Полный текст (1 058 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
حكم الفتيا بعدم جواز الإبلاغ بالقائمين بالتفجير إلى الجهات الأمنية
السؤال
أفتى البعض بعدم جواز الإبلاغ بمن قام بالتفجير لكون ذلك التفجير جهاداً، فما صحة ذلك؟
الجواب
هذا جهاد في سبيل الشيطان، والواجب على كل من عرف شيئاً عن هؤلاء المجرمين القتلة أن يتقرب إلى الله ببيان حالهم حتى يقضى عليهم ويسلم الناس من شرهم.
стр. 842
مدى صحة امتناع السلف عن الحلف تعظيماً لله تعالى
السؤال
هل صحيح أن بعض السلف كان إذا طلب منه الحلف امتنع تعظيماً لله ﵎، ولو كان الحق له؟
الجواب
المدعي الذي له الحق إذا سكت ترك، وليس بعد ذلك حاجة إلى تحليفه، ويمكن أن يحلف مع البينة الناقصة وهي الشاهد الواحد، لكن المدعى عليه ليس أمامه إلا الحلف، وإلا فإنه يحكم عليه بالشيء الذي ادعي عليه به.
стр. 843
مراد الشاطبي بعدم تعيين من ابتدع في الدين دون البدع العظيمة
السؤال
نرجو بيان معنى كلام الشاطبي ﵀ في الموافقات حيث قال: ينبغي عدم تعيين من ابتدع في الدين، دون البدع العظيمة كالخوارج، وذلك حفظاً للوحدة والألفة والمودة بين عموم المسلمين.
انتهى؟
الجواب
هذا الكلام يتعلق بالعالم إذا أخطأ وكان فيه شيء من البدعة، فإنه لا يعامل معاملة أصحاب البدع الذين هم مجانبون لأهل السنة والجماعة ومخالفون لأهل السنة والجماعة.
يعني: أن من حصل منه شيء من ذلك فإنه يعذر، فلا يبدع ولا يهجر ولا يترك ما عنده من الحق بسبب ما حصل منه من الخطأ.
وكم من علماء المسلمين من لا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم، ومع ذلك وقعوا في شيء من البدعة، فلو أنهم عوملوا معاملة أهل البدع؛ لم يعول على شيء مما جاءوا به وعلى ما عندهم من العلم.
ومن المعلوم أن من العلماء من هو من أهل الحديث وعنده أمور منكرة فيما يتعلق بالعقيدة، كأن يكون عنده تخليط، وقد يكون ابتلي ببعض مشايخه، وغالباً ما يكون الضرر والبلاء على التلاميذ من الشيوخ إذا كانوا منحرفين.
فمن كان من أهل العلم بالسنة وحصل منه شيء من الخطأ في العقيدة أو غير العقيدة لا يعامل معاملة أهل البدع كالقدرية والمعتزلة، والرافضة والخوارج، وإنما يؤخذ من علمه ويدعى له، ولا يتابع على خطئه.
стр. 844
شرح الأربعين النووية [٣٠]
الدعوة إلى الله تعالى هي طريق الأنبياء والمرسلين، وقد جعل الله لمن يدعو إليه منزلة عظيمة، ومقاماً رفيعاً، وثواباً جزيلاً، بل جعله أحسن الناس قولاً، وجعل طريق الدعوة هي الطريق الأقوم والسبيل الأرشد والصراط المستقيم، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وعلّق هذه الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وتغيير المنكر على درجات حسب الاستطاعة، وحسب ترجح المصلحة وحصول المنفعة، ولا يعذر أحد بترك النهي عن المنكر وإنكاره ولو بالقلب؛ فذلك أضعف الإيمان.
стр. 845
درجات تغيير المنكر
يقول الإمام النووي ﵀: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.
هذا الحديث حديث عظيم فيه بيان درجات تغيير المنكر، وأن الناس فيه ليسوا على حد سواء؛ لأنهم متفاوتون، وأن أعلى درجة للتغيير هي: التغيير باليد لمن قدر على ذلك، فمن لم يستطع فلابد من التغيير باللسان، فمن لم يستطع فلا بد من التغيير بالقلب، وليس هناك شيء أقل من هذا، بل ذلك أضعف الإيمان، كما قال ذلك رسول الله ﷺ .
ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث عديدة تدل على عظم شأنه، وأمة نبينا محمد ﵊ كانت خير أمة أخرجت للناس؛ وذلك لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ثم إن من لُعن من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم إنما كان بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم في الإسلام؛ وذلك لأن فيه الدلالة على الخير، والتحذير من الشر، وإزالة المنكرات الواقعة، وهذا الحديث بين فيه النبي الكريم ﷺ درجات تغيير المنكر، فقال ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده).
والمنكر: هو المحرم الواضح البين الذي قد علم تحريمه فإن تغييره مطلوب، فمن قدر على تغييره باليد تعّين عليه ذلك، وهذا يكون للسلطان ونواب السلطان في الولايات العامة، ويكون لصاحب البيت في بيته في الولاية الخاصة؛ لأن هؤلاء هم الذين يقدرون على تغيير المنكر بأيديهم، ومن لم يكن من أهل التغيير باليد، وكان من أهل التغيير باللسان بمعنى أنه يتكلم ويبين ويوضح، وينهى عن المنكر ويحذر منه، ويخوف منه، فإن عليه أن يقوم بهذا الواجب، مادام أنه ليس من أهل التغيير باليد، وعنده قدرة على أن يغير بلسانه، بأن يأمر وينهى ويبين، ويوضح ويحذر ويخوف، فإنه يفعل، وإذا لم يقدر على ذلك أيضاً فإن أقل شيء يفعله هو أن يغير بقلبه.
والتغيير بالقلب هو: الكراهية مع حصول التأثر، كون الإنسان قلبه يتأثر ويتألم لوجود هذا المنكر وذلك بكراهيته وبغضه وبتأثر القلب بسبب ذلك؛ لأنه ما استطاع أكثر من هذا.
