Полный текст (1 058 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
التنفيس عن غير المؤمن
السؤال
قوله: (ومن نفس عن مؤمن) هل يختص التنفيس بالمؤمن أم أن التقييد غير مراد, فقد ورد حديث البغي التي سقت الكلب فغفر لها؟
الجواب
تلك البغي كانت على دين، وفي كل كبد رطبة أجر، حتى الكافر، وهذا الحديث مقيد بالمسلمين، ولا شك أن من أحسن إلى غيره حتى من الكفار فإنه مأجور على ذلك إذا كان الأمر يقتضي ذلك.
стр. 912
سماع أشرطة العلم
السؤال
هل سماع أشرطة العلم في السيارة أو في البيت يدخل في قول النبي ﷺ : (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)؟
الجواب
لا شك أن سماعها من وسائل تحصيل العلم، وهو مأجور على ذلك، ولكل امرئ ما نوى.
стр. 913
أخذ العلم عن المشايخ والقراءة من المؤلفات
السؤال
أيهما أحسن في تحصيل العلم: أخذه عن المشايخ أو القراءة في الكتب والمؤلفات؟
الجواب
أخذه عن المشايخ لا شك أولى, وكونه يقرأ في الكتب أيضاً مطلوب منه, ما يكون الأمر مقصوراً على الوقت الذي يكون فيه مع المشايخ, بل يكون على صلة وثيقة بالعلم؛ وذلك بتقليب الكتب والرجوع إليها, وينبغي للطالب أن يأخذ عن المشايخ؛ لأنهم هم الذين يقومون نطقه، ويقومون كلامه؛ لأنه قد ينطق بالشيء على غير حقيقته وعلى غير وضعه فينبه, والإنسان قد يقرأ من الكتاب ولكن يفهمه خطأً.
стр. 914
تعليق على تصحيح الغماري لحديث: (جئتم من الجهاد الأصغر)
السؤال
قال ابن رجب: وقال إبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب, يقول شعيب: ذكره المزي في تهذيب الكمال والذهبي في السير.
قال ابن رجب: ويروى هذا مرفوعاً من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: (قدمت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر, قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه).
يقول شعيب في الحاشية: رواه البيهقي في الزهد، والخطيب في تاريخه، وفي سنده ضعيف ومتهم، وضعفه البيهقي والعراقي، وقال الحافظ ابن حجر في تسديد القوس فيما نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء: هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة.
اهـ
الجواب
على كل حال، هذا الحديث من ناحية المعنى غير مستقيم، فالجهاد الأكبر لا شك أنه قتال الكفار، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولكن لا شك أن جهاد النفس هو الذي يمكن من حصول الفائدة الكبيرة من الجهاد الأكبر؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يستطيع أن يجاهد غيره.
مداخلة: الشيخ الألباني ذكر هذا الحديث في السلسلة الضعيفة (٢٤٦٥) من رواية الخطيب في التاريخ وأبي بكر الشافعي في الفوائد والبيهقي في الزهد وقال: منكر.
والحديث قال عنه الغماري في المداوي: والحديث له شواهد كثيرة يمكن جمعها في جزء مفرد، ولنا عزم على ذلك.
الشيخ: الغماري معروف أنه مخلط، وهو صاحب كتاب المداوي أحمد بن الصديق، وله المغير على شرح المناوي، ولعله أسوأ الغماريين, فله كتابات قبيحة لاسيما كتابه الذي يشيد فيه ببناء القبور، ويقول: إنه يستحب بناء القبور، وصنف رسالة بعنوان: إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور، يعني: أنه ينبش عن كل ما هب ودب من أجل أن يستدل على استحباب هذا الذي جاءت الشريعة بتحريمه، وحذر منه النبي ﷺ في أواخر أيامه، بل في أواخر لحظاته ﷺ ! وله مؤلفات كثيرة، وله كتاب اسمه: توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار, وكان من أسوأ ما قاله في هذا الكتاب أنه أتى بقصة كريب وصيام أهل الشام قبل أهل الحجاز، وأن ابن عباس قال: لهم رؤيتهم ولنا رؤيتنا أو نحو هذا الكلام، فقال: ابن عباس لم يقل هذا إلا لأنه لا يعبأ برؤية معاوية ولا رؤية أهل الشام! يعني: رؤية معاوية وأهل الشام لا يلتفت إليها، ولا يعتبر بها.
стр. 915
شرح الأربعين النووية [٣٣]
من فعل سيئة جوزي عليها بسيئة واحدة دون زيادة، ومن هم بالسيئة وتركها لأجل الله تعالى كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بالحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبها الله تعالى له عشر حسنات، وقد يضاعفها أضعافاً كثيرة، وما يزال العبد يتقرب إلى ربه بفعل القربات أداءً للفرائض واستكثاراً من النوافل لتتضاعف حسناته حتى يبلغ منزلة الولاية لله ﵎، فيحظى بالحفظ والقرب والمحبة.
