← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من الذي يقوم بكتابة المقادير السؤال من هو الذي يقوم بالكتابة؟ الجواب الله تعالى خلق القلم وأمره بالكتابة، فجرى بكل ما هو كائن.

стр. 527

الجمع بين حديث: (رفعت الأقلام) وبين ما جاء من سماع صرير الأقلام السؤال قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، هل في ذلك تعارض مع قوله ﷺ عندما عرج به: (أنه سمع صرير الأقلام) وأن الأقلام لا زالت تكتب؟ الجواب الأقلام لا تكتب، واللوح المحفوظ قد فرغ منه، والكتابة التي سمعها هي ما يحصل من الكتابة التي هي غير القدر، فإن القدر قد فرغ منه وانتهى، والمقصود برفع الأقلام أي: فرغ من الشيء المقدر، وذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، فهذه غير هذه، فالتي سمعها ليست هي أقلام القدر؛ بل القدر حصل قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

стр. 528

معنى الكتابة في حديث: (حتى يكتب عند الله كذاباً) السؤال في قوله ﷺ : (إن العبد ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، ما نوع الكتابة في هذا الحديث، مع أنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف؟ الجواب المعنى: أنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ؛ لأن كل ما هو موجود من الإنسان وكل ما هو حاصل للإنسان فإنه قد سبقت به الكتابة.

стр. 529

المقصود بقوله: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) السؤال هل كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير السماوات والأرض إلى يوم القيامة فقط أم أنه قد كتب ما سيقع بعد يوم القيامة؟ الجواب جاء في الحديث: (جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) ومعلوم أن يوم القيامة والدار الآخرة لا نهاية لها، فلا نهاية لما في الجنة ولا نهاية لما في النار، ومن المعلوم أن اللوح المحفوظ سينتهي، وما في الجنة لا نهاية له وما في النار لا نهاية له، والحديث ورد فيه بما هو كائن إلى يوم القيامة.

стр. 530

تحري الصدق يبلغ منازل الصديقين السؤال قوله ﷺ : (وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، هل يفهم من هذا الحديث أن الذي يصدق ويتحرى الصدق يبلغه الله منازل الصديقين؟ الجواب نعم، هذا مما يوصل إلى هذه المنزلة.

стр. 531

استحباب عدم سؤال الناس شيئاً السؤال جاء في الحديث: (بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نسأل الناس شيئاً)، فهل من يريد تطبيق هذا الحديث يلزمه ألا يسأل أحداً شيئاً مهما كان الأمر؟ الجواب أصحاب الرسول ﷺ بايعوا على هذا الشيء، وكان الواحد منهم يسقط سوطه فينزل ويأخذه، ولا يقول لغيره: ناولني إياه، كل ذلك تنفيذ لهذا الذي بايعوا عليه الرسول ﷺ .

стр. 532

الحكمة من عدم سؤال الناس شيئاً السؤال ما هي الحكمة من عدم سؤال الآخرين؟ الجواب المقصود -والله أعلم- أن كون الإنسان يعول على الله ويحرص على الاستغناء عن الناس، كما جاء في الحديث الذي سيأتي في الأربعين: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).

стр. 533

بطلان دعوى حضور روح النبي ﷺ إلى مجالس الذكر والموالد السؤال هل تصح دعوى أن روح الرسول ﷺ تحضر مجالس الذكر وأن روحه جوالة في الأرض، وكذلك أرواح خلص المؤمنين، فأهل الموالد يستدلون بذلك ويقولون عند الاحتفال: حضر، حضر؟ الجواب هذه من الخرافات المحدثة، وأما كون الأرواح تصول وتجول وتذهب وتجيء فهذه أمور غيبية لا يجوز الكلام فيها إلا بدليل، ولا أعلم دليلاً يدل على ذلك.

стр. 534

صفة التيمم السؤال نريد منكم أن نرى صفة التيمم كيف تكون؟ الجواب التيمم ضربة واحدة في الأرض يمسح بها وجهه وكفيه.

