Полный текст (337 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فضل المحافظة على ركعتي الفجر
وقد جاء الترغيب في بعض هذه الصلوات في أحاديث أخر مثل: صلاة سنة الفجر، فقد قال النبي ﷺ : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وركعتا الفجر هما: سنة الفجر، أي الركعتان اللتان قبل الفجر، وقال: (لهما أحب إلي من الدنيا جميعاً).
وفي حديث السيدة عائشة ﵂: (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر).
فقد كان لا يتركهما أبداً لا في حضر ولا في سفر، وكان قد يترك باقي النوافل في السفر ما عد! الوتر، وقيام الليل، وسنة الفجر.
وفي حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن، وكان يقرأهما في ركعتي الفجر).
وركعتا الفجر أو سنة الفجر ركعتان قصيرتان وليستا طويلتين، فليس من السنة الإطالة فيهما، مع أن السنة الإطالة في جميع الصلوات إلا سنة الفجر.
فقد كان يقرأ فيها ﷺ في الركعة الركعة الأولى بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقد قال: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن).
وأيضاً: ليس من السنة صلاة أكثر من ركعتين بعد أذان الفجر، فقد نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتين فقط، والشريعة هي التي تحدد لنا السنة في الصلاة وكيفيتها من حيث الطول والقصر فيها فسنة الفجر القبلية ركعتان فقط، وهما ركعتان قصيرتان وليستا طويلتين، حتى إن السيدة عائشة ﵂ لتقول: (لا أدري أقرأ فيهما بأم الكتاب أم لا؟).
ولا شك أنه قرأ بأم الكتاب، ولكن تقصد من سرعته فيهما، يعني: أنه يصلي ركعتين خفيفتين وليستا طويلتين في سنة الفجر القبلية.
стр. 72
فضل المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها
وفي حديث أم حبيبة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار).
ففي الحديث الأول ذكر أربعاً قبل الظهر واثنتان بعد الظهر، وهنا في هذا الحديث زيادة أخرى وهي: أن تحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعد الظهر، فيحرم الله جسدك على النار في ذلك، وكل هذا بالمواظبة على ذلك، لا أن تفعلها مرة واحدة.
стр. 73
فضل المحافظة على أربع ركعات قبل العصر
ولم يأت في الحديث الذي ذكر المواظبة على اثنتي عشرة ركعة شيء منها قبل العصر، ولكن جاء في الحديث كما في مسند أحمد وفي السنن عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً).
فدعا النبي ﷺ بالرحمة لمن يصلي قبل العصر أربع ركعات، وهذه سنة أخرى، ولكنها ليست في التأكيد كتأكيد الاثنتي عشرة ركعة التي ذكرناها.
стр. 74
فضل التطوع بين المغرب والعشاء
وأما في المغرب فقد جاء في حديث أنس ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، قال: (نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة، كانوا ينتظرون بين المغرب والعشاء في المسجد ينتظرون العشاء، وكانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون) يعني: لم يكونوا يقتصرون على ركعتي سنة المغرب فقط، بل كانوا يجعلون ذلك من قيام الليل فيصلون بعد المغرب ما شاء الله لهم من النوافل.
стр. 75
الترغيب في التطوع بعد صلاة العشاء
وأما بعد العشاء فكما جاء في الحديث أنه يُصلي ركعتان، وفي حديث آخر قال: (إن النبي ﷺ كان إذا صلى العشاء ورجع إلى بيته صلى أربع ركعات) صلوات الله وسلامه عليه.
ومن زاد فله خير في ذلك، وهذا غير قيام الليل، فقد كان يقوم الليل صلوات الله وسلامه عليه كما قالت السيدة عائشة ﵂: (أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة).
فالغرض: بيان النوافل التي يسمونها الرواتب، يعني: التي هي مخصوصة بصلوات معينة، فتكون قبلها صلاة وبعدها صلاة، فيصلي قبل الظهر أربعاً وأربعاً بعدها، والعصر يصلي قبلها أربعاً، والمغرب يصلي بعدها ركعتان، والعشاء يصلي بعدها ركعتان أو أربع ركعات، ويقوم من الليل ما شاء الله له أن يقوم، والفجر يصلي قبلها ركعتان، فهذه هي الصلوات المرتبة بعد الفرائض، فاحرص عليها، ولو على أقل ما فيها، وهن الاثنتا عشرة ركعة التي ذكرناها؛ حتى يبنى لك بيت في الجنة.
نسأل الله ألا يحرمنا من جنته، وأن يحرم علينا ناره.
أقول قول هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 76
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل
لقد جعل الله لهذا الإنسان سداً منيعاً من النوافل يحول بينه وبين الشيطان، ويكمل الفرائض، فيجبر نواقصها، ويقيم اعوجاجها، ومن هذه النوافل: قيام الليل، وصلاة الضحى، وصلاة التسبيح، وصلاة التوبة، فقد جاءت فيها أحاديث عظيمة تبين أهميتها، وعظيم أجرها وثوابها، فعلى الإنسان أن يحافظ على مثل هذه النوافل لكي تجبر كسره أمام الواحد في ذلك اليوم العصيب.
стр. 77
الترغيب في قيام الليل، وصلاة الضحى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل، والترغيب في صلاة الضحى.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: أوصاني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد) متفق عليه.
وعن أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ عن رسول الله ﷺ عن الله ﵎ أنه قال: (يا ابن آدم! لا تعجزني من أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين)].
فهذه أنواع من أنواع الصلوات التي يصليها الإنسان المؤمن مبتغياً الأجر من الله فيها، ومنها: صلاة الضحى.
فقد النبي ﷺ من حديث عمر أنه قال: (من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل).
والمعنى: أنه يستحب للمسلم أن يكون له ورد من الليل يقوم به، فلا يكن قيام الليل في رمضان فقط، بل لابد للصالح أن يتعود على ذلك.
فقد كان الصالحون كـ سفيان الثوري وغيره يقول: كابدنا قيام الليل سنة واستمتعنا به عشرين سنة.
فقيام الليل يتعب الإنسان فيه نفسه، وقد يجد في رمضان من يعينه على صلاة الجماعة، لكنه يجد نفسه في غير رمضان وحيداً فلعله يشق عليه، ولكن مع التعود يصير سهلاً عليه، فقد يتعب سنة فيه ثم إذا به يستمتع بقيام الليل طول عمره، فتصير له عادة طيبة، وقد يجد من يوقظه بالليل، فهو ينام وفي قلبه منبه يوقظه في الساعة التي يقوم فيها الليل؛ لأنه اعتاد على قيام الليل في هذا الوقت.
لذلك يجب على الإنسان المؤمن أن يعود نفسه على ذلك، فيكون له ورد بالليل يقوم به ولو شيئاً يسيراً، ساعة أو أقل بحسب ما يفتح الله به عليه.
فلو أن إنساناً نام في الليل على أن يقوم ويصلي فنام ولم يستيقظ من الليل فإنه يكتب له كأنه قام وصلى، بل يكون نومه صدقة من الله عليه كما جاء في حديث النبي ﷺ ، لكن يبقى عليه أن يعوض هذا الذي فاته من الليل في وقت صلاة الضحى.
стр. 78
ما جاء عنه ﷺ في فضل صلاة الضحى وعظم أجرها
وصلاة الضحى عظيمة جداً، ولذلك أوصى النبي ﷺ أصحابه بها، ومن هؤلاء: أبو هريرة، فإنه قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لست بتاركهن: ألا أنام إلا على وضوء)، أي: لا ينام إلا وقد صلى صلاة الوتر، قال: (وألا أدع ركعتي الضحى)، أي: يواظب عليها ولا يتركها.
ووقت صلاة الضحى: بعد شروق الشمس بحوالي ربع ساعة أو ثلث ساعة إلى قبل صلاة الظهر بدقيقة أو بدقيقتين، وهذا وقت واسع لأن تصلي فيه صلاة الضحى، أما صلاة الضحى فأقلها ركعتين، ولا حد لأكثرها.
