← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36954

شرح ألفية ابن مالك للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (761 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عطف البيان

стр. 562

تعريف عطف البيان قال رحمه الله تعالى: [العطفُ إما ذو بيان أو نسق والغرض الآن بيانُ ما سبق فذو البيان تابع شبه الصفه حقيقة القصد به منكشفة] قوله ﵀: (العطف). تقدم أن العطف معناه الثني، فثني الشيء على الشيء يسمى عطفاً، ومنه عطف طرفي الحبل بعضهما إلى بعض. أما هنا فإن العطف قد بينه المؤلف بقوله: (إما ذو بيان أو نسق). فالعطف ينقسم إلى قسمين: عطف بيان، وعطف نسق. فما كان بواسطة الحرف فهو عطف نسق، مثل جاء زيدٌ وعمرو، فقولنا: (عمرو)، هذا عطف نسق. وما كان بغير واسطة الحرف فهو عطف بيان. قال: (والغرض الآن): (الآن) تقدم أنها ظرف للإشارة إلى الزمان الحاضر، كما أن هنا ظرف للإشارة إلى المكان الحاضر، فالآن ظرف مبني على الفتح في محل نصب. وقوله: (الغرض الآن)، أي: في هذا الباب، (بيان ما سبق). الذي سبق هو عطف البيان، فقدم المؤلف الكلام على عطف البيان لأنه أقل، ولأنه أشبه بالنعت، فكان أولى أن يكون أقرب إليه، وقد فصل بينه وبين النعت بالتوكيد، وإنما فصل بينه وبين النعت بالتوكيد لأن التوكيد في الحقيقة مؤكد لذات الشيء. قال: (فذو البيان) أي: فعطف البيان، تعريفه: (تابع شبه الصفة). فقولنا: (تابع) جنس يدخل فيه جميع التوابع. وقولنا: (شبه الصفة)، خرج به النعت؛ لأن مشابه الشيء ليس هو الشيء، فهو يشبه النعت في بيان متبوعه، لكنه يخالف النعت في أنه جامد، والنعت مشتق أو مؤول به، ويظهر ذلك بالمثال: تقول: جاء أبو حفص الفاروق، فـ الفاروق: صفة لـ أبي حفص، وتقول: جاء أبو حفص عمر، فـ عمر عطف بيان وليس بصفة؛ لأن عمر علم جامد، لكن الفاروق مشتق، ولهذا قال المؤلف: (تابع شبه الصفة)، أي: وليس بصفة. وقوله: (حقيقة القصد به منكشفة) خرج بهذا بقية التوابع؛ لأن التوابع لا تنكشف بها حقيقة القصد، فكل تابع مستقل، والنعت قد تتبين به حقيقة القصد لكنه مشتق كما سبق، أما بقية التوابع فليست كذلك.

стр. 563

ما يتبع فيه عطف البيان متبوعه [فأوليَنه من وفاق الأول ما من وفاق الأول النعت ولي] (أولينه) يعني: أعطه، (من وفاق الأول) الأول المتبوع. وقوله: (ما من وفاق الأول النعت ولي). يعني: ما أعطي النعت من وفاق الأول. وإعراب البيت كما يلي: (أولينه): فعل أمر والهاء مفعول أول. وقوله: (ما من وفاق)، (ما): هي المفعول الثاني. وقد سبق أن النعت يتبع المنعوت في أربعة من عشرة: في واحد من أوجه الإعراب، وفي واحد من التعريف أو التنكير، وفي واحد من الإفراد وفرعيه، وفي واحد من التذكير والتأنيث. وهذا أيضاً يتبع في أربعة من عشرة، مثلاً: إذا كان المتبوع مرفوعاً صار عطف البيان مرفوعاً، وإذا كان المتبوع منصوباً صار عطف البيان منصوباً، وإذا كان مفرداً صار عطف البيان مفرداً، وإذا كان مؤنثاً صار عطف البيان مؤنثاً، والعكس بالعكس. وفهمنا من قول المؤلف إنه يعطى أحكام النعت بالتبعية أنه يجوز أن يكون عطف البيان بين نكرتين، وإلى هذا أشار بقوله: [فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين] فقاس المختلف فيه على المتفق عليه. والنحويون: بصريهم وكوفيهم اتفقوا على أن عطف البيان يكون بين معرفتين؛ لأنه يفيد التخصيص، فتقول مثلاً: جاء أبو بكر عبد الله بن أبي قحافه، أبو بكر معرفة وهو المتبوع، وعبد الله معرفة وهو التابع. هل يكون بين نكرتين؟ الجواب نعم، وهذا ما ذهب إليه ابن مالك مع أن ابن مالك يعد من البصريين لكنه بصري مجتهد يميل إلى ما يراه هو الصواب؛ ولهذا مذهب الكوفيين ومنهم ابن آجروم أنه يقع عطف البيان بين نكرتين، فوافقهم على هذا، واستشهدوا لذلك من القرآن، فقالوا: إن الله يقول: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] (ماء) نكرة، ونوع الماء صديد، وصديد اسم جامد، ومع ذلك صار عطف بيان. والبصريون يجيبون على الآية فيقولون: هذا بدل. وسيأتينا أن ضابط البدل: هو الذي لو حذف المبدل منه قام مقامه، فلو قال : ويسقى من صديد، استقام الكلام، فهو إذاً بدل وليس عطف بيان. أما هؤلاء فيقولون: نحن نقول: إنه يجوز أن يكون بدلاً، لكن يجوز أيضاً أن يكون عطف بيان. وكذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] فزيتونة عطف بيان؛ لأن (زيتونة) ليست مشتقاً فهي عطف بيان. وأولئك يقولون: إنها بدل؛ لأنه لو قال: يوقد من زيتونة مباركة لصح. لكن نقول: هي أيضاً عطف بيان. ويقولون: إن المراد بعطف البيان أنه يبين متبوعه ويخصصه ويميزه من غيره، والنكرة لا تبين النكرة. والرد عليهم بسيط جداً، وهو: أن النكرة الموصوفة أو المبينة مخصصة، فبدلاً من أن نقول: (من ماء) ونطلق ويكون صالحاً لكل ماء، ميز هذا الماء بقوله: (صديد). وبدلاً من أن (شجرة مباركة) عامة لكل شجرة مباركة خصصها بقوله: زيتونة. فالتخصيص حتى في النكرات موجود. فإذاً: دليلهم ليس بصحيح؛ ولهذا مشى ابن مالك على هذا القول وهو أنه يجوز أن يكون عطف البيان ومتبوعه نكرتين.

стр. 564

متى يمتنع أن يكون عطف البيان بدلاً قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [وصالحاً لبدلية يرى في غير نحو يا غلام يعمرا] القاعدة: أن كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدلاً، والعكس بالعكس إلا في بعض أنواع البدل كما سيأتينا، وهي: بدل الغلط، وبدل البعض، وبدل الشمول، فلا يمكن في هذه الأنواع أن تكون عطف بيان، إنما المقصود بدل الكل من الكل، فقوله: (صالحاً لبدلية) ليس على إطلاقه، إنما المراد بدلية كل من كل، فيجب أن يقيد بهذا. وإعراب (صالحاً) مفعول مقدم ليرى، يعني: أنَّ أي عطف البيان صالح لأن يكون بدل كل من كل، إلا في مسائل، قال: (في غير نحو يا غلام يعمراً). قد يظن أن الغلام مضافة إلى يعمر، وليس الأمر كذلك، فلو كان مضافاً لم يكن عندنا بدل أو عطف بيان. و (غلام): نكره مقصودة منادى مبني على الضم. و (يعمر) عطف بيان لغلام منصوب بالفتحة الظاهرة. وهنا (يعمر) لا يصلح أن نجعله بدلاً من (غلام)؛ لأن البدل هو الذي يصح أن يحل محل المبدل منه، ولا يصلح أن يحل يعمر محل غلام؛ لأنه منصوب، فلو قلت: يا يعمرَ! لا يصح ويكون لحناً، لأن حقه البناء على الضم عند النداء. فالقاعدة: أنه إذا وجد منادى مبني على الضم، وبعده مفرد معرفة معرب؛ فإنه لا يصح أن يعرب بدلاً. فإذا قلنا: يا غلام يعمرَ، قلنا: يعمر لا بد أن تكون عطف بيان، ولا يصح أن تكون بدلاً. وإذا قيل: ما وجه نصبها إذا كانت عطف بيان؟ نقول: لأنها كالصفة في الإعراب، وصفة المنادى يجوز أن تنعت على محله لا على لفظه، ومحل المنادى هو النصب، فنقول: (يعمرَ) بدل من غلام تابع لمحله. المسألة الثانية: قال: [ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضي] يشير إلى قول الشاعر: أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعاً. تقدم لنا في باب الإضافة أنه لا يضاف المحلى بأل إلا إذا كان وصفاً مضافاً لما فيه أل أو مضافاً إلى مضاف إلى ما فيه أل. فالتارك: اسم فاعل محلى بأل مضاف إلى البكري وهو محلى بأل، فالإضافة صحيحة، و (بشر) علم لا يصح أن يضاف إليه ما فيه أل؛ فنعربه عطف بيان للبكري ولا يصح أن نجعله بدلاً؛ لأنه لو أزيل المتبوع وجعل التابع مكانه لم يصح. ثم أشار المؤلف إلى رد قول بعض النحويين الذين يجوزون إضافة اسم الفاعل المحلى بأل إلى العلم وإن لم يكن فيه أل. فقال: (وليس أن يبدل بالمرضي). المعنى: وليس أن يجعل بدلاً بالقول المرضي، أي: لا نقبل أن يكون بدلاً. وخلاصة القول في البيتين: أن كل عطف بيان يصح أن يكون بدلاً، إلا إذا كان هذا الذي هو عطف بيان لا يصح أن يحل محل التابع لأي سبب من الأسباب، سواء ما ذكر المؤلف وغيره.

