Полный текст (337 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الحث على التبكير قبل صعود الإمام المنبر
ومن الأحاديث حديث ورد فيه أنه على كل باب من أبواب المساجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الداخلين إلى المسجد الأول فالأول إلى أن يأتي الإمام، فكأن الإمام آخر من يأتي إلى الجمعة، فإذا صعد الإمام على المنبر طويت الصحف، فلا يكتب في هذه الصحف أسماء أحد ممن يأتون متأخرين بعدما خرج الإمام على الناس.
وفي حديث لـ أبي أمامة عند أحمد والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ : (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم الصحف يكتبون الناس) أي: يكتبون أسماء الناس في صحف تكريم وتشريف لهؤلاء الحاضرين إلى الجمعة، قال: (فإذا خرج الإمام طويت الصحف).
فقال الراوي عن أبي أمامة: قلت: يا أبا أمامة: أليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعة؟ قال: بلى -أي: له جمعه- ولكن ليس ممن يكتب في الصحف، أي: لا يكتب من ضمن الناس المتقدمين إلى صلاة الجمعة، وسيأتي في حديث عن النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة في دخولهم الجنة وفي قعودهم للنظر إلى وجه الله سيكون ترتيبهم على حضورهم إلى الجمعة، فالمتقدم للجمعة هو من ينظر إلى وجه الله قبل غيره.
ويوم الجمعة اسمه يوم المزيد في يوم القيامة، فعلى ذلك فإن المسلم حين يعرف هذا الثواب يحافظ على الحضور في الجمعة مبكراً قدر استطاعته.
стр. 107
من آداب يوم الجمعة
جاء من حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال النبي ﷺ : (اجلس فقد آذيت وآنيت).
فمن الأدب لصلاة الجمعة أن الإنسان يأتي مبكراً، فإذا ارتقى الخطيب على المنبر فلا ينبغي لأحد أنه يخترق الصفوف ويتخطى رقاب الناس.
فالنبي ﷺ بدأ يخطب وهذا الرجل جاء متأخراً وقام يخترق الصفوف؛ يريد أن يكون في الصفوف الأولى، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قطع الخطبة وقال: (اجلس)، فأمره أن يجلس، وفي قوله هذا زجر وتأديب له ولغيره من الناس، وأنه لا ينبغي هذا الفعل طالما الإمام على المنبر وبدأت الموعظة، فلا ينبغي لأحد أن يشوش على الناس.
ومن التشويش كذلك ما يفعله الأطفال الصغار الذين يسعون بين الناس ذهاباً وإياباً، فلابد من تعليم هؤلاء الأدب في ذلك، فالنبي ﷺ قطع الخطبة، وقال له: (اجلس)، وأدبه بقوله: (فقد آذيت وآنيت)، فالأذى يضايق الناس، والشيء الثاني: آنيت، أي: جئت متأخراً عن الصلاة، فهذا خطؤك أنت، فأنت الذي جئت متأخراً عن الصلاة فعليك أن تجلس حيث انتهى بك المجلس.
ومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ : (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، فعليه أن يشير إليه فقط، ولا يتلفظ ويقول له: اسكت، فإذا لغا ضاعت عليه صلاة الجمعة.
وفي حديث لـ أبي ذر ﵁ يقول: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريباً من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة، قال: فقلت لـ أبي: متى نزلت هذه السورة؟) وأبو ذر هو أصدق الخلق لهجة بشهادة النبي ﷺ له.
فأبو ذر يسأل أبي بن كعب، وأبي بن كعب كان من حفاظ القرآن رضي الله ﵎ عنه، وأبي كان يسمع الخطبة وأبو ذر يسأله: متى نزلت سورة براءة؟ ومعنى هذا الكلام أن هذا حدث في أواخر حياة النبي ﷺ .
فلما قال ذلك قال: (فتجهمني ولم يكلمني) أي: نظر إليه ولم يرد عليه، قال: (ثم مكثت ساعة ثم سألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته، فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلى النبي ﷺ ، قلت لـ أبي: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ فقال أبي: مالك من صلاتك إلا ما لغوت) فسماه لغواً مع أنه سؤال في طلب العلم، ولكن في الخطبة لا ينبغي هذا.
قال: (فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله! كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة، فسألته: متى نزلت هذه السورة فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، فقال النبي ﷺ : صدق أبي، صدق أبي) يعني: صلاة الجمعة تكتب لك ظهراً فضاعت الجمعة.
وفي حديث آخر نفس الأمر يحدث لـ عبد الله بن مسعود مع أبي بن كعب ﵁، فقد دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فجلس إلى جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي ﵁، وظن ابن مسعود أنها موجبة، وابن مسعود من فقهاء الصحابة الكبار، فلما انتهى النبي ﷺ من صلاته، قال ابن مسعود: يا أبي! ما منعك أن ترد عليّ؟ قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة، فقال: بم؟ قال: تكلمت والنبي ﷺ يخطب، فقام ابن مسعود ودخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال ﷺ : (صدق أبي صدق أبي، أطع أبي) رضي الله ﵎ عنه، فحدثت هذه الحادثة مرتين مرة مع أبي ذر، ومرة مع عبد الله بن مسعود، وفي كل منهما بان الحكم الشرعي: أنه لا يجوز الكلام أثناء خطبة الخطيب، وإنما الذي يجوز أن تشير فقط، ولا يجوز لك أن تتكلم، بل والإشارة إذا كانت لغير هدف فإنها لغو، كإنسان يلعب بالحصى، فجمعته لاغية، فالنبي ﷺ ذكر لنا من ضمن اللغو مس الحصى فقال: (من مس الحصى فقد لغا).
ومن الأحاديث: حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (كفى لغواً أن تقول لصاحبك: أنصت إذا خرج الإمام في الجمعة)، فإذا لغا في الجمعة ضاعت عليه جمعته وصارت له كصلاة الظهر.
стр. 108
التحذير من ترك صلاة الجمعة
ورد حديث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم أحرق على رجالٍ يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)، جاء في رواية (الجمعة) وجاء في رواية: (الجماعة)، وهذا صحيح فتارك الجمعة وتارك الجماعة يستحقان ذلك.
وحديث آخر من حديث الجعد الضمري عن النبي ﷺ : (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه).
وحديث لـ أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ترك ثلاث جمعات بغير عذر كتب من المنافقين).
وجاء حديث آخر لـ محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال: سمعت عمر ولم أر رجلاً منا به شبيهاً، قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق)، فكم هم الناس المنافقون الذين يسمعون النداء ويتغافلون عنه؟!
стр. 109
سنن يوم الجمعة
من سنن يوم الجمعة -كما سبق-: التبكير لصلاة الجمعة.
ومنها أيضاً: الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، فإن الصلاة تبلغه، وخصوصاً في مثل هذا اليوم، فالملائكة تبلغ النبي ﷺ ذلك.
من سننها أيضاً: ما جاء في سنن النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)، فالله يجعل له نوراً عظيماً ما بين الجمعة والتي قبلها، هذا إذا قرأ سورة الكهف، وإذا واظب على قراءتها في كل يوم جمعة كان له هذه الفضيلة، ويكون له في كل الأيام كما في هذا الحديث.
قال ﷺ في الحديث: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وما بين البيت العتيق) يعني: يعطى نوراً عظيماً، فتخيل أن لك نوراً يوم القيامة حجمه ما بينك وبين البيت العتيق، فيا ترى هذا النور أليس كافياً أن يضيء لك طريقك وسبيلك يوم القيامة؟!! نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 110
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها
من فرائض الله على عباده: الزكاة، فهي أحد أركان الإسلام، وهي من ضمن الخمس التي تدخل صاحبها الجنة مع اقترانها بالإيمان، وإخراج الزكاة يكون عن طيب نفس، ولا يخرج المسلم الزكاة إلا من أوسط ماله، فيجتنب الرديء، ولا يتكلف الغالي من ماله.
стр. 111
الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، رواه البخاري ومسلم.
وروى الطبراني في الكبير بإسناد جيد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصوم رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه).
وروى أحمد والترمذي من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)].
هذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في كتاب الصدقات في باب الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها، ولا شك في هذه الأيام أننا نتذكر الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في ذلك، فمن كانت عليه زكاة مال فليخرجها، ومن كان عليه في هذه الأيام زكاة الفطر، فليخرجها قبل العيد بيوم أو يومين أو قبل صلاة العيد، وليعرف ما الواجب عليه.
والزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي الركن الثالث بعد شهادة أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله، وبعد إقام الصلاة.
وقد فرضها الله في كتابه، وجاءت عن النبي ﷺ الأحاديث التي تفيد ذلك، منها: حديث: (بني الإسلام على خمس)، وهو حديثٌ معروف.
وحديث أبي الدرداء: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن) فالصلوات الخمس لعظم شأنها يفصل النبي ﷺ فيها، فكان من الممكن أن يذكر من حافظ على الصلوات الخمس فقط، ولكن تأكيداً لأهمية المحافظة، فقد يظن إنسان أن المحافظة تعني: على الوقت فقط، فيكون بذلك حافظ على الصلاة، ثم يصلي الصلاة فيسرع فيها، وينقرها كنقر الغراب مثلاً، ويظن أنه قد أتى بما هو واجب عليه، فأكد النبي ﷺ وفصل حتى يعرف المسلم أن الصلاة لابد أن يؤديها بحقها كما أمر الله .
