Полный текст (1 058 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الصغائر تكفر بفعل الحسنات
السؤال
هل يدل حديث: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) على أن الحسنات تمحو الصغائر وإن لم يتب منها صاحبها؟
الجواب
نعم، السيئات تمحى وإن لم يحصل منها توبة؛ لأن التي لابد لها من توبة هي الكبائر، والتوبة -كما هو معلوم- تجب كل شيء، وإذا جبت الكبائر فالصغائر من باب أولى.
стр. 492
حكم من سن سنة سيئة ثم تاب منها
السؤال
لو أن إنساناً سن سنة سيئة وعمل بها أناس من بعده، ثم تاب منها واستمر أولئك الناس على تلك السنة السيئة، فهل يكتب إثمها عليه؟
الجواب
الذي يظهر أنه إذا أتى بشيء منكر أو بضلالة ثم تاب منها؛ فإنه لا يكتب عليه عمل من عمل بها من بعده، ولكن عليه أن يوضح الحق، فكما حصل منه بيان الباطل الذي وفق للتوبة والسلامة منه فعليه أن يبين الحق ويوضحه، وأن يبين أنه رجع عن ذلك الباطل إلى ما هو حق، ولا يلحقه بعد ذلك ضرر.
стр. 493
حصول المقصود بالقصاص بالحقنة القاتلة
السؤال
إذا قلنا بجواز قتل القاتل بالحقنة، فكيف تتحقق مصلحة الارتداع والانزجار لغيره من الناس؛ إذ لم يروا شدة القتل بالسيف؟
الجواب
إذا كان سيقتل أمام الناس، فمعلوم أنه إذا حصل ذلك، وأخبروا بأنه حصل له القتل، فإنه يكون قد حصل المقصود، والناس إذا عرفوا أن الإنسان قتل وخرجت روحه، سواء كان بهذه الطريقة أو بتلك، المهم أنه مات، لكن قد يكون في هذه الطريقة تدليس على الناس، بأن يعملوا له حقنة تخديرية ثم يفيق بعد ذلك، فإذا كان في المسألة تغرير بالناس أو تلبيس عليهم، فإنه لا يحصل المقصود، لكن إذا كان المقصود قد تحقق بهذا الأمر، وأنه قد مات وذهبوا به إلى المقبرة ودفنوه، فإن ذلك يكون كافياً، والناس ينزجرون إذا سمعوا أن فلاناً مات، وأنه قضي عليه بأي طريقة.
стр. 494
حكم قتل نساء الكفار إذا كانوا يقتلون نساء المسلمين
السؤال
هل يجوز قتل نساء الكفار لأنهم يقتلون نساء المسلمين؟
الجواب
لا يجوز، إذا كان قد حصل من الكفار أنهم تجاوزوا الحدود وقتلوا صبيان ونساء المسلمين، فالمسلمون ممنوعون من قتل النساء والصبيان، إلا إذا كن النساء مقاتلات ومشاركات في الحرب فيقتلن إذا قاتلن.
стр. 495
حكم الاستمناء
السؤال
هل الاستمناء من الكبائر أو الصغائر؟
الجواب
لا شك أنه عدوان وإتيان بشيء خارج عما هو مشروع، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فهو مستحق للوم وفيه عدوان، ولا أعرف نصوصاً أخرى تتعلق به، لكن هذه الآية واضحة في أنه من العدوان، وهو ليس بالأمر الهين؛ بل هو أمر خطير، والواجب على كل إنسان أن يحذره وأن يبتعد عنه.
стр. 496
حكم مصافحة النساء الأجنبيات
السؤال
هل مصافحة النساء الأجنبيات من الكبائر أو الصغائر، وكذلك القبلة؟ الشيخ: ورد في الحديث التعذيب بالنار لمن يفعل هذا، وأنه لو غرز في رأسه مخيط من نار خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، وهذا يدل على أن أمره خطير؛ لأن هذا العمل أشد من أن يغرز في رأسه مخيط من نار، وهذا يدل على أنه من الكبائر.
أما القبلة فقد جاء في حديث الرجل الذي قبل امرأة أجنبية فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، ولا شك أن القبلة أشد من المصافحة، وأنه يستحق العقوبة بأكثر من هذا.
стр. 497
حكم شرب الدخان
السؤال
هل شرب الدخان من الكبائر أم من الصغائر؟ الشيخ: لا شك أن النصوص جاءت بعمومها لتدل على تحريم شرب الدخان، وأنه أمر خطير، وكما هو معلوم أنه من الأشياء التي جدت وليس فيها نص خاص، وإنما النصوص العامة مثل كون الإنسان لا يقتل نفسه، وكونه من جملة الخبائث التي حرمها رسول الله ﷺ ، وكونه فيه إضاعة للمال، وإيذاء للناس برائحته الكريهة، فالواجب هو الحذر والابتعاد منه، سواء وصل إلى حد الكبيرة أو لم يصل.
