Полный текст (761 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ما يلتزم فيه لغة واحدة عند ترخيمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والتزم الأول في كمُسلمه وجوز الوجهين في كمَسلمه].
قوله: (والتزم الأول) أي: لغة من ينتظر، وهو قوله: (إن نويت بعد حذفٍ ما حذف) هذا هو الأول، فالتزمه في كمُسلمة، فإذا ناديت امرأة بهذا الاسم (مسلمة) وأردت الترخيم فتحذف الهاء فتقول: يا مسلمَ، على لغة من ينتظر؛ فهنا تتعين لغة من ينتظر؛ لأنه لو أتينا بها على لغة من لا ينتظر وقلنا: يا مسلمُ؛ اشتبه المنادى المذكر بالمؤنث، حتى لو فرض أنك تناديها من قرب فتقول: يا مسلمُ، ستلتفت عليك وتقول: من تريد؟ لكن تقول: يا مسلمَ، على لغة من ينتظر.
وقوله: (التزم) فعل أمر، والأمر للوجوب، فالعلة في وجوب الالتزام هنا خوف اللبس.
قوله: (وجوز الوجهين) الوجهان هما: لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر، في (كمَسلمة) مسلمة ليست علماً بل اسم مكان من السلامة، فليست علماً يختلف فيه المذكر والمؤنث ولكنها اسم مكان، والمكان يصلح تذكيره وتأنيثه، تقول: مسلمة، أي: هذا المكان مسلمة، كما نقول: مفازة ومهلكة وما أشبه ذلك، فإذا أردت أن ترخم تقول: مسلمَ، ومسلمُ؛ لأنه ليس فيه التباس، وإن كان علماً فهو منقول من اسم المكان إلى العلمية.
وخلاصة الكلام: أنه يجوز لنا في الترخيم لغتان: لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر، فإن حصل لبس في التزام إحداهما وجب العدول عنه وأتينا بالوجه الذي لا يلتبس.
стр. 632
ترخيم غير المنادى للضرورة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولاضطرار رخموا دون ندا ما للندا يصلح نحو أحمدا].
قوله: (لاضطرار رخموا دون ندا) الفاعل في (رخموا) يعود على العرب؛ لأن النحويين لا يستطيعون أن يغيروا في اللغة، إذاً: العرب رخموا للضرورة بدون نداء، لكن بشرط أن يكون هذا المرخم صالحاً للنداء.
مثاله: أحمد، لو فرضنا أن (أحمد) جاءت في سياق بيت من الشعر لو أبقيناها على ما هي عليه لاختل وزن البيت، إذاً نحذف آخرها ونقول: أحمَ أو أحمُ، على حسب الإعراب؛ لأنه لا يوجد هنا نداء.
ومثاله قول الشاعر: لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مالٍ ليلة الجوع والخصر الشاهد: قوله: طريف بن مال، وأصله: مالك، (لنعم الفتى) الفتى: فاعل، وطريف: مبتدأ مؤخر، وهو المخصوص بالمدح (ابن مال) أصله: ابن مالك، رخمه بدون نداء للضرورة.
وهذا آخر باب الترخيم، فصار الترخيم في الأصل خاصاً بالنداء، ولكنه قد يرخم في غير النداء للضرورة فقط، والمقصود بالضرورة الشعر.
стр. 633
شرح ألفية ابن مالك [٥٩]
الاختصاص يشبه النداء لكن يمتنع أن يجيء فيه حرف النداء، ويكون المخصوص منصوباً بفعل محذوف.
والإغراء والتحذير من الأساليب البليغة في اللغة العربية، والمحذر منه أو المغرى به يكون منصوباً بفعل محذوف وجوباً، وقد يكون الحذف جائزاً.
стр. 634
الاختصاص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاختصاص الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا].
الاختصاص بالشيء معناه: الانفراد به وقصر الحكم عليه، تقول: اختصصت بكذا بمعنى: انفردت به، ولهذا يقال: هذا مالك الخاص، وهذا بيتك الخاص، وهذا الكتاب خاص بفلان، أي: أنه منفرد به عن غيره ومقصور عليه.
ومعنى الاختصاص في الاصطلاح قريب من المعنى اللغوي؛ لأن المتكلم يقصر الحكم على نفسه، وله شروط أفادها المؤلف بقوله: الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا (ارجونيا) أصله ارجوني، فالألف هنا للإطلاق، تقول: ارجوني أيها الفتى، و (أيها الفتى) للمتكلم، والاختصاص لا بد أن يكون مسبوقاً بشيء سواء بجملة أو بغير جملة، وأما النداء فلا يشترط، تقول: يا محمد، يا بكرُ، يا خالدُ، يا عمرو، وما أشبه ذلك.
وأما الاختصاص فلابد أن يسبقه شيء، كأن تسأل الله أن يرحمك فتقول: يا رب اغفر لي عبدَك الضعيف، وما أشبه ذلك، فأنت تتذلل له.
الإعراب: ارجوني: ارجوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والواو فاعل للجماعة، مثل قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وارجوني على وزن ادعوني.
أيها: أي: مفعول لفعل محذوف تقديره: أخص أيها الفتى، ولا تقل: يا أيها الفتى؛ لأنها ليست منادى، وهذا من الغريب؛ لأنك لو قلت إنها منادى فإنه ليس من العادة أن الإنسان ينادي نفسه، لكن لو قلت: أخص أيها الفتى، صح، ولهذا يقولون: (أي) مفعول به مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه.
الفتى: صفة لأي تابع للفظه، وإنما قلنا: تابع للفظه؛ لأننا لو أبدلنا الفتى الذي هو مقصور باسم صحيح الآخر وقلنا: ارجوني أيها الرجلُ، اتباعاً للفظ، فيكون الرجل صفة لأي تابعاً للفظه، فهو مبني على الضم في محل نصب.
إذاً: فهمنا أن الاختصاص مثل النداء لكنه يختلف عنه بأمور: أولاً: أنه لا بد أن يكون مسبوقاً بشيء؛ لقول المؤلف: (بإثر).
ثانياً: أنه لا يقترن بياء النداء؛ لقوله: (دون يا).
ثالثاً: أنه يكون للمتكلم ومعه غيره.
وقوله: (ارجوني أيها الفتى) للمتكلم.
قوله: (وقد يرى) فيها نائب فاعل يعود على الاختصاص، أي: قد يرى الاختصاص دون أي تلو أل؛ لأن المثال الذي ذكره المؤلف فيه (أي) (أيها الفتى) لكن قد يرى دون أي تلو أل، أي مقروناً بأل، مع أنه لو كان نداء لما اقترن بأل؛ لأن المنادى لا يقرن بأل وإلا جيء بأي قبله كما سبق.
مثاله: (نحن العرب أسخى من بذل).
نحن: مبتدأ، وخبرها: أسخى.
العرب: منصوبة على الاختصاص، والمعنى: نحن أخص العرب أسخى من بذل.
إذاً: عندنا الآن ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون الاختصاص مقروناً بأي.
الصورة الثانية: أن يكون معرفاً بأل دون أي.
الصورة الثالثة: أن يكون مضافاً، مثل قول الرسول ﵊: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).
نحن: مبتدأ، وجملة (لا نورث) خبره.
معاشر الأنبياء: منصوب على الاختصاص، أي: نحن أخص معاشر الأنبياء لا نورث.
فصار الآن كأن الاختصاص يفسر الضمير السابق وهو (نحن) من (نحن العرب) فالعرب فسرت الضمير (نحن)، والياء من (ارجوني أيها الفتى)، ونحن من (نحن معاشر الأنبياء)، ولهذا قلنا: لابد أن يسبقه ضمير إما للمتكلم أو للمتكلم معه غيره، حتى يكون كالتفسير له.
إذاً صور الاختصاص ثلاث: أن يقرن بأي، وأن يقرن بأل، وأن يضاف، وكله يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره: أخص.
قوله: (نحن العرب أسخى من بذل)، هذا صحيح، فإنه لا يوجد في الأمم أكرم من العرب أبداً، ولا أزكى نسباً ولا أطيب محتداً من العرب، ولهذا كان الرسول ﵊ الذي هو أفضل الرسل من العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فلولا أن هذه الأمة -أمة العرب- خير الأمم ما جعله الله منها، ولكن بعد الإسلام صار خير الناس المسلمين، سواء من العرب أو من غير العرب، ولكن يزداد المسلم العربي طيباً إلى طيبه.
стр. 635
التحذير والإغراء
стр. 636
أنواع التحذير وأحكامه
قوله: (إياك والشر ونحوه نصب) إياك والشر: مفعول مقدم لنصب على أنه مراد به لفظه.
ونحوه: الواو حرف عطف، نحو: معطوف على (إياك والشر) على أنه يريد به اللفظ؛ لأن (إياك والشر) بمعنى: هذا اللفظ، أو هذا التركيب ونحوه.
(نصب محذراً) أي: أن المحذر نصب (إياك والشر) وما أشبهه، مثل: إياك والأسدَ، إياك والرياء، إياك والخنا، إياك والغيبة، وما أشبه ذلك.
وقوله: (بما) أي: نصبه بعامل، فـ (ما) هنا نكرة موصوفة، (استتاره وجب) عبر هنا بالاستتار على سبيل التسامح؛ لأن المراد بالاستتار هنا الحذف، والاستتار -كما هو معلوم- إنما يكون في الضمائر، وهذا الذي معنا من باب الحذف وليس من باب الاستتار، فهو من باب التسامح، أو من باب استعمال الاستتار في غير معناه الاصطلاحي، بل في معناه اللغوي، فمراده بما استتاره وجب أي: بما وجب حذفه.
ولذلك فإعراب (إياك والشر) يقولون: إياك: مفعول لفعل محذوف وجوباً تقديره: أحذر، وأصل التركيب (أحذرك)، فالضمير في (أحذرك) ضمير متصل، ولما حذفنا الفعل لم نجد شيئاً يتصل به الضمير، فاضطررنا إلى فصل الضمير وقلنا: إياك، فعلى هذا يكون (إياك) ضميراً منفصلاً مبنياً على السكون في محل نصب بعامل محذوف والتقدير: أحذر، وإن كان الظاهر في كلام الشارح (احذر) لكن الصواب: أُحذر.
والأسد: الواو: حرف عطف، الأسد: مفعول لفعل محذوف أيضاً، وليس معطوفاً على (إياك)؛ لأنه لو قلنا إنه معطوف على (إياك) لفسد المعنى، وصار المعنى: أحذرك وأحذر الأسد، وهذا لا يستقيم، إذاً يكون مفعولاً لفعل محذوف تقديره: إياك أحذر وجانب الأسد أو واجتنب الأسد، فيكون من باب عطف جملة على جملة.
وقوله: (بما استتاره وجب) يدل على أنه لا يجوز أن تبرز الفعل هنا، فلو قلت: إياك أحذر، لما كان من باب التحذير، وإنما يكون جملة مستقلة ولا تسمى تحذيراً، وإنما سمي (إياك والشر) تحذيراً مع حذف العامل لأن هذا أبلغ في تنبيه المخاطب، فلو قال: أحذرك لما صار له أثر في نفس المخاطب كما يقول: إياك، ولاسيما في الصيغة الثانية التي تكرر فيها (إياك).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ودون عطف ذا لإيا انسب وما سواه ستر فعله لن يلزما إلا مع العطف أو التكرار كالضيغم الضيغم يا ذا الساري].
قوله: (ودون عطف) أي: إنك إذا أتيت بالتحذير بدون عطف فقلت: إياك الشر، فيقول: (لإيا انسب) أي: انسب التحذير لإيا.