وقد جاء عن النبي ﷺ : أنه صلاها أربعاً وثماني ركعات واثني عشرة ركعة صلوات الله وسلامه عليه، فصل ما شئت في وقت الضحى، وأهم شيء في ذلك المواظبة عليها، ولذلك قال فيها النبي ﷺ : (إنها صلاة الأوابين)، والأواب: الكثير الرجوع والتوبة إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] قال: (وصيام ثلاثة أيام من كل شهر)، يعني: ليس مجرد صوم رمضان فقط، ولكنه يصوم النوافل، فإذا صام مثلاً ستة أيام بعد رمضان من شوال فإنه يكتب له كأنه صام الدهر، قال: (وصيام ثلاثة أيام من كل شهر)، وقد كان النبي ﷺ يحب صيام النوافل، وقد ذكر لنا: أن أفضل الصوم في النوافل صوم داود: (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فالمقصود: أن يجعل الإنسان له من النوافل بحسب ما يسر الله له سبحانه.
ومن الأحاديث: ما رواه مسلم عن أبي ذر وعن بريدة أيضاً بمعناه، ولفظ حديث بريدة جاء في مسند أحمد، قال ﷺ : (للإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة)، أي: في كل يوم عليه أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة.
أما لفظ حديث أبي ذر في صحيح مسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)، فصلاة الضحى تعدل ثلاثمائة وستين صدقة.
ومن الأحاديث التي جاءت في فضل صلاة الضحى: حديث يرويه أبو يعلى بإسناد صحيح عن أبي هريرة، حيث يقول ﵁: (بعث رسول الله ﷺ بعثاً فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرة)، أي: بعث سرية يجاهدون في سبيل الله، فنصرهم الله بسرعة، ورجعوا بغنيمة، قال: (قال رجل: يا رسول! الله ما رأينا بعثاً قط أسرع كرة، ولا أعظم غنيمة من هذا البعث)؛ لأن هؤلاء خرجوا وجاهدوا بسرعة، فنصرهم اللهم بسرعة، ورجعوا بغنيمة عظيمة، فقال النبي ﷺ : (ألا أخبركم بأسرع كرة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه الغداة -صلاة الفجر- ثم عقب بصلاة الضحوة، فقد أسرع الكرة، وأعظم الغنيمة)، والمعنى: أنه انتظر في مصلاه إلى أن صلى بعد ذلك صلاة الضحى في وقتها، فهذا أسرع كرة أي: أسرع في الرجوع إلى بيته، وأعظم غنيمة أي: أجراً عند الله .
ومن الأحاديث العظيمة في فضل صلاة الضحى: قول النبي ﷺ : (قال الله : ابن آدم! صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره).
وفي هذا دليل على كفاية الله ورعايته سبحانه لعبده الذي يصلي هذه الصلاة، فإذا صليت أربع ركعات في وقت الضحى حفظك الله ، ودافع عنك، وكفاك ما أهمك من أمر الدنيا، وأمر الخلق، وأمر أعدائك، وأمر الآخرة كذلك بفضله وبرحمته سبحانه.
стр. 79
صلاة التسبيح فضلها وكيفيتها
ومن الصلوات التي رويت عنه ﷺ وكثرت الأسئلة عنها: صلاة التسبيح، وقد صح فيها حديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو حديث رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب -عم النبي ﷺ : (يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته)، والذي يسمع مثل هذه المغفرة العظيمة لابد له أن يسارع إلى فعل هذه الخصال دون تردد، قال: (أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً)، أي: بعد أن تقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
قال: (ثم تهوي ساجداً فتقول وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، قال ﷺ : فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، وإن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة)، والحديث فيه زيادة: (فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر، أو رمل عالج غفر الله لك).
فهذه أربع ركعات من الممكن أن تصليها في ثلث ساعة أو نصف ساعة وتحصل على هذه المغفرة العظيمة، أربع ركعات ستقول فيها ذكراً كلنا نحفظه: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمساً وسبعين مرة في كل ركعة، أي: أنك ستقولها ثلاثمائة مرة في أربع ركعات، والنتيجة أن يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر.
وفي الحديث: استحباب أن يصلي المسلم هذه الصلاة مرة في اليوم إن استطاع، فإن لم يستطع ففي الأسبوع مرة، فإن لم ففي الشهر مرة، فإن لم ففي السنة مرة، فإن لم ففي العمر مرة.
стр. 80
اعتراض والرد عليه
فإن قيل: فهل تصلى جماعة أم فرادى؟ ف
الجواب
لم يثبت أن النبي ﷺ صلاها بأصحابه جماعة صلوات الله وسلامه عليه، فعلى ذلك وجب أن يصليها الإنسان وحده، فهذا الذي ذكره ﷺ للعباس ﵁ وأرضاه.
стр. 81
ذكر ما جاء في صلاة التوبة وبيان استحبابها
ومن الصلوات التي رويت عنه ﷺ أيضاً: صلاة التوبة، فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)، وهي صلاة سهلة، ولم يذكر لنا فيها زيادات حتى تكون لكل المؤمنين، فإذا أذنب الإنسان ذنباً، ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين، ثم استغفر الله غفر له، قال: (ثم قرأ النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥])، إذاً: فشرطها: العزم على عدم العودة إلى هذا الذنب، فلو تاب ثم عاد إلى نفس الذنب لم تقبل منه توبته.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يغفر لنا ذنوبنا جميعها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 82
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [١]
يوم الجمعة من أعظم الأيام عند الله، وقد فضل الله أمتنا على سائر الأمم بأن جعله لها عيداً، وشرع لنا فيها أموراً ورغب في فعلها، وجعل عليها الأجر الكبير ومغفرة الذنوب، وكتابة المسلم من أهل الجنة وغير ذلك من الفضل، لمن التزم بالسنن والآداب ليوم الجمعة.
стр. 83
الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها، وما جاء في فضل يومها وساعتها.
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فأستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغى).
وروى مسلم عن أبي هريرة أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
وعن أبي سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهد جنازة، وصام يومه، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة) رواه ابن حبان في صحيحه.
من الأحاديث الواردة في هذا الباب: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام).
في الحديث أن الذي يتوضأ ويحسن الوضوء، أي: يسبغه ويتمه، كما كان يفعله النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم يأتي الجمعة فيستمع وينصت؛ لقوله: فاستمع وأنصت، وقوله: استمع، أي: لخطبة الجمعة، والاستماع فيه إصغاء، أما الإنصات ففيه تفكر، إذ المقصود من إتيان المسلم لصلاة الجمعة أن يستفيد ويتعلم ويتعظ، ولذا فإنه إذا استمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى.
وقد جاء الحديث بتأكيد الوضوء، وذلك قوله: توضأ فأحسن الوضوء، أما إذا اغتسلت فالغسل أفضل، كما جاء في الحديث الآخر، وغسل الجمعة جاء عن النبي ﷺ أنه أمر به، وأخبر في حديثه أنه واجب على كل محتلم، والراجح: أن غسل الجمعة سنة مؤكدة عن النبي ﷺ ، فينبغي على المسلم أن لا يتركها، فقد أكدت بأحاديث كثيرة عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان الوضوء جائز لحديث: (من توضأ - يعني للجمعة - فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ففيه بيان أن الغسل أفضل من الوضوء عند إتيان صلاة الجمعة، وسترد المسألة مفصلة في باب فضل الغسل للجمعة.
قوله: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام)، فيه فضيلة التبكير إلى الجمعة إذ يغفر له ليس فقط سبعة أيام بل يغفر له عشرة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، وفضل الله أن يغفر بين الجمعة إلى الجمعة، مقيد فيما إذا اجتنبت الكبائر، أي أن الله يغفر صغائر الذنوب بين الجمعتين.
