Полный текст (761 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الكلام على أعلم وأرى
стр. 282
تعدية (علم ورأى) بالهمزة إلى ثلاثة مفاعيل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أعلم وأرى: إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صارا أرى وأعلما وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضاً حققا وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلا والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبأ كذاك خبرا] قوله: (أعلم وأرى)، هذا عنوان باب، وهو في الحقيقة كالفصل لما سبق؛ لأنه متعلق به تعلقاً مباشراً، و (أعلم) أصلها: عَلِم، دخلت عليها همزة التعدية فصارت (أعلم)، تقول: علم زيدٌ عمراً قائماً، أي: علم زيد أن عمراً قائم، فإذا أدخلت عليها الهمزة قلت: أعلمَ الرجلُ زيداً عمراً قائماً، فـ (زيد) كان في الأول مرفوعاً، وصار الآن منصوباً لدخول همزة التعدية، ولهذا قال: (إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صارا أرى وأعلما) قوله: (إلى ثلاثة): جار ومجرور متعلق بـ (عدوا).
رأى: مفعول (عدوا)، فإذا قال قائل: كيف تكون مفعولاً وهي فعل؟ قلنا المقصود اللفظ.
وعلما: الواو حرف عطف، علما: معطوف على ما قبله.
(إذا صارا) أي: رأى وعلم (أرى وأعلما)، فإذا صارا أرى وأعلما تعديا إلى ثلاثة.
وقوله: (عدوا) يحتمل أن يكون المراد النحويين، ويحتمل أن يكون المراد العرب، والأولى هنا العرب؛ لأن الحديث عن لسانهم.
مثاله: علم زيدٌ عمراً قائماً، نقول في الإعراب: علم: فعل ماض.
زيدٌ: فاعل.
عمراً: مفعول أول.
قائماً: مفعول ثان.
وإذا قلنا: أعلمت زيداً عمراً قائماً، تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، فصار الفاعل أولاً مفعولاً من أجل التعدية.
وأرى كذلك، تقول: رأى زيدٌ عمراً قائماً، أي: علمه، وليس المقصود أبصره بعينه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧].
فإذا أردت أن أعديه إلى ثلاثة أقول: أريت زيداً عمراً قائماً، أي: أعلمته، فنجد الآن أنها تعدت إلى ثلاثة مفاعيل.
стр. 283
ما ثبت لمفعولي (علم) يثبت للثاني والثالث من مفاعيل أعلم وأرى
وحكم هذه المفاعيل الثلاثة بينه ﵀ بقوله: (وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضاً حققا) ما: مبتدأ لأنها اسم موصول، والتقدير والذي لمفعولي علمت مطلقاً.
وجملة (حققا) خبر لاسم الموصول (ما)، أي: أن ما ثبت لمفعولي (علم) في جميع الأحوال يثبت للمفعول الثاني والثالث لـ (أرى وأعلم).
وقد سبق أن لها أحكاماً منها: الإلغاء والتعليق، فيثبت هنا للثاني والثالث كما ثبت لمفعولي (علم).
أما الأول فلا يثبت له أحكام مفعولي ظن وأخواتها، وذلك لأن الأول ليس عمدة بخلاف الثاني والثالث فإن أصلهما المبتدأ والخبر.
стр. 284
ما يتعدى لواحد من الأفعال يتعدى لاثنين بالهمزة ويثبت لثانيهما ما يثبت للثاني من مفعولي كسا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلا) قوله: (إن تعديا) الضمير يعود على (علم ورأى).
(لواحد بلا همز) وذلك كعلم التي بمعنى (عرف)، تقول: علمت زيداً أي: عرفته، فهنا تعدى لواحد، فإذا تعديا لواحد فدخلت عليهما الهمزة تعديا لاثنين؛ لأن هذه الهمزة تسمى همزة التعدية، حيث إنها تعدي الفعل إلى ما لم يتعد إليه من قبل.
تقول: رأى زيدٌ عمراً، هذه الرؤية بصرية، وهي تنصب مفعولاً واحداً، فإذا قلت: أريت زيداً عمراً، أي: جعلته ينظر إليه، نصبت مفعولين؛ لأنها كانت قبل الهمزة تنصب مفعولاً واحداً، فعندما دخلت عليها الهمزة نصبت مفعولين.
يقول ﵀: (والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به كل حكم ذو ائتسا).
قوله: (والثان منهما) أي: الثاني من المفعولين فيما إذا تعديا إليه بالهمز، (كثاني اثني كسا)، وثاني اثني (كسا) ليس عمدة ويجوز حذفه بكسرة، ولهذا قال: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا).
والفعل (كسا) ينصب مفعولين، لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، ولهذا لا يصح أن يخبر بالثاني عن الأول، مثاله: كسوت زيداً جبةً، فهنا نصبت مفعولين، لكن هذين المفعولين ليسا بعمدة، ولهذا لو حذفت الثاني فقلت: كسوت زيداً، لصح، ولو حذفت الأول فقلت: كسوت جبة، لصح الكلام، ولو حذفتهما جميعاً فقلت: اليوم كسوت، لصح أيضاً؛ لأنهما ليسا بعمدة.
وعلامة ما يكونان عمدة: أن يصح الخبر بالثاني عن الأول، ومن المعلوم أنه لا يصح أن تخبر عن زيد بالجبة، فلا تقل: زيد جبة.
قوله: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا) هذا الشطر تكميل لمضمون الشطر الأول؛ إذ إن الأول يغني عنه، فلو قال: والثاني منهما كثاني اثني كسا، لكان العموم يقتضي أن يكون مساوياً له في كل حكم، لكنه أكد ذلك في قوله: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا).
стр. 285
الأفعال التي تعمل عمل (أرى)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبأ كذاك خبرا) ذكر المؤلف خمسة أفعال كأرى، وهي: نبّأ، أخبر، حدث، أنبأ، خبَّر.
وقوله: (كأرى السابق) أي: الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فتقول: أخبرت زيداً عمراً قائماً، فهنا نصبت ثلاثة: الأول فضلة، والثاني والثالث عمدة.
وتقول: حدثت زيداً عمراً قادماً، الأول فضلة والثاني والثالث عمدة.
وتقول: أنبأت زيداً عمراً مجتهداً، خبرت زيداً عمراً فاهماً، ونبأ مثل أنبأ، فهذه الأفعال الخمسة تنصب ثلاثة مفاعيل: الأول منها فضلة والثاني والثالث عمدة.
ولو قلت: أخبرت زيداً، دون أن تريد أنك أخبرته بشيء، فلا تنصب ثلاثة مفاعيل، وكذلك: رأيت زيداً، لا تنصب ثلاثة مفاعيل، فهي كما سبق في رأى.
يقول في الشرح: وهذه الخمسة لا تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل مصرحاً بها وإلا وهي مبنية للمفعول، كقوله: نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إلي غرائب الأشعار نكمل الإعراب: قوله: (وإن تعديا لواحد): هذه جملة شرطية.
تعديا: فعل الشرط، وجواب الشرط: (فلاثنين به توصلا)، والجواب كلمة (توصل)؛ لأن قوله: (لاثنين) متعلق بتوصل.
قوله: (بلا همز) بلا جارٌ ومجرور، ومعلوم أن الباء حرف جر، و (لا) حرف، وحرف الجر لا يدخل إلا على اسم، فقال بعضهم: إن (لا) هنا بمعنى (غير)، أي: بغير همز، ونقلت حركة إعرابها لما بعدها لتعذر ظهور الحركة عليها، وعليه فنقول: الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى (غير) مجرور بالباء، ونقلت حركة إعرابه إلى ما بعده لتعذر ظهور الحركة عليه.
وقوله: (والثان منهما كثاني اثني كسا): الثاني: مبتدأ، والخبر: كثاني.
اثني كسا: اثني: مضاف، وكسا: مضاف إليه.
وقوله: (فهو به في كل حكم ذو ائتسا) نقول: الجملة خبرية، فالضمير (هو) مبتدأ، (ذو ائتسا) خبر المبتدأ.
قوله: (وكأرى السابق نبا أخبرا).
كأرى: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
السابق: صفة له.
نبا: مبتدأ، وأعربناه بأنه مبتدأ مع أنه فعل لأن المقصود لفظه.
أخبرا: معطوف على (نبأ) بحذف حرف العطف من أجل النظم.
حدث أنبأ: مثلها معطوفة لكن بحذف حرف العطف لأجل النظم.
كذاك: خبر مقدم.
خبرا: مبتدأ مؤخر، والمقصود لفظه.
стр. 286
شرح ألفية ابن مالك [٣٠]
لكل فعل فاعل، والفاعل عند النحاة من قام بالفعل أو اتصف به؛ وله عندهم أحكام من حيث توحيد الفعل معه أو تثنيته أو جمعه، ومن حيث تذكير الفعل معه أو تأنيثه، ومن حيث تقديمه على الفاعل أو العكس.
стр. 287
الفاعل
стр. 288
تعريف الفاعل
الفاعل في اللغة العربية: كل من وقع منه الفعل فهو فاعل، حتى إذا قلت: زيدٌ قائم، فزيد في اللغة العربية فاعل؛ لأنه وقع منه الفعل، لكن الفاعل في الاصطلاح يقول: [الفاعل الذي كمرفوعي أتى زيد منيراً وجهه نعم الفتى] أي أن الفاعل هو مرفوع وصف أو فعل قائم به أو واقع منه.
فإذا قيل: مات الرجل، فهذا فعل قائم به؛ لأنه ليس واقعاً منه، وإذا قيل: أكل الرجل، فهو واقع منه.
والوصف مثل أن تقول: أقائم زيد؟ فزيد فاعل، والفعل مثل أن تقول: قام زيدٌ، فزيد فاعل.
ولكن ابن مالك ﵀ يقول: (زيدٌ منيراً وجهه)، (وجهه) هنا فاعل (منير)، فالعامل هنا وصف، و (نعم الفتى) العامل فعل، لكنه ﵀ عبر بـ (منيراً وجهه) ليبين أنه لا فرق بين الفعل واسم الفاعل، و (نعم الفتى) ليبين أنه لا فرق بين الجامد والمتصرف؛ لأن (نعم) فعل جامد.
قوله: (الفاعل الذي كمرفوعي أتى): الفاعل: مبتدأ.
الذي: خبر.
كمرفوعي أتى: شبه جملة، صلة موصول متعلق بمحذوف تقديره: الذي كائن وقوله: (كمرفوعي أتى زيدٌ منيراً وجهه نعم الفتى) كله مجرور بإضافة (مرفوعي) إليه؛ لأن المراد به المثال، فهو بمنزلة المفرد.
стр. 289
تأخر الفاعل عن الفعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعد فعل فاعل فإن ظهر فهو وإلا فضمير استتر] قوله: (وبعد فعل فاعل) بعد: خبر مقدم.
فاعل: مبتدأ مؤخر.
(فإن ظهر فهو) أي: فهو الفاعل، وقد تبين، (وإلا) أي: وإلا يظهر (فضمير استتر)، أي: فهو ضمير مستتر.
إذاً: كل فعل لابد له من فاعل، لكن لا يكون فاعلاً اصطلاحاً إلا إذا وقع بعد الفعل، فتقول: أقام زيدٌ، فزيد فاعل، أما: أزيد قائم، فليس زيد فاعلاً بل هو مبتدأ، وفي (قائم) ضمير مستتر يعود على زيد.
