← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى لما قال الرسول ﷺ : (الدين النصيحة)، بادر أصحاب رسول الله ﷺ بالسؤال لمن تكون النصيحة، وهذا يدلنا على حرصهم على معرفة الحق والهدى، وعلى معرفة السنن ومعرفة أحكام الدين، وذلك بسؤالهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن النصيحة لمن تكون؟ يعني: حتى يقوموا بالتمثيل والتطبيق للشيء الذي أظهر النبي ﷺ عظيم شأنه بحصر الدين فيه وقصر الدين عليه، وهو النصيحة، قالوا: (لمن يا رسول الله؟) هذا يدلنا على عنايتهم وحرصهم، على معرفة الحق والهدى، وهذا هو شأنهم ﵃ وأرضاهم، فإنهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، فكانوا حريصين على استيعاب ووعي ما يسمعونه من رسول الله ﵊، فيعنون في تعليم الدين ومعرفة أحكام الشرع؛ ليتعبدوا الله هم بها ولينقلوها إلى غيرهم، وهم أخص الناس بالدعاء الذي دعا به الرسول ﷺ لمن أخذ سنته وحفظها وأداها إلى من بعده حيث قال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وهم الذين ظفروا بذلك أشد من غيرهم؛ لأنهم المباشرون لسماع ذلك من رسول الله ﷺ حيث يكون من أقواله، وهم المشاهدون لأفعاله وحركاته وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

стр. 282

أدب الصحابة مع الرسول ﷺ إن من كمال تأدب الصحابة مع الرسول ﷺ أنهم عندما سألوه خاطبوه بوصف الرسالة، فقالوا: يا رسول الله! لمن تكون النصيحة؟ فسؤالهم يدل على حرصهم على معرفة الأحكام الشرعية والتفقه في الدين، ونقل الحق والهدى عنه وإيصالها إلى الناس، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: إن ذكر النبي ﷺ بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن. يعني: كونه إذا ذكر الرسول ﷺ وقال: أبو القاسم ﷺ ، بكنيته فهذا حسن، ولكن لو ذكره بوصف الرسالة لكان أحسن، بأن يقول: رسول الله ﷺ ، فهم هنا قالوا: (لمن يا رسول الله؟). ثم إن قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة) يجعل الصحابة ﵃ وأرضاهم يشعرون ويدركون الاهتمام بهذا الأمر؛ لأنه جاء على هذا الوصف الذي هو الحصر، ولهذا بادروا إلى السؤال، ومبادرتهم للسؤال مع وجود الكلام الذي يشعر بالأهمية ويجعلهم يستعدون ويحرصون على معرفة المواطن أو الجهات التي تكون النصيحة فيها، فأجابهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم بالجواب، وأنها لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهي في الحقيقة نصح للإنسان نفسه؛ لأن كونه يحافظ على النصيحة ويأتي بما هو مطلوب منه في هذه الأمور الخمسة فمعنى ذلك أن النصح إنما هو راجع لنفسه؛ لأنه إذا نصح لله وللرسول ﷺ وللكتاب، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهذا العمل إنما وترجع فائدته على نفسه، حيث أتى بما يعود عليها بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 283

معنى النصيحة لله إن النصيحة لله تكون بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والثناء عليه بما يليق بجلاله وعظمته ، وتنزيهه عن كل نقص، وأنه متصف بكل كمال، وكذلك عبادته على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكذلك إثبات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، ثم الامتثال لما جاء عن الله من الأوامر فتفعل، ومن النواهي فتجتنب، ومن الأخبار فتصدق، وأن تكون عبادة الله مطابقة لما جاء بها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكل ذلك داخل وتابع للإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضاً الشهادتان وكل ما هو مطلوب في الدين، ولهذا كما عرفنا الرسول ﷺ لما جاء إليه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبين النبي ﷺ ذلك بهذا الجواب الذي أجاب به جبريل قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعملكم دينكم)، أي: أن هذه الأمور كلها داخلة تحت هذا الدين، وداخلة في مسمى الإيمان بالله .

стр. 284

معنى النصيحة لكتاب الله إن النصيحة لكتاب الله تقوم بتعظيمه وتوقيره واحترامه وتلاوته، وتأمل ما فيه، وتأمل معانيه والاعتبار بما فيه من العبر والعظات، وامتثال أوامره، واجتناب النواهي التي جاءت فيه، وتصديق ما فيه من أخبار، واعتقاد بأنه كلام الله، وأنه منزل منه ، وأنه غير مخلوق، وأن فيه الخير والسعادة لمن أخذ به، وأن من تمسك به ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة، فكل ذلك متعلق به، وكذلك اعتقاد بأنه معجز وفي غاية الفصاحة والبلاغة، وأن فصحاء العرب الذين هم مشهورون بالفصاحة والبلاغة لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله، وهذا يدل على أنه من عند الله جاء به النبي الكريم ﷺ ، وقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وجاء بهذا الكلام المعجز من عند الله ، وبقيت هذه المعجزة مستمرة والتحدي قائماً. ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، كما قال الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقد تحدى أهل البلاغة أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم حصل التنزل في التحدي إلى عشر سور فعجزوا، ثم حصل التحدي في التنزل إلى سورة فعجزوا، وأقصر سورة في القرآن هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] و ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام بهذا المقدار الذي هو أقصر سورة التي تأتي في سطر أو سطر ونصف. وهذه المعجزة ليست كمعجزة الأنبياء السابقين التي هي وقتية والتي لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، مثل: العصا التي قلبت حية تسعى، ما رآها إلا الذين كانوا في زمن موسى وبعد ذلك لا يعرفون عنها إلا أخبارها، وكذلك عيسى وكونه يحصل منه إبراء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، هذا شاهده من شاهده في زمانه، وأما معجزة نبينا محمد ﵊ التي هي القرآن فهي قائمة ومستمرة، وكان ما اشتمل عليه من فصاحة وبلاغة هو مناط إعجاب أهل الفصاحة والبلاغة، مع شدة عداوتهم للرسول ﷺ ، فهذا جبير بن مطعم النوفلي ﵁ قبل أن يسلم، كان سبب إسلامه أنه سمع النبي ﷺ وهو في حال كفره يقرأ بسورة الطور وهو يصلي بالناس، فلما جاء عند قول الله ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، قال: كاد قلبي أن يطير. يعني: من حسن هذا الكلام وإعجازه، ثم أسلم ودخل في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

стр. 285

معنى النصيحة للرسول ﷺ أما النصيحة للرسول ﷺ تكون بالإيمان به وتعظيمه وتوقيره، ومحبته محبة تفوق محبة النفس والوالدين والناس أجمعين، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ وذلك لأن النعمة التي ساقها الله على يديه أعظم من أي نعمة تحصل للإنسان ألا وهي نعمة الهداية على الصراط المستقيم، ودعوتهم إلى ما فيه الخروج من الظلمات إلى النور، فهذه أجل وأعظم النعم التي لا يماثلها نعمة ولا يساويها نعمة، وتكون أيضاً بتصديقه في كل ما يخبر به من أمور غائبة سواء كانت ماضية أو مستقبلة أو موجودة، وكذلك امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذلك أن تكون عبادة الله طبقاً لشريعته ﵊ فيتابع النبي ﵊، كما أنها تكون خالصة لله فتكون أيضاً مطابقة لسنة رسول الله ﷺ ، وهذان هما الشرطان الأساسيان في قبول كل عمل. فإذاً: لا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ . ولهذا يقول شارح الطحاوية: هنا توحيدان لا بد منهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، وتوحيد المرسل وهو الله يقوم بعبادته وإخلاص العبادة له، وتوحيد الرسول بالمتابعة له ﵊؛ لأن العمل لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا كان خالصاً لله، وأن يكون المتبع فيه رسوله الكريم ﵊، وألا يكون العمل مبنياً على بدع ومحدثات ومنكرات، فإنه إذا كان كذلك يكون مردوداً على صاحبه كما مر في حديث عائشة ﵂: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا لفظ متفق عليه كما عرفنا، ولفظ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). كذلك من النصح لرسوله ﷺ النصح لسنته ولما جاء به من الحق والهدى، وذلك يكون بتعلمه والتفقه فيه ونشره وإذاعته وهداية الناس إليه، ودعوتهم إليه وتبشيرهم به، كما قال النبي الكريم ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، لأن هذا داخل تحت النصح للرسول ﷺ ، والعمل على كل ما فيه توصيل أصولها إلى الناس سواء عن طريق التدريس أو عن طريق الكتابة، أو غير ذلك من الوسائل التي توصل هذا الحق إلى الناس.