стр. 498
معنى حديث: (من قال أستغفر الله غفر له)
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له ما تقدم من ذنبه ولو فر من الزحف)، مع أحاديث أخرى تدل على أن الأذكار أو بعض الأفعال يكون بها الغفران ومحو الخطايا؟
الجواب
هذا يكون مع التوبة، وأما إذا كان بدون توبة فإنه لا يفيد شيئاً ولا يجدي شيئاً، ولكن من قالها تائباً وحصل منه هذا الكلام مع التوبة فلا شك أنه يغفر له.
стр. 499
من شرب الخمر ثم تاب فهل يحرم منها في الجنة
السؤال
هل شارب الخمر والمسكر في الدنيا يحرمه الله منها في الآخرة حتى ولو بعد التوبة؟
الجواب
ورد في الحديث أنه (من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة) لكن هل يعني ذلك المنع المؤبد والمطلق، أم أنه يعني المقيد في وقت من الأوقات؟ وقد ورد في بعض الأحاديث أن الجنة لا يدخلها من كان كذا، مثل: (لا يدخل الجنة قتات)، ومعلوم أنه يدخلها إذا لم يكن مشركاً بالله.
стр. 500
حكم قطع رأس الطير باليد من دون ذبح
السؤال
هل من الإحسان ما يحصل عند صيد الحمام بنزع رأسها كاملاً لأنه أسهل وأسرع وقتاً؟
الجواب
هذا ليس ذبحاً، كونه يمسك الرأس في يد، والجسم في يد ثم يفصل هذا عن هذا، فإن هذا ليس بذبح، إنما الذبح أن يأتي بالآلة الحادة التي يجريها على الحلق حتى يخرج الدم بهذه الطريقة.
стр. 501
الفرق بين التوبة والاستغفار
السؤال
ما الفرق بين الاستغفار والتوبة؟
الجواب
التوبة: أن يقلع عن الذنب ويندم عليه ويحرص على أن لا يعود، وأما الاستغفار فكونه يقول: أستغفر الله ، فإذا قال: أستغفر الله، وقد تاب من ذنبه وندم عليه، فإنه يكون بذلك حصل له مقصوده من السلامة من الذنوب والخروج من تبعتها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 502
شرح الأربعين النووية [٢١]
من أراد أن يحفظه الله تعالى في جميع شئونه وأحواله، وأن يسدده في كل أعماله وتصرفاته، فعليه أن يحفظ الله تعالى بأن يعمل بأوامره وينتهي عن نواهيه، وألا يسأل إلا الله، وألا يستعين إلا به، وأن يرد جميع أمره إليه سبحانه، وأن يعلم أن كل شيء إنما هو بقضاء وقدر، فليرض وليسلم بقضاء الله وقدره، فإن الأقلام قد رفعت، والصحف قد جفت، وكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
стр. 503
شرح حديث: (احفظ الله يحفظك)
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال لي: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفّت الصحف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية لغير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).
هذا حديث عظيم من وصايا الرسول الكريم ﷺ ، أوصى به ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهي وصية عظيمة جامعة نافعة، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفصل الصلاة وأتم التسليم.
стр. 504
ترجمة ابن عباس راوي الحديث
عادة الإمام النووي رحمة الله عليه أنه إذا ورد الصحابي لأول مرة فإنه يذكر كنيته، ولهذا قال هنا: عن أبي العباس، ويقال: إن الذين عُرفوا بكنية أبي العباس من أصحاب رسول الله ﷺ اثنان هما: عبد الله بن عباس وسهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما، فإن هذين الاثنين هما اللذان عرفا بالتكني بهذه الكنية، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه من صغار الصحابة، وقد روى الكثير عن رسول الله ﷺ ، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وقد رووا من الحديث عن النبي ﷺ ما لم يروه غيرهم كثرة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ومعلوم أن رواية الصحابة للأحاديث إما أن يكونوا سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، أو أنهم سمعوا ذلك من غيرهم من الصحابة ولم يسمعوه من النبي ﷺ ، ومن المعلوم أن الصحابي إذا أضاف حديثاً إلى الرسول ﷺ -سواء كان سمعه هو أو سمعه غيره- فإن ذلك مرفوع وثابت ومتصل إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن المجهول فيهم في حكم المعلوم.
وقد أخبر ابن عباس أنه كان خلف النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون خلفه ماشياً، أو أن يكون خلفه راكباً رديفاً له ﷺ ، وقد خاطبه النبي ﵊ بوصفه كغلام فقال: (يا غلام!) وقال: (ألا أعلمك كلمات!)، وهذا فيه التنبيه إلى أهمية ما سيلقى وما سيذكر بعد هذا الخطاب، وفي هذا حفز للهمة ولفت للانتباه حتى يعي السامع ما يلقى عليه.
стр. 505
معنى حفظ العبد لربه وحفظ الرب لعبده
بدأ النبي ﷺ يعلم ابن عباس بدأ يعلمه هذه الكلمات، وفي صنيع الرسول ﷺ مع ابن عباس ما يدل على تواضعه ﷺ وملاطفته للصغار، حيث قال له: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات).
