← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عدم اقتضاء الأمر للتكرار السؤال هل الأمر يقتضي التكرار؟ الجواب لا يقضى التكرار إلا إذا وجد شيء يدل عليه، وقول الرسول ﷺ : (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا) هذا الأمر يفهم منه أنه لا يلزم إلا حجة واحدة، وليس فيه أن الحج كل سنة، ولهذا أنكر الرسول ﷺ السؤال الذي فيه التكرار.

стр. 352

الزكاة على أموال الجمعيات الفردية السؤال نحن مجموعة في عمل واحد، أقمنا جمعية، كل سهم قيمته ثلاثة آلاف ريال، ويستطيع الشخص أن يدفع ربع سهم أو نصف سهم، وبعد ستة أشهر يستطيع أن يقترض من الصندوق على حسب سهمه، فلو اقترض عشرة آلاف ريال يرد كل شهر ألف ريال، ولو اقترض خمسة عشر ألف ريال يرد ألف وخمسمائة ريال كل شهر، وله الحق أن يسترد كامل مبلغه إذا أراد الخروج من الجمعية على أن يمهلهم عدة أشهر حتى يستطيعوا أن يجمعوا المبلغ، فهل على هذه الجمعية زكاة، وهل تدخل في نص: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) علماً بأن هذا المبلغ لا يتاجر به أبداً؟ الجواب أما الزكاة ففي مال هذه الجمعية؛ لأنه مال، وصاحبه محتفظ به، وذمته وما خرج عن ملكه وإنما هو كالمودع ثم يرجع إليه، فكل واحد سيرجع إليه ماله فهو في ملكه، أما إذا كان تبرع به، ووضع لمن يحتاج إليه، وقد خرج من ملك صاحبه فهذا ليس فيه زكاة؛ لأنه ليس مملوكاً له حتى يزكيه، وأما مادام أنه مودع وأنه قد يحتاج هو وقد يحتاج غيره فهذا باقٍ في ملكه؛ لأن هذا المبلغ داخل في ملكه، سواء استدانه غيره أو رجع إليه فهو باقٍ في ملكه، فمادام أنه أعطاهم هذا المبلغ فهو محتفظ بملكه إياه، وما أعطاهم إياه على سبيل التبرع، أما إذا كان أعطاهم على سبيل التبرع وأن من يحتاج يأخذ من هذا الصندوق، مثلما تفعله بعض القبائل وبعض الجهات عندما يتفقون على أن كل واحد يدفع في كل شهر أو سنة مقداراً من المال، وأنه إذا حصلت نكبة لأحد من الأفراد يأخذ من ذلك الصندوق، وكل واحد منهم خرج هذا المبلغ من ملكه متبرعاً به، فهذا أمره واضح ليس فيه إشكال. وأما قضية كونه قرضاً جر نفعاً فلا يظهر لي فيه شيء، وما أستطيع أقول فيه شيئاً.

стр. 353

حكم الشرب قائماً السؤال قولكم حفظكم الله: إن شرب الماء قائماً مكروه، لكن ثبت عن النبي ﷺ وبعض أصحابه أنهم شربوا وهم قائمون، فما توجيه ذلك؟ الجواب كونهم شربوا قائمين هذا يدل على أن النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه، فالرسول ﷺ شرب قائماً من زمزم، وعلي ﵁ شرب وهو قائم، وقال: إنما أردت أن تعلموا أن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ . فدل على أن النهي للتنزيه وليس للتحريم، وأن الشرب قياماً جائز، ولكن كونه مع الجلوس أولى.

стр. 354

حكم السؤال عن حال الإنسان السؤال السؤال عن الأشخاص حال فلان وحال فلان، هل هذا داخل في الحديث؟ الجواب إذا كان يسأل عن حال إنسان لأنه يريد أن يتعامل معه أو يتصاهر معه أو ما إلى ذلك فهذا ليس فيه إشكال، وهو أمر سائغ، وأما إذا كان لغير مصلحة ولغير فائدة أو لتجميع نقائص أو معايب أو ما إلى ذلك فهذا لكل امرئ ما نوى.

стр. 355

حكم التقيد والالتزام بمذهب معين السؤال الحافظ ابن رجب له رسالة اسمها: (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة)، وفيها تحريم الخروج عن المذاهب الأربعة، فما قولكم؟ الجواب هذا خطأ وليس بصحيح، فمعلوم أن أبا حنيفة رحمة الله عليه -وهو أول الأئمة الأربعة- ولد سنة (٨٠هـ) فقبل سنة (٨٠هـ) كيف كان الناس؟ فالواجب أن يكون الناس بعد سنة (٨٠هـ) مثلما كانوا قبل سنة (٨٠هـ)، والذي عنده معرفة بالدليل لا يجوز له أن يقلد أحداً، والذي لا يستطيع عليه أن يسأل أهل العلم ومن يثق بعلمه ودينه ويأخذ بفتواه، وإذا لم يجد أحداً يفتيه فله أن يتعلم مذهباً من المذاهب الأربعة ويتعبد الله به، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، أما كون أي إنسان يلزم بأن يكون تابعاً فهذا غير صحيح، وكثير من العلماء من بعد الأئمة الأربعة وفيهم من هو من أتباع الأئمة الأربعة وممن تفقهوا في مذاهب الأئمة الأربعة كانوا إذا جاءت إليهم مسائل يقولون: الحق فيها كذا وإن كان المذهب على كذا، يعني: هم أنفسهم تفقهوا في مذهب معين، ومع ذلك إذا وجدوا الدليل خارج المذهب فإنهم يتركون المذهب ويتبعون الدليل، وهذا فيه نقول متعددة موجودة في الفتح، وأنا ذكرت جملة منها في الرد على الرفاعي والبوطي فيما يتعلق ببعض الأمور التي أنكروها على أهل السنة وعابوا بها أهل السنة، ومنها ما يتعلق بالمذاهب، وقد نقلت نقولاً عن المالكية، والحنفية، والشافعية، وأصحاب المذاهب التي تبين أن المعول عليه هو الدليل. ثم أيضاً هذا العمل فيه أخذاً بوصايا الأئمة؛ لأن كل واحد من الأئمة كان يوصي بأنه إذا وجد الدليل فإنه يترك قوله ويصار إلى قول الرسول ﷺ .