ولذا لا يقول الإنسان مثلاً: أنا سأصلي الجمعة، ثم أدع الصلاة إلى الجمعة المقبلة ثم أصليها، وهكذا لأنه بذلك واقع في كبيرة من الكبائر، وهي ترك الصلاة، إذ الكبائر ليست داخلة في هذا الحديث، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم.
قوله: ومن مس الحصى فقد لغى، فيه تأكيد على الاستماع والإنصات، والنهي عما يخل بهما بما فيه مسح الحصى؛ لأن ذلك يعني أن المستمع مشغول في شيء غير الخطبة.
ومعلوم أن الخطبة تتضمن آيات وأحاديث عن النبي ﷺ ، فالذي ينصت لا ينصت للخطيب فقط، ولكنه ينصت لقول الله، وقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وينصت للموعظة، ومن ينشغل عن ذلك لأدنى شيء ولو بمس الحصى أو للعب بيديه وهو جالس ويظن أنه يسمع، فإنه داخل في قول النبي ﷺ : (من مس الحصى فقد لغى)، والمعنى: أنه غير داخل فيمن ذكر الحديث أنه يغفر له؛ لأن شرط المغفرة أن يستمع وينصت، فإذا مس الحصى فقد تشاغل باللعب ولم يعد مستمعاً ومنصتاً.
стр. 84
تعليق الحصول على الفضل باجتناب الكبائر
روى مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وفيه أن ما بين الصلاة والصلاة، وما بين الجمعة إلى الجمعة، وما بين رمضان إلى رمضان، يكفر بتلك العبادات بشرط أن تجتنب الكبائر، فالتكفير للذنوب مشروط باجتناب الكبائر، ومن الكبائر: أن يسرق، أو يزني، أو يتعامل بالسحر، وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة يذكر فيها الكبائر ومنها: ما في قوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات -يعني الكبائر التي توبق وتهلك صاحبها- قالوا: وما هن يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، ويزاد عليها ما جاء في القرآن من ذكر السرقة والزنا وقذف المحصنات الغافلات، وأن يتولى المسلم يوم الزحف، وكذلك شهادة الزور.
стр. 85
خمس من فعلها في يوم دخل الجنة
ومن الأحاديث حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهد جنازة، وصام يومه، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة).
وهذه الأشياء تتحقق في رمضان أكثر من غيره؛ لأن العادة أن المسلم يصوم فيه يوم الجمعة، كما قد يحضا بهذا الفضل إذا وافق يوم الجمعة صياماً كان يصومه ويواظب عليه، كأن كان يصوم الأيام البيض فوافق أحدها يوم الجمعة، أو كان يصوم يوماً ويفطر يوما فوافق الجمعة يوم صيامه؛ وذلك لأن صيام يوم الجمعة منفرداً نهى عنه النبي ﷺ ، أما إذا صامه مع الخميس، أو صامه مع السبت فقد جاز له أن يصوم.
ولاشك أن كل مسلم حريص على أن يكون من أهل الجنة، ولذا سيسعى نحو تطبيق قول النبي ﷺ : من عاد مريضاً أي: يزور مريضاً، وشهد جنازة أي: حضر الجنازة سواء صلى عليها أو شيعها إلى قبرها.
قوله: وصام يوماً وراح إلى الجمعة، فيه ضرورة أن يوافق صومه يوم جمعة.
قوله: وأعتق رقبة، هذا غير موجود في زمننا، وقد جاء في حديث آخر ذكر الصدقة والحث عليها.
والمطلوب من كل مسلم: أن يفعل ما قاله النبي ﷺ حتى يكون ممن يكتبه الله من أهل الجنة، أما عن عتق الرقبة الآن فلا يوجد، ولكن يوجد البدل، فقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث فيها فضائل عمل إذا عمله إنسان كان كأنه أعتق أربع رقاب، وكأنه أعتق عشر رقاب، ومن ذلك ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، يقولها المسلم بعد الفجر مائة مرة فكأنما أعتق عشر رقاب)، وهذا ثواب بشيء معلوم، والعتق الحقيقي ثواب آخر، ولكن هذا الموجود؛ لأنه في زماننا لا يوجد عتق رقاب.
стр. 86
استحباب الطيب ولبس أحسن الثياب للمصلي والنهي عن الأذى
من الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه أحمد عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيبه إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له، ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت حتى يصلى كان كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى).
وفي الحديث شروط أخرى للكفارة فيما بين الجمعة والجمعة، فقد ذكر لنا في الحديث الأول: الوضوء والغسل أفضل وأتم وأحسن، وفي هذا الحديث: (ومسح من طيبه إن كان عنده) أي: من مسك أو نحوه- ولبس من أحسن ثيابه، إذ الجمعة عيد للمسلمين، فالمسلم يأتي الجمعة في أحسن ثيابه لا في ثيابه العامة التي قد تكون غير نظيفة يشم منها رائحة العرق مثلاً، فينبغي أن يأتي إلى الجمعة في ثياب طيبة نظيفة كالتي يلبسها في العيد، أو لتكن من أحسن ثيابه، قوله: ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له، أي: إذا أتى المسلم المسجد فينبغي له أن يصلي، فمن المعلوم أن الصلاة عند دخول المسجد سنة، وفيه أنك إذا جئت إلى بيت الله يوم الجمعة فلك أن تصلي ركعتين، أو أربعاً، أو ستاً، أو ثماناً، أو عشراً، أو ما بدا لك، فلم يقيد الإسلام النافلة في هذا الوقت بعدد، بل كلما زدت كان خيراً لك.
قوله: (ولم يؤذ أحداً)، هذا قيد أيضاً، أي: أنه لا يأت ويؤذي أحداً من الناس لا في طريقه ولا في بيت الله ، ولا يسخط، ولا يرفع صوته، ولا يضايق المسلمين كأن يوسع الناس ليجلس هو فيؤذي الناس بجلوسه، أو يتخطى رقاب الناس في أثناء دخوله إلى المسجد، فشأنه أن يبتعد عن أي شيء يؤذي به الناس؛ لقوله في الحديث: ولم يؤذ أحداً، ويتبع ذلك بإنصاته للخطبة؛ لقوله في الحديث: (ثم أنصت حتى يصلى) يعني: حتى يصلي الإمام بالناس صلاة الجمعة، فإذا صنع ذلك كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى.
وجاء عن أوس بن أوس الثقفي فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له من كل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)، وهذا فضل كبير من الله أن جعل هذه الأشياء التي يصنعها المسلم كلها للجمعة.
قوله: (من غسل يوم الجمعة واغتسل) المرادفات في قوله: غسل واغتسل للتوكيد، والمعنى: كأنه غسل رأسه وغسل بدنه يوم الجمعة فأحسن الغسل.
قوله: (وبكر وابتكر) أي: جاء مبكراً إلى صلاة الجمعة، فإنه كلما جاء مبكراً كلما كان ذلك أفضل له، والساعات المرتبة في الحديث تبدأ من بعد طلوع الشمس إلى صلاة الجمعة، فمن بعد طلوع الشمس تبدأ الساعة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا، فكلما جاء مبكراً إلى بيت الله كان له أجر أعظم.
قوله: (ومشى ولم يركب) أي: مشى من بيته إلى بيت الله ولم يركب إلا إن دعت الحاجة لذلك، كأن يكون المسجد بعيداً يصعب الوصول إليه دون ركوب.
قوله: (ودنى من الإمام)، فإنه إذا جاء مبكراً ودنى من الإمام، كان أدعى لأن يستمع وينصت ويتفكر ويتدبر ويتعظ.
قوله: ولم يلغ، أي: لم يفعل اللغو كأن يمس الحصى أو يكلم الذي بجواره، أو ينشغل عن الخطبة بشيء، أو ينام في خطبة الجمعة، بل استمع ولم يلغ، فإنه إن فعل ذلك كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها، فلو كان بين البيت وبين المسجد عشر خطوات والواقع لا يوجد أحد بين بيته وبين المسجد عشر خطوات، ولكن لو فرضنا ذلك لكان له في كل خطوة عمل سنة من الأعمال الصالحة، فكأنك تصوم وتقوم ستمائة وخمسة وستون يوماً، وكذا إن كان مائة خطوة، وبذلك يضاف يوم القيامة إلى عمرك أعماراً من العمل الصالح الخالص، ومن قصر في ذلك وفرط فهو محروم قد حرم نفسه من الخير، وحرم نفسه من أجر عظيم جداً كان سيناله بقليل عمل.