قال ﵊: (احفظ الله يحفظك)، هذه أول تلك الكلمات الجامعة المفيدة العظيمة، والمقصود بحفظ الله : حفظ حدوده وشرائعه وأمره ونهيه، بحيث يكون الإنسان ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي مصدقاً للأخبار، عابداً لله وفقاً لما شرع في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، فهذا هو المقصود بكون الإنسان يحفظ الله، أي: احفظ حدود الله وشرائعه وأوامره ونواهيه، بأن تكون ممتثلاً لكل مأمور، منتهياً عن كل محذور، وأن تكون مصدقاً للأخبار، وأن تكون متعبداً لله بالشرع لا بالأهواء والبدع ومحدثات الأمور؛ بل تكون عبادة الإنسان خالصة لله ومطابقة لسنة رسول الله ﷺ .
ثم قال: (يحفظك)، وهذا هو الجزاء، والجزاء من جنس العمل، فإذا كان العمل حفظاً فإن الجزاء حفظ، فإن كان الإنسان يحفظ حدود الله ويمتثل ويستسلم وينقاد فإن الجزاء هو أن الله يحفظه في أمور دينه ودنياه، وكثيراً ما يأتي في النصوص بيان أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في هذا الحديث: (احفظ الله يحفظك) وحديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، فكل هذا الجزاء من جنس العمل، وحديث ابن عباس الذي معنا فيه أن العمل حفظ والجزاء حفظ، فالعمل كون العبد يحفظ حدود الله، والجزاء أن الله تعالى يحفظه في أمور دينه ودنياه.
ثم قال: (احفظ الله تجده تجاهك)، كرر الأمر بحفظ الله الذي هو حفظ شريعته، فإذا فعل الإنسان ذلك فإنه يجده تجاهه يسدده ويحوطه ويرعاه ويكلؤه ويحفظه، وكذلك أيضاً يجد ثواب ذلك في العاجل والآجل، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].
فيجد الله حافظاً له وراعياً وساتراً وكالئاً ومؤيداً، وقوله: (تجاهك) أي: أمامك، وقد جاء في الرواية الأخرى التي في غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك).
стр. 506
وجوب سؤال الله تعالى والاستعانة به وحده
قال ﵊: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وهذا مطابق لقول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، أي: أن العبد يخص الله بالعبادة، ومنها السؤال، ويخصه بالاستعانة، فلا يعبد إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، فتكون عبادته خالصة لله وتكون استعانته بالله ، فيسأله العون والتسديد.
والسؤال هو الدعاء، والدعاء هو العبادة، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (الدعاء هو العبادة).
(إذا سألت فاسأل الله)، أي: خص الله بسؤالك والالتجاء إليه والاعتماد عليه، والإلحاح عليه في الدعاء بأن ييسر لك ما تريد من خير الدنيا والآخرة.
стр. 507
وجوب التوكل على الله تعالى والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب
(وإذا استعنت فاستعن بالله) قد جاء عن النبي ﷺ الأمر بالأخذ بالأسباب، ومع الأخذ بالأسباب أن يستعين المسلم بالله ، ولا يعتمد على الأسباب ويتكل عليها؛ بل يأخذ بها، والأخذ بها مشروع، ولكن لا يعتمد الإنسان عليها؛ بل يعتمد على الله ويتوكل على الله الذي هو مسبب الأسباب، والذي إذا شاء جعل تلك الأسباب مفيدة ونافعة وإذا شاء جعلها غير مفيدة ولا نافعة، فقد يوجد السبب ولا يوجد المسبَّب، ولكن الإنسان يأخذ بالسبب المشروع، ويتوكل على الله ويعتمد عليه ويسأله.
ولهذا قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، وهذا أمر بالأخذ بالأسباب، وأن الإنسان يأخذ بالأسباب المشروعة، ولكن لا يعتمد عليها، ولا يقول: إن السبب إذا وُجد وجد المسبّب، فقد يوجد السبب بدون المسبب، فمثلاً: إذا أراد الإنسان الحصول على الولد فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالزواج أو ملك اليمين، إذ لا بد للحصول على الولد من هذا السبيل، فالإنسان يفعل السبب، ولكن إذا وجد هذا السبب بقي شيء وراء ذلك، وهو كون الله يجعل هذا السبب نافعاً ومفيداً، فإنه قد يوجد السبب ويتخلف المسبب، فالأمر يرجع إلى مشيئة الله وإرادته وقدرته وتوفيقه وتسديده، فإنه إذا شاء أن يحصل الولد حصل بعد الأخذ بهذه الأسباب، ولكن لا يحصل ولد بدون هذه الأسباب، فلا يحصل ولد بدون زواج أو ملك يمين وتسر، وإنما يحصل بهذا الطريق فقط.
