Полный текст (761 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
شرح ألفية ابن مالك [٥٥]
التابع للمنادى قد يكون نعتاً أو توكيداً أو عطفاً أو بدلاً، وقد يمتنع بعضها في بعض أنواع النداء، ويتوصل بـ (أيها) إلى ما لا يصح نداؤه بيا، والمنادى المضاف إلى ياء المتكلم أو ما هو مضاف لها يجوز فيه أوجه عدة.
стр. 597
تابع المنادى
стр. 598
متى ينصب تابع المنادى المضموم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل.
تابع ذي الضم المضاف دون أل ألزمه نصباً كأزيد ذا الحيل] قوله: (تابع): مفعول له لفعل محذوف يفسره قوله: (ألزمه)، أي: ألزم تابع ذي الضم.
وقوله: (المضاف) صفة لتابع.
دون أل: حال من تابع، أي: ألزمه نصباً حال كونه دون أل.
مثاله: (كأزيد ذا الحيل).
يقول: (تابع ذي الضم) التوابع خمسة: النعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والتوكيد، والبدل، وعند ابن آجروم أربعة؛ لأنه أدرج عطف البيان في التوكيد.
إذاً: تابع ذي الضم يشمل الخمسة، لكنه يستثنى من التوابع البدل وعطف النسق، فإذا وجد تابع من التوابع فإنه يكون تابعاً للمنادى المضموم، وهو: أولاً: مضاف، وثانياً: خال من أل، يقول: (ألزمه نصباً)، حتى لو كان الذي قبله مضموماً؛ لأنه قال: (تابع ذي الضم)، والمثال يوضح المقصود، فقوله: (أزيد) الهمزة للنداء، زيد: منادى مبني على الضم في محل نصب.
ذا: صفة لزيد، أي: نعت.
فـ (ذا) نعت، والنعت من التوابع، وهو مضاف إلى ما بعده، وليس فيه (أل).
إذاً: صار (ذا الحيل) تابعاً لذي ضم، فنقول: يا زيد ذا الحيل، بنصب (ذا).
ونقول: يا ألله بديعَ السماوات والأرض، ونقول: يا عمرو غلامَ زيد.
стр. 599
متى يجوز الرفع والنصب في تابع المنادى المضموم
قوله: (وما سواه) يشمل ما ليس مضافاً، وما أضيف ولكن فيه أل.
(ارفع أو انصب)، أي: يجوز لك فيه الرفع ويجوز لك فيه النصب.
مثال ما ليس مضافاً: يا زيد الظريف، (الظريف) صفة لزيد، وليست مضافة فيجوز لك أن تقول: يا زيدُ الظريفَ، باعتبار المحل، و (الظريفُ) باعتبار اللفظ، ومع ذلك يقولون: إنه صفة منصوب، لكنه بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها الإتباع، أي: إتباع الثاني للأول بالبناء على الضم، وإلا فالأصل أن محله النصب، لكن أتبع الثاني للأول بالحركة فقط، ولهذا نقول: الظريفُ: صفة لزيد منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهوره حركة الإتباع، هذا إذا بنيناه على الضم وقلنا: يا زيدُ الظريفُ.
أما إذا قلنا: يا زيدُ الظريفَ؛ فإنه صفة على المحل.
ومثال ما أضيف وفيه أل: يا زيدُ الحسنُ الوجه، ويا زيدُ الحسنَ الوجه، فهذا مضاف لكن فيه أل، فيجوز فيه الرفع والنصب، ولهذا قال: (وما سواه انصب أو ارفع).
فتبين لنا بهذا أن تابع ذي الضم له ثلاث حالات: الأولى: أن يكون مجرداً من الإضافة.
والثانية: أن يكون مضافاً مجرداً من أل.
والثالثة: أن يكون مضافاً مع أل.
فالمضاف دون أل يجب فيه النصب، وما عداه يجوز فيه الرفع والنصب، والذي عداه اثنان: ما لم يضف، وما أضيف وفيه أل.
والخلاصة: أن تابع ذي الضم إما أن يكون مضافاً أو غير مضاف، وغير المضاف سيأتينا إن شاء الله فيما بعد، فالمضاف إما أن يكون فيه أل أو ليس فيه أل، فإن كان فيه أل فإنه يجوز فيه الرفع والنصب، وإن لم يكن فيه أل فإنه يتعين فيه النصب.
وبالمثال يتضح المقال: فإذا قلنا: يا زيدُ ذا الحيل، فهنا يتعين النصب، وإذا قلنا: يا زيدُ الحسنُ الوجه، فهنا يجوز الرفع والنصب، وإذا قلنا: يا زيدُ الظريف، فيجوز الرفع والنصب.
стр. 600
عطف النسق والبدل إذا أتبع للمنادى المضموم يجعل كالمستقل
قال ﵀: (واجعلا كمستقل نسقاً وبدلاً).
أخرج الآن من التوابع عطف النسق والبدل، وبقي عندنا النعت، والتوكيد، وعطف البيان، فهذه هي التي يجوز فيها الأوجه التي ذكرناها.
أما عطف النسق -وهو ما عطف بواحد من حروف العطف- فإن التابع يكون كالمستقل، ليس له دخل بالذي قبله، وكذلك إذا كان بدلاً فإنه يكون كالمستقل.
تقول: يا زيدُ وعمروُ: (يا): حرف نداء.
(زيد): منادى، والواو حرف عطف.
(عمرو): معطوف على زيد مبني على الضم في محل نصب؛ لأنك لو ناديت عمراً مستقلاً بنيته على الضم.
ومثله: يا زيد وعبد الله، فيجب نصب (عبد الله)؛ لأنه لو كان منادى مستقلاً لوجب نصبه.
مثال آخر: يا زيد وطالعاً جبلاً، يتعين النصب، وكذلك: يا ربُّ ولطيفاً بالعباد، يتعين النصب.
إذاً: إذا كان التابع بواسطة حرف العطف فإنه يجعل كالمستقل، فإن كان معرفة أو نكرة مقصودة بني على الضم، وإن كان مضافاً أو شبيهاً بالمضاف تعين نصبه، فتقول: يا زيدُ ورجلُ، يا زيدُ وعمروُ، يا زيدُ وغلامَ عمرو، يا زيدُ وطالعاً جبلاً.
وكذلك إذا كان التابع للمنادى المضموم بدلاً فإنه يجعل كأنه منادى مستقل، فإن كان علماً، أو نكرة مقصودة بني على الضم، وإن كان مضافاً أو شبيهاً به فهو منصوب.
أما إذا كان التابع صفة أو توكيداً أو عطف بيان، فله ثلاث حالات: إما أن يكون التابع مضافاً محلىً بأل، أو مضافاً غير محلىً بأل، أو غير مضاف، فإن كان غير مضاف، أو كان مضافاً محلى بأل جاز فيه الوجهان: الرفع والنصب، وإن كان مضافاً غير محلى بأل تعين فيه النصب.
стр. 601
جواز الرفع والنصب في الاسم المصحوب بأل إذا عطف على المنادى
قال المؤلف ﵀: [وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ففيه وجهان ورفع ينتقى] معناه: إذا عطفت على المنادى المبني على الضم اسماً مصحوباً بأل ففيه وجهان، ولكن الرفع أفضل، ولهذا قال: (ورفع ينتقى) أي: يختار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠]، فـ (الطيرَ) فيها قراءتان: بالرفع وبالنصب.
وتقول: يا زيدُ والغلامُ، ويا زيدُ والغلامَ، أما وجه النصب فعطفاً على المحل؛ لأن محل (زيد) النصب، وأما ضمه فللإتباع، قال بعضهم: وما حرك بالإتباع فليس له محل؛ لأنه تابع لما قبله.
فيقال: الواو: حرف عطف.
والغلام: معطوف على زيد منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها الإتباع.
إذاً: إذا كان المعطوف على المنادى المضموم محلىً بأل ففيه وجهان، ولكن المؤلف يقول: (ورفع ينتقى) والقراءة المشهورة بالنصب: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠]، لكن النحويين كما قال بعضهم: النحوي كالثعلب تدخل يدك عليه من بابه فيخرج من نافقاء، فقالوا: الطير: على قراءة النصب ليست معطوفة على جبال، بل مفعول لفعل محذوف، أي: وسخرنا له الطيرَ، وهذا في الحقيقة تكلف، والصواب: أنه يجوز الوجهان على السواء؛ لأنه ما دام القرآن ورد بهما جميعاً فالقرآن أفصح الكلام.
стр. 602
التوصل بأيها إلى نداء ما فيه أل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيها مصحوب أل بعد صفه يلزم بالرفع لدى ذي المعرفه] قوله: (مصحوب) فيها وجهان: النصب والرفع، فعلى الرفع، نقول: أيها: مبتدأ كلها؛ لأن المراد لفظه.
مصحوب: مبتدأ ثان، و (يلزم) خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، فالخبر هنا جملة، ومعلوم أنه إذا كان خبر المبتدأ جملة فلا بد لها من رابط يربطها بالمبتدأ، والرابط هنا محذوف، تقديره: يلزمها.
فمعنى البيت إذاً: أن مصحوب أل يلزم (أيها) حال كونه صفة مرفوعاً بعدها، فالمؤلف أفادنا ثلاث فوائد: أولاً: أن الذي يلي (أيها) لا بد أن يكون مصحوباً بأل.
وثانياً: لا بد أن يقع بعدها، لقوله: (بعد).
ثالثاً: أن محله من الإعراب صفة لأي؛ لقوله: (صفة).
إذاً: (أي) يؤتى بها صلة لنداء ما فيه أل، والذي يأتي بعدها وفيه أل حكمه أنه صفة لها، لقوله: (مصحوب أل بعد صفة يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة)، وقد سبق لنا أنه لا يجوز أن ينادى ما فيه أل -وهي مباشرة له- إلا في موضعين؛ مع الله، ومحكي الجمل، فلا يجوز أن تقول: يا الإنسان، إذاً فماذا تصنع إن كنت تريد أن تنادي الإنسان؟ تقول: يا أيها الإنسان، فتأتي بأي، ويكون مصحوب أل بعدها صفة لها، وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ﴾ [الانفطار:٦]، وما أشبهها.
الوجه الثاني في إعراب (مصحوب) هو النصب.