стр. 565

عطف النسق

стр. 566

تعريف عطف النسق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عطف النسق] العطف تقدم لنا أنه الثني، ومنه ثني الرداء بعضه إلى بعض. وأما النسق فإنه في اللغة: التتابع. تقول: جاءوا على نسق واحد، أي: متتابعين. وأما عطف النسق في الاصطلاح فقد قال فيه المؤلف: [تال بحرف متبع عطف النسق كاخصص بود وثناء من صدق] أي: ما تبع غيره بواسطة الحرف فهذا هو عطف النسق. ولكن المؤلف اشترط فقال: (بحرف متبع)، احترازاً من الحروف غير المتبعة؛ لأنه قد يتلو فاء السببية، وحرف الجر ولا يكون معطوفاً. وحروف الإتباع معروفة عند العلماء بالتتبع والاستقراء لكلام العرب، فوجدوا أن هذه الحروف إذا جاءت بين كلمتين جعلت الثانية تابعة للأولى، إذاً فالعطف لابد فيه من واسطة بين التابع والمتبوع، وهي حرف العطف. وإعراب ما أشكل في البيت كما يلي: (تالٍ): خبر مقدم مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، وأصله (تالي)، لكن حذفت الياء وبقي الكسر. قال: (اخصص بود)، الود معناه خالص المحبة، وليس مطلق المحبة. (وثناء)، الثناء: المدح بالصفات الحميدة، ويطلق على المدح مطلقاً حتى على غير الخصال الحميدة، وفي الحديث (اثنوا عليه شراً وأثنوا عليه خيراً)؛ لكن المراد هنا الخير. والمعنى: لا تحب إلا من صدق، ولا تثن إلا على من صدق، صدق في قوله وفعله وقصده؛ فالصدق في القصد هو الإخلاص، وفي القول هو الإخبار بما يطابق الواقع، وفي الفعل أن يكون موافقاً لما في قلبه، هذا هو الصادق في الفعل، ومنه في الشرع اتباع النبي ﵊. ويقصد ابن مالك ذلك كلَّه.

стр. 567

حروف العطف لفظاً ومعنى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالعطف مطلقاً بواو ثم فا حتى أم او كفيك صدق ووفا] يقول أهل العلم: إذا رأيت كلام العلماء مطلقاً فانظر إلى الذي قبله وإلى الذي بعده؛ لأنه مطلق من قيد سابق أو لاحق، وهذا البيت مطلق من قيد لاحق؛ لأن قوله بعده: (وأتبعت لفظاً فحسب) يبين لنا ما هو معنى الإطلاق. إذاً فالعطف مطلقاً، يعني: لفظاً ومعنى، وعرفنا ذلك من قوله فيما بعد: (وأتبعت لفظاً فحسب بل ولا) فالعطف مطلقاً بواو مثل: جاء زيد وعمر، رأيت زيداً وعمراً، مررت بزيد وعمر. قوله: (بواو ثم فا) (ثم) معطوفة على الواو بإسقاط حرف العطف، أي: بواو وثم فليست ثم حرف عطف، وإنما هي مما بين أنها من حروف العطف، وكذلك الفاء، وحتى، وأم، وأو، كلها حروف عطف. لكن لأجل ضرورة الشعر قال: (حتى أم او) فنقل حركة الهمزة إلى الميم وخفف الهمزة، والأصل: حتى أم أو. ثم قال: (كفيك صدق ووفاء)، أثنى على الصادق بالوفاء، والشاهد قوله: (ووفا)، فالواو: حرف عطف. و (وفا): معطوفة على الصدق، والمعطوف على المرفوع مرفوع. كفيك صدق: الكاف حرف جر، و (فيك صدق ووفاء) كلها مجرورة بالكاف، بقصد اللفظ. وقد سبق أن ذكرنا للمعربين في ذلك رأيين: الرأي الأول: (الكاف) حرف جر، والجملة كلها مجرورة بالكاف وعلامة جرها الكسرة المقدرة على آخرها منع من ظهورها الحكاية. والرأي الآخر: أنه على تقدير محذوف، والتقدير: كقولك فيك صدق ووفا. (فيك) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. (صدق) مبتدأ مؤخر.

стр. 568

حروف العطف لفظاً فقط قال ابن مالك: [وأتبعت لفظاً فحسب بل ولا لكن كلم يبد امرؤ لكن طلا] قوله: (أتبعت لفظاً فحسب)، يعني: دون معنى، وهذا محترز قوله فيما سبق: (العطف مطلقاً). وقوله: (فحسب) مبنية على الضم، والفاء زائدة لتحسين اللفظ، وأصلها: أتبعت لفظاً حسبُ. و (بل)، و (لا)، و (لكن) حروف عطف، وهي ثلاثة، وتقدم في البيت السابق ستة، فذكر ابن مالك تسعة حروف، وزاد ابن آجروم واحداً، فأصبحت حروف العطف عنده عشرة، والذي زاده هو (إما)، وابن مالك لا يراها من حروف العطف. فإذاً: حروف العطف على رأي ابن مالك تسعة: ستة تتبع المعطوف لفظاً ومعنى، وثلاثة تتبعه لفظاً لا معنى. وقوله: (بل) فاعل أتبعت، والواو حرف عطف و (لا) معطوفة على (بل)، و (لكن) معطوفة على (بل)؛ لكن بإسقاط حرف العطف، أصلها: وأتبعت لفظاً فحسب بل ولا ولكن. فهذه تتبعه لفظاً لا معنى، تقول: نام الرجل بل الصبي، هذه أتبعت لفظاً، بمعنى: أن الذي نام هو الصبي. أو تقول: ما نام الرجل بل الصبي، فـ (ما نام الرجل) نفي، (بل الصبي): إثبات. وكذلك (لا) تقول: جاء زيد لا عمرو، أتبعت باللفظ فقط؛ لأن عمراً ما جاء. وكذلك (لكن) مثل: ما قدم زيد لكن عمرو، أتبعت لفظاً دون معنى. وقوله: (كلم يبد امرؤ لكن طلا). (لم): حرف نفي وجزم وقلب. (يبد): فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة وهو الواو، والضمة قبله دليل عليها. (امرؤ) فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. (لكن): حرف عطف. (طلا): اسم للظبي، فمعنى لكن طلا يعني: لكن بدا طلا. فعلى هذا نقول: (لكن) حرف عطف، و (طلا) معطوف على (امرؤ)، والمعطوف على المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، ويكون المعنى: أن الذي بدا هو الطلا.

стр. 569

ما يعطف بالواو قال المؤلف ﵀: [فاعطف بواو سابقاً أو لاحقاً في الحكم أو مصاحباً موافقاً] الواو هي أم الباب؛ لأنه يعطف بها كل شيء. والسابق هو المتقدم، واللاحق هو المتأخر، والمصاحب الموافق هو الذي يأتي معه، تقول مثلاً: ولد محمد وابنه، فالسابق محمد، واللاحق ابنه. وتقول: مر علي رمضان وشعبان وأنا هنا. فعطفنا سابقاً على لاحق. ولو قلت: جلست في البلد الفلاني رمضان ثم شعبان، فهذا غلط؛ لأن شعبان هو السابق، ولهذا احتاجوا إلى أن يجيبوا على قول الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد بعد ذلك جده فهذا عكس لا يصح. لكن بعض الناس قال: إن الشاعر يريد أن يقول: أنا ما أردت أن أرتبهم في الوجود، إذ إن ترتيبهم في الوجود أن الجد هو الأول ثم الأب ثم الولد. لكن أنا أريد أن أرتبهم بما ينتفع به، فينتفع الإنسان أولاً بسيادته بنفسه، ثم بأبيه، ثم بجده. لكن يتوجه عليه التغليط. أما إذا قلت: بقيت في هذا المكان رمضان وشعبان، فلا يستطيع أحد أن يغلطك. وقوله: (أو مصاحباً موافقاً) أي: جميعاً، كأن تقول: جاء زيد وعلي معاً، أي: جميعاً. ودخل عليَّ زيد وعلي، فإن كان الباب ضيقاً لا يكون موافقاً، وإن كان الباب واسعاً فهو موافق. قال ابن مالك: [واخصص بها عطف الذي لا يغني متبوعه كاصطف هذا وابني] المعنى: اخصص بالواو عطف الذي لا يغني متبوعه، وهو: كل ما دل على الافتراق، فهذا لا يكون فيه إلا الواو فقط. فلا يصح أن تقول: تخاصم زيد ثم عمرو، ولا: تخاصم زيد فعمرو؛ فكل الحروف لا تصلح إلا الواو فتقول: تخاصم زيد وعمر. ومثال آخر قول ابن مالك: اصطف هذا وابني. ولو قلت: اصطف هذا ثم ابني، لا يصح. فكل ما دل على المشاركة فلا يكون العطف فيه إلا بالواو.

стр. 570

ما يعطف بالفاء وثم قال المؤلف: [والفاء للترتيب باتصال وثم للترتيب بانفصال]. أفاد المؤلف ﵀ أن معنى الفاء وثم الترتيب. فكلاهما للترتيب لكنهما تختلفان، فـ (الفاء) للترتيب باتصال، و (ثم) للترتيب بانقطاع؛ ولهذا نقول: ثم للتراخي. فإذا قلت: جاء زيد فعمر، فالمدة بينهما قليلة. وإذا قلت: جاء زيد ثم عمر، فالمدة بينهما كثيرة، لأنها للتراخي. واعلم أن (الفاء) أيضاً إذا عطفت جملة على جملة أو مشتق فإنها تدل مع ذلك على السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] أي: فقضى عليه بسبب وكزه، فإذا كان العطف عطف جملة على جملة أو مشتق فإنها تفيد مع ذلك السببية، وهي عاطفة في نفس الوقت.

стр. 571

ما تختص به الفاء ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واخصص بفاء عطف ما ليس صله على الذي استقر أنه الصله] وهذه أيضاً من خصائص الفاء: أنه يعطف بها ما لا يصح أن يكون صلة للموصول على الذي يصح أن يكون صلة للموصول. وفهمنا أن المراد صلة الموصول لأن الصلة عند الإطلاق هي صلة الموصول. قول ابن مالك: (ما ليس صلة) أي: ما لا يصح أن يكون صلة. وقوله: (على الذي استقر أنه الصلة). أي: على شيء يصح أن يكون صلة؛ لأنها تفيد الارتباط بين الجملتين، ولما كانت تفيد الارتباط بين الجملتين أغنى العطف بها عن وجود عائد يعود على الموصول. ومعلوم أن جملة صلة الموصول تحتاج إلى رابط أو على الأصح إلى عائد يعود على الموصول، فلو قلت: جاءني الذي قام زيد، لا يصلح؛ لأنه ليس فيها عائد. لكن لو قلت: جاءني الذي قام -أي: هو- يصح. أو قلت: جاءني الذي قام أبوه، فهو صحيح لوجود العائد. ولو قلت: أكرمت اللذين ذهبا. يصح. ولو قلت: أكرمت اللذين ذهب عمرو، لا يصح. ولو قلت: أكرمت اللذين ذهبا فغضب زيد؛ يصلح مع أن غضب زيد ليس فيها ضمير يعود على الموصول، نقول: لأنها عطفت بالفاء. وقد مثل النحويون بمثال: غريب وهو قولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب. والخلاصة: تختص الفاء بأنه يعطف بها ما لا يصح أن يكون صلة على ما يصح أن يكون صلة، ولو جئت بدل الفاء بالواو لما صح؛ فلو قلت: الذي يرعد وينزعج الطلبة الماطور لا يجوز إلا على تقدير حذف عائد في الجملة الثانية، والتقدير: وينزعج منه الطلبة. أما بدون تقدير عائد فهو لا يختص إلا بالفاء فقط. والفرق بين الفاء وغيرها كما قلت قبل قليل: أنها تفيد ارتباط الجملتين بعضهما لبعض، ولهذا استدللنا بأن الإخوة مع الأب والأم يحجبونها من الثلث إلى السدس مع أنهم لا يرثون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١] فهذه مربوطة بالتي قبلها، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١]. إذاً: لو قلنا: بدل الفاء بالواو لا يصح، ولو جئنا بدلها بثم لم يصح، ولو جئنا بدلها بأو لم يصح.