فالإنسان عليه أن يفعل السبب، ولكن مع فعل السبب لا يعتمد عليه ويقول إن السبب قد وجد فلا بد أن يوجد المسبب، فإنه يمكن أن يوجد السبب ولا يوجد المسبب، ولكن كون الإنسان يضيف إلى فعل السبب التعويل على الله وسؤال الله أن ينفع بالأسباب، فهو الذي إذا شاء نفعت الأسباب، وإذا شاء وجدت الأسباب ولكن تخلف نفعها وتخلفت ثمرتها؛ لأن الأمر يرجع إلى مشيئته وإرادته ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فالحاصل: أن الإنسان عليه أن يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها؛ لأن الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد؛ لكون الإنسان يعول على غير الله وكأن الأمور مادية وليس هناك شيء وراء المادة، بل لا بد من فعل السبب، ولا بد من التعويل على الله وسؤاله أن ينفع بالسبب، فلا يعول الإنسان على الأسباب ويغفل عن الله، ولا يهمل الإنسان الأسباب ويقول: إذا كان الله قدر الولد فسوف يأتيني ولو لم أتزوج، فإن هذا كلام غير صحيح، بل هذا سفه ونقص في العقل؛ لكون الإنسان يهمل الأسباب ولا يأخذ بها، والله تعالى أمر بالأخذ بالأسباب، وذكر أنه لا بد مع الأخذ بها من سؤال الله والاستعانة به ، كما قال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فلا يهمل العبد الأسباب ويقول: إذا قدر الله لي شيئاً فسوف يأتي لي بدون سبب؛ بل يسعى الإنسان لتحصيل الرزق، ويسعى لتحصيل الولد، ويسعى لتحصيل كل ما يعود عليه بالنفع في أمور دينه ودنياه، ومع سعيه وبذله للأسباب المشروعة لا يعتقد أن الأسباب هي كل شيء، وأنه إذا وجد السبب وجد المسبب.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً)، وهذا داخل في الأسباب، ولهذا تظهر في الصباح خامصة البطون ليس في بطونها شيء، ثم ترجع في الرواح وقد امتلأت بطونها فقال ﵊: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فكذلك الإنسان يتوكل على الله ويفعل السبب، ولا يكون توكله بدون فعل الأسباب، بحيث يقول: إذا الله قدر لي شيئاً فسيأتيني، ويجلس في بيته ويقول: إن رزقي سوف يأتيني وأنا في بيتي، فلا بد من الأخذ بالأسباب المشروعة، فإن ذلك يكون من السفه، ولا يكون هذا توكلاً بل هو تواكل، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل.
стр. 508
جواز الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه
(إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، هذا مثل قول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، أي: نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة، لكن إذا كان الإنسان يقدر على شيء وطلب منه أخوه المسلم الإعانة فإن ذلك لا بأس به، كأن يطلب منه أن يشفع له، أو يطلب منه أن يعينه على حمل شيء، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها صدقة)، فإذا طلب منه شيء يقدر عليه فإن هذا لا بأس به وليس بمحذور، ولكن الشيء الذي لا يجوز هو سؤال الغائبين كسؤال الجن والملائكة، فهذا هو الذي لا يجوز، بل على الإنسان أن يسأل الله ، وإذا كان المخلوق الذي معه يقدر على إعانته في شيء فلا بأس أن يطلب منه إعانته، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله -أي: تحمل متاعه- عليها صدقة)، أي: أن ذلك صدقة عليه وعلى نفسك لأنك فعلت أمراً تعود منفعته إلى نفسك، وقد أحسنت إلى نفسك وأحسنت إلى غيرك.
стр. 509
لا ينفع أحد ولا يضر إلا بما كتبه الله تعالى وأراده
ثم إنه عقب ذلك ببيان أن الأمور كلها بيد الله ، وأن الإنسان يعول على الله بسؤاله واستعانته؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو قادر على كل شيء، وغيره لا يقدر إلا على ما قدره الله عليه، ولا يحصل منه إلا ما قدره الله تعالى وقضاه، فلما ذكر الأمر بسؤال الله والاستعانة به عقب ذلك بأن الناس لا ينفعون الإنسان بشيء إلا وقد كتب له، ولا يضرونه بشيء إلا وقد كتب عليه، فلا يحصل في ملك الله إلا ما أراده الله، ولا يحصل في ملك الله شيء لم يرده الله ؛ بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال ﵊: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) أي: أنه لا يحصل بهم شيء غير مقدر؛ بل كل ما يحصل منهم فهو مقدر، فما يحصل منهم من خير لك فهو مقدر لك، وما يحصل منهم من شر عليك فهو مقدر عليك، والله سبق قضاؤه وقدره بذلك وسبقت كتابته بذلك، وهو واقع لا محالة.
أي: أن ما قدره الله لك لا بد أن يحصل لك، وما قدره الله عليك من الضرر فلا بد أن يقع عليك، ولا يحصل في ملك الله إلا ما شاءه الله ، فالعباد لا ينفعون إلا إذا شاء الله نفعهم، ولا يضرون أحداً إلا إذا شاء الله ضررهم لذلك الذي أرادوا ضرره، فالأمر كله يرجع إلى مشيئة الله وإرادته وإلى قضائه وقدره .
стр. 510
الكتابة الشرعية والكتابة الكونية القدرية
قوله: (إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، الكتابة هنا بمعنى: التقدير؛ لأن الكتابة تنقسم إلى: شرعية، وقدرية كونية، وقد مر بنا في الحديث السابع عشر من الأربعين النووية أن الله كتب الإحسان على كل شيء، وتلك كتابة شرعية دينية، وهنا الكتابة كتابة قدرية كونية.