стр. 916
شرح حديث ابن عباس (إن الله كتب الحسنات والسيئات)
стр. 917
المراد بالكتابة في قوله: (كتب)
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ -فيما يرويه عن ربه- أن الله قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له سيئة واحدة) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف].
هذا الحديث -حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما- فيه قوله: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) وهذه الكتابة للحسنات والسيئات يحتمل أن تكون هي الكتابة القدرية، وأن الله تعالى كتب كل أعمال العباد وما يفعلونه في اللوح المحفوظ، فما يفعلونه من الخير والشر ومن الحسنات والسيئات كتبه الله في اللوح المحفوظ.
ويحتمل أن يكون المراد بالكتابة كتابة الملائكة الكتبة الذين يكتبون الحسنات والسيئات بأمر الله .
ومما يدل على هذا ما جاء في بعض الأحاديث بهذا المعنى وفيه: (إذا هم بالسيئة فلم يعملها قال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) ومعناه إذا أنه إذا هم بها ولم يعملها أنهم كتبوها حسنة، وإذا هم بالسيئة وعملها تكتب سيئة واحدة، قال: (وإن لم يعملها فاكتبوها حسنة، إنما تركها من جرائي) أي: إنما تركها من أجلي.
وهذا فيه أن الملائكة هم الذين يتولون الكتابة، وعلى كل فليس هناك تنافي بين الكتابتين، فإن الكل حاصل، فالكتابة في اللوح المحفوظ حاصلة لكل ما هو كائن، والملائكة يكتبون كل ما يصدر عن العبد من الخير والشر.
ثم إن الإجمال في قوله: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) بينه في الكلام الذي بعده، وذلك بالتفصيل فيما يتعلق بالحسنة والتفصيل فيما يتعلق بالسيئة، فالتفصيل الذي في الحسنة هو قوله: (فإذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، وإن هم بها وعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) فإذا هم بالحسنة ولم يعملها كتبها الله حسنة كاملة من أجل نيته ومن أجل قصده، وهذا من فضل الله وكرمه وإحسانه إلى عباده، وإذا عملها كتبت عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله تعالى يضاعف لمن يشاء.
стр. 918
ثواب طاعة الله وترك معصيته وفضل العمل
وصفت الحسنة التي تحصل لكون الإنسان هم بالحسنة ولم يعملها بأنها كاملة لئلا يتوهم نقصانها، وذلك لأنها كانت بمجرد هم وليس هناك عمل، فمن فضل الله أنه جعل الثواب على ذلك حسنة كاملة.
وإذا عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وفي هذا بيان الفرق بين كون الإنسان ينوي ولا يعمل، وكونه ينوي ويعمل، فإن الأول لا مضاعفة فيه، والثاني فيه المضاعفة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة، وهذا واضح.
وأما الحديث الذي فيه: (نية المؤمن خير من عمله) فهو يخالف ما جاء من التفصيل في هذا الحديث الذي معنا، فهو حديث ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح.
وعلى هذا فلا شك أن الإنسان الذي ينوي ويعمل أفضل من الإنسان الذي ينوي فقط؛ لأن الإنسان بمجرد نيته يحصل على حسنة كاملة إذا لم يعمل، وإذا عمل فإنه يحصل على عشرٍ، أو يضاعف الله له إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة.
وقوله: (وإذا هم بالسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) وهذا فيما إذا كان تركها من أجل الله، ووصفت بأنها كاملة -أيضاً- لبيان فضل الله ولئلا يتوهم نقصانها؛ لأنها ما حصلت في مقابل عمل، وإنما حصلت في مقابل ترك، وهو كون الإنسان هم بمعصية وتركها، فالله تعالى يكتبها حسنة.
وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ووصفت بواحدة من أجل بيان أن السيئات لا تزاد، وأن الإنسان لا يخاف أن تزاد سيئاته، بل الأجر يضاعف، وأما السيئات فإن السيئة بمثلها ولا تضاعف، كما قال الله : ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] لا يخاف هضماً أي: نقصاً من الحسنات، ولا ظلماً وذلك بالزيادة في السيئات، وإنما يحصل الفضل والجود والكرم بالثواب والجزاء على الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، وأما السيئة فإنما تكتب بمثلها، فمن هم بالسيئة وتركها من أجل الله يجد عليها أجراً واحداً من أجل أنه تركها لله، وإن عملها كتبت سيئة واحدة.
стр. 919
حالات تارك المعاصي
ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] أن من هم بالسيئة له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتركها من أجل الله، فهذا يثاب عليها بالحسنة كما جاء في هذا الحديث.
الثانية: أن يتركها ذهولاً وغفلة عنها لكونها ما جاءت على باله، فهذه ليست له ولا عليه.