стр. 572

العطف على الضمير المتصل المرفوع قال ابن مالك ﵀: [وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل] (إن) شرطيه، وفعل الشرط قوله: (عطفت)، يعني: (وإن عطفت على ضمير رفع متصل)، وجواب الشرط: (فافصل بالضمير المنفصل). وقوله: (إن على ضمير رفع) خرج به ضمير النصب وضمير الجر، فلا يثبت لهما هذا الحكم. وقوله (متصل) دخل فيه البارز والمستتر؛ لأن كليهما متصل، وخرج به الضمير المنفصل فلا يدخل في هذا الحكم. وقوله: (فافصل): فعل أمر، والأمر للوجوب. وقوله: (بالضمير المنفصل) أي الضمائر المنفصلة، ويكون الضمير المنفصل الذي يفصل به ضمير رفع، مثال ذلك أن تقول: زيدٌ قام وعمرو؛ تريد أن تعطف عمراً على الضمير المستتر في قام فيجب أن تقول: زيد قام هو وعمرو. وفي قولك: قمت وعمرو، يجب أن تقول: قمت أنا وعمرو؛ لأن التاء في (قمت) ضمير رفع متصل، فإن لم أقل: (أنا) فإنني أقول: قمت وعمراً بالنصب، لتكون واو المعية، وقد أشار إلى هذا ابن مالك في باب المفعول معه حيث قال: (والنصب مختارٌ لدى ضعف النسق). إذاً: نقول: إذا عطفت على ضمير رفع متصل فأت بالضمير المنفصل، فإن لم تأت به فاعدل عن العطف إلى النصب لتكون الواو واو المعية، ويكون ما بعدها مفعولاً معه. وقوله: (ضمير رفع متصل) فلو كان ضميراً منفصلاً؛ فإنه لا يجب الفصل بضمير منفصل، والسبب أنه لو عطفنا بالضمير المنفصل لما أتينا به ثانياً؛ إذ إن الضمير المنفصل معنا من قبل، فتقول: ما قام إلا أنا وعمرو. فـ (أنا): فاعل قام، (وعمرو): الواو حرف عطف، وعمرو معطوفة على الضمير أنا، والمعطوف على المرفوع مرفوع. وإعراب قولنا: قمت أنا وزيد: (قمت): فعل وفاعل. (أنا): توكيد للتاء في قمت مبني على السكون في محل رفع، وهذا توكيد لفظي. (وزيد): الواو حرف عطف، وزيد: معطوف. وإذا قلت: زيدٌ قام هو وعمرو، فـ (هو): توكيد أيضاً للضمير المتصل وليس هو الفاعل، ونقول: (زيدٌ): مبتدأ. و (قام): فعل ماض، وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو. و (هو): توكيد للضمير المستتر. و (عمرو): معطوفة على الضمير المستتر في قام. وقوله: (عطفت فافصل بالضمير المنفصل) المراد بالضمير المنفصل ضمير الرفع، فـ (أل) هنا تكون للعهد، أي: بالضمير الذي هو للرفع. قال ابن مالك: [أو فاصل ما وبلا فصل يرد في النظم فاشياً وضعفه اعتقد] المعنى: أو افصل بأي فاصل حتى وإن لم يكن ضمير الرفع المنفصل، فتقول مثلاً: قمت مسرعاً وزيد، ففصلنا بفاصل أجنبي وهو الحال. وقولنا: جلست في المسجد وعمرو، مثلها؛ لأننا فصلنا بالجار والمجرور، وابن مالك يقول: فافصل بالضمير أو بأي فاصل. قوله: (وبلا فصل يرد في النظم): يعني: وقد يرد العطف على ضمير الرفع المتصل بدون فصل لا بضمير ولا بغير ضمير، لكن ذلك في النظم فاش، أي: كثير. لكن (وضعفه اعتقد) يعني: وإن كان وارداً فاعتقد أنه ضعيف العطف، والأقوى والراجح النصب على المعية، قال الشاعر: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الفلا تعسفن رملا والشاهد في قوله: (إذ أقبلت وزهرٌ) فزهر معطوفة على الضمير المستتر في أقبلت وبدون فاصل، وكان الأولى للناظم أن يقول: إذ أقبلت هي. وقول الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، من هذا الباب، فإعراب (اسكن) فعل أمر وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت، و (أنت) توكيد للضمير المستتر، و (الواو): حرف عطف و (زوج) معطوفة على الضمير المستتر في (اسكن). وقوله: (وضعفه اعتقد): ضعف: مفعول به مقدم، والضمير مضاف إليه، و (اعتقد) فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.

стр. 573

العطف على الضمير المخفوض قال المؤلف ﵀: [وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازماً قد جعلا وليس عندي لازماً إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا] (عودُ): مبتدأ خبره جملة: (قد جُعل). (ولازماً) المفعول الثاني لجُعل مقدم، ونائب الفاعل في جُعل مستتر هو المفعول الأول. والخافض يشمل ما إذا كان الخافض حرفاً وما إذا كان الخافض اسماً، فإنه يجب إعادته إذا عطف على الضمير المتصل المجرور، وفي البيتين الأولين يتكلم على العطف على ضمير رفع، فأفادنا أنه إن كان متصلاً وجب الفصل بين حرف العطف والضمير، وإن كان منفصلاً لم يجب الفصل. ثم انتقل إلى ضمير الجر ولا يكون ضمير الجر إلا متصلاً. فيقول: إذا عطفت على ضمير مجرور؛ فإنه يجب عليك أن تعيد الجار سواء كان اسماً أو كان حرفاً. ومثال ذلك أن تقول: مررت بك وبزيد، ولا يجوز أن تقول: مررتُ بك وزيدٍ. وتقول: زرت المسجد فجلست فيه وفي البيت، ولا تقول: جلست فيه والبيت. ومثال الجر بالاسم قولنا: هذا غلامك وغلام زيد، ولا نقول: هذا غُلامك وزيدٍ. يقول: (وليس عندي لازماً) هذا اختيار لـ ابن مالك، والتعليل: (إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا)، وما دام قد جاء في النظم والنثر الصحيح البليغ فكيف يجب؟! وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فقال: ((وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) ولم يقل: وبالمسجد الحرام. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، على قراءة الجر (والأرحامِ) والتقدير: وبالأرحام. لكن المقدر ليس كالموجود، وكل عطف فهو على تقدير إعادة العامل، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، فالتقدير: وقام عمرو. إنما الكلام على أن ابن مالك ﵀ يقول: أنا لا أرى أنه يجب إعادة الخافض الجار؛ لأنه ورد في القرآن الكريم، وهو أصح الكلام. ولكن المشكل أن المتعصب لمذهب يحاول أن يحرف فيقول: الواو في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ [النساء:١]. حرف قسم، فالله يقسم بالأرحام. وهذا بعيد، بل هو يخبر ويقول: اتقوا الله الذي تساءلون به وتساءلون بالأرحام. ومن أمثلة ذلك قول الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيامِ من عجب يعني: فما بك وبالأيام من عجب. وهذا البيت يمكن أن يؤول فيقال: الواو حرف قسم، يعني: أنه أقسم بالأيام، ولكن الأصل خلاف ذلك. وخلاصة الدرس: إذا عطفنا على ضمير رفع متصل وجب الفصل إما بضمير منفصل أو غيره؛ لقول ابن مالك: (أو فاصل ما). وإذا عطفنا على ضمير مجرور وجب إعادة الجار على المشهور من كلام النحويين ولا يجب عند ابن مالك وهو الصحيح. وإذا عطفنا على ضمير منصوب -وهذا لم يذكره المؤلف- فنقول: المسكوت عنه معفو عنه، فإذا عطفت عليه فلا تعد الناصب، ولا يجب عليك الفصل، فتقول: أكرمتك وزيداً، أو أكرمتني وصديقي، فهذا يصح، وليس لازماً أن نقول: أكرمتني وأكرمتَ صديقي، ولا: أكرمتك وأكرمت زيداً.

