Полный текст (1 058 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
طلب البينة في الأمور الدينية
كما أن البينة تكون مطلوبة في أمور الدنيا فإنها مطلوبة في أمور الدين، وذلك أن من يدعي محبة الله ورسوله ﵊ لا تقبل دعواه دون أن يقيم البينة، والبينة هي اتباع الرسول ﷺ ، فمن ادعى محبة الله ورسوله فالبينة التي تدل على صدقه أن يكون متابعاً للرسول ﷺ ، وأن يكون سائراً على نهج الرسول ﵊، هذه هي البينة، ليس كل من يدعي أنه محب للرسول ﷺ يكون صادقاً في ذلك؛ لأن من الناس من يدعي محبته ﷺ ، وعلامتها عنده ارتكاب أمور مبتدعة، أو أمور محرمة غير سائغة مستنده فيها دعواه أنه يحب الرسول ﷺ ، ولكنه يأتي بالبدع، فيأتي -مثلاً- يتمسح بالجدران التي عند قبره، ويقول: أنا أحب الرسول ﷺ ، وهو يعصي الله ورسوله ﵊، فهذه ليست علامة المحبة.
يحتفل بميلاده ﷺ ويقول: أنا أحبه.
وهذه ليست علامة المحبة، فالمحبة هي الاتباع، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وهذه الآية يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] فالبينة والعلامة على محبته للرسول ﷺ أن يكون متبعاً له، سائراً على نهجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وعلى هذا فإن الدعاوى بدون بينات لا عبرة بها ولا قيمة لها، وإنما المعول عليه في الدعاوى هو البينات التي يأتي بها المدعي، فإذا أتى المدعي بالبينة على دعواه فعند ذلك تكون الدعوى صحيحة ويكون صادقاً فيما يقول، وأما إذا كانت الدعوى مجرد كلام ولم يأت بالبينة فيما يتعلق بأمور الدنيا -وهي الشهود وغير ذلك مما يثبت به الحق- وكذلك -أيضاً- في أمور الدين، حيث يدعي محبة الرسول ﷺ وهو مخالف لمنهجهه وطريقته وسنته ﷺ فإن هذه مجرد دعوى ولا عبرة بها، وإنما تكون الدعوى معتبرة إذا أقيمت البينة على ذلك، والبينة على ذلك هي اتباع الرسول ﷺ ، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
فقوله: ((فَاتَّبِعُونِي)) هذا هو الدليل على صدق المحبة، فإذا وجد الاتباع فإن الدعوى قد أقيمت عليها البينة، وإن وجدت الدعوى ولكن وجد ما يخالفها ووجدت معصية الله ورسوله ﷺ فإن هذا ينافي المحبة، ولا يكون الإنسان صادقاً في دعواه بأنه يحب الرسول صلوات وسلامه وبركاته عليه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 807
الأسئلة
стр. 808
ما يفعله القاضي إذا ثبتت البينة وحلف المدعى عليه منكراً
السؤال
إذا ادعى شخص دعوى وأتى بالبينة، وحلف المدعى عليه منكراً، فكيف يحكم القاضي في هذه الحالة؟
الجواب
المدعى عليه لا تطلب منه اليمين إلا إذا فقدت البينة، فإذا لم توجد البينة فعند ذلك يطلب من المدعى عليه أن يحلف، أما إذا وجدت البينة فلا يطلب من المدعى عليه الحلف، ولو حلف المدعى عليه بدون استحلاف فإنه لا عبرة بهذا الحلف؛ لأنه لا يحلف إلا إذا استحلف، وهو إنما يستحلف إذا عدمت البينة.
فالقاضي عندما يأتيه الخصوم يبدأ أولاً في معرفة كون المدعى عليه مقراً أو منكراً، فإن كان مقراً بالحق انتهى الأمر؛ لأن الإقرار لا حاجة إلى شيء وراءه، فمادام أن المدعى عليه مقر فقد انتهت الدعوى، ويطلب منه دفع الحق إلى المدعي.
أما إذا أنكر فإنه يطلب من المدعي أن يأتي بالبينة، فإن أتى بالبينة حكم بها على المدعى عليه، وألزم بدفع الشيء المدعى، فإن لم يأت المدعي بالبينة عند ذلك يطلب من المدعى عليه أن يحلف، فإن حلف برئت ساحته، وإن لم يحلف وامتنع من الحلف ونكل عن اليمين قضي عليه بالنكول وألزم بدفع الشيء الذي ادعي عليه؛ لأنه ما برأ ساحته باليمين.