قوله: (وبعد فعل فاعل)، ويستفاد من هذه الجملة أيضاً أن الفاعل لا يتقدم على الفعل، فلا تقل: الزيدان قام، على أن (الزيدان) فاعل، و (قام) فعل مؤخر؛ لأنه لا يمكن أن يتقدم الفاعل، وتقول في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]: السماء: فاعل لفعل محذوف، ولا تجعلها فاعلاً لانشقت؛ لأن الفاعل لابد أن يكون بعد الفعل.
وقال الكوفيون: يجوز أن يتقدم الفاعل على الفعل، فتقول في: (زيدٌ قام): قام: فعل ماض لا محل له من الإعراب، وفاعله زيد المتقدم.
وهذا لا شك أسهل، وما ذهب إليه البصريون أقرب إلى القواعد.
لكن لو قال قائل: من حيث الترتيب أيهما أقدم الفعل أو الفاعل؟ نقول: الفاعل؛ لأن الفعل وصف يقوم به، أو فعل يفعله، فهو متقدم لكن لا عبرة بذلك.
قوله: (فإن ظهر فهو) إن ظهر: جملة شرطية.
فهو: الفاء رابطة للجواب، و (هو) مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير فهو الفاعل.
(وإلا) أي: وإلا يظهر (فضمير استتر)، أي: فالفاعل ضمير استتر أي: اختفى.
مثال ذلك: الرجل قام، فهنا لا نجد أمامنا فاعلاً ظاهراً، فنقول: قام: فعل ماض، والفاعل مستتر جوازاً تقديره هو.
وقد تبين لي من قول المؤلف: (كمرفوعي أتى زيد منيراً وجهه نعم الفتى) أنه يشير إلى ما كان مرفوعاً بفعل وما كان مرفوعاً باسم، فهما كمرفوعي: أتى زيد منيراً وجهه، ونعم الفتى، هذا تكميل لما رفع بالفعل، أي: لما كان عامله فعلاً، إلا أنه يفرق بين قوله: (نعم الفتى) وبين قوله: (أتى زيدٌ)؛ بأن (نعم الفتى) فعلها جامد، و (أتى زيد) فعلها متصرف.
والمهم أن الفاعل هو الذي يقع بعد الفعل أو ما كان بمعناه مرفوعاً به.
وهل يمكن أن يكون الفاعل قبل الفعل؟
الجواب
على كلام المؤلف لا يمكن؛ لأنه قال: (وبعد فعل فاعل)، وقيل: يجوز أن يتقدم الفاعل على الفعل، ويظهر أثر ذلك في المثال، فإذا قلنا بعدم الجواز قلنا: الرجلان قاما، وإذا قلنا: بالجواز قلنا: الرجلان قام، بدون ألف؛ لأنه على الأول يكون الرجلان: مبتدأ، وقاما: فعلاً وفاعلاً، والجملة خبر المبتدأ، وعلى الثاني يكون الرجلان فاعلاً مقدماً، وقام فعلاً مؤخراً.
وقد ذكرنا قاعدة سبقت نعتبرها أصولية عظيمة في باب النحو، ألا وهي: إذا اختلف النحويون في شيء أخذنا بالأسهل.
وقوله: (وإلا فضمير استتر) أي: وإلا يظهر فهو ضمير استتر وجوباً أو جوازاً، فإن كان تقديره: (أنا أو نحن أو أنت) فهو مستتر وجوباً، وإن كان تقديره: (هو أو هي) فهو مستتر جوازاً.
وقيل: إنه مستتر وجوباً مطلقاً؛ لأنك إذا قلت: قام هو، وأظهرت الضمير لم يكن هذا الضمير فاعلاً بل توكيد، لكن المشهور ما ذكرناه أنه ينقسم إلى مستتر وجوباً ومستتر جوازاً.
стр. 290
تجريد الفعل من علامة التثنية والجمع إذا كان الفاعل مثنى أو مجموعاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع كفاز الشهدا وقد يقال سعدا وسعدوا والفعل للظاهر بعد مسند] قوله: (جرد): فعل أمر.
إذا ما أسند: ما هذه زائدة؛ لأنها أتت بعد إذا، وقد قيل: يا طالباً خذ فائدة ما بعد إذا زائدة وزيادة (ما) أحد المحامل العشرة التي تأتي إليها (ما)، وقد جمعت في هذا البيت.
محاملها عشر إذا رمت عدها فحافظ على بيت سليم من الشعر استفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكف ونفي زيد تعظيم مصدر فهذه عشرة محامل ذكرت في البيت ومنها: الزيادة، ومن ضوابط الزيادة: أن تأتي (ما) بعد (إذا).
فقوله: (إذا ما أسند) أي: إذا أسند.
(لاثنين) كقام الرجلان.
(أو جمع كفاز الشهداء) هذه هي اللغة المشهورة التي جاءت في القرآن: أن الفعل إذا أسند إلى اثنين أو جمع وجب تجريده من الضمير، أما إذا أسند إلى الواحد فلا يحتاج إلى ضمير، فتقول: قام الرجل.
إذاً: هذا هو المشهور من لغة العرب وبه نزل القرآن الكريم، فإن قال قائل: كيف تجيبون عن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٧١]؟ قلنا: لا نسلم أن قوله: (كثير) فاعل، بل هو بدل بعض من كل؛ لأن قوله: (ثم عموا وصموا) هذا للعموم، و (كثير منهم) أخرج البعض، فهو في الحقيقة بدل من الواو، ونحمله على ذلك وجوباً؛ لأن القرآن إنما نزل باللغة الفصحى، واللغة الفصحى لا يصح أن يتحمل الفعل فيها ضمير اثنين أو ضمير جمع.
قال المؤلف: (وقد يقال سعدا وسعدوا والفعل للظاهر بعد مسند قوله: (قد يقال) القائل هم العرب؛ لأنهم يحكمون ولا يحكم عليهم، أي: قد يقول بعض العرب: سعدا الرجلان، وسعدوا القوم.
(والفعل للظاهر بعد مسند) أي: بعد هذا يأتي مسنداً إلى الفاعل، فيقال: سعدا الرجلان، سعدوا المسلمون، والفصحى: سعد الرجلان، سعد المسلمون.
وقد أفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (وقد يقال): أنها لغة ضعيفة؛ لأن (قد) تفيد التقليل، وتسمى هذه اللغة: لغة (أكلوني البراغيث)، وهذا رجل تعب من البراغيث حيث جعلت تصعد على جسمه وتقرصه وتؤذيه فجعل يقول: أكلوني البراغيث، فهي لغة، وهذه اللغة تجعل الواو علامة جمع فقط ليس لها محل إعراب، فتقول عليها: أكلوني: فعل ماض، والواو علامة الجمع، والنون للوقاية، والياء مفعول به.
البراغيث: فاعل مرفوع بضمة ظاهرة على آخره.
واللغة الفصحى في التركيب أن تقول: أكلني البراغيث، وأكلك البراغيث، ولا تأتي بعلامة الجمع.
ولو أنني صححت ورقة إجابة طالب كتب: قالوا المسلمون كذا وكذا، وقالوا الكفار كذا وكذا، فهل أعتبر هذا خطأً أم صواباً؟ أعتبره خطأ، ولو احتج فقال: هذه لغة بعض العرب وأنا من هؤلاء البعض؟ أقول له: أنت من هؤلاء البعض فأنت معذور باجتهادك، لكني أنا من البعض الآخر فلابد أن أصحح على ما أعتقد، ولو أننا تتبعنا الرخص لكان كلما غلط واحد قال: هذه لغة، ولارتبك الناس، ففي (الله أكبر)، يقال: (الله وكبر) وفي (آمين) هذا لغة، فلا نقبل من كل واحد الآن أن يقول: إنه على اللغة الفلانية؛ لأنه هو مضيع للغة الآن، حتى اللغة الفلانية ما هو عليها، وإذا ضيعها نرجع إلى الأصل الأم لغة العرب الفصحى التي نزل بها القرآن.
стр. 291
حالات حذف الفعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرفع الفاعل فعل أضمرا كمثل زيد في جواب من قرا] قوله: (ويرفع الفاعل فعل)، الفاعل: مفعول به مقدم، وفعل: فاعل مؤخر.
أضمر: الجملة صفة لفعل؛ لأن الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال.
(كمثل زيد في جواب من قرأ)، إذا سألك سائل فقال: من قرأ؟ فقلت: زيد، فزيد فاعل لفعل محذوف والتقدير: قرأ زيد.
ولو قال قائل: أنا أريد أن يكون التقدير: زيد قرأ، فأجعل زيداً مبتدأ لا فاعلاً، قلنا: هذا ممكن لكن لا يستقيم؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال، فهو يسأل: من قرأ؟ فنقول: قرأ زيد.
فإذا سألك سائل: من قرأ اليوم؟ فتقول: زيد أي: قرأ زيد.
يقول بعض المحشين: (لو قال ابن مالك: (ويرفع الفاعل فعل حذفا كمثل زيد في جواب من وفى) لكان أحسن؛ لأن الفعل لا يضمر، والتي تضمر هي الضمائر، ففي الفعل يقال: منصوب بفعل محذوف، ولا يقال: منصوب بفعل مضمر.
ولكن نقول: ما دام الأمر معلوماً عند النحويين، وابن مالك لا يخفى عليه هذا، وجب أن يحمل على ما هو معروف، والإنسان بشر أحياناً تغيب عنه الكلمة المناسبة، فيبدلها بكلمة غير مناسبة، وهذا شيء مشاهد.
стр. 292
تأنيث الفعل
стр. 293
موضع تاء التأنيث من الفعل الماضي والفعل المضارع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتاء تأنيث تلي الماضي إذا كان لأنثى كأبت هند الأذى] قوله: (تاء تأنيث) تاء: مبتدأ.
تلي: الجملة خبر، والفاعل مستتر تقديره هي.
الماضي: مفعول (تلي).
(إذا كان الفعل لأنثى كأبت) وإذا كان الفعل مضارعاً فتاء التأنيث لا تليه وإنما تسبقه، تقول: تضرب هند القوم، وتكرم هند القوم.
أما الماضي فالتاء تليه، تقول: قامت هند.
قوله: (إذا كان لأنثى) إذا: شرط ولكنه غير جازم.
كأبت هند الأذى: المثال كله مجرور بالكاف، أي: كهذا المثال.
انتقل المؤلف ﵀ إلى مسألة: هل يؤنث العامل -أعني: عامل الفاعل- أو لا؟ إن كان الفاعل مذكراً فإن الفعل لا يؤنث، وإن كان مؤنثاً فإن الفعل يؤنث، كقول المؤلف: أبت هند الأذى.
فإذا كان لمذكر وجب خلوه من تاء التأنيث، وإذا كان لمؤنث وجب أن تكون فيه تاء التأنيث، وسيأتي التفصيل.
قوله: (كأبت هند الأذى)، (هند) هل تصرف أو لا؟ يجوز الوجهان: يجوز أن تصرف؛ لأنها ثلاثي ساكن الوسط، ويجوز ألا تصرف، وابن مالك يقول: وجهان في العادم تذكيراً سبق وعجمة كهند والمنع أحق إذاً: هند يجوز فيها وجهان: الصرف وعدمه، والمنع من الصرف أحق.
стр. 294
متى يجب تأنيث الفعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإنما تلزم فعل مضمر متصل أو مفهم ذات حر] قوله: (تلزم): الفاعل ضمير مستتر يعود على تاء التأنيث.
فعل: مفعول به.
متصل: صفة لمضمر.
