← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36971

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (337 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [١] القرآن هو الدستور الذي قادت به أمة الإسلام سائر أمم الأرض، وهو الحبل المتين والذكر الحكيم، ولعظم منزلته كان لقراءته أجر عظيم، وكان هذا الأجر ليس مقصوراً على الذي يجيد قراءته والماهر فيه، وإنما شمل كل مسلم قرأ كتاب الله ولو تتعتع فيه، بل لهذا المتمتع أجران.

стр. 142

الترغيب والحث على قراءة القرآن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في قراءة القرآن. وعن عقبة بن عامر ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك، فقال ﷺ : أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، رواه مسلم وأبو داود. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانه، ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة ليس لها ريح، وطعمها مر)، متفق عليه. هذه أحاديث أخرى يذكرها الإمام المنذري ﵀ في كتابه الترغيب والترهيب، في باب الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغير ذلك. فالمؤمن يقرأ كتاب الله، ويحفظ منه ما استطاع؛ لأنه يعلم أنه نور في قلبه، وأنه بحفظ المؤمن له، يحفظه الله به، فيتعلم القرآن؛ لأن خير الناس متعلم القرآن والعالم به.

стр. 143

شرح حديث: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان) وهنا من الأحاديث، حديث لـ عقبة بن عامر: (أنه خرج النبي ﷺ وهم في الصفة)، والصفة: مكان في آخر المسجد كان يجلس ويعيش فيه فقراء المسلمين، ويبيتون ويصلون فيه، فخرج عليهم وقال لهم: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم)، بطحان والعقيق: موضعان بالمدينة وفيها أسواق للناس فقال لهم: من يحب أن يذهب للسوق هنالك في بطحان أو في العقيق ويشتري ناقة من النوق السمان كوماء عظيمة ضخمة ويرجع من غير أن يصيبه إثم ولا يقطع رحماً في ذلك؟ فقالوا: كلنا يحب ذلك، فكلنا نريد أن نشتري ويكون عندنا نوقاً عظاماً من غير إثم ولا قطيعة رحم، فقال النبي ﷺ : (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين -وفي رواية أخرى- فيعلم أو يقرأ آيتين). فإذا كأن الذي يذهب إلى بيت الله فيتعلم آية واحدة ويحفظها أو يعرف الحكم الشرعي الذي فيها فهذا أفيد وأنفع له من أن يحصل على ناقة عظيمة كوماء أو جمل عظيم أكوم كما جاء في الحديث، أو ناقتين كوماوين، فالآية الواحدة خير له من ذلك، والثلاث خير من ثلاث نوق وهكذا. فقال ﷺ : (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، فهذا كنز عظيم لك، وأجر عظيم عند الله فإذا جئت إلى بيت الله فتعلمت آية سواء بقراءتها أو بحفظها فهذا خير وأفضل من أحسن الإبل، أو أنك تتعلم الآية حكمها الشرعي.