قال ﵊: (وذلك أضعف الإيمان).
يعني: هذا أقل شيء، وهذا يدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، ففيهم من هو قوي الإيمان، وفيهم من هو ضعيف الإيمان، وكما أن حصول الإيمان الناس يتفاوتون في كماله، فهم يتفاوتون في ضعفه.
فهم متفاوتون في الكمال، أي: في كمال الإيمان، ومتفاوتون في الضعف، ولهذا قال: (وذلك أضعف الإيمان).
يعني: أن من لم يحصل في قلبه شيء من التأثر والكراهية فمعنى ذلك أنه ليس عنده شيء من الإيمان الذي يحصل به أداء هذا الأمر الذي هو أقل شيء، وليس أقل أو أدنى منه.
فقوله: (من رأى منكم منكراً) يحتمل أن يكون المراد الرؤية البصرية، بمعنى أنه شاهد المنكر بعينه، فهو يغيره بيده إن كان من أهل اليد، وإلا فيغيره بلسانه إذا لم يستطع تغييره بيده.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية، بمعنى أنه يعلم ويتحقق عن طريق صحيح أن هناك منكر، وأن المنكر موجود، فإنه يعمل على تغييره بما علمه من حصوله ووجوده، وعلى هذا فلا يكون التغيير خاص بما رآه الإنسان، بل بما علمه ويتحقق علمه، فإن المطلوب منه أن يغيره مادام تحقق وجوده وعلم بذلك، وإن لم يشاهده ويعاينه، وعلى هذا فيكون المراد بالرؤية ما هو أشمل من الرؤية البصرية أي: ما يشمل الرؤية البصرية والرؤية العلمية.
стр. 846
تفسير قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم))
ما جاء في هذا الحديث من الأمر بتغيير المنكر لا ينافي ما جاء في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
فلا يقال: أن بين الآية والحديث تعارض، فالآية فيها: أن الإنسان عليه نفسه، وأنه لا يضره من ضل إذا اهتدى، والحديث يقول: (من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه).
والمعنى: أنكم إذا أديتم ما عليكم وما هو مطلوب منكم فقد برئت ذمتكم؛ لأنكم قمتم بما هو واجب، والاستفادة والهداية هي بيد الله، والإنسان عليه أن يفعل الأسباب، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن حصل المقصود والمطلوب فهذا هو الذي نريده، وإن لم يحصل فإن الإنسان يكون قد أدى ما عليه، وبرئت ذمته.
وعلى هذا فيكون معنى الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
أي: إذا قمتم بما هو مطلوب منكم، فقد أديتم ما عليكم ولا يضركم بعد ذلك ضلال من ضل إذا اهتديتم، قالوا: وفي قوله : ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) دليل على هذا؛ لأن المهتدي لا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من الاهتداء أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتكون الآية هي نفسها دليل على أن الإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن الإنسان إذا أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تحصل الاستفادة بعد ذلك فلا يضره ضلال من ضل؛ لأنه أدى ما عليه، وأرشد إلى ترك الضلال، والأخذ بسبل الهداية، فإذا لم تنفع الموعظة، ولا ينفع التذكير، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحينها يكون المرء قد أدى ما عليه، وليس عليه بعد ذلك من حرج، وإنما يكون عليه الإثم إذا لم يكن أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الحاصل: أن هذا حديث عظيم مشتمل على تغيير المنكر، وتفاوت الناس ودرجاتهم فيه، وأنهم ليسوا على درجة واحدة، وأن كل من قدر على درجة منها تعيّن عليه الإتيان بذلك، وليس له أن يترك ما أوجب الله تعالى عليه، وإلا فإنه يكون آثماً إذا ترك ما هو قادر عليه من التغيير باليد، وهو أعلى شيء، ثم التغيير باللسان الذي يليه.
ولشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] تحقيقات في مباحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نذكرها بالنص لأهميتها: قال الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة وسعيد بن المسيب كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره وابن جرير ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب وأبي عبيد القاسم بن سلام ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر وابن مسعود فمن العلماء من قال: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) أي: أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية، وهو ظاهر جداً، ولا ينبغي العدول عنه لمنصف.
ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد: أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل، وقد دلت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده؛ فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂: أن النبي ﷺ : (دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها- فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث).
وعن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) أخرجه البخاري والترمذي.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١]، ثم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: (قال رسول الله ﷺ : لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم ((عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)) [المائدة:٧٨] فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطراً).
ومعنى تأطروهم أي: تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
وقوله: ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤].
وقوله: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥].
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
والتحقيق في معناها: أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره، هي: أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جم
стр. 847
مسائل تتعلق بالأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذكر الشيخ الشنقيطي مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:
стр. 848
وجوب اتباع الحق على الآمر والمأمور
المسألة الأولى: اعلم أن كل من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها، وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضاً.
أما السنة المذكورة: فقوله ﷺ : (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ما أصابك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄.
ومعنى (تندلق أقتابه): تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟!) أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حيان وابن مردويه والبيهقي كما نقله عنهم الشوكاني وغيره.
وعن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس! إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.
فقال ابن عباس: أوبلغت ذلك؟ فقال: أرجو.
قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].
وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] الآية.
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن مردويه وابن عساكر كما نقله عنهم أيضاً الشوكاني وغيره.
واعلم أن التحقيق: أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض النار، ليس على الأمر بالمعروف، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالماً بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر غير ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير، ولقد أجاد من قال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيمُ وقال الآخر: وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريضُ وقال الآخر: فإنك إذا ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضاً، فهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١]، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فيجب على المذكِّر والمذكَّر أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها؛ لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم.