فما قدره الله لا بد أن يوجد، وأما كونه أمر بالإحسان وشرع الإحسان فإنه يحصل ما شاء الله تعالى أن يحصل منه، ويتخلف حصول ما شاء الله ألا يحصل منه؛ لأن الإرادة الدينية تقع ممن شاء الله تعالى أن تقع منه، ولا تقع ممن شاء الله ألا تقع منه، لكن الكتابة الكونية لا بد من وقوعها، فكل شيء مقدر لا بد من وجوده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويقول الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١].
وهذا فيه الإيمان بالقدر، وأن كل شيء مقدر سبق به القضاء والقدر، وأنه لابد من وقوع المقدر، فحيث شاء الله أن يحصل للإنسان شيء لا بد أن يوجد، وحيث شاء ألا يحصل فإنه لا سبيل إلى وجوده.
стр. 511
انتهاء الكتابة بما هو كائن إلى يوم القيامة
ثم علل ذلك بقوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وهذا تأكيد للجملتين السابقتين اللتين فيهما إثبات القدر وأنه لا يقع من العباد إلا مقدر، سواء كان خيراً أو شراً فإنه لا يقع منهم إلا شيء قد قدره الله .
(رفعت الأقلام)، أي: انتهت الكتابة وفرغ منها في اللوح المحفوظ، وسطر في اللوح المحفوظ ما سطر، وكل ما سجل في اللوح المحفوظ لا بد وأن يقع.
(وجفت الصحف)، أي: أن الكتابة التي حصلت في اللوح المحفوظ قد جف مدادها، بمعنى: أنه فرغ من ذلك وانتهي منه، وأن الله قد قدر كل ما هو كائن، ولابد وأن يوجد ذلك المقدر وفقاً لما أراده الله وما شاءه ، فاللوح المحفوظ قد كتب فيه ما كتب، ولا بد من وقوع ذلك المكتوب، ولا بد من وقوع ذلك المقدر على وفق ما أراد الله أن يوجد عليه ذلك المقدر.
стр. 512
التعرف إلى الله تعالى في الرخاء ينفع في الشدائد
وفي رواية لغير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك) بدل قوله: (تجده تجاهك) في الرواية الأولى، ثم قال: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
أي: أنك في حال سعتك ورخائك عليك أن تشتغل بطاعة الله وبعبادته، حتى إذا أصابتك الشدة تجد من الله الفرج وكشف الكرب والشدة، وذلك أن الإنسان إذا عمل في حال رخائه وفي سعته الأعمال الصالحة، فإنه في حال شدته وكربه يكشف الله ما به من كرب ويكشف ما به من شدة، وكما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال يونس ﵇: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
وقصة أصحاب الغار الثلاثة التي ثبتت في الصحيح عن رسول الله ﷺ هي من أمثلة ذلك، وذلك أن ثلاثة ممن كانوا قبلنا كانوا يسيرون في فلاة، فآواهم المبيت إلى غار، فأرادوا أن يستريحوا فيه وأن يبيتوا فيه، فباتوا فيه، فنزلت صخرة وسدت باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فصاروا كأنهم في قبر وهم أحياء لم يموتوا، وليس أمامهم إلا الموت؛ لأنهم داخل الغار وقد سدت الباب صخرة عظيمة، ففكروا واهتدوا إلى أن كل واحد منهم يتوسل إلى الله بعمل صالح عمله في حال الرخاء، ويسأل الله به ويتوسل إليه به ليفرج عنهم ما هم فيه، وهذا هو ما يوضح معنى قوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فتوسل أحدهم إلى الله ببره لوالديه، وأنه كان يأتي بالغبوق والحليب الذي كان يحلبه في الليل فيسقي أبويه قبل أن يناما، وفي ليلة من الليالي ندت الإبل وبعدت عن المكان الذي كانت ترعى فيه في غالب أحيانها مما اضطره إلى أن يتأخر، فجاء إليهما وقد ناما، فكره أن يوقظهما، وكره أن ينام خشية أن يستيقظا وقد نام فلا يتمكن من إعطائهما ذلك الغبوق، فوقف ينتظر يقظتهما حتى استيقظا وشربا، فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً إلا أنهم لا يستطيعون الخروج).
ثم توسل الثاني بتركه الفاحشة مع قدرته عليها، وذلك أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها حباً شديداً، ويراودها عن نفسها وهي تمتنع، فألمت بها سنة من السنين، وحصل لها ضيق وشدة وكرب، فطلبت منه أن يساعدها، فعرض عليها ذلك الذي كان يعرضه عليها من قبل، فاستجابت لشدة الحاجة وشدة الفقر والبؤس الذي حصل لها على أن يعطيها مائة دينار، فأعطاها إياها وأراد أن يفعل بها الفاحشة، ولما جلس بين رجليها قالت: يا فلان! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.