стр. 144

شرح حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة) من الأحاديث حديث أبي موسى الأشعري الذي يبين فيه النبي ﷺ الفرق بين المؤمن والمنافق، فهنا يقول: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ومثل المنافق -وفي رواية الفاجر- الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن. فكأن الناس منهم مؤمنون ومنهم منافقون ومنهم فجار، والمنافقون والفجار جعلهم في هذا الحديث في مرتبة واحدة في حفظهم للقرآن أو عدم حفظهم للقرآن، والمؤمنون هنا ذكرهم النبي ﷺ على قسمين: مؤمن قارئ للقرآن يعني: حافظ له، وقد وصفه بقوله: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب، وطعمها طيب)، والأترجة نوع من الموالح مثل البرتقال، وهو نوع من الحمضيات، وريحها طيب وطعمها طيب، فالمؤمن الذي يحفظ القرآن سواء حفظه كله أو حفظ بعض كتاب الله سبحانه، مثله كمثل هذه الأترجة الثمرة طيبة لذيذة الطعم. (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب) فهذا لا تعدم منه خيراً أبداً، ففي مجالسته لك خير، وفي مكالمتك له خير، فتسأله وتستفهمه عما تريد من أمر دينك وتتعلم منه؛ لأنه يقرأ القرآن. والصحابة كانوا يقرءون القرآن كما علمهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس مجرد حفظ كما هو حال كثير من الناس في زماننا، فيحفظ القرآن ولا يفهم شيئاً من معانيه، ويحفظ القرآن ولا يدري ما الذي يقرأه. وهذا خلاف ما كان يفعله الصحابة فقد كانوا يتعلمون القرآن علماً وعملاً، ويقرأ الواحد منهم ويتلو القرآن ويعلم ما فيه ويفهم معانيه؛ لأنه صاحب لسان ومن أهل اللغة العربية، فهم يفهمون القرآن العظيم، فلذلك إذا قيل: هذا قارئ للقرآن من أصحاب النبي ﷺ فمعناه: أنه قارئ حافظ عالم بمعانيه عامل بما فيه، فهؤلاء هم أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالذي يتشبه بهؤلاء مثله مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، فتكون قراءته للقرآن شيء حسن، وقراءة القرآن دليل على أنه يعرف أحكام القرآن فيعمل بها، فإذا خبرت هذا الإنسان واختبرته وجدته عاملاً به، ومثل هذا الإنسان مثل ما تجد الثمرة عندما تأخذها وتجد أن ريحتها طيبة، وعندما تتذوق طعمها تجد طعمها جميل، فحافظ القرآن من المؤمنين كذلك: ظاهره طيب، وباطنه طيب. وأما الصنف الثاني من المؤمنين: فهم من لا يحفظ القرآن ولا بعضه، فقد قال لنا النبي ﷺ : (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو)، فالتمرة تراها من بعيد فلا تشم لها رائحة، فلا نفع في أنك تراها من بعيد، لكن نفعها في أن تأكلها، فإذا أكلتها وجدت فائدتها، فكذلك الإنسان المؤمن الذي لا يحفظ القرآن، فيكون النفع في التعليم غير موجود، لكن النفع في العمل موجود، وأن هذا المؤمن يعمل لله ، فتجده في العمل يعمل ولكن في التعليم لا يوجد له أثر؛ لأنه لا يحفظ كتاب الله ، ولا يعرف أحكامه. وهناك فرق كبير بين من يحفظ ويعلم ويعمل وبين من يعمل ولا يحفظه. ثم ذكر في الحديث صنفاً غير المؤمنين وهم المنافقون والفجار، فجعلهم مع القرآن بمنزلة المنافق، إما منافق يحفظ القرآن أو يحفظ بعضه، وإما منافق لا يحفظ شيئاً من القرآن، والمنافق الذي يحفظ القرآن قال لنا: (مثله مثل الريحانة)، فعندما تشم ريحانة تجد رائحتها جميلة من بعيد، ولكن عندما تتذوقها تجد طعمها مر، وكذلك المنافق، فتنتفع من المنافق الذي يقرأ القرآن بشيء فلعله يقرأ القرآن بصوت جميل، فيعجبك صوت، ولعلك تسأله عن أماكن الآيات فيجيبك، وتجده لا يعمل بشيء مما ورد في القرآن، فيستبيح لنفسه أن يكذب وينافق ويرائي ويخادع ويخون؛ ولهذا شبهه النبي ﷺ بالريحانه؛ فرائحتها فيها فائدة، وهذا مثل كلامه المحسَّن، وأما عمله فلا فائدة فيه، فهو منافق، فإذا خبرته وجدت المرارة في عمله، ووجدت بعده عن دين الله . والمنافق أو الفاجر الأخير الذي جاء ذكره في الحديث هو الذي لا يقرأ القرآن، وبهذا يكون قد جمع الشر كله، فهو لا يعرف شيئاً في دين الله ، ولا يعمل بما أمر الله سبحانه، فمثله كمثل الحنظلة رائحتها غير طيبة، فلا تنتفع برائحتها، فهو لا يعلَم ولا يعلِّم، وكذلك إذا خبرته وبلوته في العمل وجدت منه المرارة في أعماله، ووجدت منه الخيبة والخسران في أقواله وأفعاله، قال ﷺ : (كمثل