الثالثة: وإذا هم بها ولم يفعلها من أجل العجز أو أي مانع آخر مع حرصه عليها ورغبته الشديدة في الوقوع فيها، فإن هذا يكسب إثماً ولا يجد أجراً وثواباً؛ لأن تركه للسيئة إنما كان للعجز مع تصميمه وحرصه عليها وفعله الأسباب التي توصل إليها، ولكنه لم يقدر ولم يتمكن، فهذا مأزور غير مأجور.
стр. 920
شرح حديث (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)
قال الإمام النووي عليه رحمة الله: [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).
هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، وقد شرحه الشوكاني في رسالة اسمها: (قطر الولي في شرح حديث الولي) وطبعت مع مقدمة بعنوان: (ولاية الله والطريق إليها).
стр. 921
بيان الولي وخطورة معاداة أولياء الله تعالى
قوله: (من عادى لي ولياً) الولي هو المؤمن التقي، كما قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فقد بين في هاتين الآيتين أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، أي الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى، فولاية الله هي كون أن يكون الإنسان مؤمناً تقياً.
قوله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أي: أعلمته بأني محارب له.
وهذا يدل على خطورة معادة أولياء الله ، وأن أهلها وصفوا بهذا الوصف، وهو أنهم محاربون لله ، والله تعالى محارب لهم، فأعلمهم بأنه محارب لهم، فهذا يدلنا على قبح معاداة أولياء الله، وأن المطلوب هو موالاتهم ومحبتهم، وذلك في الله ومن أجل الله، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وأما معاداة أولياء الله فهي من أقبح الأمور ومن أسوأ الأشياء، وذلك لأن المطلوب في حقهم الولاية، وليس المعاداة.
وهو يدل على أن ذلك من الكبائر؛ لأن كونه يوصف بأنه محارب لله وأن الله تعالى يحاربه يدل على منتهى قبحه ومنتهى سوئه.
стр. 922
الطريق الموصلة إلى الولاية
قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه).
بعد أن قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) بين بأي شيء تكون الولاية، والطرق التي توصل إلى الولاية، وأنها التقرب إلى الله بفعل الأوامر، وكذلك الإتيان بالنوافل مع الفرائض؛ لأن ولاية الله إنما هي بالإيمان والتقوى كما عرفنا، فلما قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) بين بعد ذلك من هم أولياء الله، أو الطريقة التي يتم بها الوصول إلى الله ، وهي فعل الفرائض، أي: أداء الواجبات وترك المحرمات، ثم بعد ذلك الإتيان بالنوافل مع الفرائض.
فالإتيان بالفرائض دون النوافل هو الاقتصاد، وأصحابه هم المقتصدون الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] والمقتصد هو الذي يأتي بالفرائض، يأتي بما أوجب الله عليه ويترك ما حرم الله عليه.
والسابق بالخيرات هو الذي يأتي بالفرائض ويأتي معها بالنوافل التي تقربه إلى الله ، والتي تزيد في إيمانه وفي درجته ورفعته عند الله .
فقوله: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) يدل على أن فعل الفرائض هو الأحب إلى الله ، وأن العبد ما تقرب إلى الله بشيء أحب إليه تعالى مما افترض عليه، وذلك لأنه يكون أدى واجباً وترك أمراً محرماً، فلو فعل فإنه يؤجر، وإذا ترك الأوامر فإنه يأثم، وكذلك إذا فعل النواهي فإنه يأثم، وإذا تركها من أجل الله فإنه يؤجر.
والحاصل أن الفرائض تؤدى بأداء ما فرض الله وترك ما حرم الله، وهذا هو أحب شيء إلى الله فيما يتقرب به العبد إليه .
وفيه دليل على إثبات المحبة لله ، وعلى تفاوت الناس في محبة الله ، وكذلك الأعمال متفاوتة في المحبة، فمنها ما هو أحب إلى الله، ومنها ما هو دونه، فإن الإتيان بالفرائض هو الأحب إلى الله، ومعنى ذلك أن الإتيان بالنوافل دون ذلك؛ لأنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) وذلك لأنه فعل أمراً واجباً وترك أمراً محرماً، وأما بالنسبة للنوافل فالإنسان إذا أتى بها أتى بالكمال، وإذا لم يأت بها فاته ذلك الكمال وفاته أجرها، لكن الأوامر والنواهي والتكاليف والفرائض هي التي يثاب على أمتثالها ويعاقب على مخالفتها.
