← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36954

شرح ألفية ابن مالك للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (761 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حكم مطابقة المنعوت للنعت في التنكير والتعريف قال المؤلف ﵀: [وليعط في التعريف والتنكير ما لما تلا ك امرر بقوم كرما]. قوله: (وليعط) الواو حرف عطف، واللام لام الأمر والأمر للوجوب النحوي لا الوجوب الشرعي. ولام الأمر الأصل أن تكون مكسورة، لكن ابن مالك سكنها؛ لأنه من المعلوم أن لام الأمر إذا سبقت بالواو أو ثم أو بالفاء سكنت كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] فاللام في (ليمدد) سبقت بالفاء وفي (ليقطع) سبقت بـ (ثم) وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] سكنت لسبقها بالواو. قوله: (وليعط)، يُعط: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على النعت يعني: وليعط النعت. وقوله: (في التعريف والتنكير ما لما تلا)، (ما) المفعول الثاني ليعط؛ لأن المفعول الأول هو نائب الفاعل، يعني: يعط هذين الأمرين في التعريف والتنكير للذي تلاه النعت، وعلى هذا ففاعل تلا يعود على النعت. فالقاعدة: يجب أن يكون النعت تابعاً للمنعوت في التعريف والتنكير، مثال ذلك: (امرر بقوم كرما) وحذفت الهمزة في (كرماء) لروي القافية، و (كرماء) نعت لقوم، وهي مثلها في التنكير. إذاً: تبعه في التنكير. لكن في قوله: (كامرر بقوم كرما) إشكال إذ قد عرفنا أن حروف الجر من علامات الاسم، وهنا (امرر) فعل أمر و (الكاف) دخل على الجملة المكونة من فعل الأمر والفاعل. وجواب الإشكال: أنها داخلة على جملة مقدرة بالمفرد أو بالاسم والتقدير: كهذا المثال، أو على محذوف والتقدير: كقولك امرر بقوم كرما. وإذا أردنا أن نحول هذا المثال إلى معرفة، نقول: امرر بالقوم الكرماء. ولو قلت: امرر بقوم الكرما، لا يصح؛ لأن (قوم) نكرة، و (الكرما) معرفة. وإذا قلت: امرر بالقوم كرماء، يصح على أنها حال لا على أنها نعت. إذاً: النعت يتبع المنعوت في ثلاثة أشياء: في الإعراب والتعريف والتنكير.

стр. 527

حكم مطابقة النعت لمنعوته في التوحيد والتذكير ونحوهما قال: [وهو لدى التوحيد والتذكير أو سواهما كالفعل فاقف ما قفوا] قوله: (وهو) الضمير يعود على النعت. (لدى) بمعنى عند. (التوحيد) يعني: الإفراد. (أو سواهما)، أي: سوى التوحيد والتذكير. وما سوى التوحيد هما التثنية والجمع؛ لأنه إما مفرد كزيد، أو مثنى كالزيدين، أو جمع كالزيدين. وما سوى التذكير هو التأنيث. يعني: النعت هو في هذه الأمور كالفعل، وهي: الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فهو في هذه الخمسة كالفعل: فإن عاد إلى ما قبله تبعه، وإن كان وصفاً في غيره تبع ذلك الموصوف. ومثال ذلك أن تقول: مررت برجل قائم. فـ (قائم) وصف يتبع المنعوت، فيكون مفرداً مذكراً؛ لأن المنعوت مفرد مذكر. وكقولنا: مررت بامرأة جالسة، فجالسة وصف لـ (امرأة) وهي مفردة مؤنثة، وجالسة كذلك. وكقولنا: مررت رجال قائمين. فرجال جمع، وقائمين وصف للرجال فيتبعهم. وكقولنا: مررت بنساء جالسات. وكذلك تقول أيضاً: مررت برجلين قائمين، ومررت بامرأتين جالستين، كما تقول: مررت برجلين قاما، وامرأتين جلستا، كالفعل تماماً. لكن إذا كان النعت وصفاً في غيره كان له حكم الفعل بالنسبة لذلك الغير، فتقول: مررت برجل قائم أبوه، ومررت برجل جالسة أمه، فـ (جالسة) نعت لرجل، والوصف يعود إلى أمه؛ لأن لها علاقة به بالضمير. وتقول: مررت بامرأة قائم أبوها، (قائم) صفة لامرأة، و (قائم) مذكر و (المرأة) مؤنث؛ لأن الوصف لأبيه وهو مذكر، فيعطى حكم الفعل، كما تقول: مررت بامرأة قام أبوها، ومررت برجل جلست أمه. ومررت برجل قائم أبواه. وأما: مررت برجل قائمان أبواه، فلا يجوز إلا على لغة أكلوني البراغيث، أما على اللغة المشهورة فنقول: مررت برجل قائم أبواه كما تقول: مررت برجل قام أبواه، ولهذا ابن مالك ﵀ كلامه مضبوط قال: (وهو لدى التوحيد والتذكير أو سوهما كالفعل) إذاً: النعت يتبع المنعوت في واحد من أوجه الإعراب، وهي الرفع والنصب والجر، وواحد من التعريف والتنكير، وواحد من الإفراد والتثنية والجمع وواحد من التذكير والتأنيث، فيتبعه في أربعة من عشرة. إذاً: يتبع المنعوت في الإعراب، وفي التعريف والتنكير بدون استثناء. ويتبعه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث إذا كان الوصف عائداً على المنعوت، فإن كان الوصف عائداً إلى غيره فحكمه حكم الفعل، يذكر مع المذكر، ويؤنث مع المؤنث.

стр. 528

كلام ابن عقيل في شرح ما يتبع النعت فيه المنعوت قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التوابع: النعت: يتبع في الإعراب الأسماء الأول نعت وتوكيد وعطف وبدل]. قال ابن عقيل: التابع هو الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقاً، فيدخل في قولك: (الاسم المشارك لما قبله في إعرابه) سائر التوابع وخبر المبتدأ، نحو: زيد قائم، وحال المنصوب، نحو: ضربت زيداً مجرداً، ويخرج بقولك: (مطلقاً) الخبر وحال المنصوب، فإنهما لا يشاركان ما قبلها في إعرابه مطلقاً، بل في بعض أحواله بخلاف التابع فإنه يشارك ما قبله في سائر أحواله من الإعراب، نحو: مررت بزيد الكريم، ورأيت زيداً الكريم، وجاء زيد الكريم، والتابع على خمسة أنواع: النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل. فالتفت تابع متم ما سبق بوسمه أو وسم ما به اعتلق عرف النعت بأنه: التابع المكمل متبوعه ببيان صفة من صفاته نحو: مررت برجل كريم، أو من صفات ما تعلق به وهو سببيه نحو: مررت برجل كريم أبوه. فقوله: (التابع) يشمل التوابع كلها، وقوله: (المكمل إلى آخره) مخرج لما عدا النعت من التوابع. والنعت يكون للتخصيص نحو: مررت بزيد الخياط، وللمدح نحو: مررت بزيد الكريم، ومنه قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، وللذم نحو: مررت بزيد الفاسق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وللترحم نحو: مررت بزيد المسكين، وللتأكيد نحو: أمس الدابر لا يعود، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة:١٣]]. (واحدة) توكيد لنفخة؛ لأن الواحدة مفهومة من كلمة نفخة، ولكن مع ذلك لا نعربها توكيداً، إنما تعربها على أنها نعت، فصار النعت ينقسم إلى هذه الأقسام من حيث المعنى: التخصيص، والمدح، والذم، والترحم، والتوكيد. والذي يدلنا على هذه المعاني السياق، فأحياناً تأتي كلمة واحدة تكون ذماً لشخص وتكون مدحاً لآخر، لكن السياق هو الذي يبين أن هذا النعت للمدح أو للذم وأنت إذا قلت: مررت بزيد المسكين أو أعط زيداً المسكين، لا شك أن المقصود بذلك الترحم. قوله: أمس الدابر، المضي معلوم من كلمة أمس لأنها تدل على هذا المعنى، فالدابر يكون نعتاً، لكن مؤكد لأمس. قال ابن مالك: [وليعط في التعريف والتنكير ما لما تلا كامرر بقوم كرما] قال ابن عقيل: [النعت يجب فيه أن يتبع ما قبله في إعرابه وتعريفه أو تنكيره]. لا يصلح أن يقول: (تعريفه وتنكيره) لأنه لا يمكن أن يكون معرفة نكرة، إنما المراد (في تعريفه أو تنكيره) وانظر إلى قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]. فالواو هذه للتنويع: ((ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا))؛ لأنه لا يمكن أن تكون ثيباً بكراً، لكن الصفات السابقة يمكن أن توجد في امرأة واحدة. قال ابن عقيل: [نحو: مررت بقوم كرماء، ومررت بزيد الكريم، فلا تنعت المعرفة بالنكرة، فلا تقول: مررت بزيد كريم ولا تنعت النكرة بالمعرفة فلا تقول: مررت برجل الكريم]. قوله: (مررت بزيد) هذا إذا أريد به العلمية، أي: شخص معين اسمه زيد، أما إذا أردت به مسمى زيد وأردت التنكير صح، بزيد كريم أي: بمسمى بهذا الاسم كريم، ونظير ذلك ما ذكروه في رمضان قالوا: إذا قصدت رمضان المعين فهو ممنوع من الصرف للعلمية، وإذا أردت غير معين فهو مصروف بالتنكير. ولهذا يقول الفقهاء: (لا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى ما بعد رمضانٍ آخر)، فرمضانٍ آخر نكرة. أما إذا قلت: بزيد الذي هو زيد المعين، فزيد معرفة ولا يجوز نعته بالنكرة. قال ابن مالك: [وهو لدى التوحيد والتذكير أو سواهما كالفعل فاقف ما قفوا]. قال ابن عقيل: [تقدم أن النعت لابد من مطابقته للمنعوت في الإعراب والتعريف أو التنكير، وأما مطابقته للمنعوت في التوحيد وغيره وهي التثنية والجمع، والتذكير وغيره وهو التأنيث؛ فحكمه فيها حكم الفعل، فإن رفع ضميراً مستتراً طابق المنعوت مطلقاً نحو: زيد رجل حسن، والزيدان رجلان حسنان، والزيدون رجال حسنون، وهند امرأة حسنة، والهندان امرأتان حسنتان، والهندات نساء حسنات، فيطابق في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع كما يطابق الفعل لو جئت مكان النعت بفعل فقلت: رجل حَسُن، ورجلان حَسُنا، ورجال حسنوا، وامرأة حَسُنت، وامرأتان حسنتا، ونساء حَسُنَّ]. وإن رفع -أي النعت- اسماً ظاهراً كان بالنسبة إلى التذكير والتأنيث على حسب ذلك الظاهر، وأما في التثنية والجمع فيكون مفرداً، فيجري مجرى الفعل إذا رفع ظاهراً فتقول: مررت برجل حسنة أمه، كما تقول: حسنت أمه، وبامرأتين حسن أبواهما، وبرجال حسن آباؤهم، كما تقول: حسن أبواهما، وحسن أباؤهم. فالحاصل أن النعت إذا رفع ضميراً طابق المنعوت في أربعة من عشرة: واحد من ألقاب الإعراب، وهي الرفع والنصب والجر. وواحد من التعريف والتنكير. وواحد من التذكير والتأنيث. وواحد من الإفراد والتثنية والجمع وإذا رفع ظاهراً طابقه في اثنين من خمسة: واحد من ألقاب الإعراب. وواحد من التعريف والتنكير. وأما الخمسة الباقية وهي التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع فحكمه فيها حكم الفعل إذا رفع ظاهراً، فإن أسند إلى مؤنث أنث وإن كان المنعوت مذكراً، وإن أسند إلى مذكر ذكر وإن كان المنعوت مؤنثاً، وإن أسند إلى مفرد أو مثنى أو مجموع أفرد وإن كان المنعوت بخلاف ذلك]. تقول: مررت بامرأتين حسنٍ أبوهما لأن النعت السببي يجري مجرى الفعل، مادام رفع ظاهراً فيكون مفرداً مذكراً. وتقول: مررت برجال حسنٍ آباؤهم.