стр. 356

الترك أو الفعل بالتدرج السؤال قد يقول قائل: إني لا أستطيع أن أترك هذا الفعل المحرم، فهل يجوز له التدرج في ترك هذا الشيء، مثل من أدمن شرب الدخان أو الخمر أو نحو ذلك؟ الجواب الواجب عليه أن يتركه ابتداءً، وإذا لم يتمكن فلاشك أن كونه يسعى إلى تركه بالتدريج أولى من أن يقال له: إنك إذا كنت لا تستطيع تركه جملة فيمكن أن تبقى على ما أنت عليه، بل إذا ما أمكن الإنسان أن يأتي به بالتدريج فعليه أن يأتي به بالتدريح، لكن الواجب عليه أن يفعل المأمور ويترك المنهي في أول وهلة. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 357

شرح الأربعين النووية [١٧] إن الله تعالى طيب لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا ما كان طيباً، وقد أمر الله تعالى المرسلين والمؤمنين جميعاً بأن تكون مكاسبهم كلها طيبة حلالاً؛ لأن المكاسب الخبيثة المحرمة لها عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنها سبب من أسباب عدم قبول الدعاء والعياذ بالله. وقد أمر النبي ﷺ بالتحري في جميع الأمور، والأخذ بما تطمئن إليه النفس وما لا ريبة فيه، وترك ما فيه شبهة وريبة، كما ذكر أن من حسن إسلام المرء أن يترك الأمور التي لا تعنيه، وأن ينشغل بما يعنيه وينفعه في دنياه وأخراه.

стр. 358

شرح حديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يارب! يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!). هذا حديث عظيم بين فيه الرسول الكريم ﷺ عظم شأن المكاسب الطيبة، وخطورة المكاسب الرديئة الخبيثة المحرمة، وأن المكاسب الطيبة مأمور بها، وفي الإتيان بها الخير والسلامة والعافية، وأن أكل الحرام فيه الضرر الكبير والخطر العظيم؛ حيث يكون ذلك مانعاً من قبول دعاء الداعي.

стр. 359

دلالة أسماء الله على صفاته تعالى قوله ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، يدل على أن الطيب من أسماء الله، ومعناه مثل القدوس، أي: المنزه عن كل نقص وعيب، فهو في غاية الكمال ، ومن المعلوم أن أسماء الله كلها مشتقة وليس فيها اسم جامد، وهي تدل على معاني هي الصفات، فالطيب يدل على الطيب، والجميل يدل على الجمال، والحكيم يدل على الحكمة، واللطيف يدل على اللطف، والعزيز يدل على العزة، والقوي على القوة، والحكيم على الحكمة، والسميع على السمع، والبصير على البصر وهكذا، فكل اسم تشتق منه صفة، ولا يشتق من كل صفة اسم، وهناك صفات ذاتية مثل اليد والوجه لا يؤخذ منها أسماء، وصفات فعلية مثل الكيد والمكر ولا يؤخذ منها أسماء، ولكن كل اسم يؤخذ منه صفة؛ لأن أسماء الله كلها مشتقة، ولهذا فإن الدهر ليس من أسماء الله، وقد نقل عن ابن حزم أنه قال: إنه من أسماء الله، وهذا غير صحيح؛ لأن الدهر اسم جامد وليس مشتقاً، والحديث الذي جاء فيه: (يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وهو لا يدل على أن الدهر من أسماء الله، والدهر هو الزمان، وهو مقلّب، والله تعالى هو الذي يقلبه، فليس من أسماء الله؛ لأنه اسم جامد، وأسماء الله كلها مشتقة تدل على معاني هي الصفات.

стр. 360

لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان طيباً كما أنه تعالى طيب في ذاته وصفاته وأفعاله فهو لا يقبل إلا طيباً، أي: لا يقبل من الأعمال والمكاسب إلا طيباً، ومن المعلوم أن الإنسان لو تصدق من مال حرام فإن ذلك لا ينفعه، وهو داخل تحت هذه الجملة العامة، وهي قوله ﷺ في هذا الحديث: (لا يقبل إلا طيباً)، وما كان حراماً فإنه غير مقبول عند الله ، وقد جاء في الحديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، فكل كسب حرام يتصدق منه الإنسان فإن ذلك لا ينفعه ولا يقبله الله ، لكنه إذا فعل العبادة بمال حرام؛ كأن حج بمال حرام، أو صلى في ثوب مغصوب، أو في ثوب حرير يحرم على الإنسان لبسه؛ فإن الحج يصح، وهو آثم على استعمال الحرام في حجه وفي غير حجه، وكذلك الصلاة تصح، وهو آثم على الغصب وعلى لبس الحرير إذا كان رجلاً.