الحنظلة: ليس لها ريح وطعمها مر). ولذلك فالإنسان المؤمن الذي يجد هذه الصور الأربع التي ذكرها النبي ﷺ يتنافس في أعلى ما يكون وأفضل ما يكون، ويحاول أن يحفظ كتاب الله ، وحفظ القرآن يسير على من يسره الله له، وإنما يحتاج لإرادة وعزيمة، والإنسان المؤمن الذي يحب أنه يحفظ القرآن سيعينه الله على ذلك، وحفظ القرآن لن يكون بين يوم وليلة، وإنما يحتاج لمكافحة ومتابعة ومحافظة على ما تحفظه بمراجعة ما سبق حفظه، وبقراءته في صلاتك حتى يثبته الله في قلبك. وهناك كثير من الناس يطلق عليه أنه يحفظ القرآن، فلما يُطلب منه أن يقرأ هذه الآيات فلا يعرف منها شيئاً، وحفظ القرآن لا يكون بالقوة، فإذا أردت مثلاً أن تحفظ سورة البقرة مثلاً في يوم واحد، فلا تستطيع، وهذا لا يمكن، فعليك إذا أردت الحق أن تبدأ من آخر المصحف من جزء عم، ومن السور القصيرة وتحفظ شيئاً فشيئاً إلى أن تتمرن على الحفظ وتصل إلى السور الكبيرة بعد ذلك، وأما أن تترك قصار السور والسهلة منها وتحاول حفظ السور الطويلة التي آياتها طويلة وأحكامها متشابهة، فلعله يكون صعباً عليك، لذلك فالعلم آية آية وحديث حديث. ولا تمل ولا تيأس، وخاصة إنك قرأت كلما أعطاك الله من الأجر، فعندما تقرأ القرآن وأنت حافظ له ومجيد للقراءة فلك درجة عند الله، وعندما تقرأ القرآن وهو صعب عليك وتتعتع فيه فلك درجة عند الله ، وفي كلا الحالتين أنت مثاب، فلا تترك القرآن أبداً، ولكن حاول أن تتعلمه. ونرى في حديث السيدة عائشة ﵂، الذي رواه البخاري ومسلم والذي قال فيه ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)، والماهر هو الذي يحفظ القرآن حفظاً جيداً، وحفظه للقرآن علماً وعملاً، فيحفظ القرآن ويعمل بما يحفظه من القرآن ويفهم معاني القرآن، وهذا من أعلى ما يكون، فهو مع السفرة الكرام البررة، والسفرة هم الملائكة، وهم سفراء الله إلى الأرض، وقد نزلوا بالقرآن من عند الله ، والملائكة لا تخطئ في الذي تنزل من عند الله ، فكذلك الإنسان الذي يحفظ القرآن فإنه يقيمه حروفاً وحدوداً، ويعرف معانيه ويقرأه دائماً في صلاته وغيرها، وهذا مع السفرة الكرام الأبرار. قال ﵊: (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) أي: أنك ما دمت تقرأ القرآن فلن تعدم خيراً أبداً، فعندما تقرأ القرآن وتتعتع فيه وتقرأ الكلمة وتعيدها مرة أخرى إلى أن تتقنها فلك على كل حرف عشر حسنات، ولك على هذه التعتعة والمشقة التي تقرأ بها القرآن لك فيها أجران، لذلك فالإنسان المؤمن يجب عليه أن يقرأ القرآن حتى ولو كان لا يجيد قراءته، ولكن لابد من التعلم، فالإنسان لا يركن للخمول والراحة التي هو فيها، فعلى الإنسان أن يحاول، وليبحث عمن يعلمه، ويحضر مجالس الذكر ومجالس العلم؛ لكيلا يستمر على ضعف في القراءة، ولا يمنعك من حضور مجالس الذكر الخجل وتقول: أنا أخجل من أن أقرأ وأخطئ ومن ثم يسخروا مني، فاعلم أن لك أجرين؛ لأنك أتعبت وذللت نفسك لطلب العلم، ولذلك فالإنسان الذي يصل إلى درجة العالم لا بد وأن يذل نفسه للعلماء حتى يتعلم منهم، ولذلك يقال: إن العلم ينال ببذل النفوس، فالإنسان يتواضع لمن يعلمه ويتعلم منه، فإذا قرأ القرآن وغلط فإنه يذهب لمن يعرفه كيف يقرأ القراءة الصحيحة. وأما الإنسان الذي يستحيي فإنه يضيع منه العلم، فإن العلم يضيع من الإنسان بأمرين هما: الكبر والحياء، فإذا منعك الخجل فإنك لن تقرأ ما حييت. والإنسان الذي يتكبر عن سؤال غيره بحجة أنه أفضل من غيره فلن يصل وحده أبداً، وإنما ينال العلم بالصبر على مجالسة أهل العلم حتى يصل الإنسان إلى ما يحبه الله . وورد حديث عن أبي ذر أنه قال: (يا رسول الله! أوصني، فقال ﷺ : عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله، قال: زدني يا رسول الله! فقال: عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء). فتلاوة القرآن نور لك في قلبك في طريقك وفي سبيلك وفي دعوتك إلى الله ، فهو الذي ينور الله به بصرك وبصيرتك، ويفتح مداركك وحسك وقلبك بهذا القرآن العظيم، وهو ذخر لك، وأجر مدخر عند الله في السماء. نسأل الله أن يعيننا على حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وعلى العلم والعمل على الوجه الذي يرضى به عنا . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 145