стр. 529

حكم كون النعت مشتقاً قال ابن مالك: [وانعت بمشتق كصعب وذرب وشبهه كذا وذى والمنتسب] قوله: (وانعت بمشتق) يعني: لا تجز النعت إلا بمشتق، والمشتق معناه: ما دل على الوصف والفاعل، مثل: اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل؛ لأنه يدل على الوصف وفاعله، فمثلاً: قائم يدل على القيام وذات متصفة بالقيام، ومظروف يدل على الظرف وذات متصفة بوقوع الظرف عليها، وبطل يدل على البطولة ورجل متصف بها، وأفضل يدل على الأفضلية ورجل متصف بها. وإنما وجب النعت بالمشتق؛ لأن المشتق وصف لذات، فلابد أن يكون مشتملاً على الوصف والذات. فإذا قلت: مررت بالرجل الفاضل، فالفاضل وصف لرجل وهو ذات، فلابد أن يشتمل على وصف وذات، وهذا لا يكون إلا في المشتق. فهذا وجه كونه لابد أن يكون النعت مشتقاً. ومثل له ابن مالك بقوله: (كصعب وذرب) فأعطى الحكم والمثال، فبالحكم تتقرر القاعدة وبالمثال تتضح القاعدة، ومن حسن التعليم أن الإنسان إذا أتى بالأحكام يعقبها بالأمثلة حتى تتضح، لاسيما الأشياء التي يصعب فهمها، فإنه بضرب الأمثال تعقل المعاني، وهناك كتاب اسمه: النحو الواضح، وكتاب: البلاغة الواضحة قرأناهما في المعاهد يأتي بالأمثلة أولاً ثم يشرحها ثم يستنتج القاعدة، والأولون يأتون أولاً بالأحكام ثم بالأمثلة. وقوله: (انعت بمشتق كصعب وذرب) (صعب) مأخوذ من الصعوبة، فهي إذاً مشتقة و (ذرب) من الذرابة، فهي إذاً مشتقة. والصعوبة والذرابة تقتضي أن الإنسان يكون حازماً ولا يكون عنده لين فيضعف، ولا خمول فيكسل. وقوله: (وشبهه) يعني شبه المشتق، مثل: (كذا وذي والمنتسب)، أي: يجوز أن ينعت بما يشبه المشتق، مثل (ذا) الذي هو اسم إشارة وهي مؤولة بالمشتق، وتأويلها بالمشار إليه، تقول: أكرم الرجل هذا، فـ (هذا) صفة للرجل. فإذا قال قائل: أسماء الإشارة غير مشتقة، نقول: لكن مؤولة بالمشتق، والتقدير: أكرم الرجل المشار إليه، والمشار اسم مفعول فهو مشتق. فإذاً: يقول: (وشبهه) أي: مما يؤول بالمشتق كاسم الإشارة (ذا وذي) لكن (ذا) للمفرد المذكر، و (ذي) للمفردة المؤنثة. (والمنتسب) أي: المنسوب إلى مكان أو قبيلة أو حرفة أو ما أشبه ذلك، تقول: رأيت الرجل التميمي، فالتميمي جامد، لكن نقول: هذه نسبة؛ فيؤول التميمي بالمنسوب إلى تميم، والمنسوب إلى مكان مثل: أكرم الرجل المدني، أكرم الرجل المكي وما أشبه ذلك، فهذا منسوب إلى المكان. إذاً: ينعت بالمشتق والمؤول بالمشتق وهو اسم الإشارة والمنسوب. فإن قيل: هذا رجل حجر، فحجر جامد فلا يصح الوصف به إلا إذا كان مؤولاً. أما أن تقول: هذا رجل حجر؛ تريد الحجر الحقيقي بدون تأويل فهذا لا يصح، فيؤول هذا رجل حجر، أي: رجل قاسٍ. ويقال: هذا تلميذ زبدة، فالزبدة جامد فلا يصلح الوصف بها إلا أوَّلت، فتكون زبدة بمعنى اللين أي: ليس قوياً.

стр. 530

شرح ألفية ابن مالك [٥٠] الجمل بعد النكرات صفات، فيجوز أن يكون النعت جملة بشرط أن يكون فيها رابط يربطها بالمنعوت، وقد يتعدد المنعوت فيفرق نعته حتى لا يلتبس الأمر، وقد يتعدد النعت لمنعوت واحد فتكون النعوت تابعة لمنعوتها، ويجوز القطع في بعض الحالات.

стр. 531

النعت بالجملة

стр. 532

الجمل تنعت النكرات قال ابن مالك: [ونعتوا بجملة منكرا فأعطيت ما أعطيته خبرا]. الجملة تكون اسمية وفعلية، ولا ينعت بها المعرفة إذ القاعدة: إذا جاءت الجملة بعد معرفة فهي حال، لكن إذا جاءت بعد نكرة فهي صفة. فقوله: (ونعتوا بجملة منكرا) خرج به المعرف. ومثال ذلك: رأيت طالباً يقلب كتابه. فالجملة هي: يقلب كتابه، و (طالباً) نكرة، فيجوز أن ننعت النكرة بالجملة. ونقول: (رأيت) فعل وفاعل، و (طالباً) مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، و (يقلب) فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو، و (كتابه) مفعول به، وهو مضاف والهاء مضاف إليه، وجملة (يقلب كتابه) في محل نصب صفة لرجل. وكذلك مررت برجل يبيع خبزاً، فرجل نكرة، و (يبيع خبزاً) جملة، فتكون صفة لرجل. فإذا قلنا: مررت بالطالب يقلب كتابه، فالجملة بعد معرفة فتكون في موضع نصب على الحال. ومثال النعت بالجملة الاسمية: مررت برجل أبوه كريم. فـ (مررت) فعل وفاعل، و (الباء) حرف جر، و (رجل) اسم مجرور بالباء، و (أبو) مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة أو الستة على الخلاف، وأبو مضاف والهاء مضاف إليه، و (كريم) خبر أبوه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جر صفة لرجل. ورأيت كاتباً خطه جميل: فـ (كاتباً) مفعول رأيت، و (خط)، مبتدأ، و (خط) مضاف والهاء مضافة إليه، و (جميل) خبر خط، والجملة في محل نصب صفة لكاتب.

стр. 533

وجوب ربط جملة الصفة بالموصوف يقول المؤلف: (فأعطيت ما أعطيته خبراً) يعني: إذا نعت بالجملة فإنه يثبت لها ما يثبت للجملة الخبرية، وقد سبق في باب المبتدأ ما يلزم إذا وقعت الجملة خبراً، ومن أهم ذلك أنه يجب أن تشتمل على رابط يربطها بالمبتدأ، فلو قلت: مررت برجل عمرو قائم، لا يجوز؛ لأن (عمرو قائم) جملة اسمية لكن ليس فيها رابط يربطها بالموصوف. وإذا قلت: مررت برجل ابنه كبير، فالرابط الهاء في (ابنه). ومررت برجل ما أدراك ما الرجل، فالرجل هذه تعود على الأول، مثل: الحاقة ما الحاقة. إذاً: تعطى ما تعطاه الجملة الخبرية من الأحكام، وهذه الإحالة من المؤلف إحالة على مليء، فكأنه يقول: ارجع إلى باب المبتدأ والخبر، وانظر ما هي شروط الجملة إذا وقعت خبراً فأت بها هنا، إلا ما استثنى.

стр. 534

لا تكون الجملة الطلبية صفة قال المؤلف ﵀: [وامنع هنا إيقاع ذات الطلب وإن أتت فالقول أضمر تصب]. و (امنع هنا) أي: في النعت، (إيقاع ذات الطلب) فلا تأتي الجملة المنعوت بها طلبية، وإنما تأتي خبرية، فلا تأتي فعل أمر، ولا تأتي مقرونة بلا الناهية، ولا تأتي مقرونة بأداة استفهام. يقول المؤلف هنا: لا يمكن أن تأتي الجملة نعتاً إذا كانت طلبية، وتأتي خبرية. وأخذنا ذلك من قوله: (وامنع هنا). مثال ذلك: زيد أكرمه، (زيد) مبتدأ، و (أكرمه) جملة خبر زيد. وزيد لا تهنه، (زيد) مبتدأ، وجملة (لا تهنه) خبر. ومررت برجل اضربه، فـ (اضربه) لا تصح أن تكون نعتاً؛ لأنها طلبية، والجملة الطلبية لا تقع نعتاً، وتقع خبراً. ومررت برجل لا تكسر خاطره، لا تصح كذلك؛ لأنها طلبية. ومررت برجل هل رأيته في السوق، لا تصح؛ لأنها طلبية. وقال الشاعر: حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (بمذق) الباء حرف جر، و (مذق) اسم مجرور بالباء، و (هل) أداة استفهام، (رأيت) فعل وفاعل، و (الذئب) مفعول به، و (قط) ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب، وجملة (هل رأيت الذئب قط) يريد الشاعر أن تكون صفة لمذق، فكيف الجواب عن قول ابن مالك: (وامنع هنا إيقاع ذات الطلب)؟ نقول: الجواب من كلام ابن مالك قال: (وإن أتت فالقول أضمر تصب) إن أتت الجملة الطلبية صفة فأضمر القول، فتقول: جاءوا بمذق مقول فيه: هل رأيت الذئب قط؟ ويكون الوصف هنا هو المحذوف المقدر بـ (مقول)، وجملة: هل رأيت الذئب قط تكون مقول القول. وإذا قلت: مررت برجل اضربه، فالتقدير: مقول فيه اضربه. وهكذا كلما رأيت جملة طلبية واقعة نعتاً لمنكر فأضمر فيها القول. لكن يفهم من قوله ﵀: (إن أتت) أنك لا تأتي بها، لكن إذا سمعت من العرب العرباء فأضمر القول. فالقاعدة: أن الجملة تقع نعتاً لنكرة وتعطى حكم الجملة الواقعة خبراً إلا أنه هنا لا تأتي بجملة طلبية، وإن أتت وجب إضمار القول ليكون نعتاً وتكون الجملة الفعلية مفعولاً للقول المحذوف.