стр. 361

أمر الله تعالى للرسل وللمؤمنين بأكل الطيبات قوله: (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال -أي: في حق المرسلين-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١])، فأمرهم بأن يأكلوا من الطيبات، وهو كل ما كان حلالاً مباحاً، (وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]) فالله تعالى أمر باستعمال الطيب وبأكل الطيب، وهذا الأمر للرسل وللمؤمنين. ومن المعلوم أن الرسل لا يحصل منهم الأكل إلا مما كان طيباً، وعلى المؤمنين أن يتبعوا الرسل فلا يأكلوا إلا ما كان طيباً، إذ الرسل أمروا بأن يأكلوا من الطيبات وهم لا يأكلون إلا الطيبات، والمؤمنون أمروا كذلك بما أمر به المرسلون، وعليهم أن يتبعوا المرسلين، وأن يقتدوا بهم في أنهم لا يأكلون إلا الطيب، وأن لا يأكلوا الحرام، وقد ذكر الله من صفات نبينا محمد ﵊ في التوراة والإنجيل: أنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين من الأكل من الطيبات؛ لأنه ذكر أنه تعالى طيب ولا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر أنه أمر المرسلين بأن يأكلوا من الطيبات، وأمر المؤمنين بأن يأكلوا من الطيبات.

стр. 362

أكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء ذكر الله تعالى أن من لا يمتثل ولا يحصل منه الانقياد لما أمر به من الأكل من الطيبات، وإنما يأكل من المال الحرام الذي هو خبيث وغير طيب، ذكر أن من كان كذلك فإنه يعمل على أن لا يقبل دعاؤه، وأخذ بالأسباب التي تمنع من قبول الدعاء، ومنها: كون الإنسان يأكل الحرام، قال: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يارب! يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!)، أي: أن الأكل من الطيبات ينفع صاحبه، فإذا دعا وهو يأكل الطيبات؛ فإنه يكون قد ابتعد عن مانع من موانع قبول الدعاء وهو أكل الحرام، لكن هناك أمور أخرى تمنع من قبول الدعاء، مثل كون الإنسان يدعو وقلبه غافل، أو يستبطئ الإجابة، ويقول: دعوت ودعوت ولم يستجب لي! كل هذا من أسباب عدم قبول الدعاء، لكن الذي ورد في الحديث: أن من أسباب عدم قبول الدعاء كون الإنسان يأكل الحرام. والرسول ﷺ ذكر أن هذا الرجل الذي ضرب به المثل أنه لا يقبل دعاؤه؛ وذلك لأنه اكتسب الحرام وكان مأكله ومشربه حراماً مع أنه وجد منه عدة أسباب من أسباب قبول الدعاء، ومع ذلك فإن الأكل من الحرام صار صارفاً ومانعاً من القبول.

стр. 363

أسباب قبول الدعاء اشتمل الحديث على خمسة أمور من أسباب قبول الدعاء: الأمر الأول: السفر: وهذا الرجل الذي ضرب به المثل مسافر، وسفره طويل أيضاً؛ لأنه قال: (يطيل السفر)، وقد جاء في الحديث ذكر المسافر ضمن أشخاص تستجاب دعوتهم، وإذا كان المسافر مطيلاً للسفر، وفي غربة ووحشة لبعده عن أهله، وقلبه منكسر، وعنده هم وغم لبعده عنهم؛ فقد جاء ما يدل على أنه ممن يقبل ويستجاب دعاؤه. الأمر الثاني: أشعث أغبر: وقد جاء في الحديث عن أهل عرفة أن الله تعالى يباهي بأهل الموقف الملائكة، ويقول: (انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً). الأمر الثالث: رفع اليدين بالدعاء: فإنه قال: (يمد يديه إلى السماء)، أي: إلى الله ، وفي هذا بيان أن الله تعالى في العلو، والمقصود بالسماء العلو، والله تعالى فوق العرش، وهو في العلو وليس في داخل السماوات؛ لأن السماوات مخلوقة لله ، وهي ضئيلة أمام عظمة الله ، فلا يكون في داخل السماوات أو الأرضين؛ بل هو فوق العرش ، فالمراد بالسماء هنا: العلو، كما قال الله : ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: في العلو، ومن المعلوم أن كل ما علا فهو سماء، وكل ما كان داخل السماوات ودون العرش فهو سماء ولكنه مخلوق، وما فوق العرش فهو سماء، والله هو في السماء التي فوق العرش، أي: في العلو. ومعنى أنه يمد يديه إلى السماء أي: يرفع يديه إلى الله ، وقد جاء في الحديث: (إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً)، أي: أن الله تعالى يجيب دعاءه إذا رفع يديه. الأمر الرابع: سؤال الله بربوبيته: وأنه الرب الذي هو خالق كل شيء، والمربي لخلقه بالنعم، والمتفضل عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، ولهذا كثيراً ما يأتي في القرآن ذكر الدعاء مبدوءاً بربنا، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:٨]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] آيات كثيرة فيها دعاء الله باسم الرب وبوصف الربوبية لله . الأمر الخامس: الإلحاح في الدعاء: وذلك حينما قال: يارب! يارب! وهذا التكرار فيه إلحاح. إذاً: هذه الأمور الخمسة كلها من أسباب قبول الدعاء، ومع ذلك فإن هذا الذي حصلت منه هذه الأمور لم تحصل له الاستجابة؛ لأنه يأكل ويتعاطى الحرام في مأكله وملبسه ومشربه وغذائه وفي جميع تصرفاته، كل استخدامه واستعماله للمال الحرام، ولهذا قال ﵊ بعدما ذكر هذه الأحوال التي اتصف بها هذا الرجل الذي سأل الله ، ولكن جاءت الأمور التي تمنع وهي: كون مأكله حراماً ومشربه وملبسه وغذي بالحرام، قال بعد ذلك: (فأنى يستجاب لذلك؟!) أي: كيف يستجاب له؟! هذا بعيد أن يستجاب له وقد حصل منه الأخذ بهذه الأسباب التي تمنع قبول الدعاء، ولكن مع ذلك فإن الاستجابة لمن هذه حاله غير مستحيلة؛ فإن الله إذا شاء أن يستجيب لمن حصلت منه الذنوب فإنه يستجيب، ولكن هذه الأمور من أسباب عدم قبول الدعاء.