стр. 574

حذف الفاء والواو مع معطوفه إذا دل عليه دليل قال ابن مالك: [والفاء قد تحذف مع ما عطفت والواو إذ لا لبس وهي انفردت]. يعني: تحذف الفاء مع معطوفها، ولكن بشرط أن يؤمن اللبس، فإن لم يؤمن اللبس لم يجز الحذف، وقد ذكر ابن مالك قاعدة في هذا مفيدة وهو قوله: (وحذف ما يعلم جائز) وهي قاعدة من أصول النحو. فإذا علم المعطوف فإن الفاء قد تحذف مع معطوفها، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا إن التقدير: فأفطر، فحذفت الفاء ومعطوفها، وهذا لا لبس فيه؛ لأنه من المعلوم أنه لا تجب العدة إلا أذا أفطر، أما إذا صام فلا عدة. كذلك أيضاً الواو قد تحذف مع معطوفها؛ لكن بشرط ألا يوجد لبسٌ، ومثاله: راكب الناقةِ طَلِيحان، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان، يعني: ضعيفان. قالوا: والدليل على أنه محذوف أن (طليحان) مثنى وراكب الناقةِ مفرد، ولا يخبر بالمثنى عن المفرد، أي: فهناك شيء محذوف. وقوله: (والواو إذ لا لبس وهي انفردت) يعني: أن الواو انفردت عن بقية حروف العطف بعطف عامل مزال قد بقى معموله، فيكون العامل محذوفاً والمعمول باقياً، ومثلوا لذلك بقول الشاعر: إذا ما الغانيات برزت يوماً وزججن الحواجب والعيونا والتزجيج معناه: أنها تقص منها حتى تكون كالزج وهو طرف الرمح، ولكن العيون لا تزجج، فيكون التقدير: زججن الحواجبَ وكحلنا العيون. ومنه قول الشاعر: علفتها تبناً وماء بارداً حتى غدت همالة عيناها والتقدير: وسقيتها ماء بارداً، فحذف العامل وبقي المعمول. قالوا: ومنه قوله تعالى: ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)) [البقرة:٣٥]. فقالوا: لأن زوج لا تصلح أن تعطف على الضمير في اسكن؛ لأن (اسكن) فعل أمر ولا يمكن أن يكون فاعله ظاهراً، فإذا لم يمكن أن يكون فاعله ظاهراً فإنه يعطف عليه ظاهر، والتقدير: اسكن أنت وليسكن زوجك الجنة. وهذا لا شك أنه تكلف. وقال بعضهم: إنه لا شاهد في قوله: (زججن الحواجب والعيون) لأن التزجيج مضمن معنى التحسين، وحينئذ لا حاجة إلى أن نقدر فعلاً. وكذلك أيضاً قال: (علفتها تبناً وماء بارداً)، يضمن معنى: أطعمتها، والماء مطعوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩]. وقوله: (دفعاً لوهم اتقي (تعليل لتقدير المحذوف، يعني: إنما قدرنا المحذوف لدفع الوهم المستفاد من جعله معطوفاً على الموجود، فقوله: (زججن الحواجب والعيونا) إذا لم نقدر (وكحلنا العيون) توهم الواهم أن العيون تزجج وليس كذلك. وقوله: (وعلفتها تبناً وماء بارداً) إذا لم نقل: (وسقيتها)، توهم السامع أن الماء يعلف، وليس كذلك. فقول المؤلف: (دفعاً لوهم اتقي) ليس تعليلاً للحذف، وإنما هو تعليل لتقدير المحذوف.

стр. 575

قد يحذف المعطوف عليه إذا دل عليه دليل قال ابن مالك: [وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح]. في باب العطف عندنا تابع ومتبوع، فالمتبوع هو المعطوف عليه، والتابع المعطوف وابن مالك يقول: المتبوع إذا كان ظاهراً فاستبح حذف المتبوع إذا كان ظاهراً بيناً. ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا﴾ [غافر:٢١]، وقالوا: إن التقدير (فغفلوا ولم يسيروا في الأرض) فهنا حذف المتبوع وأبقى التابع. وقد سبق لنا أن لعلماء النحو في مثل هذا التركيب وجهين: أحدهما: ما ذكر أن الهمزة داخلة على محذوف مقدر بحسب السياق. الثاني: أن الهمزة مقدمة وأن محلها بعد العاطف، لكن قدمت لأن لها الصدارة، وأن هذه الجملة استفهامية معطوفة على ما سبق وأن أصل (أولم يسيروا): (وألم يسيروا) فلا يكون هناك شيء محذوف. وقلنا فيما سبق: إن هذا الرأي أرجح؛ لأننا نسلم به من التقدير؛ ولأنه في بعض الآيات لا تستطيع أن تقدر شيئاً، وهذا الشيء المقدر إنما يقدر مما يفهم من السياق، وإذا كان السياق سيفهمنا إياه فلا حاجه إلى تقديره. فقوله تعالى: ((أَوَ لَمْ يَسِيرُوا)) الاستفهام للتوبيخ ولا توبيخ إلا على غفلة، فتكون الغفلة مستفادة من مجرد الاستفهام وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير، وأهم شيء عندي في هذا الموضوع هو أنه أحياناً يعييك التقدير فلا تستطيع أن تقدر الكلام، وحينئذ فنقول: الأرجح أن تكون الهمزة من بعد الواو، لكنها قدمت عليها؛ لأن همزة الاستفهام لها الصدارة. لكن المؤلف ﵀ يرى أنها من هذا النوع، وهم مثلوا بهذه الآية. قوله: (وعطفك الفعل على الفعل يصح). (عطف) مبتدأ، و (الفعل) مفعول للمصدر، والمعنى: وإن تعطف الفعل على الفعل فهو صحيح. لكن هل العطف على الجملة، أم العطف على الفعل؟ يقال: العطف على الفعل، والدليل على ذلك أنك إذا عطفت فعلاً على فعل مجزوم جزمت، وهذا دليل على أن الفعل هو الذي يعطف، فتقول مثلاً: (إن تجتهد وتعرف الإعراب تنجح في النحو)، فقوله: (وتعرف) معطوف على (تجتهد)، والدليل على ذلك أنه مجزوم. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]، فعطف (يخلد على (يضاعف).

стр. 576

جواز عطف الفعل على الاسم المشبه للفعل والعكس قال المؤلف ﵀: [واعطف على اسم شبه فعل فعلا وعكساً استعمل تجده سهلا] الاسم الذي يشبه الفعل هو اسم الفاعل، واسم المفعول وما أشبهه، يقول ابن مالك: يجوز أن تعطف على اسم يشبه الفعل فعلاً، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ [الحديد:١٨]. وكذلك قولهم: إن الراكب واستوى على بعيره زيد، يعني: إن الذي ركب واستوى على بعيره زيد. وكذلك: إن المركوب ويؤكل البعير، والتقدير: إن الذي يركب ويؤكل البعير. وقوله: (وعكساً استعمل تجده سهلاً) فالعكس ما يشبه الفعل على الفعل ومثاله: إن الذي ركب والمستوي على بعيره زيد. ومنه قول الشاعر: فألفيته يوماً يبير عدوه ومجر عطاء يستحق المعابرا (يبير) يعني: يهلك عدوه، و (مجرٍ): وأصله ومجرياًً عطاءً، لكن حذفت الياء لضرورة الشعر، وإلا فيجب أن ينصب بالفتحة. فقوله: (ومجر) معطوفة على (يبير)، التي محلها النصب مفعولاً ثانياً لألفيته؛ لأن (ألفيت) بمعنى: وجدت، وعلى هذا فيكون مجر معطوفة على الفعل. الحاصل أن ابن مالك ﵀ يقول: إن الأفعال يعطف بعضها على بعض، وإن الفعل يعطف على اسم مشبه للفعل، وإن الاسم المشبه للفعل يعطف على الفعل، والأسماء يعطف بعضها على بعض وهو الأصل.

стр. 577

شرح ألفية ابن مالك [٥٣] البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، وهو ينقسم إلى أقسام متعددة، ويجوز إبدال الاسم الظاهر من الظاهر والفعل من الفعل، أما إبدال الظاهر من الضمير فلا يجوز إلا بشروط.

стр. 578

البدل

стр. 579

تعريف البدل قال رحمه الله تعالى: [تابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلا] (البدل) معناه: أن يوضع شيء بدل الشيء، فإذا قلت: أبدلت كذا بكذا، فالباء هنا دخلت على المأخوذ، وإذا قلت: استبدلت هذا بهذا فالباء داخلة على المتروك، ومنه قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر ٌ) [البقرة:٦١] فدخلت الباء على المتروك. وكثيراً ما يغلط الإنسان في التفريق بين هذا وهذا. أما البدل في اصطلاح النحويين فيقول ﵀: (التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلاً) (البدل) هو التابع، ولابد في الحد أن يكون جامعاً مانعاً. فـ (التابع) جامع لكنه غير مانع؛ لأننا لو اقتصرنا عليه وقلنا: البدل هو التابع دخل فيه جميع التوابع. وقوله: (المقصود بالحكم) هذا فصل جامع لكنه غير مانع؛ لأن معناه: أن المتكلم قصد هذا البدل لكن يدخل فيه بقيه التوابع حتى مثلاً إذا قلت: قام زيدٌ الفاضلُ، فالفاضل مقصودة بالحكم لأني أريد أن أبين وصفه بالفضل. وكذلك أيضاً إذا قلت: قام زيد بل عمرو، فالمقصود بالحكم عمرو، ومع ذلك لا نقول: إن بل عمرو من باب البدل؛ ولهذا أخرجها بقوله: (بلا واسطة). يعني: أنه لا يكون بواسطة احترازاً مما عطف ببل، فإنه تابع مقصود بالحكم، لكن بواسطة وهي حرف العطف. إذاً: فالبدل: هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، فصار التابع جنساً يشمل جميع التوابع، والمقصود بالحكم فصل يدخل فيه المعطوف بـ (بل). وبلا واسطة يخرج به المعطوف بـ (بل). والحكم في الأصل المقصود به حكم المعنى. قوله: (هو المسمى بدلاً) يعني: هو مسمى عند النحويين. فالبدل عند النحويين هو: التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، مثال ذلك: (رأيت زيداً عمراً) فالمقصود (عمراً) بدون واسطة. وتقول: نفعني زيد ماله، المقصود الإخبار بأن ماله نفعه.