فقام وتركها من أجل الله، وترك الذي أعطاها لها، فإنه لما ذكرته بالله خاف من الله، مع أنه قد تمكن ولم يبق بينه وبين فعل الفاحشة شيء، ولكن خوف الله وتخويفه بالله أثر فيه، فقام وتركها، فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً إلا أنهم لا يستطيعون الخروج).
فقام الثالث وتوسل إلى الله بأنه كان له عمال يعملون عنده، فذهب أحدهم دون أن يأخذ أجرته، فحفظ الأمانة لذلك الشخص ونماها حتى كثرت ونمت، وصار له عدد كبير من الرقيق ومن بهيمة الأنعام، فجاءه بعد مدة فقال: يا فلان! أعطني حقي، فقال: هذا الذي تراه أمامك هو حقك، فظن أنه يهزأ به ويسخر به، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: هو حقك، فأخذه وساقه، فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون).
فهذا يبين ويوضح معنى هذه الجملة، وهي قوله ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فهؤلاء عملوا هذه الأعمال الصالحة في حال رخائهم وسعتهم، والله فرج عنهم ما هم فيه من كرب وشدة بأن أزال هذه الصخرة التي سدت باب الغار، وذلك بتوسلهم إليه بأعمالهم الصالحة التي فعلوها في حال رخائهم وفي حال سعتهم، فنفعهم ذلك عند الله عندما كانوا في شدة، والله تعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].
стр. 513
كل شيء بقضاء وقدر
ثم قال النبي ﷺ : (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)، هاتان الجملتان معناهما: أن كل شيء لم يقدره الله لك فلا يمكن أن يحصل لك، وكل شيء لم يكتب لك فلن يقع، وكل شيء قدر لك فلا بد وأن يوجد الشيء الذي قدر لك ولن يخطئك أبداً، بل لابد وأن يحصل لك.
وهذا هو معنى الكلمتين اللتين تنبني عليهما عقيدة المسلمين في القضاء والقدر، وهما: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فإن قول: ما شاء الله كان يوافقه: (أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) وقول: وما لم يشأ لم يكن، يوافقه: (وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، يعني: ما لم يشأه الله فإنه لن يكون.
стр. 514
النصر مع الصبر والفرج مع الكرب
ثم قال ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر)، أي: أن النصر على الأعداء إنما يكون مع الصبر على الجهاد وعدم الفرار، وقد جاء في الحديث: (لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، فقوله: (لا تتمنوا لقاء العدو)؛ لأن الإنسان قد يتمنى شيئاً ولكنه إذا حصل حقيقة تغير، فقد يؤدي ذلك إلى الفرار فيكون متعرضاً للوقوع في كبيرة من الكبائر التي جاءت في حديث السبع الموبقات، ومنها: (والفرار من الزحف)، (فإذا لقيتموه فاصبروا) أي: إذا ابتليتم فاصبروا ولا تفروا وتنهزموا؛ بل أقبلوا واصبروا.
(واعلم أن النصر مع الصبر)، فلا يكون النصر مع الضعف ومع الخور وعدم التحمل، وإنما يكون بالصبر، وكون الإنسان يصبر فإنه يأتي النصر نتيجة لذلك.
ثم قال: (وأن الفرج مع الكرب) أي: إذا حصلت الشدة وحصل الضيق والتجأ الإنسان إلى الله ؛ فإن الشدة يعقبها فرج من الله .
(وإن مع العسر يسراً)، فإذا حصل العسر والضيق فإنه يعقب ذلك اليسر من الله ، كما قال الله : ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].
فهذا الحديث حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد شرحه ابن رجب ﵀ في جزء مستقل لطيف، وشرحه كذلك ضمن الخمسين حديثاً في كتابه جامع العلوم والحكم.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 515
الأسئلة
стр. 516
مدى صحة ما روي عن ابن عباس أنه رأى جبريل مرتين
السؤال
يقول ابن دقيق العيد: وثبت عنه -أي: عن ابن عباس - أنه رأى جبريل مرتين، فما صحة ذلك؟
الجواب
لا أدري عن صحة هذا الكلام، لكن إذا كان المقصود به أنه رآه على هيئة البشر، فإن جبريل قد جاء في صورة رجل مجهول كما في حديث جبريل المشهور: (إذ دخل رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب، لا يظهر عليه آثار السفر ولا يعرفه منا أحد)، وجاء على صورة دحية بن خليفة الكلبي وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا كان المقصود أنه رآه بهذه الصورة فهذا قد حصل للصحابة، وأما كونه رآه على الهيئة التي هو عليها، وعلى خلقته التي خلقه الله عليها -وهي أن له ستمائة جناح، وأنه يسد الأفق- فلا أدري، والرسول ﷺ قد رأى جبريل مرتين على الهيئة التي خلقه الله عليها، مرة في الأرض وقد سد الأفق، ومرة ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، وأما ابن عباس فلعل المقصود أنه رآه مرتين عندما كان يأتي على صورة إنسان.