стр. 364

هيئة رفع اليدين في الدعاء قال ابن رجب ﵀: (وقد روي عن النبي ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها: أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر، وفعله لما ركب راحلته). معلوم أن الإشارة بالسبابة تكون عند ذكر الله تعالى، كما جاء أن النبي ﷺ كان في التشهد يحرك أصبعه يدعو بها، وكذلك في الخطبة كان لا يزيد على أن يشير بإصبعه، فما كان يرفع يديه، كما جاء أن عبد الملك بن مروان كان يخطب وقد رفع يديه، فأنكر عليه بعض الصحابة وقال: (إن النبي ﷺ ما كان يزيد على أن يقول بإصبعه هكذا) إذاً: الخطبة لا ترفع فيها الأيدي وإنما يشار بالإصبع فقط، إلا في الاستسقاء إذا حصل في الخطبة فترفع الأيدي؛ لأن النبي ﷺ لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ولعل إشارة النبي ﷺ بأصبعه كانت تكون عند التكبير وعند ذكر الله ، كما في التشهد حين كان يحركها يدعو بها عند ذكر الله. قال ﵀: (وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه، منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق بن راهويه، وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وعن ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة). فيما يتعلق بقنوت النوازل: كان ﷺ يرفع يديه في الدعاء، وأما قنوت الوتر فقد ثبت عن عمر ﵁، وجاء عن أبي هريرة، ولا أعلم فيه حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، لكن -كما هو معلوم- إذا ثبت عن الصحابة فإنه يؤخذ بما جاء عن الصحابة، وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه كان يرفع يديه، وكذلك جاء عن أبي هريرة ﵁، وهذا في قنوت الوتر، وأما قنوت النوازل فقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه. قال: (ومنها أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رويت هذه الصفة عن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني. ومنها عكس ذلك، وقد روي عن النبي ﷺ في الاستسقاء أيضاً، وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا. ومنها عكس ذلك أي: كون ظهورهما إلى جهة وجهه وبطونهما إلى جهة القبلة على الهيئة التي تكون عند التكبير، فعندما يكبر يجعل بطونهما إلى جهة القبلة وظهورهما إلى جهة وجهه، هذا هو عكس الكلام الأول. وقد جاء من حديث أنس ﵁: (كان النبي ﷺ يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه). وهذه الصفة معناها: أنه جعل بطونهما إلى جهة الأرض، كأنه رفع يديه هكذا فصارت البطون إلى جهة الأرض. قال: (ومنها: إذا رفع يديه جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض، وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله في غير حديث، وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله . ومنها عكس ذلك: وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء، وبطونهما مما يلي الأرض. وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)، وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه: (فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء). يمكن أنه بدل ما يثني يديه جعلهما مبسوطتين، ولكن بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء. قال: (وخرجه أبو داود ولفظه: (استسقى هكذا) يعني: مد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض). وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي ﷺ واقفاً بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض)، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي ﷺ يديه بعرفة. وهذا خرجه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن أبي شيبة، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: فيه بشر بن حرب وهو ضعيف. قال: وروي عن ابن سيرين أن هذا في الاستخارة، وقال الحميدي: هذا هو الابتهال.