стр. 535

كلام ابن عقيل عن النعت بالمشتق والنعت بالجملة

стр. 536

حكم النعت بما هو مشتق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وانعت بمشتق كصعب وذرب وشبهه كذا وذي والمنتسب] قال ابن عقيل: [لا ينعت إلا بمشتق لفظاً أو تأويلاً. والمراد بالمشتق هنا: ما أخذ من المصدر للدلالة على معنى وصاحبه: كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل التفضيل. والمؤول بالمشتق: كاسم الإشارة نحو: مررت بزيد هذا، أي: المشار إليه، وكذا ذو بمعنى صاحب، والموصولة نحو: مررت رجل ذي مال، أي: صاحب مال، وبزيد ذو قام، أي: القائم، والمنتسب نحو: مررت برجل قرشي، أي منتسب إلى قريش]. مثال اسم فاعل: مررت برجل قائم. واسم المفعول: رأيت لحماً مطبوخاً. والصفة: مررت برجل حسن الوجه. واسم التفضيل: مررت برجل أفضل من زيد. وقوله: (كذا وذي) هما للإشارة، ولكن الأول للمذكر والثاني للمؤنث، وفات علينا (ذو) بمعنى صاحب مع أنها ليست اسم فاعل، ولكنه بمعنى اسم الفاعل، فيكون (ذا) اسم إشارة، و (ذي) التي بمعنى صاحب. وقوله: (ذو قام) كما إذا قلت: مررت بالرجل الذي قام، فهي كقولك: مررت بالرجل القائم، فهو مشتق بصلته. وإذا قلت: نظرت إلى اللحم مطبوخاً، فمطبوخاً حال؛ لكونها بعد معرفة. أما إذا قلت: نظرت إلى لحم مطبوخ فجاء بعد نكرة فهو وصف لها. وقوله: مررت برجل ذي مال، تمثيل لقوله: (ذو) بمعنى صاحب، وقوله: (ذو قام) تمثيل لذي الموصولة.

стр. 537

النعت للنكرات بالجمل قال ابن مالك: [ونعتوا بجملة منكرا فأعطيت ما أعطيته خبراً] قال ابن عقيل: [تقع الجملة نعتاً كما تقع خبراً وحالاً، وهي مؤولة بالنكرة، ولذلك لا ينعت بها إلا النكرة نحو: مررت برجل قام أبوه، أو أبوه قائم، ولا تنعت بها المعرفة فلا تقول: مررت بزيد قام أبوه، أو أبوه قائم. وزعم بعضهم: أنه يجوز نعت المعرف بالألف واللام الجنسية بالجملة، وجعل منه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:٣٧]، وقول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني فنسلخ صفة لليل، و (يسبني) صفة للئيم، ولا يتعين ذلك لجواز كون نسلخ ويسبني حالين]. هذا تأويل للآية فمنهم من أول أن الليل واللئيم بمعنى النكرة، وأن التقدير هو: آية لهم ليل نسلخ منه النهار، ولقد أمر على لئيم يسبني. وحينئذ يكون هذا بمعنى النكرة؛ لأنه للجنس، والجنس عام في أفراده فهو كالنكرة المطلقة في أقوالهم، وكما علمنا مما سبق أن قوله (آية لهم الليل) ممكن أن نجعل (نسلخ) في موضع نصب على الحال، يعني: حال كوننا سالخين منه النهار، و (ولقد أمر على اللئيم يسبني) أي: حال كونه يسبني. ويقولون: إن الدليل إذا ورد عليه احتمال بطل به الاستدلال. فالخلاصة الآن: أننا فهمنا أن الجملة تكون نعتاً، لكن بشرط أن يكون المنعوت نكرة، كقولنا: مررت برجل يقرأ. أما أن تقول: مررت بالرجل يقرأ، فإنها تجعل حالاً، ولهذا يقولون: إن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال. قال ابن عقيل: [وأشار بقوله: (فأعطيت ما أعطيته خبراً)، إلى أنه لابد للجملة الواقعة صفة من ضمير يربطها بالموصوف، وقد يحذف للدلالة عليه كقوله: وما أدري أغيرهم تناء وطول الدهر أم مال أصابوا والتقدير: أم مال أصابوه، فحذف الهاء. وكقوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة:٤٨] أي: لا تجزي فيه، فحذف فيه، وفي كيفية حذفه قولان: أحدهما: أنه حذف بجملته دفعة واحدة. والثاني: أنه حذف على التدريج، فحذف (في) أولاً فاتصل الضمير بالفعل فصار تجزيه، ثم حذف هذا الضمير المتصل فصار تجزي]. أي أن عندنا طريقين في حذفها، هل حذف الجار والمجرور رأساً -لا تجزي فيه- أو حذف الجار أولاً فاتصل الضمير بالفعل ثم حذف الضمير، والأول أسهل. لكن هؤلاء فروا من كون الحرف يحذف، وقد سبق لنا في باب الموصول أن الحروف لا تحذف مع صلتها إلا بشروط، لكن المفاعيل تحذف بكثرة، ولكن مادام الأمر ظاهراً من السياق فنقول: حذف الجار والمجرور جميعاً دفعة واحدة.

стр. 538

حكم النعت بالجملة الطلبية قال المؤلف ﵀: [وامنع هنا إيقاع ذات الطلب وإن أتت فالقول أضمر تصب]. قال ابن عقيل: [لا تقع الجملة الطلبية صفة، فلا تقول: مررت برجل اضربه، وتقع خبراً خلافاً لـ ابن الأنباري، فتقول: زيد اضربه. ولما كان قوله: (فأعطيت ما أعطيته خبراً) يوهم أن كل جملة وقعت خبراً يجوز أن تقع صفة قال: (وامنع هنا إيقاع ذات الطلب) أي: امنع وقوع الجملة الطلبية في باب النعت، وإن كان لا يمتنع في باب الخبر، ثم قال: فإن جاء ما ظاهره أنه نعت فيه بالجملة الطلبية فيخرج على إضمار القول، ويكون المضمر صفة والجملة الطلبية معمول القول المضمر؛ وذلك كقوله: حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط فظاهر هذا أن قوله: (هل رأيت الذئب قط) صفة لمذق، وهي جملة طلبية، ولكن ليس هو على ظاهره، بل (هل رأيت الذئب قط) معمول لقول مضمر هو صفة لمذق، والتقدير: بمذق مقول فيه هل رأيت الذئب قط. فإن قلت: هل يلزم هذا التقدير في الجملة الطلبية إذا وقعت في باب الخبر، فيكون تقدير قولك زيد اضربه: زيد مقول فيه اضربه؟ ف الجواب أن فيه خلافاً، فمذهب ابن السراج والفارسي التزام ذلك، ومذهب الأكثرين عدم التزامه]. الصحيح أنه لا يحتاج إلى التزام.

стр. 539

النعت بالمصدر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتوا بمصدر كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكيرا ونعت غير واحد إذا اختلف فعاطفاً فرقه لا إذا ائتلف ونعت معمولي وحيدي معنى وعمل أتبع بغير استثناء وإن نعوت كثرت وقد تلت مفتقراً لذكرهن تبعت واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها أو بعضها اقطع معلنا وارفع أو انصب إن قطعت مضمراً مبتدأً أو ناصباً لن يظهرا وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل]. قول المؤلف ﵀: (ونعتوا بمصدر كثيراً)، إذاً: فالمسألة مسألة استعمال، فيعود الضمير في (نعتوا) على المستعملين وهم العرب، لا النحاة. قوله: (بمصدر كثيراً)، كثيراً: مفعول مطلق لنعتوا، يعني: نعتوا نعتاً كثيراً بالمصدر، ولهذا يمر بكم في القرآن وفي السنة وفي كلام العرب وفي كلام الناس النعت بالمصدر كثيراً؛ فتقول مثلاً: هذا رجل عدل، فكلمة (عدل) هي مصدر عدل يعدل عدلاً. كذلك تقول: هذا رجل ثقة، فـ (ثقة) مصدر وثق يثق ثقة كوعد يعد عدة، وتقول: هذا رجل رضا، ورضا مصدر رضى يرضى رضا. فإذا نعت بالمصدر يقول المؤلف (فالتزموا الإفراد والتذكير)، أي: العرب الذين نعتوا بالمصدر التزموا الإفراد ولو كان المنعوت مثنى أو جمعاً، والتزموا التذكير ولو كان المنعوت مؤنثاً، يعني أنهم أبقوا المصدر على حاله، فتقول: هذا رجل عدل، وهذه امرأة عدل، وهذان رجلان عدل، وهؤلاء رجال عدل، وهؤلاء نساء عدل، وهاتان امرأتان عدل. فالتزموا الإفراد والتذكير؛ وذلك لأن المصدر لا يجمع ولا يثنى، بل يبقى على ما هو عليه، لكن كيف يكون تأويل هذا المصدر؛ لأننا نعرف أن المصدر نعت، والنعت صفة دالة على ذات، فالعدل غير العادل، والرضا غير المرضي؟ ذكروا في تأويله ثلاثة أوجه: الأول: أن المصدر بمعنى اسم الفاعل إن كان قائماً بالمنعوت، أو بمعنى اسم المفعول إن كان واقعاً على المنعوت، فقولك: رضا بمعنى مرضي، وعدل بمعنى عادل، الأول بمعنى اسم الفاعل والثاني بمعنى اسم المفعول. يعني أن المصدر مؤول بمشتق، إما اسم الفاعل أو اسم المفعول. الثاني: أن المصدر على حاله وإنه على تقدير مضاف أي: ذو عدل، تقول: هذا رجل ذو عدل وهذان رجلان ذوا عدل، ورأيت رجلين ذوي عدل، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]. الثالث: أن هذا النعت دال على صفة وصاحبها، فقولك: مررت برجل قائم (قائم) دال على صفة وعلى ذات وهي صاحبة الصفة، فجعلنا هذا المنعوت نفس المصدر من باب المبالغة، وكأنه هو نفس ذلك المنعوت، فقولك: هذا رجل عدل، جعلت العدل كأنه هذا الرجل. ولكن في كتب الفقه: (يثبت دخول الشهر غير رمضان بشهادة عدلين) فثني المصدر، وهذا من باب تسامح الفقهاء، والأصل أن يقال: بشهادة اثنين عدل أو ذوي عدل، مثلما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ﴾ [الطلاق:٢]، ولم يقل : وأشهدوا عدلين.