стр. 849
اشتراط العلم في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر
المسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلاً بذلك، فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولاسيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكراً، والمنكر معروفاً، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
فدل على أن الداعي إلى الله لابد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسناداً مطلقاً، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل وأتباعهم، وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده فيما قص الله عنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] ولما قال النبي ﷺ لـ ورقة بن نوفل: أوَ مُخرجيّ هُم؟! -يعني: قريش- أخبره ورقة أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ما ترك الحق لـ عمر صديقاً.
واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ أو إجماع المسلمين، وأما إن كان من مسائل الاجتهاد فيما لا نص فيه، فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكراً، فالمصيب منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله.
واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريق لين، وطريق قسوة.
أما طريق اللين فهي: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وتقام حدوده، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥].
ففيه الإشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
стр. 850
عدم جواز النهي عن المنكر إذا أدى إلى مفسدة أكبر
المسألة الثالثة: يشترط في جواز الأمر بالمعروف: ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، بإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين، قال في مراقي السعود: وارتكب لأخف من ضررينِ وخيرنْ لدى استوا هذينِ ويشترط في وجوبه: مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما يدل له ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩].
فقوله ﷺ : (بل ائتمروا بالمعروف وتناهو عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم).
وفي لفظ: (قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم) أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه وأبو داود وابن ماجه وابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وقال الراوي هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني، وقد سأله عن قوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)): والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (بل ائتمروا) إلى آخر الحديث.
وهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع والهوى المتبع إلى آخره، مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه.
стр. 851
حكم الأمر بالمعروف
تنبيه: الأمر بالمعروف له ثلاث حكم: الأولى: إقامة حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
الثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف، كما قال تعالى في صالح القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٦٤].
وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤].
فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة لكان ملوماً.
الثالثة: رجاء النفع للمأمور، كما قال تعالى: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة الأعلى في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، ويجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف كزوجته وأولاده ونحوهم وينهاهم عن المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦].
وقوله ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
стр. 852
من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر
المسألة الرابعة: اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف: كلمة حق عند سلطان جائر، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وعن طارق بن شهاب ﵁: أن رجلاً سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز: (أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر) رواه النسائي بإسناد صحيح كما قاله النووي ﵀.
واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث: الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ينفع نصحه، ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن ذلك هو مظنة الفائدة.
الثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره وتأدية نصحه لمنكر أعظم، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهية منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان.
الثالثة: أن يكون راضياً بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعاً له عليه، فهذا شريكه في الإثم، والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا.
ما أقاموا فيكم الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه.
فقوله ﷺ : (فمن كره).
يعني: بقلبه ولم يستطع إنكاراً بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها فهو عاص كفاعلها.
ونظيره حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند مسلم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
وقوله في هذه الآية الكريمة: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) صيغة إغراء يعني: الزموا حفظها، كما أشار له في (الخلاصة) بقوله: والفعل من أسمائه عليك وهكذا دونك مع إليك انتهى.
هذا هو كلام شيخنا: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في كتابه أضواء البيان عند قول الله في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
стр. 853
الأسئلة
стр. 854
عدم إثارة الفتنة عند إنكار المنكر
السؤال
جاء في صحيح مسلم سبب رواية حديث أبي سعيد الخدري: أنه عندما بدأ الخليفة مروان بالخطبة يوم العيد، أنكر عليه رجل واعترض عليه، ودافع عنه أبو سعيد الخدري وحدث بهذا الحديث, فهل في هذا ما يدل على الإنكار على الولاة علانية؟
الجواب
هذا المنكر حصل علانية، وظن أبو سعيد ﵁ والرجل الذي معه أن مروان قد نسي أن الصلاة قبل الخطبة، فذكروه، ولكنه كان قاصداً لذلك وعازماً على أن يخطب قبل أن يصلي, فتركوه وشأنه بعد أن أدوا ما عليهم, ومن المعلوم أن الذي حصل أمر منكر فنبه عليه، ولكنه لما لم يستجب ما خرج أبو سعيد وترك المكان وقال: أنا أغادر المكان لأن هذا أمر منكر, بل جلس ولم يغادر، وهذا يدل على أن تقديم الصلاة ليس بشرط وليس بأمر لازم, وأن صلاتهم مع تقديم الخطبة صحيحة، وإن كانت على خلاف ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وأبو سعيد ﵁ لم يخرج ويترك المكان بسبب حصول مخالفة للسنة، بل بقي مما يفيد أن هذا الذي فعله مروان لا يؤثر في صلاة العيد، ولا يكون مخلاً لها؛ لأن ذلك ليس شرطاً، وليس بلازم.
стр. 855
حرمة الاستهزاء بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
السؤال
ماذا نقول لمن يتكلم عن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ويقول: إنهم (شركة صلّوا)؟!
الجواب
هذا من الاستهزاء، ومن تكلم بهذا الكلام القبيح فإنما يجني على نفسه، وتعود مضرته عليه، وغالباً أن الذي يتكلم بهذا الكلام ضعيف الإيمان، وعنده فسق، فالمؤمن لا يقول مثل هذا الكلام, بل يفرح بأعمال الهيئات؛ لأن أعمالهم فيها التعاون على البر والتقوى، والدلالة على الخير، وإعانة الناس على أنفسهم، والناس بحاجة إلى من يعينهم على أنفسهم، وليسوا بحاجة إلى من يضيعهم أو يسعى إلى تضييعهم أو يفرح بضياعهم، ولا يجوز للمسلم أن يحب أن الهيئة لا يحصل منها هذا العمل؛ لأن كراهية الدعوة هذا إنما تحصل من أهل الفساد, فهم الذين يشتهون عدم وجود مثل هذه الدعوة إلى الله ويرغبون في عدم وجودها.
