← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36944

شرح الأربعين النووية - العباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم قوله: (كل المسلم على المسلم حرام, دمه وماله وعرضه) , وهذا مما خطب به الرسول ﷺ في حجة الوداع حيث سأل الناس وهو يخطبهم: أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ أي يوم هذا؟ وفي كلها يقولون: يوم حرام بلد حرام شهر حرام, فقال ﵊: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، وهذا يدلنا على خطورة هذه الأشياء وأن الإخلال فيها ضرره كبير وأثره عظيم؛ لأنه اعتداء على الناس في أنفسهم وفي أموالهم وأعراضهم، ولهذا قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه).

стр. 877

شرح الأربعين النووية [٣٢] حديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ ، وقد تضمن بيان أن الجزاء من جنس العمل، وفيه الحث على طلب العلم، ومدارسة القرآن، وبيان أن النسب الشريف لا يقدم صاحب العمل السيئ.

стр. 878

شرح حديث (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا)

стр. 879

الجزاء من جنس العمل الحديث السادس والثلاثون من الأحاديث الأربعين للإمام النووي ﵀: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم]. هذا الحديث عظيم مشتمل على جمل في كثير منها الجزاء من جنس العمل، فأوله قوله ﷺ : (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة). الكربة: هي الشدة والضيق، وهو الكرب العظيم الشديد، فمن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا فالله تعالى يجازيه بأن ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومعلوم أنه لا نسبة بين كرب الدنيا وكرب الآخرة، فكرب الدنيا سهلة يسيرة، وليست شيئاً بجانب شدة كرب الآخرة، فمن نفس عن مسلم -بمعنى أنه خفف عنه مصيبته وكربه أو أزاله عنه- فإن الله تعالى يجازيه بأن ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة، وهذا فيه الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل تنفيس كربة في الدنيا، والجزاء تنفيس كربة يوم القيامة. قوله: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) , المعسر: هو الذي حصل له الإعسار، وهو الضيق في المال؛ وذلك بأن يكون مثلاً عليه دين، فإن كان الدين لغيره فإنه يساعده بإعطائه ما يقضي به دينه، وإن كان الدين له فإنه يبرئه أو ينظره، كما قال الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠] فبين أن أمام الإنسان طريقين: أحدهما الإبراء، والثاني الإنظار، والإبراء أفضل من الإنظار. والإبراء إسقاط الدين عنه, وأما الإنظار فهو إمهاله إلى أن يوسر، وإلى أن يكون عنده القدرة على التسديد, والجزاء من جنس العمل، وهو أن ييسر الله له في الدنيا والآخرة, جزاء على تيسيره على ذلك المعسر, فالجزاء يحصل في الدنيا؛ وذلك بأن تيسر له أموره ويوسع له في الرزق، وفي الآخرة يحصل له التيسير من الله . ثم بعد ذلك قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة). يعني: ستر عيبه الذي علمه عنه، فإن الله تعالى يجازيه بالستر ستراً، فيستره في الدنيا والآخرة؛ وذلك أنه إذا حصل من إنسان خلل أو عيب أو حصل منه معصية فينظر: فإن كان هذا الذي حصل منه ليس معروفاً بالسوء، وإنما هي زلة وسقطة, فإنه في هذه الحالة يستر عليه, وإن كان معروفاً بالفسق والفجور وهو مستمر على ذلك أو مجاهر فالمصلحة في تأديبه وفي إيقاع العقوبة عليه التي يستحقها حتى يسلم الناس من شره. وعلى هذا فالناس ينقسمون إلى قسمين: قسم ليس معروفاً بالفسوق، وليس معروفاً بالمعصية العظيمة. وقسم معروف بها، وقد يكون مجاهراً، وقد يكون مستهتراً، وقد يكون عنده لا مبالاة بالوقوع في المعاصي. فالأول يستر عليه، وقد يكون ذلك تأديباً له بحيث لا يعود، حيث يشكر الله تعالى حين سلمه من أن يفتضح, أما الثاني الذي هو معروف بالفجور وقد تكرر منه ذلك فإن إظهار ذلك وعقوبته العقوبة التي يستحقها من المصلحة له وللمسلمين. قوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). هذه جملة عامة، وهي من القواعد الكلية، ومن الكلمات الجامعة للرسول الكريم ﷺ التي لا تنحصر في شيء معين، بل هي شاملة وواسعة, فكل عون يحصل من المسلم لأخيه فإن الله يجازيه بأن يكون في عونه، ومعنى ذلك: أنه كلما كان بهذه المثابة وبهذا الوصف فجزاؤه عند الله أن يكون الله تعالى في عونه كما كان في عون أخيه, فالأمور التي تقدمت هي أمور خاصة منها ما يتعلق بالكرب, ومنها ما يتعلق بالستر، ومنها ما يتعلق بالتيسير، وأما هذه فأي عون يكون من العبد فإن الله تعالى يجازيه بالعون عوناً، فيعينه على أمور دينه ودنياه.