стр. 540

أحكام النعوت إذا تعددت قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتوا بمصدر كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكيرا ونعت غير واحد إذا اختلف فعاطفاً فرقه لا إذا ائتلف ونعت معمولي وحيدي معنى وعمل أتبع بغير استثناء وإن نعوت كثرت وقد تلت مفتقراً لذكرهن تبعت واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها أو بعضها اقطع معلنا وارفع أو انصب إن قطعت مضمراً مبتدأً أو ناصباً لن يظهرا وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل]. قول المؤلف ﵀: (ونعتوا بمصدر كثيراً)، إذاً: فالمسألة مسألة استعمال، فيعود الضمير في (نعتوا) على المستعملين وهم العرب، لا النحاة. قوله: (بمصدر كثيراً)، كثيراً: مفعول مطلق لنعتوا، يعني: نعتوا نعتاً كثيراً بالمصدر، ولهذا يمر بكم في القرآن وفي السنة وفي كلام العرب وفي كلام الناس النعت بالمصدر كثيراً؛ فتقول مثلاً: هذا رجل عدل، فكلمة (عدل) هي مصدر عدل يعدل عدلاً. كذلك تقول: هذا رجل ثقة، فـ (ثقة) مصدر وثق يثق ثقة كوعد يعد عدة، وتقول: هذا رجل رضا، ورضا مصدر رضى يرضى رضا. فإذا نعت بالمصدر يقول المؤلف (فالتزموا الإفراد والتذكير)، أي: العرب الذين نعتوا بالمصدر التزموا الإفراد ولو كان المنعوت مثنى أو جمعاً، والتزموا التذكير ولو كان المنعوت مؤنثاً، يعني أنهم أبقوا المصدر على حاله، فتقول: هذا رجل عدل، وهذه امرأة عدل، وهذان رجلان عدل، وهؤلاء رجال عدل، وهؤلاء نساء عدل، وهاتان امرأتان عدل. فالتزموا الإفراد والتذكير؛ وذلك لأن المصدر لا يجمع ولا يثنى، بل يبقى على ما هو عليه، لكن كيف يكون تأويل هذا المصدر؛ لأننا نعرف أن المصدر نعت، والنعت صفة دالة على ذات، فالعدل غير العادل، والرضا غير المرضي؟ ذكروا في تأويله ثلاثة أوجه: الأول: أن المصدر بمعنى اسم الفاعل إن كان قائماً بالمنعوت، أو بمعنى اسم المفعول إن كان واقعاً على المنعوت، فقولك: رضا بمعنى مرضي، وعدل بمعنى عادل، الأول بمعنى اسم الفاعل والثاني بمعنى اسم المفعول. يعني أن المصدر مؤول بمشتق، إما اسم الفاعل أو اسم المفعول. الثاني: أن المصدر على حاله وإنه على تقدير مضاف أي: ذو عدل، تقول: هذا رجل ذو عدل وهذان رجلان ذوا عدل، ورأيت رجلين ذوي عدل، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]. الثالث: أن هذا النعت دال على صفة وصاحبها، فقولك: مررت برجل قائم (قائم) دال على صفة وعلى ذات وهي صاحبة الصفة، فجعلنا هذا المنعوت نفس المصدر من باب المبالغة، وكأنه هو نفس ذلك المنعوت، فقولك: هذا رجل عدل، جعلت العدل كأنه هذا الرجل. ولكن في كتب الفقه: (يثبت دخول الشهر غير رمضان بشهادة عدلين) فثني المصدر، وهذا من باب تسامح الفقهاء، والأصل أن يقال: بشهادة اثنين عدل أو ذوي عدل، مثلما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ﴾ [الطلاق:٢]، ولم يقل : وأشهدوا عدلين.

стр. 541

نعت غير الواحد إذا اختلف العامل قوله: (ونعت غير واحد إذا اختلف فعاطفاً فرقه لا إذا ائتلف). يعني: عند نعت اثنين مختلفين يجب أن نفرق بين النعتين في العطف، فلا يصلح أن تقول: مررت بزيد وعمرو الكريمين البخيلين؛ لأنك تدخل في الصفة من لا يتصف بها، بل تقول: مررت بزيد وعمرو الكريم والبخيل، ويكون هذا من باب اللف والنشر المرتب. قوله: (لا إذا ائتلف) أما إذا ائتلف فإننا لا نفرقه بعطف، فإذا كانا كريمين فإننا نقول: مررت بزيد وعمرو الكريمين؛ لأنه مادام حصر الكلام ممكناً واختصاره ممكناً فهو الواجب. ويجوز لنا في النعت المختلف أن نولي كل نعت صاحبه، فنقول: مررت بزيد الكريم وعمرو البخيل، لو قلت: مررت بزيد وعمرو الكريم البخيل، لم يصلح؛ لأنه يحتمل أن الكريم البخيل وصفان لكل منهما، فإذا قلت: والبخيل، فالعطف يقتضي المغايرة ويوزع على ما سبق.

стр. 542

حكم نعت معمولين لعاملين مختلفين عملاً أو معنى قوله: (ونعت معمولي وحيدي معنى وعمل أتبع بغير استثناء) أي: متحدي معنى وعمل. (أتبع بغير استثناء) يعني: لا تستثن شيئاًَ، أي: إذا كان النعت لاثنين معمولين لعاملين متفقين في العمل والمعنى، فأتبع بغير استثناء. فعندنا الآن معمولان لعاملين متحدين في المعنى والعمل، فإنه حينئذ يقول المؤلف: أتبع بغير استثناء، أي: أتبعه المعمولين بغير استثناء. والآن لابد أن نأتي بعامل وعامل آخر ثم نسلطهما على معمولين، ثم نأتي بالنعت، فمثلاً: رأيت زيداً وأكرمت عمرواً الكريمين، لا يصلح لأن العاملين وإن كان عملهما واحداً وهو النصب، لكن المعنى مختلف، فيجب أن نفرق. لكن يجوز: رأيت زيداً وأبصرت عمرواً الكريمين؛ لأن رأيت بمعنى أبصرت وعملهما واحد، والمعمولان كلاهما منصوب، فإذاً: يجوز أن نتبع بغير استثناء. فإن اختلف العاملان عملاً أو اختلفا معنى أو اختلفا لفظاً -لكن المؤلف ما ذكر إلا المعنى فقط- فإنه لا يقبل، فلا تقول: جاء زيد وأكرمت عمراً المجتهدين؛ لأن الأول مرفوع والثاني منصوب، فإن رفعت مراعاة لزيد خالفت عمراً، وإن نصبت مراعاة لعمرو خالفت زيداً، إذاً: صف كل واحد على حدته، فتقول: جاء زيد المجتهد وأكرمت عمرواً المجتهد. وكذلك إذا اختلفا في المعنى مثل أن تقول: نجح زيد وفشل عمرو المحبوبان، فلا يصلح لاختلاف المعنى، وابن مالك يقول: (وحيدي معنى وعمل). ففي مثل هذا المثال أفرق، وأجعل نعت كل واحد يليه ولا أجمعهما؛ وذلك لاختلافهما في المعنى. وإذا اختلفا في اللفظ دون المعنى كأن تقول: سار زيد ومشى عمرو الكريمين، فظاهر كلام ابن مالك أنه يجوز؛ لأن المعنى واحد والعمل واحد، فيقول: (أتبع بغير استثناء). فالحاصل أنه إذا تعدد المنعوتان وعاملهما مختلف في المعنى أو في العمل فإنه يجب التفريق، وأما إذا اتفق العاملان عملاً ومعنى فإنه يجوز الإتباع، ويجوز التفريق، وهو الأصل، فقول المؤلف هنا: (أتبع) هذا على سبيل الإباحة وليس على سبيل الوجوب واللزوم؛ لأن لي أن أتبع كل واحد نعته ولا أجمعهما.

стр. 543

تعدد النعوت لمنعوت واحد ثم قال المؤلف: (وإن نعوت كثرت وقد تلت مفتقراً لذكرهن أتبعت) إذا تكررت النعوت وكان المنعوت لا يتعين بدونها وجب الإتباع وهذا معنى قوله: (وقد تلت). قوله: (أتبعت) هذا جواب الشرط. أي أن المنعوت إذا نعت بأكثر من نعت وكان لا يتعين إلا بها كلها فإنه يجب الإتباع ولا يجوز القطع؛ تقول مثلاً: رأيت عيسى الفاضل المجتهد الكريم. فإذا كان يتعين بدونها جاز القطع، لأنه متعين بدون هذه النعوت، فنقول (الفاضل) تابع وما بعده يجوز أن يكون تابعاً ويجوز أن يكون مقطوعاً، فتقول: رأيت عيسى الفاضلَ المجتهدُ الكريمُ، هذا قطع. ونقول: جاء غانم الدءوب الكريم الشجاع، فيجوز القطع لأنه لا يوجد عندنا إلا غانم واحد. فالقاعدة: أنه إذا كان هذا المنعوت متعيناً بدون النعوت فإنه يجوز فيما عدا الأول القطع، وأما إذا كان لا يعرف إلا بها وجب الإتباع. فإذا كان عندنا رجلان كل منهما اسمه محمد وهو كريم وشجاع، فيجب الإتباع فتقول: جاء محمدٌ الكريمُ الشجاعُ المجتهدُ؛ لأنه لا يعرف بدونها، أما إذا كان يعرف بأول نعت أو بدونها فإنه يجوز القطع فيما عدا الأول. والقطع معناه ألا تجعله تابعاً له في الإعراب، بل تجعله مرفوعاً على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو منصوباً على أنه مفعول لفعل محذوف، مثاله: جاء محمدٌ الفاضلُ المجتهدَ الكريمَ: نقول: الفاضل: نعت. المجتهدَ مفعول به لمحذوف والتقدير: أعني المجتهد. أو تقول: رأيت محمداً الفاضلَ الكريمُ المجتهدُ، فتقول: الكريمُ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو. والحاصل: أن النعوت إذا كثرت والمنعوت واحد فلا يخلو من حالين: إما أن يفتقر إليها وإما ألا يفتقر، ومعنى كونه مفتقراً إليها أنه لا يتعين بدونها ولا يعرف بدونها، كما لو قلت مثلاً: جاء زيد الكريم الشجاع القرشي، وكان يوجد زيد كريم شجاع تميمي، فعندنا ثلاثة نعوت، لكنه لا يتعين إلا بالثالث؛ لأنك إذا قلت: جاء زيد الكريم الشجاع لا ندري أهو التميمي أم القرشي، وإذا قلت: القرشي، تعين، وعلى هذا فيجب الإتباع في كل هذه النعوت؛ لأنه لا يتعين بدونها، ولهذا قال: (وإن نعوت كثرت وقد تلت مفتقراً لذكرهن أتبعت).