стр. 286

معنى النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم أما النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم فالولاة يكون النصح لهم بالسمع والطاعة لهم بالمعروف، ويكون بدلالتهم على الخير والتعاون معهم على البر والتقوى، وإرشادهم إلى ما ينبغي إرشادهم إليه مما يحصل تنبيههم عليه ولفت أنظارهم إليه، وكذلك الدعاء لهم وترك الخروج عليهم ولو حصل منهم الجور، وكذلك تعليم الناس وتوجيههم إلى السنة الدالة على أنه يجب ويتعين مناصحة الولاة والدعاء لهم، وألا يخرج الإنسان عليهم، وألا يؤلب الناس عليهم، وألا يأتي بالأمور التي تهيج الناس عليهم وتفسد قلوبهم عليهم، وإنما يسعى لجمع القلوب عليهم والدعاء لهم وعدم الدعاء عليهم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، ولهذا جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وعن الفضيل بن عياض ﵀ أن كلاً منهما قال: لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان؛ لأن السلطان إذا صلح يحصل بصلاحه الخير الكثير، وإذا فسد يحصل بفساده الشر الكثير. يعني: يكون بصلاحهم إظهار أمر الدين وإظهار الشرع وقمع أهل الفساد وإقامة حدود الله، وإقامة شرع الله، ويكون الإحسان إلى الناس ووصول الخير لهم، فينبغي أن يدعو لهم المسلم بالصلاح والتوفيق والتسديد، وأن يمكنهم وأن يوفقهم الله لكل ما فيه رفعة الإسلام وإعلاء شأن المسلمين، كل هذا من الأمور التي تجب للولاة على الرعية. أما النصح لعامة المسلمين وهم الرعية يكون ذلك بإرشادهم وتعليمهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودلالتهم على الخير، وأن يحب الإنسان لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). وقال ﵊: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله وباليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) يعني: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة عليه أن يعامل الناس معاملة طيبة، ويدخل في ذلك تعليمهم وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والحرص على إيصال الخير إليهم، ودفع الأذى عنهم، فيصل إليهم خيره ويندفع عنهم ضرره، فيكون نصيبهم منه الفائدة والمصلحة مع سلامتهم مما يكون فيه من شر.

стр. 287

كلام ابن الصلاح فيما يتعلق بالنصيحة ذكر العلماء وفصلوا فيما يتعلق ببيان هذه النصيحة، ولمن تكون هذه النصيحة، ومن أحسن من جمع الكلام في هذه النصيحة كلام لـ أبي عمرو بن الصلاح في كتاب له يتعلق بصحيح مسلم، وقد نقله الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، فنقرأ كلام أبي عمرو بن الصلاح في ذلك وهو في آخر شرح هذا الحديث. قال أبو عمرو بن الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلاً، فالنصيحة لله تعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه. والنصيحة لكتابه الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه. والنصيحة لرسوله الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة علومها ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك. والنصيحة لأئمة المسلمين وبمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم برفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق. والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه وما شابه ذلك. هذا كلام مختصر وواضح في بيان هذه الأمور الخمسة، والعلماء تكلموا فيها بألفاظ متقاربة كما هو معلوم، كلها ألفاظ وعبارات تدور في شيء واحد وتتعلق بشيء واحد، فاختلفت العبارات والمعنى واحد، ولكن هذا الكلام الذي نقله الحافظ ابن رجب هو من أخصر وأجمع الكلام فيما يتعلق ببيان هذه الأمور الخمسة التي اشتمل عليها حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه، وأنا ذكرت في كتاب: قطف الجنى الداني فيما يتعلق بطاعة ولاة الأمور، وقد ذكر ذلك ابن أبي زيد في جملة مسائل العقيدة، فأنا نقلت نقولاً عديدة عن العلماء تتعلق بنصب الولاة وبما يتعلق بالولاة من النصيحة لهم، وأن السنة جاءت بذلك في أحاديث عديدة، ومن بين ذلك هذا الحديث الذي هو حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁.

стр. 288

الأسئلة

стр. 289

النصيحة للسنة النبوية السؤال هل يشمل النصح للرسول ﷺ النصيحة لسنته؟ الجواب نعم، نحن قلنا: إن من النصح للرسول ﷺ النصح لسنته، وذلك بتعظيمها وتعلمها وتعليمها ونشرها ودعوة الناس إليها، كل هذا داخل تحت النصح للرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﵊ بعثه الله بالحق والهدى، والعناية بالحق والهدى الذي جاء به هو من النصح له ﷺ ؛ لأن الله تعالى بعثه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتبصيرهم بالطرق التي توصل إليه، كما قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. فمن النصح له النصح لسنته، وسنته هي الأحاديث والآثار المروية عنه ﵊، فهي التي يجب تعظيمه فيها ويجب الحرص عليها وإشاعتها، وحث الناس على تعلمها وتعليمها والتفقه فيها والعمل بها؛ لأن هذا هو المقصود من الرسالة، يعني: المقصود من الرسالة العلم والعمل، كون الإنسان يعلم الحق ويعمل به، كما قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].

стр. 290

حكم التكني بالأنثى السؤال هل في حديث أبي رقية (الدين النصيحة) دليل على من ينكر التكنية بالأنثى؟ الجواب معلوم أن التكني إنما يكون بالأكبر من الأولاد، كما جاء في حديث أبي شريح الذي كان يكنى بـ أبي الحكم، فقال له ﷺ : (هل لك من ولد؟ قال: نعم، فقال: من هم؟! قال: فلان وفلان وشريح قال من أكبرهم؟ قال: شريح، قال: أنت أبو شريح)، فكناه بالأكبر، لكن إذا كان الإنسان ليس عنده ذكور وكنى نفسه ببنت من بناته ليس في ذلك مانع، لكن كونه يتكنى بأنثى ويترك الأولاد هذا فيه محذور؛ لأن الرسول ﷺ أرشده إلى أن يتكنى بالذكور وبأكبر الذكور، وقد يتكنى الإنسان قبل أن يولد له. فالحاصل أنه في الأصل لا محذور فيه، وإنما المحذور أن يترك البنين ويتكنى بالإناث.