فيحسن صلاته، وهيئتها وقيامها وقعودها، وركوعها وسجودها، ويحسن وضوءها، فقال النبي ﷺ مفصلاً: (من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن) فأصلها تأصيلاً، ثم قال: (وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبةً بها نفسه) فهذه أركان الإسلام، وبدأ بالإيمان بالله سبحانه في الحديث الآخر، فذكر: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وذكر الصلاة، وذكر الصوم وذكر الزكاة، وذكر حج البيت من استطاع إليه سبيلاً.
وفي حديث معاذ كذلك ذكره ﷺ .
стр. 112
فرض الله الزكاة تطهيراً للمال وإذهاباً لشره
جاء في حديث آخر لـ جابر بن عبد الله ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال ﷺ : من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره) فكأن المال فيه خير وفيه شر، وبأدائك لزكاة المال تطهر هذا المال فتذهب عنك شره.
وفي رواية: (إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره).
وقد فرض النبي ﷺ زكاة الفطر بأمر ربه سبحانه طهرة للصائم من الرفث واللغو، وزكاة الفطر تطهير بدني للإنسان، فالإنسان قد يلغو بلسانه، وقد يلهو، وقد يقع في الرفث وفي الفاحش من القول من حيث يدري أو من حيث لا يدري، ففيه زكاة الفطر، فهي تطهر بدن هذا الإنسان مما عساه وقع فيه في شهر رمضان من لغو ورفث.
стр. 113
عدم جواز خصم الدين من الزكاة
وزكاة المال تطهر مال الإنسان مما فيه من الشر.
ومن الأحاديث حديث لـ سمرة عند الطبراني يقول: قال رسول الله ﷺ : (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم).
(أقيموا الصلاة) تقيمها صلاة مستقيمة كما أمر الله وفرض.
(وآتوا الزكاة) والزكاة: إعطاء، ولا يصلح الخصم في الزكاة، وهذا السؤال يتكرر كثيراً من الناس، حيث يقول السائل: أنا لي دين عند إنسان وهذا الإنسان فقير، فهل أتصدق عليه بهذا الدين؟ نقول له: تصدق بالدين.
ولا يجوز أن تخصم ما تصدقت به من الزكاة؛ لأن الزكاة إيتاء وليست خصماً، فإنك لن تفيد إذا خصمت الدين من الزكاة لا أنت ولا هو، فإنك لم تطعمه وتسقيه، فأنت تعطيه الزكاة لتسد خلته وحاجته، وخصمك للدَّين وجعل هذا الخصم من الزكاة ليس فيه إطعام ولا سقي، فأنت لم تفد شيئاً عن طريق هذا الخصم، والله قال: إيتاء: (وآتوا الزكاة) فالزكاة إعطاء، ولا يصلح في الزكاة الخصم، فأنت تعطي الإنسان الزكاة حتى ولو كان هذا الإنسان لك دين عليه، فيجوز لك أن تعطيه من زكاة مالك، لكن لا تخصم شيئاً، والدين الذي عليه سيؤديه إليك يوماً من الأيام إن شاء الله .
وإذا أحببت أن تلغي هذا الدين تصدقت عليه بإبرائه، ولكن لا تخصم ذلك من الزكاة، ولا يحسب ذلك من الزكاة، وإنما أنت تتصدق عليه صدقة مطلقة فتلغي هذا الدين ويكون لك أجر عظيم، ولو صبرت على الإنسان الذي استلف منك مالاً وأعطيته موعداً لسداده، فكأنك تصدقت بنصف هذا المال، فإذا جاء الأجل ولم يقدر هذا الإنسان على دفع ما عليه من الدين فأنظرته فقد تصدقت على هذا الإنسان، فكيف بك لو تنازلت عن هذا الدين وسامحته؟!
стр. 114
الحث على السير على الطريق المستقيم
قال: (وحجوا واعتمروا واستقيموا) فالإنسان المؤمن يستقيم في طريقه ولا يعوج يميناً ولا شمالاً عن طريق الله ، والله قال للنبي ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] أي: استقم على ما أمرك الله به، وامش على الصراط المستقيم، وما أخصر الطريق إلى جنة الله من الطريق المستقيم، بل إن أخصر الطرق في الدنيا الطريق المستقيم، فإذا ذهبت شمالاً أو يميناً جعلت الطريق طويلاً، ولكن الطريق المستقيم يؤدي بك إلى الغاية سريعاً، فغاية المؤمن في الدنيا هي الجنة، وأخصر طريق للجنة ألا تعوج شمالاً ولا يميناً، ولا تأتي المعاصي أو الشبهات والشهوات، ولكن كن في طريق الله على الصراط المستقيم، وإن استقمت وعلم الله في قلبك ذلك أعانك، فالله يوجهك ويدفعك إلى طريق الجنات، ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه: ما رواه البزار عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله ﷺ فقال: إني شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله ﷺ ، وصليت الصلوات الخمس وصمت رمضان وقمته، وآتيت الزكاة، فقال رسول الله ﷺ : (من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء)، وهذه بشارة عظيمة جداً من رسول الله ﷺ على الأعمال اليسيرة التي تعملونها في هذا الشهر وفي غيره.
فقوله: (من مات على هذا) ليس المعنى: أنك تصوم رمضان وتقومه، فإذا ذهب رمضان انقطع هذا العمل الذي كنت تعمله، فقال: (من مات على هذا) يعني: واظب على هذا، وهي أعمال سهلة وبسيطة: شهادة أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإقامة الصلاة والمحافظة عليها كما أمر الله حيث ينادى بهن، فصيام رمضان وقيامه، وإيتاء الزكاة، فمن فعل ذلك، (ومات على ذلك فهو من الصديقين والشهداء)، وهم أعلى أهل الجنة درجات، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] يعني: إذا أردت مرافقة هؤلاء فالعمل بسيط وسهل فيها، ولكن واظب على هذا العمل، فتأتي بكلمة التوحيد بحقها لا إله إلا الله، وشروط هذه الكلمة: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، وتؤمن بأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتواظب على الصلاة حيث ينادى بها وتستقيم فيها، وتصوم رمضان وتقومه، فإن مت على ذلك كنت مع الصديقين والشهداء، قال النبي ﷺ : (من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء).
стр. 115
التوسط في إخراج المال في الزكاة
روى أبو داود من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان) أي: ذاق طعم الإيمان في قلبه، قال: (من عبد الله وحده، وعلم أن لا إله إلا الله) وهذا كقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: العلم المنافي للشك، قال: (من عبد الله وعلم أن لا إله الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه) فيعطي زكاة ماله ولكن شرط ذلك: أن يعطي زكاة المال طيبة بها نفسه، فتراه مسروراً بأنه يدفع زكاة المال؛ لأن الله وعده الأجر العظيم.
والرفد معناه: الإعانة، أي: يعطي ويعين بها في كل عام، وأيضاً: نفسه تعينه على ذلك، قال: (ولم يعط الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة) والهرمة: العجوزة إذا كانت في زكاة بهيمة الأنعام، والدرنة التي فيها درن، والشرط اللئيم: الرذيلة من المال كالمسنة والعجفاء أو التي فيها داء.
قال: (ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره) يعني: في زكاة المال لم يطلب منكم أغلى شيء في أموالكم ولا أدنى الأشياء، ولكن تدفع في زكاة مالك أو الصدقة الوسط، وهو الشيء الذي تحبه لنفسك، فتعطيه للفقراء فهذه بعض الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في زكاة المال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 116
شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي
إن منع الزكاة من الذنوب التي يعاقب عليها صاحبها في الموقف يوم القيامة، يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار، فعلى المسلم أن يؤدي فرائض الله تعالى إذا أراد أن ينجو من عذاب الله.
стр. 117
الترهيب من منع الزكاة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
قيل يا رسول الله! فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها -ومن حقها حلبها يوم وِرْدها- إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولها رد عليه آخرها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) وذكر الحديث.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع حتى يطوق به عنقه، ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه في كتاب الله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠]) آية].
لقد وردت الأحاديث عن النبي ﷺ في الأمر بإعطاء الزكاة، والقرآن ذكر لنا كيف تقسم هذه الزكاة على أهلها.
وفي هذه الأحاديث الوعيد الشديد لمن منع زكاة ماله، والمال قد يكون من الذهب أو الفضة، والنقدان يقومان مقام ذلك، وقد يكون من بهيمة الأنعام: من الإبل أو من البقر أو من الغنم.
وقد يكون المال حَبّ وثمار، وقد يكون المال من عروض التجارة، وهكذا.
فما من مال للإنسان يدخل تحت ما جاء عن النبي ﷺ في الزكاة إلا ويلزمه أن يخرج زكاته؛ فإذا امتنع صاحب الإبل، أو صاحب البقر، أو صاحب الذهب، أو صاحب الفضة، أو صاحب التجارة من إخراج زكاة ماله فجزاؤه يوم القيامة ما نسمع في هذا الحديث، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وبعد ذلك يرى سبيله، يعني: قبل أن ينصرف سيعذب في الموقف العظيم بين يدي الله على منعه زكاة ماله.