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٢] لقد أنزل الله كتابه الكريم وحث على تدبره وتعقله والعمل به، وجعل لحفظته والعاملين به الأجر العظيم عنده سبحانه، وخصهم من بين سائر الناس أن جعلهم أهله وخاصته، وليس ذلك إلا لقارئ القرآن والعامل به، بل ما رخص النبي ﵌ أن يحسد أحد إلا اثنان أحدهما: قارئ القرآن والعامل به، والتالي له آناء الليل وأطراف النهار. فأنعم بها من نعمة، وأجزل به من أجر وشرف.

стр. 146

أنواع الحسد الجائز الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. روى الإمام البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل) وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن أسيد بن حضير بينما هو في ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ ثم جالت أيضاً، فقال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى -يعني: ابنه- فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى لا أراها، قال: فغدوت على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير قال: فقرأت ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت، ثم جالت أيضاً، فقال رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير قال: فانصرفت وكان يحيى قريباً منها خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ : تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستر منهم) متفق عليه. وهذه أحاديث أخرى يذكرها الإمام المنذري ﵀ في الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها. فمن الأحاديث حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا على اثنتين) وجاء في حديث أبي هريرة وفيه: (لا حسد إلا في اثنتين). والحسد هنا بمعنى: الغبطة حيث يغتبط الإنسان ويغبط غيره، ويغبطه أي: يتمنى أن يكون لنفسه مثلما لهذا الإنسان. فهذا هو المقصود من الحسد في هذا الحديث، وإلا فالحسد مذموم شرعاً، وهو حرام، وربنا أمرنا أن نتعوذ من شر حاسد إذا حسد. أما الحسد فأصله تمني زوال نعمة الغير، كأن يرى في يد غيره نعمة فيتمنى أن تزول هذه النعمة من الغير، خاصة إذا كان هو محروم منها، فهو لا يحب لغيره أن يؤتى بشيء ليس عنده، أو يتمنى أن تزول من يد هذا الإنسان وتصير إلى يده هو، فهذا هو الحسد الذي نهينا عنه شرعاً. أما أن تغبط ما مع الإنسان وتتمنى أن يكون معك مثل الذي معه فلا مانع من ذلك، وخاصة في أمر الخير. فالنبي ﷺ يقول لنا: لا حسد أي: لا غبطة إلا في أمرين اثنين، قال: (إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان). فهنا يجوز للإنسان أن يتمنى أن يكون حافظاً للقرآن مثل فلان الذي يحفظه، ويتمنى من الخير لنفسه مثل هذا الخير الذي عند فلان فهذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن يكون إنسان له مال ينفقه في الحق، وفي سبيل الله سبحانه، ينفقه على الفقراء، والمساكين، وذوي القربى، واليتامى، وينفق في كل وجه من وجوه الخير، فهو لا يكتنز المال وإنما ينفقه. إذاً: معنى كلمة (فهو يهلكه في الحق) وفي الحديث الآخر: (فسلطه على هلكته) يعني: سلطه الله على هذا المال بالإنفاق ولا يمكن لإنسان أن ينفق لله ويحرمه الله سبحانه، قال النبي ﷺ : (ما نقص مال من صدقة) فالإنسان ينفق والله يزيد من خيره وبركاته وفضله سبحانه. فيرى إنسان هذا الذي ينفق في سبيل الله فيتمنى أن يكون لديه مال مثل هذا الإنسان فينفق كنفقته. فهذا حسد جائز، أو هذه رخصة جائزة، لكن أن يغبط الإنسان على شيء من أمر الدنيا ويحسده عليها، فيتمنى له مثلما معه من أمر الدنيا، أو أن تزول نعمة هذا الإنسان، فهذا لا ينبغي. فلا ينبغي أن يتمنى زوال نعمة الغير، أو يتمنى أن يكون له حظ من الدنيا كحظوظ أهل الدنيا من اللهو واللعب واللغو؛ إذ لا ينبغي أبداً أن تتمنى ضياع وقتك وأن تلغو مثل فلان، ولذلك جاء في حديث آخر (اثنان هما في الأجر سواء، واثنان هما في الوزر سواء). فالذين في الأجر سواء رجلان: أحدهما عالم علمه الله من القرآن وعلمه من السنة، فهو يعمل بعلمه، وأعطاه مالاً ، فهو بعلمه ينفق ماله في كل وجوه الخير، ورجل آخر فقير ليس عنده مال ولا علم، فهو ينظر إلى هذا العالم الذي يتصدق وينفق فيقول: يا ليت لي مثل ما مع فلان، ولو كان لي مثل ما مع فلان لفعلت أكثر منه، فهذا فقير محروم ليس معه مال، لكن نيته صالحة. فهو النية الجميلة يقول النبي ﷺ : (هما في الأجر سواء، واثنان في الوزر سواء، رجل ليس عنده علم وعنده مال كثير، وينفق هذا المال في سبل الشر جميعها، ورجل ليس عنده علم وليس عنده مال فيقول: لو أن لي مثل ما عند فلان لفعلت أكثر منه -يعني من المعاصي والشرور والمصائب- فهما في الوزر سواء). فالإنسان إذا تمنى الشر أثم عند الله إذا علم الله من نيته أنه لو مكن من هذا لفعل، أما من تمنى الشيء ثم تركه خوفاً من الله فهذا يؤجر، وتكتب له حسنة عند الله . ولذلك فاحذر من تمني الشر، واحذر من حسد الناس وتمني زوال النعمة عنهم. وقالوا: ما رأينا ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود. فالإنسان الحسود كلما رأى خيراً وصل لأحد حزن واغتاظ وكأنه مظلوم في هذا الأمر. فمثل هذا الرجل هو ظالم لنفسه وظالم لغيره ومتشبه بالمظلومين خسر الدنيا والآخرة، حيث حرم في الدنيا فلم يعط، وهو في الآخرة يحاسب على حسده للخلق. وربنا يقول لنا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] أي: هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 147

فضل قراءة القرآن من الأحاديث الجميلة في هذا المعنى حديث أسيد بن حضير، ويروي هذا الحديث أبو سعيد الخدري. وفيه: أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده -والمربد: هو المكان الذي يجمع فيه التمر حتى ييبس فيه- فكان يصلي أسيد بن حضير بالليل في مربده، قال: إذ جالت فرسه أي: كانت فرسه مربوطة بجواره فإذا بالفرس تنفر وتضطرب وهي واقفة في مكانها، وكان ابنه بجوارها فخاف فسكت عن القراءة فسكتت الفرس، ثم قرأ القرآن مرة أخرى فإذا بالفرس تنفر مرة ثانية وأسيد بن حضير لا يعرف لماذا، فسكت مرة ثانية فسكتت الفرس، وفي المرة الثالثة سكت حيث خاف أن ترفس الفرس ابنه، فلما أصبح بالنهار ذهب للنبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال له رسول الله ﷺ : اقرأ ابن حضير) أي: أكمل قراءتك، وكأنه يستحضر حاله بالأمس ويقول له: كنت ستكمل قراءتك فلماذا سكت؟ فقال له: أكملت القراءة ولكن الفرس زادت نفوراً، فقال له: (اقرأ ابن حضير) يعني: استحضر حال الأمس، بمعنى: لو كنت أكملت القراءة، فقال له: خشيت على يحيى فانصرفت، فلما أكمل القراءة أو الصلاة التي كان فيها انصرف ونظر في السماء وجد مثل الظلة أي: سحابة في السماء مليئة بالمصابيح وكانت هذه السحابة فوق رأسه وتدنو منه أثناء قراءته للقرآن، قال: رأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، وكان يقرأ القرآن حتى كانت السحابة من النور تنزل من السماء والفرس تراها وتنفر من مكانها، فهو يسأل ما هذه السحابة التي فيها النور كأمثال المصابيح؟ فقال رسول الله ﷺ : (تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم). فهنا قدر الله أن تستتر حتى لا يرى الناس الملائكة، ولو أنه أتم قراءته ونزلت الملائكة تدنو منه لأصبح يراهم الناس لعرفوا أن الملائكة تستمع لكتاب الله وخاصة من حسن الصوت به. وفي رواية أخرى: (قال: فالتفت فإذا أمثال المصابيح مدلاة بين السماء والأرض. فقال: يا رسول الله! ما استطعت أن أمضي، فقال النبي ﷺ : تلك الملائكة نزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب)، أي: لو مضيت في قراءتك لرأيت العجائب يعني: من نزول الملائكة من السماء إلى الأرض. والملائكة تنزل، ولكن قد تراها وقد لا تراها، بل أنت إذا قمت من جوف الليل فقرأت القرآن فإن الملك الذي معك يدنو منك يسمع القرآن الذي تقرأه، فإذا كنت في صلاة تقرأ وقد تسوكت ورائحة فمك طيبة فإنه يدنو منك حتى يجعل فمه على فمك، فلا تخرج منك آية إلا في فم الملك من حبه للقرآن. فلذلك على الإنسان المسلم أن يستعد لقراءة القرآن بأن يكون على وضوء، وأن يطيب فمه، وأن يحفظ كتاب الله سبحانه حتى يكون من أهل القرآن، بل من أهل الله .