стр. 535

كيفية توبة من أخذ أموالاً من الناس بدون علمهم السؤال أريد أن أتوب ولكن لدي مشكلة وهي أني أخذت أموالاً من أشخاص بدون علمهم، فسألت أحد المشايخ فقال لي: لن يتوب الله عليك حتى ترد ما أخذت، فما رأي سماحتكم؟ الجواب إذا كانت حقوق التوبة بين العبد وبين ربه فإنه يتوب ويتوب الله عليه، أما حقوق الناس فلا بد أن ترد إليهم أو يستسمحوا منها؛ لأن حقوق الناس لا بد فيها من المقاصّة، فإما أن يستبيحهم أو أن يردها عليهم إذا كان يعلم أشخاصهم أو يعلم وراثهم، وأما إذا كان لا يعلم الشخص ولا يعرف أحداً يرثه ولا يعلم عنه خبراً فيتصدق به عنه بحسب المقدار الذي أخذه منه، فإذا كان على الإنسان حقوق للناس فإنه يردها عليهم ويعمل على ردها عليهم، ومن فعل ذلك وتاب فإن ذلك ينفعه.

стр. 536

قاتل نفسه لا يخلد في النار السؤال من قتل نفسه وهو مؤمن فهل يخلد في النار أم يخرج منها؟ الجواب لا يخلد في النار إلا الكفار الذين هم أهل النار، فهم لا يخرجون منها أبد الآباد، وأما من لم يكن كافراً فإنه لا بد أن يخرج من النار ويدخل الجنة، ولو مكث فيها ما شاء الله أن يمكث، والحديث الذي فيه: (من قتل نفسه بالتردي من شاهق فهو كذلك في النار خالداً مخلداً)، معناه: الخلود النسبي، وليس كخلود الكفار.

стр. 537

نصيحة لطالب علم يريد ترك طلب العلم السؤال أنا طالب علم في الجامعة الإسلامية، والآن لا أدري ماذا حصل لي، حيث إنني أريد أن أترك الدراسة، فانصحوني جزاكم الله خيراً. الجواب هذا الأمر الذي تفكر فيه من جهة الدراسة هل هو أمر يتعلق بمن وراءك، أم أنه حصل لك عزوف وانصراف وقلق وضجر وأنك بذلك لا تستطيع الدراسة، فإن كان الأمر يتعلق بأناس وراءك، وأنهم بحاجة إليك ولا أحد يقوم مقامك في ذلك، وأردت أن تترك الدراسة، فهذا له وجه، وإن كان الأمر يتعلق بك أنت بأن حصل لك اضطراب وعدم ارتياح فعليك أن ترقي نفسك وتطلب من غيرك أن يرقيك، وأن تذهب إلى طبيب يعالجك، فإذا كان الأمر كذلك فيفعل هذا الفعل.

стр. 538

حكم إقامة درس قبل صلاة الجمعة السؤال عندنا في بلدنا معظم المساجد تقوم بالدرس قبل الجمعة إلا القليل من المساجد، فاستفتى الشباب عندنا بعض الفضلاء فأفتى بعدم الصلاة في هذه المساجد، وكما تعلمون أن إنزال هذه الفتوى على الواقع صعب جداً؛ لما سوف يحصل من المفاسد، وخاصة أن هذه المفاسد تعود على أئمة هذه المساجد، فما قولكم؟ الجواب كون الإنسان لا يصلي في المسجد؛ لأنه فيه تحلق قبل الجمعة، هذا لا يقتضي أن الإنسان لا يصلي فيه، والضرر كما هو معلوم على من يفعل ذلك، والإنسان يمكن أن يأتي ويجلس في مكان ويقرأ القرآن أو يذكر الله ، وأما الذي فعل التحلق والمتحلقون معه هم الذين حصل منهم المخالفة، وكل من يترك الصلاة في ذلك المسجد من أجل أن فيه هذا الأمر هو غير مصيب؛ فإنه يمكن للإنسان أن يصلي ولو وجد فيه هذا الأمر.

стр. 539

معنى القابض والباسط والخافض والرافع من أسماء الله السؤال ما معنى أسماء الله التالية: القابض، والباسط؟ الجواب الباسط مثل كونه يبسط الرزق لمن يشاء، والقابض: يقبضه عمن يشاء، قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ:٣٦] أي: يضيق. والخافض والرافع أي: يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، كما قال ﷺ في الحديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).