وقد يتشاغل المرء عن هذا بأشياء من مشاغل الحياة وهي كثيرة، ولكن كلما استحضر الثواب وتفكر فيه كلما كان هذا دافعاً له على الحرص على ذلك.
نسأل الله أن يعيننا على فعل الخيرات وفعل المعروف وأن يجعل عملنا كله صالحاً وله خالصاً وأن لا يجعل لأحد فيه شيئاً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 87
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [٢]
إن يوم الجمعة من أعظم أيام الله، وقد اختصه الله عيداً للمسلمين، وفيه ساعة لا يرد فيها طلب طالب، وليوم الجمعة الكثير والكثير من الفضائل التي تجعله مميزاً عن غيره من الأيام، وقد حث الشرع على فضل التبكير فيه لصلاة الجمعة، والعمل بآدابها.
стр. 88
أحاديث ترغب في صلاة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: [كتاب الجمعة الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا) رواه مسلم.
وعنه أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم وغيره.
وروى الطبراني في الكبير من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة بثلاثة أيام وذلك لأن الله قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهد جنازة، وصام يوماً، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة) رواه ابن حبان في صحيحه.
هذه أحاديث من صحيح الترغيب والترهيب للإمام المنذري ﵀ في كتاب الجمعة وفي الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وفضل ساعة الإجابة التي فيها، ويوم الجمعة هو أعظم أيام الأسبوع كما جاء عن النبي ﷺ في الحديث، وصلاة الفجر يوم الجمعة أعظم من الصلوات الخمس التي يصليها المسلم في الأسبوع كله، ومن أعظم شيء أن تصلي صلاة الجمعة، ولكن الصلوات المفروضات الخمس المكتوبات في اليوم أعظمها صلاة فجر يوم الجمعة.
كان من سنة النبي ﷺ في فجر يوم الجمعة يقرأ بسورة السجدة كاملة ويقرأ بسورة الإنسان كاملة، فكان النبي ﷺ أغلب أحواله يصلي بهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة ويخبر عن يوم الجمعة أن صلاة الفجر فيه أعظم صلاة في الأسبوع تصليها، لذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على صلاة الفجر في كل يوم، وإذا حرص على صلاة الفجر فغيرها من باب أولى أن يحرص عليها، وأن يحرص على فجر الجمعة خاصة؛ لأنها أعظم الصلوات، وأن لا يمل ولا يتعب من السورتين سورة السجدة وسورة الإنسان كاملتين في صلاة الفجر يوم الجمعة فإنها سنة النبي ﷺ ، وفيهما التذكير بخصال هذا اليوم.
وقد خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في هذا اليوم، والساعة تقوم في هذا اليوم، ويوم الجمعة يوم عيد للمسلمين فهو يوم عظيم.
стр. 89
شرح حديث أبي هريرة: من توضأ فأحسن الوضوء
ليوم الجمعة فضائل كثيرة جاءت عن النبي ﷺ ، فمنها: رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة) قوله: من توضأ، يعني: لصلاة الجمعة، وجاء في حديث آخر (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فالأفضل لك والسنة المتأكدة والحق عليك أن تأتي الجمعة وقد اغتسلت لصلاتها، وهذا أفضل وأعظم في أجرك فقال هنا: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)، ولاحظ قوله ﷺ (فاستمع وأنصت) فهو لم يقل فسمع، وهناك فرق بين السماع والاستماع، فسمع الإنسان وصل إلى أذنه، ولكن لا يشترط أن كل ما سمعه يعيه ويفهمه، ولكن استمع أي: أصغى وتعمد أن يستمع وركز في السماع ولم يتكلم في خطبة الجمعة، وانتبه ليعي ويفقه ويتعلم من خطبة الجمعة، قال: (فاستمع وأنصت) وهذا توكيد مع أن الإنصات يستدعي الاستماع ولكنه أراد أن يؤكد، فبالغ في ذلك لئلا يفوتك شيء من خطبة الجمعة فتعي بذلك خطبة الجمعة جميعها، والجزاء قال: (غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى).
لذلك لا بد أن يحرص المسلم على أن لا يقصر في ذلك، فلو أنه حضر الخطبة فنام فلم يستمع ولم ينصت فليس له ذلك الفضل، فيحرص المسلم على الاستماع، ولو أنه جلس فلغا بأن كلم هذا وكلم هذا ففاته من الخطبة شيء فهذا لم يستمع فليس له ذلك الفضل، بل لا جمعة له كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، فقال هنا في هذا الحديث (استمع وأنصت غفر له ما بينه وبني الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام)، أي: من فضل الله أنك إذا حضرت الجمعة يغفر الله لك من الأسبوع إلى الأسبوع سبعة أيام فقط، ولكن الله كريم ومن كرمه أنه جعل الحسنة بعشر وليس بسبعة، فعلى ذلك أعطاك فضلاً ثلاثة أيام وهذا من فضله وكرمه وجوده سبحانه ﵎.
ولو أن إنساناً لعب أثناء الخطبة بمسباحة في يده، أو حصى على الأرض، أو كان يخط خطوطاً على الرمل الذي أمامه، فلا جمعة له، كما قال: (ومن مس الحصى فقط لغى)، أي: ليس له جمعة، ولا صلاة.
فالإنسان قد يفعل أشياء صغيرة لا يلقي لها بالاً فتضيع عليه الجمعة، ويضيع منه الأجر العظيم وأصبحت جمعته كصلاة الظهر، أي: ليس له أجر الجمعة.
стр. 90
شرح حديث أبي هريرة: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة)
من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ما رواه مسلم عن أبي هريرة أيضًا قال: قال النبي ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، أي: باجتنابك الكبائر فإن الله سيكفر عنك صغائر الذنوب، وهذا يكون حين الوفاة، يقول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] فلو أنك اجتنبت الكبائر وعلى رأسها الشرك بالله سبحانه ﵎، وكذا السحر وعقوق الوالدين والسرقة، والزنا والفواحش التي ذكرها الله وحذر العباد منها، والفرار من القتال المتعين في الحرب، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأكل الرشوة والسحت وهو الحرام، يقول لك الله عند وفاتك: غفرنا لك ما صنعت طول حياتك، فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] وهذا على شرط الوفاة.
ومن كفارات أو مكفرات الذنوب على شرط البعد عن الكبائر: الصلوات الخمس، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، فعندما تأتي للمسجد فتصلي والصلاة التي تليها كفارة، وفي حالة عدم وجود ذنوب، فيحصل على حسنات ودرجات فإما أن تحصل على كفارات تبعد عنك الأذى والخطايا وإما أن تحصل على درجات من فضل الله سبحانه ﵎، يقول لنا: (والجمعة إلى الجمعة) أي: كذلك كفارة لما بينهما، (ورمضان إلى رمضان) ولكنه قيدها فقال: (إذا اجتنبت الكبائر).
стр. 91
شرح حديث أبي سعيد: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة)
من الأحاديث حديث رواه ابن حبان عن أبي سعيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة) والمسلم إذا سمع مثل هذه الأمور فيجب عليه أن يبادر قال: (من عاد مريضاً) أي: يزور إنساناً مريضاً، (وشهد جنازة) ويدخل تحته أن يصلي عليها أو أن يشيعها إلى قبرها أو أن يصلي ويشيع إلى القبر، وشهد الجنازة أي: حضرها (وصام يوماً وأعتق رقبة)، وهذه الخامسة ليست موجودة الآن، ولكن الله جعل لنا البدل منها، فقال لنا: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب)، أي: تعدل عتق عشر رقاب.
