← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كيفية الجمع بين قوله: (لا إكراه في الدين) وحديث: (أمرت أن أقاتل الناس) السؤال كيف يجمع بين حديث (أمرت أن أقاتل الناس)، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟ الجواب معلوم أن قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، ليس المقصود به أنه لا يوجد جهاد، وإنما الآية لها سبب مر بنا في سنن أبي داود عن ابن عباس قال: كانت المرأة يكون لها ولد فتنظر، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وبهذا يتضح المعنى وأن ذلك لا يتنافى مع الأمر بالجهاد. ثم أيضاً: يمكن أن يكون من معانيها أن الإنسان الكافر إذا قدر عليه لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، لكن إذا دخلوا تحت الدين وأعطوا الجزية فإنهم يتركون؛ وذلك لأنهم إذا كانوا تحت حكم الإسلام كانت هناك وسيلة إلى قبولهم في الإسلام ودخولهم فيه. فالكافر إذا كان مقدوراً عليه وكان بين يدي المسلم، لا يقال له: إما أن تسلم وإما أن أقتلك، وإنما يبقى تحت حكم الإسلام ويكون له عهد. لكن الممتنعين الذين يريدون أن يقاتلوا المسلمين يقاتلون، وليس معنى قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] أنه لا يقاتل الكفار، فإن الرسول ﷺ غزا الكفار في ديارهم، وأصحاب الرسول ﷺ غزوا الكفار في ديارهم، وذهبوا إلى بلاد الفرس والروم، وذهبوا إلى جهات مختلفة ليقاتلوا في سبيل الله.

стр. 317

حكم من أتى بشيء من الشرك وهو حديث عهد بجاهلية السؤال رجل دخل في الإسلام بالشهادتين، ثم أتى بشيء من الشرك والبدعة بسبب جهله، هل عذره مقبول؟ الجواب يبين له وتقام عليه الحجة، فلابد من إقامة الحجة. لاسيما إذا كان الإنسان حديث عهد بالإسلام فإنه قد يحصل منه شيء من ذلك؛ ولهذا جاء في الحديث أنهم من قبل كانوا يحلفون باللات، مثل: (من حلف فقال في حلفه واللات فليقل: لا إله إلا الله) لأن الناس إذا اعتادوا شيئاً فإنه يجري على ألسنتهم، فطلب ممن وقع منه ذلك أن يأتي بشيء ينسخ ذلك ويعود لسانه على كلمة التوحيد بدلاً من الكلمة التي كان يعتادها، وهي كلمة الشرك. ولهذا جاء في الحديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)، وكانوا حدثاء عهد بالكفر.

стр. 318

توجيه حديث: (أن النبي ﷺ غزا بني قريظة وهم غارون) السؤال كيف يوجه حديث النبي ﷺ : (أنه غزا بني قريظة وهم غارون)؟ الجواب معلوم أن دعوتهم كانت موجودة قبل أن يأتي إليهم، ومعنى كونهم غارين أنهم كانوا في غفلة، فالدعوة إلى الإسلام كانت موجودة من قبل ولكنهم أبوا الدخول فيها.

стр. 319

ثبوت السنة في أخذ الجزية من المجوس السؤال من المعلوم أن المسلمين لا يقبلون من عبدة الأوثان الجزية، فلماذا قبل عمر ﵁ الجزية من المجوس (الفرس)؟ الجواب أنا قلت: إن الكفار غير أهل الكتاب قد جاء في السنة قبول الجزية منهم، ففي حديث عبد الرحمن بن عوف: (أنه أخذ الجزية من مجوس هجر). وفي حديث بريدة بن الحصيب أنه كان إذا جهز جيشاً أو سرية أوصاهم بتقوى الله وبالمسلمين خيراً، وقال: (اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا وليدة، فإن هم طلبوا منك أن تنزلهم على حكم الله)، ثم قال: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، وذكر منها: الجزية).

стр. 320

العلة في مقاتلة من امتنع عن دفع الزكاة مع عدم كفره السؤال إذا كان تارك الزكاة لا يكفر، فلماذا يقاتل إذا امتنع عن دفع الزكاة، والله يقول: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]؟ الجواب القتال لا يكون للكفر فقط، وإنما يكون للكفر ولغير الكفر. والزكاة إذا جحد وجوبها كان ذلك كفراً وردة، وأما إذا لم يجحد الوجوب ولكن لم يؤدها من أجل البخل والطمع في المال، فإن هذا لا يقال له كفر؛ ولهذا جاء في السنة عدم كفر الذي لا يخرج الزكاة إذا لم يكن جاحداً لوجوبها، فإنه قال: (ما من صاحب ذهب أو فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها ظهره وجبينه وجنبه حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). فهذا يدل على أنه يوجد سبيل إلى الجنة، والذي له سبيل إلى الجنة هو المسلم؛ لأن الكافر لا سبيل له إلى الجنة أبداً، فهذا يدل على أنه إذا منعها بخلاً فإنه يعذب بها يوم القيامة حتى يقضى بين العباد، وينتهي إما إلى الجنة وإما إلى النار. والقتال لا يكون للكفر فقط، بل قد يكون للبغي كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهؤلاء متقاتلون ومع ذلك جعلهم إخوة.

стр. 321

حكم أهل الأوثان إذا أخذت منهم الجزية السؤال إذا أخذت الجزية من عبدة الأوثان، فهل يقرون على عبادة الأوثان فيبقى الشرك قائماً؟ الجواب النصارى يعبدون الأوثان! وهم الذين قالوا: ﴿اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، فالشرك موجود حتى عند النصارى، وهم كفار ومشركون، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. لكن من أحكام أهل الذمة إذا دخلوا تحت الحكم الإسلامي أنهم يسرون بأفعالهم ولا يظهرونها، فكنائسهم الموجودة يذهبون إليها ويدخلون فيها ويعملون شعائرهم داخلها، ولكن لا يظهرون الناقوس والصليب، فهؤلاء كفار ويعبدون غير الله ويدخلون في كنائسهم.

стр. 322

حكم من لا يصلي ولا يزكي السؤال في مجتمعنا يوجد الكثير من الناس لا يصلون ولا يؤدون الزكاة، فماذا نحكم عليهم؟ وكيف نتعامل معهم؟ الجواب أما ترك الصلاة فإذا كان كسلاً، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من قال بكفره، ومنهم من قال بعدم كفره، والذين قالوا بكفره يستدلون بأدلة تدل على ذلك، منها: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وحديث: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، وكذلك قوله ﷺ في الأمراء: (لا، ما صلوا)، ومعنى ذلك: أنهم إذا لم يصلوا فإنه يجوز أن يخرج عليهم؛ لأن ذلك كفر. وأما منع الزكاة فإن كان جحوداً فهو كفر وردة، وإذا كان منعها بخلاً فإن كان المانع مقدوراً عليه وأمكن أخذها منه بالقوة أخذت منه بالقوة، وإن قاتل دونها فإنه يقاتل كما فعل أبو بكر ﵁ مع مانعي الزكاة.