والمعنى: أن (أيها) يلزم مصحوب أل، بخلاف التقدير الأول: فإن اللازم هو المصحوب، وعلى هذا التقدير الثاني فإن (مصحوبَ أل) يلزم (أيها)، والمعنى لا يتغير؛ لأنه إذا لزم مصحوب أل (أيها) لزم أن تكون (أيها) أيضاً لازمة له، ففي الحقيقة لا يختلف المعنى وإنما يختلف الإعراب.
وخلاصة القول: أنه لما تقرر أن (ياء) النداء لا تباشر ما فيه أل إلا في موضعين -كما سبق- فإنه يجب أن يؤتى بأي صلة لها، فكأن المنادى حقيقة ما بعد أي، ولهذا نقول: إن (أي) هنا صلة، ونقول في إعراب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ مثلاً: يا: حرف نداء.
أي: منادى مبني على الضم في محل نصب، والهاء: للتنبيه.
النبي: صفة لأي مبني على الضم في محل نصب، وهنا نقول: مبني على الضم في محل نصب لأنه هو المنادى حقيقة، وإنما أتينا بأي من أجل كراهة أن تلي (يا) النداء ما فيه أل.
وقول المؤلف: (يلزم بالرفع لدى ذي المعرفة) إشارة إلى أن هناك قوماً يقولون: لا يلزم فيه الرفع، وإنه يجوز فيه الوجهان، وهو كذلك، فإن بعض النحويين يقول: إنه يجوز فيه النصب، فيجوز أن تقول: يا أيها الرجلَ إتباعاً لمحل أي؛ لأن محلها النصب، ولكن مهما كان فإن الرفع هنا بالاتفاق أولى، وهو الذي نطق به القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، وما أشبه ذلك.
وعلة البناء في المنادى بعد أيها: أنه منادى مقصود، مثل: يا رجلُ.
مسألة: إذا كان المنادى مثنى أو مجموعاً فلا تثنى (أيها) ولا تجمع، فلا يقال: يا أيهما الرجلان، ولا يقال: يا أيهم الرجال، بل يقال: يا أيها الرجلان، ويا أيها الرجال، لكن هل تؤنث؟ نقول: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧].
إذاً: فأي تؤنث مع المؤنث، ولكنها لا تثنى ولا تجمع، وهذا لم يذكره ابن مالك لكنه معروف.
فالخلاصة: أي صلة يتوصل بها إلى ما يمتنع فيه مباشرة (يا) النداء ما هو مصحوب أل، وأي لازمة للإفراد، أما في التأنيث والتذكير فإنها تذكر مع المذكر وتؤنث مع المؤنث، تقول: يا أيتها المرأتان، ويا أيتها النساء.
стр. 603
نداء اسم الإشارة والاسم الموصول بأيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأي هذا أيها الذي ورد ووصف أي بسوى هذا يرد] ذكرنا سابقاً أن مصحوب أل هو الذي يأتي بعد أي، فهل يأتي غير مصحوب أل؟ ننظر: العلم لا يمكن أن يأتي بعد أي، فلا يصح أن تقول: يا أيها زيدٌ، والاسم الموصول ذكره المؤلف، وكذلك اسم الإشارة ذكره المؤلف، والمضاف لا يمكن أن يأتي بعد أي، فلا يصح: يا أيها غلامَ زيد.
إذاً: يأتي (أيها) مع المحلى بأل كما يفيده البيت الأول، ويأتي كذلك مع اسم الإشارة، تقول: (أيها ذا)، والصواب: أن تكتب هكذا: أيها ذا، أما في النسخة التي عندي فإنها مكتوبة هكذا (أي هذا) وعلى هذا تكون (أي) اسم استفهام، تقول: أي هذا فعلت؟ والصواب: (أيها) وحدها، و (ذا) اسم الإشارة.
قوله: (وأيها ذا أيها الذي ورد) أي: ورد أن (أيها) يليها اسم إشارة، تقول: أيها ذا، ويليها أيضاً الاسم الموصول، أيها الذي.
وكلمة (أيها الذي) تفيد أنه إنما يرد اسم الموصول المحلى بأل، وأما اسم الموصول مثل (مَنْ) فلم يرد، تقول: يا أيها الذي قام، ولا يصح: يا أيها من قام.
إذاً: الذي يلي (أي) الاسم المحلى بأل، واسم الإشارة، والاسم الموصول المحلى بأل.
قوله: (ووصف أي بسوى هذا يرد).
(بسوى هذا) أي: هذا المذكور، وهو ثلاثة أمور: المحلى بأل، واسم الإشارة، والموصول المحلى بأل، وما سوى هذا فيقول المؤلف: (وصف أي بسوى هذا يرد) أي: يرفض فلا يقبل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذو إشارة كأي في الصفه إن كان تركها يفيت المعرفة] قوله: (ذو إشارة) أي: اسم الإشارة.
(كأي في الصفة)، أي: لا يوصف بها إلا الاسم الموصول أو المحلى بأل، فإذا أردت أن تصف اسم الإشارة بالمنادى تصفه بما فيه أل، أو باسم الموصول المحلى بأل، ولهذا قال: (وذو إشارة)، أي: اسم الإشارة (كأي في الصفة) أي: مثل (أيها)، فتقول مثلاً: يا هذا الذي فعل كذا، وتقول: يا هذا الرجلُ، ولكن لا تقول: يا هذا زيدُ، أو: يا هذا من عمل كذا وكذا.
وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يوصف باسم الإشارة؛ لأنه قال: (كأيٍّ في الصفة)، وأي توصف باسم الإشارة، فهل يقال مثلاً: يا هذا ذا؟ نقول: نحن نستغني بـ (يا هذا)، فما دام عندنا اسم إشارة فليس هناك داع لاسم إشارة آخر، لكن في (أي) إذا أردنا ننادي اسم الإشارة لا بد أن نأتي باسم الإشارة، أما هنا إذا نادينا اسم الإشارة فلا حاجة أن نأتي باسم الإشارة مرة ثانية.
فقول المؤلف: (كأي في الصفة) أي: في المسألتين الأخيرتين، وهما: المحلى بأل، واسم الموصول المحلى بأل.
стр. 604
الإتيان باسم الإشارة بدلاً عن (أي)
قال ﵀: (إن كان تركها يفيت المعرفة).
قوله: (إن كان تركها) أي: الإشارة، (يفيت المعرفة) أي: العلم بالمنادى، أما إذا كان تركها لا يفيت المعرفة فإنك تأتي بأي.
اشترط المؤلف لصحة مجيء اسم الإشارة بدلاً عن أي: أن يكون تركها يفيت المعرفة، مثلاً: إذا قلت: يا أيها الرجلُ، فأنت عرفت أن المنادى رجل، لكن أنا أريد أن أعين رجلاً، فأقول بدل (أي): يا هذا الرجل؛ لأجل أن تعرف أن المنادى هو هذا المشار إليه، فإذا كان تركها يفيت المعرفة فإنك تأتي باسم الإشارة.
أما إذا كان لا يفيت، مثل: يا أيها النبي، يا أيها العالم، يا أيها الأب، يا أيها القاضي، يا أيها الأمير، فلا حاجة لاسم الإشارة؛ لأنه متعين بالتعريف بالعهد الذهني المعروف، تقول: يا أيها القاضي، إذا كنت تعرف أنه هو القاضي المعين ونحو ذلك.
لكن إذا كان ترك اسم الإشارة يفيت المعرفة بعين المنادى، فإننا نأتي باسم الإشارة، فتبين أن الإتيان باسم إشارة بدلاً عن (أي) إنما يكون للضرورة، والضرورة هي ما إذا كان تركها يفوت المعرفة، أما إذا كان لا يفوت المعرفة فلا؛ لأن (أي) هي الأصل فنرجع إلى الأصل.
قال المؤلف ﵀: [في نحو سعدُ سعدَ الأوس ينتصب ثانٍ وضم وافتح أولاً تصب] قوله: (في نحو سعد سعد الأوس)، سعد: منادى حذفت منه ياء النداء، والأصل: يا سعد سعد الأوس، وسعد الأوس هو سعد بن معاذ ﵁، وسعد الخزرج هو سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ ﵁ حياته معروفة، وختام حياته بالشهادة، واهتز له عرش الرحمن ، وفيه قال حسان بن ثابت: وما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمر فإذا قلت: يا سعد سعدَ الأوس، فالثاني ينتصب؛ لأنه منادى مضاف، فإذا كان بدلاً من الأول فإنه بدل منه على أنه مضاف أو عطف بيان، فينتصب لأنه مضاف.
لكن الأول يقول فيه المؤلف: (وضم وافتح أولاً تصب) أي: أنه يجوز في الأول وجهان: الضم على الأصل؛ لأنه غير مضاف، والعلم إذا نودي يبنى على الضم.
والوجه الثاني الفتح: وقد اختلف فيه النحويون، فقال بعضهم: إنه جاز على أن تكون سعد الثانية مقحمة زائدة، وكأن الأصل: يا سعدَ الأوس، وهذا على رأي من يجوزون زيادة الأسماء، والمسألة فيها خلاف بين النحويين، أما في الحروف فالظاهر أنها جائزة وشائعة، لكن زيادة الأسماء فيها خلاف.
وقال بعضهم: إنه ينصب فيبنى مع الثاني كبناء خمسة عشر، فتقول في الإعراب على هذا الرأي: يا: حرف نداء، سعد سعد: اسم منادى مبني على الفتح في محل نصب؛ لأنه مضاف.
الرأي الثالث يقول: إننا نفتحه على الإتباع، بمعنى: أن يكون تابعاً لما بعده في الحركة، وعلى هذا نقول: سعد: منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره حركة الإتباع.
وفي الحقيقة أن هذه الإعرابات لا بأس أن يتمرن الإنسان عليها ويعرفها، لكن أهم شيء عندنا هو الحكم، وهو أن الثاني ينصب، والأول يجوز فيه الوجهان: الفتح والضم، وله شاهد من كلام العرب وهو قول الشاعر: يا زيدُ زيدَ اليعملات الذبل.
ويجوز: يا زيدَ زيدَ اليعملات الذبل.
واليعملات: هي الإبل.
стр. 605
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: المنادى المضاف إلى ياء المتكلم].
تقدم في باب الإضافة أن المضاف إلى ياء المتكلم إما أن يكون صحيح الآخر، أو معتل الآخر، وأن المعتل تفتح فيه الياء، سواء كان معتلاً بالألف أو بالياء، حتى المثنى المرفوع، وحتى جمع المذكر السالم المرفوع أو المنصوب أو المجرور، وقد تقدم الكلام عليه، فتبقى الياء مفتوحة فتقول: يا فتايَ، وأما إذا ناديت غلاماك فتقول فيهما: يا غلامايَ، إن عينت؛ لأنه يكون نكرة مقصودة فيبنى على الألف.