стр. 540

حكم لبس البنطلون السؤال في بلادنا اللبس الرسمي هو البنطلون الذي هو لبس الكفار، فهل يجوز لي أن ألبس هذا اللبس بحكم العمل؟ الشيخ: إذا كان لباس بلدك هو هذا اللباس، وكان لا بد من لبسه فالبسه واجعله واسعاً، ولا تجعله كالهيئة التي يفعلونها بأن يكون ضيقاً.

стр. 541

معرفة العبد الصالح السؤال العبد الصالح هل يمكن للناس أن يعرفوه أم لا يعرفه إلا الله؟ الجواب معرفة الصلاح عند الله ، فهو الذي يعلم بواطن الأمور وحقيقتها، وقد يكون الإنسان في ظاهر أمره صالحاً ويكون في باطنه بخلاف ذلك، والناس لا يعلمون الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله ، لكن الناس ليس لهم إلا الظاهر، فيرجون لمن ظهر منه الإحسان ويخافون على من ظهر منه الإساءة، وكون الإنسان باطنه كظاهره في الخير والشر، لا يعلم ذلك إلا الله .

стр. 542

حكم قص الحاجبين لمن كبر سنه وسقطا على عينيه السؤال رجل تجاوز المائة من عمره وسقط حاجباه على عينيه، فهل يجوز له أن يقص منهما؟ الجوب: إذا كان سقوط الحاجب يغطي على العين فله أن يقص منه شيئاً يسيراً بقدر الحاجة.

стр. 543

إن نصر الله قريب السؤال هل في هذه العبارة إشكال: أن المسلمين في هذا الوقت ليسوا بأهل لأن ينصرهم الله؟ الجواب على الإنسان أن يحسن الرجاء بالله ، ولا ييأس ولا يقنط، وإنما يسأل الله أن يوفقهم لأن يأخذوا بالأسباب التي تجعلهم يحصلون على النصر من الله .

стр. 544

حكم عمل وليمة للمدرسين من قبل الطلاب في آخر العام السؤال نحن مجموعة من المعلمين نعمل بإحدى المدارس، وقد اعتاد الطلاب الخريجون أن يقوموا في آخر العام بعمل وليمة للمعلمين، فما حكم حضورها؟ الجواب هذه رشوة.

стр. 545

شرح الأربعين النووية [٢٢] لقد جاء الإسلام بالدعوة إلى كل خير، والتحذير من كل شر وضير، فأمر بكل ما هو حسن ونهى عن كل ما هو قبيح، فأمر بالحياء، وذكر أن الحياء خير كله، وأنه إذا نزع الحياء فليفعل الإنسان ما شاء فسيلاقي جزاءه عند ربه تعالى، وأمر الإسلام بالإيمان بالله تعالى ثم الاستقامة على ذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، كما ذكر أن من قام بما أوجبه الله عليه، من أداء الصلوات، وصيام رمضان، وإحلال الحلال وتحريم الحرام، فله الجنة بإذن الله تعالى.

стр. 546

شرح حديث: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، رواه البخاري]. هذا حديث عظيم من جوامع كلم النبي ﷺ ، وفيه الإخبار عن الرسالات السابقة وأنها تواردت على بيان عظم شأن الحياء وأنه يأتي بخير، وقد أخبر ﷺ في هذا الحديث أن الحياء مما توارثته الأمم وجاء في الشرائع، وهو مما لم ينسخ في الشرائع؛ بل كل شريعة تأتي وفيها بيان هذا الخلق العظيم الذي هو الحياء، ولهذا قال ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى)، أي: النبوات السابقة التي كانت قبل نبوة نبينا محمد وقبل رسالته ﵊. وقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، يحتمل أن يكون المراد به مدحاً وأن يكون المراد به ذماً. فيراد به المدح إذا لم يكن هذا الفعل الذي تفعله مما لا يستحيا فيه من الله ومن الخلق فإنه يفعل، وهذا هو المحمود. ويراد به الذم إذا كان الإنسان ليس عنده حياء ولا يستحيي من الله ولا من خلقه، فإنه يقدم على أمور غير سائغة وأمور محرمة؛ لأنه ليس عنده حياء يحجبه وليس عنده هذا الخلق الكريم الذي يمنعه. وعلى هذا المعنى الثاني يكون قوله: (فاصنع ما شئت)، من قبيل التهديد والوعيد، وأن الإنسان إذا كان كذلك فإنه يصنع ما يشاء وسيلقى جزاءه، وليس المعنى أنه أذن له بأن يفعل الشيء الذي لا يسوغ ولا يجوز، وإنما هذا من باب التهديد نظير قول الله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فإن هذا ليس تخييراً وليس أمراً له بأن يفعل هذا أو هذا؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]. وكل من المعنيين صحيح، فإذا كان المقصود أن الإنسان إذا لم يكن فعله مما لا يستحيا منه بل هو سائغ ومشروع، فإنه يفعله، فإن هذا معناه صحيح، وإذا كان المقصود به أن الإنسان الذي ليس عنده حياء يحجبه ويمنعه من الوقوع فيما لا ينبغي، فإنه يقدم والحالة هذه على فعل أمور لا يسوغ له فعلها، فيكون معرضاً نفسه للعقوبة، فهذا أيضاً معنى صحيح. هذا هو معنى هذا الحديث الذي هو من جوامع كلمه ﵊، والذي يدل على فضل خلق الحياء وأنه خلق كريم، وأن المتصف به يمنعه حياؤه من الوقوع في الأمور المحرمة التي لا تسوغ ولا تجوز.