أو مفهم: أي: أو فعل مفهم (ذات حر)، الحر: هو الفرج، ومنه قوله ﷺ في الحديث: (يستحلون الحر والحرير) أي: الفرج.
أفادنا المؤلف ﵀ أن تاء التأنيث التي تلي الماضي تجب في حالين: الحالة الأولى: إذا كان الفاعل ضميراً متصلاً.
الحالة الثانية: إذا كان الفاعل ذات حر، أي: مؤنثاً حقيقياً له فرج، ويشمل بني آدم وغير بني آدم.
مثال ذلك: تقول: قامت هند، فهنا يجب التأنيث؛ لأن هنداً من ذوات الفروج.
مثال آخر: قامت البعير، لا يجب؛ لأن البعير اسم جنس، فلهذا قالوا: يجوز فيها: قام، وقامت.
أما إذا قلت: البعير قامت، فيجب تأنيث الفعل؛ لأن الفاعل ضمير متصل، ومعلوم أن المستتر متصل وزيادة.
стр. 295
تأنيث الفعل إذا فصل بينه وبين فاعله المؤنث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد يبيح الفصل ترك التاء في نحو أتى القاضي بنتُ الواقف] (قد): للتقليل، و (يبيح) بمعنى: يجيز.
يعني: أن الفصل بين الفعل والفاعل قد يجيز ترك التاء، مثال ذلك: أتت بنتُ الواقفِ القاضي، في هذا المثال يجب تأنيث الفعل؛ لأن الفاعل مؤنث حقيقي متصل، فإذا فصل قلت: أتى القاضي بنت الواقف.
يقول ابن مالك ﵀: (وقد يبيح الفصل ترك التاء) والأفضل ألا تحذف، مثال الفصل: أتى القاضي بنتُ الواقف، فالقاضي فصل بين الفعل والفاعل، فيجوز أن تقول: أتت القاضيَ بنتُ الواقف، وهو الأرجح، ويجوز أن تقول: أتى القاضيَ بنتُ الواقف.
مثال آخر: ضربت هند غلامها، هنا يتعين وجه التأنيث؛ لأن الفاعل مؤنث حقيقي متصل، فإذا فصلت وقلت: ضربت غلامها هند، فلا يجب التأنيث، ويجوز أن تقول: ضربَ غلامها هند، وهو مرجوح، أو: ضربت غلامها هند، وهو الأرجح؛ وقد قلنا: إنه الأرجح كما يفيده كلام ابن مالك ﵀ بقوله: (وقد يبيح الفصل).
ومثله: خرجت من البيت هند، لك أن تقول: خرج من البيت هند.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحذف مع فصل بإلا فضلا كما زكا إلا فتاة ابن العلا] لما ذكر ﵀ أنه إذا فصل بين الفعل وفاعله المؤنث الحقيقي بفاصل جاز ترك التأنيث ولكن التأنيث أفضل، استثنى حالة واحدة وهي: ما إذا كان الفصل بإلا، فالأفضل ترك التأنيث.
مثاله: ما زكا إلا فتاة ابن العلا، (فتاة) مؤنث حقيقي وهو فاعل، والفعل (زكا)، وقد فصل بينهما بإلا، فلو مشينا على البيت الأول لقلنا: التأنيث أولى من التذكير، لأنه يقول: (قد يبيح الفصل)، وهذا فصل، لكنه استثنى، فقال: إذا كان الفصل بإلا فالحذف أولى، ولهذا قال: (والحذف مع فصل بإلا فضلا)، وظاهر كلامه ﵀: أنه يجوز أن يؤنث فتقول: ما زكت إلا فتاة ابن العلا.
مثال آخر: ما قام إلا هند، أولى من: ما قامت إلا هند، فالأول أصح وأفصح.
وذهب ابن هشام ﵀ إلى وجوب التذكير إذا كان الفصل بإلا، فتقول: ما قام إلا هند، ولا يجوز: ما قامت إلا هند؛ لأن الكلام على تقدير: ما قام أحد إلا هند، وإذا كان الكلام على هذا التقدير فالواجب التذكير.
فإذا جاءنا طالب علم وقال: ما قامت إلا هند، فقلنا: هذا خطأ، فقال: أنا على مذهب ابن مالك، وهذا جائز لا بأس به، فلا نستطيع أن نغلطه ما دام هذا رأي ابن مالك، وهو من أئمة النحو المشهورين.
قوله: (وقد يبيح الفصل ترك التاء): قد: للتقليل؛ لأنها دخلت على فعل مضارع، ويقولون: إن (قد) إذا دخلت على ماض فهي للتحقيق، وإذا دخلت على مضارع فهي للتقليل، وهذا في الأغلب، وإلا فقد تدخل على المضارع وهي للتحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨].
الفصل: فاعل يبيح.
ترك التاء: مفعوله.
(في نحو أتى القاضي) نحو: مضاف، و (أتى القاضي بنت الواقف): مضاف إليه، وهو على تقدير: نحو هذا المثال، فالجملة كلها في موضع جر.
وأما إعرابها تفصيلاً: فنقول: أتى: فعل ماض.
القاضي: مفعول مقدم.
بنت: فاعل مؤخر، وهي مضاف إلى الواقف.
وقوله: (والحذف مع فصل بإلا فضلا): الحذف: مبتدأ.
مع: ظرف مكان.
فصل: مضاف إليه.
بإلا: جار ومجرور متعلق بفصل.
فضلا: الجملة خبر المبتدأ.
قوله: (كما زكا إلا فتاة ابن العلا).
الكاف: حرف جر.
ما زكا إلخ: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية، وإنما دخلت الكاف على الجملة لأنها بمعنى المفرد؛ إذ إن التقدير: كهذا المثال.
أما إعرابها تفصيلاً فنقول: ما: نافية.
زكا: فعل ماض.
إلا: أداة حصر.
فتاة: فاعل زكا، وهو مضاف.
وابن: مضاف إليه، وهو مضاف.
العلا: مضاف إليه.
стр. 296
حذف التاء من الفعل المسند إلى مؤنث حقيقي من غير فصل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحذف قد يأتي بلا فصل ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع] قوله: [والحذف قد يأتي بلا فصل]، قد: هذه للتقليل، والحقيقة أنه ليس قليلاً بل هو نادر، أي: أقل من القليل، فإذا ورد في كلام العرب: قال هند، فلابد أن نؤول (هند) بشخص، فكأنك قلت: قال شخص.
وحكى سيبويه: قال فلانة، وفلانة مؤنث حقيقي، ومع ذلك ذكر الفعل، لكن هذا نادر وقليل جداً، ولولا أنه ورد عن العرب لقلنا: إنه غلط وخطأ.
لكن الغريب أنك إذا قارنت قوله: (والحذف قد يأتي بلا فصل)، وقوله: (وقد يبيح الفصل ترك التاء) لوجدت فرقاً عظيماً؛ لأن الأخير من أندر النادر.
قوله: (ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع): أي: والحذف مع ضمير المؤنث المجازي قد يقع في الشعر، مع أن ضمير المؤنث يجب فيه التأنيث ولو كان مجازياً، لكن وقع في الشعر حذف التاء، ومنه قول الشاعر: فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها والأصل: (أبقلت إبقالها)، لكن حذفت مع ضمير المجاز من أجل ضرورة الشعر، والشعر كما وصفه الحريري في الملحة: بأنه صلف يأخذ بالإنسان على ما يريد لا على ما يريد الإنسان، قال في الملحة: وجائز في صنعة الشعر الصلف أن يصف الشاعر ما لا ينصرف
стр. 297
تأنيث الفعل إذا أسند إلى جمع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء مع إحدى اللبن] قوله: (التاء): مبتدأ.
مع جمع: حال منها.
سوى السالم: صفة لجمع.
كالتاء: خبر المبتدأ.
مع إحدى اللبن: أي: مع واحدة اللبن وهي: لبنة.
يقول ﵀: إن التاء مع الجموع في غير المذكر السالم كالتاء مع مجازي التأنيث، والتاء مع مجازي التأنيث جائزة وليست واجبة، تقول: طلعت الشمس، وتقول: طلع الشمس، وتقول: حمُِلَت اللبنة، وحُمِلَ اللبنة؛ وتقول: كُتبت الجملة، ويجوز: كتب الجملة.
والجموع تنقسم إلى: جمع تكسير للمذكر، وجمع تكسير للمؤنث، وجمع سالم للمذكر، وجمع سالم للمؤنث، واسم جمع.
فهذه خمسة أقسام: قسم منها يجب فيه التذكير، والباقي يجوز فيه التذكير والتأنيث، والذي يجب فيه التذكير هو جمع المذكر السالم، وهو الذي سلم فيه بناء المفرد، أي: أنه يجمع ولا يتغير المفرد، مثل: المسلمون، هذا جمع مذكر سالم، تقول: جاء المسلمون، ولا تقل: جاءت المسلمون؛ لأنه جمع مذكر سالم.
وتقول: قدم بنو فلان، وقدمت بنو فلان؛ لأن (بنون) جمع تكسير، إذاً لا يدخل في كلام ابن مالك.
ثم إن في القرآن الكريم: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، فأنث الفعل (آمنت) مع الفصل أيضاً: (آمنت به).
إذاً: بنون يجوز أن يذكر ويجوز أن يؤنث؛ لأن ابن مالك ﵀ لم يستثن إلا جمع المذكر السالم، فهو الذي تمتنع فيه التاء والباقي يجوز فيه الوجهان.
وتقول: قال الرجال، وقالت الرجال؛ لأنه مكسر، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ﴾ [الحجرات:١٤].
وتقول: قالت الهنود، وقال الهنود؛ لأنه جمع تكسير لمؤنث.
وتقول: قامت المسلمات، وقام المسلمات، على رأي ابن مالك لأنه جمع مؤنث سالم.
والصحيح أن الجمع السالم حكمه حكم مفرده، فإن جاز في مفرده التذكير والتأنيث جاز في جمعه، وإن وجب التأنيث في المفرد وجب في الجمع، وإن وجب التذكير في المفرد وجب في الجمع.
وعلى هذا فجمع المؤنث السالم يجب فيه التأنيث، فتقول: قامت المسلمات، ولا يجوز أن تقول: قام المسلمات، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي اختاره ابن هشام ﵀؛ على أن تأنيث الجمع مبني على تأنيث المفرد، فما وجب تأنيثه مفرداً وجب تأنيثه جمعاً، وما وجب تذكيره مفرداً وجب تذكيره جمعاً، هذا مقتضى القياس، حتى ابن مالك ﵀ لما ذكر أن جمع المذكر السالم يجب فيه التذكير نقول له: إذاً وجمع المؤنث السالم يجب فيه التأنيث إذا كان مؤنثه حقيقياً.
وذهب بعض العلماء إلى أن كل جمع يجوز فيه التذكير والتأنيث، حتى السالم من هذا وهذا، ومنه قول الزمخشري: لا تبال بجمعهم كل جمع مؤنث أي: وإذا كان الجمع مؤنثاً فلن يحدث أي شيء؛ لأن المرأة ليست أهلاً للقتال، والشاهد قوله: كل جمع مؤنث، ووجه هذا القول: أنك إذا قلت مثلاً: قالت المسلمون، فإنك تؤول (المسلمون) بالجماعة، أي: قالت جماعة المسلمين.