стр. 880

فضل طلب العلم قوله ﵊: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). هذا أيضاًً من باب الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل سلوك طريق توصل إلى العلم، والجزاء تسهيل طريق توصل إلى الجنة, وسلوك طريق العلم يكون بالسفر لتحصيله، ويكون أيضاً باتخاذ كل الوسائل التي توصل إليه وإن لم يكن هناك سفر، كأن يلازم مجالس العلم، ويقتني الكتب النافعة والكتب المفيدة لأهل السنة، ويعنى بقراءتها والمذاكرة فيها والتباحث فيها مع زملائه والرجوع فيها إلى مشايخه. والمراد بالعلم هنا العلم الشرعي, علم الكتاب والسنة، وكل ما يسهل الوصول إلى هذين الينبوعين الصافيين: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وتيسير الطريق الموصل إلى الجنة لكونه سلك الطريق الموصلة إلى العلم بالسير إلى الله على بصيرة، وكونه يعبد الله على بصيرة وعلى هدى؛ وذلك إنما يكون بالعلم, والله قال في كتابه العزيز: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] فكل إنسان في خسارة, ولا يستثنى من ذلك إلا من آمن إيماناً مبنياً على علم ثم عمل بالعلم، ثم حصل التواصي بالخير؛ وذلك بتعديته إلى الغير, ثم بعد ذلك التواصي بالصبر على ما يحصل في هذا السبيل من العناء والمشقة والنصب فإن ذلك يحتاج إلى صبر. وقوله: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) هذه الجملة واضحة في بيان فضل العلم، وفضل طلب العلم الشرعي, وقد جاءت هذه الجملة أيضاً في حديث عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وهو مشتمل على خمس جمل كلها تدل على فضل العلم, أول هذه الجمل هي هذه الجملة، وهي: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). والجملة الثانية: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) ومعناها: أن الملائكة تحف به وتحيط به؛ وذلك بالرضا بما يحصل منه من العلم ونشر العلم وأخذ العلم. والجملة الثالثة: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) العابد هو الذي يصلي ويصوم، والعالم هو الذي اشتغل بتحصيل العلم الشرعي والعمل به؛ وإنما كان العالم أفضل من العابد لأن علم العالم له ولغيره، ونفعه متعد، وأما العابد فعبادته له وحده, فصلاته له وحده، وصيامه له وحده، ولكن علمه له ولغيره, ولهذا كان العالم أفضل من العابد. والجملة الرابعة: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء). أي أن العوالم العلوية والسفلية كلها تستغفر للعالم، وهذا فضل عظيم يظفر به من وفقه الله لأن يكون من أهل العلم بشرع الله، وعالماً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والجملة الخامسة والأخيرة هي: (وإن العلماء ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر). وهذه الجملة اشتملت على شيء عظيم، ويكفي أهل العلم شرفاً أن يقال: إنهم ورثة رسول الله ﷺ , يرثون عنه الحق والهدى الذي جاء به ﷺ ، وهو ميراث النبوة؛ لأن الأنبياء لا يورثون المال، إذا خلفوا مالاً فإنه صدقة ولا يرثه أقرباؤهم، بخلاف غير الأنبياء فإنهم يرثهم أقرباؤهم على وفق ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ من أحكام المواريث. فالأنبياء إنما يورث عنهم العلم والحق والهدى، والرسول ﷺ يورث عنه الكتاب والسنة، وهو خير ميراث وأفضل ميراث، وعلى هذا فالأنبياء يختلفون عن غيرهم من البشر من هذه الناحية؛ وذلك أن غيرهم من البشر إذا جمع مالاً ومات فإنه يكون لورثته، وأما الرسل فلو مات أحد منهم وعنده مال فإنه لا يكون لورثته، وإنما هو صدقة، وقد قال ﵊: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) يعني: لا يورث عنهم المال، ولكن يورث عنهم العلم النافع الذي هو بالنسبة لنبينا ﷺ علم الكتاب والسنة. قوله: (فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) أي: من هذا الميراث الذي هو ميراث رسول الله ﷺ ، وهو الحق والهدى الذي جاء به، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . هذه خمس جمل اشتمل عليها حديث أبي الدرداء، والجملة الأولى هي في هذا الحديث الذي معنا الذي في صحيح مسلم , وقد جاءت أحاديث أخرى تدل على فضل العلم، وتحث على تحصيله، منها حديث أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﵊ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) أي: أن من علامة إرادة الله الخير بعبده أن يفقهه في دين الله؛ لأنه إذا فقه في الدين فمعنى ذلك أنه سار إلى الله على بصيرة، ودعا غيره على بصيرة، فيكون هادياً مهدياً، يعرف الحق ويعمل به ويدعو إليه، ويكون علمه وعمله مبنياً على بصيرة وعلى هدى من الله . وكذلك أيضاً جاء عن النبي ﵊ أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أخرجه البخاري ﵀، وهذا يدل على أن أهل تعلم القرآن وتعليمه هم خيار الناس. وجاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)، وفي الحديث الذي مر بنا قريباً: (والقرآن حجة لك أو عليك) فهو بمعنى: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).