стр. 547

كلام ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث قال ابن رجب ﵀: «فقوله ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) يشير إلى أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين، وأن الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرن، وهذا يدل على أن النبوات المتقدمة جاءت بهذا الكلام، وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة، وفي بعض الروايات قال: (لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا) خرجها عبيد بن زنجويه وغيره. وقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) في معناه قولان: أحدهما: أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه، وأهل هذه المقالة لهم طريقان: أحدهما: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٥]، وقول النبي ﷺ : (من باع الخمر فليشقص الخنازير) يعني: ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها، وأمثلته متعددة، وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس ثعلب». «والطريق الثاني: أنه أمر ومعناه الخبر، والمعنى: أن من لم يستح صنع ما شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر». فيكون من قبيل الأمر الذي هو بمعنى الخبر، والأمر يأتي بمعنى الخبر كما أن الخبر يأتي بمعنى الأمر، وهذا من الأمر المراد به الخبر، ومثال الخبر المراد به الأمر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] يعني: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل. قال: "وما يمتنع من مثله من له حياء على حد قوله ﷺ : (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)، فإن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، وأن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم بن سلام ﵀ وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم، وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول. واعلم أن الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خلقاً وجبلة غير مكتسب، وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير)، فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار. وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: (من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وقى). وقال الجراح بن عبدالله الحكمي وكان فارس أهل الشام: (تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع)، وعن بعضهم قال: (رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة). والثاني: ما كان مكتسباً من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمان له. والقول الثاني في معنى قوله (إذا لم تستح فأصنع ما شئت): أنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا يستحى من فعله لا من الله ولا من الناس لكونه من أفعال الطاعات، أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت، وهذا قول جماعة من الأئمة منهم: أبو إسحاق المروزي الشافعي، وحكي مثله عن الإمام أحمد ".

стр. 548

أنواع الحياء والحياء منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، والمحمود هو الذي يحجز عن المعاصي، والمذموم هو الذي فيه خور وضعف وجبن، قال ابن رجب ﵀: «وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي ﷺ قال: (الحياء حياءان: طرف من الإيمان، والآخر عجز)، ولعله من كلام الحسن. كذلك قال بشير بن كعب العدوي لـ عمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقاراً لله، ومنه ضعفاً، فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه؟». وقصده الممدوح؛ لأن الذي يحدث عن رسول الله ﷺ به هو الممدوح. قال: «والأمر كما قاله عمران ﵁، فإن الحياء الممدوح في كلام النبي ﷺ إنما يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل وترك القبيح، فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء، إنما هو ضعف وخور وعجز ومهانة، والله أعلم». قال ﵀: «وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولاً آخر حكاه عن جرير، قال: معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس، كأنه يخاف الرياء». وهذا من عمل الشيطان؛ لأن الشيطان جلس للإنسان من الجهة التي يرى أنه متجه إليها، فإذا رأى فيه رغبه في المعاصي وعزوفاً عن الطاعات أعانه على ترك الطاعات وفي الانهماك في المعاصي والوقوع فيها، وإذا رأى أنه مقبل على العبادة ومبتعد عن المعاصي جاءه من هذه الجهة، وقال له: يمكن أن يقال إن هذا رياء، يمكن أنك تفعلها من أجل الناس، فيترك الإنسان ذلك، فالشيطان يأتي للإنسان من الجهة التي يرى أنه متجه إليها، فإن رآه مقصراً وراغباً في المعاصي مائلاً إليها أعانه على ترك الخير والوقوع في الأمر المحرم، وسول له وسوَّف، وقال: إن هذا هو الذي ينبغي لك أن تفعله، وإذا رآه بعيداً عن المعاصي مقبلاً على العبادة جاء من أجل إفساد العبادة، وقال: إن هذا فيه رياء، ولا تفعل حتى لا يقال كذا وكذا. وهذا المعنى لهذا الحديث مستبعد. يقول: «فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت، كما جاء في الحديث: (إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي، فزدها طولاً)، ثم قال أبو عبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير، ولا على هذا يحملها الناس، قلت: لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث: إذا استحييت مما لا يستحيا منه فافعل ما شئت، ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه، والله أعلم».