стр. 323

استمرار دعوة أهل الجزية إلى الإسلام السؤال إذا دعي قوم إلى الإسلام فرفضوا، وقبلت الجزية منهم، فهل يستمر المسلمون في دعوتهم إلى الإسلام أو يتركونهم؟ الجواب يستمرون في دعوتهم؛ لأنهم سيكونون تحت حكمهم وولايتهم، فالمسلمون هم المتولون عليهم، وهم سيشاهدون المسلمين وأحكام الإسلام ولا يتركونهم بدون دعوة.

стр. 324

حكم من يسب الله أو القرآن أو الرسول ﷺ السؤال إذا سمعت شخصاً يسب الله أو القرآن أو النبي ﷺ ، فهل يستتاب أو يقتل مباشرة، علماً أنه عند قوله ذلك مكلف عاقل؟ الجواب هذا الخلاف في الزنديق، هل تقبل توبته أو لا تقبل، وأما كونه كافراً فهو كافر بلا شك، فليس له إلا التوبة أو السيف.

стр. 325

مقاتلة من اجتمعوا على ترك الصيام السؤال إذا كان هناك جماعة لهم منعة وقوة أجمعوا كلهم على ترك الصيام، هل يقاتلون؟ الجواب نعم يقاتلون.

стр. 326

حكم الخروج على الحاكم الكافر أو المرأة السؤال ذكرتم أنه إذا حكم المسلمين من ليس بأهل للحكم واستطاع المسلمون أن يزيلوه دون أن يترتب على ذلك مفسدة أكبر فإنه يجوز لهم ذلك، ومثلتم بالحاكم إذا كان كافراً أو امرأة. وهل هذه قاعدة عامة تشمل الحاكم الفاسق؟ وهل إذا أزلنا المرأة بالشرط المذكور ألا يكون ذلك من باب الخروج على الحاكم المسلم؟ الجواب المرأة ليست من أهل الولاية أصلاً، بل الرسول ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). لكن إذا تسلط الكافر ولم يمكن التخلص منه إلا بضرر أكبر، فإنه يسمع له ويطاع بما هو معروف، يعني: في الأمور التي تتعلق بالتنظيم، مثل تنظيمات المرور والأمور التنظيمية، وإذا أمر بمخالفة الشريعة لا يوافق. وكذلك المرأة إذا تسلطت وقهرت وغلبت، فهي ليست أهلاً للولاية، وقد أجمع المسلمون على أنها لا تكون أهلاً للولاية؛ وذلك لأمور كثيرة لا تناسب المرأة: أولاً: قول الرسول ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). الأمر الثاني: كون الإمام هو الذي يصلي بالناس، والمرأة لا تصلي مع الرجال، بل تكون في آخر الصفوف، كما قال ﵊: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها). ثم أيضاً: الحاكم يحتاج إلى أن يخلو بمن يريد من الناس، والرسول ﷺ يقول: (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). أيضاً: المرأة تحتاج إلى محرم إذا أرادت أن تسافر. فهذه الأمور ليست من أهليتها، ولكن كما أنه إذا لم يقدر على التخلص من الكافر يبقون تحت أمره إذا لم يندفع ضرره إلا بمنكر أكبر، فكذلك يبقون معها، أما إذا كان أمكن التخلص من الكافر بدون ضرر أكبر يترتب على الخارجين، وكذلك على المرأة، فإنه يخرج عليها وعليه؛ لأنها ليست من أهل الولاية.

стр. 327

معنى قول عمر (ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) السؤال ما معنى قول عمر ﵁: (ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق)؟ معناه أن الرأي الذي كان يراه عمر ﵁ قد تغير، ورأى أن هذا الذي رآه أبو بكر وعزم عليه هو الحق، فتغير رأيه إلى أن صار موافقاً لرأي أبي بكر.

стр. 328

المراد بالنظر عند المتكلمين السؤال ما مراد المتكلمين بالنظر الذي جعلوه أول واجب على المكلفين؟ الجواب المراد أن الإنسان يفكر في الأدلة، ويفكر في ملكوت السماوات وغير ذلك من الأشياء التي يقولونها، فهذا قبل أن يشهد.

стр. 329

شرح الأربعين النووية [١٦] دين الإسلام دين الرحمة واليسر، فلم يكلف العبد إلا بما يستطيع، وإذا حصلت على المكلف مشقة فإن الشرع يخفف عنه من التكليف نفسه، كما في القصر والإفطار في السفر. وقد رفع الله عن هذه الأمة الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فإنهم شددوا على أنفسهم وأكثروا من مساءلة أنبيائهم، فشدد الله عليهم وأهلكهم؛ ولذا يجب أن نحذر من طريقتهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.

стр. 330

ترجمة أبي هريرة وبيان سبب إكثاره من رواية الحديث قال الإمام النووي ﵀: [عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثيرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). رواه البخاري ومسلم]. هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁، وهو مشهور بكنيته، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو ﵁ أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق. والأحاديث التي أحصيت ودونت كان أكثر الرواة فيها عن رسول الله ﷺ هو أبو هريرة، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ سبعة، هم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة ﵃، ستة رجال وامرأة واحدة، وأبو هريرة هو أكثر السبعة؛ لأن أحاديثه بلغت الآلاف. ومن المعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ومعلوم أن من الصحابة من كان إسلامه بمكة، ومنهم من كان إسلامه بالمدينة وقد سبق أبا هريرة، ولكن ليس هناك أحد من الصحابة بلغ بالكثرة مثلما بلغ أبو هريرة ويرجع ذلك لأمور منها: الأمر الأول: ملازمته للنبي ﷺ ، فإنه منذ أسلم لازم النبي ﵊، فكان يذهب معه إذا ذهب، ويأكل معه إذا أكل، ويحضر مجلسه إذا جلس، فكان ملازماً له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ فذلك من أسباب كثرة حديثه؛ لأن كثيراً من الصحابة كانوا يحضرون مجالسه أحياناً ويغيبون أحياناً لجمع الأرزاق ولقضاء الحاجات، وأما أبو هريرة فإنه كان ملازماً له يأكل معه إذا أكل، ويشرب معه إذا شرب، ويسمع منه حديثه ﷺ ، ولذا صارت روايته بهذه الكثرة. والأمر الثاني: دعاء النبي ﷺ له. والأمر الثالث: أنه كان ممن بقي بالمدينة وعُمّر ومكث فيها مدة طويلة، وكان الناس يفدون إلى المدينة ويصدرون منها، ومن المعلوم أن المدينة يأتيها الناس بسبب إلى المسجد المبارك الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، ومن المعلوم أنه إذا كان في المدينة أحد من أصحاب الرسول ﷺ فإن الوافد إليها سواء كان من الصحابة أو التابعين يحرص على لقاء ذلك الصحابي المقيم في المدينة، وإذا لقيه أخذ منه ما عنده من الحديث، وكل يحدث بما عنده عن رسول الله ﷺ ، فـ أبو هريرة كان يحدث وغيره كان يحدثه. ومعلوم أن رواية الصحابة بعضهم عن بعض مثل رواية بعضهم عن رسول الله ﷺ ؛ لأنها كلها مضافة إلى الرسول ﷺ ، فإذا أضاف الصحابي إلى النبي ﷺ شيئاً سواء سمعه منه مباشرة أو من غيره، فإن ذلك الحديث مضاف إلى رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. فهذه أسباب ثلاثة تبين السبب في كون أبي هريرة كان كثير الحديث مع أنه لم يسلم إلا في السنة السابعة، ولم يصحب النبي ﷺ إلا من تلك السنة. وهؤلاء السبعة المكثرون جمعهم السيوطي في الألفية في علوم الحديث، فقال: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس البحر كالخدري وجابر وزوجة النبي.