стр. 923
النوافل ومنزلتها عند الله تعالى
قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
معنى هذا أن الإنسان يأتي بالفرائض، ثم يأتي بالنوافل ويستمر عليها ويداوم عليها؛ لأن قوله: (لا يزال) يدل على ذلك، فكونه يداوم على النوافل ويستمر عليها هو مما يكسب محبة الله التي إذا حصلت له سدد في تصرفاته وفي أعماله، وذلك لأنه صار من السابقين إلى الخيرات بإذن الله؛ لأن المقتصد هو الذي يأتي بالفرائض فقط، والسابق بالخيرات هو الذي يأتي بالفرائض ويأتي معها بالنوافل ويستمر عليها ويداوم عليها، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) وهذا المقصود به النوافل.
وأما الفرائض فإنه متعين على الإنسان أن يأتي بكل ما فرض الله عليه، ولكن النوافل زائدة على الفرائض.
وقيل لها: (نافلة) لأنها زائدة على الفريضة، فكون الإنسان يأتي بها يكون ذلك زيادة في كماله وزيادة في فضله عند الله وكون الله يحبه؛ لأنه أتى بالفرائض وأتى بالنوافل، أتى بما هو واجب وأتى بما هو كمال ومستحب ومندوب، وجمع بين الأصل والفرع، بين الفرض والنفل، بين الواجب والمستحب.
وإذا ظفر الإنسان بمحبة الله سدده الله في تصرفاته وفي أفعاله، فلا يستعمل سمعه إلا في خير، ولا يستعمل بصره إلا في خير، ولا يستعمل يده إلا في خير، ولا يستعمل رجله إلا في المشي إلى خير، فيكون مسدداً في أعماله وفي تصرفاته وفي حركاته وسكناته؛ لأن هذه الحواس وهذه النعم التي أنعم الله تعالى بها على العبد في صحته وعافيته استعملها فيما يعود عليه بالخير، وامتنع وابتعد عن استعمالها فيما يعود عليه بالضر.
стр. 924
شبهة الاستدلال للحلول ودفعها
وليس في هذا الحديث دليل على الحلول والاتحاد كما هو قول أهل الباطل الذي ابتلي به بعض الناس فقالوا: إن الله -تعالى عن قولهم- حال في المخلوقات! فإن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، والمخلوقات خلقها الله ، وكانت عدماً فأوجدها، وكانت بعد أن لم تكن، ووجودها مباين لوجود الله ، فليس الخالق حالاً في المخلوقات، ولا المخلوقات حالة في الله .
ولهذا فإن الحديث فيه متقرب ومتقرَّب إليه، وفيه سائل ومسئول: (ولئن سألني لأعطينه)، وفيه مستعيذ ومستعاذ به: (ولئن استعاذني لأعيذنه).
وفرق بين الخالق والمخلوق، فلا يكون الخالق حالاً في المخلوق، ولا المخلوق حالاً في الخالق، بل الله مباين للمخلوقات، فليس هناك حلول، وإنما المعنى هو أن الله تعالى يسدده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، فلا يستعمل هذه الوسائل وهذه النعم إلا فيما يعود عليه بالخير، وهذا نتيجة كون الإنسان يحصل محبة الله بفعل الفرائض والإتيان بالنوافل مع ذلك، فيجلب بذلك محبة الله له، وإذا أحبه سدده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه وجميع تصرفاته، فتكون حركاته وتصرفاته لله، وذلك في طاعة الله وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 925
الولاية واستجابة الله دعاء وليه
إن مع ما سبق يحصل الثواب، وتحصل الإجابة في دعائه إذا سأل الله ، قال: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ففي ذلك جمع بين الترغيب والترهيب، وبين تحصيل ما هو مطلوب والسلامة مما هو مرهوب، فتحصيل ما هو مطلوب مرغوب هو كونه يعطيه ما يسأل، وكذلك يستعيذ به مما هو مرهوب ومخوف فيعيذه الله ، ويكون بذلك قد حَصَّل الخير لأنه سأل الله تعالى فأعطاه، وسلم من الشر لأنه استعاذ بالله فأعاذه.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 926
الأسئلة
стр. 927
حكم ترك المعصية خوفاً وحياءً من الناس
السؤال
إذا ترك العبد السيئة التي هم بها من غير خوف من الله ﵎ وإنما تركها خوفاً من الناس وحياءً منهم، فما حكمه؟
الجواب
هذا لا يحصل له أجر؛ لأن الله ﵎ هو الذي يجب أن يُخاف وأن يستحيا منه، ولا ينبغي للمسلم أن يكون الناس همه، وإنما يكون همه خوف الله .
والذي يجعل الناس همه ويخشى الناس ولا يخشى الله هو على خطر عظيم.
وقد يقال: هل في هذه الحالة يعاقب بتقديم خوف الناس على خوف الله؟ فأقول: الله تعالى أعلم، لكنه يكون بهذا الوصف قد عمل سوءاً واستحق العقوبة، والله تعالى أحق أن يخشى.