стр. 549

شرح حديث: (قل آمنت بالله ثم استقم) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي عمرو وقيل أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي ﷺ : (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم)، رواه مسلم]. هذا الحديث أيضاً من جوامع كلمه ﵊، وفيه حرص الصحابة ﵃ على معرفة أمور الدين وعلى معرفة الحق والهدى، وسؤالهم النبي ﵊ عن أمور جامعة يعول عليها الإنسان ويستفيد منها. وهذا يدل على كمال عقل هذا الرجل السائل للرسول ﷺ ، لأنه قال: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك)، ومعناه: قل لي قولاً واضحاً جلياً آخذ به وأعمل به، فهو يدل على حرص الصحابة ﵃ وأرضاهم على الخير وعلى التفقه في الدين، وعلى معرفة الحق والهدى، ولا شك أنهم ﵃ وأرضاهم أسبق الناس إلى كل خير، وأحرصهم عليه، وقد اختارهم الله لصحبة نبيه وأوجدهم في زمانه فشرفهم بصحبته وبالجهاد معه وبالدفاع والذب عنه، وبأخذ الشريعة منه ونقلها وتبليغها إلى الناس على التمام والكمال، فكانوا بذلك الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، فما عرف الناس حقاً ولا هدى إلا عن طريق الصحابة؛ لأنهم الواسطة بين الناس وبين الرسول ﷺ .

стр. 550

الإيمان بالله يشمل الأمور الظاهرة والباطنة وقد أجابه النبي ﷺ بكلمتين فقال له: (قل آمنت بالله ثم استقم). فأمره بأن يقول: (آمنت بالله)، والإيمان هنا جاء مطلقاً وعاماً، فيدخل فيه الأمور الباطنة والأمور الظاهرة، ومعنى ذلك: أن الإنسان يؤمن بالله وبما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ويصدق بذلك ويؤمن به، ثم بعد ذلك يستقيم على ملازمة الحق والهدى الذي هو الإيمان بالله الذي يكون جامعاً بين الأمور الباطنة والأمور الظاهرة. وهو قد سأله عن الإسلام فقال: (قل لي في الإسلام)، فقال: (قل: آمنت بالله)، فدلنا هذا على أن قوله: (آمنت بالله)، يدخل فيه الأمور الظاهرة والأمور الباطنة؛ لأنا قد عرفنا فيما مضى أن الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جمع بينها في الذكر فرق بينها في المعنى، بحيث يكون الإيمان للأمور الباطنة ويكون الإسلام للأمور الظاهرة، وإذا جاء أحدهما مستقلاً عن الآخر شمل المعنيين جميعاً: الأمور الظاهرة والباطنة، فهنا قوله: (آمنت بالله)، يدخل فيه الأمور الظاهرة والباطنة.