ومنه ما جاء في بعض النسخ في العقيدة الواسطية قال شيخ الإسلام: (فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاءت به المرسلون)، فإن (المرسلون) جمع مذكر سالم، ومع ذلك وقعت بالتأنيث، لكن من المعلوم أن كلام ابن تيمية ﵀ لا يحتج به في اللغة العربية؛ لأنه جاء بعد تغير اللغة بأزمنة متطاولة، لكننا نذكره استئناساً فقط لا احتجاجاً.
وعلى كل حال: يجب أن نعلم الآن أن جميع الجموع يجوز في فعلها التذكير والتأنيث إلا واحداً -على رأي ابن مالك - وهو جمع المذكر السالم فإنه يتعين فيه التذكير، والصحيح أنه يستثنى شيء آخر وهو جمع المؤنث السالم فإنه يجب فيه التأنيث، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
стр. 298
حكم حذف التاء في (نعم الفتاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحذف في نعم الفتاة استحسنوا لأن قصد الجنس فيه بين] قوله: (والحذف في نعم الفتاة استحسنوا): الحذف: مفعول مقدم لقوله: (استحسنوا).
في: حرف جر.
نعم الفتاة: اسم مجرور بفي وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحكاية.
استحسنوا: فعل وفاعل.
ثم علل ذلك فقال: (لأن قصد الجنس فيه بين) هذا التعليل جيد.
وقوله: (نعم الفتاة) الفاعل هنا مؤنث حقيقي، ومقتضى القاعدة السابقة وجوب التأنيث؛ لأنه مؤنث حقيقي متصل بفعله بدون فاصل، فكان من مقتضى ذلك أن يقال: نعمت الفتاة هند، لكنهم استحسنوا أن تقول: نعم الفتاة.
وكلام ابن مالك ﵀ يوهم أن قولك: نعم الفتاة، أحسن من قولك: نعمت الفتاة، لأن قوله: (استحسنوا) معناه: جعلوه حسناً؛ لكن يجاب عنه: بأنهم جعلوه حسناً لا أحسن، ويكون معنى قوله: (حسناً) أنه سائغ، والأحسن أن يقال: نعمت الفتاة هند.
وعلى هذا ألحقوه بالمستثنيات السابقة؛ أي أنه يستثنى من المؤنث الحقيقي ما قصد به الجنس، وذلك في نحو: نعم الفتاة؛ لأنك ستقول مثلاً: نعم الفتاة هند، هذا الأصل، فهند هي المرادة بالعين، والفتاة مرادة بالجنس؛ ولهذا قال ابن مالك: (لأن قصد الجنس فيه بين).
стр. 299
الترتيب بين الفعل والفاعل والمفعول
стр. 300
الأصل اتصال الفاعل بالفعل وانفصال المفعول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأصل في الفاعل أن يتصلا والأصل في المفعول أن ينفصلا وقد يجاء بخلاف الأصل وقد يجي المفعول قبل الفعل] قوله: (والأصل في الفاعل أن يتصلا): أي: بعامله، ويكون بعده أيضاً، فالفعل هو المقدم، ثم يليه الفاعل، فتقول: ركب الرجلُ السيارة، هذا هو الأصل.
ووجه ذلك: أن الفاعل هو الذي قام بالفعل فكان حقاً بالولاء من المفعول به الذي وقع عليه الفعل.
قوله: (والأصل في المفعول أن ينفصلا): أي: ينفصل عن العامل؛ لأنه يحال بين الفعل والمفعول بالفاعل، مثاله: ركبَ الرجلُ السيارة، اشترى الرجلُ البيتَ، فهمَ الطالبُ الدرسَ، وذلك للعلة التي ذكرناها.
قوله: (وقد يجاء بخلاف الأصل): أي: فيؤخر الفاعل ويقدم المفعول، فإذا قلت: ركب الرجلُ السيارةَ، فهذا هو الأصل، وإذا قلت: ركبَ السيارةَ الرجلُ، فهذا خلاف الأصل، وهو جائز وكثير في اللغة العربية، ولهذا قال: (وقد يجاء بخلاف الأصل) و (قد) هنا للتحقيق وليست للتقليل؛ لأن ذلك كثير.
قوله: (وقد يجي المفعول قبل الفعل): فتقول مثلاً: السيارةَ ركبَ الرجلُ، فهنا قدم المفعول، فإن قال قائل: وهل يقدم الفاعل؟ نقول: سبق في كلام المؤلف في قوله: (وبعد فعل فاعل)، وأن الفاعل لا بد أن يتأخر عن الفعل، ولا يمكن أن يتقدم، وذكرنا في ذلك خلاف الكوفيين.
وإذا قلنا: البيتَ اشترى زيد، فهنا قدمنا المفعول على الفعل، وهو معنى قوله: (قد يجي المفعول قبل الفعل).
стр. 301
متى يجب تأخير المفعول وتقديم الفاعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخر المفعول إن لبس حذر أو أضمر الفاعل غير منحصر] قوله: (أخر المفعول)، أي: عن الفعل والفاعل، (إن لبس) أي: اشتباه، (حذر) أي: خيف.
فإذا خيف الاشتباه فإنه يجب الترتيب.
والاشتباه يكون فيما إذا كان الفاعل والمفعول به مبنيين؛ لأن المبني لا يتغير، أو كانا معربين إعراباً مقدراً، فإذا قلت: ضرب موسى عيسى، فهنا الفاعل موسى، فلو أردت أن تقول: ضرب عيسى موسى، قلنا: لا يجوز؛ لأنه يلتبس: الفاعل بالمفعول.
أما إذا لم يكن هناك التباس مثل أن تقول: أكل الكمثرى موسى، فإنه يجوز، لعدم الالتباس؛ لأن الكمثرى لا يمكن أن تأكل موسى، وإنما الذي يأكلها هو موسى، فإذا أمن اللبس فلا بأس، أما إذا خيف اللبس فإنه لا يجوز.
فإن قال قائل: لماذا لا يجوز؟ فنقول: لأن المقصود بالألفاظ المعاني، فإذا كانت الألفاظ تخل بإدراك المعنى وجب أن ترتب على وجه لا التباس فيه، وهذا ظاهر.
مثال آخر: إذا قلت: أكرم هذا ذاك، وهما حاضران، فإنه يجب الترتيب، ونعرب (هذا) على أنه فاعل، و (ذاك) على أنه مفعول.
وإذا قلت: تزوج هذا هذه، فإنه يجوز تقديم المفعول؛ لأنك إذا قلت: تزوج هذه هذا؛ علم أن (هذه) مفعول مقدم؛ لأنها لو كانت هي الفاعل لوجب تأنيث الفعل، فتقول: تزوجت هذه هذا.
والخلاصة: أنه إذا خيف اللبس وجب الرجوع إلى الأصل، فإن لم يخف اللبس جاز التقديم والتأخير.
ولو قال قائل: أنا أريد أن أقدم المفعول به على الفعل، فأقول: عيسى ضرب موسى، فنقول: لا يجوز؛ لأنه يحتمل أن عيسى مبتدأ وليس مفعولاً به.
فإن قلت: عيسى ضربه موسى صح، والمفعول به هنا ليس (عيسى) بل المفعول به هو الضمير في (ضرب)، وهذا من باب الاشتغال، وفي باب الاشتغال في مثل هذا الترتيب الأولى أن نعرب الأول مبتدأ؛ لأنه لا داعي إلى نصبه على أنه مفعول.
إذاً: يجب أن نؤخر المفعول في حالين: الأولى: إذا خيف اللبس.
الثانية: قال: (أو أضمر الفاعل غير منحصر).
أي: إذا كان الفعل ضميراً غير محصور فإنه يجب أن يؤخر المفعول، مثل أن تقول: أكرمت زيداً، التاء: فاعل، وزيداً: مفعول به، فهنا لا يجوز أن تقول: أكرم زيداً تُ مثلاً؛ لكن إذا كان محصوراً مثل أن تقول: ما أكرم زيداً إلا أنا، فإنه لا بأس به؛ ولهذا قال: (أو أضمر الفاعل) أي: كان ضميراً (غير منحصر)، فعلم من قوله: (غير منحصر) أنه إذا كان ضميراً منحصراً فلا بأس أن يقدم المفعول ويتأخر الفاعل.
стр. 302
وجوب تأخير الفاعل أو المفعول إذا انحصر بإلا أو بإنما
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما بإلا أو بإنما انحصر أخر وقد يسبق إن قصد ظهر] قوله: (وما بإلا أو بإنما انحصر أخر) أي: سواء كان فاعلاً أو مفعولاً به، فما انحصر بإلا وجب تأخيره، وما انحصر بإنما وجب تأخيره.
مثال الأول: ما ضرب زيدٌ إلا عمراً، فيجب أن يؤخر؛ لأنه محصور بإلا.
ومثال الثاني: إنما ضرب زيدٌ عمراً، وهو بمعنى: ما ضرب زيدٌ إلا عمراً، فيجب أن نؤخر المحصور فيه سواء كان الفاعل أو المفعول، والأمثلة السابقة لتأخير المفعول.
ومثال تأخير الفاعل: إنما أكل الكمثرى زيدٌ، فيجب أن نؤخر (زيدٌ)، فالمحصور فيه يجب أن يتأخر، ولهذا قال: (وما بإلا أو بإنما انحصر أخر)، وهذا أيضاً من المواضع التي يجب فيها تأخير الفاعل أو المفعول.
والذي بعد إلا دائماً هو المحصور فيه، والذي بعد إنما هو المحصور.
فإذا قلت: إنما ضرب زيدٌ عمراً، فزيد محصور بإنما، والمحصور فيه عمرو؛ لأنك تقول: ما ضرب زيدٌ إلا عمراً.
لو كان بالعكس: إنما ضرب زيداً عمرو، فنؤخر (عمرو) مع أنه هو الفاعل؛ لأنه محصور فيه.
والفرق بين قولك: إنما ضرب عمراً زيدٌ، وإنما ضرب زيد عمراً: أن المحصور فيه في المثال الأول هو زيد، أي: ما ضرب عمراً إلا زيد، وإذا عكست فقلت: إنما ضرب زيدٌ عمراً فمعناها: أن زيداً لم يضرب إلا عمراً.
والخلاصة: أن الذي يبين لك المعنى: أن (إنما) يليها المحصور و (إلا) يليها المحصور فيه، فإذا كان هناك حصر فإنه يجب تأخير المحصور فيه؛ ولهذا قال: (وما بإلا أو بإنما انحصر أخر)، هذا ما ذهب إليه ابن مالك ﵀ في التسوية بين الحصر بإنما والحصر وبإلا.
وقال بعض أهل العلم: إن ما حصر بإلا يجوز تقديمه؛ لأن ما يلي إلا هو المحصور فيه، سواء تقدم أو تأخر، فيجوز أن تقول: ما ضرب إلا زيداً عمرو، فهنا قدمنا المحصور فيه، وهو جائز.
إذاً: القاعدة: إذا كان هناك حصر فلابد من محصور ومحصور فيه، فما يلي (إنما) فهو المحصور، وما يلي (إلا) هو المحصور فيه، فإذا قلت: إنما ضرب زيدٌ عمراً، فالمحصور فيه عمرو، والمحصور (زيد)، أي: أن زيداً ما ضرب إلا عمراً، والمحصور فيه يجب أن يكون هو الأخير؛ لقوله: (وما بإلا أو بإنما انحصر أخر)، ولا يجوز أن يقدم، هذا ما ذهب إليه ابن مالك، وأنه لا فرق بين إلا وإنما؛ لأن الالتباس حاصل.