стр. 148

بيان فضل أهل القرآن روى النسائي وابن ماجة والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته). فالإنسان المؤمن يحب أن يكون مع هؤلاء الذين يظلهم القرآن يوم القيامة عند ربه سبحانه يوم لا ظل إلا ظل ربك سبحانه. والمؤمن يحفظ كتاب الله قدر المستطاع، يحفظ منه ولا يراءي بعمله، ولا يطلب به الناس، فقد جاء في الحديث عن عمران بن حصين أنه مر على قارئ يقرأ، وبعد أن أكمل القراءة مد يده يسأل الناس، فقال عمران بن حصين: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) أي: سيأتي أقوام يقرأ الواحد منهم القرآن ليس لله وإنما لأخذ أموال الناس، فحذر النبي ﷺ من هؤلاء.

стр. 149

عموم ثواب حفظ القرآن لمن حفظه ولوالديه وجاء في حديث عن النبي ﷺ وإسناده فيه ضعف، ولكن له شواهد يرتقي بها إلى الحسن لغيره. عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوءه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتان لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم اكتسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن) فحث أولادك على حفظ القرآن، سيما إذا لم تستطع أنت، واحرص على أن يكون حالهم مع القرآن هو كما ورد في الحديث: (من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به) فهذا هو قارئ القرآن، أي: الذي يتعلم ويعمل. قال رسول الله ﵌: (ألبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوءه مثل ضوء الشمس) فهذا جزاء الوالدين، فكيف بالقارئ نفسه؟ وماذا سيكون له؟ ولذلك يقول الإمام الشاطبي في قصيدته: فيا أيها القاري به متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا هنيئاً مريئاً والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا فما ظنكم بالنجل عند جزاءه أولئك أهل الله والصفوة الملا أولو الفضل والإحسان والبر والتقى حلاهم به جاء القرآن مفصلا فقارئ القرآن من هؤلاء إذا كان أبوه وأمه يكسيان يوم القيامة كيف به هو وكيف بجزائه عند الله ؟ لذلك احرص على حفظ كتاب الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وليكن حفظك لله ليس للرياء، ولا لأن يقال قارئ للقرآن، ليس لأن يقال صوته حسن، ولكن لله . نسأل الله أن يجعلنا من أهل الله وخاصته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 150

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة [٣] القرآن دستور الأمة، ومنهجها المعقود عليه مصيرها ومكانتها، وانبثاقاً من هذه الأهمية العظيمة لهذا الكتاب الكريم كان لقراءته وتلاوته أجر عظيم وحسنات هائلة العدد.

стр. 151

أحاديث واردة في الترغيب بتلاوة القرآن بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه وترغيبه بسجود التلاوة. عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) متفق عليه. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم وأبو داود]. إن قراءة القرآن لابد للمسلم منها وخصوصاً في شهر رمضان شهر الصيام فهو شهر القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]. فالمسلم في هذا الشهر يعلم أن القرآن نزل فيه ولم ينزل فيه إلا لفضيلة عظيمة مرتبطة بهذا الشهر، وكون ربنا عندما يذكرنا بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فكأنه يأمرنا بمزيد العناية بالقرآن في هذا الشهر الكريم، ولذلك كان النبي ﷺ يتدارس القرآن في رمضان مع جبريل أكثر مما يكون في غير رمضان.