وهذا من أقبح الكلام، وفيه استهزاء وتهكم بأولئك الذين يقومون بمهمة عظيمة، كما قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
стр. 856
وجوب إنكار المنكر على كل مسلم
السؤال
لا يخفى عليكم أن هذه البلاد لديها رجال يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فهل يجوز لي أن أقول: لا يجب علي تغيير المنكر؛ لأن الدولة وضعت رجالاً لذلك؟
الجواب
الرسول ﷺ قال: (من رأى منكم) وهذا لفظ عام، والناس يتفاوتون، ولا شك أن من المخاطبين: السلطان ونواب السلطان ومنهم: (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والأمراء, والولاة على نواحي معينة الذين أُنيط بهم مهمات على نواحي خاصة وبلاد خاصة, فعليهم أن يقوموا بهذه المهمة، ولا شك أنهم يملكون التغيير باليد، وكذلك أيضاً صاحب البيت يملك التغيير باليد؛ لأنه راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، ويستطيع أن يغير بيده؛ لأن بيته داخل تحت ولايته وهو يتصرف في داخل بيته بالأمر والنهي ومنع المنكر وإزالته من البيت، وليس الأمر خاصاً بالهيئات، أما التغيير باليد فلا يملكه إلا من له الولاية كالسلطان أو نواب السلطان كالهيئات, وأما التغيير باللسان فيمكن للمسلم أن يغير بلسانه, ويمكن يقول: يا أخي اتق الله! هذا الفعل لا يجوز.
وهكذا.
стр. 857
حرمة إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة أكبر
السؤال
من لم يكن من أهل تغيير المنكر باليد، لكن إذا غيره بيده يزال المنكر ولا تحصل مفسدة أكبر, فهل يجوز له أن يغير بيده؟
الجواب
كون الإنسان يغير بيده وهو ليس من أهل الولاية فهذا مظنة أن يحصل شيء لا تحمد عقباه ويمكن أن يكون هذا الذي يريد أن يغيره يضر به؛ وعثمان بن عفان ﵁ يقول: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ومن ليست له ولاية على أمر فإن دخوله فيه لتغييره يمكن أن يؤدي إلى أن يقابل بخصام ومضاربة، ثم يترتب على ذلك مفسدة لهذا الإنسان.
стр. 858
من لم يمكنه التغيير بلسانه فعليه الإنكار بالقلب
السؤال
هل التغيير باللسان لكل أحد؟
الجواب
لا, ليس لكل أحد، ولهذا الرسول ﷺ قال: (ومن لم يستطع فبقلبه) أي: أخبر أنه قد لا يستطاع التغيير باللسان.
стр. 859
النوم عن الصلاة دائماً ليس حجة لصاحبه
السؤال
نحن طلبة في الجامعة نسكن في السكن الجامعي, وكثير من الطلبة لا يصلي صلاة الفجر وصلاة العصر؛ لأن هذين الوقتين يحصل فيهما النوم, فبعض الطلبة يحتج أنه إذا كانت الغرفة لا يسمع فيها النداء للصلاة فهو معذور، ومنهم من يقول: إنني مسافر ولست مقيم, فكيف ننصحهم مع العلم أنهم يغضبون ويحتجون بهذه الحجج, وكيف نرد عليهم؟
الجواب
هذه حجج واهية ساقطة, وهل المسافر لا يصلي صلاة الجماعة؟! ألم تشرع الجماعة في شدة الخوف والكفار يقاتلون المسلمين؟! فيقوم الإمام بتقسيم الناس إلى مجموعتين ويصلون صلاة الخوف، فإذا لم تسقط الجماعة في الخوف, فكيف يقال: إن الإنسان المسافر الذي يقيم مدة طويلة لا يقال: إنه مسافر, فما الفرق بينه وبين أهل البلد؟ إلا أن هذا عند أهله وهذا ليس عند أهله، وإلا فإن الراحة والطمأنينة والاستقرار موجود، وليس هناك حل وارتحال وتعب ونصب, فيكون هو وزميله ممن هو من أهل البلد سواء من حيث انعدام المشقة، وحالة السفر هذه غير واردة، ولا يقال فيها: إن الإنسان مسافر، وإنما حكمه حكم المقيمين، ويجب عليه ما يجب على المقيمين، وعليه إذا سمع النداء أن يجيب, أما أن يزعم أنه لا يسمع الأذان، فهذا كما هو معلوم من التفريط، والإنسان لو كان عنده موعد طائرة في ساعة معينة فهل ينام ويترك موعد الطائرة؟ لا، بل سيكلف من ينبهه، وهكذا في الصلاة يجب عليه أن يطلب من أحد أصحابه أو جيرانه بأن يدق عليه الباب أو ينبهه, أو يأخذ ساعة ويجعلها على الوقت المعين الذي يريد أن يستيقظ فيه، كما لو كان له موعد مع إنسان فإنه يجعل منبه الساعة على الوقت المعين بحيث تدق ويقوم.
إذاً: على الإنسان أن يحافظ على صلاته وأن يأخذ بالأسباب، وحتى لو لم يسمع وهو نائم فعليه أن يجعل المنبه يدق قبيل الآذان حتى يتمكن من القيام والوضوء والذهاب إلى المسجد.
стр. 860
معنى الكفر البواح
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (إلا أن تروا منهم كفراً بواحاً)؟
الجواب
الكفر البواح أي: الواضح الجلي الذي ليس فيه إشكال، قال: (إلا أن تروا منهم كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)، أي: كفر واضح، وليس شيئاً محتملاً أو فيه شك.
стр. 861
معنى قوله: (إلا أن تروا منهم كفراً بواحاً)
السؤال
ما معنى ربط الإنكار بالرؤية في قوله ﷺ : (إلا أن تروا منهم كفراً بواحاً) ولماذا ربطها بالرؤية؟
الجواب
معناه: أن يراه الناس بالمشاهدة أو يرونه بالعلم؛ لأن الرؤية تكون علمية أو نظرية، والمعنى هنا: تروا أي: تعلموا، والمقصود: أن يكونوا متحققين من وقوعه.