стр. 517
معنى قوله ﵊: (يعرفك في الشدة)
السؤال
جاء في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فكيف يقول: يعرفك، ومن المعلوم أن الله يعلم كل شيء؟
الجواب
نعم، الله يعلم كل شيء، وهو مطلع على كل شيء، ولكن المقصود من ذلك: أنك إذا تعرفت إلى الله بالأعمال الصالحة، فإن الله تعالى يزيل ما حصل عنك من شدة وكرب وضيق، كما حصل للثلاثة، فالله تعالى محيط بكل شيء ولا يخفى على الله شيء ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
ولكن المقصود: أن الله تعالى يجازيك على أعمالك التي عملتها في حال رخائك وحال سعتك، وليس المقصود من ذلك أن الله تعالى يخفى عليه شيء، بل هو عالم بكل شيء، ولكن يحصل لك في حال رخائك كشف الكرب وكشف الضر من الله ؛ لأنك عملت بالأسباب في حال رخائك وحال سعتك.
стр. 518
معنى المعرفة في قوله: (يعرفك في الشدة)
السؤال
ذكر ابن القيم في مدارج السالكين وغيره من كتبه: أن الله تعالى لا يوصف بالمعرفة، بل يوصف بالعلم، وذكر فروقاً بين المعرفة والعلم، فكيف نوجه الحديث الذي فيه: (يعرفك في الشدة)؟
الجواب
معنى هذا الحديث أنه يحقق لك ذلك الشيء الذي تريد، ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة جاءت بإضافة العلم إلى الله ، وأما المعرفة فقد جاءت في هذا الحديث، ولكن معناها: حصول كشف الكرب وحصول دفع الضر عن الإنسان؛ لأنه حصل منه في حال الرخاء شيء جازاه الله عليه في حال الشدة وحال الكرب.
وهذا على سبيل المقابلة، لكن المعنى -والله أعلم- هو ما ذكرت، أي: من ناحية أن الإنسان عمل أعمالاً طيبة في حال الرخاء يرجو ثواب الله، والله كشف عنه الكرب والضر في حال شدته، وهذا من باب الإخبار وليس من باب الصفات.
стр. 519
الفائدة من قول ابن عباس: كنت خلف النبي ﷺ
السؤال
ما الفائدة من قول ابن عباس: كنت خلف رسول الله ﷺ ؟
الجواب
هذا يدل على تمكنه من حفظ الشيء الذي ألقي عليه، وأنه يذكر الحالة التي هو عليها، وكما يقولون: مما يقوي حفظ الشيء أن يكون له قصة، فكون الإنسان يذكر القصة فمعنى هذا أنه حافظ للحديث وحافظ مع الحديث القصة التي حصل فيها الحديث؛ لأن هذا مما يفيد الضبط والإتقان.
ومثله ما جاء في قصة معاذ: (كنت رديفاً للنبي ﷺ على حمار، فقال: يا معاذ! فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك) الحديث، فكونه يخبر بالحالة التي كان عليها وهو يحدث بالحديث معنى ذلك أنه ضابط للحديث، ومثله الحديث الذي سيأتي عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب)، فهو يذكر الحديث ويذكر الهيئة التي حصلت من الرسول ﷺ عند تحديثه بالحديث.
стр. 520
حصول المسبب بدون سبب
السؤال
قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، فهل يوجد المسبب بدون سبب؟ الشيخ: نعم، الله قد يعطي الإنسان شيئاً بدون سبب منه؛ لأن هناك أموراً تحصل للعباد بأسباب وأفعال منهم، وهناك أشياء يجعلها الله بدون أن يحصل منهم شيء، وذلك مثل الحديث الذي فيه أنه يبقى في الجنة سعة، فينشئ الله قوماً ويسكنهم الجنة، فهؤلاء لم تحصل منهم أعمال صالحة؛ لأن من الناس من يوفق لأن يعمل أعمالاً صالحة توصله إلى الجنة، ومعلوم أن هذا من فضل الله ، حتى الأعمال الصالحة بمفردها فإن الله تعالى هو الذي تفضل بالتوفيق لها والتسديد للإنسان بأن يعملها، وقد يحصل الشيء بدون أن يعمله الإنسان، مثل هؤلاء الذين خلقوا وأدخلوا الجنة وهم لم تحصل منهم أعمال، فالمسبب وجد، ولكن ما وجدت أسباب من العباد توصلهم إلى ذلك الشيء، وكذلك أيضاً مثل المطر الذي ينزل من السماء ليستفيد منه الناس، والناس كونهم يكدحون ويعملون من أجل أن يحصلوا ما يريدون، هذا حصل بسبب من فعلهم، وأما المطر فقد حصل من الله بدون أن يحصل منهم فعل يؤدي إلى ذلك.
ولهذا تتفاوت مقادير الزكاة فيما كان يسقى من ماء الأمطار وما كان يسقى من الاستنباط من جوف الأرض بواسطة النواضح أو المضخات، فإن ما يحصل بالمشقة يجب فيه نصف العشر، وما يحصل بدون مشقة يجب فيه العشر.