стр. 365

شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وريحانته قال: حفظت من رسول الله ﷺ قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. هذا الحديث هو أول حديث ذكره النووي خارج الصحيحين، والأحاديث العشرة التي مرت كلها في الصحيحين أو أحدهما، وقد خرج الإمام مسلم الأحاديث العشرة الماضية كلها، والإمام البخاري خرجها كلها إلا الثاني والسابع والعاشر، فالثاني هو حديث عمر حديث جبريل، ولكنه رواه من حديث أبي هريرة فلم يروه من حديث عمر، والنووي إنما أورد حديث عمر ولم يورد حديث أبي هريرة، والحديث السابع حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري: (الدين النصيحة)، والحديث العاشر حديث أبي هريرة: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً). إذاً: مسلم روى العشرة الماضية كلها، والبخاري روى سبعة منها فقط، فلم يروِ الثاني والسابع والعاشر، والحديث الحادي عشر هو أول الأحاديث التي ليست في الصحيحين، ولكنه صحيح وثابت عن رسول الله ﷺ ، وهو قوله ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

стр. 366

ترجمة الحسن بن علي ﵁ راوي الحديث هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وأمه وعن الصحابة أجمعين، وهو أكبر أولاد علي ﵁، وبه يكنى، وقد جاء عن النبي ﵊ في حقه وحق أخيه الحسين أنهما: (سيدا شباب أهل الجنة) وقال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد) وأخبر أن الله تعالى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وقال ذلك وهو يخطب الناس على المنبر ومعه الحسن، وكان ينظر إليه وينظر إلى الناس، ويقول: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وقد تحقق ذلك في سنة إحدى وأربعين، حيث تنازل عن الخلافة لـ معاوية ﵄، واجتمعت كلمة المسلمين، وصار لهم إمام واحد، وقد تحقق بهذا ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه من هذا الإصلاح الذي اتحدت فيه الكلمة، فسمي ذلك العام: عام الجماعة؛ لاجتماع كلمة المسلمين. وهو سبط رسول الله ﷺ ، أي: ابن بنته؛ فإن الأسباط هم أبناء البنات، والأحفاد أبناء البنين، وذرية الرسول ﷺ إنما هي من البنات؛ بل من أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهم الذين بقي النسل فيهم من ذرية الرسول ﷺ ، وله من غير فاطمة مثل أمامة بنت زينب، التي كان الرسول ﷺ يحملها في الصلاة، فإنها عاشت بعده، ولكن النسل إنما حصل من هذين السبطين الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما. وقد قال النبي ﷺ : (إنهما ريحانتاي من الدنيا) يعني الحسن والحسين، والريحان: هو النبت الذي رائحته طيبة، فهما شبيهان بالريحان لحسنهما ولقربهما منه، ولطيبهما وطيب رائحتهما عنده ﷺ ، فكانا بمثابة ذلك الريحان الذي ترتاح وتطمئن إليه النفوس.

стр. 367

وجوب ترك الأمور المشتبهة إلى ما لا شبهة فيه قال ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وقد مر في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما جملة توافق هذه الجملة وتتفق معها، وهي قوله ﷺ بعد أن ذكر الأمور المشتبهة: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، فإن قوله: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) هو مثل: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) أي: دع ما لا تطمئن إليه وتشك فيه ولا ترتاح إليه من الأقوال والأعمال إلى الشيء الذي ترتاح وتطمئن نفسك إليه؛ لأنك بذلك تسلم وتغنم لكونك أتيت إلى ما لا يريبك، وتركت ما يريبك، أي: ما فيه ريبة وشك وعدم ارتياح. فالنفس تكون قلقة مضطربة إذا كان الشيء مما يريب، وعلى الإنسان أن يذهب إلى ما لا يريبه، وتطمئن وترتاح نفسه إليه، ويقدم الإنسان عليه وهو مرتاح، فيكون قوله: (دع ما يريبك) مثل قوله: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، وقوله: (إلى ما لا يريبك) مثل قوله: (إن الحلال بين)، فإن الإنسان عندما يأتي إلى شيء واضح جلي ليس فيه خفاء، فإنه يكون قد أخذ بما هو واضح وبما هو حلال بين، وأما إذا كان في شيء مشكوك فيه، وفي أمر غير مرتاح إليه؛ فإن هذا يكون من قبيل الشيء الذي أقدم عليه وكان المطلوب منه أن يتركه؛ لأن (دع) بمعنى اترك، وهي فعل أمر، وهي مادة يأتي منها الأمر والمضارع ولا يأتي منها الماضي إلا نادراً، مثل قوله ﷺ : (اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم). وهذا الحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، من جوامع كلمه ﵊؛ فإنها جملة وجيزة قصيرة، مبناها قليل ولكن معناها واسع، وهذه من الكلمات الجامعة التي أعطيها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 368

شرح حديث: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) رواه الترمذي وغيره. هذا الحديث أيضاً من جوامع كلمه ﷺ ، وذلك أن الإنسان المتمسك بإسلامه تمسكاً صحيحاً يترك ما لا يعنيه إلى ما يعنيه، ويشتغل بما يعود عليه بالخير، ويشغل وقته ويصرف ساعاته فيه، ويترك الشيء الذي لا يعنيه والذي لا علاقة له به؛ سواء كان متعلقاً بأعمال أو أقوال، أو كان متعلقاً بأحوال الناس وأعمالهم وما يكونون عليه؛ فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وذلك بأن يشتغل بنفسه وتهذيبها وتنقيتها وتصفيتها وتربيتها على الخير، وتعويدها على ما يعود عليه بالخير، ويشغل وقته في ذلك، ولا يشتغل بأمور أخرى لا تعنيه. وهذا الحديث يدلنا على أن الناس يتفاوتون في الإسلام، وأن فيهم من يكون بهذا الوصف الذي تكون نتيجته أنه يترك ما لا يعنيه، ومفهوم ذلك: أنه يعنى بما يعنيه، وهو ما يهمه وما هو مطلوب منه، سواء كان متعلقاً بأمور الدين أو الدنيا، بأمور الحياة الدنيا أو الحياة الآخرة، كل ما يعنيه من ذلك فإنه يشتغل به، وما لا يعنيه فإنه يكف عنه ويبتعد عنه. وهذا من الآداب النبوية التي جاءت عن الرسول الكريم ﵊ في عبارة وجيزة وفيها حث الإنسان على أن يشتغل بما يعنيه، وأن يحذر الاشتغال بما لا يعنيه.