стр. 928
جريمة معاداة الصحابة رضي الله تعالى عنهم
السؤال
في قوله (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ألا يكون أعظم أولياء الله هم الصحابة، وعليه فمن عاداهم فإن الله قد آذنه بالحرب؟
الجواب
لا شك، وهذا هو الواقع، فهذه الأمة هي خير الأمم، وخير هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ والجهاد معه والذب عنه والدفاع عنه، وتلقي الكتاب والسنة عنه وإيصالهما إلى الناس، فهم خيار أولياء الله وسادات أولياء الله بعد النبيين والمرسلين، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهم سادات هذه الأمة، وهم خيارها، وهم أفاضلها، وهم الذين يلون الأنبياء والمرسلين؛ لأن خير البشر هم الرسل والأنبياء ﵈، ويليهم أصحابهم وأتباعهم، ومعلوم أن خير أمم الرسل أمة نبينا محمد ﷺ ، وخير أمة محمد ﵊ هم أصحاب رسول الله ﷺ ، والذي يعاديهم إنما يعادي خيار أولياء الله الذين هم المقدمون على غيرهم بعد الأنبياء والمرسلين، ولا شك أن من حصل منه ذلك فإنه قد جنى على نفسه، وجلب أنواع الضرر وأنواع الشر إلى نفسه، وذلك ببغضه وبحقده وبِغِلِّه على خيار هذه الأمة والذين قال فيهم الرسول ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
стр. 929
المحبة وفعل المعاصي
السؤال
إذا كان الإنسان يسمع القول الفاحش ويبصر المحرمات ويرتكبها، فهل هذا معناه أن الله لم يحبه؛ إذ لو أحبه لسدده؟
الجواب
الإنسان الذي يسمع القول الفاحش وسائر ما حرم الله، وكذلك ينظر إلى ما حرم الله، ذلك إنسان لم يحصل له التسديد، وإنما حصل له أن ابتلي، وأن أقدم بنفسه وبمشيئته وإرادته إلى استعمال هذه النعم فيما حرم الله تعالى استعمالها فيه، وحصول هذه الأشياء منه لا يصل به إلى حد الكفر كما هو معلوم من مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب المعاصي بأنهم عندهم إيمان وعندهم نقص في الإيمان، فيوصف من ارتكب كبيرة أو فعل أمراً محرماً بأنه مؤمن ناقص الإيمان، فلا يعطونه الإيمان الكامل، ولا يسلبونه مطلق الإيمان، وإنما هو مؤمن ناقص الإيمان.
وذلك بخلاف الطرفين المقابلين للوسط، وهما طرفا التفريط والإفراط، طرف التفريط الذي فيه المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
وطرف الخوارج والمعتزلة الذين يخرجونه من الإيمان بارتكابه الكبيرة، ويحكم الخوارج بكفره، وهو في منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، مع اتفاقهم جميعاً على تخليده في النار، وأنه لا فرق بينه وبين الكفار في الخلود؛ لأنه إما محكوم بكفره -كما هو عند الخوارج- وإما خرج من الإيمان وإن لم يدخل في الكفر كما هو قول المعتزلة.
стр. 930
ارتباط الولاية بسلامة الجوارح من الآثام
السؤال
من يريد أن يعرف ولايته لله قوة أو ضعفاً أو عدماً فهل ضابط ذلك أن ينظر إلى جوارحه ومدى امتثالها لأوامر الله؟
الجواب
نعم، لا شك أن هذا من الوسائل التي بها يعرف كون الإنسان مستقيماً أو غير مستقيم؛ لأن هذه الجوارح جعلها الله نعماً أنعم بها على الإنسان، فأعطاه السمع والبصر والأيدي التي يبطش بها والأرجل التي يمشي بها، فإذا استعملها فيما يعود عليه بالخير فهذه علامة الولاية، وإذا استعملها في غير ذلك، فهذا علامة عدم الولاية.
стр. 931
معنى حرب الله ﷻ لمعادي أوليائه
السؤال
ما معنى حرب الله لمن عادى أولياءه؟
الجواب
معنى ذلك أن معادي أولياء الله محارب لله والله محاربه، ومعلوم أن من كان كذلك فقد باء بكل شر ورجع بكل بلاء؛ لأن محاربة الله لا طاقة للعبد بها.
ومن المحاربين لله تعالى أكلة الربا، والله تعالى محارب لهم، ومعنى ذلك أنه ليس لهم ولاية، وإنما هناك الحرب التي تكون بينهم وبين الله، فيكفي ذلك في بيان منتهى سوئهم وخبثهم، ولهذا فإن مثل هذا التعبير ومثل هذا اللفظ يدل على أن معاداة أولياء الله من الكبائر، وأن أمرها خطير وليس بالأمر الهين.