стр. 331

بيان بعض الكتب التي اعتنت بذكر عدد روايات الصحابة في الكتب الستة وصاحب (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) وهو الخزرجي له عناية في بيان أعداد الأحاديث لكل صحابي في الكتب الستة، ثم الإشارة إلى العدد المتفق عليه بين البخاري ومسلم والعدد الذي انفرد به البخاري والعدد الذي انفرد به مسلم، فمثل هذا يمكن أن يستفاد من كتاب الخلاصة (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال) للخزرجي وهو تلخيص لكتاب (تذهيب تهذيب الكمال) للذهبي؛ لأن كتاب (تهذيب الكمال) هو للمزي، وتفرع عنه خطان بعضهما متصل بالآخر، فـ الذهبي هذبه في كتاب سماه (تذهيب تهذيب الكمال) والحافظ ابن حجر هذبه بكتاب سماه (تهذيب تهذيب الكمال)، واختصر الحافظ كتابه بخلاصة مختصرة في كتاب سماه (تقريب تهذيب تهذيب الكمال) والخزرجي لخص كتاب الذهبي (تذهيب تهذيب الكمال) بالخلاصة المسماة (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال). ومن فوائد هذه: عنايته ببيان أعداد الأحاديث التي للصحابة في الكتب الستة، فعندما يأتي بترجمة الراوي يقول: له كذا حديث، اتفق البخاري ومسلم على كذا وانفرد البخاري بكذا ومسلم بكذا.

стр. 332

تكليف الشرع بالمستطاع قال الرسول ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، وهذه الجملة من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأنه دخل فيها الأمر بفعل كل مأمور به على قدر الطاقة وعلى قدر الاستطاعة، والنهي عن الإتيان أو الإقدام على كل منهي عنه مطلقاً، بدون تقييد؛ فإنه ﷺ قال: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، وما قال: ما استطعتم، وإنما أطلق؛ لأن المناهي تروك والتروك مستطاعة، فالإنسان يستطيع ألا يفعل، وأما الأوامر فقيدت بالاستطاعة؛ لأنها تكليف بفعل مطلوب الإتيان به، فقد يستطاع وقد لا يستطاع، ولكن الإنسان يأتي به على قدر استطاعته، كما قال : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]؛ فلهذا قيد الأمر بفعل المأمورات بالاستطاعة، ولم يقيد ترك المنهيات بالاستطاعة؛ لأن تركها مستطاع، وكل يستطيع ألا يفعل، لكن ليس كل يستطيع أن يفعل؛ لأن الفعل هو تكليف وأوامر. فمثلاً: الصلاة مطلوب من الإنسان أن يأتي بها قائماً إذا كان في الفريضة، ولا يجوز ولا يصح الإتيان بها جالساً إذا كان قادراً على القيام، والإنسان مأمور بأن يصلي، والنبي ﷺ بين أن الإنسان يصلي على قدر طاقته، كما جاء في حديث عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب). وهذا من أمثلة قوله: (فأتوا منه ما استطعتم)، يعني: أن الإنسان يأتي بالعمل على قدر طاقته، كما قال : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، يأتي به على قدر طاقته، ولا يلزم بأن يعمل شيئاً لا يطيقه، فإنسان لا يستطيع أن يقوم لا يلزمه أن يقوم. وأما النواهي فهي التروك، والتروك مستطاعة، فإذا قيل: لا تشع بالخبر فلا تشعه، لا تزن فلا تزن لا تراب فلا تراب لا تسرق فلا تسرق لا تخن فلا تخن لا تغتب فلا تغتب فهذه كلها تروك، فإذا قيل: اترك فاترك، لأن الترك مستطاع. وأما الأمر: فهو الذي قد يستطاع وقد لا يستطاع، والإنسان يأتي به على قدر طاقته، قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وهنا يقول ﵊: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فالإنسان مأمور أن يتوضأ، فإذا لم يجد ماءً يكفي للوضوء ولكنه يجد شيئاً يكفي للبعض، فإنه يتوضأ بالموجود ويتيمم للباقي؛ لأن هذا هو الذي يستطيعه، وكذلك الإنسان لابد أن يخرج زكاة الفطر، فمن وجبت عليه زكاة الفطر وهو يستطيع الصاع يدفع صاعاً، لكن من لم يستطع إلا نصف الصاع فيدفع نصف الصاع؛ لقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فيأتي بقدر ما يستطيعه، ولا يقال: إنه إن حصل صاعاً فإنه يفعل وإن لم يحصل إلا أقل من صاع لا يفعل؛ لأن نصف الصاع يكفي ويغني وفيه فائدة للمحتاجين. فإذا كان عنده زيادة عن حاجته بمقدار نصف الصاع وليس عنده صاع فإنه يدفع نصف الصاع، ونصف الصاع يكفي لمن هو محتاج إليه، ولمن ليس بيده شيء أصلاً، لكن الحد المطلوب والقدر المطلوب هو صاع، لكن من لا يستطيع الصاع واستطاع دونه فإنه يفعله، لكن لا يقال هذا في كل شيء، فالإنسان إذا لم يستطع أن يصوم إلا نصف النهار فهل نقول: إنه يصوم نصف النهار ويفطر النصف الآخر؟ الجواب لا؛ لأن الصوم لا يتجزأ، وإنما له بداية وله نهاية. فالإنسان الذي يأتي به، والإنسان الذي لا يأتي به ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ولا يقال: إن الإنسان يمكن أن يصوم بعض الوقت ويفطر في أثناء النهار؛ لأنه يستطيع أن يصوم نصف النهار ولكن لا يستطيع صيام النهار كاملاً، فليس هذا من هذا القبيل الذي يجوز؛ لأن ذلك يقبل التجزئة وهذا لا يقبل التجزئة، وإن كان الإنسان قدم مسافراً وكان مفطراً لكونه مسافراً، فقد وصل البلد وانتهى حكم السفر، فإنه يمسك البقية، ولا يجوز له أن يأكل ما دام أنه مقيم ولو كان بعض النهار الذي هو آخره؛ لأن الأكل أبيح له لعارض، فلما انتهى ذلك العارض وصار من المقيمين صار حكمه حكم المقيمين، ويلزمه أن يمسك بقية اليوم، كما أن القضاء متعين عليه؛ لأنه لم يصم ذلك اليوم، لكنه لا يأكل ولا يشرب وهو حاضر، ولو أنه كان في أول النهار من أهل الأعذار الذين لهم أن يأكلوا، لكن العذر زال فعليه أن يمسك، ولا يستفيد من هذا الإمساك شيئاً، بمعنى: أنه لا يمكن أن يغني عن الواجب، بل لابد أن يقضي يوماً مكان ذلك اليوم. وكما قلت: إن هذا مقيد بالاستطاعة، والترك لم يقيد بالاستطاعة، فهذا هو الفرق؛ لأن هذه تروك وهذه أفعال، يتضح ذلك في الأمور الحسية، والأمور المشاهدة المعاينة، فمثلاً: لو قال إنسان: لا تدخل من هذا الباب. فإنه يستطيع أن لا يدخل من هذا الباب، ولا يصعب عليه، بل يستطيع ألا يدخل، فهذا ترك وهو مستطاع، لكن لو قال له: احمل هذه الصخرة. فقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع، فهذا فعل وتكليف، وقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع حملها. فالأوامر قد تستطاع وقد لا تستطاع، والنواهي مستطاعة، ولا يقال: إنها غير مستطاعة، بل هي مستطاعة، فعلى الإنسان أن يمتثل المأمور على حسب استطاعته، وأن يترك المنهي مطلقاً.