فعلى ذلك يحرص المؤمن أن يقول في أذكار الصباح في كل يوم لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أو يزيد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة فيكون له كعتق عشر رقاب.
стр. 92
شرح حديث يزيد: (لحقني عباية بن رفاعة)
ومن الأحاديث التي جاءت حديث ل يزيد بن أبي مريم يرويه الترمذي وفيه يقول: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فـ يزيد بن أبي مريم كان متوجهاً مشياً لصلاة الجمعة، فلحقه عباية بن رفاعة بن رافع، وهو صحابي فقال له: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، أي: أن الخطى التي تمشيها للجمعة، وأنت ذاهب لبيت الله في سبيل الله سبحانه ﵎ قال: سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله ﷺ : (من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار)، وأكثر ما يكون ذلك في الجهاد في سبيل الله، ومن الجهاد أيضاً التوجه إلى بيت الله، والمحافظة على الصلوات وخاصة صلاة الفجر العشاء، فإذا واظبت على ذلك كانت خطواتك هذه في سبيل الله.
стр. 93
شرح حديث أوس بن أبي أوس: (من غسل يوم الجمعة واغتسل)
حديث آخر من الأحاديث التي جاءت في يوم الجمعة، يقول فيه أوس بن أبي أوس الثقفي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل) والحديث في المبالغة تأكيداً على غسل يوم الجمعة (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر)، أي: مبكراً لصلاة الجمعة ومشى مشياً ولم يركب، (ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغُ) أي: أنه لم يقعد بعيداً ولكن قرب من الإمام بحسب ما تيسر له، ومعنى: (ولم يلغُ) أي: لم يتكلم أثناء خطبة الجمعة ولم يعبث فيها، قال: (كان له بكل خطوة) أي: كل خطوة خطوتها من بيتك إلى المسجد (عمل سنة أجر صيامها وقيامها)، ومن يستطيع أن يصوم سنة كاملة، فإن في كفارات القتل الخطأ أو الظهار أو إتيان أهله في نهار رمضان يأمره الله بصوم شهرين متتابعين فيصعب على الإنسان ذلك، فكيف بسنة؟ وجاء في حديث آخر: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر) فإن الاغتسال في الجمعة فيه شيء من المبالغة (من طيب ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين) وهذا من آداب يوم الجمعة، فإذا أردت أن تجلس بين اثنين فعليك أن تستأذن ولكن لا تفرق بينهما فهما قد يكرهان ذلك.
قال: (ثم يصلي ما كتب له) فلما أن تتقدم لصلاة الجمعة والخطيب لم يأتِ بعد (ثم تنصت إذا تكلم الإمام إلا غفر لك ما بين جمعتك وبين الجمعة الأخرى).
فجملة الأحاديث فيها: أن المسلم عليه أن يحرص على التبكير لصلاة الجمعة، وعلى الاغتسال لها، وعلى أن يمشي إليها بقدر المستطاع، وعليه أن يجلس قريباً من الإمام ويدنو منه، ولا يفرق بين اثنين، ولا يلغو، وأن ينصت للإمام فيكون له هذا الأجر العظيم.
نسأل الله أن يعطينا من أجره وفضله ورحمته.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 94
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها [٣]
رغب الإسلام في الاغتسال والتطيب يوم الجمعة، وفي حضور صلاتها، وليوم الجمعة خصائص وفضائل على سائر الأسبوع، ففيه ساعة إجابة للدعوة، ويستحب في يوم الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، وقراءة سورة الكهف والإكثار من الدعاء.
стр. 95
فضل يوم الجمعة على سائر الأيام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري: [الترغيب في صلاة الجمعة.
روى الطبراني في الأوسط بإسناد جيد عن أنس بن مالك ﵁ قال: (عرضت الجمعة على رسول الله ﷺ ، جاءه بها جبريل ﵊ في كفه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتة السوداء فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير تكون أنت أول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قُسِمَ إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد).
روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها).
وروى أبو داود عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم يوم الجمعة معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي: بليت؟ فقال: إن الله جل وعلا حرم على الأرض أن تأكل أجسامنا).
стр. 96
شرح بعض الأحاديث في فضل الجمعة
فهذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في كتاب الترغيب والترهيب في باب الترغيب في صلاة الجمعة.
ومن الأحاديث: حديث أنس بن مالك ﵁ في أن يوم الجمعة عرضت على النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ نزل عليه جبريل بيوم الجمعة في كفه كالمرآة البيضاء، وأرى النبي ﷺ شيئاً في كفه، فنظر كالمرآة البيضاء في كف جبريل، وفي وسط هذه المرآة البيضاء نكتة سوداء -يعني: نقطة سوداء فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك يعني: تكون يوم الجمعة عيداً للمسلمين يوم الجمعة، فقد عرضت على اليهود وعلى النصارى فبدلوه، إذْ بدل اليهود الجمعة بالسبت وبدلها النصارى بالأحد.
أما المسلمون فثبتوا على يوم الجمعة، فهو اليوم الذي خلق فيه آدم واختاره الله بأن يهبط فيه إلى الأرض، واختاره عيداً للمسلمين، وبهذا اليوم تكون النفخة والصعقة، وفيه القيامة، فقال هنا النبي ﷺ يسأل جبريل: (ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً).
فيوم الجمعة هو العيد الأسبوعي للمسلمين.
وأعياد المسلمين تتميز بأن فيها ذكر الله ، وتبدأ دائماً بذكر الله سبحانه، ففيها أجر عظيم عند الله، فيوم الجمعة، ويوم الفطر ويوم الأضحى أعياد المسلمين، وأعظم صلاة تصليها في الأسبوع صلاة الفجر في جماعة، وصلاة الجمعة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] وهو عيد ويأمركم الله أن تبتغوا فيه من فضله، ولكن تذكرون الله فيه كثيراً.
وأيضاً: تصلون على النبي صلوات الله وسلامه عليه في يوم العيد، ويبدأ يوم عيد الفطر من صلاة العيد، وعيد الأضحى يبدأ بصلاة الأضحى، وأعياد المسلمين ليست مجرد لهو ولغو ولعب وضياع للوقت، ولكن يبدأ فيها بالصلاة، وفي يوم الجمعة تصلى الجمعة، وتصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه مكثراً من ذلك فهذا عيد المسلمين.
يقول جبريل للنبي ﷺ : لتكون لك عيداً ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، يعني: يومك الأول يوم الجمعة، واليهود يومهم السبت، والنصارى يومهم الأحد، فعيدنا قبل عيدهم، ويوم القيامة يكون الحساب على ذلك، فأمة الإسلام قبل غيرها من الأمم، وعند دخول الجنة أمة الإسلام أول من يدخل الجنة، والنصارى الذين تابعوا المسيح واليهود الذين تابعوا موسى المؤمنين منهم، يعني: الذين كانوا على عهد موسى، والذين كانوا على عهد عيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام يكونون تابعين لنا، فيدخل النبي ﷺ والمؤمنون من أمته الجنة أولاً، وهؤلاء من بعدهم.
أما اليهود والنصارى الموجودون بعد النبي ﷺ فكلهم كفار كما ذكر الله في كتابه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣].
وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
فلما يذكر المؤمنون من أهل الكتاب فيقصد المؤمنون الذين كانوا على عهد المسيح، والذين كانوا على عهد موسى على نبينا وعليهم الصلاة السلام.
قال: وفيها ساعةً لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه الله سبحانه، ويوم الجمعة فيها ساعة إجابة وهو يوم عظيم كله، وخصوصاً هذه الساعة لا كما يقوله الجهلة والمغفلون من الناس في يوم الجمعة: فيها ساعة نحس، هذا من كذبهم وتبديلهم لما يقوله النبي ﷺ ، بل إن يوم الجمعة فيه ساعة عظيمة لإجابة الدعاء، وهذه الساعة ذكر النبي ﷺ أن وقتها يسير وسنرى في الأحاديث هذه الساعة.