أما إذا كان صحيح الآخر، فقد ذكر المؤلف أن فيه لغات متعددة.
стр. 606
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم الصحيح الآخر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واجعل منادى صح إن يضف ليا كعبد عبدي عبد عبدا عبديا] قوله: (واجعل منادى صح) أي: ما كان آخره صحيحاً، وهو الذي ليس آخره حرف علة، وحروف العلة هي: الواو والألف والياء.
قوله: (إن يضف ليا)، المراد بالياء هنا ياء المتكلم.
قوله: (كعبدِ عبدي عبدَ عبدا عبديا) فهذه خمس لغات: الأولى: يا عبدِ؛ يا: حرف نداء، وعبدِ: منادى منصوب بياء النداء وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وحذفت الياء للتخفيف.
الثانية: يا عبدي: مثلها، إلا أنك تقول: عبد: مضاف، والياء مضاف إليه مبني على السكون في محل جر.
الثالثة: يا عبدَ: أصلها (عبدا) بالألف، فقلبنا الياء ألفاً ثم حذفنا الألف للتخفيف، فقلنا: يا عبدَ؛ يا: حرف نداء، عبدَ: منادى منصوب بياء النداء وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المقلوبة ألفاً في محل نصب، والألف المنقلبة عن ياء محذوفة للتخفيف.
الرابعة: يا عبدا: الفرق بين هذه وبين التي قبلها أن الألف المنقلبة عن ياء باقية، فنقول في إعراب (عبدا): عبدا: منادى منصوب بياء النداء وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل الألف المنقلبة عن ياء، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وعبد: مضاف، والألف المنقلبة عن ياء مضاف إليه مبني على السكون في محل جر.
والسر في تعدد اللغات في هذا: أن إضافة الشيء للنفس كثيرة: عبدي، بعيري، بيتي، فلذلك جاءت فيه لغات متعددة، وكلما كثر الشيء عند العرب تجد له أصنافاً كثيرة.
الخامسة: يا عبديا: الألف هنا للإطلاق، والمراد (عبديَ)، فتقول: يا عبديَ: منادى منصوب بياء النداء وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتلكم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وعبد: مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر.
في القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، أصلها: يا عبادي فاتقون، فحذفت الياء، ويقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣]، فأتى بالياء مفتوحة، مثل: يا عبديا.
والياء في (يا عباد) إن كانت موجودة فقد حذفت لالتقاء الساكنين.
стр. 607
المنادى بيا ابن أم ويا ابن عم ونحوها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفتح او كسر وحذف اليا استمر في يا ابن أم يا ابن عم لا مفر] إذا أضيف (ابن) إلى (أم) و (عم) ونودي جاز فيه مع اللغات السابقة لغتان: الكسر والفتح، تقول: يا ابن أمَّ، وتقول أيضاً: يا ابن أمِّ، إلا أن الياء تحذف منهما؛ لقوله: (وحذف اليا استمر)، وذلك لكثرة الاستعمال.
وقولنا: يا ابن أم، ويا ابن عم، إذا قال قائل: أليست هذه مثل الأولى؟ نقول: لا؛ ففي الأولى المضاف إلى ياء المتكلم هو المنادى، وهنا المنادى مضاف إلى مضاف إلى ياء المتكلم.
وهذا خاص بـ يا ابن أم ويا ابن عم، أما غلامي وما أشبهها فإنه إذا كان المنادى غير مضاف إلى ياء المتكلم فتبقى الياء، تقول: يا ابن غلامي، ولا تقل: يا ابن غلامَ، لكن: يا ابن أمَّ، ويا ابن عمَ، يجوز ذلك.
وإعرابها: يا: حرف نداء.
ابن: منادى منصوب بياء النداء وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وابن مضاف، وأم: مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة مضاف إليه.
وإذا قلنا: يا ابن أمَّ -بالفتح- فنقول: ابن: مضاف، وأم: مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل الألف المنقلبة عن ياء.
إعراب آخر بالنصب: يا ابن أم: اسمان مبنيان على الفتح في محل نصب؛ لأنهما منادى، وابن أم مضاف والياء المقدرة مضاف إليه.
إعراب آخر: ابن: منادى مضاف منصوب، أم: مضاف إليه مجرورة بالكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها الفتحة المناسبة للألف المنقلبة عن الياء المحذوفة للتخفيف، والألف المحذوفة مضاف إليه.
إذاً: نقول على هذا: يا ابن أم: والأولى أنه ما دام أن الياء محذوفة فلا نقول: مضاف إليه، بل نقول: ابن: مضاف، وأم: مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره الكسرة المقدرة على ما قبل الألف المنقلبة عن الياء المحذوفة للتخفيف.
стр. 608
حكم يا أبتِ ويا أمّتِ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الندا أبتِ أمَّتِ عرض واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض] يجوز في النداء أن تبدل الياء تاءً، مع أن الذي مر معنا قبل قليل أن الياء تبدل ألفاً، والألف إلى الياء، وكلها حروف علة، لكن هنا يجوز أن تبدلها بحرف صحيح وهو التاء، فتقول: يا أبتِ! قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] نقول في إعرابها: يا: حرف نداء.
أب: منادى منصوب بياء النداء، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
وأب مضاف والتاء المنقلبة عن ياء مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر.
وكذلك: يا أمّت: يا: حرف نداء.
أم: منادى منصوب بالفتحة الظاهرة.
وأم مضاف والتاء المنقلبة عن ياء مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر.
وقوله: (عرض) أي: وقع عرضاً، وليس بلازم؛ لأن الأصل أن تقول: يا أبي، ويا أمي.
قوله: (واكسر أو افتح)، أي: تقول: يا أبتَ، يا أمتَ، يا أبتِ، يا أمتِ.
وقوله: (أو) للتخيير.
قوله: (ومن اليا التا عوض) من الياء: جار ومجرور في موضع نصب على الحال من (عوض).
والتاء: مبتدأ، عوض: خبر المبتدأ.
والمعنى: جاءت التاء عوضاً عن الياء، وكأن المؤلف يشير بقوله: (ومن اليا التا عوض)، إلى دفع وهم أن تقول: التاء للتأنيث، فإنه قد يقول قائل إنها للتأنيث، مثلما قالوا في (ثم) (ثمة)، ولكنه بين أن التاء اسم؛ لأنها عوض من الياء.
стр. 609
شرح ألفية ابن مالك [٥٦]
هناك أسماء لا تأتي عند العرب إلا في سياق النداء، ويأتي (فَعَالِ) لسبِّ الإناث، و (فَعَل) لسب الذكور.
ومن أنواع النداء الاستغاثة، وفيها تقترن اللام المفتوحة بالمستغاث به.
стр. 610
أسماء ملازمة للنداء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أسماء لازمت النداء وفل بعض يخص بالندا لؤمان نومان كذا واطردا].
قوله: (أسماء): مبتدأ، و (لازمت): خبر، ويجوز أن تقول: أسماء: خبر مبتدأ محذوف أي: هذه أسماء، وعلى هذا التقدير نسلم من إيراد: أنه لا يصح الابتداء بالنكرة.
وقوله: (لازمت)، أي: صارت ملازمة للنداء، فلا تستعمل إلا في النداء.
قوله: (فُلُ) اختلف النحويون، فبعضهم قال: إن أصل (فلُ) فلان، وأصل (فلة) فلانة.
وقال آخرون: بل هي كلمة مستقلة برأسها، غير منحوتة، فإذا قلت: يا فلُ، فمعناها: يا مرء، ويا فلة أي: يا امرأة، وبناء على ذلك نقول: يا فلُ، دائماً، بخلاف ما لو قلنا: إنه مختزل من قولك: فلان، فإنه يجوز أن نقول: يا فُلُ ويا فُلَ، لكن هنا نقول: يا فلُ على أنه كلمة مستقلة بنفسها، كناية عن المرء، تقول يا فلُ استقم، أي: يا مرء استقم، ويا فلة استقيمي، أي: يا امرأة استحيي.
وهل يجوز أن يقال: فلُ قائمٌ؟ نقول: لا؛ لأن هذه مما تختص بالنداء، ولا يمكن أن تقول: رأيت فلاً، ولا: مررت بفلٍ؛ لأنها خاصة بالنداء.
أيضاً: (لؤمان، ونومان)، لؤمان: كثير اللؤم، وعظيم اللؤم، أي: لئيم بكثرة، هذه أيضاً مما يختص بالنداء، فتقول: يا لؤمان، والسبب: أن فيها شيئاً من التوبيخ، ونقول في إعرابها: يا: حرف نداء.
لؤمان: منادى مبني على الضم في محل نصب؛ لأنه نكرة مقصودة.
و (نومان) أي: كثير النوم، فلا تكاد تراه إلا نائماً، وهذا أيضاً مما يختص بالنداء؛ لأن كثرة النوم في الحقيقة عيب، ولهذا إذا صار الإنسان كثير النوم فلابد أن هناك سبباً، وعليه أن يعرض نفسه على أطباء؛ لأنه قد يكون هناك مرض لا يدري عنه، فالنوم لا بد أن يكون متزناً مع اليقظة.
صحيح أن الأطفال يكثرون النوم، فيمكن أن يناموا عشرين ساعة، ولكن هكذا فطروا، فإذا كبر الإنسان قل نومه.
قوله: (لؤمان): مبتدأ.
ونومان: معطوف عليه بحرف عطف مقدر.
كذا: جار ومجرور خبر المبتدأ.
إذاً: عندنا أربع كلمات: فلُ وفلة، ونومان، ولؤمان.
قوله: (واطرد في سب الأنثى وزن يا خباث).
(اطرد) أي: قياسياً، (في سب الأنثى) أي: عيبها وشتمها وما أشبه ذلك، تقول: يا خباث، يا لكاع، يا فجارِ، يا فساقِ، وما أشبه ذلك، فإذا أردت أن تنادي أنثى واصفاً لها بالعيب والسب تناديها على هذا الوزن: (فَعَالِ)، فإذا صارت كذوبة نقول: يا كذابِ، وإذا صارت قبيحة نقول: يا قباحِ، وعلى هذا فقس.
قوله: (والأمر هكذا من الثلاثي): الأمر: مبتدأ.
