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢] فإنه لم يأت بعدها ذكر القرآن. قالوا: فإن مجيء ذكر القرآن بعد هذه الحروف فيه إشارة إلى أن القرآن معجز، ووجه الإشارة أن القرآن مؤلف من الحروف التي تؤلفون منها كلامكم، ومع ذلك فأنتم لا تستطيعون أن تؤلفوا من هذه الحروف كلاماً مثل هذا الكلام. نعم، القرآن مؤلف من الحروف، ومع ذلك فأهل الفصاحة والبلاغة لا يستطيعون أن يؤلفوا من هذه الحروف كلاماً مثل هذا الكلام، قالوا: إذاً فيه إشارة إلى إعجاز القرآن. ف الذين يقولون إن المعاني في الصفات مجهولة وأنهم يفوضون فيها، يقولون: إن ﴿الر﴾ [هود:١]، مثل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فلا نعرف معنى ﴿الر﴾ [هود:١]، ولا نعرف معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهذا كلام باطل وغير صحيح، ومن قال: إن هذا هو مذهب السلف؟! ولهذا فعلماء الكلام معروفون بالتأويل، وسلفهم القائلون بالتفويض، كما يقول صاحب الجوهرة: وكل لفظ أوهم التشبيهَ أَوَّلْه أو فَوّضْ ورُمْ تنزيهاً فعندهم أن المعاني لا يتكلم في معناها، فيقولون: الله أعلم بالمراد بها. ونسبة ذلك إلى سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم هذا قول باطل وغير صحيح؛ فالسلف ليسوا مفوضة في المعنى، وإنما هم مفوضة في الكيف، ولهذا يقول بعض أهل العلم: من زعم أن مذهب السلف في الصفات هو التفويض في المعنى فقد ارتكب ثلاثة محاذير: المحذور الأول: أنه لا يعرف مذهب السلف، ومذهب السلف هو الذي بينه مالك في قوله: الاستواء معلوم. معنى ذلك: أن المعنى معروف وليس بمجهول، فالمعنى لا يفوض، فيقال: الله أعلم بمراده بـ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذا جاهل بمذهب السلف. المحذور الثاني: أنه مجهّل للسلف، يعني: نسبهم إلى الجهل، وأنهم قد خوطبوا بكلام لا يفهمون معناه. المحذور الثالث: أنه كاذب على السلف؛ لأنه نسب إليهم شيئاً لم يقولوه ولم يعتقدوه وهو التفويض بالمعنى، فإنهم لا يفوضون المعنى وإنما يفوضون الكيف، وهم قد خوطبوا بكلام يفهمون معناه.

стр. 254

حكم المسائل العلمية التي تنازع فيها المجتهدون السؤال هل يدخل في حد المشتبهات المسائل العلمية التي تنازع فيها المجتهدون لعدم ظهور أدلتها، أو لقوة الأدلة عند الفريقين، وعدم ظهور مرجح؟ الجواب نعم، هذه تدخل في الأمور المشتبهة التي هي دائرة بين الحِلّ والحرمة، وبين الجواز والمنع، وليس هناك شيء واضح يدل عليه، لكن من علم أو وصل إلى شيء يتبين به الحل أو الحرمة فإنه يعمل بما توصل إليه من الدليل، ومن لم يقف على دليل يفصل فيه أو يميز فيه بين أن يكون حلالاً أو يكون حراماً فالاحتياط هو الترك، كما جاء في الحديث: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).

стр. 255

معنى قوله ﷺ (استفت قلبك وإن أفتاك الناس) السؤال قوله ﷺ : (استفت قلبك وإن أفتاك الناس) هل يجوز على ذلك أن أفعل ما ترتاح إليه نفسي فيما اختلف فيه؟ الجواب لا، الذي اختلف فيه الإنسان يرجع إلى أهل العلم ممن يثق بعلمه ودينه في أمر يعمل به، فإذا أرشده من يثق بعلمه ودينه أخذ به، وأما استفتاء القلب فالمقصود بذلك: أن الإنسان إذا كان سأل عن شيء وأُخبر بأنه حلال، وكان في نفسه شيء منه أو غير مطمئن إليه أو أنه يعلم في هذا الأمر الخاص به ما يجعله غير مطمئن، فإن السلامة في ذلك أن يترك هذا الشيء الذي هو غير مطمئن إليه، مثل أن يكون الإنسان عنده حجة في أمر من الأمور غير مطمئن إليها، فقدمها إلى الحاكم، والحاكم حكم له بها وهو غير مطمئن ولا مرتاح إليها، فإن هذا لا يأخذ بحكم الحاكم ما دام أن عنده الريبة أو الشبهة التي في نفسه، فالاحتياط أنه يترك هذا الأمر المشتبه حتى ولو أفتاه الناس، وهذا مثلما جاء في الحديث: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن حكمت له بحق أخيه وهو يعلم أنه ليس حقاً له فإنما هي قطعة من نار، إن شاء فليأخذها، وإن شاء فليتركها). وهذا لا يعارض القاعدة المشهورة عند العلماء: أن الأصل في الأشياء الإباحة، فالأشياء التي لا يعلم حرمتها الأصل فيها الإباحة، لكن إذا تردد الإنسان في شيء، ولم يكن مرتاحاً إليه، بحيث خشي أن يكون مما هو محرم أو قد يكون فيه شيء، فعليه أن يتنزه عنه، ولا شك أن هذا فيه السلامة.