стр. 862
الأصل في النصيحة أن تكون سراً
السؤال
إذا طلب مني شخص أن أنصحه أمام الناس فهل أفعل؟
الجواب
كون الإنسان ينصح أمام الناس فما هي فائدته؟ إنما الفائدة تتعلق بأن ينصحه بينه وبين نفسه, أما النصح أمام الناس فهذا يعني أنه يجاهر الناس لكي يعلموا ما فيه من سوء، وهذا غير سائغ وغير لائق، ولا أدري ماذا يقصد بكونه يطلب النصيحة أمام الناس, ولعله يريد أن يدبر له مكيدة, فيأتي الناصح لينصحه أمام الناس، فيقوم المنصوح بالتشويه بالناصح ومقابلته بالكلام السيئ كونه نصحه علانية.
стр. 863
أعمال الجوارح دليل على وجود التقوى أو انعدامها
السؤال
يحتج بعض الناس بقول النبي ﷺ : (التقوى هاهنا)، بأن ذلك دليل على عدم وجوب القيام ببعض الطاعات كإعفاء اللحية أو تقصير الثوب؟
الجواب
إذا وجدت التقوى في القلب ظهرت على الجوارح، مثلما جاء في الأثر الذي أشرت إليه: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال)، أما كون الإنسان يقول: التقوى هاهنا، وليس عنده تقوى، فهذه تصير دعوى، والدعوى تحتاج إلى بينة، والبينة هنا هي الاستقامة وظهور التقوى، أما أن يقول: التقوى هاهنا، ثم بعد ذلك يترك ما هو واجب عليه فهذا يدل على عدم حصول التقوى.
стр. 864
حكم إنكار الأمور المشتبهة
السؤال
إذا رأى رجل منكراً وهو يعلم أنه منكر، ولكن ليس معه حجة يستطيع أن يستدل بها على تحريم هذا المنكر، فهل له أن يغير أم يُعتبر بمنزلة الجاهل؟
الجواب
لا، إذا كان من الأمور الواضحة الجلية التي لا يجهلها أحد، مثل الخمر أو الزنا وما إلى ذلك فهذه كلنا يعرفها؛ لأن هناك أمور مشتهرة لا تخفى على أحد، لكن هناك بعض الأمور التي تخفى، فإذا كان هذا من الأمور الواضحة فعليه أن يبين وأن ينهى، وإذا كانت من الأمور الخفية التي لا يعلم الحق فيها وهل هي منكر أو ليست بمنكر فلا يفعل، وإنما عليه أن يسأل أهل العلم: هل هذا منكر أو ليس بمنكر؟
стр. 865
زوج المرأة يعتبر محرماً لأمها وجداتها
السؤال
امرأة لها بنت، ثم هذه البنت أتت بابنة, فصارت هذه الأم جدة, فهل زوج الحفيدة يعتبر محرماً لأمها؟
الجواب
نعم؛ لأنها داخلة تحت أمهات النساء كما قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فهي من أمهات الزوجة، وأمهات المرأة هي أمها وجداتها, فيكون زوج البنت محرماً لأمها ولجداتها؛ لأنهن كلهن أمهات وداخلات تحت قوله: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
стр. 866
لزوم إنكار المنكر على الجلساء
السؤال
لي بعض الأقارب والزملاء الذين لديهم ذنوب ومعاصي, فهل يجوز أن آكل معهم وأجلس؟
الجواب
نعم, تأكل معهم وتجلس وتنصحهم, أما أنك تأكل معهم وتجلس ولا نصح فهذا غير صحيح.
стр. 867
درجة حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) ومعناه
السؤال
حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) , قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفرقان (صفحة: ١٣٥): لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله.
فما رأيكم؟
الجواب
نعم، ولهذا كما عرفنا الجهاد الأكبر هو: جهاد الكفار وليس جهاد النفس, لكن جهاد النفس هو من أسباب إفادة جهاد الكفار؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يؤثر في الكفار، وإنما الذي يؤثر فيهم هو الذي يجاهد نفسه، ولكن الجهاد الأكبر لا شك أنه جهاد الكفار وليس جهاد النفس.
وقال العجلوني عن الحديث: قال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس: هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عيلة.
стр. 868
حكم من لا ينكر المنكر
السؤال
قلتم حفظكم الله: إن من رأى منكراً ولم يتأثر به، ولم يتحرك قلبه لذلك فليس عنده إيمان, هل هذا يعني أنه كافر؟
الجواب
ليس معنى ذلك أنه لا إيمان عنده البتة، ولكن كما جاء في الحديث: (وذلك أضعف الإيمان) فكونه يغير هذا أقل شيء، وإذا كان قلبه ما تأثر ولا تغير فلا يقال: إنه خال من الإيمان بحيث يكون كافراً, ولكن عنده نقص شديد.
стр. 869
تحريم إدخال الدش للبيوت
السؤال
يوجد في بيتنا دش, فهل علي أن أقطع الأسلاك؛ لأني نصحتهم فلم يسمعوا لي؟
الجواب
عليك أن تبذل لهم كل ما تستطيع في الوصول إلى ذلك، ولو بقطع الأسلاك أو بأي شيء يمكنك، وإذا كنت تقدر فافعل ولا تتأخر.
стр. 870
تحريم النغمات الموسيقية في التلفون الجوال
السؤال
لا يخفى عليكم المنكر الذي عم وطم -خاصة في هذا المسجد المبارك- من النغمات الموسيقية التي تصدر من الجوالات, فهل من كلمة؟
الجواب
هذا في الحقيقة من الأمور المنكرة, أولاً: الموسيقى في أي مكان ليس للإنسان أن يستمع لها، فكيف في المساجد التي هي محل ذكر الله؟ فالإنسان عليه أن لا يجعل هذه النغمة موجودة في هاتفه بحيث إذا دق عليه ظهر هذا الصوت السيئ, بل يكون الصوت ليس فيه شيء من الموسيقى، ولكن أيضاً مع هذا عندما يدخل المسجد عليه أن يغلق الجوال, حتى هذا الصوت الذي يدق ويشغل الناس ولو كان ليس بموسيقى فهو لا ينبغي أن يوجد، وإنما الإنسان عليه إذا دخل المسجد أن يغلق الجوال أو يجعله على الصامت إذا كان يريد أن يعرف من يتصل به، ولا يجعل صوت الجوال مفتوحاً والناس في صلاة فيشوش عليهم، فهذا غير سائغ، وأسوأ من ذلك إذا كان الصوت بهذه الصفة المذكورة في السؤال.