قوله: (وما سواه ستر فعله لن يلزما) بل يجوز ذكر فعله، مثلما لو قلت أحذر زيداً الأسد، فهنا لا يلزم أن نحذف الفعل، بل يجوز ذكره ويجوز حذفه إذا دلت عليه القرينة.
(إلا مع العطف أو التكرار كالضيغم الضيغم يا ذا الساري) أي: فيجب ستر الفعل مثل: الضيغم الضيغم، والضيغم اسم للأسد، فالضيغم الضيغم هذا محذَّر مفعول لفعل محذوف ويحذف من أجل التكرار.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [التحذير: تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، فإن كان بإياك وأخواته وهو: إياكِ وإياكما وإياكم وإياكن وجب إضمار الناصب، سواء وجد عطف أم لا، فمثاله مع العطف: إياك والشر، فإياك: منصوب بفعل مضمر وجوباً والتقدير: إياك أحذر، ومثاله بدون العطف: إياك أن تفعل كذا، أي: إياك من أن تفعل كذا].
والتقدير كما سبق: أحذرك من فعل كذا، لكنه انفصل الضمير من أجل حذف العامل لأننا لم نجد عاملاً يتصل به.
وإنما قلنا: إن (إياك أن تفعل كذا) بمعنى: إياك من أن تفعل كذا؛ لأن (أن) هنا على تقدير (من)؛ لأنه لو قال: أحذرك فعل كذا، لما صار هناك محذراً منه، وهو لن يكون محذراً منه إلا على تقدير (من).
قال الشارح: [وإن كان بغير إياك وأخواته، وهو المراد بقوله: (وما سواه) - فلا يجب إضمار الناصب إلا مع العطف، كقولك: مازِ رأسك والسيف، أي: يا مازنُ قِ رأسك واحذر السيف أو التكرار نحو: الضيغم الضيغم].
قوله: ماز رأسك والسيف، أصله: مازنُ، لكنه منادى مرخم بحذف آخره وهو النون، لقول المصنف فيما سبق: (كيا سعا فيمن دعا سعادا).
ورأسك: مفعول لفعل محذوف تقديره: قِ.
والسيف: الواو: حرف عطف، السيف: مفعول لفعل محذوف تقديره: واحذر، أو جانب السيف، وما أشبه ذلك.
قال الشارح: [أو التكرار نحو: الضيغم الضيغم، أي: احذر الضيغم، فإن لم يكن عطف ولا تكرار جاز إضمار الناصب وإظهاره نحو: الأسدَ، أي: احذر الأسدَ، فإن شئت أظهرت وإن شئت أضمرت].
فصار الآن إذا جاءت (إيا) فلا بد من الإضمار، وما سوى (إيا) فإن تكرر وجب الإضمار، وإن لم يتكرر جاز الإضمار والإظهار، كما لو قلت: الأسدَ، فإنه يجوز أن أقول: احذر الأسدَ، أما لو قلت: الأسد الأسد، فإنه لا يجوز أن تأتي بالفعل.
стр. 637
شذوذ التحذير بإياي وإياه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وشذ إياي وإياه أشذ وعن سبيل القصد من قاس انتبذ] قوله: (وشذ إياي)؛ لأن التحذير يكون للمخاطب (إياك)، ولا يكون للمتكلم، فلا تقل: إياي والشر، فإنه شذوذ، والشاذ معناه: أنه مخالف للقياس.
قوله: (وإياهُ أشذ) أي: أكثر شذوذاً، وذكر له مثالاً في الشرح قال فيه: إذا بلغ الرجلُ الستين فإياهُ وإيا الشواب، أي: النساء الشابات، أي: لا يتزوج بهن، يقول: إذا بلغ هذا السن فليحذر الشواب.
والشاهد قوله: (فإياهُ) حيث حذر بضمير الغيبة، وهذا شاذ.
إذاً: فالتحذير بـ (إيا) يكون للمخاطب والمتكلم والغائب، والمخاطب هو الكثير الوارد، والمتكلم شاذ، والغائب أشذ.
قوله: (وعن سبيل القصد من قاس انتبذ).
عن سبيل: جار ومجرور متعلق بانتبذ، أي: من قاس هذه الضمائر على المخاطب فقد خرج وبعد عن سبيل القصد وهو منهج الحق، كأن المؤلف ﵀ يرد قول من يقول: إنه مقيس، ويرى أنه مقتصر فيها على السماع.
стр. 638
الإغراء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكمحذر بلا إيا اجعلا مغرى به في كل ما قد فصلا] الإغراء ضد التحذير، فهو إذاً: تنبيه المخاطب على أمر يرغب أن يحصل عليه، فأغريته أي: نبهته على أمر ينبغي أن يأخذ به، فلا تستعمل فيه (إيا)، بل يأتي بدون (إيا)، مثل قوله ﷺ (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، فقوله: (الصلاةَ الصلاةَ) نقول فيها: منصوبة على الإغراء والتقدير: الزموا الصلاة، فهي إذاً مفعول لفعل محذوف على الإغراء، والصلاة الثانية توكيد.
ومثله في كلام المؤلف: (الضيغم الضيغم يا ذا الساري)، لكن هذا تحذير، والصلاة الصلاة إغراء، ومثله أيضاً أن تقول: العلم العلم، أي: الزم العلم العلم.
стр. 639
شرح ألفية ابن مالك [٦٠]
تنوب عن الأفعال أسماء تسمى أسماء الأفعال، وهي تعمل عمل الأفعال وتكون مبنية، وبعضها سماعي وبعضها قياسي، وهناك ما يسمى أسماء الأصوات، وهي مبنية أيضاً.
وللتوكيد نونان تلحقان فعل الأمر والفعل المضارع، ولهما أحكام من حيث موضعهما وما يحذف لهما وغير ذلك.
стр. 640
أسماء الأفعال والأصوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أسماء الأفعال والأصوات].
أسماء الأفعال أي: الاسم الذي وضع علماً على الفعل فلا يسمى شخص باسمه، هذا معنى قوله: (أسماء الأفعال) فهي أسماء جعلت للأفعال، مثل ما تقول: هذا زيد، هذا عمرو، هذا خالد، يوضع اسم للفعل، وهو على ثلاثة أقسام: ما وضع للأمر، وما وضع للماضي، وما وضع للمضارع.
стр. 641
أسماء الأفعال
قال المصنف: [ما ناب عن فعل كشتان وصه هو اسم فعل وكذا أوه ومه] قال رحمه الله تعالى: (ما ناب عن فعل) ثم قيد هذه النيابة بمثال فقال: (كشتان وصه) فليس المقصود كل ما ناب عن فعل؛ لأن اسم الفاعل ينوب عن الفعل، والمصدر ينوب عن الفعل، وليس كنيابة شتان عنه، وقد قال ابن مالك في أول الألفية: (وكنيابة عن الفعل بلا تأثر) لأجل أن يخرج اسم الفاعل؛ فإنه نائب مناب الفعل، لكنه يتأثر بالعوامل، تقول مثلاً: أنا مكرم زيداً، فمكرم نابت عن كلمة (أكرم) لكنها تتأثر بالعوامل، والمراد هنا ما ناب عن فعل ولم يتأثر بالعوامل، ولهذا قيد ذلك بالمثال بقوله: (كشتان وصه).
شتان: اسم فعل ماض؛ لأنه بمعنى: افترق، وصه: اسم فعل أمر بمعنى: اسكت، ونحن نقول بدل (صه) باللغة العامية: أص، فهي محرفة من (صه) وليست مقتضبة من (اسكت) فلا يقال: إن أصل (أص): اسكت؛ لأنه إذا قلنا بهذا لزم حذف التاء والكاف وإبدال السين صاداً، لكن إذا قلنا: إنها نائبة عن (صه) فهو أقرب.
وقوله: (أوه) اسم فعل مضارع بمعنى: أتوجع.
(ومه) اسم فعل أمر بمعنى: اكفف عن الشيء.
إذاً: شتان للماضي، وصه للأمر، وأوه للمضارع، ومه للأمر.
стр. 642
كثرة ورود اسم الفعل في الأمر وقلته في الماضي والمضارع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما بمعنى افعل كآمين كثر وغيره كوي وهيهات نزر] قوله: (وما بمعنى افعل) وهو اسم فعل الأمر (كآمين كثر) آمين معناها: استجب، فهي هنا اسم فعل أمر، لكنها بالنسبة لله نقول: اسم فعل دعاء، ولا نقول: أمر؛ لأن الله لا يوجه إليه الأمر، إذ إن الأمر هو طلب الفعل على سبيل الاستعلاء.
وعليه نقول في إعراب آمين: اسم فعل أمر مبني على الفتح، لكنه يسكن إذا وقف عليه.
وقوله: (وغيره) أي: غير الذي بمعنى افعل، وهو يشمل اسم الفعل الماضي واسم الفعل المضارع، (كوي وهيهات نزر) (وي) بمعنى: أعجب، ويقول المؤلف: إنها قليلة، مع أنها وردت في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢].
(وهيهات) بمعنى: بعد، كقوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦].
فهيهات: اسم فعل ماض بمعنى (بعد) مبني على الفتح، وهيهات الثانية توكيد لها، واللام في قوله: ((لِمَا تُوعَدُونَ)) قالوا: إنها زائدة.
و (ما) فاعل مبني على السكون في محل رفع، و (توعدون) صلته، أي: هيهات هيهات الذي توعدونه، وقد جاءت بدون اللام في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خل بالعقيق نواصله الشاهد: أنه عداه إلى الفاعل بدون لام.
إذاً: نأخذ من هذا البيت قاعدة وهي: أن أسماء الأفعال إذا كانت بمعنى الطلب فهي كثيرة، وبمعنى الماضي والمضارع قليلة.
نرجع إلى كلمة (آمين)؛ لأننا نقولها في كل صلاة، ففيها لغة (أمِين)، وهي لغة صحيحة لكنها قليلة جداً.
و (آمِّين) لا يصح؛ لأنه يختلف المعنى، لأن (آمِّين) بمعنى: قاصدين، قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢].
ونسمع بعض الذين يؤمنون يقولون: أمِين، وهي لغة لكنها قليلة، والأفصح بالمد: آمين، ولهذا قال الفقهاء: يحرم تشديد ميمها، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنك إذا شددته صارت بمعنى: قاصدين، فتتكلم بكلام لا يجوز في الصلاة فتبطل صلاتك.
стр. 643
مجيء اسم الفعل من الظرف والجار والمجرور
قوله: (والفعل من أسمائه عليك) الفعل: مبتدأ.
من أسمائه: جار ومجرور خبر مقدم.
وعليك: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ.
أي: من أسماء الأفعال عليك، تقول: عليك زيداً، بمعنى الزم زيداً، ونحن نقول بالعامية: عليك به، أي: الزمه.
عليك: اسم فعل أمر بمعنى: الزم، وبني على الفتح مراعاة للشكل؛ لأن (عليك) شكلها جار ومجرور فتبقى هكذا.
إذاً (عليك): اسم فعل أمر مبني على الفتح، وفيه ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والكاف هذه من بنية الفعل.
زيداً: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
قوله: (وهكذا دونك) دونك أيضاً من أسماء الفعل، و (دونك) أصلها ظرف، وليس أصلها اسم فعل، بل أصلها ظرف وهو دون مضافاً إلى كاف الخطاب، لكنها تستعمل اسم فعل أمر بمعنى: خذ، تقول: دونك الكتاب، أي: خذه، (مع إليك) كذلك إليك أصلها جار ومجرور، إلى: حرف جر، والكاف اسم مجرور، ولكنها تستعمل اسم فعل أمر بمعنى تنحَّ، أي: ابعد عني، نقول: إليك عني فإني عنك مشغول، أي: تنحَّ عني.