стр. 291

وجه دخول العلماء والأمراء في النصيحة لأئمة المسلمين السؤال ألا يمكن تفسير: (أئمة المسلمين) في الحديث كما فسر في الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فيدخل فيهم العلماء والأمراء؟ الجواب لقد ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره أن من العلماء من فسر ولاة الأمر بالعلماء والأمراء، ومنهم من فسرها بالعلماء فقط، ومنهم من فسرها بالأمراء فقط، ولاشك أن العلماء ولاة الأمر والمرجع فيما يتعلق بأمور الدين وبيان أحكامه، وأما ولاة الأمر الذين هم الأمراء فهم المناط بهم التنفيذ والتطبيق للأحكام، ولهذا يسمع لهم ويطاعوا في حدود المعروف، وأما العلماء فإنهم المرجع في بيان أحكام الشرع وفيما يتعبد الله به، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]، الذين هم العلماء، وكما قال النبي ﷺ : (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، ولهذا الرسول ﷺ يورث عنه العلم ولا يورث عنه المال، والموفق هو الذي يحرص على أن يكون له نصيب من هذا الميراث الذي هو العلم النافع، وهذا من أعظم الشرف الذي يحصل للعلماء أن يحصل لهم هذا الوصف، وأنهم وارثو الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ بعثه الله بالحق والهدى، وهذا الميراث هو الحق والهدى. فحديث أبي الدرداء المشتمل على خمس جمل كلها تدل على فضل العلم، وآخرها هذه الجملة، وقد شرحها ابن رجب ﵀ في جزء لطيف، وابن رجب ﵀ له أجزاء حديثية يتكلم فيها على حديث معين في جزء، فيذكر ما فيه من الآثار، وهذه طريقة ابن رجب في شرح الحديث أنه يعنى بالآثار كما في كتاب (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم) فإنه اعتنى بالآثار رحمة الله عليه، وقد شرح حديث أبي الدرداء هذا الذي فيه: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، ولهذا فإن سائر الناس الذين هم غير الأنبياء يجمعون المال ويرثه عنهم أقرباؤهم، وأما الرسل والأنبياء فإنهم لا يورث عنهم المال بل المال يتركونه صدقة، كما قال ﵊: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) ولكن ميراثهم العلم النافع، كما جاء في هذا الحديث: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً)، فالأنبياء إنما جاءوا بالحق والهدى، فميراثهم مبذول لكل من أراده وليس لأحد دون أحد، فمن أراد نصيبه من هذا الميراث فالباب مفتوح، لا يحول بينه وبينه شيء، وإنما يعزم ويتوكل على الله ويقبل ويجد ويجتهد، والميراث أمانة.

стр. 292

كيفية النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء السؤال كيف تكون النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء؟ الجواب النصيحة للعلماء تكون بمحبتهم والدعاء لهم وتوقيرهم، والاستفادة من علمهم، والرجوع إليهم في أمور الدين، وعدم الولوغ في أعراضهم؛ لأن الولوغ في أعراضهم ليس كالولوغ في أعراض سائر الناس، كما قال ابن عساكر: إن لحوم العلماء مسمومة. يعني: أن الإنسان الذي يقع فيهم إنما يقع في الهلاك وما فيه الضرر، فتوقيرهم واحترامهم والرجوع إليهم وإرشاد الناس إلى الاستفادة من علمهم، وعدم قطع الطريق التي توصل إلى الاستفادة منهم، كل ذلك من النصيحة لعلماء المسلمين.

стр. 293

معنى كلام ابن رجب في النصيحة لرسول الله السؤال يقول ابن رجب في النصيحة للرسول ﷺ : وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه؟ الجواب كما هو معلوم فيما يتعلق باللباس الأمر فيه واسع، والرسول ﷺ كان يلبس الألبسة المختلفة، فيلبس القميص ويلبس الإزار ويلبس الرداء، والأمر في ذلك واسع.

стр. 294

حكم النصيحة للمبتدع السؤال ما حكم النصيحة للمبتدع؟ الجواب النصح لمن أخطأ سواء في اعتقاد أو عمل مطلوب، وذلك ببيان خطئه فيما يتعلق بالعقيدة والنصح له وتوجيهه وإرشاده، وبيان الحق الذي هو خلاف ما هو عليه، وحثه على الالتزام والرجوع إلى الحق، وعدم التمادي في الباطل، فهذه هي النصيحة التي تكون للمبتدع إذا كان يرجى رجوعه، أما إذا كان من الموغلين في البدع، ومن المحاربين للسنة والجماعة والمناوئين لهم، بل يكفرون من يكون عليها ويعتبرون أنه ليس على حق، فهؤلاء الواجب المباعدة منهم وعدم مخالطتهم، وبغضهم من أعظم ما يتقرب به إلى الله ، مثل بعض فرق الضلال الذين يحصل منهم النيل من السنة وأهلها؛ لأنها تتلقى العلم على وجه يختلف عن تلقيها الذي يكون من أهل السنة، بل يكون لتلقيها شيء آخر لا يتفق مع أهل السنة ولا علاقة له بالسنة، فمثل هؤلاء الواجب الحذر منهم والبعد عنهم، وبيان شدة ما هم عليه من الخطأ حتى يحذرهم الناس ولا يغترون بهم.

стр. 295

ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع من النصح لعامة المسلمين السؤال هل يدخل في النصح لعامة المسلمين ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع والتحذير من مناهجهم؟ الجواب نعم، يدخل من النصح للمسلمين بيان البدع والرد على أهلها، ولكنه إذا كان الخطأ من أهل السنة، فإنه يجب أن يختلف الرد عن المحاربين للسنة والمناوئين لها، فيكون برفق ولين وحرص على هداية ذلك المردود عليه، وشفقة عليه، مع رغبة وحرص على أن يستفيد وأن يرجع، ولكن لا ينصرف الإنسان عن كل ما ينبغي أن يكون عليه، إلى أن يكون شغله الشاغل ذلك المردود عليه، فالإنسان يرد وينتهي ويشتغل بالعلم وتعلمه ونشره والتأليف فيه ودعوة الناس إليه، أما الانشغال بمتابعة المردود عليه فهذا لا يعود على ذلك الذي أشغل نفسه بالخير، ولا يعود أيضاً على غيره بالخير، بحيث يشغل نفسه بعمل يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع العظيم والعميم.

стр. 296

الدين النصيحة من جوامع الكلم السؤال هل من الممكن أن يقال: الدين النصيحة كقوله: الدعاء هو العبادة؟ الجواب نعم هذا من جنس قول: الدعاء هو العبادة يعني: هذا من الكلمات الجامعة مثل قوله ﷺ : (الحج عرفة) ومعناه: أن هذا الدعاء يدل على عظم شأنه بالعبادة وكأنه هو العبادة، مع أن العبادة لها أشياء أخرى غير الدعاء.

стр. 297

العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي لكلمة النصيحة السؤال ما العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة (النصيحة)؟ الجواب معلوم أن المعنى اللغوي مأخوذ من تخليص العسل من الشوائب بحيث يكون خالصاً مصفى، والنصيحة هي السعي للخير إلى المنصوح ودفع الضرر عنه، فيما إذا كان يتعلق مثلاً بأئمة المسلمين وعامتهم، ففيه تصفية الشخص المنصوح وتخليصه لأن يكون على سداد وهدى، وأن يكون سليماً من الشوائب ومن الأشياء التي هي مخالفة للصواب. كذلك المعنى الثاني: مأخوذ من النصح وهو الخياطة، وذلك أن المنصحة يكون فيها لم شتات الثوب والشقوق إلى بعضها حتى يكون الثوب مستقيماً، فكذلك النصح للإنسان والنصح للغير يكون بتسديده وبالعمل على إصلاح الخلل الذي حصل منه، وذلك بحصول السداد والاستقامة فيه، والتطابق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي واضح وجلي.

стр. 298

حكم نصح الذمي السؤال يقول ابن رجب في آخر شرحه: وقال الإمام أحمد ﵀: ليس على المسلم نصح الذمي وعليه نصح المسلم، هل هذا على عمومه؟ الجواب لا، ليس على عمومه، بل نصح الذمي يكون بدعوته إلى الإسلام وترغيبه فيه، وبيان محاسنه، والحرص على هدايته، وأن يخرج من الظلمات إلى النور، وكذلك أيضاً يكون بعدم الغش له، لا يغشه كما أنه لا يغش المسلم، وفي قيام المسلمين بالمعاملة الطيبة التي جاء بها الإسلام وهي الدعوة إلى الإسلام بالأفعال، ومن المعلوم أن الدعوة إلى الإسلام تكون بالأقوال والأفعال، وهي القدوة الحسنة والمعاملة الطيبة، وقد يحصل بكون الإنسان يدعو بفعله ويقصد بمعاملته ما يحصل من وراء ذلك من الانتفاع؛ ليكون ذلك سبباً في قبول من يدعوه ويرشده ويبصره، فالنصيحة تكون للمسلمين والكفار، ومن النصح للكفار دعوتهم إلى الإسلام.