стр. 544

حكم القطع والإتباع عند تعدد النعوت ثم قال: (واقطع أوَ اتبع) بفتح الواو؛ لأن الهمزة في قوله (أتبع) همزة قطع، و (أوْ) واوها ساكنة، فنقلت حركة همزة القطع إلى الواو الساكنة وسهلت الهمزة. إذا قال قائل: كيف تسقطون همزة القطع وهي لا تسقط؟ قلنا: من أجل ضرورة الشعر، وقد قال الحريري ﵀ في ملحة الإعراب: وجائز في صنعة الشعر الصلف أن يصرف الشاعر ما لا ينصرف ويجوز للشاعر أن ينصب المرفوع لضرورة الشعر، ذكر السيوطي في ألفيته أنه أجازه بعضهم. (واقطع أو اتبع)؛ مِنْ: أَتَبَع يُتبع، والأمر منها أَتبِعْ. (واقطع أو اتبع إن يكن معيناً بدونها) فإذا كان معيناً ومعروفاً بدونها فلك القطع حتى في أول واحد منها، كما هو ظاهر كلام المؤلف. يقول: (أو بعضها اقطع معلناً) يعني: أو اقطع بعضها إن تعين بالبعض الآخر: فإذا قلنا: جاء زيد الكريم الشجاع التميمي، وهناك رجل يسمى زيد الكريم، لكنه قرشي، فإن الذي يجوز فيه القطع من هذه الصفات التميمي، والسبب أنه يتعين بدونه، أما الشجاع فلابد أن يكون تابعاً؛ لأنه لا يتعين بدونه. فتبين أنه إذا كان المنعوت لا يتعين بدون النعوت الكثيرة فإنه يجب فيها الإتباع، وإذا كان يتعين ببعضها جاز قطع ما يتعين بدونه وجاز الإتباع أيضاً؛ لأن الإتباع هو الأصل، وإذا كان يتعين بدونها كلها جاز قطعها كلها وجاز الإتباع. قوله: (وارفع أو انصب إن قطعت مضمراً مبتدأ أو ناصباً لن يظهرا). مضمراً: حال من فاعل ارفع أو انصب. وقوله: (إن قطعت) هذه جملة شرطية معترضة، يعني: وارفع أو انصب مضمراً مبتدأً أو ناصباً لن يظهرا، فقوله: (مبتدأً أو ناصباً) على التوزيع وهو ونشر مرتب، أي: ارفع مضمراً مبتدأ، انصب مضمراً ناصباً، ولا يظهر المبتدأ ولا الناصب، أي: يجب ألا يظهرا؛ لأنهما إن ظهرا صار النعت بالجملة. مثال ذلك: مررت بزيد الكريمِ الشجاعِ، وزيد يتعين باسمه، فيجوز القطع في الكريم وفي الشجاع، ويجوز القطع في واحد منهما والإتباع في الثاني، ويجوز الإتباع في الجميع، فتقول: مررت بزيدٍ الكريمِ الشجاعِ، وهو الأصل، ويجوز: مررت بزيد الكريمَ الشجاعُ، ولكن يكون بعاملين. إذاً: يجوز جرهما على الإتباع، ورفعهما على إضمار المبتدأ، ونصبهما على إضمار فعل، ورفع الأول ونصب الثاني، ونصب الأول ورفع الثاني، وجر الأول ورفع الثاني أو نصبه أو جره إذاً: (وارفع أو انصب إن قطعت) يعني: إذا صرنا إلى القطع، فكيف نعرب؟ نقول: إما أن نضمر مبتدأً أو نضمر فعلاً، أو أن نضمر فعلاً ومبتدأً، فنقول: مررت بزيدٍ الكريمُ الشجاعَ. مررت: فعل وفاعل. والباء حرف جر. وزيد: اسم مجرور بالباء. الكريمُ: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو الكريم. والجملة تكون في محل نصب على الحال. الشجاع: مفعول به لفعل محذوف تقديره: أعني الشجاع، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب. والحاصل: أنه إذا قطعت فلك النصب على تقدير فعل ولك الرفع على تقدير مبتدأ، وحينئذ إن كان المنعوت معرفة فالجملة بعده حال، وإن كان نكرة فالجملة الأولى بعده صفة، والجملة الثانية يجوز أن تكون صفة ويجوز أن تكون حالاً، لأن النكرة إذا خصصت جاز أن تقع منها الحال.

стр. 545

حذف النعت أوالمنعوت قال: (وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل). هذه قاعدة معروفة تقدمت في باب المبتدأ والخبر في قوله: (وحذف ما يعلم جائز) وهي في الحقيقة ضابط من ضوابط النحو، وهنا يقول: (ما من المنعوت) يعني: والذي من المنعوت، فـ (ما): اسم موصول مبتدأ. وقوله: (عقل) أي علم، وهي صلة الموصول. وقوله: (يجوز حذفه) خبر المبتدأ. حذف المنعوت كثير في القرآن وفي غير القرآن؛ لأن المنعوت بمجرد ما تقرأ النعت تعرفه، لكن النعت إذا حذفته لم يعلم، ولهذا كان حذف النعت قليلاًَ، لأنه يراد به بيان صفة المنعوت، وإذا كان المراد به بيان الصفة فلا يحذف. مثال حذف المنعوت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١] أي عملاً صالحاً. ومثل قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١]، أي: دروعاً سابغات. ومثال ما حذف من النعت قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩]، قالوا: إن هذا على تقدير نعت محذوف، والتقدير: كل سفينة صالحة، وعلمنا أن هناك نعتاً محذوفاً تقديره (صالحة) أنه خرقها، والخرق إفساد، وإنما أفسدها لئلا يأخذها الملك، إذاً: فالذي يأخذه الملك كل سفينة صالحة، فعلم من السياق أن هناك حذفاً.

стр. 546

شرح ألفية ابن مالك [٥١] التوكيد نوع من أنواع التوابع، وهو قسمان: معنوي ولفظي، فالمعنوي له ألفاظ محددة تكون توكيداً عند توفر الشروط، واللفظي يكون بإعادة اللفظ في الأصل، وقد يؤكد الضمير المتصل بضمير منفصل.

стр. 547

التوكيد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التوكيد. بالنفس أو بالعين الاسم أكدا مع ضمير طابق الموكدا]. يقال: التوكيد، ويقال: التأكيد، والتوكيد أفصح؛ لأنه الذي ورد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]. ومعناه: التقوية، وهو نوعان: لفظي ومعنوي، فاللفظي تكرار اللفظ، مثل أن تقول للرجل: احرص على العلم احرص على العلم، وقد يكرر ثلاثاً كما في قول الرسول ﵊: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم -كررها ثلاثاً- حتى قال له أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟). وأما المعنوي فذكره المؤلف في قوله: (بالنفس أو بالعين الاسم أكدا). الاسم: مبتدأ، وجملة (أكدا) خبره، و (بالنفس أو بالعين) هذا متعلق بأُكدا. والمؤلف ﵀ معلم حتى بالتعبير، فقد قال في الترجمة: (التوكيد) وقال في البيت: (أكدا) ولم يقل: وكد، ما جاء بها بالواو مع أنه لو جاء بالواو لاستقام الوزن، لكن كأنه يقول: يجوز بالهمز ويجوز بالواو. وقوله: (بالنفس أو بالعين) يؤكد الاسم بالنفس ويؤكد بالعين، فتقول: أكرمت زيداً نفسه، فـ (نفسه) تأكيد، والفائدة من التأكيد أمران: التقوية، ونفي احتمال المجاز؛ لأنك إذا قلت: أكرمت زيداً، فيحتمل أنك أكرمت والده أو قريبه أو غلامه، أو رسوله الذي أرسله إليك، فإذا قلت: نفسه، يزول هذا الاحتمال. والعين كأن تقول: رأيت زيداً عينه، فعين هنا بمعنى (نفس) وهي توكيد، والإعراب: أكرمت: فعل وفاعل. زيداً: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. نفسه: توكيد لزيد منصوب بالفتحة الظاهرة، ونفس مضاف والهاء مضاف إليه مبني على الضم في محل جر. لكن اعلم أنه ليس الأمر كلما جاءت النفس والعين فهي للتوكيد، فقد تكون لغير التأكيد، كما لو قلت: أزهقت زيداً نفسه، فهذه تكون بدلاً أو عطف بيان؛ لأنك لم ترد أن تؤكد زيداً بالنفس، وإنما تريد أن تبين ما وقع عليه الفعل، وكذلك تقول: فقأت زيداً عينه، فتعرب عينه بدل بعض؛ لأنه معلوم أن زيداً نفسه لا يفقأ. واشترط المؤلف فقال: (مع ضمير طابق المؤكدا)، فلابد أن يكون في النفس والعين ضمير يطابق المؤكد، تقول: أكرمت زيداً نفسه، ولا يجوز: أكرمت زيداً نفسها. ويجوز: أكرمت الرجلين نفسهما؛ لأن المؤلف لم يقل لنا: إنه يجب أن يكون المؤكِّد مطابقاً للمؤكَّد، وإنما قال: (مع ضمير طابق المؤكدا). ويجوز: أكرمت الرجال نفسهم، لأن الضمير مطابق، لكن بين المؤلف في قوله: (واجمعهما بأفعل إن تبعا ما ليس واحداً تكن متبعاً) أن النفس أو العين تأتي على وزن (أفعل) إذا كان المؤكد غير المفرد، فنفس تكون (أنفس)، وعين تكون (أعين). إذاً: المؤلف بين لنا غير ما يفهم من كلامه الأول، بين لنا أنهما يجمعان مع غير المفرد، وكلامه يشمل المثنى والجمع، فتقول: جاء الرجلان أنفسهما، لكن لا يجوز: جاء الرجلان أنفسهم؛ لعدم مطابقة الضمير. ويجوز: جاء الرجال أنفسهم، وجاءت النساء أنفسهن. إذاً: فهمنا الآن أن التوكيد بالنفس وبالعين لابد أن يشتمل على ضمير يطابق المؤكد مطلقاً، أما العين والنفس فإنها في المفرد لابد أن تكون مفردة وفي الجمع لابد أن تكون مجموعة. إذا أكد المثنى بالنفس أو بالعين فإنه يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأفصح الجمع، ثم الإفراد، ثم التثنية. تقول: جاء الرجلان أنفسهما، وجاء الرجلان نفسهما، وجاء الرجلان نفساهما. وإذا قال قائل: كيف يصح أن نقول: نفسهما مع أنهما اثنان ونفس واحدة؟ فنقول: لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يكون للعموم.

стр. 548

جمع النفس والعين عند تأكيد غير الواحد قال المصنف رحمه الله تعالى: [واجمعهما بأفعل إن تبعا ما ليس واحداً تكن متبعا] وجه الجمع: هو أن المثنى يفيد التعدد فإن قلنا: إن أقل الجمع اثنان، فلا إشكال. وإن قلنا: إن أقل الجمع ثلاثة، فإنها تجمع؛ لئلا تجتمع علامتا تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة؛ فأن الآن يقول: جاء الرجلان أنفسهما، أخف على اللسان من: جاء الرجلان نفساهما. قوله: (إن تبعا ما ليس واحداً تكن متبعاً) أي: تكن متبعاً للعرب، ويجوز: تكون متبعاً للنحويين الذين أصدروا هذه الأحكام بمقتضى اللغة العربية.