стр. 881

آداب طالب العلم العلم لابد فيه من الإخلاص وحسن القصد، ولابد فيه أيضاً من الجد والاجتهاد وبذل النفس والنفيس، وبذلك يحصل العلم, فلا يحصل العلم بالإخلاد إلى الراحة والاشتغال بغيره مما يشغل عنه، وإنما يحصل بالجد والاجتهاد وبذل النفس والنفيس للوصول إليه؛ حتى يعبد الإنسان ربه على بصيرة، وتحصل منه الإفادة له ولغيره، فيكون هادياً مهدياً راشداً مرشداً. فلابد من حسن القصد والإخلاص والصدق في الطلب، ولابد من الجد والاجتهاد، وبذل النفس والنفيس للوصول إلى هذا المقصود العظيم الذي هو علم كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, فقد قال يحيى بن أبي كثير اليمامي -كما رواه مسلم بإسناده إليه في صحيحه-: لا يستطاع العلم براحة الجسم. فمن أراد العلم فعليه أن ينصب، وعليه أن يتعب، وعليه أن يشتغل، وأن يبذل من أجل الوصول إلى هذه الغاية النبيلة، يقول الشاعر: الجَد بالجِد والحرمان بالكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل الجَد هو الحظ النفيس, بالجِد الذي هو الاجتهاد والتعب والنصب، فالنتائج الطيبة والثمرات الحميدة تحصل من الجد والاجتهاد، وبذل ما يستطيع الإنسان بذله من أجل الوصول إلى تلك الغاية العظيمة التي هي تحصيل العلم النافع الذي هو علم الشرع, أعني علم كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 882

فضل الاجتماع على القرآن والعلم في المساجد ثم قال ﵊: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). بيوت الله هي المساجد، وإضافتها إلى الله للتشريف؛ لأن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: إضافة أعيان وإضافة معان, فإضافة الأعيان للتشريف، وهي من إضافة المخلوق إلى الخالق, كبيت الله وناقة الله وعبد الله، وإضافة المعاني هي إضافة الصفات كحياة الله وعلم الله وسمع الله وبصر الله وغير ذلك، وهي إضافة صفات، أعني من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف بها. والمساجد هي خير البلاد وأفضل البقاع كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﵊ أنه قال: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)، فالمساجد هي خير البلاد؛ وذلك لما يكون فيها من العمارة بذكر الله ، فالمساجد هي محل الطمأنينة، ومحل الذكر، ومحل الصلاة، ومحل العبادة لله ، ومحل تلاوة القرآن، كل هذه من صفات المساجد، وأما الأسواق ففيها الصخب واللغط، وفيها الخصومات، وفيها السباب والشتائم، وغير ذلك من الأمور التي تحصل في الأسواق. تلاوة القرآن معروفة، ومدارسته تعني معرفة معانيه، وهذا إنما يكون لمن عنده علم بتفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالحديث، وبالآثار عن سلف هذه الأمة. فتلاوته تكون بأن يقرأ واحد والباقون يسمعون، أو يقرءون بالتناوب بحيث يقرأ واحد مقداراً من الآيات والباقون يسمعون ويصححون له، ويقومون نطقه، ويقومون قراءته، ثم ينتقل إلى من بعده، ويكون كل واحد منهم يستفيد من غيره؛ لأنه يتعود كيف يقرأ، ويصحح له خطؤه ولحنه إذا كان يخطئ أو يلحن، وهذه الفوائد تحصل بهذا العمل الذي هو تلاوة القرآن في المساجد وتدارسه. والتدارس يكون بوجود عالم بينهم يبين لهم معاني الآيات التي قرءوها أو التي يمرون بها وهم بحاجة إلى معرفتها أو يشكل عليهم شيء من معانيها، وإذا كانوا من أهل العلم فإنهم يتداركون ذلك ويرجعون إلى كتب أهل العلم المتعلقة بالرواية والدراية في تفسير كلام الله . قوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة) يعني: تحصل لهم أمور أربعة بهذا العمل الذي هو قراءة القرآن وتدارسه في المساجد: الأمر الأول: أنها تنزل عليهم السكينة، والسكينة: الطمأنينة والوقار، ففي تلك المجالس الوقار، والطمأنينة، والسكون، وانشراح الصدور، كل ذلك يكون موجوداً لمن يحصل منهم تلاوة القرآن في بيت من بيوت الله. الأمر الثاني: أن تغشاهم الرحمة, أي تشملهم الرحمة وتغطيهم. الأمر الثالث: أن الملائكة تحفهم, أي: تحيط بهم وتحدق بهم؛ وذلك أنهم يبحثون عن مجالس الذكر، وخير الذكر هو قراءة كلام الله , فيحصل لهؤلاء المجتمعين أن تنزل عليهم السكينة، وكون الرحمة تغشاهم. الأمر الرابع: أن يذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة، أي يذكر الله عباده في الأرض عند عباده في السماء الذين هم الملائكة، كما جاء في الحديث: (ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه). فمن حصل منهم الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد وتدارسه يحصل لهم الثواب والجزاء بهذه الأعمال الأربعة.