من الثلاثي: حال.
هكذا: خبر.
أي: يكون الأمر من الثلاثي مطرداً على وزن فعال، فتقول في (نزلَ): نزالِ، تقول لرجل مثلاً: نزال نكرمك، أي: انزل نكرمك، وكذلك نقول في حضر: حضار، وسجد: سجادِ، وركع: ركاعِ، وعلى هذا فقس، ولا يصح من غير الثلاثي.
قوله: (وشاع في سب الذكور فُعَلُ) أي: شاع في اللغة العربية في سب الذكور فُعَل، بينما الأنثى اطرد في سبها فَعَالِ، فصارت الأنثى أكثر منا عيوباً؛ لأن الذكور لم يرد إلا ما جاء في اللغة، أما الأنثى فهو مطرد أن يصاغ في سبها فعال.
أما الذكور فقال: (وشاع في سب الذكور فعل ولا تقس)، إذاً نقتصر على السماع، فما وجد على هذا الوزن في السماع أخذنا به، ولا نأتي من عندنا بشيء جديد، فلا يمكن أن نقول في سب الذكور: يا فُجَر، ولا يا فسق؛ لأنه لم يرد، فالمسألة موقوفة على الورود.
ومما ورد: لكع، وهي كلمة تعبر عن السب، لكن لا نقيس عليها، فلا نقول لإنسان غافل عند الدرس كثيراً: يا غُفل انتبه، أما لو كانت هناك طالبة غافلة فنقول: يا غفال انتبهي؛ فهو يصح لأنه مطرد.
إذاً: الأشياء المقصورة على السماع في اللغة العربية تشبه في المسائل الفقهية ما يسمونه بالتعبدِ، فإنه لا يقاس عليه.
قوله: (وجر في الشعر فلُ)، جر: فعل أمر، وتصلح لغير الأمر، فإن كانت المسألة قياسية وأنه كلما جاء (فلُ) في الشعر فلك أن تدخل عليها حرف الجر، فإن (جر) فعل أمر، وإن كانت المسألة سماعية، فإن (جر) فعل ماض، أي: جره العرب، وهذا الأخير هو الأقرب احتمالاً، وهو أن (جر) فعل ماض مبني للمجهول.
ومعنى (جر في الشعر فلُ)، أي: ورد مجروراً في الشعر، مع أنه مختص بالنداء، لكنه يرد في اللغة العربية مجروراً، ومنه قول الشاعر: تضل منه إبلي بالهوجل في لجة أمسك فلاناً عن فُلِ الشاهد قوله: (فلاناً عن فل)، أي: عن رجل من الرجال، وهذا البيت في الحقيقة مما يؤيد قول من قال: إنه منحوت من فلان، أي: أمسك فلاناً عن فلان، لكن لو كانت عن فلان لقال: عن فلَ، وبقي مفتوحاً.
والخلاصة: أن ابن مالك ﵀ ذكر لنا عدة قواعد: القاعدة الأولى: أن من الأسماء ما يختص بالنداء فقط، فلا يأتي غير منادى، وهي: فلُ، فلة، لؤمان، نومان.
الثانية: أنه يجوز اطراداً أن يصاغ لسب الأنثى اسم على وزن فَعالِ، مثل: لكاعِ، وفجارِ، وغفالِ ونحوه.
الثالثة: أنه يصاغ من الفعل الثلاثي فعل أمر على وزن فعالِ، كنزالِ، بمعنى انزل، ودراكِ بمعنى أدرك، وتراكِ بمعنى اترك.
الرابعة: أنه يقال في سب الذكور: فُعَل، لكنه سماعي غير قياسي.
الخامسة: أن (فُلُ) سمعت في الشعر في حال الجر غير مناداة، كقول الشاعر: (أمسك فلاناً عن فلِ).
стр. 611
الاستغاثة
стр. 612
تعريف الاستغاثة وكيفية نداء الاستغاثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاستغاثة].
الاستغاثة: هي طلب إزالة الشدة، إذا وقع الإنسان في شدة وطلب من أحد أن ينقذه منها سمي هذا الطلب: استغاثة.
إذاً: هي طلب إزالة الشدة والإنقاذ منها.
ومن الناحية الشرعية هي جائزة بغير الله تعالى فيما يقدر عليه، وفيما لا يقدر عليه لا تجوز.
وعندنا في الاستغاثة: مستغيث، ومستغاث به، ومستغاث له، فالمستغيث هو المتكلم، والمستغاث به هو المنادى، والمستغاث له هو الواقع في شدة وطلب تخليصه منها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذا استغيث اسم منادى خفضا باللام مفتوحاً كيا للمرتضى].
إذا أردت أن تنادي شخصاً مستغيثاً به فلا تقول: يا زيد، بل تقول: يا لزيد، فتجره بلام مفتوحة.
ولماذا عدلنا عن يا زيد، إلى: يا لزيد؟ السبب: كأنه أتي باللام الدالة على الاختصاص والتنبيه، فكأن قائلاً يقول: أين يتجه نداؤك؟ فتقول: لزيد، فهي أبلغ من (يا زيد)، لأن (يا زيد) تعني أدعو زيداً، لكن (يا لزيد)، أبلغ كأني أقول: أنا أوجه طلبي وندائي إلى زيد، فهو أشد في الحث والإسراع.
والمنادى -المستغاث به- ندخل عليه حرف الجر اللام المفتوحة ونجره بها فنقول: يا لزيد، والمستغاث له يؤتى به بعد المستغاث به مجروراً باللام المكسورة، هذا الأصل، فتقول: يا للمرتضى، للمكروب، تنادي رجلاً مرتضى مقبول الشفاعة لشخص مكروب لا تقبل شفاعته، فتقول: يا لَلمرتضى لِلمكروب، وتستغيث بالله فتقول: يا لله لِلمسلمين.
نقول في إعرابها: يا: حرف استغاثة.
واللام: حرف جر.
الله: لفظ الجلالة مجرور باللام وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره.
للمسلمين: اللام حرف جر، والمسلمين: اسم مجرور باللام وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم.
والجار والمجرور لا بد له من متعلق، فأين متعلق الجار والمجرور هنا؟ قيل: اللام هنا نائبة مناب أدعو، فصار الجار والمجرور متعلقاً بها، وقيل: إنها محذوفة والتقدير: يا الله أدعوك للمسلمين، أو أستغيثك للمسلمين، فيكون الجار المجرور الأخير متعلقاً بفعل محذوف يدل عليه سياق الكلام، ولا يهمنا المتعلق أكثر مما يهمنا صورة اللفظ.
فإذا أردت أن تستغيث بشيء لشيء فاجعل المنادى مجروراً باللام المفتوحة، واجعل المستغاث له مجروراً باللام المكسورة حسب الأصل؛ لأنه ربما تدخل اللام في المستغاث له على شيء يجب أن تكون مفتوحة معه، مثل (لك) فتفتح، تقول: يالله لك، أو يقول لك إنسان مثلاً: فلان وقع في شدة، فتقول: يالله له؛ لأنه إذا دخل الضمير تكون اللام مفتوحة.
ونقول في إعراب: يا لزيد: يا: حرف استغاثة.
لزيد: اللام: حرف جر، وزيد: مستغاث منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهروها اشتغال المحل بحركة حرف الجر.
قوله: (كيا للمرتضى) أصلها بدون استغاثة يا مرتضى، أو: يا أيها المرتضى، إذا أبقينا أي.
стр. 613
عطف مستغاث على مستغاث آخر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وافتح مع المعطوف إن كررت يا وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا].
قوله: (وافتح مع المعطوف) أي: إذا عطفت مستغاثاً آخر على المستغاث الأول، فإن كررت (يا) فافتح اللام في المعطوف، تقول: يا لَزيد ويا لعمرو لِبكر، هنا المستغاث اثنان: زيد وعمرو، والمستغاث له بكر.
قال: (وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا) عندنا الآن: المستغاث المقرون بيا -سواء كان أصيلاً أو معطوفاً- تفتح فيه اللام، فهنا صورتان: الأولى: مستغاث واحد قرن باللام.
الثانية: مستغاث آخر معطوف عليه بتكرير (يا)، فهاتان الصورتان نفتح اللام فيهن.
(وفي سوى ذلك) يشمل صورتين أيضاً: الأولى: المستغاث له، والثانية: المستغاث المعطوف على مستغاث بدون تكرير (يا)، تقول: يا لَزيد ولِعمرو لِبكر، فهنا لم تتكرر (يا) مع المعطوف، ولذلك كسرت لام (لعمرو)، وكذلك تكسر لام المستغاث له وهو بكر، فنقول: يا لزيد ولِعمر ولِبكر.
стр. 614
حذف اللام من المستغاث وإبدالها ألفاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولام ما استغيث عاقبت ألف ومثله اسم ذو تعجب ألف].
قوله: (لام ما استغيث عاقبت ألف) (ألف) أصلها: ألفاً، لكن حذف الألف إما للروي، وإما على لغة ربيعة؛ لأن ربيعة من العرب يقفون على المنصوب بحذف الألف، فيقولون: رأيت زيد.
قوله: (ولام ما استغيث عاقبت ألف) بمعنى: أنها قد تحذف اللام ويأتي بعدها ألف بدلها، فتقول في: يا لزيدٍ لعمرٍو: يا زيدا لعمرٍو، ونقول: إن الألف بدلاً عن اللام، كما قال ابن مالك: (عاقبت ألف).
قوله: (ومثله) أي: مثل المستغاث في كونه يختم بالألف (اسم ذو تعجب ألف) أي: جيء به للتعجب، مثل أن تقول في: يا للعجب لمن ينام، يا عجبا لمن ينام، فتبدل اللام ألفاً، وقد يقال: واعجبا لمن ينام، وكثير من الناس يقرءونها: يا عجباً لمن ينام، بالتنوين فهل نلحن من يقول: وا عجباً، أو يا عجباً بالتنوين؟
الجواب
نعم، نلحنه إذا أراد أن يتعجب، أما إذا أراد أن ينادي عجباً، وقال: أنا أقول: يا عجباً، مثل قول الأعمى: يا رجلاً، وقصدي أن أنادي عجباً أي عجب، فهذا قد نصحح كلامه، لكن لا شك أن اللغة الفصيحة أن يقال: (وا عجبا) وأنا أسمع كثيراً من الوعاظ يقولون في مواعظ رمضان: وا عجباً لمن ينام، بالتنوين، والصواب أن يقال: وا عجبا لمن ينام؛ لأن هذه الألف بدل عن اللام.