стр. 549

ما يؤكد به لرفع توهم عدم إرادة الشمول وقال المؤلف أيضاً: [وكلاً اذكر في الشمول وكلا]. يؤكد بـ (كل) إذا أريد الشمول، ومعنى الشمول: أنه لا يؤكد إلا ما له أفراد متباينة مثل القوم، فتقول: جاء القوم كلهم. أما إذا كان لا يتجزأ فإنه لا يؤكد بكل؛ لأن احتمال المجاز فيه غير وارد. إذاً: الشمول لا يكون إلا فيما تعددت أجزاؤه أو أفراده، أما ما لا يمكن فيه التعدد فلا يؤكد بكل. فلو قلت: جاء زيد كله، لا يصح؛ لأن أجزاءه لا يمكن أن ينفرد بعضها عن بعض في المجيء، فلا يمكن أن يأتي رأسه بمفرده، ولا يده بمفردها. ولو قلت: أعتقت العبد كله. يمكن لأن له أجزاء لكنها مشاعة، فيمكن أن تعتق أجزاء وأجزاء لا تعتق. وإذا قلت: أكلت الخروف كله. يصلح لأنه يمكن تجزئته. قوله: (وكلا كلتا) يؤكد أيضاً بكلا وكلتا، لكن لا يؤكد بهما إلا المثنى، فتقول: قام الرجلان كلاهما، ورأيت المرأتين كلتيهما. إذاًَ: كلا وكلتا للشمول لكن خاصتان بالمثنى، وكل للجمع. قال: (جميعاً) أيضاً يؤكد بها، ويحتمل إن قوله: (جميعاً) يعود على كل وكلا وكلتا، يعني: كل هذه الثلاثة لابد أن توصل بالضمير. ولا شك أن جميع يؤكد بها، فتقول: جاء القوم جميعهم، لكنها إذا لم تضف صارت حالاً لا توكيداً، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] هذه حال؛ لأنها لم توصل بالضمير. فإذا وصلت بضمير المؤكد صارت توكيداً، تقول: جاء القومُ جميعُهم، ورأيت القومَ جميعَهم، ومررت بالقومِ جميعِهم. وقوله: (بالضمير موصلاً) يعود على كل الأربع الكلمات: كل وكلا وكلتا وجميع، فإن لم يوصل بالضمير لم يقع توكيداً، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود:١١١] وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا﴾ [الطارق:٤]، فكل هنا ليست توكيداً؛ لأنها لم تضف إلى ضمير. إذاً لا بد أن تضاف إلى ضمير ويسبقها ما يؤكد، فتقول: إن القوم كلهم فاهمون. والجميع كذلك إذا أضيفت إلى ضمير المؤكد صارت تأكيداً وإلا فهي على حسب العوامل. وإعراب البيت كما يلي: (كلاً) مفعول مقدم لاذكر. (وكلا) معطوفة على كلاً، يعني: واذكر أيضاً كلا. و (كلتا) معطوفة على كلاً. و (جميعاً) معطوفة عليها لكن بإسقاط حرف العطف من أجل ضرورة الشعر. (بالضمير) متعلق بقوله: (اذكر)، و (موصلاً) حال مما سبقه، يعني: حال كونه موصلاً بالضمير. ويحوز أن نقول: (بالضمير) متعلق بقوله: (موصلاً)، وتقدير البيت: واذكر كُلاً وكلا وكلتا وجميعاً في الشمول موصلاً بالضمير. والقاعدة من البيت: أنه يؤكد بكل وكلا وكلتا وجميع مضافة إلى ضمير المؤكد.

стр. 550

عامة تستعمل في التوكيد للدلالة على الشمول ككل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واستعملوا أيضاً ككل فاعلة من عم في التوكيد مثل النافلة] قوله: (واستعملوا) أي العرب. (أيضاً) مصدر آض يئيض، بمعنى: رجع، وهي دائماً محذوفة العامل، فلا يقال: أئيض أيضاً، أي أرجع رجوعاً، وإنما استعملوه دائماً على المفعولية المطلقة أو على المصدرية وعاملها محذوف دائماً. قوله: (ككلٍ فاعلة من عم) فاعلة يعني: اسم فاعل على وزن فاعلة، من عمَّ، فعم: فعل ماضٍ -وهي غير (عمَّ) التي هي حرف جر واسم استفهام- ومضارعة: يعم، واسم الفاعل منه: عامٌّ، لكن هو يقول: فاعلة، فأدخل التاء على (عام) فتصبح: عامة. يعني: تعمل (عامة) في مكان (كل)، تقول: جاء القوم عامتهم، وهو بإزاء قولك: جاء القوم كلهم، والمعنى واحد، وكثيراً ما يستعمل شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك فيقول: عامة العلماء على هذا القول. وغيره أيضاً ممن يذكر الخلاف، يقول: عليه عامة العلماء، أي: كل العلماء، وإن كان الإنسان قد يشعر بأن يوجد خلاف قليل، لكن ليست مثل ما إذا قيل: أكثر العلماء، فهنا الخلاف واضح. والإعراب: استعملوا: فعل وفاعل. و (أيضاً): مصدر لعامل محذوف من آض يئيض. و (فاعلة): مفعول استعملوا. و (من عمَّ): متعلقة بفاعلة حال، أو صفة. و (عامة) مثل (جميع) إذا لم تتصل بالضمير تكون غير مؤكدة، كما في قول الرسول ﵊: (وبعثت إلى الناس عامة) فهي حال. قوله: (في التوكيد) متعلق باستعملوا، يعني: استعملوا في التوكيد أيضاً (عامة) استعمال (كلٍ)، وعلى هذا فيكون مضافاً إلى ضمير المؤكد. وقوله: (مثل النافلة)، (مثل) يحتمل أنه مفعول مطلق، أي: استعمالاً مثل النافلة، ويحتمل أن يكون حالاً أي: مشبهاً للنافلة، ومعنى النافلة: الزيادة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، يعني: زائدة لك، قال الشارح: إن كثيراً من النحويين لم يذكروها، فيكون الذي ذكرها زائداً على غيره في ذكرها. وقال بعض المحشين: بل معنى قوله: (مثل النافلة) أي: مثل هذا الوزن، فهي على وزن فاعلة ولو كان المؤكد ذكراً، وهذا الذي ذكره المحشي أحسن مما ذكره الشارح، فالأحسن أن يقول: (مثل النافلة) أي: أنها تلزمها التاء وإن كان المؤكد فيها مذكراً، فتقول: جاء الرجال عامتهم، ولا تقل: عامهم. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]. نافلة: حال من التهجد، والتقدير: حال كونه نافلة لك، والتهجد مذكر. ومن الأمثلة قولنا: جاء القومُ عامتُهم، ورأيتُ القومَ عامتَهم، ومررت بالقوم عامِتهم، وكونها مؤكدة للشمول واضح من معناها؛ لأن العموم معناه الشمول، وهي مأخوذة من عمَّ يعُمّ، أي: شمل يشمل فهو شامل.

стр. 551

ما يجاء به بعد كل لتقوية قصد الشمول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبعد كلٍ أكدوا بأجمعا جمعاء أجمعون ثم جمع] تقول: جاء القوم كلهم أجمع، وجاءت القبيلة كلها جمعاءُ، وجاء القوم كلهم أجمعون، وجاءت النساء كلهن جمع.

стр. 552

قد يجاء بأجمع للتوكيد غير مسبوقة بكل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثم جمع] والحقيقة أنه غريب من ابن مالك، أن يكرر هذا التكرير، ومعناه: إنهم أكدوا بعد كلٍ ودون كل، لكن دون كلٍ قد يجيء وليس كثيراً، فتقول: جاء الرجال أجمع، وجاءت القبيلة جمعاء، وجاء القوم أجمعون، وجاءت النساء جمع، بدون كل. قال الشاعر: يا ليتني كنت صبياً مُرضَعاً تحملني الذلفاء حولاً أكتعا إذا بكيت قبلتني أربعاً إذاً ظللت الدهر أبكي أجمعا و (الذلفاء)، قيل: إنها اسم امرأة، وقيل: إن الذلفاء هي المرأة الحسناء. والشاهد في قوله: (إذاً ظللت الدهر أبكي أجمعا) حيث أكد بأجمع دون كل، ولم يقل: إذاً ظللت الدهر كله أجمع. وفي البيت أيضاً شاهد لجواز الفصل بين المؤكِد والمؤكَد، وهو قوله: الدهر أبكي، فأبكي: هذه جملة معترضة، نظيرها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] فكلهن ليست توكيداً للضمير الذي في (آتيتهن)، ولكنها توكيد للضمير في قوله (يرضين) ففصل بين المؤكِد والمؤكَد.

стр. 553

توكيد النكرة ثم انتقل المؤلف إلى بحث آخر وهو: هل تؤكد النكرة أم لا؟ قال بعض النحويين: إنها لا تؤكد. وقال آخرون: إنها تؤكد. وتوسط المؤلف فقال: [وإن يفد توكيد منكور قبل وعن نحاة البصرة المنع شمل] القاعدة: أنه يجوز أن تُؤكد النكرة إذا كان فيها فائدة، وأما إذا لم يكن فيها فائدة فإنها لا تؤكد، ومنه قول الشاعر: يا ليت عدة حول كله رجب. فأكد حولاً بكل، فأفاد أنه يجوز أن تؤكد، ولم يقل: يا ليت عدة الحول كله رجب. ومنه البيت السابق وهو: تحملني الذلفاء حولاً أكتعا. فحولاً هذه نكرة، وأكتع مُؤكِّد له. وقوله: (وعن نحاة البصرة المنع شمل) أي: أنه لا تؤكد النكرة سواء أفادت أم لم تفد. وعلى هذا فيمنع عند البصريين أن تقول: جلست عندك شهراً كله، وما جاء به السماع فهو عندهم إما شاذ وإما نادر قليل، والشاذ لا يقاس عليه. أما على رأي ابن مالك وهو الصحيح: أنه إذا وجدت الفائدة من التوكيد فلا مانع، تقول: جلست عندك شهراً كله، أكدته لئلا يظن ظان أنني جلست عندك أكثر الشهر، فيكون في هذا فائدة، فإذا كان فيها فائدة فلا حرج.

стр. 554

الاستغناء في توكيد المثنى بكلا وكلتا قال: [واغن بكلتا في مثنىً وكلا عن وزن فعلاء ووزن أفعلا] الذي يؤكد بكلا وكلتا ما دل على اثنين، وهو يشمل المثنى، والمفرد إذا عطف عليه مفرد، فتقول: جاء زيد وعمروٌ كلاهما، أكرمت زيداً وعمراً كليهما، وأكرمت الزيدين كليهما. وكلتا يؤكد بها المثنى المؤنث. ومعنى قول ابن مالك: أن كلا وكلتا يغنيان عن وزن فعلاء وهو: جمعاء، ووزن أفعل وهو: أجمع، فبدلاً من أن تقول: جاء الزيدان أجمعهما. تقول: كلاهما. وكذلك في النساء، رأيت المرأتين كلتيهما، ولا تقول: جمعاويهما مثلاً.