стр. 152

شرح حديث عثمان: (خيركم من تعلم القرآن) جاء عن النبي ﷺ حديث في صحيح البخاري، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وهذا جاء في البخاري فقط دون مسلم. وفيه أفضلية أن تتعلم القرآن؛ فإذا تعلمته علمته بعد ذلك، والإنسان الذي يتعلم دون أن يعمل لا يجوز له ذلك، ولكن يتعلم ويعمل بما تعلمه من القرآن، فالقرآن فيه أحكام الحلال والحرام بشرع الله الذي جعله لنا منهاجاً وشريعة وحكماً يفصل بيننا، فالإنسان المسلم يتعلم القرآن ويعمل به ويعلمه. ويقول النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) أي: بلغوا عني ولو حكماً شرعياً من الأحكام. إذاً: ففي قول النبي ﷺ : (خيركم من تعلم) فيه أن الصحابة خير الناس؛ لأنهم تعلموا القرآن من النبي ﷺ وهم أهل لسان عربي فصيح، ففهموا القرآن الذي أنزله الله على المعنى الذي يريده . وأما أمثالنا فنحتاج أن نتعلم من اللغة العربية ما نستطيع أن نفهم من القرآن وعلينا أن نتعلم من كلام المفسرين الذين فهموا ما لم نفهم، وتعلموا ما لم نتعلم فنقرأ القرآن وتفسيره الذي ذكره علماء السنة من المفسرين. وذكر البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أحد القراء، وهو يروي هذا الحديث عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ . والمقرئ هو: الذي يعلم الناس ويحفظهم كتاب الله ، وهو غير القارئ؛ لأن القارئ له حافظ للقرآن، لكن المقرئ حافظ ومحفظ للقرآن. فـ أبو عبد الرحمن السلمي أقرأ في إمرة عثمان حتى زمن الحجاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا يعني: كان أبو عبد الرحمن يحفظ الناس القرآن، وكان له مجلس في المسجد يجلس فيه يحفظ الناس كتاب الله ، والفترة التي كانت منذ زمن سيدنا عثمان إلى نهاية زمن الحجاج حوالي ثمانٍ وسبعين سنة، وأقل ما قيل فيها: حوالي ثمانٍ وثلاثين سنة تقريباً. فهنا كأنه مكث هذه المدة الطويلة -سواء كانت سبعين سنة، أو ثمانٍ وثلاثين سنة- والعمر الطويل يحفظ القرآن ويعلم القرآن. ويخبر أبو عبد الرحمن السلمي فيقول: إن هذا هو الذي أقعدني مقعدي هذا. فجلس عمراً طويلاً جداً يحفظ القرآن ويعلمه، وسبب تحفيظه وتعليمه القرآن هو هذا الحديث العظيم الذي سمعه من عثمان وسمعه عثمان من النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). فإن قيل: أليس المجاهد خير الناس؟ ف الجواب أن هنا في هذا الحديث ذكر الذي يعلم القرآن ويعلمه، وهذا من الجهاد في سبيل الله في الدعوة إلى الله سبحانه، وفي حفظ دين الله سبحانه، والإنسان الذي يتعلم ويعلم أحكام كتاب الله ، ويعمل بها سيجد فيها الجهاد في سبيل الله، وكان الصحابة هم حفاظ القرآن وهم المجاهدون في سبيل الله ، فكأنهم تعلموا القرآن وعرفوا أحكامه وعملوا بهذه الأحكام فعلموها للناس وجاهدوا في سبيل الله . فالذي يجمع ذلك كله هو الذي يعلم ويحفظ كتاب الله ويعمل بما فيه، ويعلم ويجاهد في سبيل الله وهذا من خير الناس، أو هو خير الناس كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 153

حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة) من الأحاديث التي جاءت في الباب حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ وفيه: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة قال: والحسنة بعشر أمثالها) يعني: له عشر حسنات، قال: (لا أقول الم حرف) في رواية الترمذي. وقال: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف والحرف بعشر حسنات) وحين تقرأ (الم) من سورة البقرة فلك ثلاثين حسنة، فكيف لو قرأت عشر آيات منها؟! وكيف لو قرأت كل سورة البقرة؟! الحديث رواه أبو جعفر النحاس في كتاب الوقف والابتداء وفيه: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر فتلك ثلاثون) أي: ثلاثون حسنة تحصل عليها إذا قرأت الم، فكيف إذا قرأت سورة الفاتحة مثلاً وهي أعظم سورة في كتاب الله ؟! وكيف إذا قرأت آية الكرسي وهي أعظم آية في كتاب الله .

стр. 154

شرح حديث أبي هريرة: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) من الأحاديث العظيمة الجميلة التي نحتاج إليها في مثل هذه الأيام، حديث لـ أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائك وذكرهم الله فيمن عنده) وهذا حديث عظيم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو في صحيح مسلم، وأول هذا الحديث ذكر فيه النبي ﷺ : (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) وذكر الحديث وفيه: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله) وفضل التلاوة وقراءة القرآن وخاصة إذا كان على وجه السماع والاستماع، والمدارسة، فواحد يقرأ والآخر يصلح له الذي يقرأه ويحفظه، ويعلمهم الأحكام الموجودة فيه والملائكة تحب مثل هذه المجالس، فتجتمع الملائكة حول الناس وخاصة إذا كان في صلاة الصبح أو في صلاة العصر، فإن الملائكة تجتمع في الليل والنهار وفي صلاة الفجر وفي صلاة العصر؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم) ليعرفوا أحكام القراءة، وأحكام التجويد والأحكام الشرعية من حلال وحرام إلا نزلت عليهم السكينة) فينزل الله عليهم السكينة وهي الطمأنينة والسداد، فيأخذوا القيد وهدوء الحال وعدم انشغال إلا بما هم فيه من ذكر الله ، لذا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة فتغطيهم كاللحاف وتحفهم من حولهم، وتحيط بهم ملائكة الله وذلك في مجالس الذكر. قال: (وذكرهم الله فيمن عنده) فأجر عظيم للإنسان المؤمن الذي يجتمع مع إخوانه على مدارسة كتاب الله . في آخر الحديث يقول لنا النبي ﷺ : (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) فينبغي أن لا تعتمد على نسبك وأنك ابن فلان، وأبوك كان عالماً، فهذا لا ينفعك في شيء إنما ينفعك عملك الصالح. ولذا قال: (من بطأ به عمله) أي: الذي يعتمد على النسب وأن أباه كان حافظاً وشيخاً، فكل ذلك لا ينفعك عند الله ؛ لأنه يعرف حقيقتك، ولذلك: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) فإذا أسرع في العمل الصالح نفعه هذا العمل وكان له ذخراً عند الله . نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 155