стр. 118
التحذير من منع زكاة الذهب والفضة
يقول النبي ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار) يعني: الذهب والفضة التي كانت معه يحولها الله فيجعلها صفايح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره.
قال: (كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة) أي: كلما بردت الصفايح يحمى عليها في نار جهنم مرة أخرى، ويكوى بها جنبه وجبينه وظهره في ذلك اليوم الطويل الذي مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فإذا قضي بين العباد نظر طريقه إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار.
وبهيمة الأنعام ثلاثة: الإبل والبقر والغنم، والغنم يدخل تحتها المعز، والذكور والإناث في ذلك سواء.
стр. 119
التحذير من منع زكاة الإبل
قال: (ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها) إذا كان عنده خمس من سائمة الإبل فيلزمه أن يخرج عليها شاة، وإذا كان عنده عشرة من الإبل فيخرج شاتين، وإذا كان عنده خمسة عشر فيخرج ثلاث شياه، وفي عشرين يخرج أربع شياه، وفي خمسة وعشرين إلى خمس وثلاثين يخرج بنت مخاص، وفي ست وثلاثين إلى خمس وأربعين يخرج بنت لبون، وهكذا.
فهذه أقسام قسمها الشارع الحكيم، فإذا بخل في إخراج عذبه الله تعالى بهذه الإبل؛ لأنه امتنع عن أداء حقها، وحقها الزكاة، وأيضاً حلبها يوم وردها، فأنت تأخذ الإبل وتسقيها من الماء الذي أنزله الله سبحانه، وكذلك احلب الإبل وأعط للفقراء شيئاً من ذلك.
قال: (ومن حقها حلبها يوم وردها) وإذا لم يفعل وكان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أي: أملس ناعم، والقاع هو الأرض العظيمة الفسيحة المستوية، قال ﷺ : (أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
ستأتي هذه الإبل أوفر ما كانت وحتى لو كانت هزيلة في الدنيا فستأتي يوم القيامة أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها، أي: تدوس عليه في هذا اليوم، وتعضه بأنيابها، وليس مرورها مرة واحدة بل كلما مرت عليه عادت تمر عليه مرة ثانية وهكذا.
ولن يموت فيستريح، بل سيظل يعذب خمسين ألف سنة حتى يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
стр. 120
التحذير من منع زكاة البقر والغنم
قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إذا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء) والبطاح هي الرمال والتراب الذي على الأرض، فيبطح هذا الإنسان على الأرض وتمر عليه لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء، والعقصاء: هي ذات القرون الملتوية، فتكون قرونها يوم القيامة مستوية مستقيمة حتى يكون أذاها عليه شديداً.
قال: (ولا جلحاء) والأجلح من الغنم: ما ليس له قرن، (ولا عضباء) والأعضب: مكسور القرن، فتكون قرونها سليمة يوم القيامة حتى تؤذيه.
قال: (تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
فالإنسان الذي يبخل بالزكاة من أجل أن يجمعها ويستمتع بها عشر سنين عشرين سنة، وأيضاً هو يجمعها وهو خائف عليها أن يحصل له أمر فيخرجها بسببه.
فهذا الذي ادخر المال وجمعه ولم يخرج زكاته، ويخاف أن يصاب بمرض في الدنيا فينتهي عليه ماله، هذا يعذبه الله يوم القيامة خمسين ألف سنة بنفس المال الذي لم يخرج زكاته لله .
стр. 121
أقسام الناس في الخيل
قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: (الخيل لثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر) فأصحاب الخيول ثلاثة أصناف.
(فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياءً وفخراً ونواءً لأهل الإسلام، فهي له وزر)، فالإنسان الذي يربط خيله من أجل أن يفتخر بها ومن أجل أن يتعالى ويستكبر على الناس ويكيد لأهل الإسلام، تكون خيله عليه وزر.
(وأما التي هي له ستر -أي: يستره الله بها- فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر) يعني: أنه ربطها وجهزها فإن احتاجها في سبيل الله، أو احتاجها رجل مسلم لبعض حاجته أعطاه فلم ينس حق الله في ظهورها ولا في رقابها، إذ هو يطعمها ويعلفها ولا ينسى حق الله وهو أن يعين بها من يحتاج لذلك.
والخيل ليس فيها زكاة، وبهيمة الأنعام فيها زكاة من جنسها، وأما الخيل فلا زكاة فيها من جنسها إلا أن تكون للتجارة، فسواء كانت خيولاً وحميراً أو أي نوع من أنواع عروض التجارة فإن عليه زكاة عروض التجارة، فتقوَّم عليه ثم يخرج ربع العشر فيها إذا كان يتاجر فيها، وأما إذا لم يكن يتاجر بها وإنما رباها عنده فليس فيها زكاة، ولكن الذي عليه هو ما ذكر في هذا الحديث وهو أن يعرف الحق الذي فيها،.
(وأما التي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة) أي: جهزها للجهاد في سبيل الله للمجاهدين، قال: (فما أكلت من ذلك المرج أو الروض أو من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات).
والجهاد في سبيل الله أجره عظيم، والإنسان الذي يجهز الخيل للجهاد في سبيل الله له أجر عظيم، لكن الآن قليل من البلدان التي يكون فيها مثل ذلك، ولكن في الماضي كانوا يحتاجون إلى ذلك، فكان الذي يجهز هذا له هذا الأجر العظيم.
فالإنسان الذي جهز خيله للجهاد في سبيل الله كونها تأكل الأكل في المرج أو الروضة التي هي فيها يكون لصاحبها حسنات، قال: (إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات) حتى الروث والبول من الخيل يكون له حسنات.
(ولا تقطع طولها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب له عدد آثارها وأرواثها حسنات)، والطول: الحبل الذي يربط فيه الخيل أو بهيمة الأنعام في قدمها حتى لا تذهب من المكان التي هي فيه، فإذا قطعت الحبل وذهبت هنا أو هناك في جهاد أو غيره، فإن عدد الخطوات التي خطتها تكتب لصاحبها حسنات.
قال ﷺ : (ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات)، فصاحب الخيل الذي جهزها في سبيل الله إذا مر بها على نهر وهو لا يريدها أن تشرب ففلتت وشربت فإنه يكتب له أجر ما شربت حسنات، فيكتب له كل شيء طالما أنه جهزها في سبيل الله .
وأي: شيء معروض للتجارة ففيه زكاة عروض التجارة، سواء باع سلاحاً أو خيلاً أو حميراً فإنه يلزمه الزكاة.
стр. 122
الفرق بين زكاة عروض التجارة وزكاة بهيمة الأنعام
إن الفرق بين زكاة عروض التجارة وزكاة بهيمة الأنعام: أن زكاة بهيمة الأنعام تخرج من جنسها، فلو أن إنساناً عنده أبقار أخذها من أجل الدر والنسل وهي سائمة العام كله، فهذا إذا كان عنده ثلاثون بقرة فإن فيهن تبيع عمره سنة.
وإذا كان عنده أربعون بقرة فإنه يخرج مسنة -يعني: بقرة لها سنتان- فيخرج الزكاة من جنسها، والإبل أيضاً نخرج زكاتها من جنسها إلا إذا كانت قليلة فيخرج من غير جنسها، يخرج من الغنم.
إذاً: فالإبل والبقر والغنم تخرج الزكاة منها من جنسها.
وأما إذا لم يأخذ هذه الأشياء لأجل النسل والدر ولا هي سائمة كأن يكون رجل عنده مائة خروف يعلفها هو فهذا النوع ليس عليه زكاة بهيمة الأنعام، فلا نقول له: لديك مائة خروف فأخرج عليهن خروفاً أو أكثر، ولكن سنقول له: قوم هذه بالمال لأنه مال أصلاً فهو عبارة عن فلوس سيشتري بها خرفان ثم يبيع الخرفان، فيكون له فلوس مرة أخرى وهكذا، فتكون بهيمة الأنعام هنا عليها زكاة عروض التجارة، والمال الذي يبيع به يحسبه، فإذا كانت الخرفان والمال الذي جمعه يبلغ النصاب فيلزمه إخراج زكاة، والنصاب هو مائتان درهم من الفضة، أي: حوالي خمسمائة وستة وتسعين جراماً من الفضة، فيقدر النصاب على جرامات الفضة.
فإذا وجد معه من عروض التجارة ما جاوز هذا المقدار أو وصل إليه لزمه إخراج زكاة عروض التجارة.
فلما سئل النبي ﷺ عن الحمر قال: (ما أنزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]) والفاذة معناها: الآية العظيمة الوحيدة المتفردة بهذا المعنى الجامع العظيم، فقد جمع فيها كل شيء من الحسنات والسيئات، فإذا عملت خيراً ولو مثقال ذرة يسيرة فإن الله يريك إياه يوم القيامة حسنات، وإن عملت مثقال ذرة من شر فإن الله يجازيك، أو يعفو عنها .