стр. 551

شرح حديث: (أرأيت إذا صليت المكتوبات) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام؛ أأدخل الجنة؟ قال: نعم)، رواه مسلم]. هذا الحديث أيضاً فيه ما في الذي قبله من حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى وملازمته، وحرصهم على معرفة ما يوصل إلى الجنة وما يبلغ أهل الجنة إلى الجنة. وهو يدل على أن الجنة مقصودة، وأن الإنسان يعمل الأعمال الصالحة ليحصل على رضا الله وليسكنه جنته، وليس كما يقول بعض الصوفية: إنهم لا يعبدون الله رغبة في الجنة ولا خوفاً من النار، وإنما يعبدونه شوقاً إليه! فإن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يحرصون على السؤال عن الأعمال التي تبلغهم الجنة، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأنه سأل: هل فعله لهذه الأفعال وهذه الأمور يؤدي به إلى الجنة؟ فقال له النبي ﷺ : (نعم). أي: أن هذا يبلغه الجنة، والله تعالى قد أخبر عن خليله إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥]. والحديث يدل أيضاً على أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وأن الإنسان يعبد الله لتحصيل رضاه وللبعد عن سخطه ولأن يدخله الجنة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى قال للجنة (أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها). وجاء في صحيح مسلم في بعض الروايات عن جابر بيان السائل، وأنه النعمان بن قوقل ﵁، وقد أورد المصنف ﵀ هذا الحديث من تلك الروايات التي في صحيح مسلم، ففي هذه الرواية أبهم السائل، وفي الرواية الأخرى بين السائل وأنه النعمان بن قوقل ﵁. وقوله: (أرأيت)، أي: أخبرني، (إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام. أأدخل الجنة؟ قال: نعم). وهذا يدلنا على عظم شأن الصلوات الخمس، وأنها أهم الأعمال وأعظم الأعمال بعد الشهادتين. ومعنى قوله (وأحللت الحلال) أي: اعتقدت حله، وفعلت ما أمكنني منه. (وحرمت الحرام) أي: تركته معتقداً حرمته. ثم إنه لم يذكر في الحديث غير الصلاة والصيام، فلم يذكر الزكاة ولم يذكر الحج، ويحتمل أن يكون الحج والزكاة داخلين تحت قوله: (وحرمت الحرام)؛ لأن كون الإنسان لا يؤدي الحج ولا يؤدي الزكاة وهو من أهل القدرة على ذلك؛ فإنه يكون قد فعل حراماً؛ لأن الحرام هو ترك المأمور وفعل المحظور، فيكون عدم ذكر الزكاة والحج لدخولهما تحت هذه الجملة العامة. ويحتمل أن يقال: يمكن أن يكون الحج لم يفرض بعد، وإن السائل سأل قبل فرض الحج، وكذلك أيضاً بالنسبة للزكاة يمكن أن يكون فقيراً ليس عنده مال، ولهذا لم يسأل عن الزكاة؛ لأنه ليس عنده مال يُزكَّى، وإنما سأل عن الشيء الذي يمكنه أن يأتي به، والذي هو قادر على الإتيان به وهو من أهله، وهو كونه يصلي الصلوات المكتوبات ويصوم شهر رمضان. وبعد أن أتم سؤاله قال ﵊: (نعم)، والجواب بقوله: (نعم) يرجع إلى ما تقدم، فيكون السؤال كأنه معاد في الجواب، ومعناه: نعم إذا فعلت كذا وكذا دخلت الجنة، فلم يأت ذكر السؤال مرة أخرى، وهو مطلوب؛ وذلك لأن السؤال مبين: إذا فعلت كذا وكذا أأدخل الجنة؟ و الجواب نعم، إذا فعلت كذا وكذا تدخل الجنة، فلم يذكره مرة أخرى اكتفاءً بإيراده في السؤال، واستغناء عن إعادته بذلك، لأنه في معنى المعاد. ومعنى قوله: (أحللت الحلال) أي: اعتقدت ما أحله الله حلالاً، وفعلت ما أمكنني فعله مما هو حلال مباح، فيكون ذلك بأن يأتي بما هو واجب، وبما هو مستحب، وبما هو مباح على حسب قدرته وطاقته، وأما تحريم الحرام فبأن يجتنبه ويبتعد عنه معتقداً حرمته. وفي هذا أيضاً: أن الإنسان يكون متبعاً وموافقاً لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ في إحلال الحلال وتحريم الحرام، فيأتي ما هو سائغ له مما أحله الله، ويبتعد عما حرم الله عليه مما جاء منعه وتحريمه، فيدخل في ذلك الابتعاد عن كل محرم مع اعتقاد أنه محرم. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو ثاني حديث من أحاديث خمسة متوالية انفرد بإخراجها مسلم ولم يروها البخاري، وأولها الحديث الذي قبله وهو حديث سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁. والله تعالى أعلم.