стр. 299

كيفية النصيحة للإمام السؤال كيف تكون النصيحة للإمام خصوصاً إذا كانت امرأة، هل لا بد من طاعتها، مع أن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). الجواب المتسلط ولو كان كافراً ليس أمام الناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا فيما هو معروف، ومن ليس أهلاً للإمامة والولاية إذا أمكن التخلص منه بعدم ارتكاب مضرة أكبر فإن هذا مطلوب، فالكافر إذا تسلط على المسلمين وأمكنهم التخلص منه بأن لا يحصل ضرر أكبر من القيام للتخلص منه فإن ذلك مطلوب؛ لأن الحاكم المسلم لا يجوز الخروج عليه، والكافر إذا تسلط والحاكم المسلم إذا ارتد فإنه يجوز الخروج عليه، لكن لا يجوز الخروج إذا كانوا جماعة قليلين لا يؤبه لهم ولا يستطيعون التخلص من ذلك الوالي، فإن هذا ليس من المصلحة؛ لأن نتيجته راجعة على الخارجين ويبقى الكافر في مكانه، وكذلك المرأة ليست أهلاً للولاية ولا يصلح أن تكون للولاية، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أن تتولى المرأة الولاية، بل من شرط الوالي أن يكون ذكراً ولا يجوز أن يكون أنثى، وكما هو معلوم أن الوالي له أمور لا يمكن للأنثى أن تقوم بها، الوالي هو الذي يصلي بالناس إذا حضر، والمرأة تقف بآخر الصفوف لا تكون إمامة، والمرأة تحتاج إلى محرم إذا أرادت أن تسافر، هكذا الحكم الشرعي، المرأة لا يخلو بها الرجل، ولا تجلس امرأة مع رجل إلا كان الشيطان ثالثهما، ولما ولى الفرس امرأة بعد موت كسرى وبلغ ذلك النبي ﵊، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فالمرأة ليست من أهل الولاية، ولكنها إذا تسلطت فهي أهون من الكافر، والتخلص منها مطلوب لكن بشرط ألا يحصل بالعمل على التخلص منها مضرة أكبر، والكافر نفسه يعامل بهذه المعاملة وكذلك المرأة.

стр. 300

حكم نقل النساء مسافة قصر دون محرم وحكم الجمع في هذا السفر السؤال أنا أقوم بإيصال مدرسات من المدينة إلى السويرقية والمسافة قرابة مائتين وعشرة كيلو متر، فهل يجوز لي جمع الظهر مع العصر طيلة الفترة التي أعمل بها؟ الجواب كان ينبغي له أن يسأل عن حكم إيصال المعلمات قبل أن يسأل عن الجمع، فكأن الحكم عنده مسلم به، وإنما السؤال عن الجمع، فنقول: أولاً هذا العمل الذي يعمله لا يجوز له أن يفعل ذلك؛ لقوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم). هذا هو الحكم الشرعي بالنسبة لهذا، وأما فيما يتعلق بالجمع فكثيراً ما يسأل عن هذا، فكثير من الناس تجده يصل إلى المدينة قبل العصر بمدة، ولكنه يجمع من أجل أن يصل لينام، والمؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح وهو نائم، فهذا لا ينبغي ولا يصلح، إلا إذا كان الإنسان يعلم أنه لا يصل إلا بعد أن تفوته الصلاة أو بعد أن يصلي الناس فليجمع، وأما إذا كان يعلم أنه سيأتي قبل ذلك بمدة ولكنه يريد أن يجمع من أجل أن ينام، فليس له ذلك، وإنما يصلي تلك الصلاة في وقتها، ويصلي العصر في وقتها مع الناس، ما دام أنه يصل بعد الظهر وقبل العصر.

стр. 301

كلام ابن تيمية في امتحان الناس بيزيد بن معاوية السؤال نريد ذكر المرجع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في امتحان الناس بـ يزيد بن معاوية؟ الجواب نعم، هذا الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الثالث من مجموع الفتاوى صفحة (٤١٣)، وهو كلام جيد، وأنا قد أحضرته حتى يقرأ بلفظه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له عن يزيد بن معاوية: والصواب هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن، ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً فالله يغفر للفاسق والظالم، لاسيما إذا أتى بحسنات عظيمة وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية وكان معه أبو أيوب الأنصاري ﵁، فالواجب الاقتصاد في ذلك. هنا قال: الاقتصاد، وفي الأصل الاقتصار، لكن الذي يبدو أنه الاقتصاد، وهو التوسط والاعتدال؛ لأنه قال قبل ذلك: لا يخص بمحبة ولا يلعن، يعني: لا في جانب المدح ولا في جانب الذم، وإنما يعتدل ويتوسط في ذلك. ثم قال: فالواجب الاقتصاد في ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان الناس به، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة. وقال: في الجزء الثالث صفحة (٤١٥): وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ . هذا هو كلام شيخ الإسلام الذي في المجموع.

стр. 302

حكم الدعاء للحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله السؤال الحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله تعالى، هل يدعى لهم ويوقرون ويحترمون وينصح لهم، أم أنهم كفار يدعى عليهم ويبغضون؟ الجواب إذا كانوا يحكمون بالقوانين الوضعية معتبرين أنها أولى وأحسن من الشريعة الإسلامية، أو أن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان، أو أن أحكامها لا تناسب الحضارة المزعومة في هذا العصر، وأن الشريعة إنما صلحت في زمان متقدم وأما الأزمنة المتأخرة هذه لا تصلح فيها الشريعة، فهذه ردة وكفر بالله وخروج من الدين، وأما إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله مبنياً على احترام الشريعة وتوقيرها، وكون الإنسان يعلم بأنه مخطئ، وأنه يحب أن يطبق الشريعة أو يسعى إلى أن يطبقها فهذا كفر دون كفر، وعلى كل حال: فالدعاء يكون للجميع بالهداية.

стр. 303

حكم النصيحة علانية السؤال متى تكون النصيحة علانية؟ الجواب النصيحة في الأصل تكون سرية؛ لأن الإنسان هو نفسه لا يحب أن ينصح علانية، ولكن إذا حصل أمر فيه مخالفة للسنة وظهر وصارت المصلحة في إظهاره فإنه يكون علانية، مثل ما حصل من أبي سعيد الخدري مع مروان لما جاء يوم العيد وقدم الخطبة على الصلاة وصعد المنبر، وكان أبو سعيد يظن أنه قد نسي أو غفل؛ لأن العيد كما هو معلوم لا يأتي في السنة إلا مرتين، فقد يغفل الإنسان عن أيهما يقدم، فظن أنه نسي أو كذا فسحبه؛ فعلم أنه متعمد فتركه وجلس ولم ينصرف، قال الحافظ ابن حجر في شرحه في فتح الباري قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا حصل غير موافق للسنة فإنه يمكن للإنسان أن يبقى وألا يترك، لأنه ليس بواجب، ولهذا بقي ولم يخرج من المكان ويترك الصلاة، فهذا دليل على أن مثل ذلك أنه إذا بذلت ووجهت النصيحة فالإنسان لا يترك ذلك الشيء الذي هو مشروع؛ بسبب أنه حصل فيه أمر مخالف للسنة.