стр. 256

محل العقل من الإنسان السؤال هل محل العقل هو القلب أم الدماغ؟ الجواب محله القلب، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] فأضاف العقل إلى القلب، ولم يضفه إلى الدماغ.

стр. 257

وجوب تبيين ما أحله الله للناس إذا ظنوا حرمته السؤال هل للإنسان أن يترك ما دل الدليل على حله مخافة الوقوع في عرضه، كأكل لحم الخيل في البلد الذي لا يرى حل لحم الخيل؟ الجواب لا، وإنما عليه أن يبين لهم الحكم الشرعي، وأن يأتي بالدليل الثابت عن رسول الله ﷺ ، أما أن يترك الحلال فهذا معناه أنهم يحرمون هذا الشيء مع أنه حلال، فعليه أن يبين لهم وأن يوضح لهم هذا الحكم الشرعي، وأنه ليس من الحرام، بل هو من الحلال، وقد ثبتت فيها الأحاديث عن رسول الله ﵊.

стр. 258

ضابط العمل بالأحوط السؤال ما هو ضابط العمل بالأحوط، هل هو في كل أمر يشك فيه؟ الجواب نعم، الذي يتردد فيه بين الحل والحرمة فلا شك أن الاحتياط يكون في تركه.

стр. 259

بيع التورق من الأمور المشتبهة السؤال هل بيع التورق من الأمور المشتبهة التي يجب الحذر منها؟ الجواب بعض العلماء يقول: إن ذلك البيع من هذا القبيل، وبعضهم يرى أنه جائز، ولا شك أن الإنسان إذا تنزه عنه فهذا خير له.

стр. 260

حكم من قال إن التصوير من الأمور المشتبهة السؤال يقول بعض الإخوة: إن التصوير من الأمور المشتبهة؛ بسبب أن بعض العلماء أجازوا وبعضهم منعوا، فهل هذا يعتبر من المشتبهات؟ الجواب الدليل معلوم وواضح، وكون بعض أهل العلم رأى أنه من الأمور المشتبهة والإنسان ما دام يرى أنه من الأمور المشتبهة فطريق السلامة الترك، ومن ظهر له أنه حرام وأنه ليس من قبيل المشتبه فهو عنده حرام، وهذا مثل ما لا يعلمه كثير من الناس، والمشتبهات لا يعلمها الكثير من الناس، فمن علم أن الحكم للتحريم فلا يجوز له أن يقدم على فعله، ومن كان متردداً بين هذا وهذا فلا شك أن الاحتياط الترك وعدم الفعل.

стр. 261

حكم ترك الشبهات السؤال إذا دار الأمر بين الحل والحرمة أليس الأولى أن يقال: إن اتقاءه للشبهات في هذه الحال والدافع له على تركها واجب، لا أن الحامل له على ذلك هو مجرد الورع؟ الجواب الرسول ﷺ قال: (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ومعنى ذلك: أنه يسلم دينه من النقص، ويسلم عرضه من النَّيل، لكن كون الإنسان ترك ذلك من أجل أنه بتركه إياه ظفر بالسلامة، وتحقق أن السلامة قد حصلت له فهذا أمر واضح، ثم أيضاً كون الإنسان حصل منه ذلك فلا شك أن هذا من الورع.

стр. 262

حكم تعمد استفتاء بعض المتساهلين مع العلم به السؤال من سأل أو استفتى عالماً معروفاً بالتساهل في الفتوى فهل يكون السائل قد استبرأ لدينه وعرضه؟ الجواب إذا كان يعرف أنه متساهل وليس مطمئناً إليه، وإنما سأله من أجل أن يبرر له الشيء الذي يريد، فكون الإنسان يتتبع الرخص ويبحث عنها فهذا يؤدي به إلى الهلاك، كما يقول بعض العلماء: من تتبع الرخص تزندق. لأنه إذا عرضت له المسألة ويعرف أن فلاناً الفلاني يحلها فذهب يسأله ولا يسأل غيره، فيسأل هذا فيما يناسبه وهذا فيما يناسبه فمعنى ذلك أنه يتوصل إلى الأشياء التي تهواها وتميل إليها نفسه، فعليه أن يرجع إلى من يثق بعلمه ودينه ويسأله فيما يعرض له، ولا يبحث عمن يتساهل.

стр. 263

بعض القواعد المستنبطة من حديث (إن الحلال بين) السؤال تقول القاعدة: (التابع له حكم المتبوع) و (ما قارب الشيء يأخذ حكمه) يستدلون ويستنبطونها من حديث النعمان بن بشير فما صحة ذلك؟ الجواب ( التابع له حكم المتبوع) هذا فيما يتعلق بالقلب؛ لأن الأعضاء تابعة والقلب متبوع، وبصلاح القلب الذي هو المتبوع يصلح التابع وهي الأعضاء. وقاعدة (ما قارب الشيء يأخذ حكمه) هذا في قوله: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).