فالمعنى: بيان أنه إن لم تجب عليك الزكاة في شيء، فعلى الأقل اعمل الخير واحذر من الشر،: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
ولهذا الحديث رواية رواها النسائي وفيه قال النبي ﷺ : (وما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جاء يوم القيامة شجاعاً من نار، فيكوى بها جبهته وجنبه وظهره).
وفي حديث ابن مسعود: (ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع) فهذه صورة ثانية من الصور.
والشجاع الأقرع: هو الثعبان الضخم الكبير، والسبب في وصفه بهذا الوصف زيادة السمية التي فيه، فهو سام جداً، فهذه النار يحولها الله إلى هذا الثعبان حتى يطوق به عنقه، وتلا النبي ﷺ الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠].
وفي رواية للحديث في صحيح مسلم وفيه قال ﷺ : (إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرع يتبعه فاتحاً فاه؛ فإذا أتاه فر منه) يفر من هذا الثعبان يوم القيامة فيناديه خذ كنزك الذي خبأته الآن فأنا عنه غني، (فإذا رأى أن لابد له منه سلك يده في فيه فيقضمها) يعني: يأكل يده وهل يأكل يده فقط لا، ففي حديث ثوبان عند البزار قال: (ثم يتبعه سائر جسده) يعني: الثعبان لن يكتفي بيده بل سيأكله كله وبعد أن يأكله لن يموت، بل يظل على هذا الشيء والعياذ بالله، وهذا أمر رهيب جداً، ولو أن الإنسان تذكر هذا الأمر الرهيب فلن يمنع حق الله ولن يبخل به؛ فإذا علم ما في هذه الأحاديث من تخويف، وعرف ما في الإعطاء وأنه ما نقص مال من صدقة، وأنه يبارك له ربه في هذا المال، وأن زكاة المال تحمي العبد يوم القيامة ويأتي من أبواب الجنة: هذا باب للزكاة، وهذا باب للصيام، وهذا باب للصلاة، وينادى العبد من هذه الأبواب فيدخل منها، فالإنسان المؤمن يحرص على أداء زكاة ماله، ويعطي لله حقه، وغير ممكن أن تعط الله حقه ويبخسك فهو الكريم سبحانه, نسأل الله العفو والعافية في الدين الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 123
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في القناعة والعفة
إن القناعة كنز من وجده فقد أفلح وأنجح.
وإن الغنى غنى القلب، فمن رزقه الله هذه النعمة التي فقدها كثير فقد استراح.
وغنى القلب يورث الإنسان قناعة مما في أيدي الناس من المتاع الزائل؛ لأنه لا ينظر إلى من هو أعلى منه في الدنيا؛ كيلا يزدري نعمة الله عليه، وإنما نظره دوماً لمن هو دونه، فيزداد غنىً وقناعة وشكراً وثناءً على مولاه، بخلاف من أطلق بصره في أمتعة الدنيا، فقد شتت شمله، وجُعل الفقر بين عينيه، وحياته كلها سخط وكآبة وهمّ وغم.
стр. 124
القناعة مما بأيدي الناس
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام المنذري رحمه الله تعالى في الترغيب والترهيب: [روى الإمام أحمد ﵀ عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ : (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال، ولكن ينظر إلى من هو دونه).
وعن نافع قال: كنت أتجر إلى الشام أو إلى مصر، فتجهزت إلى العراق، فدخلت على عائشة أم المؤمنين فقلت: يا أم المؤمنين! إني قد تجهزت إلى العراق، فقالت: مالك ولمتجرك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له، قال: فأتيت العراق ثم دخلت عليها فقلت: يا أم المؤمنين! والله ما رددت رأس المال، فأعادت عليه الحديث، أو قالت الحديث كما حدثتك).
وعن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع)].
هذه أحاديث من مسند الإمام أحمد ﵀ في الترغيب في القناعة والعفة، فالإنسان المؤمن يقنع برزق الله ، فيسعى في طلب الرزق الحلال، وما آتاه الله رضي به وقنع به، فلا يطمع في الدنيا، ولا يترك الأخذ بالأسباب، بل هو يأخذ بأسباب الرزق ويقنع بما آتاه الله سبحانه، ولا يطمع فيما هو في يد غيره مما لم يقسمه له الله .
стр. 125
معنى القناعة
القناعة مأخوذة من قنع بالشيء إذا رضي به ولم يطمع فيما هو أكثر منه، والعفة هي: التعفف عما في أيدي الناس، وعدم مد اليد إلى الغير، وعدم تمني أن يكون ما في يد غيره له، فيسلب غيره رزقه، فهذه هي القناعة والعفة.
إن الإنسان المؤمن قانع متعفف عفيف، حتى وإن كان ذا عيال، وإن كان ذا حاجة، فهو عفيف متعفف، فله أجر عظيم عند الله سبحانه لعفته ولعدم بسط يده إلى أموال الغير.
إن من الأحاديث الدالة على القناعة حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الإمام أحمد، ورواه الترمذي أيضاً، وهو حديث صحيح، عن النبي ﷺ قال: (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال)، يعلمنا النبي ﷺ هنا كيف نقنع، ويعلمنا أن القناعة والعفة تكون بالرضى عن الله سبحانه، وبالرضى عن رزق الله سبحانه، فإن آتاك الله شيئاً فاحمده سبحانه، واعتقد أنه نعمة عظيمة من الله أن أعطاك ، لكن لو أن الإنسان أعطاه الله فنظر إلى من هو فوقه، وإلى من هو أحسن منه فلن يقنع أبداً.
стр. 126
الحكمة في منع النظر إلى من هو أعلى منك في المال ونحوه
قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (لا ينظر أحدكم إلى من فوقه في الخلق أو المال)، فلا تنظر إلى من هو أحسن منك في الخلْق، فقد تكون أنت ضعيف البنية، ولكن أعطاك الله من نعمته صحةً، وإن كنت أقل من غيرك.
لو أنك لو نظرت إلى من هو أقوى منك، وإلى من هو أكثر منك صحة، فستحسد هذا الغير، وتستقل نعمة الله عليك، لذلك جاء في رواية أخرى لهذا الحديث قال النبي ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).
إن ازدراء نعمة الله هو: احتقار نعمة الله ، فلو أنك نظرت إلى من هو فوقك دائماً فإنك تتعب نفسك وقلبك وتقول: إن فلاناً أحسن مني، أو أقوى مني، ومهما نظرت إلى الإنسان القوي ستجد من هو أقوى منه، فإذا كان في الإنسان من هو قوي، ففي الحيوان من هو أقوى منه، وإذا كان في الإنسان من هو جميل، ففي الحيوان والطير من هو أجمل منه، فالله يقسم بين خلقه كما يشاء ، فلا تنظر إلى من هو فوقك نظرة الحسد ونظرة تمنٍّ لزوال ما عند الناس.
فالممنوع هو النظر إلى من هو فوقك في الخلق، وفي القوة البدنية، وفي المنظر وفي الصحة على وجه الحسد لهذا الإنسان، ولكن لا مانع من أن تنظر إلى من هو أفضل منك في الخلُق، فتقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان، فهذا شيء مطلوب شرعاً.
قال في الحديث: (أو المال)، فلو أن إنساناً غنياً عنده ألوف نظر إلى من عنده ملايين فسيحسده، ويقول: لماذا فلان عنده ملايين وأنا لست مثله، والذي عنده ملايين لو نظر إلى الذي عنده مليارات فسيحسده وهكذا، فكل إنسان لو نظر إلى الذي فوقه فسيحسده على ما هو فيه.
يقول سبحانه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١].
فإذا عرفت أن الله قد يعطي أناساً ليفتنهم في هذه الدنيا فستقول: الحمد لله الذي لم يعطن هذا الشيء؛ حتى لا يفتنّي في هذه الدنيا، ولا تحسد غيرك.
فهنا يأمرك النبي ﷺ أنك إذا أردت أن تنظر فانظر إلى من هو أسفل منك، فقال في الحديث في الرواية الأخرى: (انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم)، فعندما تنظر إلى الأقل منك تعلم أنك في صحة وعافية، فانظر إلى المرضى وقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، وفضلني عليكم وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلاً، فيكون أجدر أنك تحمد الله ، ولا تحتقر نعمته عليك.
وأيضاً في المال: انظر إلى من هو أفقر منك، فتعلم أن الله أعطاك مالاً، وأعطاك نعماً، وتعلم أنك إن تغديت وتعشيت فغيرك لا يلقى مثل هذا الشيء، فأنت أفطرت وتسحرت وغيرك لو فطر لعله لا يتسحر، فتقول: الحمد لله؛ لقد أعطاني الله سبحانه وفضلني على كثير من خلقه.
стр. 127
زهد النبي ﷺ وقناعته
تذكر كيف كان النبي ﷺ يضع الحجر على بطنه من شدة الجوع، فيقعد اليوم واليوم ولا يوجد طعام في البيت، بل ولا يوجد طعام في المدينة، وكانوا يعيشون في فقر شديد حتى فتح الله عليهم، فقد كان يضع الحجر على بطنه ﷺ ؛ ليضغط على المعدة حتى تستشعر أنها ملأى، وحتى يستطيع أن ينصب ظهره، لأن الجائع الشديد الجوع يمشي منثنياً، فالنبي ﷺ ليستطيع أن يمشي في الطريق يربط الحجر على بطنه صلوات الله وسلامه عليه، فهل فعل به ربه ذلك لهوانه عليه؟! كلا، ولكن منعه من الدنيا، وقال له: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]، وقال له: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].