стр. 932
دلالة ترك ذكر المنهيات في حديث الولاية
السؤال
في حديث الولاية لم يُذكر ترك المنهيات، وإنما ذُكر أداء الواجبات والنوافل، فهل يفهم منه أن فعل الواجبات أعظم من ترك المنهيات؟
الجواب
معلوم أن ما افترض الله هو أوامر ونواهٍ، والأوامر مطلوب الإتيان بها، والنواهي مطلوب تركها، فليس أداء الفرائض مقصوراً على العبادات الفعلية، بل يدخل فيه ترك المحرمات.
أما القول بأن ترك الواجب أعظم من فعل الأمر المحرم، فنقول: كل منهما سيئ، ولكن ترك الواجب أعظم من فعل المحرم، وإنما طرد إبليس اللعين وأبعد لأنه ترك الواجب الذي أوجبه الله عليه، وهو السجود لآدم ﵇.
стр. 933
سبيل معرفة ولي الله والبعد عن أذاه
السؤال
الولاية لا سبيل إلى الجزم بها لأحد معين، فكيف السبيل إلى البعد عن معاداة الأولياء، نرجو إيضاح الناحية العملية المطلوبة في هذا الحديث؟
الجواب
معلوم أنه لا أحد يجزم له بأنه من أهل الجنة، ولكن من عرف بالصلاح والتقى وبانطباق الإيمان والتقوى عليه فيما يظهر للناس، فهذا هو السبيل الذي يمكن أن يعرف ويميز به من يكون ولياً لله ممن يكون عدواً لله ، نعم لا أحد يقطع بنهايته وأنه من أهل الجنة، ولكن الناس يرون ويشاهدون من هو من أهل الصلاح، ومن هو من أهل الفساد، ومن هو من أهل الاستقامة ومن هو من أهل الإعراض عن الله .
стр. 934
حكم تخصيص الولاية وحصرها في أشخاص
السؤال
هل صحيح ما تقوله الصوفية من أن الولاية ومنزلة الولي لا تنبغي لكل أحد، بل هي لأناس مخصوصين؟
الجواب
كلا، فهذا احتكار للولاية حتى لا تحصل إلا لأناس يزعمون الولاية أو تُزعم لهم، ثم يعبدون من دون الله، أو تُعمل معهم أمور لا تليق إلا بالله .
وولاية الله سهلة ميسورة، ليس فيها إلا كون الإنسان يقبل على طاعة الله ويبتعد عن محارم الله، وبذلك يكون من أولياء الله كما قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
стр. 935
دعوى الولاية لأصحاب الأضرحة وحمل نفي ضررهم ونفعهم على معاداتهم
السؤال
بعض الناس يرى أن الولاية هي لأصحاب الأضرحة والقباب، وأن من لا يعتقد أنهم ينفعون ويضرون فهو ممن عاداهم، فما صحة هذا الأمر؟
الجواب
هذا من البلاء، ومن مكائد الشيطان وتلاعبه بكثير من الناس، وهذه نتيجة لاحتكار الولاية وحصرها في أشخاص معينين، ثم بعد ذلك يتعلق بهم، وتصرف لهم الأمور التي لا تليق إلا بالله والأشياء التي لا تطلب إلا من الله ، كأن يستغاث بهم، ويطلب منهم كشف الكروب، ورد الغائب، وما إلى ذلك من الأمور التي يحتاج إليها الناس، كل ذلك نتيجة لهذه المزاعم الباطلة ولهذه الظنون الكاذبة، وولاية الله قد بينها الله في كتابه فقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
والواجب هو الحذر من الافتتان بالقبور، وبناء المساجد عليها لا يجوز، وكذلك دفن الموتى في المساجد غير جائز، وكل ذلك محرم، وهو من الأسباب التي توقع الناس في الشرك وتوقعهم في التعظيم للمخلوقين الذي يؤدي بهم إلى الشرك، والعياذ بالله.
стр. 936
طلب الولاية بالاقتصار على باب من النوافل
السؤال
من اجتهد في باب من أبواب النوافل فهل يظفر بمحبة الله تعالى أم لا بد من أن يجتهد في جميع النوافل؟
الجواب
معلوم أن الفرائض هي الأساس، وكونه يتقرب إلى الله بالنوافل المختلفة لا شك أن هذا أكمل، أعني كونه يأتي بنوافل الصلاة، ونوافل الصدقة، ونوافل الصيام، ونوافل الحج، وسائر النوافل في وجوه الخير، فلا شك أن هذا هو الكمال، والناس يتفاوتون في ذلك، ومحبة الله تحصل بفعل الفرائض وأداء النوافل، ولكن على الإنسان أن يحرص على أن يكون له نصيب من جميع وجوه الخير، ولا يقصر نفسه على باب من أبواب الخير ثم يهمل الأبواب الأخرى، بل يحرص على أن يكون له نصيب من هذه الأبواب.