стр. 264

حكم استعمال بعض الأشياء المشكوك فيها من قبل الكفار السؤال اختلف الناس في استخدام بعض المشروبات مثل: البيبسي، وبعض المصنوعات مثل: الصابون، ويقولون في هذه الأشياء أنها يستخدم في صناعتها بعض الأشياء المحرمة، وكثير منهم لا يعلم الحقيقة فهل هذا يدخل في المشتبهات؟ الجواب مثل هذا قد يكون بعض الناس يشوش على نفسه وعلى الناس في أن يشك في كل شيء، والأصل في مثل هذا أنه يرجع فيه إلى جهات الاختصاص الذين يحللون ويعرفون أن هذا فيه كذا أو ليس فيه كذا، ولا يكون بمجرد أنه انقدح في نفسه شيء من هذا؛ لأنه من توسع في هذا التحريم وأقدم عليه فإنه يمكن أيضاً أن يتوسع في تحريم كل شيء، فلو جاءه لباس من ألبسة الكفار أو شيء قد صنعه الكفار فإنه يقول: إن الاحتياط أن أغسله لأنني أخشى أن يكون فيه نجاسة! ومعلوم الصحابة كانوا يتبايعون مع الكفار ويشترون منهم اللباس وغيره ولا يعمدون إلى غسله.

стр. 265

حكم شراب الشعير السؤال هل شراب الشعير من المشتبهات وما حكمه؟ الجواب الشيء الذي فيه احتمال الإسكار أو مظنة الإسكار لا يجوز، والشيء الذي ليس فيه ذلك فإنه سائغ، والرسول ﷺ في أول الأمر منع الناس في أن ينتبذوا في أوعية معينة فيها سماكة وغلظ، وأنه قد يبلغ الشيء في داخلها إلى حد الإسكار، فنهى عن الانتباذ فيها كالدُّبّاء والحَنْتَم والنقير والمُزَفَّت كما جاء في حديث وفد عبد القيس، ولكنه في آخر الأمر كما جاء في حديث بريدة بن الحصيب الذي ذكر فيه ثلاثة أموراً فيها ناسخ ومنسوخ، فقال: (كنت نهيتكم أن تنتبذوا في الأوعية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تنتبذوا مُسكراً) يعني: انتبذوا في كلها لكن بشرط ألا تشربوا مسكراً. فما دام أنه لم يصل إلى حد الإسكار فإنه مباح، فسواء انتبذتم في وعاء غليظ أو وعاء رقيق أو خفيف، المهم ألّا تشربوا مسكراً، وقد جاء في حديث بريدة بن الحصيب ذكر ثلاثة أمور، فقال: (وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ألا فادّخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكراً). الخلاصة: أن ما عُرف إسكاره في الكثير منه فإنه يحرم قليله وكثيره، والذي لم يعرف إسكاره أو تحقق بأنه ليس بمسكر فإنه حلال.

стр. 266

حكم اجتناب العطور التي فيها الكحول السؤال هل العطور التي فيها الكحول تعتبر من المشتبهات؟ الجواب نعم، ولا شك أن كون الإنسان يجتنب الأشياء المشتبهة التي فيها الكحول يعتبر من اجتناب المشتبهات؛ لأن الطيب كثير بحمد الله، فالإنسان يأخذ من الطَّيْب الطّيّب، ويترك الشيء الذي فيه شبهة.