стр. 304

حكم مناصحة ولاة الأمر على المنابر والجرائد والمجلات السؤال هل تجوز مناصحة ولاة الأمر على المنابر أو الجرائد والمجلات وغيرها من المحافل العامة، حيث يستدل بعض الناس بفعل العز بن عبد السلام وكذلك فعل ابن تيمية مع جنكيز خان أو نائبه؟ الجواب أولاً كل إنسان يعرف من نفسه أنه لا يحب أن ينصح علانية، والحافظ ابن رجب ذكر في آخر الكلام عن هذا الحديث، قال: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سراً حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير. ويوضح هذا تماماً كون الإنسان ينظر إلى نفسه ويقيس الناس على نفسه، وأنه يحب أن يعامله الناس معاملة طيبة، فإذا كان هذا الإنسان الذي ينصح على المنابر إذا حصل منه خطأ لا يحب أن يتكلم عليه في حضرة الناس. إذاً: فهو يعامل الناس مثل ما يحب أن يعاملوه به، والرسول ﷺ قال: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، لا يكون شأنه مثل المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. إذا كان الحق له يريد أن يصل إليه كاملاً، وإذا كان لغيره لا يعطيه إياه كما يحب أن يعطى هو، وكذلك الحديث الذي فيه: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات)، (منع وهات) يعني: يريد الشيء لنفسه ولكن لا يريد أن يعطيه لغيره. فإذاً: النصح بهذه الطريقة لا يأتي بخير وإنما يأتي بشر، كما أن الإنسان نفسه لو أنه نصح على المنبر ما استفاد من هذه النصيحة بل عمل كل ما يمكنه في إدخال الأذى إلى هذا الناصح الذي فضحه على المنبر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 305

شرح الأربعين النووية [١٥] بالقيام بأركان الإسلام تحقن الدماء، وتحفظ الأموال، وتصان الأعراض، وتبقى الأخوة، وبترك أركان الدين أو جحودها تسفك الدماء، وتهدر الأموال، وتستباح الأعراض، وتنتفي الأخوة، فالإسلام كرامة للمؤمن وعز له واستعلاء على الكافر وإذلال له.

стр. 306

شرح حديث (أمرت أن أقاتل الناس) الحديث الثامن من الأربعين النووية: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، رواه البخاري ومسلم.

стр. 307

الشهادتان ومكانتهما من الإسلام هذا حديث عظيم من أحاديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. فقوله ﷺ : (أمرت)، هذه الصيغة من النبي ﵊، يكون الآمر له فيها هو الله ، لأنه لا آمر للرسول ﷺ إلا الله، فإذا قال النبي ﷺ : أمرت بكذا أو نهيت عن كذا فالذي أمره ونهاه هو الله ، أما إذا قال أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فالآمر والناهي لهم هو رسول الله ﷺ ، ومن المعلوم أن أمر الرسول ﷺ ونهيه هو من عند الله، لأن السنة هي من عند الله كما أن القرآن من عند الله؛ لكن الذي يخاطبهم بذلك هو رسول الله ﷺ . وقوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وهذا يدل على أنهم يدعون إلى الإسلام، وإذا لم تحصل الاستجابة بالدعوة وبالكلام فإنه ينتقل إلى القتال، ولفظة (حتى) للغاية، فالقتال ينتهي بهذه الغاية، وهي كونهم يأتون بالشهادتين، ويأتون بالصلاة والزكاة. ثم الحديث بدأ فيه بالشهادتين، وذلك أن الشهادتين هما الأساس وهما المدخل والمفتاح، وقد جاء عن النبي الكريم ﵊ أنه كان أول ما بعثه الله يأتي إلى العرب في أماكن اجتماعهم، ويقول لهم: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) فالدعوة أول ما تكون إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله ، ولهذا بدأ بالشهادتين قبل ذكر غيرهما، وذلك أنهما هما الأساس الذي يبنى عليهما غيرهما، وأي عمل لا يكون نافعاً ولا يكون مقبولاً إلا إذا كان مبنياً عليهما. وفيه أيضاً التلازم بين الشهادتين وأنه لا بد من كليهما، فيجب على كل إنسي وجني من حين بعثته ﵊ إلى قيام الساعة الإتيان بهما، لا ينفعه دين ولا يستقيم له أمر إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وأهل الكتاب لا ينفعهم إيمانهم بنبيهم الذي ينتسبون إليه ما لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، فاليهود المنتسبون إلى موسى والنصارى المنتسبون إلى عيسى لا ينفعهم إيمانهم بموسى ولا إيمانهم بعيسى بعد بعثته ﷺ حتى يؤمنوا بمحمد ويتبعوه، ولا يتابعوا أحداً ممن كانوا قبله بعد بعثته؛ لأن شريعته نسخت كل الشرائع، ولهذا قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار). وذلك أن اليهود والنصارى من أمة الدعوة، أي الذين توجه إليهم الدعوة ويطلب منهم الدخول في الإسلام، ورسالة الرسول ﷺ عامة الناس جميعاً، بل هي إلى الثقلين الإنس والجن، لا يسع أحداً الخروج عن هذه الشريعة وعدم الدخول فيها، ولا ينفع أحداً أن يكون تابعاً لنبي من الأنبياء بعد بعثته ﵊، ولهذا جاء عن النبي ﵊ أنه قال في موسى الذي يزعم اليهود أنهم أتباعه: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) وأخبر ﵊ أن عيسى الذي يزعم النصارى أنهم أتباعه، سينزل في آخر الزمان، ويحكم بهذه الشريعة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ولا يحكم بالإنجيل الذي أنزله الله إليه لأنه قد أمر بهذه الشريعة وهي شريعة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. فإذاً: لا بد من الشهادتين، الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه محمد ﵊ بالرسالة، وهما شهادتان متلازمتان لا بد منهما جميعاً، ولا بد مع شهادة أن لا إله الله من شهادة أن محمداً رسول الله، ولا يكتفى بواحدة عن الأخرى، بل يتعين الإتيان بهما جميعاً، وذلك أن الرسالة عامة لكل أحد من حين بعثته ﵊ إلى قيام الساعة.