стр. 580

أنواع البدل يقول المؤلف: [مطابقاً أو بعضاً او ما يشتمل عليه يلفى أو كمعطوف ببل كزره خالداً وقبله اليدا واعرفه حقه وخذ نبلاً مدى] فقوله: (مطابقاً) مفعول ثانٍ ليلفى، و (يلفى) بمعنى: يوجد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] أي: وجدا، (أو بعضاً): معطوف على (مطابقاً)، (أو ما) اسم موصول معطوف على مطابقاً. (يلفى) فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو المفعول الأول، و (مطابقاً) هو المفعول الثاني، يعني: أنه يلفى مطابقاً أو بعضاً أو ما يشتمل عليه. (أو كمعطوف بـ (بل)) يعني: ويلفى أحياناً كمعطوف بـ (بل) وقد سبق أن (بل) تفيد أن الحكم ثابت لما بعدها وساكتة عما قبلها، لكن مع ذلك يقول: (وذا للاضراب اعز إن قصداً صحب) (وذا) المشار إليه آخر قسم، وهو المعطوف ببل، فينقسم إلى قسمين: تارة يكون للإضراب، وتارة يكون غلطاً ونسياناً، فتبين لنا الآن أن أقسام البدل خمسة أنواع: أولاً: البدل المطابق، ويسمى بدل الكل من الكل. ثانياً: بدل بعض من كل، كيده ورجله وعينه ورأسه وما أشبه ذلك، ويمكن أن نحمل كلام المؤلف على أن يكون البدل بعضاً من المبدل منه، أو بالعكس، وهو ما يسمى ببدل الكل من البعض، لكنه خلاف ظاهر كلامه. الثالث: بدل الاشتمال: بأن يكون بين البدل والمبدل منه علاقة غير البعضية؛ كالعلم، والمال، والفهم وما أشبهها. والرابع: بدل الإضراب. والخامس: بدل الغلط. فالبدل على تقسيم ابن مالك خمسة أنواع، وعلى تقسيم ابن آجروم أربعة أنواع، والمعنى متقارب. قال ابن مالك: [وذا للاضراب اعز إن قصداً صَحبْ ودونَ قصدٍ غلط به سلب] (ذا) الأخير اعزه للإضراب بأن قصدت أن الأول مشارك للثاني في الحكم، فهذا سمه إضراباً. وبهذا عرفنا أنه يخالف المعطوف بـ (بل)؛ لأن (بل) تثبت الحكم لما بعدها وتسكت عما قبلها. وقوله: (ودون قصد)، يعني: إذا لم تقصد الأول لكن جرى على لسانك بدون قصد فسمه بدل غلط. فالخلاصة أن الأقسام خمسة: مطابقة، وبدل بعض، وبدل اشتمال، وبدل إضراب، وبدل غلط، والفرق بين بدل الإضراب، وبدل الغلط: أن بدل الإضراب قصد الأول الذي هو المبدل منه، ثم عدل إلى الثاني. وأما بدل الغلط فإنه لم يقصد الأول إطلاقاً. إذاً: في الحقيقة أن الحكم للأخير فيهما جميعاً، لكن هل قصد الأول ثم عدل أو ما قصده ولكن سبق لسانه أو غلط. والأمثلة: زره خالداً، فـ (خالداً) تكون بدلاً من الضمير، كأنه قال: زر خالداً. ولو قلت: زر زيداً عبد الله، فعبد الله بدل من زيد، وهو بدل اسم ظاهر من اسم ظاهر. وإذا قلت: اركب الجمل البعير، فهذا بدل مطابقة لأن الجمل هو البعير. قوله: (وقبله اليدا) الضمير في (قبله) يعود على الإنسان كله، فقلت: (اليدا)، واليد بعض من الإنسان، فتكون اليد هنا بدل بعض من كل، ومثله: قبله الرأس، وقبله الجبهة. وبعض النحويين أثبت بدل الكل من البعض، واستشهد له بقول الشاعر: رحم الله أعظماً دفنوها بسجستان طلحة الطلحات فقال: أعظُُماً، والعظام بعض الإنسان، ثم أبدل منها (طلحة الطلحات). وقوله: (اوعرفه حقه) نجعل الضمير اسماً فنقول: اعرف زيداً حقه، وهذا بدل اشتمال.

стр. 581

متى يبدل الظاهر من ضمير الحاضر قال ابن مالك: [ومن ضمير الحاضر الظاهر لا تبدله إلا ما إحاطة جلا أو اقتضى بعضاً أو اشتملا كأنك ابتهاجك استمالا] (الظاهر) مفعول لفعل محذوف، وتقديره: لا تبدل الظاهر من ضمير الحاضر؛ لأن قوله (لاتبدله) مشغول النصب عن الظاهر بضميره. يقول: لا تبدل الاسم الظاهر من ضمير الحاضر، وهو ضمير المتكلم وضمير المخاطب. مثال ذلك لو قلت: ضربتك زيداً، فلا تجعل زيداً بدلاً من الكاف؛ لأن الكاف ضمير مخاطب (ضمير حاضر). ومفهوم كلامه: أنه يجوز إبدال الاسم الظاهر من ضمير الغائب، وقد مثل به المؤلف فقال: (كزره خالداً)، فـ (خالداً) بدل من الضمير وهو ضمير غيبة. ويفهم منه أنه يجوز إبدال الظاهر من الظاهر وهو كذلك. ومثل له بقوله: (خذ نبلاً مدى)، فنبلاً ظاهر، ومدى ظاهر أيضاً. وعلم من كلامه أنه لا يجوز إبدال الظاهر من ضمير المتكلم؛ لأنه ضمير حاضر فلا تقول: أكرمتني محمداً، على أن محمداً بدلاً من الياء. وقد يفهم من كلامه أنه يجوز إبدال الضمير من الضمير، والصواب أن الضمير مع الضمير لا يكون بدلاً بل يكون توكيداً. واستثنى المؤلف ثلاث مسائل يجوز فيها أن يكون الظاهر بدلاً من ضمير المتكلم أو ضمير الخطاب: الأولى في قوله: (إلا مع إحاطة جلا) والمعنى إلا ما أظهر إحاطة، أي: تفصيلاً دالاً على العموم، فيكون البدل دالاً على الإحاطة والشمول من شيء يحتمل الإحاطة ويحتمل عدمها. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة:١١٤] فإن قوله: (لأولنا وآخرنا) بدل من (نا) في قوله: (لنا)، لكنه بدل بإعادة الجار. وتمثيل النحويين بذلك يدل على أن البدل على نية تكرار العامل حيث قال: إنه بدل بإعادة حرف الجر. وقوله: (تكون لنا) يحتمل: لنا نحن الموجودين، ويحتمل: لبعضنا، ويحتمل: لنا معشر النصارى، فلما قال: لأولنا وآخرنا دل على الإحاطة والشمول، يعني: لنا جميعاً. فإن قال قائل: هذا لا يدل على الإحاطة والشمول؛ لأنه قال: (لأولنا وآخرنا) ولم يقل: ووسطنا. نقول: الوسط يدخل في هذا؛ لأن ذكر الطرفين يتضمن الوسط؛ لأنهما محيطان به مكتنفان له، فهو دال على الإحاطة والشمول. المسألة الثانية: قال: (أو اقتضى بعضاً) يعني: صار بدل بعض من كل، تقول لعبدك: بعتك بعضك، فـ (بعض) بدل بعض من كل. والمسألة الثالثة: قوله: (أو اشتمالاً) يعني: إذا كان بدل اشتمال أيضاً جاز أن يبدل الظاهر من الضمير الحاضر، مثل: (كإنك ابتهاجك استمالا) بكسر الهمزة، ويصلح (كأنك) بفتحها: كأنك ابتهاجك استمالا. لكن بينهما فرق من جهة المعنى، إذا قلت: كأنك ابتهاجك استمالا، يعني: تتوقع أن ابتهاجه استمالا. وإذا قلت: كإنك فإنك تؤكد أن ابتهاجه استمال. ومن حيث الإعراب لا يختلف؛ لأن الكاف على كل تقدير محلها النصب، سواء جعلنا كأن للتشبيه أو الكاف حرف جر وإن للتوكيد. وقوله: (ابتهاجك) بدل من الكاف في إنك. وقوله: (استمالا) يحتمل أن المعنى: استمال الناس بمعنى أمالهم إليه وجذبهم. أو أن استمال بمعنى: مال وتنحى، يعني: صار فيه ميل، ومعناه: أن هذا الرجل بدأ بعد البهجة والسرور يحزن. وإذا قلنا: (استمالا) بمعنى أمال الناس فمعناه: أن الرجل لقوة ابتهاجه يميل الناس إليه. ومثال آخر: عرفتك حقاً، فهذا بدل اشتمال.

стр. 582

وجوب دخول همزة الاستفهام على البدل من اسم الاستفهام قوله: (وبدل المضمن الهمز يلي همزاً كمن ذا أسعيد أم علي] المضمن الهمز: كل اسم دال على الاستفهام، فقوله: (المضمن الهمز) المراد همزة الاستفهام، والاسم المضمن الهمزة هو اسم الاستفهام الذي بدله يلي همزاً، مثل: كمن ذا أسعيد أم علي. ولو قلت: من ذا سعيد أم علي؟ لقلنا: هذا لا يصح إلا على تقدير الهمزة. ما اشتريت أكتاباً أم قميصاً. فإذاً: كل ما كان بدلاً من اسم استفهام فإنه يجب أن يلي الهمزة. وإعراب المثال كما يلي: (من) اسم استفهام مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، و (ذا) اسم إشارة مبني السكون في محل رفع خبر المبتدأ. الهمزة: حرف استفهام، (سعيد) بدل من (من)؛ لأنه يقول: وبدل المضمن الهمز، والمضمن الهمز هو اسم الاستفهام، و (أم) حرف عطف، و (علي) معطوف على سعيد.

стр. 583

إبدال الفعل من الفعل (ويبدل الفعل من الفعل كمن يصل إلينا يستعن بنا يعن) يعني: يبدل الفعل من الفعل وليس من الاسم. وقوله: (كمن يصل إلينا يستعن بنا يعن). (من): اسم شرط جازم يجزم فعلين. (يصل) فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمن، (إلينا) جار ومجرور متعلق بيصل، (يستعن) بدل من (يصل)، كأنه قال: من يستعن بنا، و (يستعن) فعل مضارع مجزوم بالسكون بدلاً من يصل، (بنا): جار ومجرور متعلق بيستعن، (يعن) فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم على أنه جواب الشرط. وسبق أن مثلنا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩] يضاعف بالسكون على أنه بدل من (يلق). وإلى هنا انتهى باب البدل والتوابع أيضاً.

стр. 584

شرح ألفية ابن مالك [٥٤] النداء هو طلب الإقبال بيا أو إحدى أخواتها، والأصل في المنادى أنه منصوب؛ لكن بعض أنواعه تكون مبنية على الضم، وللنداء أحكام يذكرها العلماء تتعلق بتركيبه ونحو ذلك.

стр. 585

النداء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النداء]. النداء بالمد هو: طلب الإقبال بيا أو إحدى أخواتها. ثم إن النداء قد يكون حقيقة أو ضمناً، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٥٨] ليس فيه يا أيها الناس احضروا، لكن (حي على الصلاة) هذا نداء ضمني. والنداء له أحرف معينة جمعها أهل العلم حينما تتبعوا ذلك في اللغة العربية، فله حروف كحروف التنبيه لكنها خاصة بالنداء.