وقد ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد -وهو كتاب لـ ابن القيم على اسمه بدائع فوائد، ليس مبوباً، بل كلما طرأ عليه فائدة كتبها في هذا الكتاب، ولكنه كتاب جيد- ذكر بحثاً في حَمِدَ ومَدَحَ وكيف أن العرب فرقت بينهما، وجعلت هذا له معنى وهذا له معنى، مع أن الحروف واحدة وأطال كما هي عادته ﵀، طويل النفس في هذا الأمر أتى بالعجب العجاب -وشيخه هو ابن تيمية - ولكنه كما قال القائل: تألق البرق نجدياً فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول كان مشغولاً بما هو أهم من مباحث النحو ﵀، فقد كان مشغولاً في مناظرة الفلاسفة والمناطقة وأهل الكلام، وغيرهم، كما يعلم من كتاباته ﵀ وجزاه خيراً.
فالحاصل أن قوله: إليك عني أي: تنحَّ عني.
إعراب: دونك الكتاب: دونك: اسم فعل أمر مبني على الفتح، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
الكتاب: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره.
وإليك مثلها.
стр. 644
مجيء اسم الفعل من المصدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذا رويد بله ناصبين ويعملان الخفض مصدرين].
(رويد) تأتي مصدراً، قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧]، وتأتي اسم فعل، تقول: رويد زيداً، أو رويدك زيداً، وفي هذه الحال تكون اسم فعل أمر، وكذلك (بله) ولكنها تستعمل أحياناً مصدراً، وإذا استعملت مصدراً فإنها لا تكون اسم فعل، بل تكون مصدراً مضافاً إلى ما بعده، ولهذا قال: (ويعملان الخفض مصدرين).
قوله: (وما لما تنوب عنه من عمل لها) أي: أن اسم الفعل يعمل عمل الفعل البليغ واسم له، فإن كان لازماً فهو لازم، وإن كان متعدياً فهو متعد، فمثلاً: صه، لازم؛ لأنه بمعنى اسكت، واسكت فعل لازم، فلا يتعدى إلى مفعول.
و (دونك الكتاب) متعد؛ لأنه بمعنى: خذ، فيكون ناصباً لمفعوله.
يقول المؤلف: (وأخر ما لذي فيه العمل) المشار إليه في قوله: (وأخر ما لذي) أسماء الأفعال، أي: أخر ما لأسماء الأفعال فيه العمل، أي: أن مفعولها لا يتقدم عليها، فمثلاً: دونك زيداً، لا يصح أن تقول: زيداً دونك.
وإذا قال قائل: يرد عليكم قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فإن (كتابَ) مقدم على (عليكم)، وعليكم اسم فعل بمعنى: الزموا.
أجاب عنه المانعون فقالوا: (كتابَ) مفعول لفعل محذوف دل عليه (عليكم)، والتقدير: الزموا كتاب الله، ومجيء (عليكم) كتأكيد له.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واحكم بتنكير الذي ينون منها وتعريف سواه بين].
(سواه) أي: سوى ما ينكر، أي: إذا أتيت باسم الفعل منوناً فهو عام، وإن أتيت به غير منون فهو خاص، مثلاً: سألني سائل في أثناء الدرس فقلت له: صهْ، فسأل سؤالاً آخر، فإنه لا يكون مخالفاً؛ لأن (صهْ) تعني اسكت عن هذا الكلام فقط؛ لأنها معرفة، فإن قلت: صهٍ، بالتنوين، فالمعنى: اسكت عن كل شيء، وهذا لا يعرفه إلا صاحب النحو.
إذاً: الفرق بين ما يراد به العموم وما يراد به الخصوص: إن نونت فهو للعموم، وإن لم تنون فهو للخصوص.
واحد مثلاً في الدرس وكان يتلفت، إن فتح الباب التفت، وإن تحرك أحد التفت، وإن أحد حرك المسجل التفت، وإن فتح الكتاب التفت، وقلت له: مهْ، فالمعنى: اكفف عن هذا الفعل المعين الذي فيه تشاغل عن الدرس.
وأما إذا قلت: مهٍ، فالمعنى: اكفف عن كل شيء، أي: لا تحرك شيئاً حتى الكتاب الذي معك، ولهذا يمكن أن يعرف المدرس هل فهم الطالب أم لا بهذه الطريقة، فإذا قال له: صهٍ، ثم سكت عن هذا الكلام وجاء بكلام آخر، فإنه يكون غير ممتثل، أما إذا قلت له: صهْ، ثم أتى بكلام آخر فإنه يكون ممتثلاً.
стр. 645
أسماء الأصوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما به خوطب ما لا يعقل من مشبه اسم الفعل صوتاً يجعل كذا الذي أجدى حكاية كقب والزم بنا النوعين فهو قد وجب] قوله: (وما به خوطب ما لا يعقل).
ما: مبتدأ، خبره: يجعل.
صوتاً: مفعول يجعل الثاني مقدم، أي: الذي خوطب به ما لا يعقل.
و (ما): نائب فاعل خوطب، أي: ما خوطب به الذي لا يعقل يجعل صوتاً من مشبه اسم الفعل.
مثاله: أن تقول للبعير: حي، أي: قم، وإخ، أي: ابرك، وتقول للغنم: اخس، أي: امشي، وتقول للحمار إذا أردت زجره: حر، وإذا أردته يقف: أش ونحو ذلك.
قوله: (كذا الذي أجدى حكاية) أي: أفاد حكاية (كقب) قب يقولون: إنه صوت السيف إذا جعل في الجعبة، وعندنا نسميها: طق، أما إذا وقع الشيء من فوق فنقول: دق.
هذا أيضاً يقول المؤلف: إنه يجعل حكمه حكم اسم الفعل.
قوله: (والزم بنا النوعين فهو قد وجب).
النوعان هما: أسماء الأصوات، وما أجدى حكاية، فكله يلزم بناؤه؛ لأنه ينوب مناب الفعل بدون تأثر بالعوامل، وقد سبق أن من أسباب البناء أن تكون الكلمة نائبة مناب الفعل بدون تأثر بالعوامل.
стр. 646
نونا التوكيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نونا التوكيد للفعل توكيد بنونين هما كنوني اذهبنَّ واقصدنهما].
قوله: (نونا التوكيد).
أي: هذان نونا التوكيد، وقال: (نونا التوكيد) لأنهما اثنتان: ثقيلة وخفيفة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]، ((لَيُسْجَنَنَّ)) هذه شديدة، ((وَلَيَكُونًا)) خفيفة، وقال تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، فقوله: ((لَنَسْفَعًا)) فيه نون توكيد خفيفة.
والتوكيد معناه: التقوية.
قال رحمه الله تعالى: للفعل توكيد بنونين هما كنوني اذهبنَّ واقصدنهما (اذهبنَّ)، هذه نون توكيد مشددة، (واقصدنهما) نون توكيد خفيفة.
إذاً: فنونا التوكيد هما عبارة عن حرفين أو نونين تلحقان آخر الفعل، إحداهما مشددة وتسمى: الثقيلة، والثانية ساكنة وتسمى: الخفيفة.
стр. 647
ما يؤكد بنوني التوكيد من الأفعال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يؤكدان افعل ويفعل آتيا ذا طلب أو شرطاً اما تاليا أو مثبتاً في قسم مستقبلاً وقل بعد ما ولم وبعد لا] قول المؤلف: (للفعل توكيد)، لا يشمل كل فعل، ولهذا قال: (يؤكدان افعل) إشارة لفعل الأمر، (ويفعل) إشارة إلى الفعل المضارع، وعليه فالماضي لا يؤكد بنون التوكيد، إنما يؤكد بقد مثلاً، أما نون التوكيد فلا يؤكد بها، فلا تدخل نون التوكيد إلا على فعلين فقط هما: المضارع والأمر، أما الأمر فأطلق المؤلف وقال: (يؤكدان افعل)، وظاهره بدون شرط ولا قيد، تقول: اضرب واضربن، وقم وقومن، واركب واركبن، وعلى هذا فقس.
إذاً: فعل الأمر يجوز توكيده وعدمه بدون شرط ولا قيد، أما الفعل المضارع فقيده فقال: [ويفعل آتيا ذا طلب أو شرطاً اما تاليا أو مثبتاً في قسم مستقبلا وقل بعد ما ولم وبعد لا وغير إما من طوالب الجزا وآخر المؤكد افتح كابرزا].
إذاً: الأفعال بالنسبة لنون التوكيد تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يمكن أن يؤكد بها، وهو الماضي.
وقسم يجوز أن يؤكد بها مطلقاً، وهو الأمر.
والقسم الثالث -وهو المضارع- فيه تفصيل، وقد قالوا: إنها تجري فيه الأحكام الخمسة: واجب، وقريب من الوجوب، وممتنع، وقليل، وأقل.
قوله: (وآخر المؤكد افتح) آخر: مفعول مقدم.
وافتح: فعل أمر، أي: افتح آخر المؤكد.
ثم قال: (كابرزا) الألف منقلبة عن نون التوكيد والأصل: ابرزن.
ويؤخذ من المثال أنه لا بد أن تتصل نون التوكيد بالفعل لفظاً وتقديراً، مثل قوله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة:٤]، ومثل قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠].
أما إذا لم تتصل النون بالفعل فإنه لا يبنى على الفتح، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وهناك قال: ((لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي))، والفرق أن ((لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي))، باشرت الفعل لفظاً وتقديراً، و ((لَيَقُولُنَّ اللَّهُ))، لم تباشره تقديراً، إذ إن بينها وبين الفعل أشياء محذوفة.
стр. 648
متى يؤكد الفعل المضارع بنوني التوكيد
قوله: (آتيا ذا طلبٍ) أي: إذا جاء المضارع ذا طلب، والمضارع إذا اقترنت به اللام يكون ذا طلب، مثل: لا تضربَن، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف:٢٣]، فهذا طلب، والطلب فيه هو النهي؛ لأن النهي طلب الكف.
وتقول: لتقومن يا زيد، هذا طلب لأنه أمر.
وتقول: هل تقومن يا زيد؟ هذا أيضاً طلب؛ لأنه استفهام، والاستفهام: طلب الإفهام.
إذاً: هذا معنى قوله: (ذا طلب).
قوله: (أو شرطاً اما تاليا) أيضاً: إذا أتى شرطاً تالياً لإما، وإما هذه هي إنْ الشرطية اقترنت بها (ما) الزائدة المؤكدة، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
فقوله: (ترينَّ) فعل مضارع أتى بعد إما الشرطية، وأصل إما الشرطية: إنْ.
الثالث: قوله: (أو مثبتاً في قسم مستقبلاً) أي: أو جاء مثبتاً في قسمٍ مستقبلاً، ونزيد شرطاً رابعاً: غير مفصول عن لامه.
فلابد أن يكون مثبتاً، بعد قسم، مستقبلاً، غير مفصول عن لامه، فإذا تمت هذه الشروط الأربعة أكد المضارع وجوباً، قال الله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة:٤]، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧].
فقوله: (لتبعثن) فعل مضارع مثبت.
وفي قسم، وهو قوله: (وربي) وهو مستقبل وغير مفصول عن لامه.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١٢]، (ليولن) هذه مثبتة، في قسم، مستقبل، غير مفصول عن لامه.
فخرج بقوله: (مثبتاً) إذا كان منفياً؛ لأنه إذا كان في قسم لكنه منفي فإن نون التوكيد لا تدخل عليه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ) [الحشر:١٢]، فلم يقل: (لا ينصرنّهم) بل قال: (لا ينصرونهم) بدون توكيد؛ لأنه منفي، وكذلك قال: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم)، ولم يؤكدها، فلم يقل: لا يخرجنّ.