стр. 555

توكيد ضمير الرفع المتصل بالنفس أو بالعين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن توكد الضمير المتصل بالنفس والعين فبعد المنفصل عنيت ذا الرفع وأكدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما] لما كان في قولنا: هند ذهبت نفسها، يحصل الاشتباه، فكان لابد أن نقول: هند ذهبت هي نفسها، وهند ذهبت هي عينها، ليس فيه اشتباه، فلهذا كان لابد إذا أكدت الضمير المتصل بالنفس أو بالعين أن تأتي بينه وبين المؤكد بالضمير المنفصل. فنقول مثلاً: قمت أنت نفسك. (قمت): فعل وفاعل. و (أنت): ضمير منفصل مؤكد للضمير المتصل. و (نفسك): مؤكد آخر للضمير الأول، فهنا يكون المؤكدان اثنين: ضمير أكد ضميراً، ثم جاءت النفس. فالقاعدة: إذا أكد الضمير المتصل -ومنه المستتر- بالنفس أو بالعين فإنه يجب أن تفصل بين المؤكد والمؤكد بضمير منفصل. أما إذا أكد بغير النفس والعين فإنه لا يجب فتقول: قمتما كلاكما، التأكيد بكلا، وتقول مثلاً: قمتم كلكم، ولا يجب أن تقول: قمتم أنتم كلكم، إنما هذا خاص بالنفس والعين. أيضاً هناك خصوص آخر، قال: (عنيت ذا الرفع). إذاً: إن تؤكد الضمير المتصل المرفوع بالنفس والعين. فإذا قيل: متى يجب الإتيان بالضمير المنفصل عند تأكيد الضمير المتصل؟ نقول: يجب بشرطين: أولاً: أن يكون الضمير المؤكد ضمير رفع. والثاني: أن يكون التأكيد بالنفس أو بالعين. وقول المؤلف: (فبعد المنفصل) ظاهره أنه لو فصل بغير الضمير المنفصل لم يجز، ولكن بعض النحويين يقول: يجوز أن تفصل بغير الضمير المنفصل، فتقول مثلاً: نزلتم في البيت أنفسكم، نزلتم في البيت أعينكم، لأن المهم أن يكون هناك فاصل بين الضمير المتصل وبين المؤكد وهو النفس والعين. والخلاصة: إذا أكدت الضمير المتصل بالنفس أو بالعين وهو مرفوع وجب الفصل بالضمير المنفصل، وقيل: بالضمير المنفصل أو بأي فاصل يكون. ويفهم من قول المؤلف: (عنيت ذا الرفع) أنه لو أكد الضمير المتصل المنصوب فلا يجب الفصل، فتقول: أكرمتك نفسك، مررت بك عينك. قال: (وأكدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما) أكدوا: أي العرب؛ لأنهم هم أهل الكلام. بما سواهما: أي بما سوى النفس والعين. والقيد هو الفصل بالضمير المنفصل. لن يلتزما أي: لم يأتوا بضمير منفصل. وخلاصة البيتين تتضح بالأسئلة الآتية: أولاً: هل يجوز تأكيد الضمير بالنفس وبالعين؟ و الجواب يجوز تأكيد الضمير بالنفس وبالعين. والثاني: هل يجوز تأكيد الضمير سواء كان منصوباً أو مرفوعاً أو مجروراً بالنفس أو بالعين؟ والجواب: نعم. والثالث: هل يجب الفصل بالضمير المنفصل إذا أكد الضمير المتصل بالنفس أو بالعين؟ والجواب: في حالة الرفع يجب الفصل، وفي حالتي النصب والجر لا يجب.

стр. 556

التوكيد اللفظي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن توكد الضمير المتصل بالنفس والعين فبعد المنفصل عنيت ذا الرفع وأكدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما] لما كان في قولنا: هند ذهبت نفسها، يحصل الاشتباه، فكان لابد أن نقول: هند ذهبت هي نفسها، وهند ذهبت هي عينها، ليس فيه اشتباه، فلهذا كان لابد إذا أكدت الضمير المتصل بالنفس أو بالعين أن تأتي بينه وبين المؤكد بالضمير المنفصل. فنقول مثلاً: قمت أنت نفسك. (قمت): فعل وفاعل. و (أنت): ضمير منفصل مؤكد للضمير المتصل. و (نفسك): مؤكد آخر للضمير الأول، فهنا يكون المؤكدان اثنين: ضمير أكد ضميراً، ثم جاءت النفس. فالقاعدة: إذا أكد الضمير المتصل -ومنه المستتر- بالنفس أو بالعين فإنه يجب أن تفصل بين المؤكد والمؤكد بضمير منفصل. أما إذا أكد بغير النفس والعين فإنه لا يجب فتقول: قمتما كلاكما، التأكيد بكلا، وتقول مثلاً: قمتم كلكم، ولا يجب أن تقول: قمتم أنتم كلكم، إنما هذا خاص بالنفس والعين. أيضاً هناك خصوص آخر، قال: (عنيت ذا الرفع). إذاً: إن تؤكد الضمير المتصل المرفوع بالنفس والعين. فإذا قيل: متى يجب الإتيان بالضمير المنفصل عند تأكيد الضمير المتصل؟ نقول: يجب بشرطين: أولاً: أن يكون الضمير المؤكد ضمير رفع. والثاني: أن يكون التأكيد بالنفس أو بالعين. وقول المؤلف: (فبعد المنفصل) ظاهره أنه لو فصل بغير الضمير المنفصل لم يجز، ولكن بعض النحويين يقول: يجوز أن تفصل بغير الضمير المنفصل، فتقول مثلاً: نزلتم في البيت أنفسكم، نزلتم في البيت أعينكم، لأن المهم أن يكون هناك فاصل بين الضمير المتصل وبين المؤكد وهو النفس والعين. والخلاصة: إذا أكدت الضمير المتصل بالنفس أو بالعين وهو مرفوع وجب الفصل بالضمير المنفصل، وقيل: بالضمير المنفصل أو بأي فاصل يكون. ويفهم من قول المؤلف: (عنيت ذا الرفع) أنه لو أكد الضمير المتصل المنصوب فلا يجب الفصل، فتقول: أكرمتك نفسك، مررت بك عينك. قال: (وأكدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما) أكدوا: أي العرب؛ لأنهم هم أهل الكلام. بما سواهما: أي بما سوى النفس والعين. والقيد هو الفصل بالضمير المنفصل. لن يلتزما أي: لم يأتوا بضمير منفصل. وخلاصة البيتين تتضح بالأسئلة الآتية: أولاً: هل يجوز تأكيد الضمير بالنفس وبالعين؟ و الجواب يجوز تأكيد الضمير بالنفس وبالعين. والثاني: هل يجوز تأكيد الضمير سواء كان منصوباً أو مرفوعاً أو مجروراً بالنفس أو بالعين؟ والجواب: نعم. والثالث: هل يجب الفصل بالضمير المنفصل إذا أكد الضمير المتصل بالنفس أو بالعين؟ والجواب: في حالة الرفع يجب الفصل، وفي حالتي النصب والجر لا يجب.

стр. 557

التوكيد اللفظي بتكرار اللفظ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما من التوكيد لفظي يجي مكرراً كقولك ادرجي ادرجي] (ما): اسم موصول مبتدأ. (من التوكيد) جار ومجرور بيان لـ (ما). (لفظي): خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، و (يجي) الجملة خبر المبتدأ (ما)، يعني: والذي هو لفظي من التوكيد يكون مكرراً. أفهمنا المؤلف ﵀ من هذا أن التوكيد نوعان: -مع أنه لم يذكر التقسيم في أول الكلام- وهما: توكيد معنوي، وتوكيد لفظي. فالتوكيد المعنوي: ما كان بالألفاظ السابقة وهي: النفس، والعين، وكل، وأجمع، وأجمعون، وجمع، وجمعاء، وعامة، وكلا، وكلتا. والتوكيد اللفظي: ما جاء مكرراً، إما بالكلمة أو بالجملة. فالمثال الذي ذكره ابن مالك: ادرجي ادرجي، الخطاب لأنثى، وهذا مكرر جملة فعلية. وقد تكون بالكلمة، مثل: قام قام الرجل، وستأتي في كلام المؤلف أيضاً. وقوله: (مكرراً) سواء كرر باللفظ أو كرر بالمعنى مع اختلاف يسير في اللفظ، ففي قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧]، أمهلهم توكيد لمهِّل مع أن الفعل مختلف بعض الاختلاف. وكذلك أيضاً لو قلتُ: قف قم، أخاطب جالساً فهذا توكيد لفظي؛ لأننا كررنا اللفظ بمعناه، فقم بمعنى: قف. وكذلك لو قلنا: اقعد اجلس. وإن كان هناك من يجعل الجلوس من القيام والقعود من الاستلقاء؛ لكن هذا التفريق ليس بصحيح، وقد قال النبي ﵇: (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً). ويوجد لفظ آخر وهو: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً).

стр. 558

كيفية توكيد الضمير المتصل والحرف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تعد لفظ ضمير متصل إلا مع اللفظ الذي به وصل] يعني: إذا أردت أن تؤكد ضميراً متصلاً تأكيداً لفظياً فلا تعد هذا الضمير المتصل إلا مع لفظه الموصول به. فإذا أردت أن أؤكد الكاف في أكرمتك، أقول: أكرمتك أكرمتك. ومررت بك، أريد أن أؤكد الضمير بك تأكيداً لفظياً فأقول: مررت بك بك. فإذاً يقول: ابن مالك ﵀: لا تؤكد الضمير المتصل إلا مع اللفظ الذي به وصل، سواء كان هذا اللفظ فعلاً أو حرفاً، فالحرف مثل: مررت بك بك، والفعل مثل: أكرمتك أكرمتك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كذا الحروف غير ما تحصلا به جواب كنعم وبلى] قوله: (كذا الحروف)، يعني: لا تعد الحروف وحدها إلا مع ما اتصلت به، تقول مثلاً: إن زيداً قائمٌ، أريد أن أؤكد (إن) فأقول: إن زيداً إن زيداً قائمٌ. أما أن أقول: إن إن زيداً قائم، فهذا لا يصلح. وفي قولي: أتيت من عند صاحبي، أريد أن أؤكد (من) فأقول: أتيت من عند من عند صاحبي. وقوله: (غير ما تحصلا به جوابٌ) يعني: إلا أحرف الجواب فإنها يجوز أن يؤكد بها لفظاً دون ما اتصل بها، مثل: نعم، وبلى، ولا، وجيرِ، وأجل؛ فهذه كلها أحرف الجواب، فإنها تؤكد لفظاً بدون أن يؤتى بما اتصلت به. فإذا قال لك رجل: هل فهمت النحو؟ تقول: نعم، نعم. وإن كنت لم تفهم تقول: لا لا. فإن قيل: كم حد التكرار؟ نقول: لا تكرر أكثر من ثلاث مرات؛ فإنه شين عند الأدباء، وغير مسموع في اللغة العربية أيضاً. فإن قيل لك: هل فهمت ألفية ابن مالك وحفظتها عن ظهر قلب؟ فتقول: لا لا لا، لا لا لا؛ لأنه سأل عن حفظها وفهمها. أو إذا كنت حافظاً فاهماً لها تقول: نعم نعم نعم، نعم نعم نعم. و (بلى) عرفنا أنه يجاب بها النفي المصدر باستفهام كقولنا: أليس زيدٌ كريماً؟ تقول: بلى. أليس نبينا محمد ﷺ خاتم الرسل؟ تقول: بلى بلى بلى.