стр. 369

كلام ابن رجب في شرحه لهذا الحديث للحافظ ابن رجب ﵀ كلام جميل حول شرح هذا الحديث، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: (وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقوله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وقوله للذي اختصر له في الوصية: (لا تغضب)، وقوله ﷺ : (المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). وكل هذه الأربعة الأحاديث من الأربعين، وبعضها مماثل لبعض؛ لأن قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) من جنس: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)؛ لأن كونه يقول خيراً من الاشتغال بما يعنيه، وكونه يصمت، فقد صمت عن الكلام فيما لا يعنيه، وعن الاشتغال بما لا يعنيه، واشتغل بما يعنيه، وكذلك الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فهو يقدم على الشيء الذي يعود على غيره بالخير، كما أنه يقدم على ما يعود عليه بالخير. قال ﵀: (ومعنى هذا الحديث: أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل، والاقتصار على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، ومعنى (يعنيه): أنه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس؛ بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام، وإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات، كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇، وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه، كما وصى ﷺ رجلاً أن يستحي من الله كما يستحي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه، وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (الاستحياء من الله تعالى أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما وحوى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). قال بعضهم: استحِ من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك، وقال بعض العارفين: إذا تكلمت فاذكر سمع الله لك، وإذا سكت فاذكر نظره إليك. وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]. وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني: حفظ اللسان من لغو الكلام، كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة ق، وفي المسند من حديث الحسين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه)، وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: (يا رسول الله! إني مطاع في قومي فما آمرهم؟ قال: مرهم بإفشاء السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم)، وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: (كان في صحف إبراهيم ﵊: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو حرفة لمعاش، أو لذة في غير محرم). وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه). ثم قال ﵀: وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه، وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه، وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة بحسب حسن الإسلام، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله ، فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله؛ كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين وأوقات الحاجة إلى النفقة، ويشهد لذلك ما روي عن عطية عن ابن عمر أنه قال: نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] في الأعراب، قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]). والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 370

الأسئلة

стр. 371

وسائل جعل الأعمال والأقوال طيبة السؤال في الحديث الأول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) عرفنا أن طيب الطعام والشراب بأن يكون حلالاً، لكن كيف تطيب الأعمال والأقوال؟ الجواب كونه يؤتى بها كاملة على وفق الشرع، وإذا أتي بها على خلاف الشرع بأن تكون مبتدعة، أو أن يخل بالإتيان بها على كيفيتها وهيئتها المطلوبة، فإنها تكون بحسبها، وعلى هذا فإن العمل إذا كان هكذا يعتبر غير كامل؛ لأن الكامل لابد أن يكون طيباً، وإن كان أصله فيه السلامة ويعتبر مجزئاً، إلا أنه إذا حصل فيه إخلال فيكون هذا مقابل الإتيان به على وجه طيب.

стр. 372

حكم الصلاة في مسجد بني من الربا السؤال يوجد في بلدنا تاجر معروف بالربا والقمار وغير ذلك، وبعد موته بنى ورثته له مسجداً بناء على وصيته من أمواله المحرمة، فهل يجوز لنا الصلاة في هذا المسجد؟ الجواب نعم، يجوز للإنسان أن يصلي في المسجد ولو كان قد بني من الحرام؛ فإن لكم غنمه ولكم الفائدة من الصلاة في هذا المكان، وأما هو فعليه إثمه وعليه غرمه.

стр. 373

حكم من توظف بشهادة حصل عليها بطريق الغش في الاختبار السؤال رجل غش في الاختبار في المرحلة الجامعية في بعض المواد الدراسية وتخرج، والآن يعمل في الدوائر الحكومية ويأخذ راتباً، فإن كان عمله ذلك حراماً فكيف يعمل؟ هل يخرج من وظيفته أم ماذا يفعل؟ الجواب إذا كانت هذه الشهادة مبنية على هذا الغش، وهذا الراتب إنما يعطى على هذه الشهادة، فمعناه أنه وصل إلى ما وصل إليه بغير طريق مشروع، وعليه إذا كان دخل بهذه الشهادة أن يسعى لأن يحصل عملاً بشيء دونها؛ لأن هذا بني على سبب محرم وعلى وسيلة محرمة، وهي وسيلة تحصيل تلك الشهادة.

стр. 374

معنى قوله ﵊: (أيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به) السؤال ما معنى قوله ﵊: (وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به)؟ الجواب معنى ذلك: أنه يعذب بالنار نتيجة لأكله الحرام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، لكن هذا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، كما في السلسلة الضعيفة، وذكر شعيب الأرنؤوط أنه رواه ابن مردويه في تفسيره عن الطبراني كما في تفسير ابن كثير، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الصغير، وفيه من لم أعرفه.