стр. 883

من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ثم قال ﵊: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) من أخره عمله عن دخول الجنة فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها, وإنما العبرة بما يقوم في القلوب وبالأعمال، وليس بما يحصل على الجوارح، وإنما يحصل ذلك بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، فمن أخره عمله عن دخول الجنة وبلوغ المنازل العالية فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها. نعم النسب إذا جاء مع العلم والعمل الصالح فهو خير إلى خير، ونور على نور، وأما إذا كان بدون إيمان وبدون عمل صالح فإن ذلك لا يفيد شيئاً، كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ : (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)؛ لأن العبرة عند الله بالتقى والأعمال الصالحة كما قال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، ويقول الشاعر: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ولا تترك التقوى اتكالاً على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب فـ أبو لهب عم رسول الله ﷺ ، وهو ابن عبد المطلب، وهو من أهل بيت الرسول ﷺ من ناحية النسب، وإلا فإن أهل البيت الذين لهم الفضل هم كل مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، وكذلك زوجات رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, هؤلاء هم أهل البيت الذين لهم فضل. ولكن من حيث النسب فعمه أبو لهب من أقرب الناس إليه؛ لأنه أخو أبيه، ومع ذلك فإنه من أهل النار لكفره وعدم إيمانه، وقد أنزل الله فيه سورة تتلى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]. إذاً: الأعمال الصالحة هي الميزان، وهي المعتبرة في الإسلام؛ لقول الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وليس المعتبر النسب، قال الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، فالعبرة إنما هي بالأعمال، وليست بالأنساب؛ ولهذا قال ﵊ في هذا الحديث: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). إذاً: النسب بدون عمل صالح لا يفيد صاحبه شيئاً، ولكن كونه يجمع بين النسب الشريف وبين العمل الصالح فيكون قد جمع بين الحسنيين. فقد رفع الإسلام سلمان الفارسي، وهو من الفرس، وليس من العرب، ووضع أبا لهب وهو من بني هاشم، وهو ابن عبد المطلب، وعم رسول الله ﷺ ، ولكن كفره وعدم إيمانه وضعه؛ ولم يستفد بنسبه شيئاً؛ لأن العبرة ليست بالأنساب وإنما هي بالأعمال الصالحة وبتقوى الله . هذا الحديث حديث أبي هريرة ﵁ مشتمل على سبع جمل وهي: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنها بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماًَ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 884

الأسئلة

стр. 885

سبب تخصيص المساجد في الحديث السؤال ما سبب تخصيص المساجد بالفضل في قوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، والاجتماع قد يكون في مدرسة في جامعة في معهد؟ وهل الفضل خاص بمدارسة القرآن؟ الجواب الأمر يختلف، لكن لا شك أن في المدارس ونحوها خيراً، ولكن هذا الفضل الذي جاء في الحديث خاص ببيوت الله. وقوله: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) تخصيص لمدارسة القرآن، ولا شك أن مدارسة العقيدة والفقه والحديث وأصول التفسير فيها خير, لكن أولئك جمعوا بين الأمرين: تلاوة القرآن وتدارسه، ولهذا قال ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري في صحيحه من حديث عثمان ﵁. والذي ورد في هذا الحديث خاص بالقرآن، ولكن لا شك أن علم الشريعة والاشتغال بالشريعة خير. وهذا الحديث الذي في صحيح مسلم فيه تخصيص بيت من بيوت الله، ومعلوم أن بيوت الله هي محل العبادة، بخلاف الأماكن الأخرى التي يكون فيها اللغط، ويكون فيها الكلام، وأما المساجد فليس فيها إلا ذكر الله، وهي أحب البلاد إلى الله كما ورد في صحيح مسلم.