فيقول هنا جبريل: وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، يوم الجمعة في الآخرة وفي الجنة اسمه: يوم المزيد، إذ إن أيام الأسبوع موجودة، ولكن اليوم في يوم القيامة كألف سنة مما تعدون، ويوم الجمعة له فضيلة عظيمة، إذ يعطي الله المسلمين زيادة من فضله في هذا اليوم، ويطلعون إلى ربهم فينظرون إليه .
ومن الأحاديث: حديث أوس بن أوس ﵁ يقول فيه: قال رسول الله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة) وفضيلة هذا اليوم بقوله: (فيه خلق الله آدم، وفيه قبض) أي: توفى الله آدم فيه (وفيه النفخة) أي: يوم القيامة (وفيه الصعقة) أي: يصعق الخلق في هذا اليوم، كأنهم يموتون في يوم الجمعة، ويبعثون فيها يوم القيامة، (فأكثروا علي من الصلاة فيه).
ومن أفضل العمل في يوم الجمعة صلاة الفجر في جماعة، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، وإن الإكثار من الصلاة عليه في كل وقت أجره عظيم جداً، ويكفيك الله كلما أهمك بإكثارك الصلاة على النبي ﷺ .
ولكن يوم الجمعة بالذات له فضيلة أكثر، قال النبي ﷺ : (فإن صلاتكم معروضة علي) وإن كانت معروضة في كل وقت ولكن لها مزيد فضيلة في يوم الجمعة، وتعرض على النبي ﷺ في هذا اليوم بطريقة مختلفة عن أي يوم آخر، قالوا: (وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟) يعني: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أكلت الأرض لحمك كما تأكل لحم غيرك من الخلق، فكيف تعرض عليك صلاتنا وأنت على هذه الهيئة؟ فأخبرهم أن هذا لا يكون بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل الخلق إذا دخلوا قبورهم تأكلهم الدود وتفنى أجسامهم في قبورهم إلا الأنبياء، فتبقى أجسامهم كما هي في قبورهم، فقال ﷺ : (إن الله جل وعلا حرم على الأرض أن تأكل أجسامهم) فالأرض لا تأكل أجسام الأنبياء وتأكل غير ذلك، وإن كان هناك من الشهداء من يحفظه الله في الأرض كما يشاء ، ولكن الأنبياء كلهم لا تأكل الأرض أجسامهم.
стр. 97
زفة يوم الجمعة بأهلها إلى الجنة
ومن الأحاديث التي جاءت: ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحشر الأيام على هيئتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضاً، وريحهم كالمسك يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجباً حتى يدخلون الجنة، لا يخالفهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون) فهذه فضيلة لأهل الجمعة الذين يواظبون على صلاتها الجمعة ويأتون مبكرين لتأديتها، ويغتسلون لها ويتهيئون لها كما هو هدي النبي ﷺ فيها.
فالأيام تحشر على هيئتها كما يشاء الله ، ويحشر يوم الجمعة وقد مثله الله يوم القيامة، فيوم الجمعة شيء معنوي في الدنيا، لكن يهيئه الله ويمثله ويشخصه يوم القيامة كهيئة عروس تهدى في يوم الجمعة.
وهذه العروس -أي: يوم الجمعة- يحف بها أهلها الذين كانوا يواظبون على صلاتها في بيوت الله ، والذين كانوا يحرصون على الاغتسال لها، والذين كانوا يجعلون هذا اليوم عيداً بحق، فيفعلون ما أمر الله فيه من استعداد لها ومن صلاة جمعة، ومن ذكر لله ، ومن أعمال تختص بهذا اليوم، فهم يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها تضيء لهم، يعني: زفة عظيمة جداً: عروس ويحيط بها أهلها، وأهل هذه العروس: أهل الجمعة، وهم المؤمنون الذين كانوا يصلون الجمعة ويسرعون إليها ويأتون مبكرين إليها.
قال: تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضاً، ليس عليهم دنس من أدناس الذنوب، بل قد نقاهم الله وجعل ألوانهم بيضاء زاهرة.
قال: وريحهم كالمسك يخوضون في جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجباً يعني: كل الخلق ينظرون إلى المسلمين الذين كانوا يصلون الجمعة ويواظبون عليها ويتعجبون من جمالهم وطيب ريحهم، وهيئتهم.
قال: لا يطرقون تعجباً حتى يدخلوا الجنة، وكأنهم يحيطون بهذه العروس حتى تؤدي بهم أي: تأخذ أهلها وتدخل بهم إلى الجنة، وأي عظمة أعظم من هذه الجنة التي ينصرفون إليها من الموقف العظيم، فتراهم متجهين إلى الجنة في هذا الجمال العظيم والزفة العظيمة، فيدخلون الجنة وكل الخلق واقفون يشاهدون أهل الجمعة، وهم داخلون الجنة بهذا المنظر والموكب العظيم.
قال: لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون يعني: المؤذن الذي يحتسب أذانه ولا يأخذ عليه أجره.
стр. 98
سبق أهل الجمعة في القضاء بينهم يوم القيامة وسبقهم غيرهم في دخول الجنة
من الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه: حديث أبي هريرة وهو لحذيفة أيضاً: قال: قال رسول الله ﷺ : (أضل الله ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا، كان لليهود يوم السبت، والأحد للنصارى، فهم لنا إلى يوم القيامة) يعني: المسلمون أهل الجمعة يدخلون الجنة قبل غيرهم.
والآخرون: اختاروا أياماً بعدها السبت والأحد، فدخول المؤمنين أتباع النبي ﷺ الجنة يكون قبل غيرهم، والباقون بعدهم.
كذلك في القضاء يوم القيامة بين العباد يقضى للمؤمنين قبل غيرهم.
وقال ﷺ : (نحن الآخرون من أهل الدنيا) أي: نحن المتأخرون في الدنيا بعدهم، ولكن يوم القيامة قال: (والأولون يوم القيامة المقتضى لهم قبل الخلائق).
وفي رواية أخرى قال: (المغفور لهم قبل الخلائق).
стр. 99
ساعة إجابة الدعوة يوم الجمعة واختلاف العلماء في تحديدها
أيضاً: من الأحاديث حديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر الجمعة فقال: (فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها).
وفي يوم الجمعة ساعة إجابة الدعاء، وهي ساعة ليست طويلة، وقد تكون ساعة كاملة، وقد تكون نصف ساعة، وقد تكون ربع ساعة، ولكنها فترة من الزمن في يوم الجمعة، وهذه الفترة إذا وافقها عبد مؤمن وهو يدعو ربه سبحانه، استجاب الله له وأعطاه ما سأله.
وفي حديث أنس بن مالك تحديد هذه الساعة ففيه: (التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس) أي: من بعد العصر حتى غروب الشمس يستحب للإنسان المؤمن أن يكثر من الدعاء في هذا الوقت.
وفي حديث عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ جالس: (إنا لنجد في كتاب الله تعالى يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى الله له حاجته) قيل: هذه الساعة لعله يقصد في التوراة، فقد كان عبد الله يهودياً وأسلم رضي الله تعالى عنه، فكأنهم اطلعوا على ذلك، وعرفوا أن في يوم الجمعة ساعة إجابة دعاء، فهو يقول للنبي ﷺ : إنا كنا نعرف أن يوم الجمعة ساعة إجابة دعاء، قال عبد الله: فأشار إليه رسول الله ﷺ أو بعض ساعة يعني: قد لا تكون ساعة، وقد تكون أقل من ساعة، فقلت: صدقت أو بعض ساعة.
قلت: أي ساعة هي؟ يسأل النبي ﷺ أي ساعة في يوم الجمعة؟ فقال ﷺ : (آخر ساعات النهار) يعني: الساعة الأخيرة قبل غروب الشمس.
قال: قلت: إنها ليست ساعة صلاة فقال النبي ﷺ : (بلى) يعني: عبد الله بن سلام يقول: إن آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة ساعة لا صلاة فيها فقال له النبي ﷺ : (بلى إن العبد إذا صلى ثم جلس لم يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة).