وخرج بقوله: (مستقبلاً) كما لو قلت: والله لأضربك الآن، فلا يجوز أن تقول: لأضربنَّك؛ لأنه غير مستقبل، وكذلك لا يجوز: والله لأكرمنَّك أمس، وقال بعض النحويين: يجوز أن تقول: والله لأضربنك الآن.
واشترطنا الشرط الرابع وهو: أن يكون غير مفصول من لامه، فإن فصل من لامه فإنه لا تلحقه نون التوكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٨]، فاللام في قوله: (لإلى الله) للتوكيد، لكنه ما قال: (لإلى الله تحشرُنَّ)؛ لأنه فصل من لامه بالجار والمجرور (لإلى الله تحشرون).
أذاً: إذا تمت الشروط الأربعة وجب التوكيد، وإذا انتفى واحد امتنع التوكيد، فلو قال قائل: إن أكرمتني لفي البيت أكرمنك، فهذا خطأ؛ لأنه فصل بين لام التوكيد وبين الفعل.
وإن قلت: إن أكرمتني لا أهيننك، لم يصح؛ لأنه منفي، والنفي لا يمكن أن يجتمع مع نون التوكيد.
ولا بد أن يكون ذا قسم مستقبلاً.
قوله: (وقل بعد ما ولم وبعد لا).
أي: أنه يقل توكيده في هذه المواضع، وهي (بعد ما) والمقصود (ما) الزائدة في غير الشرط، مثاله: إذا قلت: بعين ما أراك، فهو أولى؛ ولكنه يصلح أن تؤكد فتقول: بعين ما أرينك، إلا أنه قليل.
(ولم) مثل: لم يقومن زيد، فإنه يجوز لكنه قليل، والأفصح: لم يقم زيد.
(وبعد لا) مثل: لا يقومن زيد، تريد أن تنفي قيامه، فهذا قليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
وكوننا نقول إنه قليل وهو موجود في القرآن، في النفس منه شيء، لأن القليل معناه أنه ضعيف في اللغة العربية، والصواب: أنه بعد (لا) ليس قليلاً؛ لأنه موجود في القرآن وهو أفصح شيء.
قوله: (وغير إما من طوالب الجزاء).
أي: غير إما من أدوات الشرط؛ لأن طوالب الجزاء هي أدوات الشرط، مثل: إن تقومن أكرمك، فهذا قليل، والأكثر: إن تقم أكرمك.
فتبين بهذا أن الفعل المضارع يؤكد أحياناً، ولا يؤكد أحياناً، فتارة يجب التوكيد بأربعة شروط: أن يقع جواباً لقسم، مثبتاً، مستقبلاً، غير مفصول بينه وبين اللام بفاصل، ويمتنع إذا اختل شرط من ذلك، وإن شئت فقل: يمتنع توكيده في كل حال لا يؤكد فيها أي: لم يوجد فيها سبب يقتضي التوكيد.
ويكون كثيراً بعد إما من طوالب الجزاء، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء:٢٣]، ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال:٥٧]، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم:٢٦]، وهو كثير، ويقل بعد أدوات الشرط غير إما، وبعد ما، ولم، ولا.
стр. 649
أحكام اتصال الفعل المسند إلى الضمائر بنوني التوكيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واشكله قبل مضمر لين بما جانس من تحرك قد علما والمضمر احذفنه إلا الألف وإن يكن في آخر الفعل ألف فاجعله منه رافعاً غير اليا والواو ياء كاسعين سعيا واحذفه من رافع هاتين وفي واو ويا شكل مجانس قفي نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا] إذا كان الفعل معتلاً بالألف، فإما أن يرفع ظاهراً، وإما أن يرفع ضميراً، فإن رفع ظاهراً قلبت الألف ياءً، مثل: يسعى، تقول: ليسعين زيد، فهنا قلبت الألف ياءً لتظهر الفتحة عليها.
وإذا رفع ضميراً غير الواو والياء قلبت الألف ياءً، مثل: لتسعين، فهنا رفع ضميراً مستتراً وجوباً تقديره: أنت، ومثل: ليسعيانِّ، فهنا رفع ضميراً بارزاً وهو ألف الاثنين، وهذا هو معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن يكن في آخر الفعل ألف فاجعله منه رافعاً غير اليا والواو ياء كاسعين سعيا).
فأما إذا كان الفعل المعتل رافعاً للياء أو الواو فإن ألفه تحذف، كما قال المؤلف: (واحذفه من رافع هاتين)، وهما: الواو والياء، فإذا رفع الفعل المعتل بالألف واواً أو ياء وجب حذف الألف، ولهذا قال: (واحذفه) أي: الألف (من رافع هاتين) وهما: الواو، والياء، مثل: لتسعون يا قوم، الآن الفعل رافع للواو، أين ذهبت الألف؟ حذفت ولم تبق، قال الله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦].
فحذفت الألف لأن الفعل رفع واواً.
وكذلك إذا رفع ياءً يحذف الألف، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦]، فهنا ألف الفعل حذفت، والياء الموجودة هي الفاعل.
قوله: (وفي واو ويا شكل مجانس قفى) أي: الواو المرفوعان بالفعل المعتل بالألف يكون فيهما شكل مجانس لهما، والذي يجانس الواو الضمة، والذي يجانس الياء الكسرة.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦]، وقال في الياء: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦].
والخلاصة: أنه إذا كان الفعل معتلاً بالألف، فإن رفع الواو أو الياء حذفت الألف، وشكلت الواو بالضمة، والياء بالكسرة.
وإن رفع غير الواو والياء: فإن الألف تقلب ياء، مثل: ليسعين زيد، أو لتسعيانِّ، فهنا قلبت الألف ياء.
والفعل المعتل بالواو والياء تحذف كما مر.
قال رحمه الله تعالى: (نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا) ذكرنا أن الفعل المعتل بالواو والياء تحذف الواو، وتحذف الياء، فتقول في يرمي: يرمُن، وتقول في ياء المخاطبة: ترمِن؛ وإذا حولناها إلى فعل غير مؤكد سنتبين، تقول: في يرمي مسنداً إلى واو الجماعة بدون توكيد: يرمون، فحذفت الياء، فإذا أكدت حذفت واو الجماعة لأجل التقاء الساكنين، فتقول: هل ترمُن يا قوم؟ وفي التأنيث إذا أسندته إلى ياء المخاطبة تقول: ترمين، لكن في التوكيد تحذف الياء فتقول: ترمِنَّ.
وفي المثال: (تخشون الله) حذفت الألف وبقيت واو الجماعة، وعندما تؤكد هذا الفعل تحذف نون الرفع، ونون التوكيد حرف مشدد -أي: أوله ساكن- وحينئذٍ لا بد أن نحرك الواو بحركة مجانسة، فنقول: لتخشوُن الله، فإذا أسند الفعل المعتل بالألف إلى واو الجماعة فإن الألف تحذف، وإذا أسند إلى ياء المخاطبة فإن الألف تحذف، وإذا أسنده إلى ألف الاثنين فإن الألف تنقلب ياء: تخشيان الله، فإذا أدخلنا نون التوكيد حذفنا نون الرفع وحركنا ما قبل نون التوكيد بحركة مجانسة للواو والياء.
стр. 650
لا تقع النون الخفيفة بعد الألف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولم تقع خفيفة بعد الألف لكن شديدة وكسرها ألف] سبق أن نون التوكيد خفيفة وثقيلة وهي المشددة، فالخفيفة لا تقع بعد الألف أبداً؛ لأنها ساكنة، والألف ساكنة، فلا يمكن أن تجتمعا، فإذا قلت لرجلين تخاطبهما: لتتبعان، فلابد أن تشدد النون، ولا تأت بها خفيفة، ولهذا قال: (لكن شديدة وكسرها ألف) أي: كسر الشديدة مألوف، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩].
ونقول في إعرابها: لا: ناهية.
تتبعان: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والألف: فاعل، والنون للتوكيد، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
ونقول في إعراب (لتتبعانِّ): اللام: جواب القسم.
تتبعان: فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والألف فاعل، والنون للتوكيد، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
إذاً: النون الخفيفة لا تقع بعد الألف لسكونها، فإذا قال قائل: وكذلك النون المشددة أولها ساكن، فلماذا لا نحركها بالكسرة؟ قالوا: لأنه لو حركناها بالكسر لاشتبهت بنون المثنى مثل: تقومانِ، ولاشتبهت بنون الإعراب.
стр. 651
زيادة ألف قبل نون التوكيد إذا أكد الفعل المتصل بنون النسوة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وألفاً زد قبلها مؤكدا فعلاً إلى نون الإناث أسندا] قوله: (زد قبلها) أي: قبل نون التوكيد المشددة.
أي: إذا أكدت الفعل المسند إلى نون النسوة فزد ألفاً ثم ائت بنون التوكيد، مثاله: تقول للنسوة: لا تضربن، فهذه النون هي نون النسوة؛ لأن لا: ناهية.
وتضربن: فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم لاتصاله بنون النسوة، فإذا أردت أن أؤكد هذا الفعل آتي بألف بعد نون النسوة، ثم آتي بنون التوكيد: لا تضربنانِّ.
فقوله: (وألفاً زد قبلها) أي: قبل نون التوكيد الشديدة (مؤكداً فعلاً إلى نون الإناث أسندا) أي: أسند إلى نون الإناث، فنأتي بالفعل مسنداً إلى النون، ثم بعد ذلك بالألف، ثم نون التوكيد، والألف هنا قالوا: نجيء بها للفصل بين نون النسوة ونون التوكيد الشديدة؛ لئلا تجتمع ثلاث نونات في محل واحد، مع أنه هكذا نطق العرب، لكن تعليل النحويين هكذا: لئلا تجتمع ثلاث نونات في مكان واحد.
стр. 652
حذف نون التوكيد الخفيفة إذا وليها ساكن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واحذف خفيفة لساكن ردف وبعد غير فتحة إذا تقف].
إذا جاء بعد نون التوكيد الخفيفة حرف ساكن وجب أن تحذف؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع ساكنان، فلا بد أن تحذف نون التوكيد، مثال ذلك: إذا قلت: اضربَنْ الرجل، فالنون الآن ساكنة؛ لأن نون التوكيد الخفيفة ساكنة، والهمزة في (الرجل) ساكنة، فلا بد أن تحذف النون فتقول: اضربَ الرجل.
اضرب: فعل أمر مبني على الفتح، ولماذا لا نقول: اضربِ الرجل، بالكسرة بل نقول: اضربَ الرجل؟ لأن نون التوكيد الخفيفة ساكنة، وإذا وقع بعدها ساكن فإنها تحذف، فإذا قلت: ادخلَنْ المسجدَ، فهذه نون توكيد خفيفة، وبعدها همزة المسجد ساكنة، فلا تقول: ادخلَنْ المسجد، بل تقول: ادخلَ، وتحذف النون.
فإن كانت النون شديدة (ادخلَنَّ المسجدَ) فتبقى النون، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح:٢٧].
ومنه قول الشاعر: لا تهين الفقير علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه لا: ناهية ونصب الفعل معها.
وعلك: لغة في لعل.
علك أن تركع يوماً، أي: أن تذل وتنزل، والدهر قد رفعه، وهذه حكمة عظيمة، فإن هذا ممكن أن يقع، وهو كثير، يمكن اليوم أن يكون فقيراً يسأل، ثم ما يلبث أن تكون أنت الفقير وجئت تسأله.