стр. 333

أنواع الأوامر والنواهي من الأوامر ما يكون واجباً، ومنها ما يكون مستحباً ومندوباً، فالواجب: لابد من الإتيان به، ولولم يأت به فإنه يأثم، ويستحق العقوبة، وأما المندوب: ففيه تكميل، وفيه فضل وثواب، وتكمل الفرائض بالنوافل إذا حصل فيها نقص، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ . فإذا كانت العبادة واجبة فيتعين الإتيان بها، وإذا كانت مستحبة فيستحب الإتيان بها، ومن تركها فإنه لا يأثم؛ لأن المندوب هو: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ويطلبه الشارع طلباً غير جازم. ويدل على ذلك الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فإن المقصود بهذا الأمر، ولكن لم يأمر به لخوف المشقة، وأما الاستحباب فإنه مأمور به وحاصل، ولكن الذي ما فعله النبي ﷺ خوفاً من المشقة على أمته هو الإيجاب عند كل صلاة. فقوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، يعني: أمرتهم أمر إيجاب؛ لأن أمر الاستحباب موجود، والترغيب فيه موجود، حيث قال ﵊: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب). وعلى هذا فإن الأوامر منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، والواجب: يتعين الإتيان به ويأثم من تركه، والمستحب: مطلوب ومندوب للإنسان أن يفعله، وأن يأتي به وتكمل به الفرائض، والنوافل هي كالسياج للفرائض، والإنسان الذي يتساهل في النوافل قد يجره ذلك إلى التساهل في الفرائض، لكن الإنسان إذا فعل المندوبات وحرص عليها فهو على الفرائض أحرص من باب أولى، فتكون النوافل كالوقاية لها، بمعنى: أن الإنسان يكون مطمئناً إلى فعلها لحرصه على ما دونها، ويكمل النقص الذي في الفرض من النفل، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ . وكذلك المنهيات: ما كان منها على سبيل التحريم ويتعين تركه، ولا يجوز الإقدام عليه، ويعاقب فاعله، وما كان من قبيل المنهيات للتنزيه فيكون تركها أولى من فعلها، ولا شك أن هذا هو الأولى وهو الأفضل، ولكنه لو فعل ذلك لم يكن فعل أمراً محرماً، وإنما فعل أمراً جائزاً، فهو يثاب تاركها ولا يعاقب فاعلها، فالمكروه كراهة تنزيه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله؛ لأنه جائز. فإذاً: الأوامر منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، والمكروهات منها ما هو محرم لا يسوغ الإتيان به، ومنها ما جاء ما يدل على أنه للتحريم، وأن عدم فعله هو الأولى، مثل: الشرب عن قيام، فقد جاء النهي عن الشرب عن قيام، ولكنه جاء عن النبي ﷺ فعل ذلك، وكذلك جاء عن أصحابه الكرام مثل علي ﵁، فهذا يدل على أن شرب الإنسان جالساً هو المطلوب والذي ينبغي، وأن الإنسان لو شرب قائماً فإن ذلك سائغ وليس بحرام.

стр. 334

كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء سبب من أسباب هلاك الأمم السابقة ثم إن النبي ﷺ بين أن من أسباب هلاك الأمم السابقة: كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء، فقال ﵊: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)، والمراد بكثرة المسائل: المسائل التي تكون من غير حاجة، والتي تكون تعنتاً، أو يكون ما فيها قد يترتب عليه في زمن النبوة أن يحرم شيئاً بسبب تلك المسألة، أو يوجب شيئاً يكون فيه مشقة كبيرة. وحديث أبي هريرة هذا جاء ذكر سبب له في صحيح مسلم وهو: (أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فأعرض عنه النبي ﷺ ، فأعادها والنبي ﷺ يعرض عنه، فغضب وقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). فهذا الحديث في صحيح مسلم يبين سبب الحديث، وأن الأسئلة التي تكون من هذا القبيل هي المنهي عنها وهي الممنوع منها، وهي التي كانت من أسباب هلاك الأمم السابقة، وكذلك جاء في الحديث: (إن أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)، يعني: الأسئلة التي يترتب عليها مضرة في زمن النبوة؛ لأن الزمن زمن تشريع، فقد يوجب ما فيه مشقة، وقد يحرم ما فيه مصلحة ومنفعة وفائدة؛ فلهذا ذمت الأسئلة التي فيها تكلف وتشديد، فالأسئلة التي يترتب عليها تشديد على هذه الأمة مذمومة، والرسول ﷺ حرمها، وبين أن تلك من أسباب هلاك الأمم السابقة. فلما قال النبي ﷺ : (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أفي كل عام؟)، يعني: هل أحج كل عام؟ ولو فرض الحج في كل عام لما استطاع الناس أن يحجوا، كما قال الرسول ﷺ ، إذ كيف سيستطيعون أن يحجوا؟ وكيف سيسعهم المكان إذا كان واجباً عليهم جميعاً؟ فهذا فيه صعوبة شديدة، ومشقة عظيمة، ولا يستطاع؛ ولهذا قال: (فأتوا منه ما استطعتم)، ونهى ﵊ عن مثل هذه الأسئلة، وغضب لذلك، وأخبر أن من أسباب هلاك الأمم السابقة ما كان مثل ذلك. وقد جاء في الشريعة أمثلة من أسئلة الأمم السابقة والأشياء التي يسألون عنها وفيها تكلف وتعسف، منها ما قاله في القرآن عن أهل الكتاب: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]. فهذا من الأسئلة التي فيها تعنت، وتكلف، ومن الإتيان بأمور لا يصلح أن يسأل عنها أو يتشاغل بها. وكذلك قصة البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها، فكان يجزيهم أن يأخذوا أي بقرة فيذبحوها، ثم يضربوا بلحمها على القتيل الذي قتل، ولكنهم سألوا أسئلة متعددة، وتعنتوا وشددوا فشدد الله عليهم، وكان يكفيهم أي بقرة، فإن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، أي بقرة، لكنهم سألوا عن سنها ولونها وصفاتها، وبعد ذلك صاروا إلى نوع معين بعد تلك الأسئلة المتكلفة، فشددوا فشدد الله عليهم. فهذا من جملة ما أثر وما جاء عن الأمم السابقة من التكلف، ومن الأسئلة التي كانت من أسباب هلاكهم، وحذرت هذه الأمة أن تفعل مثلما فعلوا. ثم إن المسائل منها ما يكون الإنسان بحاجة إليه، كمعرفة الأمور التي لابد منها، كمعرفة كيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي إذا كان عنده مال، وكيف يصوم، حيث إن هذه الأمور مطلوب أن يسأل عنها. وأما إذا سئل عن أسئلة فيها تكلف، أو أمور مغيبة، مثل السؤال متى تقوم الساعة؟ وعن عمر الدنيا: كم مقدار عمرها؟ وعن الأشياء التي هي أمور مغيبة لا يعلمها إلا الله ، أو السؤال عن كيفيات أشياء ليس للإنسان أن يسأل عنها، مثل الذي سأل مالكاً عن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فمثل هذه الأسئلة لا يجوز السؤال عنها، بل على الإنسان أن يسأل عما يحتاج إليه في أمور دينه، ثم عن أمور يحتاج الإنسان إليها في أعماله اليومية وباستمرار، أما أن يسأل عن أمور خيالية أو نادرة الوقوع، أو لا يتصور وقوعها، فإن ذلك شغل وقت في غير طائل، ومن التكلف غير المحمود.