стр. 128
قصة نافع مع أم المؤمنين عائشة
إن من الأحاديث التي ساقها الإمام أحمد بإسناد فيه ضعف حديث نافع قال: كنت أتجر إلى الشام أو إلى مصر، ونافع كان تاجراً يتاجر إما إلى الشام وإما إلى مصر، فمرة يذهب إلى مصر، ومرة يذهب إلى الشام، فأراد أن يحول تجارته ويذهب بها إلى العراق، فذهب إلى السيدة عائشة ﵂، وقال: إني قد تجهزت إلى العراق، فكأنها تعجبت لماذا ترك الشام ومصر مع أنه متعود على هذه وعلى تلك، فلماذا يغير المكان ويذهب مكاناً لا تعرفه أصلاً، فهنا كأنها أرادت أن تقول له: لا تطمع، فربنا يعطيك رزقاً هنا، وأنت معتاد عليه في هذه البلدة وهذه البلدة فلماذا تتجر في مكان لا تعرفه، لكنه رفض وذهب إلى العراق، ورجع وقد ضاع رأس المال، فذهب إليها، فقالت: قد قلت لك: أنك لو قنعت بما آتاك الله من رزق، وأنت متعود على السفر إلى مكان معين فلا تغيره.
وهذه نصيحة لكل إنسان ليس له خبرة في شيء أنه لا يدخل فيه، وخاصة الذي يتاجر في أموال الناس فيفتح الله له باب رزق في مكان معين فيقوم ويطمع يريد أكثر، فيتوجه إلى مكان آخر وهو لا يعرف عنه شيئاً، فيذهب إليه، فإذا به فجأة يخسر ويضيع منه المال كله.
فبعض الناس يفتح له الله في التجارة فيتاجر، وبعدها يبدأ يأخذ من أموال الناس يتاجر فيها، يقول لهذا: هات مالك أشغله لك، ولهذا: هات أشغل لك مالاً، فأعطاه الله شيئاً وراء شيء، فيطمع أكثر، ويقول: هذه البرصة تأتي بربح كثير جداً، فلو وضعت مالي في البرصة الأخرى سأكسب الضعف، أو ثلاثة أضعاف، أو خمسة أضعاف، فأموال الناس التي كانت معه وضعها في هذه البرصة فخسر، وبعدها هرب وترك البلد؛ لأنه ضيع على الناس أموالهم، فلماذا هذا الطمع؟! فيأخذ المال أضعافاً مضاعفة فيذهب به إلى من لا يؤمن عليه، فتضيع الأموال، وتسمع قصصاً كثيرة جداً من قصص النصب والاحتيال، فالتاجر لطمعه في الربح يدفع المال ببساطة لنصَّاب، فيسلط الله الإنسان المحتال النصاب على الإنسان الطماع، فيأخذ المال ويضيعه، وخاصة إذا كان هذا الطماع يأخذ أموال الناس بدعوى أنه يشغل للناس أموالهم، أو أنه هو تاجر خبير بالتجارة فالطمع يضيع كل ما جمع، فاحذر من الطمع، وانظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو أعلا منك.
стр. 129
فضل القناعة
جاء في الحديث الصحيح عن فضالة بن عبيد أنه سمع النبي ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع) و (طوبى) هي شجرة في الجنة عظيمة منها تخرج ثياب أهل الجنة، ولا توجد هناك مصانع تصنعها في الجنة، ولا تقعد تخيط وتعمل لا، بل هناك شجرة تنبت نباتها وتظهر الثمار، ومنها: ثياب أهل الجنة، فهذا حديث عظيم يعلمنا القناعة.
إن الإسلام هو أعظم النعم التي ينعم الله بها على عبده، ولذلك فإن أهل الجنة إذا دخلوها قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فطوبى لإنسان أنعم الله عليه بهذا الإسلام.
وهذا الحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه: (قد أفلح)، وهو نفس المعنى، والفلاح العظيم هو دخول الجنة: (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه).
فنعمة الإسلام هي أعظم النعم، فإذا أنعم الله بها عليك فقد رزقك الله رزقاً عظيماً، كما قال: (ورزق كفافاً) والكفاف هو: القدر الكافي، فلا زيادة فيه ولا نقصان، ومع هذا الرزق إذا أعطاك الله أعظم الغنى وهو القناعة (وقنعه الله بما آتاه) فقد أفلحت عند الله سبحانه، ومن كان هذا حاله فهو من المفلحين؛ لأنه راضٍ عن الله ، فرضي بالإسلام ديناً، ورضي برزق الله سبحانه الكفاف، ولا يريد أكثر مما أعطاه الله ، ولا يطمع في أموال الناس.
و (قنع) بمعنى: رضي، و (القانع) هو: الإنسان الراضي بالشيء الذي أعطاه الله.
стр. 130
الاستغناء والاستكفاء بالله
وفي حديث آخر من رواية أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رجلاً من الأنصار كان له حاجة، فقال له: أهله ائت النبي ﷺ ، فأتاه وهو يخطب يقول: من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن لجأ لنا فوجدنا له أعطيناه، قال: فذهب ولم يسأل).
الراوي هنا هو أبو سعيد قال: (إن رجلاً من الأنصار)، والرجل هو أبو سعيد نفسه، فكأنه عرَّض، والحديث جاء في سنن النسائي: أن هذا الرجل هو أبو سعيد ﵁، ولفظ النسائي: (قال أبو سعيد: سرحتني أمي).
وأبو سعيد الأنصاري اسمه: سعد بن مالك بن سنان، وهو أنصاري رضي الله ﵎ عنه، قال: (سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وقعدت، فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه الله) يعني: كان النبي ﷺ يخطب خطبة، ويكلم الناس، وجلس أبو سعيد الخدري مواجهاً للنبي ﷺ ، فذكر الرسول الجواب الذي جاء بـ أبي سعيد ﵁ من أجله، فقد جاء ليقول: أعنا وأعطنا معونة يا رسول الله ﵊، فقال النبي ﷺ : (من استغنى أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن استكفى كفاه الله ، ومن سأل وله قيمة أو قية فقد ألحف).
فالنبي ﷺ ذكر هنا الإنسان الذي يستغني، فيطمئنه أن الله غني وسيعطيه الغنى حتى ولو كان هذا الإنسان ليس عنده شيء، فغناه في قلبه، فمن استغنى بالله أغناه الله سبحانه، ومن استكفى بالله وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، كان الله حسبه وكافيه.
ومن استعف عن أموال الناس، فلا يطمع، ولا ينظر إلى الناس، ولا يحدث نفسه أن فلاناً معه كذا سأذهب وآخذ منه قليلاً.
فأبو سعيد كان ذاهباً إلى النبي ﷺ يطلب منه، فقال له هذا الكلام، ثم قال ﷺ : (ومن سأل وله قيمة أوقية) يعني: عنده قيمة أوقية، والأوقية: أربعون درهماً، والدرهم حوالي ثلاثة جرام من الفضة، إذاً: فالأوقية قيمتها: حوالي مائة وعشرين جراماً من الفضة، وجرام الفضة قيمته من سبعين قرشاً إلى جنيه، إذاً فـ (١٢٠) جراماً من الفضة تساوي (١٠٠) جنيه مثلاً، فالذي معه مثل ذلك ويسأل، فهذا يسأل إلحافاً.
فـ أبو سعيد الخدري تفكر في نفسه أن من عنده ناقة فعنده أكثر من أوقية، فقال: (ناقتي خير من أوقية) يعني: لو بعتها فستأتي بكذا ولكن أنا أحتاجها، إذاً سأسأل النبي ﷺ ، فنفعته الموعظة وانصرف ولم يطلب من النبي ﷺ شيئاً.
لفظ الحديث عند الإمام أحمد: قال النبي ﷺ : (من استعف أعفه الله) أي: من تعفف عن أموال الناس، ولم يمد عينه ولا يده إلى أحد أبداً، فإن الله سبحانه يعفه، ويجعل القناعة في قلبه.
(ومن استغنى) يعني: بالله سبحانه، (أغناه الله)، (ومن لجأ إلينا) أي: جاء يسألنا ويطلب منا، (فوجدنا له أعطيناه) أي: الذي سيسألنا لن نعطيه دائماً، بل بحسب ما عندنا، فإذا كان عندنا أعطيناه، وإذا لم يوجد عندنا لم نعطه شيئاً.
وجاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أيضاً قال: (إن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم) ومنهم أبو سعيد ﵁ ذهب ليسأل فانتفع بهذه الموعظة، وسمع النبي ﷺ وهو يقول: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) أي: أن المال الذي في يده سيوزعه على الناس ﵊: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله)، وهنا زيادة في صحيح البخاري ومسلم وهي: (ومن يتصبر يصبره الله).
أي: أن الإنسان عنده صبر أصلاً، لكن الكلام هنا عن الإنسان الذي يتصبر وليس عنده صبر، لكنه يحاول، فنفسه تريد ولكن هو يضغط على نفسه لتسكت وتصبر، فهذا هو الذي يتصبر، فيصبره الله، أي: يعينه على الصبر.