стр. 375

حكم التسمي بأسماء الله تعالى السؤال هل يجوز أن يسمى أحد باسم الله مثل الطيب؟ الجواب يجوز؛ لأن الأسماء التي لا يسمى إلا الله تعالى بها ذكرها العلماء ومنهم ابن كثير في أول تفسيره ومنها: الله، والرحمن، والصمد، والخالق. إلخ، وأما بعضها مثل الرحيم، فقد جاء وصف الرسول ﷺ بأنه رءوف رحيم، وجاء ذكر العزيز والعظيم إلى أسماء أخرى مضافة إلى غير الله ، أما الصمد والرحمن والخالق والله، فهذه لا تضاف إلا إلى الله .

стр. 376

حكم التسمي بعبد الطيب السؤال ذكرتم أن من أسماء الله الطيب، وفي حالة ما إذا تسمى الشخص بعبد الطيب، فقد يعتقد البعض أن الذي هو عبد له هو الرسول ﷺ أو أحد الأولياء، فهل نقول: لا يتسمى به سداً للذريعة؟ الجواب التعلم وزوال الجهل بالعلم هو المطلوب، وإذا استشكل أحد هذا فيقال له: قد ورد هذا عن الرسول ﷺ .

стр. 377

حكم التصدق بالزيادة المأخوذة من الربا السؤال من يرابي ويتصدق بالزيادة هل يكون ممن يأكل الحرام، علماً أنه لم يأكل ذلك النفع ولم ينتفع به؟ الجواب يقول ﵊: (لا يقبل الله صدقة من غلول)، فلا يتصدق بمال حرام، ولا يأخذه ولا يكون من أهله، ولا يدخل في ماليته، بل عليه أن يبتعد عنه، ولكنه إذا وقع في حوزته وابتلي به فيمكن أن يتخلص منه بأمور ممتهنة، مثل بناء حمامات، أو تعبيد طرق، أو ما أشبه ذلك، أما كونه يتصدق به، فهذا كما يقول الشاعر: أمطعمة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

стр. 378

الطيب اسم من أسماء الله السؤال هل ورد اسم الطيب في نص واضح؛ لأنه قد يحتج بأن هذا الحديث يدل على صفة لله لا على الاسم؟ الجواب هذه الصيغة صيغة اسم؛ لأن الصفة هي الطِيْب والاسم هو الطَيب، مثل قوله ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال)، فالجميل اسم والجمال صفة، وهنا الطَيب اسم والطِيب صفة.

стр. 379

حكم الحج بمال أخذ من رجل كافر السؤال رجل أعطاه كافر مبلغاً من المال فحج به، فما حكم حجه؟ الجواب يصح حجه، وكون المعطي كافر ليس فيه بأس، ويصح حجه؛ لأنك لو بعت الكافر سلعة وأخذت منه النقود فهي ملكك، ولا يجب عليك أن تبحث عن أصلها وعن أشياء أخرى، فما دام أنها وصلت إليك بطريق مشروع فهي حلال، ولهذا يجوز البيع والشراء مع الكفار، والنقود التي تصل إليك هي حلال.

стр. 380

حكم من كان يتعامل مع بنك ربوي وهو لا يعلم بذلك السؤال من كان يتعامل مع بنك ربوي وهو لا يدري، فماذا يفعل الآن؟ الجواب يتحول وينتقل من التعامل مع البنك الربوي إلى جهة ليس فيها ربا، وإذا أمكن أن يكون في هذا البنك الربوي خزائن تؤجر وتضع فيها نقودك، وتعطيهم أجرة لاستخدام الخزانة والانتفاع بالخزانة، فإن هذا هو الطريق الطيب المناسب؛ لأنك بذلك قد تكون أمنت من ضياع نقودك، وعملت على حفظها في مكان فيه أمان، وفي نفس الوقت أيضاً لم تمكن البنك من أن يتصرف فيها بالربا؛ لأن نقودك تجدها في تلك الخزانة كما هي، تأخذ منها ما تأخذ وتترك ما تترك، والبنك لا يتمكن من التصرف فيها، فإذا وجد في البنوك الربوية مثل هذه الخزانات فهي التي ينبغي للإنسان أن يتعامل مع البنك على ضوئها.

стр. 381

حكم الغش في الاختبار السؤال ما حكم الغش في الاختبار؟ الجواب مسألة الغش في الاختبار أظن أن للشيخ عبد العزيز بن باز فتوى فيها، فأنصح بالرجوع إليها.

стр. 382

حكم أخذ الصدقة من مؤسسة حكومية في مكاسبها أمور محرمة السؤال ما حكم قبول الصدقة من مؤسسة حكومية عرف أن لها مكاسب محرمة؟ الجواب إذا كان أكثر ما في تلك الجهة هو من الحلال، والحرام مغمور فيها وهو قليل يسير؛ فإنه لا بأس بذلك.