لكن ذهب غيره إلى أنه إذا كان الحصر بإلا جاز تقديمه؛ لأن ما يلي إلا فهو المحصور فيه على كل حال، وعلى هذا يجوز: ما ضرب إلا عمراً زيدٌ، بخلاف إنما؛ لأنه يقع الاشتباه على كل حال.
وهذا القول أصح من قول ابن مالك ﵀، وهو أنه يجوز التقديم -سواء كان فاعلاً أو مفعولاً- إذا كان الحصر بإلا؛ لزوال اللبس.
قوله: (وقد يسبق إن قصد ظهر)، أي: إذا علمنا المحصور فيه فإنه يجوز سبقه، وهذا إنما يتحقق فيما إذا كان الحصر بإلا، أما إذا كان بإنما فإنه صعب، ومع ذلك يمكن، فإذا قلت: إنما ضرب عمراً زيدٌ، وأردت أن تقول: إن عمراً محصور فيه، فيقال: لا يمكن أن يكون الوالي لإنما محصوراً فيه، وعلى هذا فقوله: (وقد يسبق) خاص بإلا.
стр. 303
تقديم المفعول على الفاعل إذا كان فيه ضمير يعود على الفاعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وشاع نحو خاف ربَه عمر وشذ نحو زان نورُه الشجر] قوله: (شاع) أي: كثر، (نحو خاف ربَّه عمر) في هذه الجملة تقديم المفعول به حاملاً لضمير الفاعل المؤخر: رب: مفعول خاف، وهو مضاف إلى الهاء، والهاء تعود إلى عمر، وعمر: فاعل مؤخر.
فهذا شائع كثير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:١٢٤] إبراهيم: مفعول مقدم، ورب: فاعل مؤخر.
فهذا شائع وكثير في اللغة العربية، وليس فيه محذور؛ لأن الضمير هنا عاد على متأخر، لكنه متأخر لفظاً متقدم رتبة.
قوله: (وشذ نحو زان نوره الشجر)، الشذوذ: الخروج عن القاعدة، (نحو زان نوره الشجر)، وقد شذ؛ لأنه عاد الضمير فيه على متأخر لفظاً ورتبة.
(زان نوره)، زان: فعل ماض.
نوره: فاعل، وهو مضاف إلى الضمير.
الشجر: مفعول به، والضمير في (نوره) يعود على الشجر، والشجر متأخر لفظاً ورتبة، أما لفظاً فظاهر، وأما رتبة فلأنه مفعول به، والمفعول به رتبته التأخير عن الفاعل.
وإذا أردنا تحويل هذا المثال إلى مثال شائع فنقول: زان الشجرَ نورُه، أي: أن النور -وهو الزهر- زين الشجر وجعله حسناً جميلاً.
وخلاصة هذا البحث: أنه يجوز تقديم المفعول به المتحمل لضمير الفاعل؛ لأن الضمير هنا يعود على متأخر لفظاً لا رتبة، ولا يجوز تقديم الفاعل المتحمل لضمير المفعول؛ لأنه يلزم منه عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا شاذ خارج عن القاعدة.
стр. 304
شرح ألفية ابن مالك [٣١]
إذا غيرت صيغة الفعل المبني للفاعل إلى صيغة ما لم يسم فاعله حذف الفاعل وقام مقامه المفعول به، فيأخذ ما له من أحكام، ويشترط في تغيير صيغة الفعل الالتزام بضوابط محددة، وقد يقوم غير المفعول مقام الفاعل كالظرف، لكن بشروط محددة.
стр. 305
النائب عن الفاعل
стр. 306
قيام نائب الفاعل مقام الفاعل في الأحكام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النائب عن الفاعل: ينوب مفعول به عن فاعل فيما له كنيل خير نائل] يقول ابن مالك: (النائب عن الفاعل)، وهذا ترتيب حسن، حيث ذكر الفاعل أولاً ثم ذكر النائب عنه.
والنائب عن الفاعل هو المفعول به إذا حذف الفاعل، لكن يلزم على ذلك تغيير صيغة الفعل؛ لأن الفاعل أصل والنائب فرع، فلا بد أن يبنى للنائب بيت آخر غير بيت الفاعل، وذلك بتغيير صيغة الفعل.
ثم إن حذف الفاعل يكون لأغراض كثيرة لا يذكرها النحويون؛ لأن هذا ليس من شأنهم، وإنما يذكرها أهل البلاغة.
ومن تلك الأغراض التي يذكرونها: العلم به، أي: لأنه معروف، مثل قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨] فإنه معلوم أن الخالق هو الله تعالى.
ومنها: الجهل به والستر عليه، تقول: سُرِقَ المتاع، فقد يكون أخفى السارق إما للجهل به وإما للستر عليه.
فالمهم أن هناك أسباباً توجب أن يحذف الفاعل ويقوم المفعول به مقامه، فإذا حذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه فهل يعطى حكم الفاعل لأنه نائبه أم تحدث له أحكام جديدة؟ يقول ابن مالك: (ينوب مفعول به عن فاعل فيما له كنيل خير نائل) ينوب: فعل مضارع مرفوع.
مفعول: فاعل.
عن فاعل: جار ومجرور متعلق بينوب.
فيما له: فيما: جار ومجرور متعلق بينوب أيضاً، وما: هنا اسم موصول للعموم، وله: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: ثبت، أي: فيما ثبت له، والجملة صلة الموصول.
كنيل خير نائل: الكاف حرف جر، ونيل خير نائل: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية، وإنما دخلت الكاف هنا على الجملة لأن المراد بها المفرد، إذ إن المراد بقوله: (كنيل خير نائل) أي: كهذا المثال.
قوله: (ينوب مفعول به عن فاعل فيما له) أي: في كل ما ثبت له: من الرفع، فإنه يرفع الفاعل ويرفع النائب عن الفاعل.
ومن وجوب ذكره وعدم جواز حذفه؛ لأنه نائبه.
ومن وجوب تأخره عن العامل.
ووجوب تأنيث الفعل معه إذا كان مؤنثاً حقيقياً أو ضميراً متصلاً لمؤنث.
المهم أن جميع الأحكام السابقة في الفاعل تنقل إلى نائب الفاعل، لكن لابد من تغيير الفعل كما سيذكر المؤلف ﵀.
قوله: (نيل خير نائل) أصلها: نال الرجل خير نائل، لكن حذف الفاعل، فلما حذف الفاعل أقيم المفعول به مقامه، فصار: نيلَ خيرُ نائل، وإعرابها تفصيلاً: نيل: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله.
وقولنا: (مبني لما لم يسم فاعله) أحسن من قولنا: مبني للمجهول؛ لأنها أعم؛ إذ إن حذف الفاعل قد يكون للجهل به، وقد يكون للستر عليه، أو غير ذلك.
خير: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، وخير: مضاف، ونائل: مضاف إليه.
стр. 307
تغيير صورة الفعل عند إسناده للمفعول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأول الفعل اضممن والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل واجعله من مضارع منفتحاً كينتحي المقول فيه ينتحى] بين المؤلف هنا تغيير صيغة الفعل الذي بني لما لم يسم فاعله.
قوله: (أول): مفعول مقدم، وهو مضاف إلى (الفعل).
اضمم: فعل أمر، والنون الساكنة للتوكيد، ولهذا بني فعل الأمر معها على الفتح، لكن نون التوكيد هنا نون خفيفة، وهناك نون ثقيلة مشددة، وقد اجتمع النونان في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
إذاً: اضمم: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والنون حرف توكيد، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
والمتصل بالآخر اكسر: الواو حرف عطف، وهو من باب عطف الجملة على الجملة، والمتصل: مفعول مقدم لاكسر مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره مراعاة الروي، وهو آخر الشطر.
بالآخر: جار ومجرور متعلق بالمتصل.
اكسر: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.
(في مضي كوصل)، في مضي: جار ومجرور متعلق باكسر.
كوصل: الكاف حرف جر، ووصل: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
يقول ابن مالك: (أول الفعل اضممن)، أي: سواء كان ماضياً أو مضارعاً.
فإذا كان الفعل ماضياً أو مضارعاً فلابد من ضم أوله عند بنائه لما لم يسم فاعله، تقول: يُفهَمُ الدرسُ، أُكرِم زيدٌ، يُكرم زيدٌ.
إذاً: أول الفعل مضموم على كل حال، سواء كان ماضياً أم مضارعاً، وآخر الفعل في المضارع معرب، وفي الماضي مبني على ما هو عليه لا يختلف.
وما قبل الآخر يختلف: ففي الماضي يكسر وفي المضارع يفتح؛ ولهذا قال: (والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل) ففي (وُصِل) المتصل بالآخر الصاد، فبدلاً من أن يقال: وَصَل، يقال: وُصِل فيضم أوله ويكسر ما قبل آخره، هذا في الفعل الماضي.
وفي المضارع قال: (واجعله من مضارع منفتحاً) الضمير يعود على ما قبل الآخر.
(من مضارع) أي: من فعل مضارع.
(منفتحاً) مفعول ثان لاجعل، والمفعول الأول الهاء في (اجعله).
الإعراب: اجعل: فعل أمر بمعنى صيَّر، فهي تنصب مفعولين، وفاعلها مستتر وجوباً تقديره أنت.
والهاء ضمير مبني على الضم في محل نصب مفعولها الأول.
من مضارع: جار ومجرور متعلق باجعل.
منفتحاً: هو المفعول الثاني.
(كينتحي المقول فيه ينتحى)، يَنْتَحِي: فعل مضارع أوله مفتوح وما قبل آخره مكسور، وحينما بناه لما لم يسم فاعله قال: (يُنتحَى)، فضم الأول وفتح ما قبل الآخر.
إذاً: القاعدة في المضارع إذا بني لما لم يسم فاعله: أن يضم أوله ويفتح ما قبل آخره، وفي الماضي: أن يضم أوله ويسكر ما قبل آخره.
قوله: (كينتحي المقول فيه ينتحى): الكاف: حرف جر.
وينتحي: اسم مجرور؛ لأنه مؤول بقوله كهذا المثال، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
المقول: صفة لينتحي، وصفة المجرور مجرورة.
فيه: جار ومجرور متعلق بالمقول؛ لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل.
ويُنتحَى: مقول القول مرفوع لأنه نائب فاعل.
стр. 308
صياغة الفعل لما لم يسم فاعله إذا بدئ بتاء المطاوعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والثاني التالي تا المطاوعه كالأول اجعله بلا منازعه] قوله: (الثاني): منصوب على الاشتغال، وذلك لأن (اجعل) اشتغل بضميره المباشر عن نصبه، ومعلوم أن الاشتغال أن يتقدم معمول ويشتغل عامله بضميره عنه، ولهذا سمي اشتغالاً، ولو كانت الهاء غير موجودة لقلنا: إن (الثاني) مفعول لاجعل، لكنه الآن مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده.
ويجوز أن تقول: إنه غير منصوب، لكن الراجح النصب، ويرجح النصب أمران: الأمر الأول: أن الفعل طلبي والطلب يترجح به النصب، والأمر الثاني: أنه معطوف على جمل فعلية، فيترجح النصب، ولكن يجوز الرفع كما ذكرنا.
التالي: صفة للثاني منصوب أيضاً.
تا: مفعول للتالي؛ لأن التالي اسم فاعل، وتا مضاف، والمطاوعة: مضاف إليه مجرور بالإضافة.
كالأول: جار ومجرور متعلق باجعل.
اجعله: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت، والهاء: مفعول أول لاجعل، والمفعول الثاني قوله: (كالأول).