قال ﷺ : (وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) أي: أن أعظم ما يعطاه الإنسان أن يصبره الله سبحانه.
نسأل الله أن يرزقنا من فضله، وأن يصبرنا سبحانه عن هذه الدنيا، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ا.
هـ
стр. 131
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الصدقة والحث عليها
لقد حث النبي ﷺ على الصدقة، وبين أن للعبد في ذلك أجراً عظيماً، ومقاماً رفيعاً عند الله ، بل إن الله يتقبل الصدقة فيربيها بيمينه كما يربي أحدنا فلوه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم، والعبد يكون في ظل صدقته يوم القيامة، ووعد الله أنه لا ينقص مالاً من صدقة، بل أصل البركة والسعة في الرزق هو الإحسان إلى الفقراء والمساكين.
стр. 132
ما جاء في الترغيب في الصدقة والحث عليها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الصدقة والحث عليها، وما جاء في جهد المقل، ومن تصدق بما لا يحب.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله .
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول العبد: مالي مالي! وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو ما لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس).
стр. 133
شرح حديث: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب)
هذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الصدقات والحث عليها، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من تصدق بعدل تمرة).
يقال: عِدل وعَدْل، أي: مقدار، فإذا كان أراد جنسها فهو العِدل، أي: عدل تمرة، يعني: نصف تمرة، وإذا كان من قيمتها أو ثمنها فيكون بعَدل تمرة، يعني: بما يساوي التمرة أو الجزء من التمرة.
قال ﷺ : (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب)، وهذا شرط لابد منه، فإن الكسب الخبيث لا يصلح أن يكون صدقة، والنار أولى بصاحبه، فهنا الذي يتصدق يتصدق بالمال الطيب وليس بالمال الخبيث.
قال: (ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه)، فيقبلها الله ، وتنزل من الله المنزلة عظيمة (يقبلها بيمينه).
قوله: (ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) قالوا: الفلو: هو المهر الصغير، فيربيه الإنسان حتى يصير حصاناً كبيراً مثل الخيل العظيم، وكذلك الشيء اليسير من الكسب الطيب يتصدق به الإنسان فإن الله ينمي له أجره حتى يصير مثل الجبل العظيم.
وفي رواية أخرى في الحديث: (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد).
فإذا تصدق الإنسان لله فإن الله يربيها لهذا الإنسان وينميها حتى تصير كجبل أحد.
стр. 134
شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال).
وقال: (ثلاث أقسم عليهن) أي: أحلف عليهن، وذكر منها: (ما نقصت صدقة من مال) فالشخص عندما يتصدق فإن الله يبارك له في ماله، ويزداد ماله بهذه الصدقات التي يخرجها لله .
قال ﷺ : (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) فالإنسان إذا عفا عن خصمه، وإذا عفا عن الإنسان الذي أساء إليه زاده الله عزاً، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦]، فإذا دفع بالحسنى وعفا فالله يزيد هذا العبد عزاً.
قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله فالإنسان المتواضع الذي يخاف رب العالمين، ويعرف أن أصله من تراب فلا يستكبر على أحد من خلقه، فكلما تواضع الإنسان رفعه الله .
стр. 135
شرح حديث: (بقي كلها غير كتفها)
روى الترمذي عن عائشة ﵂ أنهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ : (ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، فقال ﷺ : بقي كلها غير كتفها) فالذي بقي منها كلها يعني: عند الله ، فكتف اللحم الذي سيبقى هو الذي أنفق صدقة، فالنبي ﷺ يعلمنا أن ما أخرجناه لله فإنه لا يضيع أبداً، فهناك مال أنت تحفظه في نفقتك ومتعتك، وهناك مال تخرجه لله؛ فالذي أخرجته لله هو هذا الذي يدخر عند الله ويبقى، فهذه هي حقيقة الأشياء، فالأشياء لها ظاهر أمامنا نراه، ولها حقيقة أخرى عند الله ، فمال العبد إما أن ينتفع به في الدنيا فينفذ كما سيأتي في الحديث، وإما أن يتركه لوارثه ويغادر الدنيا ولم ينتفع بهذا المال، وفي كل الأحوال هو نفع مؤقت، وأما الذي أخرج لله فهو الذي يبقى، ويأتي العبد يوم القيامة فيجد هذا المال ثواباً عند الله سبحانه، ويجده مظلة تحميه يوم القيامة من حر الشمس في هذا اليوم العظيم كما سيأتي في الأحاديث.
стр. 136
شرح حديث: (وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى)
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (يقول العبد: مالي مالي) يعني: أن العبد يغتر بالمال، فيقول ﷺ : (وإنما له من ماله ثلاث)، أي: أن الذي ينتفع به من هذا المال هو ثلاث حاجات، (ما أكل فأفنى)، أكل فانتهى أمر هذا الذي أكله، (أو لبس فأبلى) أي: يلبس الثوب ثم بعد ذلك يتقطع وينتهي.
(أو أعطى فاقتنى) والمعنى: أنه أعطى لله سبحانه، فحقيقة ما أعطاه لله هو هذا الذي اقتناه، فإذا أخرج المال فتصدق به على الفقير والمسكين، أو أعطاه لرحمه فهذا هو الذي اقتناه حقيقة عند ربه سبحانه.
قال ﷺ : (وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس).
стр. 137
شرح حديث: (فإن ماله ما قدم)
جاء عن ابن مسعود ﵁ في صحيح البخاري أن النبي ﷺ سأل: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟) أي: من يحب أن يكون مال الوارث أحب إليه من ماله؟ فالصحابة قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، فإن مالي في يدي سأتصرف فيه، وأستمتع به، والآن تغير حال الناس وتغير تفكيرهم، فتجد الذي يدخر للزمن، والذي يجمع للوارث، وهو حقيقة لا يجمع لا لوارث ولا لغيره، وإنما يجمع لنفسه، ويزعم أنه خائف على العيال، وعندما يكبرون ويحتاجون لا يعطيهم شيئاً.
فالصحابة كانوا قوم صدق رضوان الله ﵎ عليهم، قالوا: لا، إن مالنا أحب إلينا من مال وارثنا، فقال ﷺ : (فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر).
فيخبر النبي ﷺ : أن مالك حقيقة هو الذي قدمته لله، فهذا المال يوم القيامة تستمتع به، ومال الوارث الذي أنت حزته وادخرته ولا تدري فيم ينفقه هذا الوارث، وليس المعنى: أن الإنسان يترك الورثة عالة يتكففون الناس، لا، ولكن المعنى: أن تبذل طالما وأنت قادر على البذل، فابذل وادخر لك عند الله .
وفي حديث سعد ﵁ لما سأل النبي ﷺ : (أتصدق بمالي؟ فقال له: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
فإذا تصدقت بثلث المال فهذا كثير، فليس المقصد أنه يترك الورثة يمدون أيديهم إلى الناس، لا، وإنما يورث للورثة مالاً بحيث أنهم لا يمدون أكفهم للناس، ولكن لا تنسى نفسك من الصدقة والادخار عند الله، فبعض الناس يدخر المال كله للوارث ولا يخرج زكاة ولا صدقة، فهو خائف من الزمن، وخائف ألا يحصل له حاجة، فيموت ويترك المال يأخذه الورثة ويستمتعون به، وينسوه، ويمكن إذا ذكروه قالوا: كان بخيلاً ما كان يتصدق، ما كان يخرج زكاة، فلا يتحدثون عنه بخير أبداً.
قال ﷺ : (فإن ماله ما قدم) يعني: إلى الله ، (ومال وارثه ما أخر)، فإن تصدق فمستحيل أنها تنقص من المال، فهذا وعد من النبي ﷺ أنطقه به ربه سبحانه فقال: (ما نقص مال من صدقة)، ولا نحتاج أن يحلف صلوات الله وسلامه عليه؛ فهو الصادق المصدوق والمعصوم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 138
شرح حديث: (بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة)
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا رجل في فلاة من الأرض).
أي: في صحراء من الأرض، (فسمع صوتاً في سحابة: أسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة) سمع الرجل صوتاً من السحاب يقول ذلك، فإذا بالسحاب يجتمع ويميل إلى الحرة يعني: أرض حجرية، فالسحاب ترك الرمال والتراب وذهب إلى أرض حجرية، فأنزل كل الماء في هذه الأرض الحجرية.
قال: (فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله) الشرجة: شعب في الحجارة استوعب كل الماء من السحابة.
فالرجل مشى وراء الماء لينظر إلى أين سيصل هذا الماء، قال: (فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته)، شخص في حديقة يعدل الماء ويحوله (فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ فقال: فلان للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟) أي: ماذا تعمل في هذه الأرض حتى أكرمك الله بسحابة نزلت لك لوحدك؟ (فقال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثاً) انظر إلى تدبير الرجل للأمر فيه! فإن حظ نفسه وعياله ما ضاع، وكذلك الحديقة بحاجة إلى مال ليصلحها، وأعطى الفقراء الثلث الثالث، فلم يضيع الله أجر هذا الإنسان، وأرسل له سحابة من الصحراء لتوصل الماء إليه بهذه الطريقة العجيبة، فهذه آية للخلق حتى يعلم الإنسان أنه مهما أعطى لله فلن يضيعه الله ، فإذا أعطى لله لم يعط ماله كله، وإنما أعطى ثلث المال لله .