стр. 335

فوائد من حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) قوله ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) هذا الحديث حديث عظيم، وقد كتبت عليه بعض الفوائد فنقرؤها:

стр. 336

معنى قول المحدثين والمخرجين: (متفق عليه) الفائدة الأولى: قول المحدثين والمخرجين للأحاديث: رواه البخاري ومسلم، المقصود من ذلك: الاتفاق على المعنى، ولا يلزم أن يكون الاتفاق في الألفاظ؛ ولهذا بعض العلماء يقول: رواه فلان وفلان واللفظ لفلان. وهذا هو الذي فيه بيان أن اللفظ لفلان، ولكن الثاني موافق له في المعنى. وهذا الحديث بهذا اللفظ هو من أفراد مسلم؛ لأن الحديث عند غير مسلم برواية أخرى بلفظ: (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه). هذا اللفظ هو التي تعددت به الروايات، فجاءت هذه الرواية عند البخاري وكذلك عند مسلم، ولكنه جاء في بعض الطرق عند مسلم في كتاب (الفضائل) بهذا اللفظ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). إذاً: إذا قيل: رواه البخاري ومسلم، فمعنى ذلك: أنهما اتفقا على المعنى، ولا يلزم أن الألفاظ متفق عليها، ولا يلزم أنهما اتفقا على التقديم والتأخير، أو على الهيئة التي هي موجودة، بل قد يكون هناك تقديم وتأخير، مثل هذا الحديث، فإنه عند البخاري بلفظ فيه تقديم وتأخير، وعند مسلم أيضاً بخلاف هذه الصورة، ولكنه أيضاً جاء بهذه الصيغة. فالإمام النووي ﵀ أتى بها من صحيح مسلم، وعنده صيغة أخرى وعند البخاري أيضاً صيغة أخرى ليست مثل هذه الصيغة، التي هي تقديم هذه الجملة الكلية الجامعة التي فيها: امتثال كل ما هو مأمور على قدر الاستطاعة، والانتهاء عن كل منهي مطلقاً بدون تقييد، وكان الأولى في هذه الحال أن يقول: واللفظ لفلان. إذاً: اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث، وهو بهذا اللفظ عند مسلم في كتاب (الفضائل)، وقد جاء بيان سبب الحديث عنده في كتاب (الحج)، عن أبي هريرة ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟! فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).

стр. 337

تقييد امتثال الأمر بالاستطاعة الفائدة الثانية: قوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فيه تقييد امتثال الأمر بالاستطاعة دون النهي، وذلك أن النهي من باب التروك وهي مستطاعة، فالإنسان مستطيع ألا يفعل، وأما الأمر: فقد قيد بالاستطاعة؛ لأنه تكليف بفعل، فقد يستطاع ذلك الفعل وقد لا يستطاع، فالمأمور يأتي الإنسان به حسب استطاعته. فمثلاً: نهي عن شرب الخمر، والمنهي مستطيع لعدم شربها. والصلاة مأمور بها، وهو يصليها على حسب استطاعته عن قيام وإلا فعن جلوس، وإلا فمضطجع، ومما يوضحه في الحسيات ما لو قيل لإنسان: لا تدخل من هذا الباب؟ فإنه مستطيع ألا يدخل؛ لأنه ترك، ولو قيل له: احمل هذه الصخرة؟ فقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع؛ لأنه فعل.

стр. 338

ضابط فعل المأمورات وترك المنهيات الفائدة الثالثة: ترك المنهيات باقٍ على عمومه، ولا يستثنى منه إلا ما تدعو الضرورة إليه، كأكل الميتة لحفظ النفس، ودفع الغصة بشرب قليل من الخمر. الفائدة الرابعة: النهي الذي يجب اجتنابه ما كان للتحريم، وما كان للكراهة فيجوز فعله، وتركه أولى من فعله. الفائدة الخامسة: المأمور به يأتي به المكلف على قدر طاقته؛ لقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فإذا كان لا يستطيع الإتيان بالفعل على الهيئة الكاملة أتى به على ما دونها، فإذا لم يستطع أن يصلي قائماً صلى جالساً، وإذا لم يستطع الإتيان بالواجب كاملاً أتى بما يقدر عليه منه، فإذا لم يكن عنده من الماء ما يكفي للوضوء توضأ بما عنده وتيمم للباقي، وإذا لم يستطع إخراج صاع لزكاة الفطر وقدر على إخراج بعضه أخرجه.

стр. 339

بيان نوع المسائل المنهي عنها الفائدة السادسة: قوله: (فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)، المنهي عنه في الحديث: ما كان من المسائل في زمنه يترتب عليه تحريم شيء على الناس بسبب هذا السؤال، وما يترتب عليه إيجاب شيء فيه مشقة كبيرة وقد لا يستطاع، كالحج في كل عام. والمنهي عنه بعذر ما كان فيه تكلف وتنطع واشتغال به عما هو أهم منه. يعني: ما كان في زمنه ﷺ مما قد يترتب عليه إيجاب ما فيه مشقة أو تحريم أمر فيه مصلحة ومنفعة هذا خاص بزمن النبوة؛ لأنه زمن تشريع، وأما بعد ذلك فالسؤال الذي فيه تكلف وتنطع هو السؤال عن أشياء ليس للإنسان أن يسأل عنها، مثل: قيام الساعة، وعمر الدنيا، ومتى تنتهي؟ وكذلك: السؤال عن كيفيات الصفات، وكيف اتصف الله تعالى بها؟ وغير ذلك من أمور الغيب التي لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق الوحي، فهذه لا يسأل عنها، أو يشتغل بأشياء نادرة الوقوع، وأشياء ليس الإنسان بحاجة إليها، ثم يتشاغل بها عما هو أهم منها، هذا هو الذي يمنع منه.