стр. 886

حكم الذكر الجماعي السؤال ما حكم ما يقع في بعض البلدان من الذكر الجماعي؟ الجواب والله ما أعلم دليلاً يدل على ما يفعله بعض الناس الذين يجتمعون ويقرءون بصوت واحد قراءة جماعية, وهذه القراءة في الغالب ليس فيها تدبر ولا تأمل، لأن كل واحد يقرأ مع غيره ويحرص على ألا يتأخر وألا يتقدم.

стр. 887

حكم تكرار الطلاب للآية بصوت جماعي السؤال مدرسو القرآن -خاصة للصغار- قد يطلبون من المجموعة أن يكرروا آية بصوت جماعي، فما الحكم؟ الجواب قضية الأطفال أمرها سهل، وإنما الكلام فيما يفعله بعض الناس الذين ليس عندهم معلم يعلمهم، وإنما يجتمعون ثم يبدءون بصوت واحد من البداية حتى النهاية.

стр. 888

فضل حلقات التحفيظ السؤال هل يدخل في فضل الاجتماع على تلاوة كتاب الله وتدارسه حلقات التحفيظ الموجودة الآن، أو يعتبر من في هذه الحلقات يقرأ لنفسه؟ الجواب إذا كانت هذه الحلقات بهذه الطريقة، كل طالب يسمع له ويصحح له، فيدخلون في هذا الحديث إن شاء الله، ويرجى لهم الخير: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

стр. 889

نزول الملائكة لمن اجتمعوا على دراسة العلوم الشرعية السؤال نزول الملائكة هل هو خاص بتلاوة القرآن أو يشمل كل علوم الشريعة؟ الجواب يعم مجالس الذكر عموماً، وقد جاء أنهم يطوفون، وإذا وجدوا قوماً يذكرون الله قالوا: هلموا إلى بغيتكم، فيجتمعون عندهم، والذكر أعم من قراءة القرآن.

стр. 890

قراءة القارئ وبقية الحلقة يستمعون لقراءته السؤال طريقة التلاوة التي تكون بقراءة واحد والبقية يسمعون, هل وردت عن السلف الصالح؛ لأن بعض أهل البدع يفعلون هذه الطريقة، ثم بعد ذلك يتلون أو يقرءون أوراداً مبتدعة؟ الجواب الأوراد المبتدعة خارجة عما هو مشروع وما هو جائز, وابن رجب ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول لـ أبي موسى أو عقبة بن عامر: اقرأ لنا شيئاً من كتاب الله, وكان شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه في كثير من مجالسه يطلب من واحد أن يقرأ، ثم بعد ذلك يتكلم في معاني تلك الآيات التي قرئت.

стр. 891

حكم تخصيص رمضان بالاجتماع على قراءة القرآن السؤال في بلادنا لا يتدارسون القرآن إلا في رمضان, وأما في غير رمضان فلا يفعلون هذا, فهل الاجتماع في هذا الشهر محظور؟ الجواب لا شك أن شهر رمضان هو شهر القرآن، والنبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان، وكان يدارس جبريل القرآن، وكان يعرض عليه كل ما نزل من القرآن مرة واحدة, وفي آخر رمضان من حياة رسول الله ﷺ -وهو رمضان السنة العاشرة- عرضه عليه مرتين, فكون الناس يشتغلون في رمضان بالقرآن، ويكثرون فيه من القراءة؛ هذا شيء طيب، والاشتغال بالقرآن بصفة مستمرة ودائمة أمر مطلوب، ولكن الزيادة في رمضان لا شك أنها مطلوبة.

стр. 892

تفضيل الملائكة على البشر السؤال في قوله: (ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) أليس فيه دليل على أن الملائكة أفضل من المؤمنين من البشر؟ الجواب ليس فيه دليل؛ لأن المعنى أن الملأ الذي ذكر فيهم الذاكر، ذكره الله في ملأ خير منهم، وهذا لا يعني جنس البشر وجنس الملائكة، ولا يدل على تفضيل هذا الجنس على هذا الجنس، وإنما فيه أن نفس الجماعة الذين ذكر العبد الله فيهم, يذكره الله في ملأ خير منهم.

стр. 893

معنى كلام ابن دقيق العيد في شرح: (ذكرهم الله فيمن عنده) السؤال ما مدى صحة قول ابن دقيق العيد في شرح هذه العبارة: (وذكرهم الله فيمن عنده) قال: يقتضي أن يكون ذكر الله تعالى لهم في الأنبياء وكرام الملائكة؟ الجواب لاشك أن الله يذكره في ملأ من الملائكة، وأما الأنبياء فهم في قبورهم كما هو معلوم، وإن كانت أرواحهم بصور أجسادهم في السماء كما جاء في حديث المعراج، ولكن هذا الحديث هو في الملائكة الذين هم سكان السماوات.