الشاهد قوله: (لا تهين الفقير) فإن أصله: (لا تهينن الفقيرَ) قد يقول قائل: أنتم عللتم بأنه التقى ساكنان فلماذا لا تكسرونها وتقولون: لا تهيننِ الفقير، أو ادخلنِ المسجد؟ وفي الحقيقة أن هذا يثقل عليكم، لكنهم يقولون: إن نون التوكيد لا تأتي مكسورة إلا إذا كانت بعد ألف، وهذه ليست بعد ألف، وقد ذكرت أن بعض المسائل النحوية مهما علل النحوي فيها فلا يستطيع أن يتخلص.
فنقول: المرجع في هذا هو السماع.
стр. 653
تحذف النون الخفيفة عند الوقف بعد الضمة والكسرة
قوله: (وبعد غير فتحة إذا تقف) أي: واحذفها أيضاً بعد غير الفتحة إذا وقفت، ومعلوم أن النون يفتح ما قبلها دائماً، أي: يبنى الفعل معها على الفتح، سواء كانت شديدة أو خفيفة، قال تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
لكن إذا كان الذي قبلها غير مفتوح، وذلك إذا كان مضموماً وإذا كان مكسوراً، مثال المضموم: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:١٨٦]، فالذي قبلها مضموم، ومثال المكسور: لتفهمِن يا هند، فالذي قبلها مكسور، وأصبح (لتفهميننَّ) كما سبق، فهنا إذا كان الذي قبلها مضموماً، أو مكسوراً ووقفت عليها فإنها تحذف، فتقول مثلاً: يا هند لتفهمِ، يا قوم لتسمعُ، لكن يقول: [واردد إذا حذفتها في الوقف ما من أجلها في الوصل كان عدما] أي: إذا حذفتها فاردد ما كان محذوفاً لأجلها التوكيد عند الوصل، وعلى هذا فإذا وقفنا نرد الياء، ونرد الواو، ونقول: يا هند لتفهمي، ونقول: يا قوم لتسمعوا.
إذا قال قائل: ما يدرينا أن الفعل مؤكد؟ نقول: لأنه إذا جاءت اللام الواقعة في جواب القسم فإنه يجب تأكيده، فإذا لم نجد النون عرفنا أن هناك حذفاً بالتغيير، وأن النون أصلها موجودة بالتأكيد، كذلك لو لم يكن مؤكداً لوجب أن تأتي نون رفع، ولقلنا: يا هندُ لتفهمين، ويا قوم لتسمعون، فلما لم تأت نون الرفع ووجد ما يقتضي التوكيد -وهي اللام الموطئة للقسم- علمنا أن هناك نون توكيد لكنها حذفت، ولما حذفت وجب أن نرد ما حذف من أجلها في الوصل؛ لأن ما حذف من أجل الوصل حذف لوجودها، فإذا زالت رجعت، ولهذا قال: [وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفاً كما تقول في قفن قفا].
وتقول: في اضربن: اضربا، الضمير يعود على الألف المبدلة عن نون التوكيد الخفيفة، أما الثقيلة فلا، الثقيلة تقول: اضربنَّ، أو اضربنْ، وأما الخفيفة فتقلب ألفاً.
والخلاصة: أن نون التوكيد تتبع الفعل إما وجوباً، وإما جوازاً بقلة، وإما جوازاً بكثرة، على حسب التفصيل السابق، وقد ذكرنا مثالاً ينبني عليه حكم شرعي، فإذا قلت على مذهب أبي حنيفة: والله أصومُ، وجب عليك الكفارة، مع أنك قد صمت؛ لأنه لا يمكن أن تحذف نون التوكيد مع القسم، فيكون المعنى: والله لا أصوم.
فإذا أردنا أن نصحح الكلام على اللغة العربية صار التقدير: والله لا أصومُ، ولكن سبق لنا أن بعض أهل العلم قال: إن هذا وإن كان مقتضى القواعد العربية لكن الأيمان تحمل على العرف، فالإنسان إذا قال: والله غداً أصوم، فيقتضي معنى كلامه: أنه يصوم، ولا يخطر في باله أن المعنى: لا يصوم.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُف﴾ [يوسف:٨٥]، التقدير: والله لا تفتأُ.
стр. 654
شرح ألفية ابن مالك [٦١]
الأسماء تنقسم من حيث الإعراب إلى: أسماء مبنية، وأسماء معربة، وأسماء ممنوعة من الصرف، والممنوع من الصرف لا ينون ولا يجر بالكسرة، وموانع الصرف تسع منها ألف التأنيث وزيادتا فعلان والوصف الذي على أفعل وصيغة منتهى الجموع.
стр. 655
الاسم الذي لا ينصرف
стр. 656
تعريف الصرف والعلل المانعة منه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما لا ينصرف الصرف تنوين أتى مبينا معنى به يكون الاسم أمكنا].
الأسماء ثلاثة أقسام: منها: ما لا يتغير بحسب العوامل، وهذا هو المبني.
ومنها: ما يتغير تغيراً كاملاً، وهذا هو المعرب المنصرف.
ومنها ما يتغير تغيراً ناقصاً، وهذا هو المعرب غير المنصرف.
مثال الأول -وهو المبني- تقول: مررت بمنْ قامَ، ورأيت مَنْ قامَ، وجاء مَنْ قامَ.
والذي يتغير بعض التغير -كما ذكرنا- هو الاسم المعرب غير المنصرف.
والصرف في اللغة: التغيير، تقول: صرفت الشيء، أي: غيرته عن مكانه.
وفي اصطلاح النحويين: هو التنوين الذي أتى ليبين تمكن الاسم من الاسمية، هذا هو الصرف.
فخرج بقوله: (تنوين): ما لا ينون، وخرج بقوله: (أتى مبيناً معنى به يكون الاسم أمكنا) تنوين العوض، فإن تنوين العوض لا يسمى صرفاً؛ لأنه تنوين لعارض، بخلاف التنوين في (زيدٍ) و (عمروٍ)، و (خالدٍ).
قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤] (إذ) منونة؛ لكن هذا التنوين عوض عن جملة محذوفة.
كذلك (جوارٍ وغواشٍ) هو تنوين لكنه ليس تنويناً لبيان تمكن هذين الاسمين من الاسمية، وإنما هو من أجل العوض.
ومثاله كالتنوين في: عليٍ، ومحمدٍ، وبكرٍ، وخالدٍ، وفي سماءٍ، وأرضٍ، وما أشبهها.
ثم إن الاسم الذي لا ينصرف يختص بحكمين: أحدهما: أنه لا ينون أبداً، لا مرفوعاً، ولا منصوباً، ولا مجروراً.
الثاني: أنه يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، إلا أن يضاف أو يحلى بأل، قال ابن مالك فيما سبق: وجر بالفتحة ما لا ينصرف ما لم يضف أو يك بعد أل ردف وما هو الاسم الذي لا ينصرف؟ يقول العلماء: إنه ما كان فيه علتان من علل تسع، أو علة واحدة تقوم مقام علتين، وهذه العلل مجموعة في قول الشاعر: اجْمَعْ وَزِنْ عَادِلاً أنِّثْ بِمعْرِفَةٍ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَة فالْوَصْفُ قَدْ كَمُلا فهذه التسع العلل: الأولى: الجمع.
الثانية: وزن الفعل.
الثالثة: العدل.
الرابعة: التأنيث.
الخامسة: المعرفة.
السادسة: التركيب.
السابعة: الزيادة.
الثامنة: العجمة.
التاسعة: الوصفية.
стр. 657
من موانع الصرف ألف التأنيث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فألف التأنيث مطلقاً منع صرف الذي حواه كيفما وقع] ألف: مبتدأ.
ومنع: الجملة خبر المبتدأ.
(صرف الذي حواه) أي: صرف الذي اتصل به كيفما وقع.
إذاً: ألف التأنيث مانعة من الصرف، سواء كانت ممدودة أو مقصورة؛ لأنه قال: (ألف التأنيث مطلقاً)، وسواء اتصلت باسم أو علم، أو صفة، لقوله: (كيفما وقع)، أي: فهي تشمل المقصورة والممدودة، في علم، أو اسم، أو صفة.
مثال ألف التأنيث الممدودة: صحراء، هذه ألف التأنيث الممدودة لأنها ألف بعدها همز، وصحراء اسم، فليست علماً ولا صفة.
كذلك: خضراء، فيها ألف تأنيث ممدودة، وهي صفة من الخضرة.
أيضاً: أسماء، ألف تأنيث ممدودة، وهي علم.
ومثال ألف التأنيث المقصورة، -وهي الألف التي ليس بعدها همزة: حبلى -أي: حامل- فهذه ألف تأنيث مقصورة وقعت في وصف.
ومثالها في علم: سلمى، وليلى، فهذا علم فيها ألف التأنيث المقصورة فتمنعها من الصرف.
ومنها: أرطى، وهي اسم، ليست وصفاً ولا علماً، ونحو ذلك.
تقول مثلاً: مررت بأسماء: مررت: فعل وفاعل.
بأسماء: الباء حرف جر، وأسماء: اسم مجرور بالباء، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له من الصرف ألف التأنيث الممدودة.
وتقول: مررت بامرأة حبلى؛ مررت: فعل وفاعل.
بامرأة: جار ومجرور.
حبلى: صفة لامرأة مجرورة وعلامة جرها فتحة مقدرة على الألف نيابة عن الكسرة منع من ظهورها التعذر.
стр. 658
الوصفية وزيادة الألف والنون
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وزائدا فعلان في وصف سلم من أن يرى بتاء تأنيث ختم].
قال: قوله: (وزائدا فعلان) الزيادة في (فعلان) هي الألف والنون، وإنما قال: (فعلان)؛ لأن (فَعَلَ) هو الذي توزن به الكلمات، ولهذا يقال: فاء الكلمة، وعين الكلمة، ولام الكلمة.
إذاً: (فعل) فاء الكلمة وعينها ولامها، والزائد الألف والنون، إذاً: الألف والنون مانعان من الصرف، لكن بشرط أن يكونا (في وصف) وشرط ثان: (سلم من أن يرى بتاء تأنيث ختم).
إذاً: يمنع الاسم من الصرف: الصفة وزيادة الألف والنون، بشرط ألا يكون المؤنث من ذلك مختوماً بتاء التأنيث.
مثاله: سكران، عطشان، غضبان، تقول: هذا سكرانُ، ومررت بسكرانَ، ورأيت سكرانَ.
ففي الجر جُرّ بالفتحة، وكذلك لم ينون؛ لأنه ممنوع من الصرف.
ومؤنثة ليس مختوماً بتاء التأنيث، تقول: سكرى، عطشى، غضبى، بخلاف سيفان، فإنه منصرف لأن مؤنثة: سيفانة، أي: طويلة.
стр. 659
الوصفية ووزن الفعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووصف اصلي ووزن أفعلا ممنوع تأنيث بتا كأشهلا].
أي: ومنع من الصرف وصف أصلي ووزن أفعل، فلابد أن يكون وصفاً أصلياً، على وزن أفعل، وبشرط أن يكون مؤنثه ممنوع التأنيث بالتاء.
فذكر المؤلف ثلاثة أوصاف: أن يكون وصفاً أصلياً، وأن يكون على وزن أفعل، وأن يكون مؤنثه خالياً من التاء، فإذا تمت هذه الشروط فإنه يكون ممنوعاً من الصرف.
مثاله: أشهل، ومؤنثه: شهلاء، فنقول: أشهل: وصف أصلي، على وزن أفعل، وليس تأنيثه بالتاء.
مثال آخر: أحمر، أصفر، أخضر، أزرق وما أشبه ذلك، ومثله أفضل؛ لأنه وصف أصلي، ممنوع التأنيث بالتاء، فيكون ممنوعاً من الصرف، مثاله: مررت برجل أفضل من فلان.
فنقول: مررت: فعل وفاعل.
برجل: جار مجرور.