стр. 552

الأسئلة

стр. 553

معنى: (من لا حياء له لا إيمان له) السؤال يقال: من لا حياء له لا إيمان له، فهل هذا صحيح؟ الجواب لا شك أن المعنى: أن الذي ليس عنده حياء يفعل ما يشاء، كما جاء في حديث أبي مسعود، فهو يفعل ما يشاء لأنه ليس هناك حياء يمنعه، ولا خوف من الله يردعه، بل يقدم على الأمور المحرمة، ولا شك أنه يضعف إيمانه بذلك، وإذا استمرت معه قلة الحياء من الله حتى وقع في أمور مكفرة فإنه يكون قد ذهب الإيمان من أصله، وإذا لم يقع في أمور مكفرة بسبب عدم الحياء فإنه يكون عنده نقص في الإيمان. وقد قال ابن عباس: (الحياء والإيمان في قرن، فإذا نزع الحياء تبعه الآخر)، وهذا يدل على أنهما مقترنان متلازمان.

стр. 554

حكم من يستحي من الناس ولا يستحي من الله السؤال ما حكم الأعمال التي يستحيا فيها من الناس دون الله؟ الجواب استحياء الإنسان يستحي من الناس دون الله من أقبح الأعمال، بل الله تعالى أحق أن يستحيا منه، ولا يكون الإنسان شأنه الخوف من الناس وعدم الخوف من الله، فإن هذا من أقبح الأعمال وأسوئها.

стр. 555

هل شرع من قبلنا شرع لنا السؤال ما الأحكام الواردة في الكتب السابقة وأقرها القرآن؟ وما هو المرجع الذي أرجع إليه لاستقراء هذه الأشياء؟ الجواب ورد في القرآن الكريم وفي السنة ذكر بعضها، فقد جاء في القرآن ذكر أشياء موجودة في التوراة كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا الأمر موجود في هذه الشريعة، وهذا يمكن أن يذكر عند مبحث شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ وهو من مباحث الأصول. والمسألة فيها تفصيل: فهناك اتفاق على أنه إذا كان الحكم في شرع من قبلنا وجاء في شرعنا فهو شرع لنا. ولكن إذا جاء في شرع من قبلنا وذكر في شرعنا، ولم يبين أنه شرع لنا، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، وجمهورهم على أنه يكون شرعاً لنا؛ لأنه ما ذكر إلا لنعتبر ونعمل به. وقال بعضهم: إنه ليس شرعاً لنا حتى يأتي في شرعنا نص على أنه شرع لنا.

стр. 556

حكم إطلاق لفظ ملتزم ونحوه لمن عرف بالصلاح السؤال ما حكم استخدام مصطلح ملتزم أو مستقيم أو مطوع أو متدين لمن عرف بالصلاح؟ الجواب إذا عرف الإنسان بالصلاح فيقال: أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً.

стр. 557

العلم قبل القول والعمل السؤال حديث: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك) هل فيه دليل على أن الإنسان يطلب العلم قبل أن يعمل؟ الجواب لا شك أن العلم قبل القول والعمل، كما بوب البخاري ﵀: باب العلم قبل القول والعمل؛ لأن الإنسان يعمل بناءً على علم، وكما قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١ - ٣] يعني: آمنوا عن علم، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] يعني: فهم آمنوا عن علم وعملوا الصالحات، ثم بعد ذلك فعلوا على تعدي النفع إلى غيرهم، فتواصوا بالحق، ثم لما كان التواصي بالحق قد يترتب عليه مضرة أمر بالصبر، فقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].

стр. 558

ما يجب على المسلم من العلم السؤال هل معرفة الإنسان لأحكام الأشياء التي يتلبس بها في حياته اليومية واجب عيني أم ليس بواجب، كمعرفة أحكام البيوع للتاجر، وأحكام الزواج لمن أراد أن يتزوج؟ الجواب كل أحد عليه أنه يعرف الشيء الذي هو من أهله، فهناك أمور لا بد منها للجميع، مثل الوضوء والصلاة، فجميع الناس عليهم أن يعرفوا ما هو واجب وما هو لازم عليهم، وأما ما يتعلق بالزكاة فلا يلزم كل أحد أن يتعلمه، بل تعلم ذلك فرض كفاية، لكن من يكون من أهل المال عليه أن يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بماله من ناحية الزكاة وكيف يزكي، ومقدار الزكاة، وما إلى ذلك، لا بد أن يكون على علم بذلك؛ لأنه لا يستطيع أن يعمل إلا إذا عرف.