стр. 809
حكم اليمين إن كان صاحبها فاجراً
السؤال
إذا كان المدعى عليه فاجراً لا يخاف الله ، فهل يعتمد على يمينه؟
الجواب
إذا لم تكن هناك بينة فليس للمدعي إلا اليمين.
стр. 810
معنى البينة
السؤال
ما معنى البينة؟
الجواب
البينة هي كل شيء يبين الحق ويظهره ويدل عليه، وتكون بالقرائن والعلامات التي تدل على ذلك، ولـ ابن القيم كتاب اسمه (الطرق الحكمية) مخصص للطرق التي يحصل بها الحكم، سواءٌ حصل بالشهود أو بالفراسة أو بالقرائن، وهو من أحسن ما كتب في الطرق التي يحكم بها، ومنها الفراسة ومعرفة المحق من المبطل.
كما جاء في الصحيحين في قصة امرأتين إحداهما كبرى والثانية صغرى، وكان لكل واحدة منهما ولد، فجاء الذئب وأخذ ولد الكبيرة منهما، فادعت الكبيرة أن الذي مع الصغيرة هو ولدها، وكانت كل واحدة تقول: إنه ولدها.
فالكبيرة تقول: إنه ولدها.
والصغيرة تقول: إنه ولدها.
وكل واحدة تقول: إن الذئب أخذ ولد الثانية.
فاحتكمتا إلى نبي الله سليمان ﵇ فقال: ائتوني بسكين.
فقالتا: ماذا تعمل بها؟ قال: أقسمه بينكما.
فقالت الكبرى: نعم شقه بيننا.
وقالت الصغرى: يرحمك الله! هو ولدها.
فعرف أن الكبرى كاذبة لأنها لن تخسر فقده، وعرف أن الصغرى أمه، فقضى به للصغرى.
فهذا مما يبين الحكم، وهو من البينة؛ لأن البينة قد تكون بأمارات وقرائن وقد تكون بشهود، فهذا أبان أن الولد للصغرى لا للكبرى؛ لأن الأم لا تريد أن يقتل ابنها، بل أرادت أن يبقى حياً ولو كان عند غيرها.
وأما تلك فإنها لا تبالي بقتله؛ لأنه ليس ولداً لها.
فعرف ﵊ أن هذه أمه وأن تلك ليست أمه.
وقد بوب على هذا بعض العلماء بقوله: (باب إذا قال الحاكم: أفعلُ كذا وهو لا يريد أن يفعل من أجل أن يستظهر الحق) وقد ذكر ابن القيم ﵀ في مقدمة الكتاب قصصاً كثيرة من الفراسة، ومن فراسة القضاة التي بها يستظهرون ويعرفون المحق من المبطل.
стр. 811
حكم اعتبار البصمات والتحليلات الطبية في الإثباتات
السؤال
هل تعتبر البينة بالبصمات والتحليل والتشريح ونحو ذلك من الأمور العصرية؟
الجواب
هذه قرائن، والقرائن إنما يستأنس بها ويوجه الاتهام بها، لكنها لا تكفي في الحكم.
أما التصوير فليس كل تصوير صحيحاً؛ إذ هناك ما يسمى اليوم بالدبلجة، حيث يتم بواسطتها إظهار الصورة على خلاف الواقع، فلا يصح اعتبار التصوير.
стр. 812
استثناء القسامة من كون البينة على المدعي
السؤال
ما وجه الاستثناء في قوله ﷺ : (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة)؟
الجواب
القسامة من جملة الأشياء التي تستثنى من كون اليمين على المدعي عليه، فاليمين هي في الأصل على المدعى عليه، وفي القسامة على المدعي وليست على المدعى عليه.
فيبدأ القاضي بالمدعين ويطلب منهم الأيمان الخمسين، بأن يحلف خمسون منهم، وذلك لوجود اللوث الذي هو بينة ناقصة أو قرينة تدل على أن المدعى عليهم يحتمل أن يكون مرتكبين للجريمة وأن الحق عليهم، فوجود اللوث -وهو كون القتيل موجوداً بين أظهرهم أو قريباً منهم- شبهة في كونهم القاتلين، وحينئذٍ يحلف المدعون خمسين يميناً، فلا يحلف المدعى عليهم، وإنما توجه اليمين إلى المدعين لأنه وجد عندهم شيء يقوي جانبهم.
وذلك مثله أن يوجد شاهد واحد، فإنه يطلب من المدعي أن يحلف، ويكون ذلك مضموماً إلى تلك البينة الناقصة التي هي شاهد واحد.