стр. 586

أحرف النداء قال المؤلف ﵀: (وللمنادى الناء أو كالناء يا) الناء يعني: البعيد، وأصله النائي بالياء، لكن حذفت الياء لضرورة الوزن. (أو كالناء) يعني الذي كالنائي، أي: كالبعيد بكونه غافلاً أو ساهياً أو نائماً أو ما أشبه ذلك. فالناء وشبهه له ياء فتقول: يا فلان! للبعيد بمد الصوت. كذلك إذا كان غافلاً، مثل طالب من الطلبة يقلب الكتاب ولا ينتبه للمدرس فتقول له: يا فلان، ولو قال لك: أنا عندك قريب تقول: لكنك غافل. كذلك النائم، نقول: يا فلان قم؛ لأنه كالبعيد في كونه يحتاج إلى مد الصوت. ولهذا يقول: (يا، وأي، وآ، كذا أيا، ثم هيا). وفي (أي) لغتان ثانيهما: آي، ونضيفها إلى الحروف فتكون ستة. وقوله: (والهمز للداني ووا لما ندب) فصارت حروف النداء ثمانية: يا وأي وآي، وآ، وأيا، وهيا، وأ، ووا. وقوله: (الهمز للداني) يعني: القريب، فالهمز للقريب المنتبه. إذاً: الهمز للداني المنتبه الذي هو غير غافل وغير نائم، تقول: أزيد، ولا يحتاج لمد الصوت لكونه قريباً ومنتبهاً. واعلم أنه قد ينزل البعيد منزلة القريب، وقد ينزل القريب منزلة البعيد، فقد ينادي الإنسان قريبه وصديقه وهو بعيد بلفظ الهمز كقول الشاعر: أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرماً فأجملي. وقوله: (ووا لمن ندب) (وا) للذي ندب، وأصل الندب الدعاء؛ لكن المندوب عند النحويين هو المنادى المتفجع عليه أو المتوجع منه، فواحد يؤلمه ظهره، فيقول: واظهراه. وواحد انهدم بيته يقول: وابيتاه! وآخر ماتت ناقته يقول: واناقتاه! وهذا متفجع عليه. وإنما اختارت العرب (وا)؛ لأن دلالتها على التوجع ظاهرة جداً؛ لأنها تقال في الأشياء التي توحش أو تؤلم أو ما أشبهها. وقوله: (أو يا) يعني: ويجوز أن تستعمل يا في الندبة فتقول: يا ظهراه، وهذا كثير في اللغة العامية. وقوله: (وغير وا لدى اللبس اجتنب). فيا تستعمل في محل (وا) بشرط ألا يكون هناك لبس، فإن كان هناك لبس فإننا نرجع إلى الأصل وهو (وا). فالذي يتفجع على ناقته فيقول: واناقتاه، ولو قال: يا ناقتا، فإنه يصح. لكن لو قال: يا ناقتي لا يكون ندبة، إذاً: لا يجوز أن تجعل (يا ناقتي) ندبة لأجل اللبس. وقوله: (وغير وا) المقصود به (يا). فانقسمت حروف النداء إلى أقسام. الأول: ما كان للبعيد. والثاني: ما كان للقريب. والثالث: ما كان للندبة. فالهمزة للقريب، و (وا) للندبة، والباقي للبعيد. و (يا) أيضاً للندبة بشرط ألا يكون هناك لبس.

стр. 587

حكم حذف حرف النداء مع المندوب يقول المؤلف: [وغير مندوب ومضمر وما جا مستغاثاً قد يعرى فاعلما] وغير مندوب ومضمر وما جا مستغاثاً قد يعرى من حرف النداء، تقول مثلاً: يا زيد، وتقول: زيد. وسواء كان قريباً أو بعيداً، فتحذف حرف النداء. وابن مالك يقول: (وغير مندوب)، فإذا قال: واظهراه، واصديقاه، واسيارتاه، وناقتاه، وما أشبه ذلك، نقول: فلا يجوز أن تحذف (وا)، لأنه مندوب. ووجه ذلك أننا لو حذفنا هذا لم نعلم أن ذلك ندبة، وهو حرف جيء به ليدل على معنى خاص في النداء فلا يجوز أن يحذف، ولو حذفناه لفات هذا الغرض. قوله: (ومضمر) يعني: المنادى المضمر لا تحذف منه ياء النداء، وظاهر كلام المؤلف أن الضمير ينادى مطلقاً. وقال بعض النحويين: إن الضمير لا ينادى مطلقاً. وقال آخرون: ينادى ضمير المخاطب دون غيره، فيقال: يا إياك قد أغثتك، يا إياك قد نفعتك. ظاهر كلام ابن مالك أنه يجوز نداء ضمير الغائب، ولكن المشهور عدم الجواز. ولو قيل: بعدم الجواز إلا فيما ورد به السماع لكان وجيهاً، فهو يحفظ ولا يقاس عليه. وقوله: (وما جا مستغاثاً) كأن تستغيث الله فتقول: يا لله للمسلمين. فـ (يا) تدخل على المستغاث، وتكون اللام مفتوحة فيه، تقول يا لله للمسلمين. وتقول: يا لرجل المرور لقاطع الإشارة، تستغيث برجل المرور لقاطع الإشارة. وإعراب: (فاعلما). (الفاء) حرف عطف، و (اعلما) أصلها (اعلم) فعل أمر مبني على السكون وحرك بالفتح لمناسبة ألف الإطلاق. قال: [وذاك في اسم الجنس والمشار له قل ومن يمنعه فانصر عاذله] (وذاك) المشار إليه التعرية، يعني أن حذف حرف النداء في اسم الجنس وفي اسم الإشارة قليل. مثال ذلك في اسم الجنس، تقول: يا نهار ما أطولك، يا ليل ما أطولك، يا جمل ما أحرنك، وما أشبه ذلك. فاسم الجنس حذف الياء منه قليل، فتقول: ثوبي حجر، واسم الجنس ليس كالعلم الذي يوجه له الخطاب فلذلك لا تحذف منه الياء. وكذلك في اسم الإشارة تقول: يا هذا ما أغفلك، يصف فلاناً بالغفلة، وحذف الياء قليل، ومنه قول الشاعر: ذا ارعواء فليس بعد اشتعال الرأس شيباً إلى الصبا من سبيل الشاهد قوله: (ذا ارعواء) يعني يا هذا، فحذف الياء في اسم الإشارة قليل. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز أنه تحذف ياء من اسم الجنس ومن اسم الإشارة، ولكن ابن مالك يقول: (من يمنعه فانصر عاذله) أي: لائمه، أي: من يقول: إنه لا يجوز حذف ياء النداء في اسم الجنس وفي اسم الإشارة، وجاء أحد يلومه فانصر اللائم. والحقيقة أن مثل هذا الترتيب يعتبر في البلاغة تعقيداً؛ لأنك لا تكاد تفهم المعنى منه. لكن ضرورة الشعر تلجئه ﵀ إلى أن يقول مثل هذا الكلام.

стр. 588

أحكام المنادى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النداء]. النداء بالمد هو: طلب الإقبال بيا أو إحدى أخواتها. ثم إن النداء قد يكون حقيقة أو ضمناً، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٥٨] ليس فيه يا أيها الناس احضروا، لكن (حي على الصلاة) هذا نداء ضمني. والنداء له أحرف معينة جمعها أهل العلم حينما تتبعوا ذلك في اللغة العربية، فله حروف كحروف التنبيه لكنها خاصة بالنداء.

стр. 589

متى يبنى المنادى على ما يرفع به قوله: [وابن المعرف المنادى المفردا على الذي في رفعه قد عهدا] بدأ المؤلف ﵀ بأحكام المنادى الآن، والأحكام أهم من الأدوات، فبدأ المؤلف بحكم المبني فقال: (وابن المعرف المنادى المفردا) يعني: إذا ناديت اسماً معرفاً مفرداً فابنه على الذي في رفعه قد عهدا، يعني: قد علم. وليس المراد بالمفرد ما يقابل الجمع والتثنية، إنما المراد به ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، فالمفرد يبنى على ما يرفع به، ولهذا قال: (على الذي في رفعه قد عهدا) يعني على الذي قد عهد في رفعه. فما دل على واحد يبنى على الضم، وما دل على اثنين يبنى على الألف، وما دل على جمع يبنى على الواو. فالقاعدة: إذا كان المنادى معرفة مفرداً وجب بناؤه على ما يرفع به، مثل: زيد؛ إذا ناديناه نقول: يا زيد. وعلم من قول المؤلف (وابن) أنه لا ينون؛ لأن الضمة ضمة بناء لا إعراب. وتقول: يا زيد، يا بكرُ، يا عليُ، يا جعفرُ، ولرجل معين تقول: يا رجلُ. إذاً نبنيه على الضم بدون تنوين؛ لأن المبني لا ينون إلا تنوين العوض كما مر. وتنادي اثنين تقول: يا زيدان، يا بكران، يا عمران، يا خالدان. ويا رجلان، إذا قصدت رجلين معينين، ويسمى هذا النكرة المقصودة، فرجل نكرة، لكنه لما كان مقصوداً صار كالمعرفة. وتنادي جمع المذكر السالم فتقول: يا مسلمون، يا قانتون، يا صالحون، يا متعلمون، وما أشبه ذلك.

стр. 590

المنادى المبني يقدر بناؤه على الضم بعد النداء قال المؤلف ﵀: [وانو انضمام ما بنوا قبل الندا وليجر مجرى ذي بناء جددا] إذا كان المنادى مبنياً على الضم من قبل أن ينادى فننوي ضمة جديدة غير الضمة الأولى. وقوله: (وانو انضمام ما بنوا قبل الندا) يعني معناه: لا تبنيه على الضم، فإذا نادينا هذا نقول: يا هذا، فلا نضمه، أو يا من يقول للشيء كن فيكون. لا نقول: يا منُ، ولا نقول: يا هذو، بل نبقيها على ما كانت عليه. ولو ناديت واحداً وسميته (حيثُ) وهي مبنية على الضم، تقول: يا حيثُ، فتقول في إعرابها: (يا) حرف نداء، و (حيث) منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة البناء. وإعراب (هذا) من (يا هذا): منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون البناء؛ لأن هذا البناء الذي حصل بالنداء بناء جديد عارض طارئ. قوله: (وليجر مجرى ذي بناء جددا) يعني هذا الذي كان مبنياً إذا ناديناه حكمنا عليه بحكمه لو كان مبنياً من أجل النداء، وهو البناء المجدد. فيتبين لنا من الكلام الأول أن هذا المبني على سكون أو ضم أو كسر ينوى ضمه، فإذا ناديت امرأة يسمونها حذامِ قلت: يا حذامِ. وحذام امرأة مشهورة بقوة البصر، يقال: إنها ترى من مسيرة ثلاثة أيام، وإنها قالت لقومها ذات يوم: يا قوم جاءكم القوم، فنظروا فإذا هو لا يوجد أحد، وكان الأعداء قد قطعوا شجراً، وجعلوا مع كل واحد منهم شجرة، فلم تفطن لهم فغاروا على الحي وقتلوها.