стр. 937
محبة الله وعلامتها
السؤال
هل حديث الولاية يدل على أن الله تعالى لا يحب إلا من أحبه؛ لأنه لا يتقرب إليه بالنوافل إلا من أحبه؟
الجواب
هناك محبة صحيحة مبنية على الاتباع، وهناك دعاوى للمحبة، والدعاوى ليس لها قيمة، وإنما العبرة بالاتباع الذي يكون مع ادعاء المحبة.
فكون الإنسان يحب الله بالادعاء لا قيمة لادعائه، ولكن إذا أقيمت البينة على هذه الدعوة -وهي الاتباع للرسول ﷺ فذلك الذي تحصل به محبة الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فليس فما هو اتباع محبة مدعاة دون أن يكون لها حقيقة، حيث تكون الدعوى موجودة والمخالفة موجودة، فيدعي المحبة ويأتي بشيء يخالف مقتضاها، وذلك بفعل ما حرمه الله وترك ما أوجبه الله .
فالمحبة الحقيقية التي تثمر محبة الله هي المحبة التي تكون مبنية على الاتباع وعلى فعل المأمورات وترك المنهيات والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحات.
стр. 938
حكم زيادة (حتى أجعله عبداً ربانياً يقول كن فيكون) في حديث الولاية
السؤال
هل وردت في حديث الولي زيادة: (حتى أجعله عبداً ربانيا يقول كن فيكون)؟
الجواب
هذا كلام لا يستقيم، ولا يكون الإنسان بهذه المنزلة وبهذا الوصف حيث يقول للشيء: (كن) فيكون، هذا لا يحصل إلا لله ، فهو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأما المخلوق فإنه لا يقول للشيء: (كن) فيكون، وما جاء شيء في هذا أبداً.
стр. 939
لفظ التردد الوارد في حديث الولاية
السؤال
جاء في آخر حديث الولاية من طريق آخر: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) فهل يؤخذ من هذا إثبات صفة التردد، وما معنى هذا؟
الجواب
الحديث ورد، وهو بقية هذا الحديث في صحيح البخاري، والحديث أورده البخاري في (كتاب الرقائق) في (باب التواضع) فذكر الحديث وفي آخره هذه الجملة: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته) والمقصود من ذلك أن العبد يكره الموت، ويكره الشدة التي تكون عند الموت، والله يكره مساءته، ولا بد له من الموت؛ لأنه ينتقل إلى خير؛ لأنه يلقى الله فيجازيه على ما قدم من أعمال، فيكون في ذلك خير له، وإن كان حصول ذلك له بشيء يكرهه وهو الموت، فمعنى ذلك أنه يكون محبوباً من جهة ومبغوضاً من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك، وهذا نظير الشيب الذي قال عنه القائل: الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب يقول: الشيب كره وأكره أن أفارقه؛ لأنَّه إذا نظر إلى ما قبله -وهو الشباب- صار الشيب غير مرغوب فيه، ولكن إذا نظر إلى ما بعده -وهو الموت- صار مرغوباً فيه، فيكون محبوباً باعتبار ومبغوضاً باعتبار.
فمن ذلك كون العبد يكره الموت والله تعالى يكره مساءته، فهو من هذا القبيل.
وأما قضية التردد بالمعنى الذي يدل على عدم العلم بما هي عليه الأمور مما يحصل من الناس فهذا لا يضاف إلى الله ؛ لأن الله تعالى عالم بكل شيء، وعالم ببواطن الأمور، وعالم بنهاية الأمور ولا يخفى عليه شيء، وإنما ذكر هذا من أجل بيان ما يحصل للعبد من كونه يكره الموت والله تعالى يكره مساءته.
стр. 940
الولاية وكراهة الموت
السؤال
كيف يكون العبد ولياً لله وهو يكره الموت ولقاء الله ؟
الجواب
الله تعالى جبل الناس على عدم محبة الموت، وهذا لا ينافي ولاية الله .
ثم إنه قد يكون طول البقاء مع الاستقامة خيراً للإنسان، وكون الإنسان يحب أن يعيش وهو على خير مداوم على العبادة فيه زيادة كمال وزيادة أعمال وزيادة قربات يتقرب بها إلى الله ، وإنما البقاء وطول العمر مع المعاصي هو الذي يكون ضاراً، ويعود على صاحبة بالضرر.
стр. 941
الفرق بين الحلول ووحدة الوجود
السؤال
نرجو توضيح الفرق بين الحلول ووحدة الوجود؟
الجواب
كلها أمور قبيحة وأمور سيئة، وكلها مخالفة، والفروق الدقيقة بينها لا أستحضرها.
стр. 942
درجات الولاية
السؤال
هل في حديث الولاية دلالة على أن الأولياء على درجتين: درجة من يفعل الفرائض، ودرجة من يفعل المستحبات؛ لقوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل)؟
الجواب
لا شك أن هذا كله داخل في ولاية الله تعالى، فالذي يأتي بالفرائض من أولياء الله، والذي يزيد عليها النوافل أعظم ولاية لله وأمكن في هذا الوصف، وإلا فإن كل من كان مؤمناً تقياً هو من أولياء الله تعالى، إلا أن هذا مقتصد وهذا سابق بالخيرات، وهم متفاوتون.