بلا منازعة: الباء حرف جر، لا: اسم مجرور بالباء، ولكن ينقل إعرابه للاسم الذي بعده لأن (لا) صورتها صورة الحرف، فلا تؤثر فيها العوامل، ولو أن أحداً من الناس قال: إننا سنجعل (لا) اسماً ويكون مضافاً إلى (منازعة) لأن (لا) هنا بمعنى غير، أي: بغير منازعة، فإن قوله ليس بعيداً؛ لكن المشهور الأول.
يقول المؤلف ﵀: (والثاني التالي تا المطاوعة كالأول اجعله)، والأول مضموم.
وتاء المطاوعة: هي التي تكون في فعل مطاوع لما سبق، أي: متأثر منه، تقول: عَلَّمته فتعلم، التاء في (تعلم) للمطاوعة، وتقول أيضاً: نحيته فانتحى، فالحرف الثاني الذي يلي تاء المطاوعة اجعله كالأول، أي: اجعله مضموماً.
فمثلاً: إذا أردنا أن نبني الفعل (تعلَّم) نقول: تُعُلِّم، فالذي بعد التاء صار مضموماً.
كذلك نقول في (تَكَبر عن الحق) تُكُبِّر عن الحق.
стр. 309
صياغة الفعل لما لم يسم فاعله إذا بدئ بهمزة وصل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وثالث الذي بهمز الوصل كالأول اجعلنه كاستُحلي] قوله: (ثالث): مفعول لفعل محذوف، وهو من باب الاشتغال، وثالث: مضاف، والذي: مضاف إليه.
وبهمز: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهمز: مضاف، والوصل: مضاف إليه.
كالأول: جار ومجرور متعلق بمحذوف المفعول الثاني لاجعل.
اجعلنه: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والنون: حرف توكيد، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول أول لاجعل.
كاستحلي: جار ومجرور.
يقول ﵀: كل ما ابتدي بهمزة الوصل فثالثه كالأول، أي: أنه مضموم، مثل: (اسْتُحْلِي) فهذا مبدوء بهمزة وصل، وثالثه تاء، ولهذا ضم.
ومثله: استُغفِر، انتُقِم، اطُّرِد، وعلى هذا فقس كل مبدوء بهمزة وصل فإنه يضم ثالثه فيجعل كالأول.
فنقول في اسْتَحلى: استُحْلي، وفي انتحى: انتُحي، وفي اصطفى: اصطُفي، وفي ارتقى: ارتُقي وعلى هذا فقس.
стр. 310
كيفية صياغة الفعل الأجوف الثلاثي لما لم يسم فاعله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل عيناً وضم جا كبوع فاحتمل] ما زلنا مع المؤلف ﵀ في كيفية صياغة الفعل إذا بني لما لم يسم فاعله، وقد سبق الكلام على جمل من ذلك، وهنا قال: (واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل عيناً وضم جا).
فهذه ثلاثة أوجه إذا كان الفعل ثلاثياً معل العين، ومعنى (معل العين) أن عينه حرف علة، والعين هي الثانية من تركيب الفعل؛ لأن الصرفيين اصطلحوا على أن يجعلوا (فَعَلَ) هي الميزان، فالفاء هي الفاء، والعين هي العين، واللام هي اللام.
يقول ﵀: إذا كان الفعل ثلاثياً وعينه حرف علة ففيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الكسرة.
والوجه الثاني: الإشمام.
والوجه الثالث: الضم.
أي: الأول: كسر خالص، والثاني: ضم خالص، والثالث: إشمام أي: بين الضم الخالص والكسر الخالص، لكنه أشار ﵀ بقوله: (فاحتمل) إلى أن الثالث ضعيف، لكنه احتمل لوروده في اللغة العربية.
قوله: (اكسر): فعل أمر.
أو اشمم: أو: للتخير، واشمم: فعل أمر.
فا: مفعول تنازع فيه اكسر واشمم، وإذا حدث تنازع فإن النحويين اختلفوا: هل يعمل فيه العامل الثاني لمباشرته أو الأول لسبقه؟ على قولين: قال ابن مالك: والثاني أولى عند أهل البصره واختار عكساً غيرهم ذا أسره وفا: مضاف، وثلاثي: مضاف إليه.
أُعل: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر.
عيناً: مفعول ثان لأُعل، وأصلها أعللت عينه.
وضم: مبتدأ، جا: الجملة خبره.
وكبوع: جار ومجرور.
فاحتمل: معطوفة على (ضم جا)، واحتمل بمعنى: أنه أجيز.
مثاله: قال، فـ (قال) فعل ثلاثي معل العين بالواو؛ لأن (قال) أصلها: قَوَل، بدليل المضارع: يقول، إذا أردنا أن نبنيه لما لم يسم فاعله قلنا حسب القاعدة السابقة: قُوِلَ؛ لأن الماضي يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، لكن هذا مستثقل؛ لأن ظهور الحركات على الواو ثقيل، فماذا نصنع؟ ننقل حركة الواو التي هي الكسرة إلى ما قبلها، فنقول: قِوْلَ، وهذا أيضاً مستثقل؛ أن تقع الواو بعد الكسرة، إذاً: حول الواو إلى ياء وقل: قيل.
ولا أظن بدوياً من العرب تحت شجرة يعرف هذا التصريف، ولو قلت له: حل لي هذه الكلمة على هذا التصريف، لقال: اذهب أنا لا أعرف إلا (قيل) بدل (قال)، لكن النحويين يريدون أن ينزلوا الألفاظ على القواعد المعروفة تمريناً للطالب، وإلا فمن المعلوم أنه لا يمكن لأحد أن يقول: قُوِلَ، ولا أن يقول: قِوْلَ، بل يقول: قيل، وبكل سهولة، فهذا الوجه الأول، كسرنا أوله كسراً خالصاً.
الوجه الثاني: الإشمام.
والإشمام: أن تأتي بحركة بين الكسرة والضمة، فتنطق القاف من (قيل) لا مضمومة ولا مكسورة، بل بحركة بينهما، والنطق بالإشمام أمر فيه صعوبة، وقد كان شيخنا عبد الرحمن بن السعدي ﵀ يدرسنا في هذا الباب ولم نعرف كلنا لا نحن ولا هو؛ لأنه صعب جداً، لكن لعل العرب الذين ألفوا هذه اللهجة تسهل عليهم، ونحن هنا في المملكة في بعض الجهات يتكلمون بلهجة لا نستطيع أن نتكلم بها، وهي عندهم سهلة، وهذا شيء معروف.
الوجه الثالث: الضم الخالص، فنقول في (قيل): قُوْل، في (بيع): بُوْع.
مع أن (البيع) يائي: فلماذا كانت واواً؟ لأنها وقعت بعد ضم لا بد منه؛ إذ إن هذا الضم هو الذي يفرق بين البناء للفاعل والبناء لما لم يسم فاعله، فالضمة لا بد منها، ولا يناسبها إلا الواو، ولهذا نقول: بوع، ولا نقول: بُيع.
ففي (بوع) إذاً ثلاث لغات: الكسر الخالص، قيل: والإشمام، والضم الخالص: بوع.
وقوله: (وضم جا) أي: جاء من عند العرب، ومنه قول الشاعر: ليت وهل ينفع شيئاً ليتُ ليت شباباً بوع فاشتريتُ يعني: أن (ليت) لا تنفع، وهذا كقول الرسول ﵊: (ولا تقل: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).
وهذا الشاعر جاهلي يعرف أن التمني لا يفيد، وفي المثل العامي عندنا: التمني رأس مال المفاليس، أي: أن المفلس الذي ليس عنده شيء رأس ماله التمني.
المهم أن الشاعر قال: (بوع فاشتريت)، واللغة المشهورة: بيع فاشتريت، فكون الشاعر عدل من (بيع) إلى (بوع)، مع أن وزن البيت لا يختلف، يدل على أن هذه لغة، ولهذا قال: (ضم جا كبوع)، لكن هذه اللغة ضعيفة باعتبار اللغة الكثيرة الفصحى.
والخلاصة: أنه يجوز في الفعل الثلاثي المعل العين ثلاثة أوجه: الأول: الكسر الخالص، وهو الأكثر.
والثاني: الإشمام.
والثالث: الضم الخالص، وهو قليل.
стр. 311
بناء الثلاثي المعل العين إذا خيف اللبس
[وإن بشكل خيف لبس يجتنب وما لباع قد يرى لنحو حب] يعني: إذا جازت الأوجه الثلاثة، وخيف اللبس بالشكل فإنه يجتنب الوجه الذي يكون فيه اللبس.
قوله: (إن بشكل خيف لبس) إن: شرطية، وفعل الشرط قوله: خيف.
بشكل: جار ومجرور متعلق بخيف.
لبس: نائب فاعل.
يجتنب: جواب الشرط، أي: يجتنب الشكل فلا ينطق به.
وكلمة: (خيف) تصلح أن تكون مثالاً، فإذا أسندتها إلى التاء، تقول: خِفْتَ، وإذا أردت أن أوجه الخطاب إليك وأقول: أنت الذي يخافك الناس، وأسندها إلى نائب الفاعل أقول: خِفْت، فهنا التبس الفاعل ونائب الفاعل.
وللتوضيح أكثر نقول: كلمة (خاف) فعل ثلاثي معتل العين، إذا بنينا لما لم يسم فاعله ففيه ثلاثة أوجه: إذا أسندته إلى الفاعل فإنك تقول للرجل: خِفْتَ من الناس، أي: أنك جبان تخاف.
وإذا أردنا أن نبنيه لما لم يسم فاعله ونسنده إلى التاء نقول على وجه الكسر: خِفْتَ، أي: أن الناس يخافونك، فلو قلت: يا فلان! خِفْتَ، فإنه يلتبس الفاعل بنائب الفاعل، ولذلك يقول: (إن بشكل خيف لبس يجتنب) أي: يجتنب هذا الوجه.
وعلى هذا فالفرق بين كون الخوف واقعاً منه أو واقعاً عليه: أنك إذا قلت: خُفت، فالخوف واقع منه، أي: أن الناس يخافونه، وإذا قلت: خِفت، فالخوف واقع عليه، أي: أنه هو يخاف الناس.
مثال آخر: (سام يسوم) إذا بنيناه للفاعل فنقول: سُمتُ، وإذا بنيناه للمفعول فنقول: سُمتُ، وعليه فإذا إذا قلنا: يجوز الضم والكسر والإشمام، صار يجوز أن نقول: سُمت للفاعل والمفعول، وحينها سوف يشتبه الفاعل بالمفعول، فيتعين إذاً الكسر أو الإشمام إذا أسندناه إلى نائب الفاعل، فنقول: سِمتُ.
والخلاصة: أنه إذا كان الفعل ثلاثياً معل العين جاز في أوله ثلاثة أوجه: الضم والكسر والإشمام، إلا إذا خيف التباس الفاعل بنائب الفاعل إذا كسر فإنه يمتنع الكسر، وإذا خيف التباس الفاعل بنائب الفاعل إذا ضم فإنه يمتنع الضم.