أفضل: صفة لرجل، وصفة المجرور مجرورة، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف الوصفية ووزن الفعل.
стр. 660
الوصفية العارضة
وقوله: (وصف أصلي) خرج به ما إذا كان الوصف عارضاً أي: غير أصلي، فإنه يلغى ولا يعتبر ويرجع إلى الأصل، فإذا وجدنا اسماً على وزن (أفعل) عرضت له وصفية وأصله ليس للوصف، فإنه لا يمنع من الصرف اعتباراً بأصله، ولهذا قال ﵀: [وألغين عارض الوصفية كأربع وعارض الإسمية].
كلمة (أربع) وصف، تقول: مررت بنساء أربع، فهذا وصف لهن، أي: بالغات هذا العدد، لكن لما كان أصل أربع ليس وصفاً؛ لأن أصل (أربع) اسم لهذا العدد الذي بين الثلاث والخمس.
هذا الأصل في أربع، فالوصف فيه عارض تقول: اشتريت أربع شياه، فهنا ليس وصفاً وتقول: مررت بنساء أربع، فصار الآن وصفاً، فالأصل فيه الاسمية، أي: أنه اسم لعدد يكون بين الثلاثة والخمسة، وابن مالك يقول: (ألغين عارض الوصفية) ولا تعتبره، وعليه تكون (أربع) مصروفة؛ لأنها ليست وصفاً أصلياً، فتقول: مررت بنساء أربعٍ، واشتريت شياهاً أربعاً، فلم نصرفها؛ لأن الوصف فيها عارض.
قوله: (وعارض الإسمية) أيضاً ألغ عارض الاسمية واعتبر الوصف الأصلي، وهذا عكس المسألة، يعني: كما أنه لو وجد وصف على وزن أفعل ثم عرضت له الاسمية فإننا نعتبر الأصل ولا نعتبر الاسم، مثاله كما قال: [فالأدهم القيد لكونه وضع في الأصل وصفاً انصرافه منع].
الأدهم: مبتدأ.
وانصراف: مبتدأ ثان.
ومنع: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول أي: فالأدهم انصرافه منع، وكلمة (الأدهم) هي وصف مثل: أخضر وأبيض وأزرق، لكنه وضع اسماً للقيد، وقد سبق لنا في البلاغة قول الحجاج: إنا حاملوك على الأدهم، فقال المهدَّد: مثل الأمير يحمل على الأدهم والكميت والأشقر.
والمراد بالأدهم: القيد، والقيد لونه أبيض فيسمى أدهم، فالأدهم في الأصل وصف، لكنه جعل اسماً للقيد سواء كان أدهم أو غير أدهم.
إذاً: اسميتها عارضة، فيعتبر الأصل، ولهذا قال: (فالأدهم القيد)، القيد هذا بيان للأدهم، أي: فالأدهم الذي هو القيد.
يقول المؤلف: (لكونه وضع في الأصل وصفاً انصرافه منع)، قوله: (لكونه في الأصل وصفاً) متعلق بمنع، أي: فالأدهم القيد انصرافه منع لكونه في الأصل وصفاً.
وخلاصة الأبيات الثلاثة: أنه إذا اجتمع وصف أصلي، على وزن أفعل، ليس مؤنثة مختوماً بالتاء، فإنه لا ينصرف، والعبرة بالأصل، فلو كان أصله اسماً ثم جعل وصفاً فإنه ينصرف، ولو كان في الأصل صفة ثم جعل اسماً فإنه لا ينصرف، فالعبرة بالأصل.
ومثال الذي كان أصله اسماً ثم صار صفة: كلمة (أربع)، ومثال الذي أصله صفة ثم جعل اسماً: (الأدهم)، فإنه في الأصل صفة، ثم جعل اسماً للقيد، فالأدهم ممنوع من الصرف وإن لم يرد به الصفة؛ لأن الأصل أنه للصفة، والأربع مصروفة وإن جعلت صفة اعتباراً بالأصل.
стр. 661
أمثلة لأسماء مصروفة أصلها صفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأجدل وأخيل وأفعى مصروفة وقد ينلن المنعا] أجدل: اسم للصقر، وكلمة أجدل في الأصل صفة، تقول: فلان أجدل من فلان، لكنه جعل اسماً للصقر، فهل تنوسيت الصفة وصار مصروفاً، أم نقول: مادام صفة في الأصل فإنه غير مصروف؟ يقول ابن مالك: إنه مصروف؛ لأن الصفة تنوسيت، فكأنه لم يستعمل صفة في الأصل للقوة ونقل إلى الصقر، ولهذا قال: (مصروفة وقد ينلن المنع)، أي: وقد تمنع.
وعليه نقول: اشتريت من السوق أجدلاً، فهنا صرفنا (أجدلاً) على القول الأول، وعلى القول الثاني: اشتريت أجدلَ من السوق، بعدم الصرف.
ما الفرق بين أجدل وبين الأدهم؟ يقولون: لأن ظهور الصفة في (أدهم) أقوى من ظهورها في (أجدل)؛ لأن أدهم لون مثل: أخضر، وأحمر، لكن أجدل اسم تفضيل، فظهور الصفة في الأول أقوى من ظهورها في الثاني، ولأن الصفة تنوسيت إطلاقاً، فإن الصقر لا يجادل، فكأن الصفة نسيت مطلقاً من هذه الكلمة وجعلت اسماً للصقور.
الثانية: قال: (وأخيل) الأخيل طائر معروف، وكأن هذا الطائر -والله أعلم- جميل الشكل، فكأن عنده خيلاء، أو إذا قام يمشي يتأرجح فهو أخيل، لكنه سمي أخيل، تقول: رأيت أخيلاً، أي: هذا الطائر المسمى بأخيل، أو رأيت أخيلَ؛ لكن (أخيلاً) بالتنوين أكثر؛ لأن ابن مالك يقول: (وقد ينلن) وقد: للتقليل.
قوله: (وأفعى) الأفعى هي الحية، وأفعى على وزن أفعل، وكان يقال: فلان أفعى من فلان، قيل: إن أصلها فلان أفوع من فلان، فنقل حرف العلة إلى الآخر فصارت: أفعى.
إذاً: كلمة أفعى في الأصل اسم تفضيل، ثم صارت اسماً للحية، فيصح أن نجعلها مصروفة، وأن نجعلها غير مصروفة.
لكن إذا قال قائل: إن آخرها ألف فلا يتبين أنها مصروفة أو غير مصروفة؟ فنقول: صحيح أنه عند النطق لا يتبين، لكن عند الإعراب يتبين، فإذا قلت: نظرت إلى أفعى، ونريد أن نعربه على أنه ممنوع من الصرف نقول: إلى: حرف جر.
أفعى: اسم مجرور بإلى، وعلامة جره فتحة مقدرة على آخره نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف.
أما على القول بأنها مصروفة فنقول: أفعى: اسم مجرور بإلى وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
فالنطق لا يظهر بالنسبة لأفعى، لكن الإعراب يظهر فيها على اعتبار أنها مصروفة أو على اعتبار أنها غير مصروفة.
стр. 662
الوصفية والعدل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنع عدل مع وصف معتبر في لفظ مثنى وثلاث وأخر ووزن مثنى وثلاث كهما من واحد لأربع فليعلما] هذه هي العلة الرابعة: قوله: (ومنع عدل مع وصف معتبر).
منع عدل: مبتدأ.
معتبر: خبره، أي: من موانع الصرف: العدل مع الوصف.
والعدل معناه: التغيير، أي: أن تغير الكلمة إلى كلمة أخرى تعدل بها عن بنائها الأصلي، فهذا يكون بالوصف في لفظ مثنى وثلاث وأخر، ولفظ مثنى وثلاث أي: مفعل وفعال، فمثنى وصف بمعنى: اثنين اثنين، فتقول مثلاً: مر بي نساء مثنى، أي: اثنتين اثنتين، وثلاث أي: ثلاثاً ثلاثاً، قال الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] يعني: الأجنحة.
وفي لفظ مثنى وثلاث يقال: مثنى، ويقال: ثلاث، ويقال: مثنى وثناء، ويقال: مربع ورباع، ويقال: مخمس وخماس، ويقال: مسدس وسداس، ومسبع وسباع، ومثمن وثمان، ومتسع وتساع، ومعشر وعشار، هذا هو القياس، لكنه ما كان يصلح إلا في مثنى وثلاث ورباع وأظن تساع وعشار، لكن القياس أنه يجوز فيها كلها.
ومثنى وصف معدول عن الاثنين فهو ممنوع من الصرف، والمانع له من الصرف الوصفية والعدل.
وتقول: مررت بنساء ثُلاث: بنساء: جار ومجرور.
ثلاث: صفة للنساء مجرور، وصفة المجرور مجرورة، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف الوصفية والعدل.
كذلك (أخر) قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ولم يقل: فعدة من أيام أخرٍ، وهي معدولة عن: أخرى.
ولو قيل: فعدة من أيام أخرى لصح، لكنه قال: أخر، فهي معدولة عن أخرى، وقيل: إنها معدولة عن الآخر التي بأل، ولكن هذا لا يستقيم إذا كان الموصوف نكرة، لأنه يلزم أن يوصف بمعرفة، وعلى كل حال هي معدولة، فتقول: ((مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)): من أيام: جار ومجرور.
أخر: صفة لأيام مجرورة وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف الوصفية والعدل.
إذاً: الذي عندنا الآن في الأوصاف ثلاثة أوزان هي: مثنى، وثلاث، وما كان على وزنهما من العدد، وأخر، وكل هذه المانع لها من الصرف الوصفية والعدل.
قال رحمه الله تعالى: (ووزن مثنى وثلاث كهما من واحد لأربع فليعلما) ابن مالك ﵀ جعل المسألة إلى أربع فقال: (ووزن مثنى وثلاث كهما) أي: كوزنهما (من واحد لأربع)، فنقول في واحد: أحاد.
فقوله: (من واحد لأربع فليعلما) معناه: فلا تزد على الأربع، وقال بعضهم: بل نزيد إلى العشرة لأنه لا مانع، وإذا كان للمثنى فلا يعني ذلك أنه لا يصلح إلا له.
стр. 663
صيغة منتهى الجموع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكن لجمع مشبه مفاعلا أو المفاعيل بمنع كافلا].
قوله: (وكن لجمع مشبه مفاعلاً أو المفاعيل) ما قال: في كل جمع على مفاعل، بل قال: مشبه مفاعل أو مفاعيل؛ وذلك لأن مفاعل فيها ميم زائدة، ومفاعيل فيها أيضاً ميم زائدة، وليس بشرط أن يكون فيها ميم زائدة، الشرط أن يكون الجمع على هذا الوزن، أي: على وزن مفاعل أو مفاعيل، بحيث يكون أوله وثانيه متحركين بعدهما ألف، وبعد الألف حرف مكسور سواء كان فيه ياء أو لم يكن فيه ياء، مثل: مساجد كمفاعل، ومصابيح كمفاعيل، ومفاتح كمفاعل، ومفاتيح كمفاعيل، وقوالب كمفاعل؛ لأن وزنها (فواعل)، ودحارج مشبه لمفاعل؛ لأن وزنه فعالل، وصواريخ تشبه مفاعيل، وهي على وزن فواعيل.
وطواغيت على مفاعيل؛ لأن طواغيت وزنها فواعيل، ومثله مواعين على شبه مفاعيل؛ لأن الظاهر أن وزنها فواعيل، ومثلها: مواعيد، ونحو ذلك.
إذاً: كل ما شابه مفاعل أو مفاعيل فإنه ممنوع من الصرف لعلة واحدة كافية، وعلى هذا فلا فرق بين أن يكون اسماً أو صفة، مذكراً أو مؤنثاً، مادام على هذا الوزن فإنه يكون ممنوعاً من الصرف، ويسمون هذا الوزن: صيغة منتهى الجموع.