стр. 813
ثبوت القول والفعل بالشهادة
السؤال
إذا شهد رجلان على رجل بأنه قال كلاماً ما، وحلف هذا الرجل أنه ما قال هذا الكلام، فكيف يتعامل مع مثل هذه القضية؟
الجواب
المدعى عليه لا يحلف إلا إذا لم توجد البينة، أما إذا وجدت البينة فإنه لا يقبل قوله إلا إذا كان الشهود مجروحين، إذا كان الشهود مجروحين بأن أتى بشيءٍ يجرحها فعند ذلك لا تعتبر شهادتهم؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فالقدح في الشاهد قدح في شهادته، كما أن القدح في الصحابة قدح في الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول.
ولهذا يقول أبو زرعة الرازي: إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله ﷺ ، وهؤلاء -أي: الذين يقدحون في الصحابة- يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة.
يعني: أنه قدح في الناقل وقدح في المنقول، فإذا كان المدعى عليه قدح في الشهود، وكان قدحه معتبراً فعند ذلك يكون وجود شهادتهم مثل عدمها.
стр. 814
معنى عدالة الشهود في باب القضاء
السؤال
إذا كان لابد من اشتراط عدالة الشهود فما هو نوع العدالة؟ وهل هي ما قرره علماء الحديث في قبول حديث الرجل، أو يكتفى بأن يعرف الرجل بالأمانة وما أشبه ذلك؟
الجواب
إذا لم يعترض المدعى عليه على شهادة الشاهد، ولم يذكر شيئاً يجرحه به، أو زكي الشاهد من قبل أناس يعرفونه ولم يعترض المدعى عليه؛ فحينئذٍ يعمل بالشهادة.
стр. 815
لزوم عودة طلبة العلم إلى العلماء لأخذ الدليل عند خفائه عليهم
السؤال
يحدث الخلاف بين طلبة العلم في المسائل المختلف فيها، فيطلب أحدهما من الآخر أن يأتي بالبينة -أي: بالدليل- فيقول الآخر: بل أنت الذي تأتي بالدليل.
فمن المطالب بالدليل؟
الجواب
إذا كان الأمر غير واضح بين طلبة العلم؛ فإن عليهم أن يرجعوا في ذلك إلى أهل العلم ليبينوا لهم الحق في هذه المسألة، والقول الراجح فيها، والدليل على ذلك.
стр. 816
استثناء أهل الصلاح والتقى من كون البينة على المدعي
السؤال
إذا ادعى شخص على آخر دعوى ولم يأت بالبينة، فهل يجوز للمدعى عليه أن يرفع دعوى من أجل اتهامه له بغير بينة؟
الجواب
ذكر العلماء أن اليمين على المدعى عليه مطلقاً، ومن العلماء من قال: إنه يستثنى من ذلك ما إذا ادعي على أهل الصلاح والتقى من قبل بعض أهل الفساد، فلا يقبل كلام هؤلاء ليحلف المدعى عليهم؛ لأن ذلك فيه إهانة لأهل الصلاح، وقد يقصد بعض الفساق الإضرار بالأخيار فيدعون عليهم دعاوى؛ فيترتب على ذلك أنهم يستحلفونهم.
فمن العلماء من قال: إن هذا يستثنى من مسألة كون اليمين على المدعى عليه، لا سيما في الأمور التي لا تليق بذلك المدعى عليه.
стр. 817
حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم
السؤال
ما حكم تحليف المدعى عليهم عند قبور الأولياء ومشاهدهم لإثبات الحق عليهم؟
الجواب
هذا العمل لا يجوز؛ لأن معناه أنه تعظيم للقبور، وهذا إنما يحصل من المفتونين بالقبور والذين يغلون في أصحاب القبور.
وقد يقال: إن ذلك قد تحفظ به حقوق الناس؛ إذ إن المدعى عليه لو طلب منه اليمين عند المنبر في بيت الله لحلف كاذباً، لكن إذا طلب منه اليمين عند من يعظمه في قلبه من أصحاب القبور؛ فإنه لا يجرؤ على أن يحلف كاذباً، ومن ثم تؤدى الحقوق.
وأقول: إنَّ هذا أشد وأعظم سوءاًَ، فإذا كان المكان الفاضل ليس له اعتبار عنده وهو يرى الشيء الذي لا يجوز هو المعتبر، فمعنى ذلك أن الأمر قد انتكس وانقلب، وفاعل هذا من جنس أولئك الذين إذا حُلَّفوا بالله سهل عليهم الحلف، وإذا حُلَّفوا ببعض المخلوقين الذين يعظمونهم صعب عليهم أن يحلفوا، ويمتنعون عن الحلف، فيكون الحلف بغير الله أعظم من الحلف بالله عند هذا الذي يكون بهذه المثابة، والعياذ بالله.