стр. 383

حكم أخذ طالب العلم من مال أبيه المكتسب بطريقة محرمة السؤال يكتسب أبي الأموال بطريق محرمة، وأنا أطلب العلم الشرعي بمال أبي، فهل يجوز لي أن آخذ من مال أبي، علماً بأني لا أستطيع أن أدرس إذا انقطعت عن مال أبي؟ الجواب إذا تمكنت من الاستغناء عن مال أبيك فهذا هو الذي ينبغي لك، وإن اضطررت إليه فلا بأس، ولك غنمه وعلى أبيك غرمه، ولكن أهم من هذا كله أن تحرص على سلامة أبيك، وأن تحرص على إنقاذه من الورطة والبلاء الذي وقع فيه.

стр. 384

حكم أخذ الحوالة من البنك الربوي السؤال إذا استقبل شخص حوالة من بنك ربوي، فهل يجوز له أن يأخذها؟ الجواب هذا الأمر لا بأس به، إذا جاء إليك المال وهو حق لك عن طريق بنك فليس فيه بأس، فكونك تأخذ مالك المحول من البنك، كما لو حول راتبك على البنك فأنت تأخذه ولكن لا تبقيه، بادر إلى أخذه حتى لا تمكن البنك من استعماله في الربا.

стр. 385

حكم أخذ الهبة ممن يحصل على المال بطرق محرمة السؤال إذا كان شخص يحصل على المال بالتحايل على الناس والكذب عليهم، وماله كله من هذا الكسب، فهل يجوز لي أن أقبل هبته؟ الجواب إذا كان المال كله مبنياً على حرام ومؤسساً على حرام، فكونك تتنزه عن هذا هو الذي ينبغي لك.

стр. 386

حكم أخذ الراتب كاملاً مع التهاون في العمل السؤال هل التهاون في العمل الوظيفي يجعل الراتب من غير الطيبات؟ الجواب هو بحسبه، إذا كان بخس شيئاً من الوقت فهو لا يستحق ذلك الشيء الذي بخسه، والذي عمله وحضره لا يستحقه، فمثلاً: إذا كان الدوام ست ساعات وتأخر ساعة فيكون سدس راتب ذلك اليوم لا يستحقه. وإذا كان لا يحب أن ينقص من راتبه شيئاً، ومع ذلك يهون عليه أن يبخس العمل وأن ينقص منه، فيكون بذلك شبيهاً بالذين وصفهم الله وهم المطففون فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، ثم قال: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]، يعني: ألا يتقي الله هؤلاء ويتذكرون ذلك اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، وحينئذٍ لن تنفعهم إلا الأعمال الصالحة؟!

стр. 387

حكم رفع اليدين عند الدعاء للميت السؤال هل يجوز رفع اليدين عند الدعاء للميت؟ الجواب جاء عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه وهم يدفنون ميتاً في المقبرة: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، فما أعلم شيئاً يدل على رفع اليدين في هذا الموضع، لكن الأمر الذي كان يقع بكثرة ولم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء، مثل رفع اليدين بعد صلاة الفريضة؛ لأن النبي ﷺ كان إمام الناس دائما ًوأبداً، ولم يكن لهم إمام غيره إلا في أمور نادرة جداً، مثل قضية عبد الرحمن بن عوف في طريق تبوك، وقضية أبي بكر حيث صلى بالناس أول الصلاة، ثم جاء الرسول من قباء ودخل وأكملها، وكذلك في مرض موته كان هو الإمام وهو جالس ﵊ وأبو بكر يبلغ، ومع ذلك لم يؤثر عنه ﷺ في جميع تلك الصلوات أنه كان يرفع يديه بعد الفريضة، ومن هنا فلا ترفع الأيدي في الدعاء بعد الفريضة، لكن هناك أمور يسيرة أو نادرة ولم ينقل فيها شيء، والأمر فيها واسع، فإن رفع يديه فما نعلم شيئاً يمنعه، وإن لم يرفعها فليس هناك مانع.

стр. 388

حكم ضرب المعلم للطلاب بالحديد السؤال هل يجوز للمعلم أن يضرب الطالب بالحديد؟ الجواب الضرب من المعلم ينفر الطلاب، ولكن عليه أن يتألفهم، وأن يشجعهم، أما كونه يضربهم بالحديد فهذا فيه إساءة إليهم ونفور من الدراسة، وقد يترتب على ذلك هروب وتسرب.

стр. 389

شرح الأربعين النووية [١٨] لقد حث الإسلام على الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، ومن ذلك توطيد مبدأ وعلاقات الأخوة بين المسلمين، وهي تعني التآلف والترابط والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير والصلاح، وأن يكره له ما يكرهه لنفسه، فمن فعل ذلك فقد حسن إيمانه وكمل، ولأجل عظم هذا الأمر فقد حرم الإسلام دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، ولم يبح لأحد أن يستحلها مهما كان الأمر، إلا من ارتكب شيئاً يجعله حلال الدم فقد حل دمه، كالثيب الزاني، والقاتل، والمرتد عن الدين.

стр. 390

شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم. هذا حديث عظيم، بين فيه النبي الكريم ﷺ أن من كمال الإيمان في المؤمن والمسلم أن يكون محباً لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يكره له ما يكره لها، فيكون حريصاً على الخير لنفسه ولغيره، ولا يكون شأنه متعلقاً بنفسه فقط، وأما غيره فلا يهمه شأنه، ولا يعيره اهتماماً؛ بل عليه أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه؛ وكذلك يكون الأمر فيما يقابل ذلك من الكراهة، فيكره لغيره ما يكرهه لنفسه.
следующие страницы →