مثال ما عينه ياء: باع، إذا بنيناه للفاعل قلنا: بِعتَ، وإذا بنيناه للمفعول قلنا: بُعتَ؛ لأنك لو كسرت لالتبس الفاعل بنائب الفاعل؛ لأن التاء في (بِعتَ) بالكسر فاعل، وفي (بُعتَ) بالضم نائب فاعل، ومثال الأول كأن تقول: هل بِعتَ بضاعتك؟ ومثال الثاني كأن تقول لعبد مكاتب: هل بُعتَ؟ أي: هل باعك سيدك؟
стр. 312
بناء الثلاثي المضعف العين إذا خيف اللبس
قوله: (وما لباع قد يرى لنحو حب): أي: أن الذي ثبت لباع من جواز الضم والكسر والإشمام (قد يرى لنحو حب) من كل فعل ثلاثي مشدد، كحَبَّ وشَدّ وشَذَّ، وما أشبهها.
فيجوز فيها ما ذكره المؤلف: الكسر والضم والإشمام، فتقول إذا أردت أن تخبر أن زيداً محبوب: حِبّ زيدٌ، أي: صار محبوباً، وتقول: حُبَّ زيدٌ، وتشم، يقول: (ما لباع قد يرى لنحو حَب)، وإلا فالأصل أن يقال فيها: حُبَّ زيدٌ، شُدَّ الحبل، شُذَّ عن الجادة، لكن قد تعامل معاملة الفعل الثلاثي المعل عينه، وهو في لغة العرب، لكن اللغة الفصحى والأصل أن يقال: حُبَّ.
فإن قال قائل: (حُبّ) قد تشتبه بالمصدر، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: لمحبة الخير، قلنا: المعنى يعينه السياق.
وقوله: (وما لباع قد يرى لنحو حب): ما: اسم موصول بمعنى الذي، والواو: للاستئناف.
لباع: جار ومجرور باعتبار اللفظ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو صلة الموصول في قوله: (ما).
قد: حرف تقليل؛ لأن ذلك هو الأصل فيما إذا دخلت (قد) على الفعل المضارع.
يرى: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر يعود على ما.
لنحو: جار ومجرور متعلق بيرى، ونحو مضاف، وحب مضاف إليه، والجملة من (قد يرى) خبر (ما) الموصولة.
стр. 313
صياغة الفعل لما لم يسم فاعله من (افتعل) و (انفعل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما لفا باع لما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي] قوله: (وما لفا باع).
ما: مبتدأ.
لفا: جار ومجرور، وفا: مضاف، وباع: مضاف إليه باعتبار اللفظ.
لما: اللام حرف جر، وما: اسم موصول.
العين: مبتدأ.
تلي: فعل مضارع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، أعني: (ما) الثانية، أما الأولى: فالجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول.
وخبر المبتدأ الأول (ما) هو قوله: (لما العين تلي)، أي: الجار والمجرور، فالجار والمجرور هنا متعلق بمحذوف خبر (ما).
في اختار: في حرف جر، واختار: اسم مجرور باعتبار اللفظ، وهي متعلقة بتلي.
وانقاد: معطوف عليها.
وشبه: معطوف عليها أيضاً.
ينجلي: فعل مضارع، والجملة وصف لشبه.
يقول ﵀: ما ثبت لفا باع من الأوجه الثلاثة يثبت للذي تليه العين في (اختار) و (انقاد)، والذي تليه العين هو الذي قبل العين.
فمثلاً: (اختار) على وزن: افتعل، فالذي تليه العين هو التاء، إذاً ففي التاء ثلاثة أوجه: الكسر الخالص: اختير المتاع، والإشمام، والضم الخالص: اختور، لكن هذا قليل.
ولذلك الآن نحن عندما نتكلم في (اختار) نقول: اختير المتاع، اختير المكان، اختير الزمان، اختير الكتاب، اختير الرجل، ويجوز: اختور، لكن في ظني لو تكلمت عند العامة وقلت: اختور، سيقولون: هذه غير عربية؛ لأنها قليلة.
وكذلك (انقاد) مثلها، تقول: انقاد الجمل لقائده، إذا حولناه إلى فعل مبني لما لم يسم فاعله نقول: انقيد للقائد، بالكسر، أو بالإشمام بين الضم والكسر، أو بالضم الخالص، انقود للقائد.
стр. 314
ما ينوب عن الفاعل غير المفعول
стр. 315
نيابة الظرف والمصدر والجار والمجرور عن الفاعل
انتهى المؤلف ﵀ من صيغة الفعل المبني لما لم يسم فاعله، ثم انتقل ﵀ إلى: هل ينوب غير المفعول به عن الفاعل؟ لأن الكلام في نيابة المفعول به عن الفاعل، كما قال في أول الباب: (ينوب مفعول به عن فاعل)، فهل ينوب غير المفعول به عن الفاعل؟ يقول ﵀: [وقابل من ظرف او من مصدر أو حرف جر بنيابة حري] قوله: (قابل) مبتدأ، وسوغ الابتداء به الوصف: قابل من كذا.
من ظرف: جار ومجرور.
أو من مصدر: أو: حرف عطف، من مصدر: معطوف على (ظرف) بإعادة العامل.
أو حرف جر: معطوف على ظرف.
بنيابة: بنيابة جار ومجرور متعلق بحري.
حري: خبر المبتدأ، الذي هو: قابل.
أي: أن القابل من الظرف أو المصدر أو حرف الجر حري بالنيابة عن الفاعل، كما ناب المفعول به عن الفاعل.
بين المؤلف ﵀ في هذا البيت أنه قد ينوب عن الفاعل ثلاثة أشياء: الأول: الظرف.
والثاني: المصدر.
والثالث: الجار والمجرور.
لكنه اشترط أن تكون قابلة للنيابة عن الفاعل.
والقابل للنيابة عن الفاعل هو الذي لم يلزم صيغة واحدة، فإن لزم صيغة واحدة فإنه لا يمكن أن يكون نائباً عن الفاعل؛ لأنه لو ناب عن الفاعل لتحول من اللزوم إلى الجواز، فلا بد أن يكون قابلاً للنيابة، وأن يكون مخصَّصاً بشيء من المخصصات، كما يقول في الشرح.
أولاً: الظرف: هناك بعض الظروف لا يمكن أن تكون نائباً عن الفاعل؛ لأنها لا تتحول عن الظرفية، وإذا لم تتحول عن الظرفية فلا يصح أن تكون نائباً عن الفاعل، ولنضرب أمثلة للذي يتحول عن الظرفية: كلمة (يوم) تتحول عن الظرفية، والدليل: أنها وردت اسماً لـ (إن) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
وجاءت مفعولاً به كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
وجاءت مجرورة كقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٥].
إذاً: يصح أن ينوب عن الفاعل، فيقال مثلاً: صيمَ يومٌ.
لفظ: (مكان)، أيضاً يصح أن ينوب عن الفاعل؛ لأنه يتصرف فيستعمل ظرفاً وغير ظرف، فتقول: نزل الرجل مكان زيدٍ، هذه ظرف، وتقول: سافرت إلى مكانٍ بعيد، كما قال تعالى: ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤]، فتحول الآن عن الظرف إلى الجار والمجرور، فيصح أن يقال: اشتُريَ مكانٌ بعيد، وسُكِنَ مكانٌ بعيد، ويكون (مكان) نائباً عن الفاعل.
ثانياً: المصدر، إن كان يتحول عن المصدرية جاز أن ينوب، وإن كان لا يتحول لم يجز أن ينوب، فكلمة: (سبحان)، يقولون إنها ملازمة للنصب على المصدرية أو على المفعولية المطلقة، فلا يمكن أن تنوب عن الفاعل؛ لأنها لا تتحول عن حال واحدة، فلو قلت مثلاً: سُبِّحَ سبحانُ الله، لكان هذا غير جائز، لأن (سبحان) لا تتحول عن المصدر أو عن المفعولية المطلقة.
ومن أمثلة المصادر التي يصح أن تكون نائباً للفاعل: المصدر (شُرْب) تقول: شُرِبَ شُربٌ كثير، فهذا المصدر يجوز أن يكون نائباً للفاعل؛ لأن (شُرب) تتحول عن المصدرية إلى أن تكون فاعلاً أو مفعولاً به أو مجروراً أو مبتدأ، لكن (سبحان) لا يمكن أن تتغير عما كانت عليه.
ثالثاً: حرف الجر، من حروف الجر ما لا يتحول عن حاله، مثل: حروف القسم، فالمجرور بحروف القسم لا يمكن أن يقع نائب فاعل؛ لأنه مختص بالقسم، فلا يمكن أن يقع نائب فاعل، فلو قلت: حُلِفَ والله، لكان هذا غير سائغ؛ لأنه لا يتحول عن القسم، لكن لو قلت: مُرَّ بزيد، فإنه يجوز أن ينوب عن الفاعل؛ لأنه يتحول عن هذه الصيغة، حتى إنهم يقولون: لو حذف حرف الجر لنصب، على حد قول الشاعر: تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم عليّ إذاً حرام
стр. 316
متى وجد المفعول لم ينب عن الفاعل غيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد] أي: إذا وجد في اللفظ مفعول به فإنه لا يجوز أن ينوب شيء من هذه الثلاثة عن الفاعل، مثل: ضُرِبَ زيدٌ أمامَ الأمير يومَ السبت ضرباً شديداً، فعندنا الآن ثلاثة أمور: أمام: ظرف مكان، ويوم السبت: ظرف زمان، وضرباً: مصدر، فلا يجوز أن تنيب واحداً من هذه الثلاثة؛ لوجود المفعول به وهو زيد، لأن الضرب واقع على زيد.
فإذا وجد مفعول به في اللفظ فإنه لا يجوز العدول عنه، لكنه قال: (وقد يرد).
وقد هذه للتقليل؛ لأنها دخلت على الفعل المضارع، و (قد) إذا دخلت على فعل مضارع كانت للتقليل، أو على فعل ماض كانت للتحقيق، إلا أنها قد ترد للتحقيق مع الفعل المضارع، كقول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨].
وقوله: (قد يرد) أي: عن العرب، ومعلوم أن العرب يحكمون على النحاة وليس النحاة هم الذين يحكمون على العرب، ومثاله قول الشاعر: لم يُعن بالعلياء إلا سيداً ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى الشاهد قوله: لم يعن بالعلياء إلا سيداً، فإن (سيداً) مفعول به: و (بالعلياء): جار ومجرور، ومع ذلك نصب سيداً الذي هو المفعول به، فيكون (بالعلياء) نائب الفاعل مع أنه جار ومجرور.
لكن هذا نادر؛ لأنه متى أمكن أن يسلط الفعل على المفعول به فإنه لا يعدل عنه.
قوله: (لا ينوب): فعل مضارع منفي بلا.
وبعض: فاعل، وبعض: مضاف، وهذي: مضاف إليه.
إن وجد: جملة شرطية أداة الشرط فيها (إن)، وفعل الشرط (وجد)، فأين جواب الشرط؟ قيل: إن جواب الشرط لا يحتاج إليه في مثل هذا التركيب، وقيل: إنه محذوف دل عليه ما قبله، وعلى هذا فالتقدير: إن وجد فلا ينوب، لكن القول الأول أحسن، وهو الذي اختاره ابن القيم ﵀: أنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ وذلك لأن النفس لا تتشوف إلى الجواب، وإذا كانت لا تتشوف إليه فلا حاجة إلى أن نقدره، ثم إنك إن قدرته مع وجود ما يدل عليه جمعت بين الدال والمدلول، وإن قدرته مع حذفه فات مقصود الذي ركب الكلام على هذا الوجه.
وقوله: (مفعول به): نائب فاعل وجد.
وقد يرد: جملة فعلية مؤكدة بقد، ويرد: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو.