стр. 308

الصلاة والزكاة ومنزلتهما من الإسلام ثم إنه ذكر الصلاة والزكاة فقال: (حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) وهذا يدلنا على أهمية هاتين العبادتين. ذكر الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية، ثم الزكاة لأنها رأس العبادات المالية، ولا يعني ذلك أنه لا يطالب بغيرها، بل هو مطالب به، وإنما اقتصر عليها لأن من أتى بها يسهل عليه أن يأتي بغيرها، فإذا سهل عليه أداء الصلاة، والزكاة، سهل عليه أن يصوم ويحج ويأتي بالأفعال الأخرى من باب أولى، فإنه ذكر ما هو أهم وما هو أولى من غيره، وأن من أتى به فإنه يأتي بغيره، ولا يعني ذلك أن ما لم يذكر في الحديث ليس كذلك، بل كله مهم، وكل ما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي مطلوب ومتعين، ولا بد منه، ولا يقال: إنه يكتفى بهذه عن غيرها. ثم إن الحديث جاء في المقاتلة وهي غير القتل، فإذاً: فالكفار يجاهدون في سبيل الله ويقاتلون على الكفر، ولكنهم يدعون إلى الإسلام أولاً، وإذا لم ينفع الكلام انتقلنا إلى السنان، كما قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥]. فإن هناك كتاباً وجهاداً وقتالاً، فإذا نفع الكتاب ونفعت الدعوة استغني عن القتال ولم يكن هناك حاجة إليه، وإن حصل الامتناع فإنه ينتقل من الدعوة والكلام إلى القتال. ولهذا يقول شيخنا الشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀ حول معنى هذه الآية من سورة الحديد: من لم تقومه الكتب قومته الكتائب، أي: من لم يقومه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والدعوة إلى الله بالكلام، فإنه ينتقل بعد ذلك إلى السنان، وقد جمع الله تعالى بين القوة المعنوية والقوة الحسية في هذه الآية، فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٥]. فالبينات هي الحجة وهذا هو البيان المعنوي، ثم الحسي في قول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥]، فهناك قتال على الإسلام. وإذا وجد الإسلام ولكن حصل امتناع عن أداء الفرائض والواجبات فإنهم أيضاً يقاتلون على ذلك، كما حصل من قتال أبي بكر ﵁ لمانعي الزكاة مع كونهم يصلون، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكنهم امتنعوا عن الزكاة وتأولوا، وقالوا: إن الله يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ [التوبة:١٠٣]، قالوا: فغيره ﷺ لا يقوم مقامه. فـ أبو بكر ﵁ عزم على قتالهم، وكان ﵁ معروفاً باللين والرأفة والرحمة، وعمر ﵁ معروف بالشدة والقوة، ولكن أبا بكر ﵁ في هذا المقام صار أقوى منه، ولما ناظره عمر وراجعه وقال: (كيف تقاتل الناس وهم يقولون لا إله إلا الله؟ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، أنهم يصلون ولكنهم امتنعوا من أداء الزكاة، فمن صلى فعليه أن يزكي، وإذا امتنع من الزكاة، فإن كان هذا الامتناع من قوم لهم منعة وشوكة فإنهم يقاتلون، وأما إذا كان الامتناع من شخص أو أشخاص يمكن أخذ الزكاة منهم من غير قتال، فإنها تؤخذ الزكاة منهم. أي أن الشخص إذا امتنع من الزكاة لا يقتل، وإنما تؤخذ منه قهراً، وإذا امتنع قوتل مثلما حصل لمانعي الزكاة في عهد أبي بكر ﵁ فإنه قاتلهم وقال: (لو منعوني عقالاً كان يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه). يعني: أن الشيء الذي كان موجوداً في زمنه ﷺ لابد أن يستمر بعده، ولابد وأن يوجد بعده، ولا ينتهي الأمر عند زمنه ﷺ ، بل شريعته باقية ومستمرة، والزكاة فرض كما أن الصلاة فرض، فالصلاة أهم العبادات البدنية، والزكاة أهم العبادات المالية، فإذا امتنعوا عن أدائها فإنهم يقاتلون حتى يؤدونها، وإذا كان الامتناع من أشخاص مقدوراً عليهم لم يقاتلوا عليها وتؤخذ منهم قهراً، ويكون بذلك قد حصل المطلوب. فـ أبو بكر ﵁ وأرضاه وقف هذه الوقفة العظيمة، ولما راجعه عمر ولم يكن هناك نص يتعلق بخصوص القتال على منع الزكاة؛ لأنه لو كان عندهم شيء ما احتاج أبو بكر إلى أن يقيس الزكاة التي امتنعوا منها على الصلاة التي يؤدونها، ولم يحتج إلى أن يستدل بالعموم في قوله: (إلا بحقها، قال: والزكاة من حقها). ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: هذا فيه دليل على أن السنة قد تخفى على أكابر الصحابة ويعلم بها من دونهم، ولا يعد ذلك نقصاً أو قدحاً؛ لأنه معلوم أن سنة الرسول ﷺ تؤخذ عنه في مجالسه، ويحضر هذا المجلس من يحضر ويغيب عنه من يغيب، فتأتي السنة عن رسول الله ﷺ في مجلس، ويكون بعض الصحابة الكبار قد غابوا عن ذلك المجلس، ثم يكون قد حضر من هو دونهم. فـ أبو بكر وعمر ﵄ لم يبلغهم الحديث في ذلك، وقد بلغ ابن عمر، وكذلك أبو هريرة، فإنه ذكر الصلاة والزكاة مع الشهادتين؛ ولهذا حصل ما حصل من المناظرة بين عمر وأبي بكر ﵁، فاعتمد أبو بكر على القياس، وعلى الأخذ من العموم في قوله: (إلا بحقها). وبذلك أقدم أبو بكر على ما أقدم عليه، ثم تبين أن الحديث مطابق لهذا الشيء الذي عزم عليه أبو بكر، وأن سنة الرسول ﷺ جاءت بالقتال إلى حصول الشهادتين مع الصلاة والزكاة. ثم إن الحديث يدل على البدء بالأهم فالأهم، فقد بدأ بالشهادتين، ثم ثني بعدهما بالصلاة، ثم ذكر الزكاة، وهذا الترتيب قد جاء في وصية النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما بعثه إلى اليمن، قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم). وهذه الأركان الثلاثة هي التي جاءت في حديث ابن عمر هذا وحديث أبي هريرة في بعض طرقه الذي جاء فيها ذكر الصلاة والزكاة مع الشهادتين. وهذا العموم في المقاتلة مستثنى منه أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، فإنهم إذا أدوا الجزية قبلت منهم، ولم يقاتلوا، وذلك أنهم إذا دخلوا تحت حكم الإسلام كان ذلك من أسباب دخولهم في الإسلام، لأنهم يشاهدون عدل الإسلام، ويشاهدون ما اشتمل عليه الإسلام من الخير، وما فيه من المحاسن؛ فيكون ذلك من أسباب دخولهم بدون أن يقاتلوا؛ لأن المقصود هو الهداية، والدخول في الإسلام. ولهذا جاز للمسلمين أن ينكحوا الكتابيات، ولم يجز للكتابيين أن يتزوجوا المسلمات، وذلك أن الكتابية إذا كانت تحت المسلم كان قواماً عليها، وهي تحت إمرته وولايته، فيكون ذلك سبباً في دخولها في الإسلام، بخلاف العكس. وكذلك جاءت السنة في أهل الكتاب أنها تؤخذ منهم الجزية، وجاءت السنة أيضاً بأخذ الجزية من غيرهم، كما جاء في حديث بريدة بن الحصيب الطويل في صحيح مسلم، الذي يقول فيه: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً)، ثم ذكر في آخره: (الدعوة إلى الإسلام أو إلى الجزية وإلا المقاتلة). فإذن يستثنى من هذا العموم في هذا الحديث أخذ الجزية، فإن من حصل منه ذلك ودخل تحت ولاية المسلمين وحكمهم، فإنه تؤخذ منه الجزية ويمتنع من قتله وقتاله، حتى يكون دخوله تحت ولاية المسلمين وحكمهم، ويرضخ لما هم عليه؛ فيكون ذلك سبباً في دخوله الإسلام وخروجه من الكفر الذي هو عليه إلى دين الله . وكما قلت: إن هذه الصلاة والزكاة، وكذلك الصيام والحج وكل أمر معلوم من الإسلام بالضرورة، من جحده يكون كافراً بإجماع المسلمين، ولكن من امتنع منه ولم يكن جاحداً له، مثل أولئك الذين كانوا يصلون ولكنهم لا يدفعون الزكاة لظنهم أن الحكم يختص بالرسول ﷺ ، وأنهم لا يدفعون الزكاة لـ أبي بكر ﵁ لفهمهم الخاطئ، بأن ذلك إنما هو من خصائص الكريم ﷺ ، فامتنعوا وقوتلوا على ذلك، فكذلك أيضاً غيرها من شعائر الدين، إذا امتنع الناس منها وقاتلوا على امتناعهم فإنهم يقاتلون. ولكن من كان غير جاحد للصيام وغير جاحد للحج وقدر عليه فإنه يعاقب بالحبس وبالعقوبة التي تجعله يقدم على الشيء الذي امتنع منه، إلا أن فرض الحج قد قال بعض العلماء إنه على التراخي، وإن الإنسان يمكن أن يؤخر الحج ثم يحج فيما بعد. والحاصل أن من جحد أمراً معلوماً من الإسلام بالضرورة فهو كافر مرتد عن الإسلام، ومن لم يجحده فإن كان قاتل دونه وحصلت لهم منعة قوتل، وإن لم تكن منعة وأمكن الإلزام بالشيء المطلوب ألزم به من دون قتال.

стр. 309

معنى قوله ﷺ : (إلا بحق الإسلام) وقوله ﷺ : (إلا بحق الإسلام) يدل على أن ما سوى الصلاة والزكاة مما هو حق الإسلام حكمه حكم الصلاة والزكاة، فإن من امتنع من الأمور الواجبة المتعينة ومن شعائر الدين الظاهرة يقاتل؛ لأن ذلك داخل في حقها. ولهذا ﵁ لما لم يكن عند أبي بكر ذكر الصلاة والزكاة، وكان عنده ذكر الشهادتين وذكر: (إلا بحقها)، قال: إن هذا من حق الإسلام؛ وكان الذين أراد أن يقاتلهم ونوظر من أجلهم كانوا يصلون ولكنهم امتنعوا عن الزكاة لشبهة ولتأويل عرض لهم، فقال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقال: إنه قال: (إلا بحقها)، والزكاة حق المال. وقوله: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقوموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك) يعني: ما تقدم، والذي تقدم هو أقوال وأفعال؛ لأن الأقوال هي الشهادتان، والأفعال هي الصلاة والزكاة. ففي هذا إطلاق الفعل على القول؛ لأن قوله: (فعلوا ذلك) يرجع إلى القول والفعل، وحركة اللسان فعل.