стр. 615
شرح ألفية ابن مالك [٥٧]
الندبة من أنواع النداء، وهي النداء للتفجع أو التوجع، ويلحق الاسم المندوب ألف وهاء، ويجوز حذف الهاء، على تفصيل يذكره العلماء.
стр. 616
الندبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما للمنادي اجعل لمندوب وما نكر لم يندب ولا ما أبهما ويندب الموصول بالذي اشتهر كبئر زمزم يلي وامن حفر] الندبة في اللغة: الدعاء.
وفي الاصطلاح: النداء للتفجع على الشيء أو للتوجع منه.
وقد مر معنا في الفقه أن الندبة هي تعداد محاسن الميت، لكنها في النحو ليست هذا؛ لأنك لو قلت في الفقه: هذا فلان الذي يفعل كذا ويفعل كذا، سمي ندبة، لكن نقول: في اصطلاح النحو لا يسمى ندبة، فالندبة في الاصطلاح: المنادى المتفجع عليه أو المتوجع منه.
والحرف المختص بالندبة في باب النداء هو (وا)، كما قال ابن مالك فيما سبق: (ووا لمن ندب).
قوله: (ما للمنادى اجعل لمندوب)، أي: أن حكم المندوب حكم المنادى تماماً، فيبنى على الضم حيث يبنى ذاك على الضم، وينصب حيث ينصب ذاك، إلا أنه استثنى المؤلف فقال: (وما نُكر لم يندب ولا ما أبهما)، فلا تقل مثلاً: وارجلُ؛ لأن (رجل) نكرة، والنكرة غير معلوم حتى يتفجع عليه أو يتوجع منه، أما نداؤه فيجوز.
وكذلك لا يندب المبهم، مثل: أي، والذي، ومن، وما أشبه ذلك، فكل مبهم لا يندب، واستثنى المؤلف من المبهم فقال: (ويندب الموصول بالذي اشتهر) أي: بالذي اشتهر بصلته، فيستثنى من المبهم: الموصول الذي اشتهر بصلته، لأنه إذا كان مشتهراً بصلته فإنه يزول إبهامه، مثال ذلك: إذا قلت: أكرم من حفظ الألفية، وكلكم تحفظونها، فهذا مبهم، ولكن إذا قلت: أكرم من حفظ الألفية، ولم يحفظها إلا واحد فقط، فهنا تعين وإن كانت الصيغة صيغة إبهام، لكنه معلوم أنه لا يحفظها إلا واحد.
وتقول: جزى الله من أضاء لنا الطريق خيراً، ونحن نعرف أن الذي أضاء الطريق هو فلان فقط، فيصير معيناً.
فإذا كان الموصول مشهوراً بصلته جاز أن يندب؛ لأنه معين يزول فيه الإبهام، ولهذا قال: (ويندب الموصول بالذي اشتهر كبئر زمزمٍ يلي وامن حفر) (بئر زمزم) مقدم لكن نضعه مؤخراً، ولهذا قال: (يلي وامن حفر) فتقول: وامن حفر بئر زمزماه، فهذا موصول، والذي حفر بئر زمزم غير معين لمن لا يعلمه، لكننا نعلم أن الذي حفر بئر زمزم هو عبد المطلب، فيكون قولنا: وامن حفر بئر زمزم، كقولنا: واعبد المطلب، والسبب: أنه معلوم مشتهر.
ومثله ما إذا قلنا: وامن عبر نهر دجلة لقتال الفرس، فهذا مشهور، وهو سعد بن أبي وقاص، فيصح أن أندبه؛ لأنه مشهور.
ونحن الآن نتكلم عن صيغة الندب فقط، أما عن التحليل والتحريم فمعلوم أنه لا يجوز أن نندب الأموات.
إذاً: كل مبهم يصح نداؤه ولا يصح ندبته، وكل منكَّر يصح نداؤه ولا تصح ندبته.
стр. 617
لحوق الألف آخر المندوب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنتهى المندوب صله بالألف متلوها إن كان مثلها حذف] سبق أن المندوب خالف المنادى في أنه لا يندب المنكر، ولا المبهم، إلا ما استثني من المبهم، كذلك يخالف المنادى في قوله: (ومنتهى المندوب صله بالألف)، أي: أن المندوب منتهاه يوصل بالألف، فإذا قلت: يا زيدُ، فهذا منادى، بدون ألف، وتقول في الندبة: وازيدا، بألف في آخره.
وقول المؤلف: (صله بالألف).
هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن له قرينة صارفة، فالأمر ليس للوجوب.
فقوله: (صله) ليس واجباً إلا إذا التبس بالمنادى بحيث تكون أداة الندبة (يا) وإذا لم يصله بالألف التبس، فحينئذ تتعين الألف، وإلا فلا تجب، ولماذا لا تجب؟ لأن الندبة معلومة بالحرف المختص بها وهو (وا)، لكن إذا جاءت (يا) وصار لو لم نصله بالألف التبس بالمنادى؛ وجب علينا حينئذ أن نوصله، تقول: وازيدا، وإذا وقفت فزد هاء السكت، كما سيأتي، فتقول: وازيداه، وهذا متفجع عليه، وتقول: وارأساه، واظهراه، وهذا متوجع منه، وما أشبه ذلك.
ومن المتفجع عليه قول فاطمة ﵂ حين توفي الرسول ﵊: (وا أبتاه).
إذاً: استفدنا من كلام المؤلف أن المندوب يخالف المنادى أيضاً في أمر ثالث وهو وصل آخره بالألف.
قوله: (متلوها إن كان مثلها حذف)، (متلوها) أي: التي كانت تالية له، فهي تالية والسابق متلو، أي: أن ألف الندبة إذا سبقها ألف وكان مثلها فإنه يحذف؛ وذلك لأنه التقى ساكنان: الألف التي في أصل الكلمة، وألف الندبة، وإذا التقى ساكنان وهما حرفا لين حذف أحدهما، قال ابن مالك: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق وإن يكن ليناً فحذفه استحق ولو قال قائل: لماذا لا نحذف ألف الندبة ونترك الألف التي في الأصل لأنها أصلية؟ فنقول: لا، بل نحذف الأولى؛ لأن هذا هو الأصل.
ولأن ألف الندبة جيء بها لمعنى، فلو حذفناها فات هذا المعنى.
مثال ذلك: واحد عنده موسى للحلاقة، فانكسر عليه، فقال: واموساه، فالألف هذه هي ألف الندبة، وألف موسى حُذفت؛ لأن ابن مالك يقول: (متلوها إن كان مثلها حذف).
إذاً: متلوها هو الذي يأتي قبلها، فهي تالية له (اسم فاعل)، والذي قبلها متلو (اسم مفعول)، فإن كان مثلها حذف.
стр. 618
حذف التنوين من المنادى المندوب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذاك تنوين الذي به كمل من صلة أو غيرها نلت الأمل] هذا هو الموضع الخامس الذي تخالف فيه الندبة المنادى، وهو أنه يحذف التنوين -مع أن المندوب لا يكون مبنياً على الضم- فيحذف التنوين من الصلة أو غيرها.
مثلاً: وامن حفر بئر زمزماه، فتحذف التنوين من (زمزماه).
وكذلك أيضاً من غير الصلة كالإضافة، كما لو أضفت، فتقول: وا غلام زيداه.
стр. 619
قلب ألف المندوب إلى حرف مجانس للحركة قبله إذا كان الفتح يوهم لبساً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والشكل حتماً أوله مجانساً إن يكن الفتح بوهم لابسا] هذه من مسائل النحويين التي تشبه مسائل الفرضيين البعيدة التي لم تحدث، كقولهم: إذا مات الإنسان عن عشرين جدة، فهذا أمر بعيد، والذي قاله ابن مالك الآن من الأشياء البعيدة.
عرفنا أن آخر المندوب يلحق به الألف، ومن ضرورة إلحاق الألف أن يكون الذي قبلها مفتوحاً، وإذا كان الشكل الذي قبل الألف إذا فتحناه أوجب لبساً فإننا نبقيه على ما هو عليه ونحول الألف إلى حرفٍ يجانس تلك الحركة، وهذا صعب التصور قليل الوضوح.
يقول: (والشكل حتماً أوله مجانساً).
الشكل: مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده، وهذا من باب الاشتغال.
وأوله: فعل أمر.
والضمير مفعول به.
حتماً: متعلق بأول، أي: الشكل أوله حتماً، والمفعول الثاني لأوله هو: مجانساً، أي: أول الشكل مجانساً حتماً، ومتى يكون ذلك؟ قال: (إن يكن الفتح بوهم لابساً) أي: إذا كان الإبقاء على الفتحة يوهم اللبس فيجب أن تجعل الألف التي في الندبة حرفاً مجانساً للحركة التي قبلها، فإذا أردت أن تندب غلام غائبٍ تقول: واغلامهو هذا هو المندوب، وآخره هاء مضمومة، وعندما نصل بها ألف الندبة يجب أن تُفتح فنقول: واغلامها لكن إذا قلنا: واغلامها، التبس علينا الأمر، فلم ندر هل ندب غلام امرأة أم ندب غلام رجل، إذاً: ماذا نصنع؟ نقول: آخر المندوب مضموم وهو الهاء، والذي يجانس الضمة هو الواو، فاجعل ألف الندبة واواً وقل: واغلامهوه؛ لأنك إذا قلت: واغلامهاه؛ التبس علينا الأمر: هل أنت تندب غلام امرأة أو تندب غلام رجل، ولذلك قل: واغلامهوه، واجعل الألف واواً، وهذا معنى قوله: (أوله مجانساً).
لكن متى نوليه؟ قال: (إن يكن الفتح بوهم لابساً).
كذلك أيضاً إذا كان مكسوراً وأوهم الفتح فإننا نقلب الألف ياء، مثاله: تقول: واغلامك، تخاطب امرأة تندب غلاماً لها تفجعاً عليه، فنلحق آخر المندوب ألفاً، وعندما نلحق واغلامك ألفاً فإنه يُفتَح ما قبله، فتقول: واغلامكاه، وعندما نقول: واغلامكاه لا ندري هل نحن نندب غلام رجل أم غلام امرأة، إذاً: نبقي الكسرة التي تدل على خطاب المرأة على حالها، ونأتي بحرف يجانس الكسرة فتكون ياءً، فنقول: واغلامكيه.