стр. 894

الفرق بين التنفيس والتيسير السؤال هل هناك فرق بين التنفيس والتيسير؟ الجواب التنفيس للكربة، والتيسير في الإعسار يكون غالباً في المال، وأما الكربة فتكون في مصائب وفي أمور عظيمة، وقد يكون من ذلك الإعسار، لكن الكربة أمر أشد من الإعسار.

стр. 895

الرد على من يستدل على جواز الذكر الجماعي بحديث معاوية السؤال ذكر ابن رجب في شرح الحديث قال: وفي صحيح مسلم عن معاوية ﵁: (أن النبي ﷺ خرج على حلقة من أصحابه, فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به, فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟! قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك, قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، إنه أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة) , الإشكال: قوله: (جلسنا نذكر الله , هل فيه دليل على جواز الذكر الجماعي؟ الجواب لا، ليس فيه دليل على الذكر الجماعي، ولكن كونهم يشتغلون في علم يشتغلون في تفسير يشتغلون في حديث يشتغلون في عقيدة يشتغلون في تذكير بالآخرة يتذكرون القبر وما يجري فيه مما يكون فيه زاجر للنفوس ورادع لها, فهذا كله يشمله ذكر الله .

стр. 896

نصيحة لمن صلى في مسجد يأتون بالأذكار بعد الصلاة بشكل جماعي السؤال في بلدنا يأتون بالأذكار التي بعد الصلوات جماعياً، ولا أستطيع أن أنكر عليهم، فهل الأفضل بالنسبة إلي أن أجلس وأتم الذكر في نفسي أم أخرج وآتي بالأذكار في مكان آخر إنكاراً عليهم؟ الجواب تجلس وتذكر الله على حدة، ولكن نبههم وأرشدهم وعلمهم.

стр. 897

شرح قول الشاعر: الجد بالجد والحرمان بالكسل السؤال نرجو من فضيلتكم شرح قول الشاعر: الجَد بالجِد والحرمان بالكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل الجواب الجَد: الحظ والنصيب، بالجِد: بالاجتهاد, يعني: يحصل الحظ والنصيب بالجد والاجتهاد، ويقابل ذلك الحرمان فهو يحصل بالكسل؛ لأن الحرمان مقابل الجد الذي هو الحظ والنصيب، والكسل مقابل الجد، فهما شيئان متقابلان: الجَد بالجِد, الحظ والنصيب يحصل بالجد والاجتهاد، والحرمان يحصل بالكسل، والجد هو الحظ كما جاء في الحديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) يعني: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح.

стр. 898

قراءة القرآن بدون مدارسة السؤال هل قراءة القرآن بدون مدارسة من السنة؟ الجواب كون الناس يجتمعون من أجل أن يدرسوا القرآن فيما بينهم بحيث يقوم بعضهم بعضاً، ويسدد بعضهم بعضاً، ويعرف الإنسان صحة قراءته من قصورها ومن لحنها؛ مقصد صحيح، وإن لم يكن هناك تدارس فهذا أيضاً مقصد صحيح.

стр. 899

إضافة الأعيان إلى الله السؤال ألا يقال: إن إضافة الأعيان إلى الله عبارة عن إضافة مربوب ومخلوق، وإضافة المربوب والمخلوق قد تكون للتشريف كناقة الله وبيت الله وقد لا تكون كأرض الله؟ الجواب غالباً أن الإضافات الخاصة كبيت الله وعبد الله وناقة الله للتشريف.

стр. 900

تخصيص جزاء تنفيس الكربة بيوم القيامة السؤال لم خص الرسول ﷺ جزاء تنفيس الكربة بيوم القيامة, أما في غيرها فإن الجزاء فيها يكون في الدنيا والآخرة؟ الجواب الكرب يوم القيامة تكون شديدة عظيمة هائلة، فيكون ذلك في الدار الآخرة والناس أحوج ما يكونون إلى تنفيس الكرب الشديدة العظيمة، بخلاف الدنيا فإن مصائبها وما يحصل فيها من الثواب دون ذلك الشيء العظيم الذي جعل جزاؤه في الآخرة.