فمثل هذا الفعل لا يجوز، حتى وإن قيل: إنه قد تحفظ به الحقوق، فلا يجوز الحلف بغير الله تعالى ولا عند القبور.
стр. 818
ترك التحاكم إلى من لا يحكم بشريعة الله تعالى
السؤال
بلدنا لا يحكم حكامه بشرع الله، فإذا تحاكمت إلى قوانينهم لا يعطونك الحق وإن كنت على بينة، ولو حلفت لهم فإنهم لا يعتبرون بحلفك، خاصة إذا رأوك ملتزماً بالسنة، فأنا لا أريد أن أتحاكم إليهم، فهل يعتبر ذلك خروجاً عن طاعة ولاة الأمر؟
الجواب
إذا كنت مدعياً فالمدعي هو الذي إذا سكت ترك، وكيف يكون خروجاً على ولاة الأمر إذا لم تقم دعوى عند المحاكم القانونية الباطلة المحرمة؟! بل لا يجوز لك أن تقيم الدعوى عندها وأن تتحاكم إلى غير ما أنزل الله ، ومن ابتلي بشيء من هذا فكان مدعى عليه فإنه لا يستطيع الامتناع.
وأما إذا كان مدعياً فإنه يستطيع أن يترك، ولا أحد يلزمه بأن يتقدم؛ لأن المدعي إذا سكت ترك، والمدعى عليه إذا سكت لم يترك.
فمن ابتلى بدعوى عليه في مثل تلك البلاد فعليه أن يسعى ويحرص على الصلح بينه وبين خصمه فينهيان النزاع بالصلح، أو يتفقان على شخص عنده علم بالشريعة يحكم بينهما ويأخذان بحكمه.
هذه هي الطريقة التي على الإنسان أن يسلكها فيما يتعلق بكونه مدعى عليه وليس أمامه إلا محاكم تحكم بغير ما أنزل الله، فإنه يسلك هذا المسلك، إما صلح بينه وبين خصمه، وإما أن يتفقا على تحكيم من عنده علم بالشريعة فيتحاكما إليه وينفذا حكمه.
стр. 819
حكم التحاكم إلى الأعراف القبلية
السؤال
ما حكم الحكم بالأعراف القبلية، مثل أن يحكم على شخص بمال تعويضاً عن أي حق؟ الشيخ: الأحكام لا تكون بأعراف قبلية ولا بغير أعراف قبلية، بل الحكم بما أنزل الله هو الحكم الواجب.
стр. 820
الحلف بوضع اليد على المصحف
السؤال
في بعض البلدان يلزمون حالف اليمين بأن يضع يده على المصحف، فهل هذه الكيفية صحيحة شرعاً؟
الجواب
لا أعلم دليلاً يدل عليها، ولكن ينبغي للإنسان أن يحلف بدون أن يضع يده على مصحف.
стр. 821
حلق اللحية وأثره على العدالة
السؤال
يذكر في كتب الفقه أن حالق اللحية لا تقبل شهادته، فهل حلقها يعتبر مسقطاً للعدالة في الشهود؟
الجواب
إذا قدح المدعى عليه في الشاهد بهذا الذي فيه فإن قدحه معتبر، وإذا كان المدعى عليه مثله فليس له الاعتراض عليه؛ لأنها شهادة شخص على شخص من جنسه.
стр. 822
حكم من ثبت عليه سب الله ﷻ
السؤال
سمعت رجلاً يسب الله شأنه -والعياذ بالله- وعندي شهود، فهل أناصحه أم أذهب إلى المحكمة وأشهد عليه؟
الجواب
إذا كان ذلك صدر منه متعمداً وليس بسبق لسان، فكونه يرفع أمره إلى المحكمة وإلى الوالي لا شك أنَّه مطلوب.
فإذا نصح وقيل له: كيف تفعل هذا؟ وكيف يحصل هذا منك؟ ثم عرف اتصافه بذلك وتكرر ذلك منه فإنه يرفع أمره إلى الحاكم.
стр. 823
إبطال الحلف بالبينة بعد مدة
السؤال
إذا حلَّف الرجلُ الرجلَ ثم بعد سنة أتى ببينة هل يبطل الحلف؟
الجواب
نعم يبطل الحلف؛ لأنه إنما استحلف لكون البنية غير موجودة، فإذا وجدت البينة فإنه يصار إليها، والحق لا يضيع لمجرد الحلف مادام أن البينة على الحق قد ظهرت.