стр. 521
حكم سؤال الله تعالى مع عدم فعل السبب
السؤال
إذا كان الاعتماد على الأسباب قدحاً في التوحيد، فهل سؤال الله مع عدم فعل السبب يقدح في التوحيد؟
الجواب
معلوم أن كون الإنسان يسأل أو لا يسأل ما دام أنه لا يأخذ بالأسباب ويقول: أنا أجلس في بيتي وأسأل الله أنه يرزقني، وإذا كتب الله لي شيئاً فسيأتيني، فإن النتيجة واحدة؛ لأنه ما أخذ بالأسباب، والدعاء هو سبب من الأسباب، لكن مع الأخذ بالأسباب؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)، فالإنسان يسأل الله من خير الدنيا والآخرة، لكن كونه يقول: أنا لا أتزوج لكن أقول: اللهم ارزقني ولداً، معلوم أن هذا اعتداء في الدعاء؛ لأنه لن يوجد ولد إلا بالزواج، فالذي يتزوج يسأل الله أن يعطيه ولداً، أما كونه لا يتزوج ولا يتسرى ويقول: اللهم ارزقني ولداً! فهذا معلوم أنه ابتعاد عن الشيء الذي شرعه الله وقدر أن يكون المسبب نتيجة له، كما قال ﵊: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)، أي: اجمع بين هذا وهذا.
стр. 522
حكم الاعتماد على الأسباب
السؤال
هل الاعتماد على الأسباب شرك أصغر أم أكبر؟
الجواب
كون الإنسان يعتقد أنه ليس شيء وراء الأسباب، وأن الأسباب هي كل شيء ويغفل عن الله ، ويترك عبادته في الدنيا، ويعول على غير الله ، ولا يتلفت إلى الله ، لا شك أن هذا من الشرك الأكبر، وهذا مثل الماديين الذين كل شيء عندهم المادة، وكل شيء عندهم الطبيعة، وليس هناك شيء وراء ذلك.
стр. 523
صفة الكتابة لله
السؤال
هل تنسب إلى الله صفة الكتابة؟
الجواب
نعم، وذلك مثل الإرادة، فقد جاء أنه كتب التوراة بيده، وجاءت الكتابة بمعنى التقدير، وكذلك الكتابة بمعنى كتابة التوراة التي كتبها الله .
стр. 524
إعراب: (رُفعت الأقلام)
السؤال
في قوله: (رفعت الأقلام)، ما هو نائب الفاعل؟
الجواب
نائب الفاعل هو الأقلام، والفاعل الحقيقي المحذوف هو الله ، والتقدير: رفع الله الأقلام، فإن الله هو الذي رفعها.
стр. 525
المقصود بالأقلام والصحف
السؤال
ما هو المقصود بالأقلام والصحف؟
الجواب
المقصود بالأقلام القلم الذي جرى به كتابة المقادير، والصحف: اللوح المحفوظ.
стр. 526
من الذي يقوم بكتابة المقادير
السؤال
من هو الذي يقوم بالكتابة؟
الجواب
الله تعالى خلق القلم وأمره بالكتابة، فجرى بكل ما هو كائن.
стр. 527
الجمع بين حديث: (رفعت الأقلام) وبين ما جاء من سماع صرير الأقلام
السؤال
قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، هل في ذلك تعارض مع قوله ﷺ عندما عرج به: (أنه سمع صرير الأقلام) وأن الأقلام لا زالت تكتب؟
الجواب
الأقلام لا تكتب، واللوح المحفوظ قد فرغ منه، والكتابة التي سمعها هي ما يحصل من الكتابة التي هي غير القدر، فإن القدر قد فرغ منه وانتهى، والمقصود برفع الأقلام أي: فرغ من الشيء المقدر، وذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، فهذه غير هذه، فالتي سمعها ليست هي أقلام القدر؛ بل القدر حصل قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
стр. 528
معنى الكتابة في حديث: (حتى يكتب عند الله كذاباً)
السؤال
في قوله ﷺ : (إن العبد ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، ما نوع الكتابة في هذا الحديث، مع أنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف؟
الجواب
المعنى: أنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ؛ لأن كل ما هو موجود من الإنسان وكل ما هو حاصل للإنسان فإنه قد سبقت به الكتابة.
стр. 529
المقصود بقوله: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)
السؤال
هل كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير السماوات والأرض إلى يوم القيامة فقط أم أنه قد كتب ما سيقع بعد يوم القيامة؟
الجواب
جاء في الحديث: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) ومعلوم أن يوم القيامة والدار الآخرة لا نهاية لها، فلا نهاية لما في الجنة ولا نهاية لما في النار، ومن المعلوم أن اللوح المحفوظ سينتهي، وما في الجنة لا نهاية له وما في النار لا نهاية له، والحديث ورد فيه بما هو كائن إلى يوم القيامة.
стр. 530
تحري الصدق يبلغ منازل الصديقين
السؤال
قوله ﷺ : (وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، هل يفهم من هذا الحديث أن الذي يصدق ويتحرى الصدق يبلغه الله منازل الصديقين؟
الجواب
نعم، هذا مما يوصل إلى هذه المنزلة.
следующие страницы →