стр. 267

حكم أكل اللحم المستورد السؤال ما حكم أكل الدجاج أو اللحم الذي يستورد من الخارج كالبرازيل وفرنسا، والمعروف لديهم أنهم لا يُذكّون مثل هذه الحيوانات، بل يستخدمون طرقاً أخرى مثل الصعق وغيره، وقد أتت من هذه الدول مكتوب عليها: ذبحت بالطريقة الإسلامية، فهل تعتبر هذه المسألة من المشتبهات؟ الجواب الأصل جواز أكل اللحوم التي تأتي من الكفار الذين هم: اليهود والنصارى، فهم أهل كتاب، وأما الوثنيون الذين هم ليسوا أهل كتاب فلا يجوز أكل ذبائحهم، وإنما أحل لنا طعام أهل الكتاب، فهو حلال لنا إلا إذا علمنا بأن الذبح يكون بطريقة غير شرعية، وإلا فالأصل هو الحل، وحتى المسلم نفسه لو ذبح بطريقة غير شرعية كالخنق أو نحوه فلا تحل ذبيحته، فالكافر إذا عُلم بأنه يحصل منه هذا الأمر المحرم الذي حرمه الإسلام فهي لا تحل، لكن إذا لم نعرف ذلك فإننا نأكل من هذه الأشياء التي جاءتنا منهم. وهم يقولون: إن الصعق أو الضرب لا يجعلها تموت وإنما يخدرها، مثل: الإنسان إذا ضُرب أو أعطي بنجاً وتخدر، فإنه لم يمت، بل هو حي، فهذا الضرب أو الصعق الذي يعطونها إياه إذا كان يؤدي إلى أنها تموت فإنها حرام، وأما إذا حصل ضربها بحيث ينهي قوتها وشدتها التي يخافون منها والحياة لا تزال موجودة فيها ثم ذبحوها وهي حية، فإن الذبيحة في هذه الحال تكون حلالاً. ثم هناك أمر آخر: وهو أنه ما دام أن هناك الآن الدجاج الوطني الذي يطمع أن يكون موجوداً، وهذا الدجاج الذي يأتي من الخارج موجود، وكل منهما حلال، إلا أن الإنسان ينبغي له أن يقدم الدجاج الوطني الذي قد ذبح في البلاد الإسلامية، وفي ذلك فائدتان: الفائدة الأولى: كونه مطمئناً إلى هذا. الفائدة الثانية: أنه تسويق للسلع التي تكون من الداخل، وأنها أولى مما يأتي من الخارج، ما دام أن عندنا شيئين: شيء من الداخل، وشيء من الخارج، فاستعمالنا لما في الداخل أولى من استعمال ما يأتي من الخارج. مثل: أن الله أحل لنا نكاح الكتابيات، لكن المسلمة أولى من الكتابية، مع أن الكتابية حلال وليست بحرام، لكن أيهما أولى: أن يتزوج المسلم مسلمة أو يتزوج كتابية؟ الجواب: يتزوج مسلمة حتى ولو كان الزواج من الكتابية حلالاً، وكذلك أيضاً لحم الدجاج الذي يكون من الداخل والخارج، فالذي من الداخل أولى؛ لما فيه من الاطمئنان، ولما فيه أيضاً من تشجيع السلع الداخلية وتسويقها، وكونها تنفق ويحصل عليها إقبال، وفي ذلك تشجيع لوجود مثل هذه الأشياء التي تهيأ في الداخل، ومما ينبغي أن يستغنى فيه عن الإتيان من الخارج إذا حصل به تغطية لما يحتاجه الناس.

стр. 268

الأصل في اللحوم وما شابهها الحل السؤال من وجد لحماً لا يدري أذُكّي أو لم يُذكَّ، فهل يتركه اتقاءً للشبهات، أم أن الأصل الحل، وهل الأصل في اللحوم الحل أم الحرمة؟ الجواب إذا كانت في بلاد المسلمين وكذلك أيضاً في بلاد أهل الكتاب فالأصل فيها الحل، كما في الحديث الذي فيه أنهم لما كانوا محاصرين في بلد، فرمي بصرّة فيها شيء، فأخذها بعض الصحابة والرسول ﷺ نظر إليه، فجعل يضحك، فهذا يدل على أنها حلال، وأن الأصل فيها الحل، ما دام أنه من المسلمين أو من أهل الكتاب، إلا إذا علم الحرمة.

стр. 269

الشبهات طريق إلى الحرام السؤال كيف يكون الجمع بين أول الحديث وآخره، حيث وإن في أوله ذكر المشتبهات، وهي كما ذكرتم إما حلال وإما حرام، وفي آخر الحديث ذكر أن الوقوع في الشبهات وقوع في الحرام، فهل هو جزم بالوقوع في الحرام؟ الجواب لا، هذا معناه أنه يؤدي إليه، وقد يقع الإنسان في المشتبه ولا يقع في الحرام، لكن من تساهل في المشتبه أداه ذلك إلى الوقوع في الحرام، ومن احتاط لدينه وابتعد عن المشتبه فهو من باب أولى أن يكون أبعد عن الحرام، يقال: وقع في الحرام بالنسبة لما يئول إليه.

стр. 270

معنى حديث: (لا حمى إلا لله ورسوله) السؤال ما معنى حديث: (لا حمى إلا لله ورسوله) وكيف يمكن الجمع بينه وبين فِعْل عمر في أنه حمى الربذة؟ الجواب معلوم أن عمر ﵁ حمى الربذة لإبل الصدقة، ولم يحمها لنفسه، والمقصود بذلك أنه إذا كان الحمى للرسول ﷺ ولمن يقوم مقامه وهو إمام المسلمين، فيحميه لمصالح المسلمين وللشيء الذي فعله من أجله عمر، فلا شك أن هذا مثلما فعله الرسول ﷺ ، حيث كان يحمي لإبل الصدقة، وعمر ﵁ يحمي لإبل الصدقة ولا يحمي لنفسه، وهذا فيه اتباع للرسول ﷺ ؛ لأنه فعل شيئاً للمصلحة العامة، حيث خص مكاناً تكون فيه إبل الصدقة وغنم الصدقة في حمى ولا يتعرض لها، فهذا فيه اقتداء بالرسول ﷺ .