إذاً: منتهى المندوب صله بالألف، إلا إذا كان وصله بالألف يوجب اللبس؛ فإنه يجب أن تقلب الألف إلى حرف مجانس للحركة؛ فإن كانت الحركة كسرة تجعل الألف ياءً، وإن كانت الحركة ضمة تقلب الألف واواً.
стр. 620
زيادة هاء السكت في آخر المندوب عند الوقف عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وواقفاً زد هاء سكت إن ترد وإن تشأ فالمد والها لا تزد] قوله (واقفاً): حال من فاعل زد.
زد: فعل أمر.
هاء: مفعول به.
أي: زد هاء سكت حال كونك واقفاً، أي: إذا وقفت على المندوب فإنه يختم بالألف كما سبق؛ فإن شئت أن تزيد هاء سكت فافعل، (وإن تشأ فالمد) أي: تزيد المد، (والها لا تزد): مثال ذلك: تقول: واغلاماه؛ فتزيد الهاء جوازاً، ويجوز أن تقول: واغلاما.
وقوله: وإن (تشأ فالمد) ظاهره أن المد ليس بلازم وأنك لو قلت: واغلام فهو جائز، وهذا هو ما مشى عليه بعض المحشيين، فيقولون: إن قوله: (منتهى المندوب صله بالألف) الأمر هنا للاستحباب وليس للوجوب، قالوا: وإنما حملناه على الاستحباب جمعاً بينه وبين النقيض الآخر وهو قوله: (وإن تشأ فالمد) أي: تزيد المد، ولكني أنا ربما أعارضها وأن قول ابن مالك: (وإن تشأ فالمد والها لا تزد)، أي: وإن تشأ فاقتصر على المد دون الهاء، وتكون الجملة جملة واحدة.
وهذا الذي ذكرناه قد يعارض بأنه قال: (واوقفاً زد هاء سكتٍ إن ترد)، فلو قلنا: (وإن تشأ فالمد والها لا تزد) صار مكرراً مع الشطر الأول، لأنه لا يخرج عما دل عليه إذا حملناه على ما قلت أنا، وعليه فيكون حمل قوله: (ومنتهى المندوب صله بالألف) على الاستحباب وجيهاً.
إذاً: لنا ثلاث صور في المندوب: واغلامَ، بالفتح فقط، واغلاماهْ، بالألف وهاء السكت، واغلاما، بالألف فقط.
стр. 621
نداء المضاف إلى ياء المتكلم بالندبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقائل واعبديا واعبدا من في الندا اليا ذا سكون أبدى] تقدم لنا أن المضاف إلى ياء المتكلم إذا كان صحيح الآخر، ففيه خمس لغات، وإذا ناديته بالندبة ففيه لغتان -على لغة من يقول (عبديْ) بالسكون: تقول: واعبدا، واعبديا.
إذاً: عبديْ، بالياء الساكنة، يجوز في الندبة أن آتي بألف الندبة وأحذف الياء لأنها ساكنة، فأقول: واعبدا، ويجوز أن آتي بألف الندبة وأبقي الياء، وإذا أبقيتها فلابد أن أحركها بما يناسب الألف وهو الفتحة، فأقول: واعبديا.
أما على اللغات الأخرى: فعلى لغة من يفتح الياء (عبديَ) نقول: واعبديا، فنأتي بألف الندبة ونترك الياء مفتوحة على ما هي عليه، وعلى لغة حذف الياء (عبدِ) نأتي بالألف فقط: واعبدا.
فالذي يجوز فيه وجهان هو (عبديْ) بالياء الساكنة، ووجه ذلك ما ذكرنا: أننا إذا قلنا: واعبديا، فمعناها أننا أبقينا الياء وأتينا بألف الندبة، وحركنا الياء بالفتح لمناسبة الألف، وإذا قلنا: واعبدا فإننا أبقينا الياء الساكنة، فجاءت الألف فالتقى ساكنان أولهما حرف لين فحذف.
فإذا قال قائل: لماذا تحذف الياء وهي دالة على ياء المتكلم ودالة على الإضافة؟ نقول: ألف الندبة دالة على الندبة، فلو حذفناها لما وجدت ندبة، ولهذا نحذف الياء لالتقاء الساكنين.
стр. 622
شرح ألفية ابن مالك [٥٨]
الترخيم حذف آخر المنادى، وفيه لغتان: لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر، وهو في الأصل مخصوص بالنداء، وقد يكون في غير النداء في ضرورة الشعر، وللترخيم ضوابط وقواعد لابد من الالتزام بها ومعرفتها.
стр. 623
الترخيم
стр. 624
تعريف الترخيم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الترخيم ترخيماً احذف آخر المنادى كيا سعا فيمن دعا سعادا] الترخيم: لغة: ترقيق الصوت، ويؤتى به للتحسين، ولهذا لا يؤتى به إلا في مقام الرقة واللين، أو التعظيم أحياناً.
قوله: (ترخيماً) الظاهر أنه مفعول لأجله، لكنهم يقولون: إن الترخيم في الاصطلاح: هو حذف آخر المنادى، وإذا كان هو حذف آخر المنادى فإنه لا يصلح أن تكون (ترخيماً) مفعولاً لأجله؛ لأنه يصبح المعنى: الترخيم ترخيم، أي: رخم للترخيم، وهذا ليس له معنى، وعلى هذا إذا كان الترخيم هو حذف آخر المنادى فإنها تكون كقول القائل: جلست قعوداً، فتكون مصدراً معنوياً على رأي ابن آجروم، أو مفعولاً مطلقاً على رأي ابن مالك، كما في قوله: وقد ينوب عنه ما عليه دل كجد كل الجد وافرح الجذل إذاً: (ترخيماً): مفعول مطلق عامله قوله: (احذف).
إذاً: فالترخيم في اصطلاح النحويين: حذف آخر المنادى، ومنه قول الرسول ﷺ لـ عائشة ﵂: (يا عائش).
قوله: (كياسعا فيمن دعا سعادا) هذه امرأة اسمها سعاد، إذا أردت أن أرخم بالنداء أقول: يا سعا، أو سُعا، فسواء أبقيت حرف النداء أو حذفته، المهم هو أن أحذف آخر المنادى ترخيم.
стр. 625
ما يجوز ترخيمه وما لا يجوز
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجوزنه مطلقاً في كل ما أُنث بالها والذي قد رخما] قوله: (وجوزنه مطلقاً في كل ما أنث بالها) سواء كان المؤنث بالتاء ثلاثياً، أو رباعياً، أو خماسياً، وسواء كان علماً، أو اسم جنس، أو صفة، فإنه يرخم في كل حال، فتقول في ترخيم (فلانة): يا فلان، وعائشة: يا عائش، وحمزة: يا حمز، وشاة: يا شا، وصخرة: يا صخر وهكذا.
إذاً: كل ما ختم بالتاء فإنه يرخم مطلقاً.
قوله: (والذي قد رخما بحذفها وفره بعد).
والذي قد رخم من المؤنث بالهاء (بحذفها) أي: حذف الهاء وحدها، (وفره) كما ذكرنا قبل قليل: يا حمزُ، يا عائشُ، يا فاطمُ وما أشبه ذلك.
стр. 626
شروط ترخيم ما ليس مؤنثاً بالهاء
يقول المؤلف ﵀: [واحظلا ترخيم ما من هذه الها قد خلا إلا الرباعي].
قوله: (واحظلا) أي: امنع، (ترخيم ما من هذه الها قد خلا) (ما) بمعنى الذي، أي: امنع ترخيم الذي خلا من هاء التأنيث- (إلا الرباعي فما فوق العلم، دون إضافة ودون إسنادٍ متم).
إذاً: المنادى الخالي من تاء التأنيث لا يرخم إلا بشروط: الشرط الأول: أن يكون رباعياً، فإن كان ثلاثياً لم يرخم، فمثلاً: زيد لا يرخم؛ لأنه ثلاثي، فلا تقل: يا زي، وكذلك عمرو لا يرخم، وكل ثلاثي.
الشرط الثاني: لا بد أن يكون علماً، فإن كان غير علم فلا يرخم، فمثلاً: قائم، رباعي لكنه لا يرخم؛ لأنه ليس بعلم، أما جعفر فإنه يرخم لأنه رباعي وعلم، فتقول: يا جعف وهكذا.
الشرط الثالث: ألا يكون مضافاً، قال: (دون إضافة) فإن كان مضافاً فلا يرخم، مثل: عبد الله، فلا تقول: يا عبد؛ لأن الإضافة تفوت، والإضافة نسبة شيء إلى شيء، فأنت إذا قلت: يا عبد، إن حذفت المضاف إليه لم يتبين لنا أنه مضاف إلى شيء، وإن حذفت بعض المضاف إليه لم يصح، فلو قلنا مثلاً في: غلام جعفر: يا غلام، لا يصح، ولو قلنا: يا غلام جعف، لم يصح، إذاً لا بد أن نقول: يا غلام جعفر.
الشرط الرابع: قال: (وإسناد متم) المراد به المركب تركيباً إسنادياً، فيشترط في ترخيم ما ليس مؤنثاً بالهاء ألا يكون مركباً تركيباً إسنادياً، والمركب الإسنادي مثل: تأبط شراً، وشاب قرناها، فهذا أيضاً لا يرخم، ولو أردنا أن نرخم تأبط شراً وقلنا: يا تأبط، لم يصح.
وهناك التركيب المزجي، مثل: معد يكرب، علم على رجل، وحضرموت، علم على البلد المعين، فإذا أردت أن تنادي معد يكرب فإنه يجوز أن ترخمه؛ لأن المؤلف ما منع إلا اثنين من الترخيم وهما: التركيب الإضافي والتركيب الإسنادي.
أما التركيب المزجي فإنه جائز، فتقول: يا معد، فتحذف آخره، وأنا عندي أننا نقول: حتى في المركب تركيباً إسنادياً ينبغى أن يجوز؛ لأن المركب تركيباً إسنادياً لا يدل على اثنين، فالمسمى واحد، بخلاف المركب تركيباً إضافياً فإنه مركب من مضاف ومضاف إليه، والتركيب المزجي أيضاً لا يدل على اثنين؛ لأن معد يكرب واحد، وليس (معد) مضاف و (كرب) مضاف إليه، فما قصد منه الدلالة على التعدد، ولهذا نقول: إنه إذا جاز ترخيم التركيب المزجي فينبغي أن يجوز ترخيم التركيب الإسنادي.