стр. 901

معنى حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) السؤال حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)، هل المراد به في الدنيا أم في الآخرة؟ الجواب في الدنيا والآخرة جميعاً، وهذا مشاهد ومعاين، فكم من أناس رفعهم الله بالقرآن! وجاء: (والقرآن حجة لك أو عليك) , ففي الآخرة الناس يتفاوتون: من كان القرآن حجة له فهو مرفوع، ومن كان حجة عليه فهو مخفوض وموضوع، وفي الدنيا كذلك الرفعة حاصلة وكذلك الوضع بسبب القرآن حاصلة وذلك إذا كان الإنسان ليس آتياً بما هو مطلوب منه بالنسبة للقرآن. وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] الرفعة هنا في الدنيا والآخرة، وكما هو معلوم أن أهل العلم لهم منزلة ومكانة في النفوس، ولهم تميز على غيرهم.

стр. 902

التفضيل بين قراءة القرآن من المصحف أو الحفظ السؤال أيهما أفضل قراءة القرآن من المصحف أم من الحفظ؟ الجواب قراءة القرآن من المصحف لا شك أن فيها التركيز وعدم فوات شيء، لكن الإنسان يمكن أن يعمل هذا وهذا، فيمكن للإنسان أن يقرأ من المصحف حتى يتحقق، ومن يقرأ القرآن من حفظه قد يفوته شيء، ولكنه إذا قرأ من المصحف تذكر ذلك الشيء الذي قد يفوته في حال الحفظ، وكون الإنسان يقرأ في هذا وفي هذا أحسن، ولا شك أن قراءته مع النظر تجعل الإنسان يتأمل في المعاني؛ لأنه لا يكون مشتغلاً بالحفظ لئلا يسقط منه شيء، فالقرآن أمامه يستطيع أن يقرأه بكل سهولة ولا يلتبس عليه، ويتوقف ويتأمل.

стр. 903

نوع الطريق في قوله: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً) السؤال قوله: (من سلك طريق يلتمس فيه علماً) , هل الطريق هنا حسي؟ الجواب حسي ومعنوي، والمعنى هو أن الإنسان يشتغل بالعلم وبالقراءة، ويأخذ بالوسائل الممكنة بدون أن يسافر, وابن رجب ذكر القسمين.

стр. 904

معنى قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) السؤال نريد من فضيلة الشيخ أن يعيد شرح: (وذكرهم الله فيمن عنده)؟ الجواب ( ذكرهم الله فيمن عنده) يعني: أن من ذكر الله في ملأ من الناس في الأرض فإن الله يذكر الذاكر في ملأ من الملائكة عند الله .

стр. 905

ستر المسلم مع نصيحته السؤال قول ﷺ : (من ستر مسلماً) هل يعني ذلك عدم نصيحته؟ الجواب لا, ولكن ينصحه ويستره.

стр. 906

تفسير قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة) السؤال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٠] هل الصدقة هنا تشمل الزكاة؟ الجواب لا، هذه الآية تتعلق بالمعسر، فأمر الله بإمهاله, وأرشد إلى أن هناك شيئاً أفضل من الإمهال وهو الإسقاط بالتصديق عليه بإبراء ما في ذمته.

стр. 907

طلب العلم عند المبتدعة السؤال هل الطالب الذي يطلب العلم عند أهل البدع يدخل فيما ذكره الرسول ﷺ في هذا الحديث؟ الجواب لكل امرئ ما نوى، فإذا كان الشيء الذي يدرسه ليس له علاقة بالعقيدة، ولا له علاقة بما يعود عليه بالمضرة، وإنما هو شيء يتعلق مثلاً باللغة، وما وجد غيره ممن يقوم بهذه المهمة، فهو إن شاء الله على خير؛ لأنه سيأخذ ما عنده من خير ويترك الشر الذي عنده، ودراسة اللغة ونحوها عند من يكون عنده علم بها من أهل البدع لا يصار إليه إلا للضرورة، وذلك إذا لم يجد من يقوم بذلك ممن يكون سليماً من البدع.

стр. 908

أهمية النية في إعانة الآخرين السؤال قوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) , هل يشترط أن تحصل الإعانة بنية واحتساب أم لا يشترط؟ الجواب لا شك أنه يشترط، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات).

стр. 909

حال حديث: (من جاء مسجدي ليتعلم أو يعلم فهو بمنزلة المجاهد السؤال حديث: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله) , هل هو صحيح؟ الجواب نعم صحيح، ولا شك أن هذا الحديث يدل على هذا الفضل العظيم لمن يتعلم في المسجد النبوي.

стр. 910

هل يشرع لرجال الحسبة الستر على العصاة ؟ السؤال هل يجوز الستر من رجال الهيئة للعصاة وهم في عملهم؟ الجواب نعم، إذا وقع الإنسان في هفوة، وهو ممن يناسب الستر عليه؛ لكونه غير معروف بالمعصية، وإنما هذه سقطة حصلت منه؛ فيستر عليه.