стр. 271

ضابط الأمور المشتبهة التي تجرّ إلى فعل الحرام السؤال ابن رجب ﵀ ذكر أمثلة للأمور المشتبهة مثل: الضب والخيل وغيرها، ومعلوم أن هذه الأمور قد وقع الخلاف فيها، لكن في الحديث (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، فهل الأشياء الممثل بها -وهي المشتبهة- تكون أشياء محرمة بناءً على هذا الحديث؟ الجواب من لم يعلم الحل ولم يقف عليه، وأقدم على فعل شيء لا يعلم حكمه، فمعنى ذلك أنه قد عرض نفسه للوقوع في الحرام، وأما الإنسان الذي عرف الحل فإنه قد خرج من كونه مشتبهاً إلى كونه واضحاً، فتمثيله بهذه المشتبهات لأنها ليست واضحة، ولا يعلمها كل الناس، فليست مثل بهيمة الأنعام، أو مثل الحبوب والرطب والتمر، فهذه لا شك أنها حلال، ولهذا فإن أحد الصحابة ﵃ وأرضاهم -وهو خالد بن الوليد - استأذن الرسول ﷺ في أكل لحم الخيل، حيث كانوا متوقفين فيه، فلما أذن له عُلم أنه حلال، فالإنسان الذي لم يعرف الدليل فهو بالنسبة له يعتبر مشتبهاً، وأما من عرف الدليل فقد خرج من كونه مشتبهاً إلى كونه واضحاً. وقد جاء في الحديث أن من وقع في الشبهات وقع في الحرام، أما المثال ففيه أنه لم يقع في الحرام، بل أوشك أن يقع فيه (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه). وهذا هو توضيح؛ لأن الإنسان الذي حول الحمى يمكن أن يقع فيه، وكذلك الإنسان الذي فعل الأمر المشتبه، الذي ليس بحلال، فمعناه أنه من جنس ذلك؛ لأن هذا يجرّه إلى أن يقع في الأمر المحرم.

стр. 272

حكم الصدقة على أهل البيت في الوقت المعاصر السؤال: هل تحرم الصدقة على أهل البيت في هذا الزمان حيث أنه لا يوجد فيء؟ الجواب ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (فضل أهل البيت وحقوقهم) أن أهل البيت إنما مُنعوا الصدقة؛ لأنهم أُغنوا عنها بما يعطون من الخُمس، فإذا لم يحصل لهم هذا الشيء الذي منعوا من الصدقة من أجله وهم بحاجة إلى ذلك فإن لهم أن يأخذوا من الصدقة؛ لأن الشيء الذي منعوا من أخذ الصدقة من أجله لم يحصل لهم، فلهم أن يأخذوا.

стр. 273

السلسلة الإسنادية في ضرب الأمثال لدى الشيخ السؤال: نقل عنك يا شيخ أن معك سلسلة إسنادية غالباً تأتي في ضرب الأمثال وهي غالباً تأتي عند الأشعريين؟ الجواب جاء في صحيح البخاري حديث أبي سعيد وأبي موسى الأشعري الذي فيه: مثل الجليس الصالح والجليس السوء، وكذلك أيضاً حديث: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم)، وهي بإسناد واحد، وهي كلها أمثلة، هذا الذي في ذهني الآن، ولعل هذا هو الذي نُقل عني، ولا أدري هل ذكرت هذا في الفوائد المنتقاة أو في مكان آخر، لكني أذكر أن فيه إسناد عن أبي موسى الأشعري وهو بإسناد واحد، أوله أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب وينتهي إلى أبي موسى الأشعري وهي تتعلق كلها بضرب الأمثلة. وكذلك حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة). فيمكن أن يرجع إليها في صحيح البخاري وفي فتح الباري الإسنادان اللذان أذكر أنهما من أولهما إلى آخرهما، وكلاهما يتعلق بضرب الأمثلة، لكنها موجودة في هذا الحديث الذي هو في فضل العلم.

стр. 274

حكم قتل المنصرين في بلاد المسلمين السؤال هل يجوز لنا قتل المنصرين الذين يفسدون في الأرض ويدعون إلى غير دين الإسلام الذين هم موجودون في بلاد مختلفة؟ الجواب القتل والاغتيالات لا تأتي إلى المسلمين بخير؛ لأنهم إذا قتلوا شخصاً واحداً يقتل منهم بالأعداد، ولهذا لا يفعل الشيء الذي يجلب الضرر على المسلمين.

стр. 275

حكم الاشتغال بسماع الأناشيد السؤال هل عدم سماع الأناشيد تورعاً محمود أو مذموم؟ الجواب إذا كان المقصود هذه الأناشيد التي يقال أنها أناشيد إسلامية؛ والتي هي مجموعة يأتون ويقفون أمام المكبر ويسجلون أناشيد يتغنون بها، وتكون غالباً يعجب بما فيها من حماس أو ترنيم أو تلحين أو ما إلى ذلك فلاشك أن هذا لا ينبغي أن يقدم عليه الإنسان ولا أن يشغل نفسه به، وإنما عليه أن يشغل نفسه بما يعود عليه بالخير، لاسيما أن بعض الأناشيد يأتون بها على أشياء كلها أماني، وليس لها أساس من الواقع، مثل بعض الأناشيد التي يقولون: الصين لنا والهند لنا والكل لنا، وهم ما عندهم إلا الضياع.