في هذا الحديث فضيلة أن تكون في المسجد يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فإذ صليت العصر وجلست حتى غروب الشمس فأنت في صلاة، فإذا دعوت الله فكأنك قائم تصلي وتدعو ربك ، فالذي يفعل ذلك جدير بالإجابة.
في حديث آخر لـ جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة) أي: النهار اثنتا عشرة ساعة تقريباً (لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر).
واختلف العلماء في هذه الساعة وواضح من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ يذكر أنها آخر ساعة قبل غروب الشمس، وإن كان يستحب أن تدعو في اليوم كله، وقد اختلف العلماء في هذه الساعة على ثلاثة وأربعين قولاً.
فاختار منها الحافظ ابن المنذر سبعة أو ثمانية أوقات، ذكرها أنها راجحة عند العلماء كالتالي: القول الأول: من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
القول الثاني: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
القول الثالث: عند زوال الشمس، يعني: في وقت بداية أذان الجمعة.
القول الرابع: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة وهذا راجع لما قبله.
القول الخامس: إذا قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ.
القول السادس: هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة، يعني: صلاة الجمعة.
القول السابع: ما بين زوال الشمس وحتى يدخل الإمام في الصلاة، ومن وقت أذان الظهر حتى يدخل الإمام في الصلاة، يعني: كأنه دعاء الإمام في هذا الوقت يكون من ضمن دخوله في هذه الساعة بهذا القيد.
القول الثامن: هو أنها بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع يعني: أنها الساعة التي بعد وقت أذان الجمعة.
القول التاسع: ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس.
وهذا من أقوى الأقوال.
وأقواها: أنها آخر ساعة قبل غروب الشمس، فينبغي على المسلم أن يحرص على هذه الساعة وأن يكثر فيها من الدعاء، وأن يحرص في اليوم كله على الصلاة على النبي ﷺ وعلى قراءة سورة الكهف، وأن يحرص دائماً على صلاة الفجر في يوم الجمعة فإنها أعظم صلاة يصليها الإنسان كما سيأتي في أحاديث الجمعة إن شاء الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 100
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الغسل يوم الجمعة والترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر
يوم الجمعة من أعظم أيام الله، وقد اختاره الله للمسلمين ليكون لهم عيداً، وسن لهذا اليوم شعائر، وشرع له شرائع، فينبغي على كل مسلم أن يلتزم بها ويحافظ عليها؛ لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل.
стр. 101
الحث على الاغتسال والتبكير يوم الجمعة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الغسل يوم الجمعة والترغيب في التبكير إليها.
عن عبد الله بن أبي قتادة ذكر عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه، ثم تطيب من أطيب طيبه، ولبس من صالح ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يفرق بين اثنين، ثم استمع للإمام، غفر له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك)].
стр. 102
غسل يوم الجمعة يطهر العبد من أدران الذنوب
هذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الغسل يوم الجمعة، وفي الترغيب في التبكير إلى الجمعة وغير ذلك.
منها: حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ : (من اغتسل في يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى)، فهذا نوع من أنواع الطهارة، وهي طهارة للبدن، وطهارة لقلب الإنسان.
فطهارة البدن: طهارة من الحدث الأصغر ومن الحدث الأكبر، ومعلوم يقيناً أن الإنسان إذا أحدث انتقضت طهارته من الحدث الأصغر، ومعلوم أنه إذا أجنب انتقضت طهارته من الحدث الأكبر، فكأن هذا النوع من أنواع الطهارة المذكورة في الحديث نوع آخر غير التطهر من الحدث الأصغر أو الأكبر، وكأنها نوع من تطهير الإنسان من ذنوبه وذلك بزيادة الإيمان، وتطهير من دنس الشرك والمعاصي، لكن ليست معناها: أنه طاهر من الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن هذا لا يعقل أن الإنسان خلال اليوم لا يبول ولا يتغوط، ويكون على طهارة بسبب غسل الجمعة.
إذاً: الذي يقصده النبي ﷺ في طهارة الإنسان في الحديث طهارة أخرى غير الطهارة من الحدثين، فقال: (من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى).
وفي حديث آخر: (من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهراً إلى الجمعة الأخرى)، وكأنها التنقية من الذنوب، فيكفر الله عنه الخطايا والذنوب.
стр. 103
شرح حديث: (غسل يوم الجمعة واجب)
من الأحاديث حديث لـ أبي سعيد الخدري وهو في صحيح مسلم وفيه قال النبي ﷺ : (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه).
والحديث رواه مسلم والنسائي وهذا لفظ النسائي: (غسل يوم الجمعة واجب)، ومعنى الوجوب هنا يحتمل أنه الفرض، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، والراجح أنه بمعنى: اللزوم أو بمعنى تأكيد الاستحباب، والذي يدفع بهذا القول أنه جاء عن النبي ﷺ من قوله: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فدل هذا على أن الغسل ليوم الجمعة أفضل من الوضوء.
ولو كان الغسل واجباً فإنه لو توضأ سيكون آثماً؛ لأن الغسل واجب في الجمعة، ولكن كونه يقول: (بها ونعمت) دليل على أنه مجزئ، وأنه ليس عليه إثم إذا توضأ وذهب لصلاة الجمعة، لذلك فالراجح هو صرف هذا المعنى عن معنى الوجوب المعروف عند الأصوليين إلى معنى تأكيد الاستحباب.
(غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) والمحتلم هو البالغ، وليس معناه أنه لا بد أن يكون على جنابة حتى يلزمه هذا الغسل.
قوله: (وسواك) وهذا أيضاً من الصوارف لهذا الحديث عن بالوجوب، وجاء في الحديث الآخر: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)، وفي حديث: (عند كل صلاة)، والسواك باتفاق أهل العلم على أنه ليس فرضاً واجباً.
وإن كان هذا من دلالة الاقتران وهي ضعيفة عند الأصوليين، لكن الأقرب: أن السواك من المستحبات للجمعة، سواء كان المصلي يصلي الجمعة في رمضان أو في غير رمضان، والراجح جواز استخدام السواك طول النهار في الصيام وفي غير الصيام.
قال ﵊: (ويمس من الطيب ما قدر عليه) أي: يضع طيباً من أجل صلاة الجمعة، ويظن بعض الناس أن وضع الطيب في نهار رمضان مفطر أو مكروه، وهذا خطأ لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، ويجوز وضع الطيب في نهار رمضان كما يجوز في غير رمضان.
стр. 104
شرح حديث: (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين)
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك)، وهذا معناه نفس المعنى في الحديث السابق، وزيادة: أن يوم الجمعة يوم عيد.
стр. 105
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة)
من الأحاديث حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة)، ففيه ثواب عظيم جداً للإنسان المبكر في الساعة الأولى عند طلوع الشمس عندما يتوجه إلى بيت الله .
وتقسيم الساعات ورد في حديث ذكر خمس ساعات قبل صلاة الجمعة، وفي حديث ذكر ست ساعات قبل صلاة الجمعة، فكأنها تقسيم ما بين وقت انتهاء الفجر إلى غاية صلاة الجمعة وهنا في الحديث ذكر خمساً منها فقال: (ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة)، أي: كأنما قرب لله وأهدى جملاً أو ناقة، (ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) أي: كأنه ذبح خروفاً ووزعه على الفقراء، (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة)، وظاهر أن هذه الأشياء التي يتقرب بها الإنسان تكون في التبكير فقط، وأما ثواب صلاة الجمعة فشيء غير هذا، قال: (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة).
وفي رواية في حديث آخر قال: (من راح في الخامسة فكأنما قرب عصفوراً، وذكر في السادسة: فكأنما قرب بيضة)، فكأن الست الساعات قبل صلاة الجمعة مقسمة على ذلك، فكلما بكر الإنسان كان الثواب أعظم، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.