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك [١] إن مما رغب الله به عباده التحري في الحلال والحرام؛ ليطيب للإنسان مطعمه فتجب بإذن الله دعوته، وهذه هي وصية الله للأنبياء والمؤمنين، وهو إحدى الخصال الأربع التي من كن فيه فلا عليه ما فاته من الدنيا، ولأن أخذ الحرام وعدم التحري فيه سبب لرد الصدقات، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

стр. 156

التحري في الحلال سبب لإجابة الدعاء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد إليه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟!) رواه مسلم والترمذي. وروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ الأمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه)]. هذا باب من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀، وفيه الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام. فالمؤمن مأمور بأن يبحث عن رزقه قال تعالى: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٩] وقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، والله قد كتب وقسم رزق كل شخص قبل ولادته. والرزق الحلال موجود، ولكن ابحث واصبر والله يعطيك من فضله وكرمه سبحانه. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فالله طيب ، ولا يقبل من عبده أن يتصدق إلا بالطيب، ولا ينفق إلا طيباً، ولا يأخذ إلا طيباً، ولا يعطي إلا طيباً، فلا يقبل إلا الطيب . قال رسول الله ﷺ : (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) أي: أمر جميع خلقه المؤمنين والمرسلين، فقال للمرسلين: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١] فأمر رسله عليهم الصلاة والسلام أن يأكلوا الطيبات، وقال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، والأمر نفسه أمر به المؤمنين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]. قال أبو هريرة: (ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب!). والمسافر مستجاب الدعوة، فإذا كان مسافراً وأشعث وأغبر فهذا قريب من الله ، فإذا مد يديه إلى الله فهو حيي كريم يستحيي أن يمد العبد إليه يديه ويردهما صفراً، ولكن هذا الإنسان لا يستحق أن يستجيب الله له، فهو يمد يديه ويقول: يا رب! يا رب! وربنا لا يعطيه شيئاً. والسبب ما ذكر بعد ذلك، قال: (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له). فإنسان لبسه حرام، وأكله حرام، وشربه حرام، أي: لا يتحرى الحلال، فإن كان في عمله سرق الناس وغشهم، وأكل أموالهم بالباطل، فإذا كان المكسب حراماً، ثم صرف هذا المكسب على طعام وشراب ولبس وسفر ثم يمد يده يقول: يا رب! يا رب! أنى يستجاب له؟! يعني: كيف يستجاب له؟! يعني: هو لا يستحق أن يستجيب الله له. ولذلك فعلى المؤمن أن يطيب مطعمه ومكسبه؛ حتى يستجيب الله دعاءه.

стр. 157

خصال الخير خير من الدنيا وما فيها من الأحاديث: حديث رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا)، معنى: أربع: أي: أربع خصال، أو أربع صفات، إذا أكرمك الله بهذه الصفات وكن موجودة فيك فلا يهمك أي شيء من الدنيا ضاع ولو ضاعت الدنيا جميعها، وهن: (حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة). فأولهن: حفظ الأمانة، والأمانة من أخطر وأصعب ما يكون، فلقد رفضت الجبال والسماوات والأرضون أن تحمل هذه الأمانة، قال الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. ولا شك أن هذه أقوى من الإنسان، ومع ذلك لما عرضت عليها الأمانة، أي: التكاليف، بأن عرض عليهن تكليفهن كما كلف الإنسان، فيقال له: اعمل كذا وإن كلفتن فهناك ثواب وعقاب، فأبين حملها، وخفن من عقوبة رب العالمين . أما الإنسان فقبل هذه الأمانة، وأن يعطيه الله العقل والتكليف ثم تختار لنفسك أي الطريقين: طريق السعادة أو طريق الشقاوة، وبناء على ذلك تحاسب، والله يقدر الأقدار . فهذا هو اختيار الإنسان وفي طبيعته الجهل والظلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. فالأمانة: هي التكاليف الشرعية، والله أمرك وكلفك بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والطهارة من أجل الصلاة والعبادة، وغير ذلك من أمانات الله في خلقه. ومنها أيضاً: حفظ معاملات الناس كأماناتهم، وودائعهم، وحفظ حق الجوار والضيف، وحفظ الإنسان أهله، وغير ذلك من أمانات الله التي أمرنا أن نراعيها. فإذا كانت هذه الخصلة في نفسك فحافظ على أمانة الله وعلى أمانات الخلق. الثانية: صدق حديث، والصدق لا يأتي إلا بخير، ومهما يصاب الإنسان بضرر بسبب صدقه إلا أن نهاية الصدق الخير كما ذكرنا في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه. فإذا كان الإنسان صادقاً أحبه الله ، ووضع له المحبة في قلوب العباد، وكتب عند الله من الصديقين ولهذا يقول النبي ﷺ : (لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً). الثالثة: حسن الخلق، فإذا كان الإنسان المؤمن حسن الخلق أحبه الخلق، وقدر أن يتعامل معهم، فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر فيستجيبون له، ويرتفع العبد أعلى الدرجات يوم القيامة بحسن خلقه، فالإنسان لن يسع الناس بماله مهما أوتي من كنوز، ولكن يسع الناس بحسن الخلق. الرابعة: وعفة في طعمة، فلا ينظر إلى أرزاق الناس، ولا يكون في قلبه حقد على الناس. وكذلك مكسبه من حلال، فلا يطعم ولا يتذوق إلا الطعام الطيب. فهذه هي الخصال الأربع، وإذا اجتمعت في أحد فلا عليه ما فاته من الدنيا، ولو فاتته الدنيا جميعها، فله عند الله ما هو أعظم بكثير من هذه الدنيا.