стр. 276

حكم إرث المصحف ونحوه السؤال: هل إذا ترك مصحفاً يعتبر تبعاً للورثة أم يمكن التصدق به؟ الجواب لا شك أن التصدق به هو الأولى، ولكن جميع ما يخلفه الميت يكون تبعاً للورثة، أما إذا وجد الورثة مثل هذه الأمور كالمصحف فإنه لو تصدق به أو أوقف في مسجد أو في مكان يحتاج إليه فلا شك أن هذا هو الأولى، وإلا فالأصل أنه ميراث؛ لأن كل ما يخلفه الإنسان من كتب ومصاحف وغير ذلك فهو مال، والمال ينتقل إلى الورثة.

стр. 277

حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية السؤال ما حكم مقاطعة المنتجات الأجنبية؟ وهل للمقاطعة أصل؟ الجواب هذا يرجع إلى الدولة، وهي التي تقاطع، وإذا قوطعت هي فهل تتحقق المقاطعة؟ أما كون الشيء موجود في البلد فالإنسان يأخذ ما يشاء ويتصرف فيما يشاء، ولا يمنعه من ذلك مانع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 278

شرح الأربعين النووية [١٤] الدين كله مبني على أركان وأعمدة لا يقوم إلا بها، وأساس ذلك كله النصيحة التي بها تتم المحافظة على جميع شعائر الإسلام وأركانه، ولذا كانت النصيحة شاملة لكل طبقات المجتمع، حتى يكون المجتمع متماسكاً متناصحاً متعاوناً على الخير، وبهذا ترسو سفينة النجاة في بر الأمان، وينجو أهلها من غضب الرحمن.

стр. 279

شرح حديث الدين النصيحة الحديث السابع من أحاديث الأربعين النووية: عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم. هذا حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أخرجه مسلم في صحيحه ولم يخرجه البخاري، وإنما ذكره في ترجمة باب على صيغة التعليق، فقال: باب قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). فذكر الحديث كله في ترجمة باب على صورة التعليق، ولم يذكر إسناده، ثم ذكر تحته حديث جرير بن عبد الله البجلي الذي في معناه في الجملة وهو قوله ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم). ولم يورد البخاري الحديث مسنداً في كتابه؛ لأنه ليس على شرطه فهو من رواية سهيل بن أبي صالح وسهيل لم يخرج له استقلالاً، ولكن إيراده وذكره إياه بالتعليق يدل على صلاحيته للاحتجاج. والرسول ﷺ قال: (الدين النصيحة)، وقد جاء في مستخرج أبي عوانة قالها ثلاثاً يعني: كررها، قال: (الدين النصيحة! الدين النصيحة! الدين النصيحة!) وفي النسخة التي شرح عليها الحافظ ابن رجب ذكر ثلاثاً، وهناك في صحيح مسلم الحديث خال من ذكر التكرار، وإنما فيه أنه قال: (الدين النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

стр. 280

منزلة النصيحة من الدين قوله: (الدين النصيحة)، هذه الجملة تدل على عظم شأن النصيحة والاهتمام بها، وكأنها هي الدين، وأن الدين محصور فيها، وهذا يدل على عظم شأنها، وعلى ما جاء في رواية أبي عوانة المستخرج على صحيح مسلم من أنه قالها ثلاثاً، فيكون ذلك زيادة في التأكيد. وبيان عظم شأن النصيحة كونه جاء في هذا اللفظ: (الدين النصيحة)، وكأن الدين هو النصيحة؛ وذلك لشمولها وعمومها. والحافظ ابن رجب قال: إنه يدخل تحت هذه الجملة ما جاء في حديث جبريل من تفسير الإسلام والإيمان والإحسان؛ لأن النبي ﷺ قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسماها ديناً، والنبي ﷺ قال: (الدين النصيحة). إذاً: ما جاء في حديث جبريل يكون داخلاً تحت هذه الجملة، ومعنى الدين النصيحة، أي: أن عماد الدين وأساسه إنما هو النصيحة؛ وذلك لشمولها لتلك الأمور التي أخبر بها رسول الله ﵊، فيدخل في الإيمان بالله كل ما يتعلق بالإيمان، وكل ما يتعلق بالشهادتين، وكل ما يتعلق بما أوجبه الله ، فهي كلمة عامة وجامعة من أجمع الكلام، ونظيرها قوله ﷺ : (الحج عرفة)، مبيناً أهمية الوقوف بعرفة، وأنه الركن الأعظم في الحج، وذلك أن الحج يفوت الإنسان بفواته ولو جاء من أقطار بعيدة، ولو تعب وخسر ما خسر، إذا طلع الفجر من ليلة النحر فإن الوقوف انتهى، والحج قد فات من وصل متأخراً عن هذا الوقت، ومن أدرك هذا الوقت فقد أدرك الوقوف. أما غيره من بقية الأركان مثل: الطواف والسعي فيمكن تداركه ولو بعد مدة طويلة، ولكن الوقوف بعرفة إذا فات الإنسان فاته الحج، ولا مجال لأحد أن يحج وقد انتهى وخرج وقت الوقوف، وذلك بطلوع الفجر من ليلة العيد، لكن يحج في سنة أخرى فهذا الحصر في قوله: (الحج عرفة)، يدل على أهمية هذا الركن. فقوله: (الدين النصيحة)، يدل على أهمية النصيحة وعظيم شأنها، وأن دين الإسلام هو النصيحة؛ وذلك لشموله من كل النواحي التي تتعلق بكل ما يتعلق بالله ، وما يتعلق بكتاب الله ، وما يتعلق بالرسول ﷺ ، وما يتعلق بأئمة المسلمين وولاتهم، وما يتعلق بعامتهم. وقيل: إن النصيحة مأخوذة من نصحت العسل إذا خلصته وإذا صفيته ونقيته من الشمع، حتى يكون عسلاً خالصاً مصفى نقياً، وقيل: إنها من النصح وهي الخياطة تكون بالمنصحة وهي الإبرة؛ وذلك لأن الإبرة يحصل بها لمَّ أجزاء الثوب والقماش حتى يكون ثوباً، وإذا حصل تمزق وتشقق ثم خيط بالإبرة فإنه يضم بعضه إلى بعض، فكذلك النصيحة فيها لم الشعث وحصول الخير والمطلوب في المنصوح ومن حصل له النصح. وقيل: مأخوذة من التوبة النصوح وهي الخالصة الصادقة، فكأن الذنوب تمزق والتوبة تلم الشعث وتزيل ذلك التمزق الذي حصل بسبب الذنوب. فإذاً: النصيحة تشمل ما بين العبد وربه، وما بين العبد والناس، سواء كان هؤلاء الناس حاكمين ومحكومين أو رعاة أو رعية، فهذا يدل على أهمية النصيحة وأن منزلتها من الدين عظيمة، وكأن الدين هو النصيحة.