стр. 310

معنى قوله: (وحسابهم على الله) قوله: (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)، يعني: أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادتين، وهؤلاء الذين يشهدون منهم من تكون شهادته في الظاهر والباطن على حد سواء، فيكون صادقاً في إيمانه وإسلامه، ومنهم من ليس كذلك، لكن يقبل منه الظاهر، والسرائر لا يعلمها إلا الله ، فمن شهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله كففنا عن قتاله، مع أنه قد يكون هذا القول صادقاً وقد تواطأ لسانه مع قلبه على ذلك، وقد يكون قال ذلك خوفاً من السيف، فأظهر الإسلام وهو مبطن للكفر كما هو شأن المنافقين، ولهذا قال ﵊: (وحسابهم على الله)، يعني: أن من أتى بهذه الأمور في الظاهر فإنه يكتفى منه بهذا، وأما فيما بينه وبين الله فإن كان صادقاً وكان ظاهره متفقاً مع باطنه فذلك ينفعه عند الله ؛ لأن الله سيحاسبه وسيحصل له الخير، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧]. وإذا كان ظاهره يخالف باطنه، بمعنى أنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وقال ذلك نفاقاً وخوفاً من السيف، فإن هذا كذلك يكف عنه ويعصم دمه وماله بذلك، ولكنه من أهل الدرك الأسفل من النار. ثم إن في قوله ﷺ : (حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله) دليلاً على أن أول واجب على المكلف هو الشهادتان، ولا يطلب منه أمور أخرى قبلها، خلافاً لبعض المتكلمين القائلين إن أول واجب على المكلف النظر، أي أن ينظر في الأدلة وينظر في الكون، ثم بعد ذلك يشهد أن لا إله إلا الله. فنحن نقول: ما دام أنه يعرف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإنه عليه أن يأتي بها ابتداء، ولا يحتاج الأمر إلى أمور تفعل قبل الشهادتين، وقد يؤخر الشهادتين ثم يموت قبل أن يشهد في المدة التي كان مطلوب منه أن ينظر، مثل ما حصل أن النبي ﷺ زار غلاماً من اليهود في مرض موته وعرض عليه الإسلام وكان أبوه جالساً عنده، فنظر إلى أبيه فقال له: أطع أبا القاسم، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم مات، وقال ﵊: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار). فإذاً أول واجب على المكلف الشهادتان، وليس أول واجب أن ينظر ويفكر ويتأمل، فإذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، خرج من الكفر ودخل في الإسلام، وبذلك يخرج من الظلمات إلى النور، ولا يجعل بينه وبين الخروج من الظلمات إلى النور مسافة.

стр. 311

فوائد حديث (أمرت أن أقاتل الناس) والحاصل أن هذا الحديث -حديث عبد الله بن عمر ﵄ حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد كتبت بعض الفوائد حول هذا الحديث فنقرؤها. بسم الله الرحمن الرحيم، الحديث الثامن: [عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)، رواه البخاري ومسلم]. ١ - قوله: (أمرت)، الآمر للرسول ﷺ هو الله؛ لأنه لا آمر له غيره، وإذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله ﷺ . ٢ - لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁، وارتد من ارتد من العرب، وامتنع من امتنع من دفع الزكاة، عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم، بناءً على أن من حق الشهادتين أداء الزكاة، ولم يكن عنده الحديث بإضافة الصلاة والزكاة إلى الشهادتين كما في هذا الحديث. فناظر عمر أبا بكر في ذلك، وجاءت المناظرة بينهما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قال: (لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر العرب، قال عمر بن الخطاب لـ أبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحق وحسابهم على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق). قال الحافظ في الفتح (١/ ٧٦): وقد استبعد قوم صحته، بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله). وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس، إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله. و الجواب أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عن ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضراً له فقد يحتمل ألا يكون قد حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد. ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضاً من قوله ﵊ في الحديث الذي رواه: (إلا بحق الإسلام)، قال أبو بكر: والزكاة حق الإسلام. ولم ينفرد ابن عمر ﵄ بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضاً بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة. وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم؛ ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي ذا على فلان؟ والله الموفق. ٣ - يستثنى من عموم مقاتلة الناس حتى الإتيان بما ذكر في الحديث أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية لدلالة القرآن، وغيرهم إذا دفعها لدلالة السنة على ذلك، كما في حديث بريدة بن الحصيب الطويل في صحيح مسلم وأوله: (كان الرسول ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً)، الحديث. وهذا حديث طويل يتعلق بالجهاد والوصية التي يكون عليها المجاهدون في سبيل الله. وقد أخرجه مسلم في صحيحه وشرحه ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة). وأنا قد أشرت إلى أنه تؤخذ منه الجزية؛ لأن الحديث هذا نفسه فيه أخذ الجزية، فأنا ذكرت أوله وهو حديث طويل، قال: (ادعهم إلى ثلاث خصال فإنهم أجابوك)، وذكر منها الجزية. ٤ - يكفي للدخول في الإسلام الشهادتان، وهما أول واجب على المكلف، ولا التفات لأقوال المتكلمين في الاعتماد على أمور أخرى، كالنظر أو القصد إلى النظر. قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها. ٥ - المقاتلة على منع الزكاة تكون لمن امتنع عنها وقاتل عليها، أما إذا لم يقاتل فإنها تؤخذ منه قهراً. ٦ - قوله: (وحسابهم على الله)، أي: من أظهر الإسلام وأتى بالشهادتين فإنه يعصم ماله ودمه، فإن كان صادقاً ظاهراً وباطناً نفعه ذلك عند الله، وإن كان الباطن بخلاف الظاهر وكان أظهر ذلك نفاقاً فهو من أهل الدرك الأسفل من النار. ٧ - ما يستفاد من الحديث:- - الأمر بالمقاتلة إلى حصول الشهادتين والصلاة والزكاة. - إطلاق الفعل على القول، لقوله: (فإذا فعلوا ذلك)، ومما ذكر قبله الشهادتان، وهما قول. - إثبات حساب الأعمال يوم القيامة. - أن من امتنع من دفع الزكاة قوتل على منعه حتى يؤديها. - أن من أظهر الإسلام قبل منه ووكل أمر باطنه إلى الله. - التلازم بين الشهادتين وأنه لابد منهما معاً. - بيان عظم شأن الصلاة والزكاة، والصلاة حق البدن، والزكاة حق المال.

стр. 312

الأسئلة

стр. 313

نوع قتال الصحابة للمرتدين السؤال إذا حصل القتال من مانعي الزكاة على منعها كما حصلت في عهد أبي بكر ﵁، فهل يكفرون لقتالهم على منعها ويكون قتالهم دليلاً على أنهم جاحدون لوجوبها أو مستحلون لتركها، كما سمى الصحابة ﵃ قتالهم لهم بحروب المرتدين، ولم يفرقوا بين من منعها جحوداً أو منعها بخلاً ما دام الجميع قاتلوا على منعها؟ الجواب كما هو معلوم، الذين قوتلوا منهم من ارتد عن الإسلام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تبع مانع الزكاة ومنهم من تبع مدعي النبوة. ومعلوم أن هذه ردة عن الإسلام، لكن من شهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، ولكن عرضت له شبهة في الزكاة، هل هي من خصائص الرسول ﷺ أم أنها تكون لمن بعده؟ فهذا تأويل؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا ليس كفراً، وإنما هو امتناع من الواجب لشبهة عرضت في ذلك. وبعض أهل العلم ألحق هذا بحروب الردة؛ لأنه حصل منهم الامتناع والخروج على الولاة، وإن كان يعتبر من قبيل البغي والامتناع عن أداء الواجب. ولهذا لو قدر عليهم لأخذت منهم، كالشخص الذي يمتنع ويقدر عليه فإنها تؤخذ منه، ولا يقال إنه كافر، إلا إذا جحد وقال إنها غير واجبة، وهؤلاء فيهم شبهة، لأن الجحود وجد منهم ولكن بفهم خاطئ؛ لأنهم ظنوا أن الحكم إنما هو خاص بالرسول ﷺ ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، قالوا: هذه أمور لا تكون إلا للرسول ﷺ ، ففهموا هذا الفهم الخاطئ، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنهم معذورون في هذا التأويل.