стр. 559

توكيد الضمير المتصل بضمير الرفع المنفصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومضمر الرفع الذي قد انفصل أكد به كل ضمير اتصل] (مضمر) مفعول به لفعل محذوف، وهذا من باب الاشتغال؛ لأن الهاء في (به) هو ضميره، فالعامل مشغول به. يعني: أن ضمير الرفع المنفصل يؤكد به كل ضمير اتصل، فنبدأ بضمير الرفع، تقول: قمت أنت، (التاء) في قمت ضمير رفع مؤكدة بـ (أنت) و (أنت) ضمير رفع منفصل. وضمير النصب مثل: رأيتك أنت. فتقول: (رأيت) فعل وفاعل، و (الكاف) مفعول به مبني على الفتح في محل نصب، و (أنت) (أن) ضمير مؤكد للكاف مبني على السكون في محل نصب، والتاء الخطاب. وضمير الجر، مثل: مررت بك أنت، (فمررت) فعل وفاعل، و (الباء) حرف جر، و (الكاف) ضمير مبني على الفتح في محل جر. و (أنت) أن: ضمير منفصل مبني على السكون في محل جر توكيد للكاف، والتاء حرف خطاب. ويجوز في ضمير النصب أن يؤكد بضمير نصب منفصل، فتقول: رأيتك إياك، وهذا هو الأصل، وإنما أكد بضمير الرفع توسعاً، وإلا فالأصل أن يؤكد الضمير المنصوب بضمير نصب. فصار الحاصل عندنا الآن في هذا البيت أنه يجوز توكيد الضمير المتصل بضمير الرفع المنفصل. وهذا التوكيد لفظي؛ لأن الضمير مرادف للضمير، ولا يضر أن يكون هذا متصلاً وهذا منفصلاً؛ لأن هذا اختلاف لفظ فقط، وأما المعنى فهو واحد.

стр. 560

شرح ألفية ابن مالك [٥٢] العطف قسمان: عطف بيان وعطف نسق، وكلاهما يتبع متبوعه في الإعراب، وعطف النسق له حروف تسمى حروف العطف، فمنها ما يعطف لفظاً ومعنى ومنها ما يعطف لفظاً فقط.

стр. 561

عطف البيان

стр. 562

تعريف عطف البيان قال رحمه الله تعالى: [العطفُ إما ذو بيان أو نسق والغرض الآن بيانُ ما سبق فذو البيان تابع شبه الصفه حقيقة القصد به منكشفة] قوله ﵀: (العطف). تقدم أن العطف معناه الثني، فثني الشيء على الشيء يسمى عطفاً، ومنه عطف طرفي الحبل بعضهما إلى بعض. أما هنا فإن العطف قد بينه المؤلف بقوله: (إما ذو بيان أو نسق). فالعطف ينقسم إلى قسمين: عطف بيان، وعطف نسق. فما كان بواسطة الحرف فهو عطف نسق، مثل جاء زيدٌ وعمرو، فقولنا: (عمرو)، هذا عطف نسق. وما كان بغير واسطة الحرف فهو عطف بيان. قال: (والغرض الآن): (الآن) تقدم أنها ظرف للإشارة إلى الزمان الحاضر، كما أن هنا ظرف للإشارة إلى المكان الحاضر، فالآن ظرف مبني على الفتح في محل نصب. وقوله: (الغرض الآن)، أي: في هذا الباب، (بيان ما سبق). الذي سبق هو عطف البيان، فقدم المؤلف الكلام على عطف البيان لأنه أقل، ولأنه أشبه بالنعت، فكان أولى أن يكون أقرب إليه، وقد فصل بينه وبين النعت بالتوكيد، وإنما فصل بينه وبين النعت بالتوكيد لأن التوكيد في الحقيقة مؤكد لذات الشيء. قال: (فذو البيان) أي: فعطف البيان، تعريفه: (تابع شبه الصفة). فقولنا: (تابع) جنس يدخل فيه جميع التوابع. وقولنا: (شبه الصفة)، خرج به النعت؛ لأن مشابه الشيء ليس هو الشيء، فهو يشبه النعت في بيان متبوعه، لكنه يخالف النعت في أنه جامد، والنعت مشتق أو مؤول به، ويظهر ذلك بالمثال: تقول: جاء أبو حفص الفاروق، فـ الفاروق: صفة لـ أبي حفص، وتقول: جاء أبو حفص عمر، فـ عمر عطف بيان وليس بصفة؛ لأن عمر علم جامد، لكن الفاروق مشتق، ولهذا قال المؤلف: (تابع شبه الصفة)، أي: وليس بصفة. وقوله: (حقيقة القصد به منكشفة) خرج بهذا بقية التوابع؛ لأن التوابع لا تنكشف بها حقيقة القصد، فكل تابع مستقل، والنعت قد تتبين به حقيقة القصد لكنه مشتق كما سبق، أما بقية التوابع فليست كذلك.

стр. 563

ما يتبع فيه عطف البيان متبوعه [فأوليَنه من وفاق الأول ما من وفاق الأول النعت ولي] (أولينه) يعني: أعطه، (من وفاق الأول) الأول المتبوع. وقوله: (ما من وفاق الأول النعت ولي). يعني: ما أعطي النعت من وفاق الأول. وإعراب البيت كما يلي: (أولينه): فعل أمر والهاء مفعول أول. وقوله: (ما من وفاق)، (ما): هي المفعول الثاني. وقد سبق أن النعت يتبع المنعوت في أربعة من عشرة: في واحد من أوجه الإعراب، وفي واحد من التعريف أو التنكير، وفي واحد من الإفراد وفرعيه، وفي واحد من التذكير والتأنيث. وهذا أيضاً يتبع في أربعة من عشرة، مثلاً: إذا كان المتبوع مرفوعاً صار عطف البيان مرفوعاً، وإذا كان المتبوع منصوباً صار عطف البيان منصوباً، وإذا كان مفرداً صار عطف البيان مفرداً، وإذا كان مؤنثاً صار عطف البيان مؤنثاً، والعكس بالعكس. وفهمنا من قول المؤلف إنه يعطى أحكام النعت بالتبعية أنه يجوز أن يكون عطف البيان بين نكرتين، وإلى هذا أشار بقوله: [فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين] فقاس المختلف فيه على المتفق عليه. والنحويون: بصريهم وكوفيهم اتفقوا على أن عطف البيان يكون بين معرفتين؛ لأنه يفيد التخصيص، فتقول مثلاً: جاء أبو بكر عبد الله بن أبي قحافه، أبو بكر معرفة وهو المتبوع، وعبد الله معرفة وهو التابع. هل يكون بين نكرتين؟ الجواب نعم، وهذا ما ذهب إليه ابن مالك مع أن ابن مالك يعد من البصريين لكنه بصري مجتهد يميل إلى ما يراه هو الصواب؛ ولهذا مذهب الكوفيين ومنهم ابن آجروم أنه يقع عطف البيان بين نكرتين، فوافقهم على هذا، واستشهدوا لذلك من القرآن، فقالوا: إن الله يقول: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] (ماء) نكرة، ونوع الماء صديد، وصديد اسم جامد، ومع ذلك صار عطف بيان. والبصريون يجيبون على الآية فيقولون: هذا بدل. وسيأتينا أن ضابط البدل: هو الذي لو حذف المبدل منه قام مقامه، فلو قال : ويسقى من صديد، استقام الكلام، فهو إذاً بدل وليس عطف بيان. أما هؤلاء فيقولون: نحن نقول: إنه يجوز أن يكون بدلاً، لكن يجوز أيضاً أن يكون عطف بيان. وكذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] فزيتونة عطف بيان؛ لأن (زيتونة) ليست مشتقاً فهي عطف بيان. وأولئك يقولون: إنها بدل؛ لأنه لو قال: يوقد من زيتونة مباركة لصح. لكن نقول: هي أيضاً عطف بيان. ويقولون: إن المراد بعطف البيان أنه يبين متبوعه ويخصصه ويميزه من غيره، والنكرة لا تبين النكرة. والرد عليهم بسيط جداً، وهو: أن النكرة الموصوفة أو المبينة مخصصة، فبدلاً من أن نقول: (من ماء) ونطلق ويكون صالحاً لكل ماء، ميز هذا الماء بقوله: (صديد). وبدلاً من أن (شجرة مباركة) عامة لكل شجرة مباركة خصصها بقوله: زيتونة. فالتخصيص حتى في النكرات موجود. فإذاً: دليلهم ليس بصحيح؛ ولهذا مشى ابن مالك على هذا القول وهو أنه يجوز أن يكون عطف البيان ومتبوعه نكرتين.

стр. 564

متى يمتنع أن يكون عطف البيان بدلاً قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [وصالحاً لبدلية يرى في غير نحو يا غلام يعمرا] القاعدة: أن كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدلاً، والعكس بالعكس إلا في بعض أنواع البدل كما سيأتينا، وهي: بدل الغلط، وبدل البعض، وبدل الشمول، فلا يمكن في هذه الأنواع أن تكون عطف بيان، إنما المقصود بدل الكل من الكل، فقوله: (صالحاً لبدلية) ليس على إطلاقه، إنما المراد بدلية كل من كل، فيجب أن يقيد بهذا. وإعراب (صالحاً) مفعول مقدم ليرى، يعني: أنَّ أي عطف البيان صالح لأن يكون بدل كل من كل، إلا في مسائل، قال: (في غير نحو يا غلام يعمراً). قد يظن أن الغلام مضافة إلى يعمر، وليس الأمر كذلك، فلو كان مضافاً لم يكن عندنا بدل أو عطف بيان. و (غلام): نكره مقصودة منادى مبني على الضم. و (يعمر) عطف بيان لغلام منصوب بالفتحة الظاهرة. وهنا (يعمر) لا يصلح أن نجعله بدلاً من (غلام)؛ لأن البدل هو الذي يصح أن يحل محل المبدل منه، ولا يصلح أن يحل يعمر محل غلام؛ لأنه منصوب، فلو قلت: يا يعمرَ! لا يصح ويكون لحناً، لأن حقه البناء على الضم عند النداء. فالقاعدة: أنه إذا وجد منادى مبني على الضم، وبعده مفرد معرفة معرب؛ فإنه لا يصح أن يعرب بدلاً. فإذا قلنا: يا غلام يعمرَ، قلنا: يعمر لا بد أن تكون عطف بيان، ولا يصح أن تكون بدلاً. وإذا قيل: ما وجه نصبها إذا كانت عطف بيان؟ نقول: لأنها كالصفة في الإعراب، وصفة المنادى يجوز أن تنعت على محله لا على لفظه، ومحل المنادى هو النصب، فنقول: (يعمرَ) بدل من غلام تابع لمحله. المسألة الثانية: قال: [ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضي] يشير إلى قول الشاعر: أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعاً. تقدم لنا في باب الإضافة أنه لا يضاف المحلى بأل إلا إذا كان وصفاً مضافاً لما فيه أل أو مضافاً إلى مضاف إلى ما فيه أل. فالتارك: اسم فاعل محلى بأل مضاف إلى البكري وهو محلى بأل، فالإضافة صحيحة، و (بشر) علم لا يصح أن يضاف إليه ما فيه أل؛ فنعربه عطف بيان للبكري ولا يصح أن نجعله بدلاً؛ لأنه لو أزيل المتبوع وجعل التابع مكانه لم يصح. ثم أشار المؤلف إلى رد قول بعض النحويين الذين يجوزون إضافة اسم الفاعل المحلى بأل إلى العلم وإن لم يكن فيه أل. فقال: (وليس أن يبدل بالمرضي). المعنى: وليس أن يجعل بدلاً بالقول المرضي، أي: لا نقبل أن يكون بدلاً. وخلاصة القول في البيتين: أن كل عطف بيان يصح أن يكون بدلاً، إلا إذا كان هذا الذي هو عطف بيان لا يصح أن يحل محل التابع لأي سبب من الأسباب، سواء ما ذكر المؤلف وغيره.

стр. 565

عطف النسق
следующие страницы →