والنبي ﷺ قال لـ سعد: (الثلث والثلث كثير)، وكعب بن مالك لما قال للنبي ﷺ : (إن من توبتي أن أتصدق بمالي؟ قال: لا، أبق عليك بعضه فهو خير لك).
أي: لا تتصدق بالمال كله، فالإنسان يتصدق بشيء والله يبارك له في الباقي من ماله، وينمي له هذه الصدقة ويؤجره عليها يوم القيامة.
стр. 139
شرح حديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله)
وعن عدي بن حاتم كما في الصحيحين أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان)، فكل عبد من عباد الله سيكلمهم الله سبحانه ليس بينه وبين الله ترجمان، ولا توجد واسطة بينهم وبين الله، وهذا في يوم القيامة.
قال: (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم)، والإنسان يكون مرعوباً بين يدي الله ، فلا يجد إلا العمل الذي عمل.
قال: (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فالإنسان المؤمن كلما ذكر النار أنفق وفعل الخير؛ لأجل أن يتقي هذه النار فلا يقع فيها.
стр. 140
شرح حديث: (الصوم جُنة والصدقة تطفئ الخطيئة)
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر وذكر الحديث وفيه: قال ﷺ : (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار).
قوله: (الصوم جُنَّة)، فتصوم رمضان وتصوم تطوعاً لله حتى تكون لك ستراً ووقاية من النار، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فالصوم يقيك من النار، والذي يطفئ لك هذه النار هي الصدقة، فأنت عندما تصوم وتتصدق وقيت نفسك من النار، وأطفأت عن نفسك هذه النار.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس)، رواه أحمد وابن خزيمة.
فيوم القيامة هو يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالشمس تدنو من الرءوس حتى ما يبقى إلا قدر ميل، سواء ميل المسافة أو ميل المكحلة، فإنها فوق الرأس مباشرة، فمن سيظلل العبد من هذه الشمس يوم القيامة؟ فأخبر النبي ﷺ أن الصدقة ستظللك من هذه الشمس يوم القيامة، ذلك اليوم الطويل الذي قدره خمسون ألف سنة.
يقول النبي ﷺ : (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس)، قال يزيد: فكان أبو مرثد لا يأتي يوم إلا تصدق فيه بشيء.
وهذا رجل من التابعين اسمه: أبو مرثد رضي الله ﵎ عنه، وكل يوم يأتي لابد أن يتصدق فيه بصدقة حتى يظله الله بظله يوم القيامة.
قال: حتى ولو كعكة، ولو بصلة، حتى تدركه رحمة الله، فلا يشترط أن تكون الصدقة مالاً كثيراً، لا، ففي الحديث قال: (ولو بشق تمرة)، فكان الرجل يأخذ أي شيء ليتصدق به على أخيه الموجود.
وفي رواية: أنه كان أول شخص يذهب إلى المسجد، قال: وما رايته داخلاً المسجد قط إلا وفي كمه صدقة.
فكأن الرجل ما كان غنياً، لكنه كان يتصدق بما يملك: إما خبزاً، أو قمحاً، قال: حتى ربما رأيت البصل معه يحمله، قال: فأقول: يا أبا الخير! إن هذا البصل يعطي ثيابك رائحة كريهة! فقال: يا ابن أبي حبيب! أما إني لم أجد في البيت شيئاً أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته).
وفي رواية: (أن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته)، وهذه رواية أخرى.
فنتعلم من هذه الأحاديث أن المؤمن إذا قدر على الصدقة فليتصدق ولو بأقل الأشياء، ولا تستقل شيئاً تنفقه لله ، فأعط ولو القليل أفضل من ألا تعطي شيئاً، وعندما يتعود الإنسان فيعطي شيئاً فشيئاً تكون له عادة بعد ذلك، فكل يوم له صدقة من الصدقات، ويوم القيامة يجد ظلاً وفيراً عظيماً، وفي قبره لا يجد ما يطفئ عنه نار القبر إلا الصدقة.
نسأل الله أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يطفئ عنا نيران القبور.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 141
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [١]
القرآن هو الدستور الذي قادت به أمة الإسلام سائر أمم الأرض، وهو الحبل المتين والذكر الحكيم، ولعظم منزلته كان لقراءته أجر عظيم، وكان هذا الأجر ليس مقصوراً على الذي يجيد قراءته والماهر فيه، وإنما شمل كل مسلم قرأ كتاب الله ولو تتعتع فيه، بل لهذا المتمتع أجران.
стр. 142
الترغيب والحث على قراءة القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في قراءة القرآن.
وعن عقبة بن عامر ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك، فقال ﷺ : أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، رواه مسلم وأبو داود.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانه، ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة ليس لها ريح، وطعمها مر)، متفق عليه.
هذه أحاديث أخرى يذكرها الإمام المنذري ﵀ في كتابه الترغيب والترهيب، في باب الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغير ذلك.
فالمؤمن يقرأ كتاب الله، ويحفظ منه ما استطاع؛ لأنه يعلم أنه نور في قلبه، وأنه بحفظ المؤمن له، يحفظه الله به، فيتعلم القرآن؛ لأن خير الناس متعلم القرآن والعالم به.
стр. 143
شرح حديث: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان)
وهنا من الأحاديث، حديث لـ عقبة بن عامر: (أنه خرج النبي ﷺ وهم في الصفة)، والصفة: مكان في آخر المسجد كان يجلس ويعيش فيه فقراء المسلمين، ويبيتون ويصلون فيه، فخرج عليهم وقال لهم: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم)، بطحان والعقيق: موضعان بالمدينة وفيها أسواق للناس فقال لهم: من يحب أن يذهب للسوق هنالك في بطحان أو في العقيق ويشتري ناقة من النوق السمان كوماء عظيمة ضخمة ويرجع من غير أن يصيبه إثم ولا يقطع رحماً في ذلك؟ فقالوا: كلنا يحب ذلك، فكلنا نريد أن نشتري ويكون عندنا نوقاً عظاماً من غير إثم ولا قطيعة رحم، فقال النبي ﷺ : (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين -وفي رواية أخرى- فيعلم أو يقرأ آيتين).
فإذا كأن الذي يذهب إلى بيت الله فيتعلم آية واحدة ويحفظها أو يعرف الحكم الشرعي الذي فيها فهذا أفيد وأنفع له من أن يحصل على ناقة عظيمة كوماء أو جمل عظيم أكوم كما جاء في الحديث، أو ناقتين كوماوين، فالآية الواحدة خير له من ذلك، والثلاث خير من ثلاث نوق وهكذا.
فقال ﷺ : (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، فهذا كنز عظيم لك، وأجر عظيم عند الله فإذا جئت إلى بيت الله فتعلمت آية سواء بقراءتها أو بحفظها فهذا خير وأفضل من أحسن الإبل، أو أنك تتعلم الآية حكمها الشرعي.
стр. 144
شرح حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة)
من الأحاديث حديث أبي موسى الأشعري الذي يبين فيه النبي ﷺ الفرق بين المؤمن والمنافق، فهنا يقول: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ومثل المنافق -وفي رواية الفاجر- الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن.
فكأن الناس منهم مؤمنون ومنهم منافقون ومنهم فجار، والمنافقون والفجار جعلهم في هذا الحديث في مرتبة واحدة في حفظهم للقرآن أو عدم حفظهم للقرآن، والمؤمنون هنا ذكرهم النبي ﷺ على قسمين: مؤمن قارئ للقرآن يعني: حافظ له، وقد وصفه بقوله: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب، وطعمها طيب)، والأترجة نوع من الموالح مثل البرتقال، وهو نوع من الحمضيات، وريحها طيب وطعمها طيب، فالمؤمن الذي يحفظ القرآن سواء حفظه كله أو حفظ بعض كتاب الله سبحانه، مثله كمثل هذه الأترجة الثمرة طيبة لذيذة الطعم.
(مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب) فهذا لا تعدم منه خيراً أبداً، ففي مجالسته لك خير، وفي مكالمتك له خير، فتسأله وتستفهمه عما تريد من أمر دينك وتتعلم منه؛ لأنه يقرأ القرآن.
والصحابة كانوا يقرءون القرآن كما علمهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس مجرد حفظ كما هو حال كثير من الناس في زماننا، فيحفظ القرآن ولا يفهم شيئاً من معانيه، ويحفظ القرآن ولا يدري ما الذي يقرأه.
وهذا خلاف ما كان يفعله الصحابة فقد كانوا يتعلمون القرآن علماً وعملاً، ويقرأ الواحد منهم ويتلو القرآن ويعلم ما فيه ويفهم معانيه؛ لأنه صاحب لسان ومن أهل اللغة العربية، فهم يفهمون القرآن العظيم، فلذلك إذا قيل: هذا قارئ للقرآن من أصحاب النبي ﷺ فمعناه: أنه قارئ حافظ عالم بمعانيه عامل بما فيه، فهؤلاء هم أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فالذي يتشبه بهؤلاء مثله مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، فتكون قراءته للقرآن شيء حسن، وقراءة القرآن دليل على أنه يعرف أحكام القرآن فيعمل بها، فإذا خبرت هذا الإنسان واختبرته وجدته عاملاً به، ومثل هذا الإنسان مثل ما تجد الثمرة عندما تأخذها وتجد أن ريحتها طيبة، وعندما تتذوق طعمها تجد طعمها جميل، فحافظ القرآن من المؤمنين كذلك: ظاهره طيب، وباطنه طيب.