стр. 340

أنواع الناس في الاشتغال بالمسائل الفائدة السابعة: قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وقد انقسم الناس في هذا الباب أقساماً: فمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل، حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها؛ ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات والجدال عليه حتى يتولد من ذلك انفراق القلوب، ويستقر بها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه. وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ ، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان بأنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة، والزهد، والرقائق وغير ذلك، وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، إنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال، وكلام الإمام أحمد كثيراً إذا سئل عن شيء من المسائل المولدة أو المولدات التي لا تقع يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة. إلى أن قال: ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولابد أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم كـ الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم، فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقتهم وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به. وملاك الأمر كله: أن يقصد بذلك وجه الله، والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومن كان كذلك وفقه الله وسدده وألهمه رشده، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨] ومن الراسخين في العلم. يقصد ﵀ بهذا: أن الإنسان عليه أن يشتغل بالكتاب والسنة والتفقه فيها بمعرفة ما جاء به القرآن من الأمور العامة والخاصة، وكذلك السنة ومعرفة ما يصح وما لا يصح، وكذلك معرفة القواعد التي تستنبط من الكتاب والسنة، لأن النوازل والأشياء التي تجب إنما تعرف بهذا الطريق؛ لأن الحوادث لا نهاية لها، وتستجد في كل وقت وحين مسائل، ولكن حلها موجود في الكتاب والسنة، وذلك بالقواعد العامة، وبالجمل الكلية، والقياس وما إلى ذلك؛ لأنه ليس كل أمر يحدث لابد أن يكون فيه نص؛ لأن النصوص استقرت بوفاة الرسول ﷺ ، ولكن الإنسان الذي يشتغل بالقرآن ومعرفة ما فيه، وكذلك يشتغل بالسنة وما فيها من القواعد والكليات والأصول الجامعة حين تستجد المسائل يبحث عن حلها في هذه الأمور الكلية العامة؛ لأنه ليس في كل مسألة نص، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك. فمثلاً: الدخان الآن من الأشياء التي استجدت، فحصلت في أزمنة قريبة، وعرف العلماء حرمته، واستنبطوا حرمته من نصوص الكتاب والسنة، فأخذوها من قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]؛ لأن فيه قتلاً للنفس؛ فإن الإنسان يهلك نفسه باستعماله، وكذلك أيضاً أخذوه من أن فيه إضاعة مال، وأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال، وأيضاً أخذوه من كون النبي ﷺ يحل الطيبات ويحرم الخبائث، وليس هو من الطيبات، إذاً هو من الخبائث، وأخذوه أيضاً من النهي عن أكل الثوم والبصل، وأن ذلك يؤذي الناس ويؤذي الملائكة، ومعلوم أن الدخان أشد من ذلك، فهذه المسألة من المسائل التي جدت، ومع ذلك يوجد في عمومات نصوص الكتاب والسنة بيان حكمها، وأنها لا تسوغ ولا تجوز مع أنها ما وجدت إلا في الأزمنة المتأخرة. فكلام ابن رجب ﵀ يبين أنه بسلوك هذا المسلك تتضح المسائل، ثم أيضاً الإنسان عندما يسلك هذا المسلك لا يفعل ذلك استقلالاً دون أن يرجع إلى كلام العلماء، ودون أن يرجع إلى من سبقه، بل الإنسان يرجع إلى أهل العلم، ويستفيد من علمهم، ولا يقل: هم رجال ونحن رجال، فنأخذ بكذا وإن لم نرجع إلى كلامهم، فهذا غلط، فالناس بالنسبة للعلماء بين طرفي نقيض ووسط: طرف يقول: هم رجال ونحن رجال، وهذا جفاء. وطرف يتعصب ويتابع رجلاً معيناً في المسائل المختلفة، وإذا عرض عليه أو ذكر له الدليل بخلاف قوله: لو كان هذا صحيحاً ما خفي على فلان! وقد مر بنا كلام ابن حجر ﵀ عند مسألة مناظرة عمر ﵁ لـ أبي بكر، وأنه لم يكن عند أبي بكر وعمر -وهما من كبار الصحابة- الحديث الذي فيه ذكر الصلاة والزكاة مع الشهادتين في المقاتلة، وكان عند ابن عمر وعند أبي هريرة، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت إذا وجدت سنة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي هذا على فلان؟ فإذاً: هناك طرف فيه جفاء وطرف فيه تعصب، والحق وسط بين هذا وهذا، فيرجع إلى كلام العلماء ويستفاد من علمهم، ويعرف وجه الاستدلال، وأنه قد يكون في المسألة دليل ذكروه عن طريق القياس أو عن طريق الاستنباط أو عن طريق الإلحاق بقاعدة كلية، فالإنسان لايتنبه لذلك إلا إذا رجع إلى كلامهم، ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب (الروح) كلاماً جميلاً قال فيه: إن العلماء يجب توقيرهم وتعظيمهم والاستفادة من علمهم، وعندما لا يوجد الدليل الواضح في المسألة يرجع إلى كلامهم وإلى استنباطهم، وإلى مآخذهم، فقد يتبين له من كلامهم ما ينير له الطريق وما يتبصر به، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: مثل الإنسان إذا كان في الفلاة وهو لا يعرف جهة القبلة فإنه يستدل لذلك بجهة النجوم، مطالعها ومغاربها، فيعرف أين اتجاه القبلة بالنظر في النجوم، وأما إذا كان عند الكعبة وصار تحتها والقبلة أمامه فإنه لا ينظر في السماء ليبحث عن القبلة؛ لأن القبلة أمامه. فإذاً: الإنسان إذا خفي عليه الدليل وصار ليس واضحاً، والحكم ليس واضحاً؛ فلاشك أن الرجوع للعلماء فيه تمكين له بأن يعرف الحق في ذلك، فكلام ابن رجب ﵀ هو من هذا القبيل، ومعناه: أن الإنسان يشتغل بتفهم القرآن والحديث، ويرجع إلى كلام العلماء ويستفيد منهم. قال ابن رجب: وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي ﷺ في هذا الحديث وانتهى عما نهى عنه وكان مشتغلاً بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخاطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منه النبي ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم.