الحاصل: أن على الإنسان عندما يكون معه الجوال ويدخل المسجد أن يقفله أو يجعله على الصامت الذي لا يظهر معه صوت، وأما من ناحية كونه يجعل فيه النغمة الموسيقية, فهذا لا يصلح ولا يسوغ له أن يجعل ذلك لا في المسجد ولا في غير المسجد, ولا يليق بالإنسان أن يجعل الصوت الذي يدق به تلفونه عند الاتصال به هذا الصوت الموسيقي, وكما هو معلوم أنه في المسجد أسوأ وأسوأ، وهو لا يسوغ لا في المسجد ولا في غير المسجد.
стр. 871
النهي عن المنكر ليس مقيداً في مكان معين
السؤال
هل علينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر عندما نجد في الطريق رجلاً مسبلاً وآخر يدخن وثالث حالق للحيته فيجب علي أن أنصح هؤلاء؟
الجواب
( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه) , فإذا كنت تستطيع أن تغير باللسان فعليك أن تنصح.
стр. 872
شرح الأربعين النووية [٣١]
أعظم عُرى الإسلام هي الحب في الله والبغض في الله، والمحبة والإخاء والترابط بين المسلمين من أعظم ركائز هذا الدين، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم.
وقد نهى النبي ﷺ عن كل ما يكدر صفو الأخوة الإيمانية من التحاسد والتباغض والتناجش والاحتقار وغيرها، ونهى عن التعدي على حرمات المسلمين، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.
стр. 873
شرح حديث: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا)
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم.
هذا حديث عظيم من أحاديث الرسول الكريم ﷺ ؛ فقد اشتمل على عدة أمور: الأول: قوله ﷺ : (لا تحاسدوا) فهو نهي عن التحاسد، والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن غيره، وسواء تمنى أن تصل إليه أو تخرج من غيره وإن لم تصل إليه، فكل ذلك من الحسد المذموم الذي نهى عنه الرسول ﷺ .
قوله: (لا تناجشوا) النجش: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وله وجهان: إما أنه يريد أن يحسن إلى البائع بإكثار النقود له، أو يسيء إلى المشتري بزيادة السعر عليه فيتضرر بذلك، وهذا هو النجش الذي نهى عنه الرسول ﷺ .
أي: إذا كانت السلعة تباع بالحراج أو بالمزاد العلني وكان للإنسان حاجة فيها وهو يريد شراءها فله أن يزيد، وإن كان لا يريد شراءها، فإنه يتركها ولا يفعل الزيادة من أجل أن ينفع إنساناً ويضر إنساناً آخر.
قوله: (ولا تباغضوا)، أي: لا تأخذوا بالأسباب التي تؤدي إلى البغضاء والعداوة وتنافر القلوب وتباعدها، وحصول الجفوة والتباعد بين المسلمين، بل عليكم أن تأخذوا بأسباب المحبة والمودة، وبما يجلب الوفاق والوئام، حتى لا يكون بدلاً من ذلك الخصام والنزاع والصراع.
قوله: (ولا تدابروا)، أي: أن كل واحد يدبر عن الآخر ولا يريد أن يلقى صاحبه ويسلم عليه ويتحدث معه، وإن لقيه فكل واحد منهما يولي دبره صاحبه؛ لما بينهما من الشحناء والتباغض، فالواجب على كل واحد منهما أن يسعى إلى التقارب والتآلف، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
قوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) وذلك بأن يبيع رجل سلعة على آخر بثمن معين، وكان في مدة خيار يمكنه أن يبقي العقد ويمكن أن يفسخه، فيأتي إليه شخص آخر عنده سلعة ويقول للمشتري: اترك هذه السلعة وافسخ هذا البيع، وأنا عندي لك سلعة مثلها بأرخص منها، فلو اشتريت هذه السلعة بمائة ريال، فأنا أبيعك إياها بخمسين ريالاً أو بستين ريالاً، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا هو بيع المسلم على بيع أخيه المسلم.
ثم قال ﵊: (وكونوا عباد الله إخواناً) أي: أن هذه الأمور التي مرت والتي جاء النهي عنها تنافي مقتضى الأخوة، بل على المسلمين أن يكونوا إخوة متآلفين متحابين، لا يتحاسدون ولا يتباغضون، ولا يسعى بعضهم إلى أن يظلم أحداً بزيادة في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، وكذلك التدابر، وهو أن يلتقيا فيولي كل واحد منهما صاحبه دبره، لا يريد أن يلقاه لما بينهما من الوحشة والعداوة.
قوله: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه) أي: من مقتضيات هذه الأخوة أنه لا يعمل معه عملاً يكون ظالماً له فيه، بأي نوع من أنواع الظلم، وفي الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
فمقتضى الأخوة ألا يحصل الظلم منه لأخيه، بل عليه أن يسلمه من ظلمه وألا يصل إليه ظلمه، وإنما يصل إليه منه العدل والإحسان، وقد جاء في الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟! قال: تمنعه من الظلم)، فشأن المسلم أنه لا يظلم أخاه المسلم.
قوله: (ولا يخذله) أي: لا يترك نصرته وهو قادر على نصرته.
فنصرته مظلوماً بأن يكون عوناً له على خصمه لمنع الظلم عنه، وأما إن كان ظالماً فنصرته بأن يمنعه من الظلم وأن يحول بينه وبين الظلم؛ لأنه بذلك يحسن إلى المظلوم بأن يخلصه من ظلم الظالم، ويحسن إلى الظالم بأن يمنعه من الظلم ويحول بينه وبين الظلم، فيكون في ذلك أفاده بسلامته من الظلم الذي هو خطير وعظيم عند الله.