стр. 281

حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى لما قال الرسول ﷺ : (الدين النصيحة)، بادر أصحاب رسول الله ﷺ بالسؤال لمن تكون النصيحة، وهذا يدلنا على حرصهم على معرفة الحق والهدى، وعلى معرفة السنن ومعرفة أحكام الدين، وذلك بسؤالهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن النصيحة لمن تكون؟ يعني: حتى يقوموا بالتمثيل والتطبيق للشيء الذي أظهر النبي ﷺ عظيم شأنه بحصر الدين فيه وقصر الدين عليه، وهو النصيحة، قالوا: (لمن يا رسول الله؟) هذا يدلنا على عنايتهم وحرصهم، على معرفة الحق والهدى، وهذا هو شأنهم ﵃ وأرضاهم، فإنهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، فكانوا حريصين على استيعاب ووعي ما يسمعونه من رسول الله ﵊، فيعنون في تعليم الدين ومعرفة أحكام الشرع؛ ليتعبدوا الله هم بها ولينقلوها إلى غيرهم، وهم أخص الناس بالدعاء الذي دعا به الرسول ﷺ لمن أخذ سنته وحفظها وأداها إلى من بعده حيث قال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وهم الذين ظفروا بذلك أشد من غيرهم؛ لأنهم المباشرون لسماع ذلك من رسول الله ﷺ حيث يكون من أقواله، وهم المشاهدون لأفعاله وحركاته وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

стр. 282

أدب الصحابة مع الرسول ﷺ إن من كمال تأدب الصحابة مع الرسول ﷺ أنهم عندما سألوه خاطبوه بوصف الرسالة، فقالوا: يا رسول الله! لمن تكون النصيحة؟ فسؤالهم يدل على حرصهم على معرفة الأحكام الشرعية والتفقه في الدين، ونقل الحق والهدى عنه وإيصالها إلى الناس، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: إن ذكر النبي ﷺ بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن. يعني: كونه إذا ذكر الرسول ﷺ وقال: أبو القاسم ﷺ ، بكنيته فهذا حسن، ولكن لو ذكره بوصف الرسالة لكان أحسن، بأن يقول: رسول الله ﷺ ، فهم هنا قالوا: (لمن يا رسول الله؟). ثم إن قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة) يجعل الصحابة ﵃ وأرضاهم يشعرون ويدركون الاهتمام بهذا الأمر؛ لأنه جاء على هذا الوصف الذي هو الحصر، ولهذا بادروا إلى السؤال، ومبادرتهم للسؤال مع وجود الكلام الذي يشعر بالأهمية ويجعلهم يستعدون ويحرصون على معرفة المواطن أو الجهات التي تكون النصيحة فيها، فأجابهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم بالجواب، وأنها لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهي في الحقيقة نصح للإنسان نفسه؛ لأن كونه يحافظ على النصيحة ويأتي بما هو مطلوب منه في هذه الأمور الخمسة فمعنى ذلك أن النصح إنما هو راجع لنفسه؛ لأنه إذا نصح لله وللرسول ﷺ وللكتاب، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهذا العمل إنما وترجع فائدته على نفسه، حيث أتى بما يعود عليها بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 283

معنى النصيحة لله إن النصيحة لله تكون بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والثناء عليه بما يليق بجلاله وعظمته ، وتنزيهه عن كل نقص، وأنه متصف بكل كمال، وكذلك عبادته على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكذلك إثبات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، ثم الامتثال لما جاء عن الله من الأوامر فتفعل، ومن النواهي فتجتنب، ومن الأخبار فتصدق، وأن تكون عبادة الله مطابقة لما جاء بها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكل ذلك داخل وتابع للإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضاً الشهادتان وكل ما هو مطلوب في الدين، ولهذا كما عرفنا الرسول ﷺ لما جاء إليه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبين النبي ﷺ ذلك بهذا الجواب الذي أجاب به جبريل قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعملكم دينكم)، أي: أن هذه الأمور كلها داخلة تحت هذا الدين، وداخلة في مسمى الإيمان بالله .