стр. 591

متى يكون المنادى منصوباً قال ابن مالك: (والمفرد المنكور والمضافا وشبهه انصب عادماً خلافا) يعني: وانصب النكرة، والمراد بالمفرد هنا ما ليس مضافاً ولا شبهه، والمفرد النكرة ينصب، ولهذا قال: (انصب)، فتقول مثلاً: يا رجلاً أنقذ فلاناً، وذلك مثل قول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي؛ ما قصد رجلاً معيناً إنما قصد أي رجل من الرجال، فيكون نكرة فينصب بالفتح، فتقول: يا رجلاً افعل كذا وكذا؛ تخاطب أي رجل. وتقول أيضاً: يا طالباً كن مجداً تخاطب أي طالب، فيكون منصوباً. وتقول: يا مسلمين؛ لا تخاطب مسلمين معينين. وقوله: (والمضافا) فالمضاف أيضاً ينصب عند النداء مثل: يا عبد الله، تقول: (يا) حرف نداء، و (عبد) منادى منصوب بياء النداء وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، و (عبد) مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه. وقال النبي ﵊: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل). ومثله أيضاً: (يا عبادي) في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. وتقول أيضاً: يا غلام زيد أقبل، فـ (الياء) حرف نداء و (غلام) منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، و (غلام) مضاف و (زيد) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره. قال: (وشبهه انصب عادماً خلافاً) شبه المضاف: هو ما تعلق به شيء من تمام معناه: إما أن يكون فاعلاً، أو مفعولاً به أو مجروراً، تقول: يا كريماً أبوه أقبل، (كريماً) هنا منادى معين لكنه شبيه بالمضاف؛ لأنه تعلق به شيء من تمام معناه والمتعلق به هنا فاعل. ومثال المفعول به يا بائعاً ثوبه، هذا تعلق به شيء من تمام معناه مفعولاً به، ومثله: يا طالعاً جبلاً، فـ (طالعاً) هذه نكرة معينة مراده، لكنه تعلق به شيء من تمام معناه فصار شبيهاً بالمضاف. أما المجرور فتقول: يا لطيفاً بالعباد كن بي لطيفا، فـ (لطيفاً) هذه نكرة مقصودة موجهة إلى الله ، لكن (بالعباد) تعلق بها ليتمم معناها وهو مجرور بحرف الجر. وإذا قلت: يا قارئاً كتابه تأمله، التعلق هنا بالمفعول. ولو قلت: يا قارئ الكتاب، أصبح مضافاً وليس شبيهاً بالمضاف فلهذا يقولون: إن هذا شبيه بالمضاف. وقولك: يا كريماً أبوه، مثل قولك: يا كريم الأب، فهو شبيه بالمضاف تماماً، وعلى هذا فقس. فصار الذي ينصب ثلاثة أشياء هي النكرة غير المقصودة، والمضاف، والشبيه بالمضاف. وشيئان يبنيان على ما يرفعان به وهما: العلم، والنكرة المقصودة. قال: (وشبهه انصب عادماً خلافا) فـ (عادماً) حال من فاعل (ينصب)، و (خلافاً) مفعول لعادم، يعني كأن ابن مالك ﵀ يقول: إن العرب أجمعوا على أن هذه الثلاثة تنصب.

стр. 592

حكم المنادى العلم الموصوف بابن قال المؤلف ﵀: [ونحو زيد ضم وافتحن نحو أزيد بن سعيد لا تهن والضم إن لم يل الابن علما أو يلي الابن علم قد حتما] زيد علم، فهو معرف يستحق البناء على الضم، فتقول: يا زيدُ، لكن إذا كان بعد همزة النداء وبعده كلمة (ابن) أو (ابنة) وبعده علم يقول المؤلف: يجوز في زيد الضم والفتح. مثاله: أزيد بن سعيد، فـ (الهمزة) حرف نداء، (زيد) منادى مبني على الضم في محل نصب، ويجوز أن نقول: الهمزة حرف نداء، وزيد: منادى منصوب على النداء وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، ولهذا قال: (ضم): أي: على أنه مبني، (وافتحن) أي: على أنه منصوب. إذاً: إذا وجد علم وبعده (ابن) وبعده علم فإن العلم الأول يجوز فيه البناء على الضم والنصب. و (ابن) منصوب على كل حال، و (ابن) مضاف و (سعيد) مضاف إليه. فإن قال قائل: لِمَ لم يتكلم على حكم (ابن)؟ نقول: قد تكلم على حكمها في عموم قوله: (والمضافا) ولا خلاف في هذا فيكون منصوباً بالفتحة. لو فرضنا أن الاسم الأول ليس علماً فحكمه وجوب البناء، مثل: يا غلام ابن زيد، فغلام ليس علماً، فإذا كان الذي قبل (ابن) ليس بعلم فيبنى على الضم، وإذا كان الذي بعد (ابن) ليس بعلم فإنه كذلك يبنى على الضم. وهل يجوز أن نقول: يا زيدَ صاحبَ زيد؟ لا يجوز؛ لأنه لا يوجد (ابن) بين علمين، وإذا قلنا: يا زيدُ صاحب عمرو، فإنه يتعين في زيد البناء على الضم، ولا يجوز أن نقول: يا زيدَ صاحب عمرو؛ لأنه ليس عندنا (ابن) بين علمين. قوله: (أزيد بن سعيد) إعرابه على الضم واضح: الهمزة: حرف نداء. زيد: منادى مبني على الضم في محل نصب. ابن سعيد: صفة لزيد منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره. قالوا: ويجوز أن تعربه منادى مستقلاً، لكن إذا أعربته منادى مستقلاً لم يجز في الأول إلا الرفع فتقول: أزيد يا ابن سعيد لا تهن، لكن هنا نريد أن نعربه على أنه صفة لزيد. فإذا بنينا زيداً على الفتح وقلنا: أزيدَ بن سعيد، فنقول: الهمزة: حرف نداء. زيد: منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اتباعه لصفته في محل نصب. فزيد ليس منصوباً وفيه قول أنه مبني وما بعده على الفتح وتلغى كلمة ابن، لكن الإعراب الصحيح أن نقول: زيد منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اتباعه لصفته؛ أي: متبعاً لها بالفتح فقط. فصارت فتحته فتحة إتباع لا إعراب.

стр. 593

إذا اضطر الشاعر إلى تنوين المنادى المبني له رفعه ونصبه قال المصنف رحمه الله تعالى: [واضمم أو انصب ما اضطراراً نونا مما له استحقاق ضم بينا] قوله: (واضمم أو انصب). (أو) هنا للتخيير، ومعنى (اضمم): أي: ابنِ على الضم، وقوله: (أو انصب) أي: أعربه بالفتح نصباً. (ما): اسم موصول مفعول اضمم أو انصب، وفيه تنازع، والمعروف أنه في مثل هذا يكون مفعولاً للثاني. اضطراراً: مفعول من أجله، عامله (نونا)، والألف فيه للإطلاق، أي: اضمم أو انصب ما نون اضطراراً، أي: للضرورة. فإذا جاء الاسم مستحقاً لبنائه على الضم، واضطر الشاعر إلى أن ينونه فإنه يجوز أن ينصبه، ويجوز أن يضمه، أي: أن تعربه على أنه مبني على الضم في محل نصب، أو تنصبه على أنه منادى منصوب، فشمل قول المؤلف: (ما اضطراراً نونا مما له استحقاق ضم) المنادى الذي يبنى على الضم لكونه علماً، فإنه يجوز فيه أن تقول في إعرابه: إنه منصوب بياء النداء مثلاً، أو مبني على الضم ونون للضرورة، مثاله قول الشاعر: سلام الله يا مطرٌ عليها وليس عليك يا مطرُ السلام الشاهد في الأول: (سلام الله يا مطرٌ)، وكان عليه أن يقول: (يا مطرُ)، لكن نونه لضرورة الشعر؛ لأنه لو لم ينونه لانكسر البيت، فنونه للضرورة. الثاني: (وليس عليك يا مطرُ)، هذا على الأصل؛ لأنه ليس فيه تنوين. وعليه فيجوز أن أقول: سلام الله يا مطراً عليها، وسلام الله يا مطرٌ عليها؛ لأن ابن مالك خيرنا: (اضمم أو انصب)، وإنما جاز النصب لأنه لما دخله التنوين صار كأنه غير مقصود، فإن النكرة المقصودة تبنى على الضم، والنكرة غير المقصودة حكمها النصب، وعلى هذا فيجوز في الإعراب كما يأتي: سلام الله: سلام: مبتدأ، وهو مضاف إلى اسم الجلالة. يا: حرف نداء. مطر: منادى مبني على الضم في محل نصب، ونون للضرورة. عليها: جار مجرور خبر سلام. ويجوز أن أقول: سلام الله يا مطراً عليها، وإعرابه: يا: حرف نداء. مطراً: منادى منصوب وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره. ففي باب الضرورة إن شاء الإنسان نصب وإن شاء رفع. قوله: (مما له استحقاق ضم بينا) ذكر المؤلف سابقاً أن المنادى المفرد يبني على ما يرفع به، وهنا استثنى المثنى وجمع المذكر السالم، فما قال: على ما يرفع به؛ لأن الكلام على ما يستحق البناء على الضم، أما الجمع فهو يبقى على ما هو عليه، وكذلك المثنى. مثال آخر: قول الشاعر: ضربت صدرها إلي وقالت يا عدياً لقد وقتْك الأواقي فقال: يا عدياً لقد وقتك الأواقي، وكان عليه أن يقول لولا الضرورة: يا عديُ؛ لأنه علم. فالحاصل: أن ما يبنى على الضم يجوز أن ينون لضرورة الشعر، وإذا نون جاز أن يبقى على ضمه، وجاز أن ينصب.