إذاً: ما كان على هذا الوزن فإنه لا ينصرف، والمانع له من الصرف صيغة منتهى الجموع.
قال رحمه الله تعالى: [وذا اعتلال منه كالجواري رفعاً وجراً أجره كساري].
قوله: (ذا اعتلال) ذا: منصوبة على الاشتغال، ونصبها هنا هو الراجح.
(وذا اعتلال) أي: وأدغم ذا اعتلال، أي: ما كان آخره حرف علة من هذا الوزن أدغم رفعاً وجراً، (أجره كساري) ساري هذه أظنها اسم فاعل معتل بالياء، ففي حال الرفع والجر تحذف الياء وتنون الراء، فتقول: هذا سارٍ، ومررت بسارٍ، وإعرابها: هذا: مبتدأ.
وسارٍ: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتنوين هنا عوض عن الحرف المحذوف.
وتقول: مررت بسارٍ: مررت: فعل وفاعل.
بسارٍ: الباء: حرف جر، سارٍ: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة، والتنوين هنا عوض عن الياء المحذوفة.
وإذا جاءت صيغة منتهى الجموع وهو معتل الآخر، فيقول ابن مالك: إنك تجريه كساري، أي: أنك تحذف حرف العلة وتنونه، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١]، فكلمة (غواش) جمع، وهي صيغة منتهى الجموع، على وزن فواعل، فهي صيغة منتهى الجموع، ففي القرآن الآن حذفت الياء ونون ما قبلها وبقي مقصوراً على ما هو عليه، فنقول في إعرابها: من فوقهم: الجار والمجرور خبر مقدم.
غواش: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والنون عوض عن الياء المحذوفة.
وهذا في حال الرفع، وابن مالك يقول: (رفعاً وجراً)، وكذلك أيضاً في الجر يجرى كساري، بمعنى: أنها تحذف الياء وينون ما قبلها، مثل أن تقول: مررت بجوارٍ يلعبن، فجوار جمع جارية، على وزن فواعل، تقول: مررت: فعل وفاعل.
بجوار: الباء حرف جر، جوارٍ: اسم مجرور بالباء وعلامة جره فتحة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف والمانع له من الصرف صيغة منتهى الجموع.
وعلم من قول ابن مالك: (رفعاً وجراً) أنه في حال النصب لا يجرى كساري، وإنما يبقى حرف العلة منصوباً بدون تنوين، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل:١٥]، فكلمة (رواسي) معتلة بالياء، وبقيت الياء في حال النصب منصوبة.
وخلاصة هذا البيت: أن ما كان مجموعاً على صيغة منتهى الجموع فلا يخلو: إما أن يكون مرفوعاً، أو مجروراً، أو منصوباً، فإن كان مرفوعاً أو مجروراً فإنه يجوز إجراؤه إجراء المعتل بالياء، مثل: ساري، فتقول: هؤلاء جوارٍ، ومررت بجوارٍ، وإن كان منصوباً فإنه تبقى الياء مفتوحة بدون تنوين، فتقول: رأيت جواريَ يلعبن، ولا يصح أن تقول: رأيت جوار، ولا يصح أن تقول: رأيت جوارياً، بل تبقى الياء مفتوحة بدون تنوين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل:١٥].
وقد ذكر المؤلف هذا حتى لا يظن الظان أن هذا الحكم يشمل المعتل، فاستثناه المؤلف.
стр. 664
ما يلحق بصيغة منتهى الجموع
قال ﵀: [ولسراويل بهذا الجمع شبه اقتضى عموم المنع].
وهذا من باب القياس في النحو، فسراويل ليس بجمع، وإنما هو مفرد، تقول: علي سراويل، وليس عليك إلا واحد، فاللغة العربية ألا تقول: سروال، إلا في لغة قليلة جداً لبعض العرب، وإلا اللغة الفصيحة المشهورة أن تقول: سراويل.
وسراويل ليس بجمع، بل هو مفرد، لكن فيه شبه من هذا الجمع، ولهذا قال: (ولسراويل بهذا الجمع شبه) أي: شبه من حيث اللفظ، أما المعنى فلا؛ لأن صيغة منتهى الجموع تدل على تعدد، وسراويل لا تدل على تعدد، لكنه يشبهه في اللفظ.
قوله: (اقتضى) أي: ذلك الشبه، ما الذي اقتضى؟ اقتضى عموم المنع، أي: اقتضى أن نمنع سراويل من الصرف مع أنه ليس بجمع، وهو في الأول يقول: (وكل جمع مشبه مفاعلا) فكأنه ﵀ ذكر إيراداً: إذا كان هذا اللفظ ليس بجمع فهل له حكمه؟ قال: له هذا الحكم؛ لأنه يشبه هذا الجمع من حيث اللفظ، فسراويل على وزن فعاليل، فهو يشبهه لفظاً، فلذلك اقتضى عموم المنع من الصرف.
مع أنهم يقولون: إن هذا اللفظ أعجمي في الأصل، لكنه عرب.
فنقول مثلاً: أتيت بسراويل: أتيت: فعل وفاعل.
والباء: حرف جر.
وسراويل: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه يشبه صيغة منتهى الجموع.
وجمع سراويل: سراويلات، كما قال النبي ﵊: (فليلبس سراويلات).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن به سمي أو بما لحق به فالانصراف منعه يحق].
الضمير في (به) يعود على ما كان مشبهاً لمفاعل أو مفاعيل، قوله: (سمي) أي: جعل علماً.
يعني: هذه الصيغة من الجمع إذا سميت بها إنساناً منعت من الصرف وإن كانت لا تدل إلا على واحد.
مثال ذلك: رجل سميناه مساجد، كلمة (مساجد) الآن تدل على علم مفرد، لكن لما كان مسماه بصيغة منتهى الجموع ثبت لها حكم صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: (فالانصراف منعه يحق)، فهو ممنوع من الصرف، تقول: مررت بمساجدَ فاشتريت منه خبزاً، لو سمع هذا الكلام أحد من العامة سيقول: هذا مجنون، يشتري من المساجد خبزاً! لكن نحن سمينا هذا الرجل مساجد، تقول: مررت: فعل وفاعل.
والباء: حرف جر.
ومساجد: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف إلحاقه بمنتهى الجموع من أجل اللفظ.
وأشار بقوله: (يحق) إلى أن هناك خلافاً؛ لأن بعض النحويين يقول: لا يمنع من الصرف؛ لأنه الآن سلبت دلالته على الجمعية، وصار دالاً على المفرد وينصرف؛ لأنه زال معناه.
كذلك (أو بما لحق به) الذي يلحق بصيغة منتهى الجموع أيضاً إذا سميت به فإنه ممنوع من الصرف، فلو سميت شخصاً بسراويل فهذا ليس بصيغة منتهى الجموع من الأصل بل هو مفرد، ومع ذلك يكون ممنوعاً من الصرف؛ لأنه ملحق بصيغة منتهى الجموع.
وكذلك شراحيل، فشراحيل اسم علم معروف في التابعين وفي الصحابة، وشراحيل أصلاً ليست جمعاً، ومع ذلك تمنع من الصرف؛ لأنها تشبه الجمع.
إذاً: (ما سمي به) أي: بصيغة منتهى الجموع، أو سمي بما ألحق بصيغة منتهى الجموع فإن ابن مالك يقول: (فالانصراف منعه يحق)، الفاء في قوله: (فالانصراف) رابطة لجواب الشرط في قوله: (وإن به سمي) والانصراف: مبتدأ، ومنع: مبتدأ، ويحق: جملة هي خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ وخبره جواب الشرط.
стр. 665
شرح ألفية ابن مالك [٦٢]
ومن موانع الصرف التركيب المزجي، ووزن الفعل والتأنيث بغير الألف والعجمة، وذلك مع العلمية، فإذا اجتمعت واحدة من هذه العلل مع العلمية منعت العلم من الصرف.
стр. 666
تابع موانع الصرف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعلم امنع صرفه مركبا تركيب مزج نحو معد يكربا].
قوله: (والعلمَ امنع صرفه مركباً) يجوز نصب العلمَ، ويجوز رفعه لكنه مرجوح؛ لأن المشغول هنا طلب، وإذا كان المشغول طلباً فالأرجح النصب.
والمعنى: إذا وجدنا علماً مركباً تركيب مزج فإنه يمنع من الصرف، ومعنى (مزج) أي: خلط، كأنك خلطت الكلمتين وجعلتهما كلمة واحدة، فإذا قلت: عبد الله، فإنهما كلمتان متضايفتان؛ لأن (عبد) لها معنى و (الله) لها معنى، لكن إذا أتيت بكلمتين ومزجتهما وجعلتهما دالتين على شيء واحد، فقد خلطت الكلمتين وجعلتهما لشيء واحد، مثل: معد يكرب، أصل (معدي) اسم مفعول، فهي كلمة مستقلة، و (كرب) كلمة مستقلة، فعل ماض، خلطتهما وجعلتهما شيئاً واحداً، فهذا نسميه تركيباً مزجياً، من المزج وهو الخلط.
فإذا وجدنا علماً مركباً تركيباً مزجياً سواء كان علماً لإنسان أو لمكان فإنه ممنوع من الصرف، والمانع له من الصرف العلمية والتركيب المزجي، مثل: معد يكرب، تقول: مررت بمعد يكرب: مررت: فعل وفاعل.
الباء: حرف جر.
معد يكرب: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والتركيب المزجي.
ومثله أيضاً: بعلبك، هذه أيضاً أصلها: بعل، وبك، فخلط الاسمان وجعلا اسماً واحداً، فنقول مثلاً: سكنت في بعلبك: سكنت: فعل وفاعل.
في: حرف جر.
بعلبك: اسم مجرور بفي وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والتركيب المزجي، ومثله: حضرموت.
المهم: أنه إذا ركب تركيباً مزجياً وهو علم فإنه ممنوع من الصرف، وهذه العلة -وهي التركيب المزجي- لا توجد في الصفة، إنما توجد في الأعلام فقط.
стр. 667
العلمية والتركيب المزجي
قال ﵀: [ولسراويل بهذا الجمع شبه اقتضى عموم المنع].
وهذا من باب القياس في النحو، فسراويل ليس بجمع، وإنما هو مفرد، تقول: علي سراويل، وليس عليك إلا واحد، فاللغة العربية ألا تقول: سروال، إلا في لغة قليلة جداً لبعض العرب، وإلا اللغة الفصيحة المشهورة أن تقول: سراويل.
وسراويل ليس بجمع، بل هو مفرد، لكن فيه شبه من هذا الجمع، ولهذا قال: (ولسراويل بهذا الجمع شبه) أي: شبه من حيث اللفظ، أما المعنى فلا؛ لأن صيغة منتهى الجموع تدل على تعدد، وسراويل لا تدل على تعدد، لكنه يشبهه في اللفظ.
قوله: (اقتضى) أي: ذلك الشبه، ما الذي اقتضى؟ اقتضى عموم المنع، أي: اقتضى أن نمنع سراويل من الصرف مع أنه ليس بجمع، وهو في الأول يقول: (وكل جمع مشبه مفاعلا) فكأنه ﵀ ذكر إيراداً: إذا كان هذا اللفظ ليس بجمع فهل له حكمه؟ قال: له هذا الحكم؛ لأنه يشبه هذا الجمع من حيث اللفظ، فسراويل على وزن فعاليل، فهو يشبهه لفظاً، فلذلك اقتضى عموم المنع من الصرف.
مع أنهم يقولون: إن هذا اللفظ أعجمي في الأصل، لكنه عرب.