стр. 284

معنى النصيحة لكتاب الله إن النصيحة لكتاب الله تقوم بتعظيمه وتوقيره واحترامه وتلاوته، وتأمل ما فيه، وتأمل معانيه والاعتبار بما فيه من العبر والعظات، وامتثال أوامره، واجتناب النواهي التي جاءت فيه، وتصديق ما فيه من أخبار، واعتقاد بأنه كلام الله، وأنه منزل منه ، وأنه غير مخلوق، وأن فيه الخير والسعادة لمن أخذ به، وأن من تمسك به ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة، فكل ذلك متعلق به، وكذلك اعتقاد بأنه معجز وفي غاية الفصاحة والبلاغة، وأن فصحاء العرب الذين هم مشهورون بالفصاحة والبلاغة لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله، وهذا يدل على أنه من عند الله جاء به النبي الكريم ﷺ ، وقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وجاء بهذا الكلام المعجز من عند الله ، وبقيت هذه المعجزة مستمرة والتحدي قائماً. ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، كما قال الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقد تحدى أهل البلاغة أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم حصل التنزل في التحدي إلى عشر سور فعجزوا، ثم حصل التحدي في التنزل إلى سورة فعجزوا، وأقصر سورة في القرآن هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] و ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام بهذا المقدار الذي هو أقصر سورة التي تأتي في سطر أو سطر ونصف. وهذه المعجزة ليست كمعجزة الأنبياء السابقين التي هي وقتية والتي لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، مثل: العصا التي قلبت حية تسعى، ما رآها إلا الذين كانوا في زمن موسى وبعد ذلك لا يعرفون عنها إلا أخبارها، وكذلك عيسى وكونه يحصل منه إبراء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، هذا شاهده من شاهده في زمانه، وأما معجزة نبينا محمد ﵊ التي هي القرآن فهي قائمة ومستمرة، وكان ما اشتمل عليه من فصاحة وبلاغة هو مناط إعجاب أهل الفصاحة والبلاغة، مع شدة عداوتهم للرسول ﷺ ، فهذا جبير بن مطعم النوفلي ﵁ قبل أن يسلم، كان سبب إسلامه أنه سمع النبي ﷺ وهو في حال كفره يقرأ بسورة الطور وهو يصلي بالناس، فلما جاء عند قول الله ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، قال: كاد قلبي أن يطير. يعني: من حسن هذا الكلام وإعجازه، ثم أسلم ودخل في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

стр. 285

معنى النصيحة للرسول ﷺ أما النصيحة للرسول ﷺ تكون بالإيمان به وتعظيمه وتوقيره، ومحبته محبة تفوق محبة النفس والوالدين والناس أجمعين، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ وذلك لأن النعمة التي ساقها الله على يديه أعظم من أي نعمة تحصل للإنسان ألا وهي نعمة الهداية على الصراط المستقيم، ودعوتهم إلى ما فيه الخروج من الظلمات إلى النور، فهذه أجل وأعظم النعم التي لا يماثلها نعمة ولا يساويها نعمة، وتكون أيضاً بتصديقه في كل ما يخبر به من أمور غائبة سواء كانت ماضية أو مستقبلة أو موجودة، وكذلك امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذلك أن تكون عبادة الله طبقاً لشريعته ﵊ فيتابع النبي ﵊، كما أنها تكون خالصة لله فتكون أيضاً مطابقة لسنة رسول الله ﷺ ، وهذان هما الشرطان الأساسيان في قبول كل عمل. فإذاً: لا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ . ولهذا يقول شارح الطحاوية: هنا توحيدان لا بد منهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، وتوحيد المرسل وهو الله يقوم بعبادته وإخلاص العبادة له، وتوحيد الرسول بالمتابعة له ﵊؛ لأن العمل لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا كان خالصاً لله، وأن يكون المتبع فيه رسوله الكريم ﵊، وألا يكون العمل مبنياً على بدع ومحدثات ومنكرات، فإنه إذا كان كذلك يكون مردوداً على صاحبه كما مر في حديث عائشة ﵂: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا لفظ متفق عليه كما عرفنا، ولفظ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). كذلك من النصح لرسوله ﷺ النصح لسنته ولما جاء به من الحق والهدى، وذلك يكون بتعلمه والتفقه فيه ونشره وإذاعته وهداية الناس إليه، ودعوتهم إليه وتبشيرهم به، كما قال النبي الكريم ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، لأن هذا داخل تحت النصح للرسول ﷺ ، والعمل على كل ما فيه توصيل أصولها إلى الناس سواء عن طريق التدريس أو عن طريق الكتابة، أو غير ذلك من الوسائل التي توصل هذا الحق إلى الناس.
следующие страницы →