стр. 106
الحث على التبكير قبل صعود الإمام المنبر
ومن الأحاديث حديث ورد فيه أنه على كل باب من أبواب المساجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الداخلين إلى المسجد الأول فالأول إلى أن يأتي الإمام، فكأن الإمام آخر من يأتي إلى الجمعة، فإذا صعد الإمام على المنبر طويت الصحف، فلا يكتب في هذه الصحف أسماء أحد ممن يأتون متأخرين بعدما خرج الإمام على الناس.
وفي حديث لـ أبي أمامة عند أحمد والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ : (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم الصحف يكتبون الناس) أي: يكتبون أسماء الناس في صحف تكريم وتشريف لهؤلاء الحاضرين إلى الجمعة، قال: (فإذا خرج الإمام طويت الصحف).
فقال الراوي عن أبي أمامة: قلت: يا أبا أمامة: أليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعة؟ قال: بلى -أي: له جمعه- ولكن ليس ممن يكتب في الصحف، أي: لا يكتب من ضمن الناس المتقدمين إلى صلاة الجمعة، وسيأتي في حديث عن النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة في دخولهم الجنة وفي قعودهم للنظر إلى وجه الله سيكون ترتيبهم على حضورهم إلى الجمعة، فالمتقدم للجمعة هو من ينظر إلى وجه الله قبل غيره.
ويوم الجمعة اسمه يوم المزيد في يوم القيامة، فعلى ذلك فإن المسلم حين يعرف هذا الثواب يحافظ على الحضور في الجمعة مبكراً قدر استطاعته.
стр. 107
من آداب يوم الجمعة
جاء من حديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال النبي ﷺ : (اجلس فقد آذيت وآنيت).
فمن الأدب لصلاة الجمعة أن الإنسان يأتي مبكراً، فإذا ارتقى الخطيب على المنبر فلا ينبغي لأحد أنه يخترق الصفوف ويتخطى رقاب الناس.
فالنبي ﷺ بدأ يخطب وهذا الرجل جاء متأخراً وقام يخترق الصفوف؛ يريد أن يكون في الصفوف الأولى، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قطع الخطبة وقال: (اجلس)، فأمره أن يجلس، وفي قوله هذا زجر وتأديب له ولغيره من الناس، وأنه لا ينبغي هذا الفعل طالما الإمام على المنبر وبدأت الموعظة، فلا ينبغي لأحد أن يشوش على الناس.
ومن التشويش كذلك ما يفعله الأطفال الصغار الذين يسعون بين الناس ذهاباً وإياباً، فلابد من تعليم هؤلاء الأدب في ذلك، فالنبي ﷺ قطع الخطبة، وقال له: (اجلس)، وأدبه بقوله: (فقد آذيت وآنيت)، فالأذى يضايق الناس، والشيء الثاني: آنيت، أي: جئت متأخراً عن الصلاة، فهذا خطؤك أنت، فأنت الذي جئت متأخراً عن الصلاة فعليك أن تجلس حيث انتهى بك المجلس.
ومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ : (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، فعليه أن يشير إليه فقط، ولا يتلفظ ويقول له: اسكت، فإذا لغا ضاعت عليه صلاة الجمعة.
وفي حديث لـ أبي ذر ﵁ يقول: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريباً من أبي بن كعب فقرأ النبي ﷺ سورة براءة، قال: فقلت لـ أبي: متى نزلت هذه السورة؟) وأبو ذر هو أصدق الخلق لهجة بشهادة النبي ﷺ له.
فأبو ذر يسأل أبي بن كعب، وأبي بن كعب كان من حفاظ القرآن رضي الله ﵎ عنه، وأبي كان يسمع الخطبة وأبو ذر يسأله: متى نزلت سورة براءة؟ ومعنى هذا الكلام أن هذا حدث في أواخر حياة النبي ﷺ .
فلما قال ذلك قال: (فتجهمني ولم يكلمني) أي: نظر إليه ولم يرد عليه، قال: (ثم مكثت ساعة ثم سألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته، فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلى النبي ﷺ ، قلت لـ أبي: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ فقال أبي: مالك من صلاتك إلا ما لغوت) فسماه لغواً مع أنه سؤال في طلب العلم، ولكن في الخطبة لا ينبغي هذا.
قال: (فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله! كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة، فسألته: متى نزلت هذه السورة فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، فقال النبي ﷺ : صدق أبي، صدق أبي) يعني: صلاة الجمعة تكتب لك ظهراً فضاعت الجمعة.
وفي حديث آخر نفس الأمر يحدث لـ عبد الله بن مسعود مع أبي بن كعب ﵁، فقد دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فجلس إلى جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي ﵁، وظن ابن مسعود أنها موجبة، وابن مسعود من فقهاء الصحابة الكبار، فلما انتهى النبي ﷺ من صلاته، قال ابن مسعود: يا أبي! ما منعك أن ترد عليّ؟ قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة، فقال: بم؟ قال: تكلمت والنبي ﷺ يخطب، فقام ابن مسعود ودخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال ﷺ : (صدق أبي صدق أبي، أطع أبي) رضي الله ﵎ عنه، فحدثت هذه الحادثة مرتين مرة مع أبي ذر، ومرة مع عبد الله بن مسعود، وفي كل منهما بان الحكم الشرعي: أنه لا يجوز الكلام أثناء خطبة الخطيب، وإنما الذي يجوز أن تشير فقط، ولا يجوز لك أن تتكلم، بل والإشارة إذا كانت لغير هدف فإنها لغو، كإنسان يلعب بالحصى، فجمعته لاغية، فالنبي ﷺ ذكر لنا من ضمن اللغو مس الحصى فقال: (من مس الحصى فقد لغا).
ومن الأحاديث: حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (كفى لغواً أن تقول لصاحبك: أنصت إذا خرج الإمام في الجمعة)، فإذا لغا في الجمعة ضاعت عليه جمعته وصارت له كصلاة الظهر.
стр. 108
التحذير من ترك صلاة الجمعة
ورد حديث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم أحرق على رجالٍ يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)، جاء في رواية (الجمعة) وجاء في رواية: (الجماعة)، وهذا صحيح فتارك الجمعة وتارك الجماعة يستحقان ذلك.
وحديث آخر من حديث الجعد الضمري عن النبي ﷺ : (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه).
وحديث لـ أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ترك ثلاث جمعات بغير عذر كتب من المنافقين).
وجاء حديث آخر لـ محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قال: سمعت عمر ولم أر رجلاً منا به شبيهاً، قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق)، فكم هم الناس المنافقون الذين يسمعون النداء ويتغافلون عنه؟!
стр. 109
سنن يوم الجمعة
من سنن يوم الجمعة -كما سبق-: التبكير لصلاة الجمعة.
ومنها أيضاً: الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، فإن الصلاة تبلغه، وخصوصاً في مثل هذا اليوم، فالملائكة تبلغ النبي ﷺ ذلك.
من سننها أيضاً: ما جاء في سنن النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)، فالله يجعل له نوراً عظيماً ما بين الجمعة والتي قبلها، هذا إذا قرأ سورة الكهف، وإذا واظب على قراءتها في كل يوم جمعة كان له هذه الفضيلة، ويكون له في كل الأيام كما في هذا الحديث.
قال ﷺ في الحديث: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وما بين البيت العتيق) يعني: يعطى نوراً عظيماً، فتخيل أن لك نوراً يوم القيامة حجمه ما بينك وبين البيت العتيق، فيا ترى هذا النور أليس كافياً أن يضيء لك طريقك وسبيلك يوم القيامة؟!! نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 110
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها
من فرائض الله على عباده: الزكاة، فهي أحد أركان الإسلام، وهي من ضمن الخمس التي تدخل صاحبها الجنة مع اقترانها بالإيمان، وإخراج الزكاة يكون عن طيب نفس، ولا يخرج المسلم الزكاة إلا من أوسط ماله، فيجتنب الرديء، ولا يتكلف الغالي من ماله.
следующие страницы →