فنقول مثلاً: أتيت بسراويل: أتيت: فعل وفاعل.
والباء: حرف جر.
وسراويل: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه يشبه صيغة منتهى الجموع.
وجمع سراويل: سراويلات، كما قال النبي ﵊: (فليلبس سراويلات).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن به سمي أو بما لحق به فالانصراف منعه يحق] الضمير في (به) يعود على ما كان مشبهاً لمفاعل أو مفاعيل، قوله: (سمي) أي: جعل علماً.
يعني: هذه الصيغة من الجمع إذا سميت بها إنساناً منعت من الصرف وإن كانت لا تدل إلا على واحد.
مثال ذلك: رجل سميناه مساجد، كلمة (مساجد) الآن تدل على علم مفرد، لكن لما كان مسماه بصيغة منتهى الجموع ثبت لها حكم صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: (فالانصراف منعه يحق)، فهو ممنوع من الصرف، تقول: مررت بمساجدَ فاشتريت منه خبزاً، لو سمع هذا الكلام أحد من العامة سيقول: هذا مجنون، يشتري من المساجد خبزاً! لكن نحن سمينا هذا الرجل مساجد، تقول: مررت: فعل وفاعل.
والباء: حرف جر.
ومساجد: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف إلحاقه بمنتهى الجموع من أجل اللفظ.
وأشار بقوله: (يحق) إلى أن هناك خلافاً؛ لأن بعض النحويين يقول: لا يمنع من الصرف؛ لأنه الآن سلبت دلالته على الجمعية، وصار دالاً على المفرد وينصرف؛ لأنه زال معناه.
كذلك (أو بما لحق به) الذي يلحق بصيغة منتهى الجموع أيضاً إذا سميت به فإنه ممنوع من الصرف، فلو سميت شخصاً بسراويل فهذا ليس بصيغة منتهى الجموع من الأصل بل هو مفرد، ومع ذلك يكون ممنوعاً من الصرف؛ لأنه ملحق بصيغة منتهى الجموع.
وكذلك شراحيل، فشراحيل اسم علم معروف في التابعين وفي الصحابة، وشراحيل أصلاً ليست جمعاً، ومع ذلك تمنع من الصرف؛ لأنها تشبه الجمع.
إذاً: (ما سمي به) أي: بصيغة منتهى الجموع، أو سمي بما ألحق بصيغة منتهى الجموع فإن ابن مالك يقول: (فالانصراف منعه يحق)، الفاء في قوله: (فالانصراف) رابطة لجواب الشرط في قوله: (وإن به سمي) والانصراف: مبتدأ، ومنع: مبتدأ، ويحق: جملة هي خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ وخبره جواب الشرط.
стр. 668
العلمية وزيادة الألف والنون
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذاك حاوي زائدي فعلانا كغطفان وكأصبهانا].
قوله: (كذاك حاوي) أي: كالعلم المركب العلم الحاوي زائدي فعلانا.
والحاوي هو الجامع، و (زائدا فعلانا) هما الألف والنون، ولا يشترط أن يكون على وزن فعلان، المهم أن يوجد علم فيه زيادة الألف والنون، فإنه يكون ممنوعاً من الصرف، فكل علم فيه زيادة الألف والنون فهو ممنوع من الصرف.
وما يدرينا أنها زائدة أو ليست بزائدة؟ مثاله: حسان، النون هنا زائدة أو أصلية؟ لا ندري، فإن كان من الحسن فهي أصلية، وإن كان هي من الحس: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران:١٥٢] فهي زائدة.
إذاً: نقول: إذا كنت لا تدري فانظر إلى السماع، فإن كان مسموعاً بعدم الصرف فهو غير مصروف، وإن كان غير مسموع فإنك بالخيار.
فعلى هذا تكون المسألة: ما علمت زيادة الألف والنون فيه فهو ممنوع من الصرف، هذا بدون تفصيل، وما كان محتملاً للزيادة وعدمها فهنا نرجع للسماع، فإن كان مسموعاً مصروفاً فإنه يصرف والنون تكون أصلية، وإن سمع غير مصروف فإنه لا يصرف والنون تكون زائدة، وإذا لم يسمع فأنت بالخيار: إن رأيت أن النون أصلية صرفت، وإن رأيت أنها غير أصلية لم تصرف.
حسان بن ثابت ﵁ يقولون: إنه ما سمع إلا ممنوعاً من الصرف، وعلى هذا فتكون النون زائدة؛ لأنه قال: (كذاك حاوي زائدي فعلانا) فتكون النون زائدة.
كذلك (عثمان) النون زائدة.
و (عفان) ننظر: فإن كان من العفة فالنون زائدة ويكون ممنوعاً من الصرف، وإن كان من العفونة فالنون أصلية ويكون مصروفاً، لكن المسموع عثمان بن عفان، وعلى هذا فتكون ممنوعة من الصرف، وتكون النون زائدة، ويكون مشتقاً من العفة.
إذاً: قوله: (كذاك حاوي زائدي فعلانا) أي: كذاك العلم الذي اشتمل على زيادة الألف والنون فإنه ممنوع من الصرف، فإذا قال قائل: بماذا نعرف الزيادة؟ قلنا: ننظر إلى تصريف الكلمة، إذا سقطت النون في أحد التصاريف فهي زائدة.
قوله: (كغطفان) غطفان علم على قبيلة (وأصبهان) علم على بلدة، فتبين بهذا أن العلم سواء كان علماً للبلدان أو للإنسان أو أي علم يكون، إذا كان فيه ألف ونون زائدتان فإنه ممنوع من الصرف.
стр. 669
العلمية والتأنيث
قوله: (كذا مؤنث) أي: كذا علم مؤنث، فمؤنث: صفة لموصوف محذوف والتقدير: كذا علم مؤنث.
وقول المؤلف: (بهاء) هذه غريبة على أسماعكم؛ لأن المعروف أن المؤنث يؤنث بالتاء، لكن تاء المؤنث قد يعبر عنها بعض أهل العلم بالهاء، ولكن الأكثر على أنهم يعبرون عنها بالتاء، ولو أن ابن مالك قال: كذا مؤنث بتاء مطلقاًَ، لكان البيت مستقيماً، لكن كأنه يرى الرأي الثاني: أن التاء التي ليست لجمع تسمى هاء.
وقوله: (مطلقاً) الإطلاق هنا يعني أنه على أي شيء كان، سواء كان لمذكر أو لمؤنث، وسواء كان على ثلاثة أحرف أو أقل أو أكثر إذا كانت الهاء هي الثالثة.
إذاً: قوله: (بهاء مطلقاً) أي: على أي صفة كان فهو ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، أي: التأنيث بالتاء، لكن إن كان لمذكر فتأنيثه لفظي، وإن كان لمؤنث فتأنيثه لفظي ومعنوي.
مثال ذلك: نحن نعرف أن من الصحابة من اسمه قتادة، فهذا مؤنث بالتاء، ومن اسمه طلحة وسمرة وأسامة وحمزة، فكل هذه الأسماء ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، ونوع التأنيث فيها لفظي، فلو قال قائل: وعن طلحةٍ ﵁، لكان مخطئاً.
لكن ممكن أن أقول: قطعت طلحةً فأوقدت النار تحت القدر؛ فتصرف لأنها ليست علماً.
كذلك نقول: مررت بامرأةٍ قائمةٍ، امرأة وقائمة مصروفتان وفيهما التاء؛ وذلك لأنهما ليستا علمين.
إذاً: قوله: (كذا مؤنث) يجب أن نقول: إن هناك شيئاً محذوفاً وهو (علم) فنقول: كذا علم مؤنث بهاء مطلقاً؛ لأجل أن يخرج الوصف والاسم الجامد، فامرأة: اسم جامد، وقائمة: وصف، وهذا غير ممنوع من الصرف.
لو جاءتني بنت وسميتها امرأة، فإنها تكون ممنوعة من الصرف؛ لأجل العلمية والتأنيث، ولهذا فعائشة إن كانت وصفاً فهي مصروفة، وإن كانت علماً فهي غير مصروفة، تقول: مررت بعجوز عائشةٍ مائة سنة، فهي هنا مصروفة؛ لأنها وصف، وتقول: مررت بامرأة فاطمةٍ ولدها، كذلك مصروفة لأنها ليست علماً.
إذاً: كل علم مختوم بتاء التأنيث فهو ممنوع من الصرف، سواء كان هذا العلم لمذكر أو لمؤنث، وسواء كان على ثلاثة أحرف أو أكثر.
ثم قال: (وشرط منع العار كونه ارتقى فوق الثلاث) قوله: (العار) أي: العاري من التاء، يعني: الخالي منها، فإذا كان العلم مؤنثاً بغير التاء، وهو ما يسمى بالتأنيث المعنوي، فإنه ممنوع من الصرف بشرط: (كونه ارتقى فوق الثلاث) أي: زاد على ثلاثة أحرف.
مثاله: زينب، ممنوع من الصرف؛ لأنه أربعة أحرف، كذلك: سعاد ممنوع من الصرف؛ لأنها مكونة من أربعة أحرف.
إذاً: كل علم مؤنث زائد على ثلاثة أحرف فهو ممنوع من الصرف.
فإن كان ثلاثة أحرف يقول: (أو كجور او سقر أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر) فإذا كان الثلاثي كجور فهو ممنوع من الصرف؛ لأجل العلمية والعجمة، فتقول مثلاً: دخلت جورَ، ومشيت إلى جورَ، وهذه جورُ، ولا تصرف لأنها أعجمية.
كذلك (سقر)، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢]، ممنوع من الصرف؛ وذلك لتحرك الوسط؛ وفيه أيضاً فيه العلمية والتأنيث، فلتحرك وسطه صار ثقيلاً ممنوعاً من الصرف.
قوله: (وزيد اسم امرأة) (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال)، امرأة سماها أبوها (زيد)، زيد بنت عمرو، فزيد اسم ذكر، لكن مع ذلك إذا سمي به أنثى فإنه يكون ممنوعاً من الصرف؛ لأن اسم الذكر على المرأة ثقيل معنى، فلأجل الثقل قالوا: يكون ممنوعاً من الصرف.
إذاً: الثلاثي من المؤنث مصروف إلا في ثلاث مسائل: متحرك الوسط، وما كان أعجمياً، وما كان مذكراً سمي به مؤنث.
стр. 670
حكم المؤنث الثلاثي الساكن الوسط إذا عدم العجمية والتذكير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجهان في العادم تذكيراً سبق وعجمة كهند والمنع أحق].
أي: للعلماء وجهان في المؤنث الثلاثي الساكن الوسط إذا عدم العجمة والتذكير: الصرف وعدمه.
مثل: هند، كلمة هند عربية، وهي ثلاثة أحرف ساكنة الوسط، وهي اسم لمؤنث، فهند يجوز فيها وجهان: الصرف وعدمه، فتقول: مررت بهندَ، ومررت بهندٍ، ونقول: هذه هندٌ، وهذه هندُ، وتقول: رأيت هنداً، ورأيت هندَ، كل ذلك جائز، ولكن ابن مالك يقول: (والمنع أحق) أي: المنع من الصرف أحق.
وخلاصة هذين البيتين: يمنع من الصرف كل علم مختوم بتاء التأنيث مطلقاً بدون شرط.
ويمنع من الصرف كل علم مؤنث زاد على ثلاثة أحرف، أو كان أعجمياً، أو كان محرك الوسط، أو كان اسماً لذكر سمي به أنثى.
إما إذا كان ثلاثياً ساكن الوسط ولم يسم به ذكر فيقول ابن مالك: إن فيه وجهين، والمنع أحق.
следующие страницы →