стр. 911

التنفيس عن غير المؤمن السؤال قوله: (ومن نفس عن مؤمن) هل يختص التنفيس بالمؤمن أم أن التقييد غير مراد, فقد ورد حديث البغي التي سقت الكلب فغفر لها؟ الجواب تلك البغي كانت على دين، وفي كل كبد رطبة أجر، حتى الكافر، وهذا الحديث مقيد بالمسلمين، ولا شك أن من أحسن إلى غيره حتى من الكفار فإنه مأجور على ذلك إذا كان الأمر يقتضي ذلك.

стр. 912

سماع أشرطة العلم السؤال هل سماع أشرطة العلم في السيارة أو في البيت يدخل في قول النبي ﷺ : (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)؟ الجواب لا شك أن سماعها من وسائل تحصيل العلم، وهو مأجور على ذلك، ولكل امرئ ما نوى.

стр. 913

أخذ العلم عن المشايخ والقراءة من المؤلفات السؤال أيهما أحسن في تحصيل العلم: أخذه عن المشايخ أو القراءة في الكتب والمؤلفات؟ الجواب أخذه عن المشايخ لا شك أولى, وكونه يقرأ في الكتب أيضاً مطلوب منه, ما يكون الأمر مقصوراً على الوقت الذي يكون فيه مع المشايخ, بل يكون على صلة وثيقة بالعلم؛ وذلك بتقليب الكتب والرجوع إليها, وينبغي للطالب أن يأخذ عن المشايخ؛ لأنهم هم الذين يقومون نطقه، ويقومون كلامه؛ لأنه قد ينطق بالشيء على غير حقيقته وعلى غير وضعه فينبه, والإنسان قد يقرأ من الكتاب ولكن يفهمه خطأً.

стр. 914

تعليق على تصحيح الغماري لحديث: (جئتم من الجهاد الأصغر) السؤال قال ابن رجب: وقال إبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب, يقول شعيب: ذكره المزي في تهذيب الكمال والذهبي في السير. قال ابن رجب: ويروى هذا مرفوعاً من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: (قدمت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر, قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه). يقول شعيب في الحاشية: رواه البيهقي في الزهد، والخطيب في تاريخه، وفي سنده ضعيف ومتهم، وضعفه البيهقي والعراقي، وقال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس فيما نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء: هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة. اهـ الجواب على كل حال، هذا الحديث من ناحية المعنى غير مستقيم، فالجهاد الأكبر لا شك أنه قتال الكفار، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولكن لا شك أن جهاد النفس هو الذي يمكن من حصول الفائدة الكبيرة من الجهاد الأكبر؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يستطيع أن يجاهد غيره. مداخلة: الشيخ الألباني ذكر هذا الحديث في السلسلة الضعيفة (٢٤٦٥) من رواية الخطيب في التاريخ وأبي بكر الشافعي في الفوائد والبيهقي في الزهد وقال: منكر. والحديث قال عنه الغماري في المداوي: والحديث له شواهد كثيرة يمكن جمعها في جزء مفرد، ولنا عزم على ذلك. الشيخ: الغماري معروف أنه مخلط، وهو صاحب كتاب المداوي أحمد بن الصديق، وله المغير على شرح المناوي، ولعله أسوأ الغماريين, فله كتابات قبيحة لاسيما كتابه الذي يشيد فيه ببناء القبور، ويقول: إنه يستحب بناء القبور، وصنف رسالة بعنوان: إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور، يعني: أنه ينبش عن كل ما هب ودب من أجل أن يستدل على استحباب هذا الذي جاءت الشريعة بتحريمه، وحذر منه النبي ﷺ في أواخر أيامه، بل في أواخر لحظاته ﷺ ! وله مؤلفات كثيرة، وله كتاب اسمه: توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار, وكان من أسوأ ما قاله في هذا الكتاب أنه أتى بقصة كريب وصيام أهل الشام قبل أهل الحجاز، وأن ابن عباس قال: لهم رؤيتهم ولنا رؤيتنا أو نحو هذا الكلام، فقال: ابن عباس لم يقل هذا إلا لأنه لا يعبأ برؤية معاوية ولا رؤية أهل الشام! يعني: رؤية معاوية وأهل الشام لا يلتفت إليها، ولا يعتبر بها.

стр. 915

شرح الأربعين النووية [٣٣] من فعل سيئة جوزي عليها بسيئة واحدة دون زيادة، ومن هم بالسيئة وتركها لأجل الله تعالى كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بالحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبها الله تعالى له عشر حسنات، وقد يضاعفها أضعافاً كثيرة، وما يزال العبد يتقرب إلى ربه بفعل القربات أداءً للفرائض واستكثاراً من النوافل لتتضاعف حسناته حتى يبلغ منزلة الولاية لله ﵎، فيحظى بالحفظ والقرب والمحبة.
следующие страницы →