стр. 341

خلاصة الفوائد المأخوذة من حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) إذاً: يستفاد من الحديث: ١ - وجوب ترك كل ما حرمه الله ورسوله ﷺ . ٢ - وجوب الإتيان بكل ما أوجبه الله ورسوله ﷺ . ٣ - التحذير من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب مما كان سبباً في هلاكهم. ٤ - أنه لا يجب على الإنسان أكثر مما يستطيع. ٥ - أن من عجز عن بعض المأمور يكفيه أن يأتي بما قدر عليه منها. ٦ - الاقتصار في المسائل عما يحتاج إليه، وترك التنطع والتكلف في المسائل. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 342

الأسئلة

стр. 343

كراهة الاشتغال بالمسائل الافتراضية السؤال هل يدخل تحت المسائل المذكورة في الحديث المسائل الافتراضية، مثل أن يقول القائل: لو افترضنا كذا، مع أن ذلك لم يحصل بعد؟ الجواب نعم يدخل؛ لأن في هذا انشغالاً عن شيء أهم منه، لكن إذا كان بعض العلماء ذكر شيئاً من هذا حتى يعين من وقع له ذلك ويجد حلاً فلا بأس بذلك، لكن كون الإنسان يتشاغل به عما هو أهم منه وما هو أولى منه لاشك أن هذا غير سائغ.

стр. 344

اجتهاد النبي ﷺ في التشريع السؤال قال ابن دقيق العيد: قوله: (لو قلت: نعم لوجبت) دليل للمذهب الصحيح في أنه ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام، وأنه لا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، فما معنى كلامه؟ الجواب هذا غير واضح، بل الرسول ﷺ كل ما يأتي به هو عن وحي، لكن كما هو معلوم أنه يقول: وجبت بإيحاء من الله ، ومن المعلوم أن الوحي كان يأتيه بسرعة، وليس معناه أنه يحتاج إلى وقت، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء، ثم إنه قال: إلا الدين، سارني به جبريل آنفاً) يعني: أنه جاء جبريل وقال له: إلا الدين، وجبريل جاء بهذا من عند الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالتشريع ليس من عند الرسول ﷺ ، وإنما هو من عند الله .

стр. 345

وقت إسلام أبي هريرة ﵁ وصحبته السؤال ذكر بعض العلماء أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان قديماً عند دعوة الطفيل بن عمرو لقومه، وإنما هاجر إلى المدينة في السنة السابعة، فهل هذا صحيح؟ الجواب لا أدري عن قضية إسلامه من قبل، ولكنه لم يصحب النبي ﷺ إلا في السنة السابعة، والذي ذكرته من ناحية أخذه للحديث ما كان أخذه إلا من السنة السابعة وما بعدها، وأما كونه أسلم قديماً وإنما جاء في السنة السابعة للهجرة بعد إسلامه فلا أدري.

стр. 346

حكم الصلاة في أوقات النهي السؤال هل هذا الحديث يكون مرجحاً لقول من يقول بعدم جواز أي صلاة في أوقات النهي عن الصلاة، فإن النهي مقدم على الأمر، وقد أمرنا بترك واجتناب كل ما نهينا عنه من غير تقسيم، أما الأمر ففيه على حسب الاستطاعة، ومن عدم الاستطاعة الإتيان بالصلاة في أوقات النهي؟ الجواب الشيء الذي ليس له سبب هذا أمره واضح، ولا إشكال فيه، وليس داخلاً تحت النهي، وأما الشيء الذي له سبب فهذا هو الذي خرج من النهي، ومن الأشياء ما هو واضح ومستثنى ومنها ما فيه خلاف، مثل تحية المسجد؛ فإن فيها خلافاً هل يجب الإتيان بها أم لا؟ لعموم قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) أو أنها لا تفعل أخذاً بعموم قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، فالأمور التي ليس لها سبب هذه أمرها واضح، فلا يجوز للإنسان أن يفعلها في أوقات النهي، لكن كونه يفعل شيئاً له سبب -يعني: جاء ما يدل عليه- فلا بأس، مثل ركعتي الفجر، فقد جاء نص أن الإنسان يقضيها، وجاء كذلك أيضاً أن الفوائت تقضى في أي وقت، ومثل ذلك صلاة الكسوف تصلى إذا جاءت في أي وقت، والجنازة أيضاً يؤتى بها فيصلى عليها في أي وقت.

стр. 347

ضرر كثرة المسائل السؤال كون كثرة المسائل من المهلكات، هل هو مقيد بحياة النبي ﷺ أو مستمر إلى ما بعد وفاته؟ الجواب من ناحية حصول أضرار ليس مقيداً بزمنه ﷺ . ثم أيضاً هذه الأمة كما هو معلوم لا تهلك كما هلكت الأمم السابقة، وإنما هذه الأمة الله تعالى أبقاها وجعلها تستمر إلى قيام الساعة، لكن قد يحصل من أحد مخالفة في شيء فيناله ما يناله من الضرر، ويحصل له ما يحصل له من العقوبة في الدنيا.

стр. 348

التدرج في تحريم الخمر السؤال هل بين هذا الحديث وبين قضية تحريم الخمر تعارض؛ من حيث إن الخمر كان فيها تدرج، ولم يُنه عنها مرة واحدة، فتكون داخلة في قوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)؟ الجواب هذا كان في أول الأمر، فقد تدرج بهم وما أعطاهم الأمر النهائي في أول مرة وإنما أعطاهم الأمر شيئاً فشيئاً؛ لأنهم ألفوا هذا الشيء، فحصل التدرج به، وجاء في الآخر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] الذي هو قاضٍ على كل خمر؛ بحيث لا يجوز قربها في أي حال من الأحوال.

стр. 349

إمساك المسافر عن الطعام إذا قدم من سفره السؤال إذا أمر القادم من السفر أن يمسك بقية اليوم يكون قد كلف وقتاً زائداً عن الوقت الشرعي المطلوب، وهذا مفتقر إلى دليل، فأفيدونا مأجورين؟ الجواب معلوم أن الإنسان الحاضر ليس له أن يأكل ويشرب، وإنما أبيح له ذلك في السفر، وإذا حضر البلد فإنه يتعين عليه أن يمسك، وأن يكون حكمه حكم المقيمين وإن كان يلزمه القضاء، بل لو لم يكن مسافراً، يعني: لو أن إنساناً ما علم الشهر إلا بعد طلوع الفجر فإنه يجب عليه أن يمسك وأن يقضي، وقد ورد ما يدل على ذلك.