стр. 627
يحذف مع الآخر للترخيم ما اتصل بالآخر بشروط
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومع الأخر احذف الذي تلا إن زيد ليناً ساكناً مكملا أربعة فصاعداً والخلف في واو وياء بهما فتح قفي].
ذكرنا أن الترخيم حذف آخر المنادى، ولكن هل يحذف مع الآخر شيء؟ يقول المؤلف هنا: (ومع الآخر احذف الذي تلا إن زيد ليناً ساكناً مكملا أربعة فصاعدا.
قوله: (مع الآخر احذف الذي تلا) أي: الذي تلاه الآخر، والذي تلاه الآخر هو ما قبل الآخر، فيحذف الآخر والذي قبله بهذه الشروط: الأول: إن كان الحرف الذي قبل الآخر حرفاً زائداً.
الثاني: أن يكون حرف لين، وحروف اللين: الألف والواو والياء.
الثالث: أن يكون ساكناً.
الرابع: أن يكون حرف اللين الحرف الرابع فما زاد، (مكملاً أربعة) أي: به تمام الأربعة (فصاعداً)، احترازاً مما لو كان هو الثالث.
إذاً: يحذف في الترخيم الحرف الآخِر والذي قبله بهذه الشروط: أن يكون ما قبله زائداً، وأن يكون حرف لين، وأن يكون ساكناً، وأن يكون رابعاً فأكثر؛ مثاله: تقول في ترخيم (منصور): يا منصُ، بضم الصاد، وفي (مسكين): يا مسكُ، لكن (مسك) لك فيه وجهان: الوجه الأول: أن تبنيه على الضم، وهذه يسمونها: لغة من لا ينتظر، فتقول: يا مسكُ.
الوجه الثاني: أن تبقيها مكسورة على الأصل، وهذا على لغة من ينتظر، وهذا اصطلاح عند النحويين: فلغة من لا ينتظر يجعل الباقي كأنه اسم مستقل، ولغة من ينتظر يجعله كأنه اسم مقطوع مبتور.
وفي (عثمان) تقول: يا عثمَ، على لغة من ينتظر، ويا عثمُ، على لغة من لا ينتظر.
أما في (منصور) فقد اتفقت اللغتان؛ لأن ترخيم (منصور)، يا منصُ، بضم الصاد، هذا على لغة من ينتظر، وإذا بنيناها على الضم كذلك أيضاً تقول: يا منصُ، لكن يختلف الإعراب، فإن أجريتها على لغة من ينتظر فإنك تقول: يا: حرف نداء.
منصُ: منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الانتظار؛ لأن هذه الضمة ليست من أجل النداء، فهي الضمة الأصلية.
لكن في مثل (يا مسكين) نقول على لغة من لا ينتظر: يا مسكُ: يا: حرف نداء.
مسكُ: منادى مبني على الضم في محل نصب، وعلى لغة من ينتظر: يا مسكِ: يا: حرف نداء.
مسكِ: منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الانتظار، وكذلك نقول في (عثمَ وعثمُ).
أمثلة للتوضيح: غضنفر، لا يصح أن نحذف النون؛ لأنه ليس حرف لين، وليس رابعاً فأكثر.
عصفور، يصح أن نحذف الواو؛ لأنه حرف لين، ورابع، والظاهر أنها زائدة؛ لأنها من العصفر وهكذا.
стр. 628
ترخيم ما كان قبل آخره واو أو ياء وقبلهما مفتوح
قال رحمه الله تعالى: (والخلف في واو وياء بهما فتح قفي).
الواو والياء من حروف اللين لا شك؛ لأن حروف اللين مجموعة في قولك: (واي) فهذه حروف اللين: الواو والألف والياء، إذا كان الواو قبله مفتوح والياء قبله مكسور.
يقول المؤلف: (والخلف في واوٍ وياء بهما فتح قفي) فتح: مبتدأ، قفي: الجملة خبر المبتدأ، بهما: جار ومجرور متعلق بقفي، أي: والخلف في واو وياء جاءا بعد فتح.
فمنهم من قال: تحذف الواو وتحذف الياء.
ومنهم من قال: لا تحذفان بل تبقيان.
مثال ذلك في الواو: فرعون، الواو من حروف اللين، والذي قبله حركة غير مناسبة، وهي الفتحة.
ومثالها في الياء: غرنيق فالياء رابعة وزائدة أيضاً، ولكن الذي قبلها مفتوح، فهي حركة غير مناسبة.
فتقول في (فرعون): يا فرعو، هذا قول، والقول الثاني: تقول: يا فِرعَ، وفي (غرنيق) تقول على القول الأول: يا غرني، وعلى القول الثاني: يا غرنَ.
стр. 629
ترخيم المركب وترخيم الجملة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعجز احذف من مركب وقل ترخيم جملة وذا عمرو نقل] قوله: (والعجز احذف من مركب) هذا أبلغ من حذف حرفين، فالترخيم حذف حرف واحد، ومنه ما فيه حذف حرفين، وهنا حذف العجز كله، والعجز يحذف من المركب، مثل: معدي كرب، هذا مركب تركيباً مزجياً، إذا رخمناه نقول: يا معدي، فحذفنا (كرب)، فصار المحذوف ثلاثة أحرف، حتى لو فرض أن عجز المركب أكثر من ثلاثة أحرف فإنه يحذف كل العجز، مثل: حضرموت، عجزه ثلاثة حروف، تحذف كلها، ومثله: بعلبك، عجزه ثلاثة حروف؛ لأن الكاف مشددة، فهي ثلاثة حروف.
المهم: أن المركب يحذف عجزه كله، ولا يدخل التركيب الإضافي في هذا الحكم؛ لأنه تقدم معنا قول المؤلف: (دون إضافة وإسناد متم).
ويقول هنا: (وقل ترخيم جملة) أي: أن ما ركب تركيب جملة فإن ترخيمه قليل، ومنه: تأبط شراً، فهذا مركب تركيباً إسنادياً، وهو جملة؛ لأن تأبط: فعل ماض، والفاعل مستتر، وشراً: مفعول به، هذه الجملة كلها اسم رجل سمي تأبط شراً، فصار مركباً تركيباً إسنادياً، فهل يجوز أن يرخم؟ نقول: سبق في كلام المؤلف أنه لا يجوز؛ لأنه قال: (دون إضافة وإسناد متم) لكن هنا ناقض وقال: (وقل ترخيم جملة) فيحمل قوله فيما سبق: (دون إضافة وإسناد متم) على أن المراد بالنسبة للإسناد الكثرة، أي: أنه لا يكثر ترخيم المركب تركيباً إسنادياً.
فالمركبات عندنا ثلاثة أنواع: إسنادي، وإضافي، ومزجي، فالمزجي يجوز وبكثرة، والإضافي لا يجوز مطلقاً، والإسنادي يجوز لكن بقلة، ولهذا قال: (وقل ترخيم جملة).
وإذا أردنا أن نرخم (شاب قرناها) نقول: يا شاب، ونحذف قرناها.
قوله: (وذا عمرو نقل): ذا: اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون في محل رفع.
عمرو: مبتدأ ثان مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
نقل: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية خبر المبتدأ الأول.
وعمرو هذا هو سيبويه إمام أهل البصرة في النحو، فقوله: (عمرو نقل) أي: نقل عن العرب، ومن المعلوم أن أئمة النحو ما جاءتهم الإمامة هكذا بدون تعب، بل لقد كانوا يتعبون ويخرجون إلى البراري ويتلقون الأعراب الذين ما دخلوا في المدن ولا تغيرت ألسنتهم، فينقلون عنهم الكلام، فمن جملة ما نقله سيبويه: أنهم -أي العرب- يرخمون المركب تركيباً إسنادياً، وكون ابن مالك يقول: (وذا عمرو نقل) ويأتي بهذا ليقوي كلامه دليل على أن ترخيم المركب تركيباً إسنادياً قليل جداً، وهو كذلك.
خلاصة البحث من هنا وما سبق: أن المرخم يحذف منه حرف واحد وحرفان والعجز مطلقاً، هذا بالنسبة لما يحذف.
ثانياً: المركب ثلاثة أقسام: مركب تركيباً إضافياً، ومركب تركيباً إسنادياً، ومركب تركيباً مزجياً، فالمركب تركيباً إضافياً لا يرخم، والمركب تركيباً إسنادياً يرخم بقلة، والمركب تركيباً مزجياً يرخم بكثرة.
стр. 630
يجوز في الاسم المرخم لغتان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن نويت بعد حذف ما حذف فالباقي استعمل بما فيه ألف واجعله إن لم تنو محذوفاً كما لو كان بالآخر وضعاً تمما فقل على الأول في ثمود يا ثمو ويا ثمي على الثاني بيا] قوله: (وإن نويت بعد حذف ما حذف) (ما) في قوله: (ما حذف): مفعول نويت، أي: إن نويت ما حذف بعد حذفه (فالباقي استعمل بما فيه ألف) الظاهر أن الباء هنا بمعنى: (على) أي: فاستعمل الباقي على ما ألف فيه قبل الحذف، أي: اجعله على حاله.
تقول مثلاً: يا مسكِ، وتقول: يا عثمَ، يا منصُ، فهنا لم نغير من الحركات شيئاً، ونقول في الإعراب: عثمَ: منادى مرخم مبنى على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الانتظار.
قال: واجعله إن لم تنو محذوفاً كما لو كان بالآخر وضعاً تمما أي: اجعل المرخم إن لم تنو المحذوف كما لو كان الحرف موجوداً.
فقوله: (بالآخر وضعاً تمما) أي: كما لو كان هذا المرخم تمم بالحرف الأخير الموجود وضعاً، ومعنى (وضعاً) أي: بحسب وضع العرب، فلا نلتفت للمحذوف إطلاقاً، فنقول في عثمان: يا عثمُ، وفي مسكين: يا مسكُ، وفي منصور: يا منصُ، على أن تكون هذه الضمة ليست الحركة الأصلية، ولهذا نقول في (يا منصُ) على هذا: يا: حرف نداء.
منصُ: منادى مبني على الضم في محل نصب؛ لأننا قدرنا أن هذه الحركة -الضمة- حركة بناء لا حركة انتظار.
وإذا كان آخره حرف علة مثل: يا فرعو، على لغة من لا يحذف الواو، نقول: منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره الثقل، وكذلك نقول في (غرنيق): يا غرني، ونعربها مثل (فرعون)، وقد ذكرنا أن غرنيق اسم طائر، واشترطنا في الترخيم أن يكون علماً أي: اسم إنسان.