стр. 559

معنى قول ابن رجب: (قوله ﷺ كذا منتزع من قوله تعالى كذا) السؤال يأتي في كلام الحافظ ابن رجب ﵀ قوله: (قوله ﷺ كذا منتزع من قوله تعالى كذا) فهل هذه العبارة مستقيمة؟ الجواب نعم، هي مستقيمة؛ لأن المعنى أنه مأخوذ من هذه الآية، أو مطابق لهذه الآية، وكما قال بعض العلماء: إنني إذا رأيت الأمر في سنة رسول الله ﷺ تأملت ووجدت معناه في القرآن، قال: فلما سمعت قوله ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) تأملت فوجدت مصداقه في كتاب الله ، قال الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧]، ومعناه: أن هذا المعنى الذي جاء في السنة مطابق لما جاء في القرآن.

стр. 560

حكم تحية المسجد السؤال هل يستدل بحديث جابر على أن تحية المسجد غير واجبة؟ الجواب تحية المسجد فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بوجوبها، ومنهم من قال باستحبابها، لكن الذي يقول بوجوبها يقول: إن هذا وجوب طارئ، أي: بسبب، وليس وجوباً مستقراً ثابتاً دائماً مثل الصلوات الخمس؛ لأن الفرائض لازمة في كل يوم وليلة خمس مرات، وأما هذه فتكون بمناسبة الدخول، وهذا على قول من قال بوجوب تحية المسجد.

стр. 561

(إذا لم تستح فاصنع ما شئت) موجود في الكتب السابقة السؤال قوله ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) هل يدل على أن هذا الكلام كان موجوداً في الكتب السابقة؟ الجواب نعم، هذا المعنى الذي هو: أن الإنسان إذا لم يستح يصنع ما يشاء موجود، لكن الكتب السابقة كانت بلغة أخرى، فهذا بلغتنا، وأما الكتب السابقة فهي بلغتهم، كما الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، ولكن المعنى موجود هنا وهناك، وأما بهذا اللفظ وبهذه الكلمات فهذه كلمات باللغة العربية، وهو موجود في الكتب السابقة بلغتها، وليس بهذه اللغة.

стр. 562

معنى قوله: (ولم أزد على ذلك شيئاً) السؤال جاء في حديث جابر ذكر الصلاة والصوم لدخول الجنة، وقال السائل: (ولم أزد على ذلك شيئاً) فهل هذا يدل على أن ما سوى ذلك ليس واجباً؟ الجواب عرفنا أن هناك أشياء أخرى ما جاءت، وعرفنا أنها داخلة تحت إحلال الحلال وتحريم الحرام؛ لأن هذا واسع، فيدخل فيه ما لم يذكر.

стр. 563

المقصود بقول ابن رجب: (أصحابنا) السؤال يذكر ابن رجب ﵀ دائماً: أصحابنا، فمن هم؟ الجواب أصحابهم هم الحنابلة، وذلك كما يقول النووي: أصحابنا، يقصد بهم الشافعية.

стр. 564

الحلال منه ما هو واجب ومستحب ومباح السؤال قال ابن رجب ﵀: "ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال هنا عبارة عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح" فما معنى هذا الكلام؟ الجواب أي أن إحلال الحلال يدخل فيه هذا كله، وكما جاء في الحديث: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات)، والحلال منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مباح مستوي الطرفين، فما لم يذكر في الحديث مثل الزكاة والحج فهو داخل في ذلك.

стр. 565

الفرق بين المعرفة والعلم في باب الصفات السؤال ما هو الفرق بين المعرفة والعلم؟ الجواب جاء من صفات الله العلم، وما جاء أن من صفاته المعرفة، لكن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، فلهذا يخبر عن الله بما ليس صفة له، كما يقول الإنسان: نوه الله تعالى بكذا، وأشاد بكذا، فهذا إخبار عن الله بأنه فعل هذه الأشياء، لكن لا يقال: إن هذه من صفاته.
следующие страницы →