стр. 594

متى يجمع بين حرف النداء وأل قال المصنف رحمه الله تعالى: [وباضطرار خص جمع يا وأل إلا مع الله ومحكي الجمل] تقدم أنه يجوز حذف أداة النداء، لكن لا تجمع أداة النداء مع (أل)، فلا يقال: يا النبي, ولا يا الرجل، إلا في اسم الله تعالى، وما سمي به من الجمل، وإذا دعت الضرورة، والضرورة عند النحويين هي الشعر. قوله: (إلا مع الله) فلفظ الجلالة (الله) اختص بجواز جمع ياء مع أل، مثل: يا الله، قالوا: وهنا تكون همزتها همزة قطع، (يا ألله)، ويجوز أن تجعلها همزة وصل، لكن الأفصح أنها تقطع. قوله: (ومحكي الجمل) يعني: لو سمينا شخصاً بجملة اسمية محلاة بأل فإنه يجوز أن نناديه بـ (يا)، فهناك واحد من العرب يسمى: الشنُّ فُري، هذا هو أصله وأظنه صار يسمى: الشنفري، فإذا ناديناه نقول: يا ألشنفري، فيجب هنا القطع. مثلاً دخل علينا شخص وقال: الصباح بارد، فأخذنا عليه هذه الكلمة وبدأنا نسميه بها: جاء الصباح بارد، دخل الصباح بارد وما أشبه ذلك، فإذا أردنا أن نناديه بياء النداء فإنه يصح، لكنه يجب القطع، ففي (الله) يجوز أن تجعل الهمزة همزة وصل وهمزة قطع، لكن هذه قالوا: يجب أن تجعلها همزة قطع، وتقول: يا ألصباح بارد؛ لقبح اجتماع ياء النداء مع أل الساكنة الهمزة، فتقطع الهمزة ليزول هذا القبح.

стр. 595

تعويض الميم عن يا النداء في اللهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض] قوله: (والأكثر اللهم بالتعويض) أي: تعويض الميم عن الياء، فالأكثر أن يقال: اللهم، بدلاً من: يا الله، ولهذا إذا تدبرت الأدعية الواردة في الكتاب والسنة وجدت أنها تصدرت بـ (اللهم) دون يا الله، هذا هو الأكثر: اللهم اغفر لي، بالتعويض، فعوض الميم عن الياء، وقد سبق أنها عوضت الميم على الياء وأخرت حتى يكون الابتداء باسم الله . قوله: (وشذ يا اللهم في قريض) القريض هو: الشعر، ومثاله قول الشاعر: إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهم فهنا أتى بالياء لكي يستقيم الوزن، فقال: يا اللهم يا اللهم، ومع ذلك جعلها ساكنة الهمزة، (يا اللهم يا اللهم)، ولم يجعلها همزة قطع. واعلم أن (اللهم) يؤتى بها للنداء والطلب كما في قولك: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني وما أشبه ذلك، ويؤتى بها للتأكيد، ليبين للمخاطب أن هذا الأمر مؤكد، ومثاله حديث أن ضمام بن ثعلبة جاء إلى الرسول ﷺ يسأله عن الإسلام فقال: (إني سائلك ومشدد عليك في المسألة، فأذن له الرسول ﵊ أن يسأل، فقال: أسألك بالذي خلقك وخلق من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كافة؟ قال: اللهم نعم، ثم قال: أنشدك آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات؟ فقال: اللهم نعم)، وذكر الصوم وذكر الصلاة فقال: (اللهم نعم)، فالغرض من (اللهم) هنا التوكيد، أي: توكيد الكلام للمخاطب. أما من أجل التقليل فهذه تجدونها كثيراً في كتب المؤلفين حين يقول أحدهم: لا يقول كذا وكذا اللهم إلا أن يكون كذا وكذا، فيأتون بها للتقليل والندور، ومثله لو سألك سائل: هل فلان يزورك؟ فتقول: لم يزرني قط، اللهم إلا إذا احتاج إلي جاء يزورني، فهذا على سبيل التقليل. إذاً: تستعمل (اللهم) على ثلاثة وجوه: في النداء، وفي التأكيد، وفي التقليل.

стр. 596

شرح ألفية ابن مالك [٥٥] التابع للمنادى قد يكون نعتاً أو توكيداً أو عطفاً أو بدلاً، وقد يمتنع بعضها في بعض أنواع النداء، ويتوصل بـ (أيها) إلى ما لا يصح نداؤه بيا، والمنادى المضاف إلى ياء المتكلم أو ما هو مضاف لها يجوز فيه أوجه عدة.

стр. 597

تابع المنادى

стр. 598

متى ينصب تابع المنادى المضموم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل. تابع ذي الضم المضاف دون أل ألزمه نصباً كأزيد ذا الحيل] قوله: (تابع): مفعول له لفعل محذوف يفسره قوله: (ألزمه)، أي: ألزم تابع ذي الضم. وقوله: (المضاف) صفة لتابع. دون أل: حال من تابع، أي: ألزمه نصباً حال كونه دون أل. مثاله: (كأزيد ذا الحيل). يقول: (تابع ذي الضم) التوابع خمسة: النعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والتوكيد، والبدل، وعند ابن آجروم أربعة؛ لأنه أدرج عطف البيان في التوكيد. إذاً: تابع ذي الضم يشمل الخمسة، لكنه يستثنى من التوابع البدل وعطف النسق، فإذا وجد تابع من التوابع فإنه يكون تابعاً للمنادى المضموم، وهو: أولاً: مضاف، وثانياً: خال من أل، يقول: (ألزمه نصباً)، حتى لو كان الذي قبله مضموماً؛ لأنه قال: (تابع ذي الضم)، والمثال يوضح المقصود، فقوله: (أزيد) الهمزة للنداء، زيد: منادى مبني على الضم في محل نصب. ذا: صفة لزيد، أي: نعت. فـ (ذا) نعت، والنعت من التوابع، وهو مضاف إلى ما بعده، وليس فيه (أل). إذاً: صار (ذا الحيل) تابعاً لذي ضم، فنقول: يا زيد ذا الحيل، بنصب (ذا). ونقول: يا ألله بديعَ السماوات والأرض، ونقول: يا عمرو غلامَ زيد.

стр. 599

متى يجوز الرفع والنصب في تابع المنادى المضموم قوله: (وما سواه) يشمل ما ليس مضافاً، وما أضيف ولكن فيه أل. (ارفع أو انصب)، أي: يجوز لك فيه الرفع ويجوز لك فيه النصب. مثال ما ليس مضافاً: يا زيد الظريف، (الظريف) صفة لزيد، وليست مضافة فيجوز لك أن تقول: يا زيدُ الظريفَ، باعتبار المحل، و (الظريفُ) باعتبار اللفظ، ومع ذلك يقولون: إنه صفة منصوب، لكنه بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها الإتباع، أي: إتباع الثاني للأول بالبناء على الضم، وإلا فالأصل أن محله النصب، لكن أتبع الثاني للأول بالحركة فقط، ولهذا نقول: الظريفُ: صفة لزيد منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهوره حركة الإتباع، هذا إذا بنيناه على الضم وقلنا: يا زيدُ الظريفُ. أما إذا قلنا: يا زيدُ الظريفَ؛ فإنه صفة على المحل. ومثال ما أضيف وفيه أل: يا زيدُ الحسنُ الوجه، ويا زيدُ الحسنَ الوجه، فهذا مضاف لكن فيه أل، فيجوز فيه الرفع والنصب، ولهذا قال: (وما سواه انصب أو ارفع). فتبين لنا بهذا أن تابع ذي الضم له ثلاث حالات: الأولى: أن يكون مجرداً من الإضافة. والثانية: أن يكون مضافاً مجرداً من أل. والثالثة: أن يكون مضافاً مع أل. فالمضاف دون أل يجب فيه النصب، وما عداه يجوز فيه الرفع والنصب، والذي عداه اثنان: ما لم يضف، وما أضيف وفيه أل. والخلاصة: أن تابع ذي الضم إما أن يكون مضافاً أو غير مضاف، وغير المضاف سيأتينا إن شاء الله فيما بعد، فالمضاف إما أن يكون فيه أل أو ليس فيه أل، فإن كان فيه أل فإنه يجوز فيه الرفع والنصب، وإن لم يكن فيه أل فإنه يتعين فيه النصب. وبالمثال يتضح المقال: فإذا قلنا: يا زيدُ ذا الحيل، فهنا يتعين النصب، وإذا قلنا: يا زيدُ الحسنُ الوجه، فهنا يجوز الرفع والنصب، وإذا قلنا: يا زيدُ الظريف، فيجوز الرفع والنصب.

стр. 600

عطف النسق والبدل إذا أتبع للمنادى المضموم يجعل كالمستقل قال ﵀: (واجعلا كمستقل نسقاً وبدلاً). أخرج الآن من التوابع عطف النسق والبدل، وبقي عندنا النعت، والتوكيد، وعطف البيان، فهذه هي التي يجوز فيها الأوجه التي ذكرناها. أما عطف النسق -وهو ما عطف بواحد من حروف العطف- فإن التابع يكون كالمستقل، ليس له دخل بالذي قبله، وكذلك إذا كان بدلاً فإنه يكون كالمستقل. تقول: يا زيدُ وعمروُ: (يا): حرف نداء. (زيد): منادى، والواو حرف عطف. (عمرو): معطوف على زيد مبني على الضم في محل نصب؛ لأنك لو ناديت عمراً مستقلاً بنيته على الضم. ومثله: يا زيد وعبد الله، فيجب نصب (عبد الله)؛ لأنه لو كان منادى مستقلاً لوجب نصبه. مثال آخر: يا زيد وطالعاً جبلاً، يتعين النصب، وكذلك: يا ربُّ ولطيفاً بالعباد، يتعين النصب. إذاً: إذا كان التابع بواسطة حرف العطف فإنه يجعل كالمستقل، فإن كان معرفة أو نكرة مقصودة بني على الضم، وإن كان مضافاً أو شبيهاً بالمضاف تعين نصبه، فتقول: يا زيدُ ورجلُ، يا زيدُ وعمروُ، يا زيدُ وغلامَ عمرو، يا زيدُ وطالعاً جبلاً. وكذلك إذا كان التابع للمنادى المضموم بدلاً فإنه يجعل كأنه منادى مستقل، فإن كان علماً، أو نكرة مقصودة بني على الضم، وإن كان مضافاً أو شبيهاً به فهو منصوب. أما إذا كان التابع صفة أو توكيداً أو عطف بيان، فله ثلاث حالات: إما أن يكون التابع مضافاً محلىً بأل، أو مضافاً غير محلىً بأل، أو غير مضاف، فإن كان غير مضاف، أو كان مضافاً محلى بأل جاز فيه الوجهان: الرفع والنصب، وإن كان مضافاً غير محلى بأل تعين فيه النصب.
следующие страницы →