أمثلة للتوضيح: نقول في (حمزة) على لغة من ينتظر: يا حمزَ، وعلى لغة من لا ينتظر: يا حمزُ، ونقول في (قتادة) على لغة من ينتظر: يا قتادُ، وعلى لغة من لا ينتظر: يا قتادُ وهكذا.
يروى أن ابن عباس ﵄ قيل له: إن ابن مسعود قرأ قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]: (ونادوا يا مالِ)، فقال: (ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم).
وعلى كل حال: إذا ثبتت القراءة فإما أن يقال: إنهم عجزوا عن إتمام الكاف، وإما إن يقال: رخموا من باب الاستعطاف.
قال رحمه الله تعالى: (فقل على الأول في ثمود يا ثمو ويا ثمي على الثاني بيا) قوله: (فقل على الأول) الأول: إذا نويت بعد حذف ما حذف، أي: على لغة من ينتظر، قل عليه في (ثمود): يا ثمو فنقول: ثمو: منادى مبني على ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل.
قال: (ويا ثمي على الثاني بيا) أي: على لغة من لا ينتظر، وإذا قال قائل: لماذا قلنا: يا ثمي ولم نقل يا ثَمُ؟ يقولون: لأنه لا يوجد اسم معرب آخره واو مضموم ما قبلها، أما المبني فيوجد مثل: هو، وكذلك يوجد غير العربي، مثل قمندو، سمندو، ونحو ذلك.
ولهذا يقولون في (ثمود) على لغة من لا ينتظر: يلزم أن نجعله بالياء (يا ثمي) مثل قاضي وداعي وهادي وما أشبه ذلك، وعلى هذا نقول في إعرابه: يا: حرف نداء.
ثمي: منادى مرخم مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره الثقل.
وفي غير ثمود مثل مسكين نقول فيه: يا مسكِ على لغة من ينتظر، ويا مسكُ على لغة من لا ينتظر.
стр. 631
ما يلتزم فيه لغة واحدة عند ترخيمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والتزم الأول في كمُسلمه وجوز الوجهين في كمَسلمه].
قوله: (والتزم الأول) أي: لغة من ينتظر، وهو قوله: (إن نويت بعد حذفٍ ما حذف) هذا هو الأول، فالتزمه في كمُسلمة، فإذا ناديت امرأة بهذا الاسم (مسلمة) وأردت الترخيم فتحذف الهاء فتقول: يا مسلمَ، على لغة من ينتظر؛ فهنا تتعين لغة من ينتظر؛ لأنه لو أتينا بها على لغة من لا ينتظر وقلنا: يا مسلمُ؛ اشتبه المنادى المذكر بالمؤنث، حتى لو فرض أنك تناديها من قرب فتقول: يا مسلمُ، ستلتفت عليك وتقول: من تريد؟ لكن تقول: يا مسلمَ، على لغة من ينتظر.
وقوله: (التزم) فعل أمر، والأمر للوجوب، فالعلة في وجوب الالتزام هنا خوف اللبس.
قوله: (وجوز الوجهين) الوجهان هما: لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر، في (كمَسلمة) مسلمة ليست علماً بل اسم مكان من السلامة، فليست علماً يختلف فيه المذكر والمؤنث ولكنها اسم مكان، والمكان يصلح تذكيره وتأنيثه، تقول: مسلمة، أي: هذا المكان مسلمة، كما نقول: مفازة ومهلكة وما أشبه ذلك، فإذا أردت أن ترخم تقول: مسلمَ، ومسلمُ؛ لأنه ليس فيه التباس، وإن كان علماً فهو منقول من اسم المكان إلى العلمية.
وخلاصة الكلام: أنه يجوز لنا في الترخيم لغتان: لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر، فإن حصل لبس في التزام إحداهما وجب العدول عنه وأتينا بالوجه الذي لا يلتبس.
стр. 632
ترخيم غير المنادى للضرورة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولاضطرار رخموا دون ندا ما للندا يصلح نحو أحمدا].
قوله: (لاضطرار رخموا دون ندا) الفاعل في (رخموا) يعود على العرب؛ لأن النحويين لا يستطيعون أن يغيروا في اللغة، إذاً: العرب رخموا للضرورة بدون نداء، لكن بشرط أن يكون هذا المرخم صالحاً للنداء.
مثاله: أحمد، لو فرضنا أن (أحمد) جاءت في سياق بيت من الشعر لو أبقيناها على ما هي عليه لاختل وزن البيت، إذاً نحذف آخرها ونقول: أحمَ أو أحمُ، على حسب الإعراب؛ لأنه لا يوجد هنا نداء.
ومثاله قول الشاعر: لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مالٍ ليلة الجوع والخصر الشاهد: قوله: طريف بن مال، وأصله: مالك، (لنعم الفتى) الفتى: فاعل، وطريف: مبتدأ مؤخر، وهو المخصوص بالمدح (ابن مال) أصله: ابن مالك، رخمه بدون نداء للضرورة.
وهذا آخر باب الترخيم، فصار الترخيم في الأصل خاصاً بالنداء، ولكنه قد يرخم في غير النداء للضرورة فقط، والمقصود بالضرورة الشعر.
стр. 633
شرح ألفية ابن مالك [٥٩]
الاختصاص يشبه النداء لكن يمتنع أن يجيء فيه حرف النداء، ويكون المخصوص منصوباً بفعل محذوف.
والإغراء والتحذير من الأساليب البليغة في اللغة العربية، والمحذر منه أو المغرى به يكون منصوباً بفعل محذوف وجوباً، وقد يكون الحذف جائزاً.
стр. 634
الاختصاص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاختصاص الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا].
الاختصاص بالشيء معناه: الانفراد به وقصر الحكم عليه، تقول: اختصصت بكذا بمعنى: انفردت به، ولهذا يقال: هذا مالك الخاص، وهذا بيتك الخاص، وهذا الكتاب خاص بفلان، أي: أنه منفرد به عن غيره ومقصور عليه.
ومعنى الاختصاص في الاصطلاح قريب من المعنى اللغوي؛ لأن المتكلم يقصر الحكم على نفسه، وله شروط أفادها المؤلف بقوله: الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا (ارجونيا) أصله ارجوني، فالألف هنا للإطلاق، تقول: ارجوني أيها الفتى، و (أيها الفتى) للمتكلم، والاختصاص لا بد أن يكون مسبوقاً بشيء سواء بجملة أو بغير جملة، وأما النداء فلا يشترط، تقول: يا محمد، يا بكرُ، يا خالدُ، يا عمرو، وما أشبه ذلك.
وأما الاختصاص فلابد أن يسبقه شيء، كأن تسأل الله أن يرحمك فتقول: يا رب اغفر لي عبدَك الضعيف، وما أشبه ذلك، فأنت تتذلل له.
الإعراب: ارجوني: ارجوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والواو فاعل للجماعة، مثل قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وارجوني على وزن ادعوني.
أيها: أي: مفعول لفعل محذوف تقديره: أخص أيها الفتى، ولا تقل: يا أيها الفتى؛ لأنها ليست منادى، وهذا من الغريب؛ لأنك لو قلت إنها منادى فإنه ليس من العادة أن الإنسان ينادي نفسه، لكن لو قلت: أخص أيها الفتى، صح، ولهذا يقولون: (أي) مفعول به مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه.
الفتى: صفة لأي تابع للفظه، وإنما قلنا: تابع للفظه؛ لأننا لو أبدلنا الفتى الذي هو مقصور باسم صحيح الآخر وقلنا: ارجوني أيها الرجلُ، اتباعاً للفظ، فيكون الرجل صفة لأي تابعاً للفظه، فهو مبني على الضم في محل نصب.
إذاً: فهمنا أن الاختصاص مثل النداء لكنه يختلف عنه بأمور: أولاً: أنه لا بد أن يكون مسبوقاً بشيء؛ لقول المؤلف: (بإثر).
ثانياً: أنه لا يقترن بياء النداء؛ لقوله: (دون يا).
ثالثاً: أنه يكون للمتكلم ومعه غيره.
وقوله: (ارجوني أيها الفتى) للمتكلم.
قوله: (وقد يرى) فيها نائب فاعل يعود على الاختصاص، أي: قد يرى الاختصاص دون أي تلو أل؛ لأن المثال الذي ذكره المؤلف فيه (أي) (أيها الفتى) لكن قد يرى دون أي تلو أل، أي مقروناً بأل، مع أنه لو كان نداء لما اقترن بأل؛ لأن المنادى لا يقرن بأل وإلا جيء بأي قبله كما سبق.
مثاله: (نحن العرب أسخى من بذل).
نحن: مبتدأ، وخبرها: أسخى.
العرب: منصوبة على الاختصاص، والمعنى: نحن أخص العرب أسخى من بذل.
إذاً: عندنا الآن ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون الاختصاص مقروناً بأي.
الصورة الثانية: أن يكون معرفاً بأل دون أي.
الصورة الثالثة: أن يكون مضافاً، مثل قول الرسول ﵊: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).
نحن: مبتدأ، وجملة (لا نورث) خبره.
معاشر الأنبياء: منصوب على الاختصاص، أي: نحن أخص معاشر الأنبياء لا نورث.
فصار الآن كأن الاختصاص يفسر الضمير السابق وهو (نحن) من (نحن العرب) فالعرب فسرت الضمير (نحن)، والياء من (ارجوني أيها الفتى)، ونحن من (نحن معاشر الأنبياء)، ولهذا قلنا: لابد أن يسبقه ضمير إما للمتكلم أو للمتكلم معه غيره، حتى يكون كالتفسير له.
إذاً صور الاختصاص ثلاث: أن يقرن بأي، وأن يقرن بأل، وأن يضاف، وكله يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره: أخص.
قوله: (نحن العرب أسخى من بذل)، هذا صحيح، فإنه لا يوجد في الأمم أكرم من العرب أبداً، ولا أزكى نسباً ولا أطيب محتداً من العرب، ولهذا كان الرسول ﵊ الذي هو أفضل الرسل من العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فلولا أن هذه الأمة -أمة العرب- خير الأمم ما جعله الله منها، ولكن بعد الإسلام صار خير الناس المسلمين، سواء من العرب أو من غير العرب، ولكن يزداد المسلم العربي طيباً إلى طيبه.
стр. 635
التحذير والإغراء
следующие страницы →