وأما الصنف الثاني من المؤمنين: فهم من لا يحفظ القرآن ولا بعضه، فقد قال لنا النبي ﷺ : (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو)، فالتمرة تراها من بعيد فلا تشم لها رائحة، فلا نفع في أنك تراها من بعيد، لكن نفعها في أن تأكلها، فإذا أكلتها وجدت فائدتها، فكذلك الإنسان المؤمن الذي لا يحفظ القرآن، فيكون النفع في التعليم غير موجود، لكن النفع في العمل موجود، وأن هذا المؤمن يعمل لله ، فتجده في العمل يعمل ولكن في التعليم لا يوجد له أثر؛ لأنه لا يحفظ كتاب الله ، ولا يعرف أحكامه.
وهناك فرق كبير بين من يحفظ ويعلم ويعمل وبين من يعمل ولا يحفظه.
ثم ذكر في الحديث صنفاً غير المؤمنين وهم المنافقون والفجار، فجعلهم مع القرآن بمنزلة المنافق، إما منافق يحفظ القرآن أو يحفظ بعضه، وإما منافق لا يحفظ شيئاً من القرآن، والمنافق الذي يحفظ القرآن قال لنا: (مثله مثل الريحانة)، فعندما تشم ريحانة تجد رائحتها جميلة من بعيد، ولكن عندما تتذوقها تجد طعمها مر، وكذلك المنافق، فتنتفع من المنافق الذي يقرأ القرآن بشيء فلعله يقرأ القرآن بصوت جميل، فيعجبك صوت، ولعلك تسأله عن أماكن الآيات فيجيبك، وتجده لا يعمل بشيء مما ورد في القرآن، فيستبيح لنفسه أن يكذب وينافق ويرائي ويخادع ويخون؛ ولهذا شبهه النبي ﷺ بالريحانه؛ فرائحتها فيها فائدة، وهذا مثل كلامه المحسَّن، وأما عمله فلا فائدة فيه، فهو منافق، فإذا خبرته وجدت المرارة في عمله، ووجدت بعده عن دين الله .
والمنافق أو الفاجر الأخير الذي جاء ذكره في الحديث هو الذي لا يقرأ القرآن، وبهذا يكون قد جمع الشر كله، فهو لا يعرف شيئاً في دين الله ، ولا يعمل بما أمر الله سبحانه، فمثله كمثل الحنظلة رائحتها غير طيبة، فلا تنتفع برائحتها، فهو لا يعلَم ولا يعلِّم، وكذلك إذا خبرته وبلوته في العمل وجدت منه المرارة في أعماله، ووجدت منه الخيبة والخسران في أقواله وأفعاله، قال ﷺ : (كمثل الحنظلة: ليس لها ريح وطعمها مر).
ولذلك فالإنسان المؤمن الذي يجد هذه الصور الأربع التي ذكرها النبي ﷺ يتنافس في أعلى ما يكون وأفضل ما يكون، ويحاول أن يحفظ كتاب الله ، وحفظ القرآن يسير على من يسره الله له، وإنما يحتاج لإرادة وعزيمة، والإنسان المؤمن الذي يحب أنه يحفظ القرآن سيعينه الله على ذلك، وحفظ القرآن لن يكون بين يوم وليلة، وإنما يحتاج لمكافحة ومتابعة ومحافظة على ما تحفظه بمراجعة ما سبق حفظه، وبقراءته في صلاتك حتى يثبته الله في قلبك.
وهناك كثير من الناس يطلق عليه أنه يحفظ القرآن، فلما يُطلب منه أن يقرأ هذه الآيات فلا يعرف منها شيئاً، وحفظ القرآن لا يكون بالقوة، فإذا أردت مثلاً أن تحفظ سورة البقرة مثلاً في يوم واحد، فلا تستطيع، وهذا لا يمكن، فعليك إذا أردت الحق أن تبدأ من آخر المصحف من جزء عم، ومن السور القصيرة وتحفظ شيئاً فشيئاً إلى أن تتمرن على الحفظ وتصل إلى السور الكبيرة بعد ذلك، وأما أن تترك قصار السور والسهلة منها وتحاول حفظ السور الطويلة التي آياتها طويلة وأحكامها متشابهة، فلعله يكون صعباً عليك، لذلك فالعلم آية آية وحديث حديث.
ولا تمل ولا تيأس، وخاصة إنك قرأت كلما أعطاك الله من الأجر، فعندما تقرأ القرآن وأنت حافظ له ومجيد للقراءة فلك درجة عند الله، وعندما تقرأ القرآن وهو صعب عليك وتتعتع فيه فلك درجة عند الله ، وفي كلا الحالتين أنت مثاب، فلا تترك القرآن أبداً، ولكن حاول أن تتعلمه.
ونرى في حديث السيدة عائشة ﵂، الذي رواه البخاري ومسلم والذي قال فيه ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)، والماهر هو الذي يحفظ القرآن حفظاً جيداً، وحفظه للقرآن علماً وعملاً، فيحفظ القرآن ويعمل بما يحفظه من القرآن ويفهم معاني القرآن، وهذا من أعلى ما يكون، فهو مع السفرة الكرام البررة، والسفرة هم الملائكة، وهم سفراء الله إلى الأرض، وقد نزلوا بالقرآن من عند الله ، والملائكة لا تخطئ في الذي تنزل من عند الله ، فكذلك الإنسان الذي يحفظ القرآن فإنه يقيمه حروفاً وحدوداً، ويعرف معانيه ويقرأه دائماً في صلاته وغيرها، وهذا مع السفرة الكرام الأبرار.
قال ﵊: (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) أي: أنك ما دمت تقرأ القرآن فلن تعدم خيراً أبداً، فعندما تقرأ القرآن وتتعتع فيه وتقرأ الكلمة وتعيدها مرة أخرى إلى أن تتقنها فلك على كل حرف عشر حسنات، ولك على هذه التعتعة والمشقة التي تقرأ بها القرآن لك فيها أجران، لذلك فالإنسان المؤمن يجب عليه أن يقرأ القرآن حتى ولو كان لا يجيد قراءته، ولكن لابد من التعلم، فالإنسان لا يركن للخمول والراحة التي هو فيها، فعلى الإنسان أن يحاول، وليبحث عمن يعلمه، ويحضر مجالس الذكر ومجالس العلم؛ لكيلا يستمر على ضعف في القراءة، ولا يمنعك من حضور مجالس الذكر الخجل وتقول: أنا أخجل من أن أقرأ وأخطئ ومن ثم يسخروا مني، فاعلم أن لك أجرين؛ لأنك أتعبت وذللت نفسك لطلب العلم، ولذلك فالإنسان الذي يصل إلى درجة العالم لا بد وأن يذل نفسه للعلماء حتى يتعلم منهم، ولذلك يقال: إن العلم ينال ببذل النفوس، فالإنسان يتواضع لمن يعلمه ويتعلم منه، فإذا قرأ القرآن وغلط فإنه يذهب لمن يعرفه كيف يقرأ القراءة الصحيحة.
وأما الإنسان الذي يستحيي فإنه يضيع منه العلم، فإن العلم يضيع من الإنسان بأمرين هما: الكبر والحياء، فإذا منعك الخجل فإنك لن تقرأ ما حييت.
والإنسان الذي يتكبر عن سؤال غيره بحجة أنه أفضل من غيره فلن يصل وحده أبداً، وإنما ينال العلم بالصبر على مجالسة أهل العلم حتى يصل الإنسان إلى ما يحبه الله .
وورد حديث عن أبي ذر أنه قال: (يا رسول الله! أوصني، فقال ﷺ : عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله، قال: زدني يا رسول الله! فقال: عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء).
فتلاوة القرآن نور لك في قلبك في طريقك وفي سبيلك وفي دعوتك إلى الله ، فهو الذي ينور الله به بصرك وبصيرتك، ويفتح مداركك وحسك وقلبك بهذا القرآن العظيم، وهو ذخر لك، وأجر مدخر عند الله في السماء.
نسأل الله أن يعيننا على حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وعلى العلم والعمل على الوجه الذي يرضى به عنا .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 145
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٢]
لقد أنزل الله كتابه الكريم وحث على تدبره وتعقله والعمل به، وجعل لحفظته والعاملين به الأجر العظيم عنده سبحانه، وخصهم من بين سائر الناس أن جعلهم أهله وخاصته، وليس ذلك إلا لقارئ القرآن والعامل به، بل ما رخص النبي ﵌ أن يحسد أحد إلا اثنان أحدهما: قارئ القرآن والعامل به، والتالي له آناء الليل وأطراف النهار.
فأنعم بها من نعمة، وأجزل به من أجر وشرف.
следующие страницы →