стр. 824
حكم تحليف المرء بشيخه إذا كان لا يتورع عن الحلف بالله فاجراً
السؤال
عندنا بعض الصوفية لا يتورع عن الحلف بالله أو بكتابه، لكن يتورع عن الحلف بشيخه، فهل يجوز تحليفه بهذه الصيغة: (أستحلفك بالله الذي خلق الشيخ الفلاني)؟
الجواب
الله خالق كل شيء، فهو خالق ذلك الشيخ وخالق كل شيء، فإذا كان ذلك يؤثر فيه فهو حلف بالله، والحلف بالله بأي صيغة يصح ويعتبر، فإن كان ذلك يؤثر فيه فليس به بأس.
стр. 825
حكم الترافع إلى المحاكم القانونية عند عدم الوصول إلى الحق بدونها
السؤال
إذا لم يرد المدعى عليه الصلح، ولم يلتزم بالتحاكم إلى من عنده علم، ولم يكن للمدعي الوصول إلى حقه إلا عن طريق المحاكم القانونية، فهل يجوز له الترافع إليها؟
الجواب
مادام أنها تحكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يترافع إليها، لكن يمكن أن يرجع إلى بعض الناس الذين لهم صلة بالمدعى عليه ويطلب منهم أن يتوسطوا بين المدعي والمدعى عليه، بحيث يصيران إلى صلح، أو يصيران إلى تحاكم إلى من يحكم بما أنزل الله.
стр. 826
حكم تناقض شهادة الشاهدين
السؤال
إذا تناقضت شهادة الشاهدين، فهل يأخذ القاضي بمثل هذه الشهادة؟
الجواب
قضية الشهود ومعرفة كونهم صادقين أو كاذبين يرجع فيها إلى القاضي وفراسته وإلى أمور أخرى، وإذا حصل من أحدهما شيء مخالف فإنه يطلب شاهد آخر.
стр. 827
معنى القسامة
السؤال
ما معنى القسامة؟
الجواب
القسامة هي أن يوجد قتيل بين قوم فيتهمون بقتله فيتبرءون من قتله ويقولون: نحن ما قتلناه.
فعند ذلك تكون القسامة، وهي أن يطلب من المدعين أن يحلف منهم خمسون، فإن حلفوا وحصل منهم الحلف جميعاً فإنه يقضى على أولئك ويدفع إلى المدعين الشخص المدعى عليه بعينه فيؤخذ بالقتيل، وإن لم يحلف المدعون خمسون يميناً، فإن المدعى عليهم هم الذين يحلفون وتبرأ ساحتهم بذلك.
فالقسامة سميت قسامة لأن فيها هذا النوع من القسم الذي هو خمسون يميناً من المدعين أو المدعى عليهم، والبدء في الحلف إنما هو بالمدعين؛ لأن عندهم اللوث الذي هو القرينة أو البينة الناقصة، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليهم وسلموا.
стр. 828
حكم قدح المدعى عليه في البينة
السؤال
إذا كان المدعي قد جاء ببينة ولكن المدعى عليه أنكر هذه البينة، فهل يستحلف؟
الجواب
المدعي إذا جاء ببينة فالمدعى عليه لا يملك إلا أن يقدح في البينة، فإذا قدح في الشهود وكان قدحه معتبراً فإن شهادتهم حينئذٍ وجودها مثل عدمها، وإن كان قدحه غير معتبر فيحكم بشهادتهم على المدعى عليه.
стр. 829
حكم التحاكم إلى المحاكم غير الشرعية
السؤال
لو أن شخصاً اعتدى على إنسان وأخذ أرضاً له، فقدم المعتدى عليه شكوى إلى المحكمة غير الشرعية وقدم الأوراق التي فيها أنها أرضه، فما المانع من التحاكم في مثل هذه القضية؛ لأنها ليست مخالفة شرعية، ومعظم البلدان لا يحصل فيها الناس على حقوقهم إلا بهذه الطريقة؟
الجواب
إذا كانت المحاكم تحكم بغير ما أنزل الله فقد يكون فيها شيء يخالف ما أنزل الله، ولو حكم فيها بما أنزل الله فإنه لا يكون مقصوداً، وإنما يقع اتفاقاً، ومعلوم أن الحكم بما أنزل الله إنما يكون معتبراً حيث يكون مقصوداً فلو حصل في تلك المحاكم شيء مطابق لما أنزل الله وما كان مقصوداًً فإنَّه مثل الرمية من غير رامٍ.