стр. 350

ذكر الخلاف في كون الأمر يحمل على الفور أو على التراخي السؤال ذكر ابن دقيق العيد في شرحه أن الحديث فيه مطلق الأمر، فهل يحمل على الفور أم على التراخي؟ ومن أين أخذ هذا؟ الجواب قضية الأمر كونه على الفور أو على التراخي مأخوذ من نفس الأمر في قوله ﵊: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا)، فالأصل أن الإنسان يبادر إلا إذا وجد ما يدل على التراخي؛ لأن الأمر إذا جاء فمطلوب من الإنسان أن يبادر إليه، ولكن بعض أهل العلم قال: إنه على التراخي، وفهم ذلك من كون النبي ﷺ لم يحج في السنة التاسعة، وإنما أمر أبا بكر أن يحج بالناس، ولكن قال أهل العلم الذين قالوا بأنه على الفور: إن الرسول ﷺ أراد أن تكون تلك السنة يطهر فيها البيت من الأمور المنكرة التي كانت موجودة في الجاهلية والتي كانوا يفعلونها، ككونهم كانوا يطوفون عراة، وكان يحج المشركون، ولهذا أراد الرسول ﷺ أن تكون تلك السنة فيها إبلاغ الناس بحيث لا يحصل بعد هذا العام شيء من هذه الأمور المحرمة، ولهذا حج ﵊ في السنة العاشرة.

стр. 351

عدم اقتضاء الأمر للتكرار السؤال هل الأمر يقتضي التكرار؟ الجواب لا يقضى التكرار إلا إذا وجد شيء يدل عليه، وقول الرسول ﷺ : (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا) هذا الأمر يفهم منه أنه لا يلزم إلا حجة واحدة، وليس فيه أن الحج كل سنة، ولهذا أنكر الرسول ﷺ السؤال الذي فيه التكرار.

стр. 352

الزكاة على أموال الجمعيات الفردية السؤال نحن مجموعة في عمل واحد، أقمنا جمعية، كل سهم قيمته ثلاثة آلاف ريال، ويستطيع الشخص أن يدفع ربع سهم أو نصف سهم، وبعد ستة أشهر يستطيع أن يقترض من الصندوق على حسب سهمه، فلو اقترض عشرة آلاف ريال يرد كل شهر ألف ريال، ولو اقترض خمسة عشر ألف ريال يرد ألف وخمسمائة ريال كل شهر، وله الحق أن يسترد كامل مبلغه إذا أراد الخروج من الجمعية على أن يمهلهم عدة أشهر حتى يستطيعوا أن يجمعوا المبلغ، فهل على هذه الجمعية زكاة، وهل تدخل في نص: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) علماً بأن هذا المبلغ لا يتاجر به أبداً؟ الجواب أما الزكاة ففي مال هذه الجمعية؛ لأنه مال، وصاحبه محتفظ به، وذمته وما خرج عن ملكه وإنما هو كالمودع ثم يرجع إليه، فكل واحد سيرجع إليه ماله فهو في ملكه، أما إذا كان تبرع به، ووضع لمن يحتاج إليه، وقد خرج من ملك صاحبه فهذا ليس فيه زكاة؛ لأنه ليس مملوكاً له حتى يزكيه، وأما مادام أنه مودع وأنه قد يحتاج هو وقد يحتاج غيره فهذا باقٍ في ملكه؛ لأن هذا المبلغ داخل في ملكه، سواء استدانه غيره أو رجع إليه فهو باقٍ في ملكه، فمادام أنه أعطاهم هذا المبلغ فهو محتفظ بملكه إياه، وما أعطاهم إياه على سبيل التبرع، أما إذا كان أعطاهم على سبيل التبرع وأن من يحتاج يأخذ من هذا الصندوق، مثلما تفعله بعض القبائل وبعض الجهات عندما يتفقون على أن كل واحد يدفع في كل شهر أو سنة مقداراً من المال، وأنه إذا حصلت نكبة لأحد من الأفراد يأخذ من ذلك الصندوق، وكل واحد منهم خرج هذا المبلغ من ملكه متبرعاً به، فهذا أمره واضح ليس فيه إشكال. وأما قضية كونه قرضاً جر نفعاً فلا يظهر لي فيه شيء، وما أستطيع أقول فيه شيئاً.

стр. 353

حكم الشرب قائماً السؤال قولكم حفظكم الله: إن شرب الماء قائماً مكروه، لكن ثبت عن النبي ﷺ وبعض أصحابه أنهم شربوا وهم قائمون، فما توجيه ذلك؟ الجواب كونهم شربوا قائمين هذا يدل على أن النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه، فالرسول ﷺ شرب قائماً من زمزم، وعلي ﵁ شرب وهو قائم، وقال: إنما أردت أن تعلموا أن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ . فدل على أن النهي للتنزيه وليس للتحريم، وأن الشرب قياماً جائز، ولكن كونه مع الجلوس أولى.

стр. 354

حكم السؤال عن حال الإنسان السؤال السؤال عن الأشخاص حال فلان وحال فلان، هل هذا داخل في الحديث؟ الجواب إذا كان يسأل عن حال إنسان لأنه يريد أن يتعامل معه أو يتصاهر معه أو ما إلى ذلك فهذا ليس فيه إشكال، وهو أمر سائغ، وأما إذا كان لغير مصلحة ولغير فائدة أو لتجميع نقائص أو معايب أو ما إلى ذلك فهذا لكل امرئ ما نوى.

стр. 355

حكم التقيد والالتزام بمذهب معين السؤال الحافظ ابن رجب له رسالة اسمها: (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة)، وفيها تحريم الخروج عن المذاهب الأربعة، فما قولكم؟ الجواب هذا خطأ وليس بصحيح، فمعلوم أن أبا حنيفة رحمة الله عليه -وهو أول الأئمة الأربعة- ولد سنة (٨٠هـ) فقبل سنة (٨٠هـ) كيف كان الناس؟ فالواجب أن يكون الناس بعد سنة (٨٠هـ) مثلما كانوا قبل سنة (٨٠هـ)، والذي عنده معرفة بالدليل لا يجوز له أن يقلد أحداً، والذي لا يستطيع عليه أن يسأل أهل العلم ومن يثق بعلمه ودينه ويأخذ بفتواه، وإذا لم يجد أحداً يفتيه فله أن يتعلم مذهباً من المذاهب الأربعة ويتعبد الله به، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، أما كون أي إنسان يلزم بأن يكون تابعاً فهذا غير صحيح، وكثير من العلماء من بعد الأئمة الأربعة وفيهم من هو من أتباع الأئمة الأربعة وممن تفقهوا في مذاهب الأئمة الأربعة كانوا إذا جاءت إليهم مسائل يقولون: الحق فيها كذا وإن كان المذهب على كذا، يعني: هم أنفسهم تفقهوا في مذهب معين، ومع ذلك إذا وجدوا الدليل خارج المذهب فإنهم يتركون المذهب ويتبعون الدليل، وهذا فيه نقول متعددة موجودة في الفتح، وأنا ذكرت جملة منها في الرد على الرفاعي والبوطي فيما يتعلق ببعض الأمور التي أنكروها على أهل السنة وعابوا بها أهل السنة، ومنها ما يتعلق بالمذاهب، وقد نقلت نقولاً عن المالكية، والحنفية، والشافعية، وأصحاب المذاهب التي تبين أن المعول عليه هو الدليل. ثم أيضاً هذا العمل فيه أخذاً بوصايا الأئمة؛ لأن كل واحد من الأئمة كان يوصي بأنه إذا وجد الدليل فإنه يترك قوله ويصار إلى قول الرسول ﷺ .
следующие страницы →