стр. 943
فرح العبد بعد تركه المعصية لمانع غير خوف الله
السؤال
من ترك سيئة لعجزه عنها أو لصارف صرفه، ثم بعد ذلك فرح لأنه قد منع منها فهل يؤجر على ذلك؟
الجواب
لا شك أنه يؤجر على ذلك، فإذا كان امتناعه في الأصل عجزاً، ولكنه بعد ذلك سر وفرح، فلا شك أنه يؤجر على هذا الفرح وعلى هذا السرور.
стр. 944
حكم الحرص على عمل السيئة ثم تركها لعجز عنها
السؤال
هل يأثم المسلم إذا هم بالسيئة مع الحرص على عملها ثم عجز عنها؟
الجواب
أي نعم، يأثم.
стр. 945
تجاوز الله تعالى عن الخواطر ومعناه
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم)؟
الجواب
المراد بذلك الخواطر التي تهجم وحديث النفس الذي يهجم على الإنسان، وأما شيء يخطر في ذهن الإنسان، ويتابعه ويفكر فيه وهو شغله الشاغل وهمه، ولا يبعده عن نفسه، وإنما يجلبه على نفسه، فهذا هو الذي يحصل له الضرر بسببه.
стр. 946
معنى قول السلف: الويل لمن غلبت آحاده عشراته
السؤال
ما معنى قول بعض السلف: (الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، فالويل لمن غلبت آحاده على عشراته)؟
الجواب
هذا كلام ينسب إلى ابن مسعود ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، وقال: يعني أن الله يضاعف الحسنات، والحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة.
وقال: إن كون الإنسان تغلب آحاده عشراته، فهذا يعني أنه مذموم؛ لأن معنى ذلك أن الأشياء المحرمة والأشياء التي تكون السيئة منها بمثلها تكون هي الأكثر، وتغلب على العشرات التي هي الحسنات؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، فلا شك أن هذا ذم ووصف سيئ، والأصل أن الإنسان يحرص على زيادة حسناته وأن تكون سيئاته متلاشية مضمحلة.
стр. 947
دلالة قوله: (إن الله كتب) على إثبات صفة الكتابة
السؤال
في الحديث: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) فهل فيه إثبات صفة الكتابة؟
الجواب
معلوم أن المقصود بذلك القدر، والله كتب مقادير الخلائق، فحين خلق القلم قال: (اكتب.
فجرى بما هو كائن).
وأما نفس الكتابة فقد جاء أنه تعالى كتب التوراة بيده، وأما ما جاء في الحديث فالمراد به إما كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وذلك بالقلم الذي أمر، أو المراد به كتابة الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات.
стр. 948
اشتراك الناوي والعامل في الأجر والوزر
السؤال
في الحديث: (إنما الدنيا لأربعة نفر) فقال في الثاني: (فهما في الأجر سواء) وقال في الرابع: (فهما في الوزر سواء) فنرجو التوضيح؟ الشيخ: هذا بالنسبة للأصل، وليس مع المضاعفة والتضعيف، وإنما هو باعتبار الأصل.
стр. 949
معاداة ساب العلماء والطاعن فيهم لله تعالى
السؤال
هل من معاداة الله سب العلماء والطعن فيهم والتحذير من مجالسهم؟
الجواب
هذا من معاداة أولياء الله ، وكون الإنسان يسب العلماء ويحذر منهم وينال منهم هذا فيه صرف الناس عن الاستفادة من علمهم، وقطع الطريق الموصلة إلى النفع، ولاشك أن هذا من الأمور الخطيرة، والأمور الضارة لمن يبتلى بشيء من ذلك.
стр. 950
مقالة لابن دقيق العيد في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به)
السؤال
قال ابن دقيق العيد: في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به) قال: إنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك، فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله؟
الجواب
لا أدري ما معنى هذا الكلام! اللهم إلا إذا كان المراد به الإنسان المشغول بذكر الله، وذكر الله ليس قول (لا إله إلا الله) و (سبحان الله) و (الحمد لله)، بل هو كل عبادة الله ؛ لأنه كله ذكر لله ، فالصلاة من ذكر الله، وقراءة القرآن من ذكر الله، والتسبيح من ذكر الله، والتهليل من ذكر الله، فقد يكون معنى هذا أنه لا يسمع إلا ما هو خير، أو أنه لا يريد أن يسمع إلا ما هو خير، وأنه إذا خوطب بشيء غير ذلك لا يسمع ولا يريد أن يسمع، فلعل هذا هو المعنى.
следующие страницы →