стр. 830
حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى
السؤال
ما حكم تخصيص اليمين بالنية في غير مسائل الدعاوى؟
الجواب
يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك، وفي الدعاوى والخصومات يصدق الحالف فيما يقول، وتبرأ ساحة المدعى عليه بيمينه.
стр. 831
حكم تأديب المتشاجرين بمال يدفعونه للمسجد
السؤال
عندنا عادة، وهي أنه لو حصل خصام وتشاجر بين أشخاص في المسجد فإنه يحكم عليهم بمالٍ يدفعونه للمسجد تأديباً على ما فعلوه, فهل هذا جائز؟
الجواب
هذا من الحكم بغير ما أنزل الله.
стр. 832
ما يؤخذ من المدعى عليه حال تقديمه البينة على براءته
السؤال
لو كان عند المدعى عليه دليل على عدم فعل الجريمة المتهم بها، فهل يؤخذ به أو يكتفى باليمين؟
الجواب
من ادعي عليه بأمرٍ غير صحيح، وعنده شهود يشهدون على أنه بريء من هذا الذي ادعي عليه به، كأن يكون في الوقت الذي وقعت فيه الجريمة ليس موجوداً في البلد ونحو ذلك فإن ذلك يدل على صدقه.
стр. 833
دخول السرعة بالسيارات في الضرر والضرار
السؤال
هل السرعة بالسيارات تدخل في حديث النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار)؟
الجواب
لا شك أن السرعة من أسباب الضرر على السائق وعلى غيره، فعلى الإنسان أن لا يمشي بالسرعة التي تكون سبباً في إلحاق الضرر به أو بغيره.
стр. 834
حكم ضياع المال من يد أحد الشريكين
السؤال
أعمل أنا وشريك لي في محل، فذهبت يوماً لأشتري سلعة فضاع مني المال، فهل أضمن المال أم لا؟ مع العلم بأن هذا المال الذي ضاع هو مال مشترك بيني وبين شريكي؟
الجواب
إذا كنت مفرطاً فعليك ضمانه، وإن كنت غير مفرط فلا ضمان عليك؛ لأن الشريك مؤتمن.
стр. 835
حكم طلب القاضي من المدعي الحلف بعد مجيئه بالبينة
السؤال
إذا أتى المدعي بالبينة، ثم طلب منه القاضي أن يحلف بعد ذلك، فهل له ذلك؟
الجواب
إذا كانت البينة غير كافية، فله أن يحلفه، والبينة غير الكافية مثل الشاهد الواحد، فهو بينة غير كافية، فإذا طلب منه أن يحلف فإنه يحلف، وقد قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين.
стр. 836
الفرق بين الضرر والضرار
السؤال
ما الفرق بين الضرر والضرار؟
الجواب
الضرر يكون بقصد وبدون قصد، ومثال ذلك إنسان عنده جار وله شجر في داره؛ فيسقي شجره فيخرج الماء من تحت الجدار إلى الجار، فيتضرر جاره من غير أن يقصد صاحب الشجر إضرار جاره، فالضرر موجود وقد حصل، ولكنه من غير قصد، وقد يكون الإنسان يعلم بأن الماء يخرج إلى جاره، فيكون بذلك عالماً بهذا العمل الذي يحصل به الضرر، فيكون الضرر مقصوداً.
وأما الضرار فإنه قد يكون من الجانبين، بأن يكون كل واحد يضار الآخر ويتبادلان الإضرار فيما بينهما، وقد يكون من جانب واحد ولكنه مقصود.
стр. 837
عبارة: (القانون لا يحمي المغفلين)
السؤال
ما صحة العبارة القانونية: (القانون لا يحمي المغفلين)؟
الجواب
القوانين الوضعية لا تحمي المغفلين ولا غير المغفلين.
стр. 838
دخول شرب الدخان في النهي عن الضرر والضرار
السؤال
هل يدخل في قوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) الإضرار بالنفس، وذلك بشرب الدخان أو الشيشة مثلاً؟
الجواب
كل ذلك داخل في النهي عن الضرر والضرار.
стр. 839
حالة اعتبار أصل الحديث في الصحيحين
السؤال
متى يقال: إن أصل الحديث في الصحيحين؟
الجواب
إذا كان يوجد معناه أو شيء من لفظه في الصحيحين، بأن يكون أكثره أو بعضه في الصحيحين.
وذلك مثل حديث: (لو يعطى الناس بدعواهم) فهو موجود في الصحيحين بدون ذكر البينة على المدعي، بل بلفظ: (لكن اليمين على المدعى عليه) مع كون البينة على المدعي قد جاء معناه في حديث آخر.
فما كان موجوداً في الصحيحين ولكن مفرق يقال عنه: أصله في الصحيحين.