стр. 314

أمر جبريل للرسول ﷺ هو من أمر الله السؤال في مثل قول النبي ﷺ : (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) فمن الآمر هنا؟ الجواب الآمر هو الله، وجبريل مبلغ عن الله، فهو لا يأتي بشيء من عنده وإنما يأتي بالوحي من الله؛ لأنه رسول ملكي فهو واسطة بين الله والرسول البشري؛ لأنه يأخذ الوحي من الله ويأتي به إلى رسول الله ﵊. ولهذا جاء في القرآن الكريم إضافة القرآن إلى جبريل لأنه مبلغ له، كما قال في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩]. وكذلك قال الله في حق نبينا محمد ﵊ في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، يعني: باعتبار أنه مبلغ لا باعتبار أنه منشئ وأن بدايته منه.

стр. 315

توجيه كلام ابن رجب في أن الرسول كان يقبل من الكفار بعض الشروط لدخولهم في الإسلام السؤال نريد توجيهاً لما ذكره ابن رجب، قال: ولم يكن ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد روي: (أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا ألا يزكوا)، ففي مسند الإمام أحمد عن جابر قال: (اشترطت ثقيف على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأن رسول الله ﷺ قال: سيصدقون ويجاهدون). وفيه أيضاً: عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: (أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على ألا يصلي إلا صلاتين فقبل منه)، يقول: كيف يكون هذا؟ الجواب معلوم أن الإنسان الكافر الذي يريد أن يسلم، ولكنه يريد أن يسلم من بعض التكاليف، إذا مكن من الدخول في الإسلام، فإن الأمر يتحول ويتغير ويتبدل إلى كونه يستسلم لأوامر الإسلام، ولما جاء في الإسلام. وكان الرسول ﷺ بناءً على ما جاء في هذه الأحاديث يحرص على الدخول في الإسلام، والإنسان إذا دخل فيه وصار من أهله سهل عليه بعد ذلك أن يأتي بالأمور الواجبة. فكان المقصود أن الرسول ﷺ يقبل منهم ولكن الشرط الفاسد يترك، وذلك أنهم إذا دخلوا سيتغير حالهم، ويكون الإسلام هو غايتهم ومقصودهم ويأتون بالأمور التي يؤتى بها في الإسلام، كما جاء عن أنس: (كان الواحد يسلم يريد الدنيا ثم لا يمسي إلا والإسلام عنده خير من الدنيا وما فيها)، يعني: فكانت لهم مقاصد، ولكن إذا دخلوا في الإسلام تغيرت أحوالهم.

стр. 316

كيفية الجمع بين قوله: (لا إكراه في الدين) وحديث: (أمرت أن أقاتل الناس) السؤال كيف يجمع بين حديث (أمرت أن أقاتل الناس)، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟ الجواب معلوم أن قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، ليس المقصود به أنه لا يوجد جهاد، وإنما الآية لها سبب مر بنا في سنن أبي داود عن ابن عباس قال: كانت المرأة يكون لها ولد فتنظر، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وبهذا يتضح المعنى وأن ذلك لا يتنافى مع الأمر بالجهاد. ثم أيضاً: يمكن أن يكون من معانيها أن الإنسان الكافر إذا قدر عليه لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، لكن إذا دخلوا تحت الدين وأعطوا الجزية فإنهم يتركون؛ وذلك لأنهم إذا كانوا تحت حكم الإسلام كانت هناك وسيلة إلى قبولهم في الإسلام ودخولهم فيه. فالكافر إذا كان مقدوراً عليه وكان بين يدي المسلم، لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، وإنما يبقى تحت حكم الإسلام ويكون له عهد. لكن الممتنعين الذين يريدون أن يقاتلوا المسلمين يقاتلون، وليس معنى قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] أنه لا يقاتل الكفار، فإن الرسول ﷺ غزا الكفار في ديارهم، وأصحاب الرسول ﷺ غزوا الكفار في ديارهم، وذهبوا إلى بلاد الفرس والروم، وذهبوا إلى جهات مختلفة ليقاتلوا في سبيل الله.

стр. 317

حكم من أتى بشيء من الشرك وهو حديث عهد بجاهلية السؤال رجل دخل في الإسلام بالشهادتين، ثم أتى بشيء من الشرك والبدعة بسبب جهله، هل عذره مقبول؟ الجواب يبين له وتقام عليه الحجة، فلابد من إقامة الحجة. لاسيما إذا كان الإنسان حديث عهد بالإسلام فإنه قد يحصل منه شيء من ذلك؛ ولهذا جاء في الحديث أنهم من قبل كانوا يحلفون باللات، مثل: (من حلف فقال في حلفه واللات فليقل: لا إله إلا الله) لأن الناس إذا اعتادوا شيئاً فإنه يجري على ألسنتهم، فطلب ممن وقع منه ذلك أن يأتي بشيء ينسخ ذلك ويعود لسانه على كلمة التوحيد بدلاً من الكلمة التي كان يعتادها، وهي كلمة الشرك. ولهذا جاء في الحديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)، وكانوا حدثاء عهد بالكفر.

стр. 318

توجيه حديث: (أن النبي ﷺ غزا بني قريظة وهم غارون) السؤال كيف يوجه حديث النبي ﷺ : (أنه غزا بني قريظة وهم غارون)؟ الجواب معلوم أن دعوتهم كانت موجودة قبل أن يأتي إليهم، ومعنى كونهم غارين أنهم كانوا في غفلة، فالدعوة إلى الإسلام كانت موجودة من قبل ولكنهم أبوا الدخول فيها.

стр. 319

ثبوت السنة في أخذ الجزية من المجوس السؤال من المعلوم أن المسلمين لا يقبلون من عبدة الأوثان الجزية، فلماذا قبل عمر ﵁ الجزية من المجوس (الفرس)؟ الجواب أنا قلت: إن الكفار غير أهل الكتاب قد جاء في السنة قبول الجزية منهم، ففي حديث عبد الرحمن بن عوف: (أنه أخذ الجزية من مجوس هجر). وفي حديث بريدة بن الحصيب أنه كان إذا جهز جيشاً أو سرية أوصاهم بتقوى الله وبالمسلمين خيراً، وقال: (اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا وليدة، فإن هم طلبوا منك أن تنزلهم على حكم الله)، ثم قال: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، وذكر منها: الجزية).

стр. 320

العلة في مقاتلة من امتنع عن دفع الزكاة مع عدم كفره السؤال إذا كان تارك الزكاة لا يكفر، فلماذا يقاتل إذا امتنع عن دفع الزكاة، والله يقول: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]؟ الجواب القتال لا يكون للكفر فقط، وإنما يكون للكفر ولغير الكفر. والزكاة إذا جحد وجوبها كان ذلك كفراً وردة، وأما إذا لم يجحد الوجوب ولكن لم يؤدها من أجل البخل والطمع في المال، فإن هذا لا يقال له كفر؛ ولهذا جاء في السنة عدم كفر الذي لا يخرج الزكاة إذا لم يكن جاحداً لوجوبها، فإنه قال: (ما من صاحب ذهب أو فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها ظهره وجبينه وجنبه حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). فهذا يدل على أنه يوجد سبيل إلى الجنة، والذي له سبيل إلى الجنة هو المسلم؛ لأن الكافر لا سبيل له إلى الجنة أبداً، فهذا يدل على أنه إذا منعها بخلاً فإنه يعذب بها يوم القيامة حتى يقضى بين العباد، وينتهي إما إلى الجنة وإما إلى النار. والقتال لا يكون للكفر فقط، بل قد يكون للبغي كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهؤلاء متقاتلون ومع ذلك جعلهم إخوة.
следующие страницы →