قوله: (لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه) أي: لا يكذب عليه إذا حدثه بحديث، وإنما يصدقه الحديث إذا حدثه.
قوله: (ولا يحقره)، وهذا من مقتضيات التكبر والاستكبار، هو الذي يحصل معه الاحتقار.
стр. 874
معنى كون التقوى محلها القلب
قال: (التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرات) معناه: أن التقوى تكون في القلوب، وإذا كانت التقوى في القلوب ظهرت على الأعضاء، كما جاء عن بعض السلف: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال)، وفي حديث النعمان بن بشير ﵄: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
والتقوى محلها القلب كما قال الله : ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] فأضاف التقوى إلى القلوب، وكذلك في حديث أبي ذر (الحديث القدسي): (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل)، فأضاف التقوى إلى القلب، كما أضاف الفجور إلى القلب في مقابله، حيث قال: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم).
стр. 875
تحريم التكبر واحتقار المسلمين
قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) , يعني: لو لم يحصل له من الشر غير أن يحقر أخاه المسلم لكان كافياً, والاحتقار نتيجة للاستكبار ونتيجة للترفع والتعالي، بل على الإنسان أن يوقر الكبير ويرحم الصغير ولا يحتقر أحداً من الناس؛ لأن الاحتقار فيه كفر النعمة التي أنعم الله بها على الإنسان، وقد يكون الاستكبار مع عدم النعمة, وهذا أسوأ كما جاء في الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله وفيهم: عائل مستكبر)؛ لأن الغنى يكون مظنة الاستكبار, أما إذا كان يستكبر مع العيلة ومع الفقر, فإن ذلك يدل على خبث في النفس؛ لأن أسباب الاستكبار غير موجودة.
стр. 876
حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم
قوله: (كل المسلم على المسلم حرام, دمه وماله وعرضه) , وهذا مما خطب به الرسول ﷺ في حجة الوداع حيث سأل الناس وهو يخطبهم: أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ أي يوم هذا؟ وفي كلها يقولون: يوم حرام بلد حرام شهر حرام, فقال ﵊: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، وهذا يدلنا على خطورة هذه الأشياء وأن الإخلال فيها ضرره كبير وأثره عظيم؛ لأنه اعتداء على الناس في أنفسهم وفي أموالهم وأعراضهم، ولهذا قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه).
стр. 877
شرح الأربعين النووية [٣٢]
حديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ ، وقد تضمن بيان أن الجزاء من جنس العمل، وفيه الحث على طلب العلم، ومدارسة القرآن، وبيان أن النسب الشريف لا يقدم صاحب العمل السيئ.
стр. 878
شرح حديث (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا)
стр. 879
الجزاء من جنس العمل
الحديث السادس والثلاثون من الأحاديث الأربعين للإمام النووي ﵀: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم].
هذا الحديث عظيم مشتمل على جمل في كثير منها الجزاء من جنس العمل، فأوله قوله ﷺ : (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة).
الكربة: هي الشدة والضيق، وهو الكرب العظيم الشديد، فمن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا فالله تعالى يجازيه بأن ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومعلوم أنه لا نسبة بين كرب الدنيا وكرب الآخرة، فكرب الدنيا سهلة يسيرة، وليست شيئاً بجانب شدة كرب الآخرة، فمن نفس عن مسلم -بمعنى أنه خفف عنه مصيبته وكربه أو أزاله عنه- فإن الله تعالى يجازيه بأن ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة، وهذا فيه الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل تنفيس كربة في الدنيا، والجزاء تنفيس كربة يوم القيامة.
قوله: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) , المعسر: هو الذي حصل له الإعسار، وهو الضيق في المال؛ وذلك بأن يكون مثلاً عليه دين، فإن كان الدين لغيره فإنه يساعده بإعطائه ما يقضي به دينه، وإن كان الدين له فإنه يبرئه أو ينظره، كما قال الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠] فبين أن أمام الإنسان طريقين: أحدهما الإبراء، والثاني الإنظار، والإبراء أفضل من الإنظار.
والإبراء إسقاط الدين عنه, وأما الإنظار فهو إمهاله إلى أن يوسر، وإلى أن يكون عنده القدرة على التسديد, والجزاء من جنس العمل، وهو أن ييسر الله له في الدنيا والآخرة, جزاء على تيسيره على ذلك المعسر, فالجزاء يحصل في الدنيا؛ وذلك بأن تيسر له أموره ويوسع له في الرزق، وفي الآخرة يحصل له التيسير من الله .
ثم بعد ذلك قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).
يعني: ستر عيبه الذي علمه عنه، فإن الله تعالى يجازيه بالستر ستراً، فيستره في الدنيا والآخرة؛ وذلك أنه إذا حصل من إنسان خلل أو عيب أو حصل منه معصية فينظر: فإن كان هذا الذي حصل منه ليس معروفاً بالسوء، وإنما هي زلة وسقطة, فإنه في هذه الحالة يستر عليه, وإن كان معروفاً بالفسق والفجور وهو مستمر على ذلك أو مجاهر فالمصلحة في تأديبه وفي إيقاع العقوبة عليه التي يستحقها حتى يسلم الناس من شره.
وعلى هذا فالناس ينقسمون إلى قسمين: قسم ليس معروفاً بالفسوق، وليس معروفاً بالمعصية العظيمة.
وقسم معروف بها، وقد يكون مجاهراً، وقد يكون مستهتراً، وقد يكون عنده لا مبالاة بالوقوع في المعاصي.
فالأول يستر عليه، وقد يكون ذلك تأديباً له بحيث لا يعود، حيث يشكر الله تعالى حين سلمه من أن يفتضح, أما الثاني الذي هو معروف بالفجور وقد تكرر منه ذلك فإن إظهار ذلك وعقوبته العقوبة التي يستحقها من المصلحة له وللمسلمين.
قوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
هذه جملة عامة، وهي من القواعد الكلية، ومن الكلمات الجامعة للرسول الكريم ﷺ التي لا تنحصر في شيء معين، بل هي شاملة وواسعة, فكل عون يحصل من المسلم لأخيه فإن الله يجازيه بأن يكون في عونه، ومعنى ذلك: أنه كلما كان بهذه المثابة وبهذا الوصف فجزاؤه عند الله أن يكون الله تعالى في عونه كما كان في عون أخيه, فالأمور التي تقدمت هي أمور خاصة منها ما يتعلق بالكرب, ومنها ما يتعلق بالستر، ومنها ما يتعلق بالتيسير، وأما هذه فأي عون يكون من العبد فإن الله تعالى يجازيه بالعون عوناً، فيعينه على أمور دينه ودنياه.
стр. 880
فضل طلب العلم
قوله ﵊: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
هذا أيضاًً من باب الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل سلوك طريق توصل إلى العلم، والجزاء تسهيل طريق توصل إلى الجنة, وسلوك طريق العلم يكون بالسفر لتحصيله، ويكون أيضاً باتخاذ كل الوسائل التي توصل إليه وإن لم يكن هناك سفر، كأن يلازم مجالس العلم، ويقتني الكتب النافعة والكتب المفيدة لأهل السنة، ويعنى بقراءتها والمذاكرة فيها والتباحث فيها مع زملائه والرجوع فيها إلى مشايخه.
والمراد بالعلم هنا العلم الشرعي, علم الكتاب والسنة، وكل ما يسهل الوصول إلى هذين الينبوعين الصافيين: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وتيسير الطريق الموصل إلى الجنة لكونه سلك الطريق الموصلة إلى العلم بالسير إلى الله على بصيرة، وكونه يعبد الله على بصيرة وعلى هدى؛ وذلك إنما يكون بالعلم, والله قال في كتابه العزيز: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] فكل إنسان في خسارة, ولا يستثنى من ذلك إلا من آمن إيماناً مبنياً على علم ثم عمل بالعلم، ثم حصل التواصي بالخير؛ وذلك بتعديته إلى الغير, ثم بعد ذلك التواصي بالصبر على ما يحصل في هذا السبيل من العناء والمشقة والنصب فإن ذلك يحتاج إلى صبر.
وقوله: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) هذه الجملة واضحة في بيان فضل العلم، وفضل طلب العلم الشرعي, وقد جاءت هذه الجملة أيضاً في حديث عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وهو مشتمل على خمس جمل كلها تدل على فضل العلم, أول هذه الجمل هي هذه الجملة، وهي: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
والجملة الثانية: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) ومعناها: أن الملائكة تحف به وتحيط به؛ وذلك بالرضا بما يحصل منه من العلم ونشر العلم وأخذ العلم.
والجملة الثالثة: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) العابد هو الذي يصلي ويصوم، والعالم هو الذي اشتغل بتحصيل العلم الشرعي والعمل به؛ وإنما كان العالم أفضل من العابد لأن علم العالم له ولغيره، ونفعه متعد، وأما العابد فعبادته له وحده, فصلاته له وحده، وصيامه له وحده، ولكن علمه له ولغيره, ولهذا كان العالم أفضل من العابد.
والجملة الرابعة: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء).
أي أن العوالم العلوية والسفلية كلها تستغفر للعالم، وهذا فضل عظيم يظفر به من وفقه الله لأن يكون من أهل العلم بشرع الله، وعالماً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والجملة الخامسة والأخيرة هي: (وإن العلماء ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر).
وهذه الجملة اشتملت على شيء عظيم، ويكفي أهل العلم شرفاً أن يقال: إنهم ورثة رسول الله ﷺ , يرثون عنه الحق والهدى الذي جاء به ﷺ ، وهو ميراث النبوة؛ لأن الأنبياء لا يورثون المال، إذا خلفوا مالاً فإنه صدقة ولا يرثه أقرباؤهم، بخلاف غير الأنبياء فإنهم يرثهم أقرباؤهم على وفق ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ من أحكام المواريث.
فالأنبياء إنما يورث عنهم العلم والحق والهدى، والرسول ﷺ يورث عنه الكتاب والسنة، وهو خير ميراث وأفضل ميراث، وعلى هذا فالأنبياء يختلفون عن غيرهم من البشر من هذه الناحية؛ وذلك أن غيرهم من البشر إذا جمع مالاً ومات فإنه يكون لورثته، وأما الرسل فلو مات أحد منهم وعنده مال فإنه لا يكون لورثته، وإنما هو صدقة، وقد قال ﵊: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) يعني: لا يورث عنهم المال، ولكن يورث عنهم العلم النافع الذي هو بالنسبة لنبينا ﷺ علم الكتاب والسنة.
قوله: (فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) أي: من هذا الميراث الذي هو ميراث رسول الله ﷺ ، وهو الحق والهدى الذي جاء به، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
هذه خمس جمل اشتمل عليها حديث أبي الدرداء، والجملة الأولى هي في هذا الحديث الذي معنا الذي في صحيح مسلم , وقد جاءت أحاديث أخرى تدل على فضل العلم، وتحث على تحصيله، منها حديث أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﵊ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) أي: أن من علامة إرادة الله الخير بعبده أن يفقهه في دين الله؛ لأنه إذا فقه في الدين فمعنى ذلك أنه سار إلى الله على بصيرة، ودعا غيره على بصيرة، فيكون هادياً مهدياً، يعرف الحق ويعمل به ويدعو إليه، ويكون علمه وعمله مبنياً على بصيرة وعلى هدى من الله .
وكذلك أيضاً جاء عن النبي ﵊ أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أخرجه البخاري ﵀، وهذا يدل على أن أهل تعلم القرآن وتعليمه هم خيار الناس.
وجاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)، وفي الحديث الذي مر بنا قريباً: (والقرآن حجة لك أو عليك) فهو بمعنى: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).
следующие страницы →