стр. 840
حكم التفجيرات في البلاد الإسلامية
السؤال
على ضوء حديث: (لا ضرر ولا ضرار) ما حكم التفجيرات التي تقع؟
الجواب
من أعظم الضرر والإضرار التفجير في الناس والممتلكات، ومن ذلك التفجير الذي وقع في الرياض قريباً، فهذا من أقبح الإجرام وأعظم الإفساد في الأرض، وذلك لأن الذين فعلوا ذلك جنوا على أنفسهم بأن قتلوا أنفسهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]، ويقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].
وأخبر ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن من قتل نفسه بسم أو بتردٍ من شاهق أو بحديدة فإن هذه الأمور الثلاثة يعذب بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، وهذا فيما يتعلق بقتلهم أنفسهم.
أما ما يتعلق بقتلهم للمسلمين، فقد قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣].
وقتلهم للمستأمنين يدل على قبحه وسوئه قول الرسول ﷺ : (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة).
ثم إنه يترتب على ذلك أن المعاهد الذي له عهد وميثاق لو قتل خطأً فإن الدية تجب لأهله، وتجب الكفارة أيضاً لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:٩٢].
ويترتب على ذلك أيضاً إتلاف الأموال، وترويع الآمنين، وترميل النساء، وتيتيم الأطفال، كل هذه مفاسد نتجت وتنتج عن هذا الإجرام الذي هو من أقبح ما يكون من الإجرام، ومن أعظم ما يكون فساداً في الأرض والعياذ بالله.
стр. 841
حكم الفتيا بعدم جواز الإبلاغ بالقائمين بالتفجير إلى الجهات الأمنية
السؤال
أفتى البعض بعدم جواز الإبلاغ بمن قام بالتفجير لكون ذلك التفجير جهاداً، فما صحة ذلك؟
الجواب
هذا جهاد في سبيل الشيطان، والواجب على كل من عرف شيئاً عن هؤلاء المجرمين القتلة أن يتقرب إلى الله ببيان حالهم حتى يقضى عليهم ويسلم الناس من شرهم.
стр. 842
مدى صحة امتناع السلف عن الحلف تعظيماً لله تعالى
السؤال
هل صحيح أن بعض السلف كان إذا طلب منه الحلف امتنع تعظيماً لله ﵎، ولو كان الحق له؟
الجواب
المدعي الذي له الحق إذا سكت ترك، وليس بعد ذلك حاجة إلى تحليفه، ويمكن أن يحلف مع البينة الناقصة وهي الشاهد الواحد، لكن المدعى عليه ليس أمامه إلا الحلف، وإلا فإنه يحكم عليه بالشيء الذي ادعي عليه به.
стр. 843
مراد الشاطبي بعدم تعيين من ابتدع في الدين دون البدع العظيمة
السؤال
نرجو بيان معنى كلام الشاطبي ﵀ في الموافقات حيث قال: ينبغي عدم تعيين من ابتدع في الدين، دون البدع العظيمة كالخوارج، وذلك حفظاً للوحدة والألفة والمودة بين عموم المسلمين.
انتهى؟
الجواب
هذا الكلام يتعلق بالعالم إذا أخطأ وكان فيه شيء من البدعة، فإنه لا يعامل معاملة أصحاب البدع الذين هم مجانبون لأهل السنة والجماعة ومخالفون لأهل السنة والجماعة.
يعني: أن من حصل منه شيء من ذلك فإنه يعذر، فلا يبدع ولا يهجر ولا يترك ما عنده من الحق بسبب ما حصل منه من الخطأ.
وكم من علماء المسلمين من لا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم، ومع ذلك وقعوا في شيء من البدعة، فلو أنهم عوملوا معاملة أهل البدع؛ لم يعول على شيء مما جاءوا به وعلى ما عندهم من العلم.
ومن المعلوم أن من العلماء من هو من أهل الحديث وعنده أمور منكرة فيما يتعلق بالعقيدة، كأن يكون عنده تخليط، وقد يكون ابتلي ببعض مشايخه، وغالباً ما يكون الضرر والبلاء على التلاميذ من الشيوخ إذا كانوا منحرفين.
فمن كان من أهل العلم بالسنة وحصل منه شيء من الخطأ في العقيدة أو غير العقيدة لا يعامل معاملة أهل البدع كالقدرية والمعتزلة، والرافضة والخوارج، وإنما يؤخذ من علمه ويدعى له، ولا يتابع على خطئه.