стр. 317
نيابة المفعول الثاني من باب كسا عن الفاعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وباتفاق قد ينوب الثان من باب كسا فيما التباسه أمن] قوله: (وباتفاق قد ينوب الثان من باب كسا) ظاهره أن النحويين متفقون على جواز نيابة الثاني من باب كسا إذا أمن اللبس، فإن لم يؤمن اللبس فإنه لا يجوز.
مثال ذلك: كُسي زيدٌ جبة، المفعول الثاني: جبة، والذي دلنا أنه المفعول الثاني: أن المفعول الأول هو لابس الجبة، فهو الفاعل في المعنى، فيقدم، فيكون زيد نائب الفاعل، وجبة: المفعول الثاني.
ولك أن تقول: كُسي زيداً جبةٌ وهذا باتفاق، كما قال ابن مالك ﵀.
وقوله: (فيما التباسه أمن): يدل على أنه إن وجد التباس فإنه لا يجوز، فإذا قلت: مُلِّكَ زيدٌ عمراً، فهنا لا يجوز أن تقول: مُلِّكَ زيداً عمرو؛ لأنه يلتبس المعنى، ففي العبارة الأولى: مُلِّك زيدٌ عمراً، الرقيق هو عمرو، فإذا قلت: مُلِّكَ زيداً عمرو، أوهم أن الرقيق هو زيد، فلذلك يمتنع هنا أن ينوب المفعول الثاني عن الفاعل لأنه يلتبس.
قوله: (باتفاق) متعلق بينوب بـ (ينوب).
قد ينوب: فعل مضارع مؤكد بقد، والظاهر أنها للتقليل.
الثان: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف، وإن شئت فقل: على الياء المحذوفة لإقامة الوزن.
من باب كسا: هذه متعلقة بمحذوف حال من (الثاني)، أي: الثاني حال كونه من باب كسا، وباب: مضاف، وكسا: مضاف إليه باعتبار اللفظ.
فيما: جار ومجرور متعلق بينوب، و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر.
التباسه: التباس مبتدأ، وأُمِن خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
стр. 318
حكم إقامة غير المفعول الأول مقام الفاعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في باب ظن وأرى المنع اشتهر ولا أرى منعاً إذا القصد ظهر] قوله: (في باب ظن) أي: في باب ظن الذي ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف كسا التي تنصب مفعولين فليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وقوله: (وأرى) ليست هنا فعلاً مضارعاً، بل هي فعل ماض، والمراد بها: أرى التي تنصب ثلاثة مفاعيل، نحو: أريت زيداً عمراً قائماً، هذا مراد ابن مالك.
قوله: (ولا أرى منعاً إذا القصد ظهر)، نسب إلى نفسه أنه إذا كان القصد ظاهراً فلا مانع من أن ينوب الثاني عن الفاعل مع نصب الأول.
وبالنسبة لـ (أرى) ليس الذي ينوب الثاني عن الأول، بل الثالث عن الثاني، لأن الثاني والثالث هما اللذان أصلهما المبتدأ والخبر.
تقول: أُعلِمَ زيدٌ عمراً قائماً، فنائب الفاعل هو (زيد)، والنحويون منعوا من أن يكون نائب الفاعل هو الثاني أو الثالث، وابن مالك يقول: لا أرى منعاً إذا القصد ظهر، مثل أن يقال: أُعلِمَ زيداً فرسُك مسرجاً، فهنا أقيم الثاني، وتقول: أُعلِمَ زيداً فرسَك مسرجٌ، وهنا أقيم الثالث، لكن الظاهر أن الصواب مع الذين منعوه؛ لأنه يتغير المعنى، وقول المؤلف: (إذا القصد ظهر)، قد يكون تصويره صعباً.
يقول ابن عقيل ﵀: [يعني أنه إذا كان الفعل متعدياً إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل كظن وأخواتها، أو كان متعدياً إلى ثلاثة مفاعيل كأرى وأخواتها، فالأشهر عند النحويين أنه يجب إقامة الأول ويمتنع إقامة الثاني في باب ظن، والثاني والثالث في باب أَعلم، فتقول: ظُن زيدٌ قائماً، ولا يجوز: ظُن زيداً قائمٌ، وتقول: أُعلمَ زيدٌ فرسَك مسرجاً، ولا يجوز إقامة الثاني، فلا تقول: أُعلمَ زيداً فرسُك مسرجاً، ولا إقامة الثالث فتقول: أُعلمَ زيداً فرسَك مسرجٌ.
ونقل ابن أبي الربيع الاتفاق على منع إقامة الثاني، ونقل الاتفاق أيضاً ابن المصنف.
وذهب قوم منهم المصنف إلى أنه لا يتعين إقامة الأول لا في باب ظن ولا باب أعلم، لكن اشترطوا ألا يحصل لبس، فتقول: ظُن زيداً قائمٌ، وأُعلمَ زيداً فرسُك مسرجاً.
وأما إقامة الثالث من باب أعلم فنقل ابن أبي الربيع وابن المصنف الاتفاق على منعه، وليس كما زعما، فقد نقل غيرهما الخلاف في ذلك، فتقول: أُعلمَ زيداً فرسَك مسرجٌ.
فلو حصل لبس تعين إقامة الأول في باب ظن وأعلم، فلا تقول: ظُنّ زيداً عمرو، على أن (عمرو) هو المفعول الأول، ولا أُعلمَ زيداً خالدٌ منطلقاً].
وذلك أنك إذا قلت: ظُنَّ زيداً عمرو، كان عمرو هو الذي ظُنَّ أنه زيد، وأنت تريد أن زيداً هو الذي ظُنَّ أنه عمرو، فنقول: إذا كنت تريد هذا فقل: ظُن زيدٌ عمراً، ولا يجوز أن تقول: ظُن زيداً عمرو.
أما ظُن زيدٌ منطلقاً، فيجوز أن تقول: ظُن زيداً منطلقٌ، هذا على كلام ابن مالك ﵀، لكن كلام الجمهور أَسَدٌّ؛ لأنك إذا قلت: ظُن عمراً منطلقٌ، يكون الكلام ركيك جداً؛ لأنك لو حولته فقلت: ظُن منطلقٌ عمراً، سيكون الكلام ركيكاً، فالظاهر أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، أنه لا يجوز في باب ظن وأرى أن يتحول العمل إلى الثاني في باب ظن، أو الثالث والثاني في باب أرى، بل يتعين أن يكون الأول هو نائب الفاعل، بخلاف كسا وأعطى، فالأمر فيه سعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما سوى النائب مما علقا بالرافع النصب له محققا] ما: مبتدأ، وقوله: (النصب): مبتدأ ثان، وله: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
والمعنى: ما سوى النائب عن الفاعل مما تعلق بالفعل فإنه منصوب على كل حال، فتقول: ظُن زيدٌ منطلقاً، وأُرِيَ زيدٌ عمراً قائماً.
стр. 319
شرح ألفية ابن مالك [٣٢]
الأصل أن يتسلط العامل على معموله، لكن قد يتقدم المعمول فيشتغل العامل عنه بضمير أو ما تعلق به هذا الضمير، وهنا يكون للاسم المعمول المتقدم أحوال من حيث نصبه أو رفعه؛ فقد يجوزان على السواء وقد يترجح أحدهما أو يجب.
стр. 320
اشتغال العامل عن المعمول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اشتغال العامل عن المعمول: إن مضمر اسم سابق فعلاً شغل عنه بنصب لفظه أو المحل فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتماً موافق لما قد أظهرا] قوله: (اشتغال العامل عن المعمول).
العامل يشمل الفعل واسم الفاعل وكل ما يعمل.
ومعنى اشتغال العامل عن المعمول: أن يكون العامل مشتغلاً بمعمول آخر يعود على ما سبق، وذلك أن الفعل لا يمكن أن يتسلط على شيئين، فلا يوجد فاعلان في فعل واحد، ولا مفعولان في فعل واحد إذا كانا بمعنى واحد.
فمثلاً: زيد ضربته، لا يمكن أن يكون (ضرب) عاملاً في (زيد) وفي الضمير، لكن يمكن أن ينصب مفعولين كل واحد منهما غير الآخر كما مر معنا في باب ظن وأخواتها.
واشتغال العامل عن المعمول يكون إما بضميره، وإما بشيء مضاف إلى ضميره، فإذا قلت: زيد ضربته، فهنا اشتغل بضميره، وإذا قلت: زيداً ضربتُ غلامَه، فهذا مشتغل بمضاف إلى ضميره، وكلام ابن مالك يشمل هذا وهذا.
ولذلك يقول: (إن مضمر اسم سابق فعلاً شغل عنه بنصب لفظه أو المحل) إن: شرطية.
مضمر: على رأي الكوفيين فاعل مقدم على فعله، أو مبتدأ وما بعده خبره، وأما على رأي البصريين فيقولون: مضمر: فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، وقد عرفنا الأقوال الثلاثة في مثل هذا التركيب، وأن من العلماء من قال: إنه لا بد أن نقدر فعلاً، ومنهم من قال: إن أدوات الشرط تدخل على الأسماء، ومنهم من قال: إنه يجوز تقديم الفاعل.
(فعلاً شغل): فعلاً: مفعول لشغل.
وشغل: مفسر للفعل المحذوف، والتقدير: إن شغل مضمر اسم سابق فعلاً عنه بنصب لفظه أو المحل.
(عنه) أي: عن هذا السابق، يعني شغله عنه بنصب لفظه أو المحل، أي: سواء كان ذلك شاغلاً عن نصب اللفظ أو المحل: ونصب اللفظ واضح، مثل: ضربت زيداً، تقول: زيداً ضربته، فلا يمكن أن يكون (زيداً) مفعول به والهاء مفعول به؛ بل الفعل انشغل.
(أو المحل) مثل أن يكون هذا المشتغل عنه يبنى ولا ينصب، فيكون الاشتغال عن نصب محله.
كذلك اسم الإشارة مبني.
كأن تقول: هذا ضربته، فهنا اشتغل الضمير عن نصب المحل، ولهذا نقول: ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب.
قال ﵀: (فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتماً موافقٍ لما قد أظهر) فالسابق انصبه: السابق مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده، ولا نقول إنه مفعول بما بعده، لأن ما بعده مشغول عنه بضميره.
انصبه: انصب: فعل أمر، والهاء مفعول به.
بفعل: جار ومجرور متعلق بانصب.
أُضمر: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، والجملة صفة لفعل.
حتماً: متعلق بأضمرا، أي: إضماراً حتماً، أي: واجباً، فهو مصدر في موضع الحال، أي: محتوماً.
موافق: صفة لفعل.
لما قد أظهرا: أي: للفعل الظاهر، ففي قولك: زيداً ضربته، نقول: زيداً: مفعول لفعل محذوف تقديره (ضربت).
ولا يصح أن تقول: مفعول لفعل محذوف تقديره: (أهنت)؛ لأنه لابد أن يكون موافقاً لما قد أظهر، فإذا كان الفعل الموجود (ضرب) فلابد أن يكون الفعل المقدر مثله (ضرب).
ومثله: طعامك أكلته، طعامك: مفعول به لفعل محذوف والتقدير: أكلت طعامك، ولا يصح أن تقول في التقدير: أتلفت طعامك؛ لأنه لا بد أن يكون الفعل المضمر موافقاً لما قد أظهر.
وقوله: (أضمرا) من باب التجوز، والصواب أن يقال: حذف، ولو قال: فالسابق انصبه بفعل حذفا حتماً موافق لما قد عرفا لاستقام الكلام.
следующие страницы →