стр. 844
شرح الأربعين النووية [٣٠]
الدعوة إلى الله تعالى هي طريق الأنبياء والمرسلين، وقد جعل الله لمن يدعو إليه منزلة عظيمة، ومقاماً رفيعاً، وثواباً جزيلاً، بل جعله أحسن الناس قولاً، وجعل طريق الدعوة هي الطريق الأقوم والسبيل الأرشد والصراط المستقيم، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وعلّق هذه الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وتغيير المنكر على درجات حسب الاستطاعة، وحسب ترجح المصلحة وحصول المنفعة، ولا يعذر أحد بترك النهي عن المنكر وإنكاره ولو بالقلب؛ فذلك أضعف الإيمان.
стр. 845
درجات تغيير المنكر
يقول الإمام النووي ﵀: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.
هذا الحديث حديث عظيم فيه بيان درجات تغيير المنكر، وأن الناس فيه ليسوا على حد سواء؛ لأنهم متفاوتون، وأن أعلى درجة للتغيير هي: التغيير باليد لمن قدر على ذلك، فمن لم يستطع فلابد من التغيير باللسان، فمن لم يستطع فلا بد من التغيير بالقلب، وليس هناك شيء أقل من هذا، بل ذلك أضعف الإيمان، كما قال ذلك رسول الله ﷺ .
ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث عديدة تدل على عظم شأنه، وأمة نبينا محمد ﵊ كانت خير أمة أخرجت للناس؛ وذلك لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ثم إن من لُعن من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم إنما كان بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم في الإسلام؛ وذلك لأن فيه الدلالة على الخير، والتحذير من الشر، وإزالة المنكرات الواقعة، وهذا الحديث بين فيه النبي الكريم ﷺ درجات تغيير المنكر، فقال ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده).
والمنكر: هو المحرم الواضح البين الذي قد علم تحريمه فإن تغييره مطلوب، فمن قدر على تغييره باليد تعّين عليه ذلك، وهذا يكون للسلطان ونواب السلطان في الولايات العامة، ويكون لصاحب البيت في بيته في الولاية الخاصة؛ لأن هؤلاء هم الذين يقدرون على تغيير المنكر بأيديهم، ومن لم يكن من أهل التغيير باليد، وكان من أهل التغيير باللسان بمعنى أنه يتكلم ويبين ويوضح، وينهى عن المنكر ويحذر منه، ويخوف منه، فإن عليه أن يقوم بهذا الواجب، مادام أنه ليس من أهل التغيير باليد، وعنده قدرة على أن يغير بلسانه، بأن يأمر وينهى ويبين، ويوضح ويحذر ويخوف، فإنه يفعل، وإذا لم يقدر على ذلك أيضاً فإن أقل شيء يفعله هو أن يغير بقلبه.
والتغيير بالقلب هو: الكراهية مع حصول التأثر، كون الإنسان قلبه يتأثر ويتألم لوجود هذا المنكر وذلك بكراهيته وبغضه وبتأثر القلب بسبب ذلك؛ لأنه ما استطاع أكثر من هذا.
قال ﵊: (وذلك أضعف الإيمان).
يعني: هذا أقل شيء، وهذا يدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، ففيهم من هو قوي الإيمان، وفيهم من هو ضعيف الإيمان، وكما أن حصول الإيمان الناس يتفاوتون في كماله، فهم يتفاوتون في ضعفه.
فهم متفاوتون في الكمال، أي: في كمال الإيمان، ومتفاوتون في الضعف، ولهذا قال: (وذلك أضعف الإيمان).
يعني: أن من لم يحصل في قلبه شيء من التأثر والكراهية فمعنى ذلك أنه ليس عنده شيء من الإيمان الذي يحصل به أداء هذا الأمر الذي هو أقل شيء، وليس أقل أو أدنى منه.
فقوله: (من رأى منكم منكراً) يحتمل أن يكون المراد الرؤية البصرية، بمعنى أنه شاهد المنكر بعينه، فهو يغيره بيده إن كان من أهل اليد، وإلا فيغيره بلسانه إذا لم يستطع تغييره بيده.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية، بمعنى أنه يعلم ويتحقق عن طريق صحيح أن هناك منكر، وأن المنكر موجود، فإنه يعمل على تغييره بما علمه من حصوله ووجوده، وعلى هذا فلا يكون التغيير خاص بما رآه الإنسان، بل بما علمه ويتحقق علمه، فإن المطلوب منه أن يغيره مادام تحقق وجوده وعلم بذلك، وإن لم يشاهده ويعاينه، وعلى هذا فيكون المراد بالرؤية ما هو أشمل من الرؤية البصرية أي: ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية.
следующие страницы →