стр. 158

الحرام سبب لرد الصدقة من الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ : حديث لـ أبي هريرة ﵁ ومثله لـ أبي الطفيل وذكر النبي ﷺ في الحديث: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه) يعني: لا يحل لك أن تأخذ المال من حرام، وإذا أخذت المال الحرام فيلزمك أن تعيده إلى صاحبه، ولا يجوز لك أن تتصدق بهذا المال. فلو أن إنساناً سرق مالاً أو اغتصبه ثم أراد أن يتصدق به وصاحبه موجود، فنقول له: ارجع المال إلى صاحبه، فلن يقبل الله منك ذلك. ومثله: من أخذ مالاً خبيثاً من خمر أو حشيش ومخدرات وغيرها، فلا يجوز له أن يقول: أبيع الحشيش لأجل أن أتصدق بالمال، بل خير للإنسان أن يظل فقيراً من بيع هذه المحرمات أو شرائها، فلقد قال ﷺ : (من اكتسب مالاً من مأثم فوصل به رحمه) واكتساب المال من مأثم يكون كأن غش فأخذ زيادة مال، أو خدع الناس ولبس عليهم، أو غبنهم في بيوعهم، أو سرق مالهم، أو اغتصبه، أو أخذ رشوة، أو أكل مالاً من سحت، أو أي نوع من أنواع المظالم والأموال المحرمة التي شاعت بين الناس وصارت كثيرة، وما من إنسان إلا ودخله من هذه الأشياء المحرمة ما دخل، فالذي يكسب هذا المال ثم يقول: أنا أصل به الرحم، فقال ﷺ هنا: (من اكتسب مالاً من مأثم فوصل به رحمه، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك كله جميعاً فقذف به في نار جهنم). يعني: هو بماله الذي كسبه من حرام، ثم تصدق به، أو وصل به رحمه في نار جهنم والعياذ بالله، فإن الله غني عن ذلك المال.

стр. 159

ضرورة التحري في الحلال في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ: أمن الحلال أم من الحرام)، أما زمن الصحابة فكان مستحيلاً أن يكون فيهم هذا الشيء، ومن بعدهم كانوا يأتسون بهم، ولا يزال يتباعد الزمان إلى أن يأتي على الناس زمان -وأظن أنا في مثل ذلك- يأخذ الإنسان الحرام ويستحله لنفسه، ويأخذ الرشوة ويقول: هي من عملي، ومرتبي ضعيف، ويغش الناس ويقول: المبيع لن يباع إلا بهذا الشيء، فتراه يحلف أنه اشترى المبيع بكذا وهو كاذب في يمينه، أو يحلف بأنه عرض عليه كذا وكذا ولم يعرض عليه من أحد، أو يكذب ويقول: هذا الشيء طيب وناضج، وهذا كذا وكذا فيمدح سلعته وهي متلفة كاسدة، ولا يهمه أن يخدع الناس في هذه الأشياء. فمن كان هذا حاله فهو وماله الذي كسبه في نار جهنم والعياذ بالله؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ: أمن الحلال أم من الحرام).

стр. 160

بيان طمع الإنسان وجشعه ورد حديث يبين جشع الإنسان فيقول بريدة ﵁: (سمعت النبي ﷺ يقرأ: لو أن لابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أعطي ثانياً لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). وهذه كانت آية ثم نسخ تلاوتها وبقي حكمها، وهي تدل على أن الإنسان طماع، فلو أن الله أعطاه وادياً من ذهب لتمنى وادياً ثانياً، ولو أعطاه ثانياً لطلب الثالث، ولا يملأ عين ابن آدم إلا تراب قبره إذا دخل فيه فامتلأت عينيه منه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ولذلك فعلى الإنسان المؤمن أن يحذر من الدنيا وفتنتها. وفي حديث النبي ﷺ : (يقول العبد: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم! من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت). وتفكر يا ابن آدم! لو أن عندك عشرة قصور فلن تعيش إلا في قصر واحد، وعلى سرير واحد. ولو أن عندك كل طعام الأرض فلن تأكل إلا ما يملأ بطنك، أو عندك كل ثياب الدنيا فلن تلبس إلا قميصاً واحداً. فإذا تفكر الإنسان في ذلك فلن يطمع في الدنيا، ولن ينظر إلى أخيه بعين الغلة والحسد والحقد، بل سيطمع في الدار الآخرة وفي جنة الرحمن، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

стр. 161

بيان حقيقة الحياء الحق عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء). فالإنسان الذي يستحيي يفني عمره ولا يشكو على أحد، أو يحسد أحداً، أو يطلب شيئاً ليس له، ولا يعمل الحرام أو يقوله؛ لأنه يستحيي من الله أن يراه على شيء من المنكرات. قال: (قلنا: يا نبي الله! إنا لنستحيي والحمد لله، قال: ليس ذلك) أي: ليس الذي أنتم تظنونه، ولكن أكثر من ذلك، (الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). فالاستحياء من الله حق الحياء: هو أن تحفظ كل بدنك، فتحفظ الرأس وما وعى، أي: ما وعى من أعضاء وحواس في رأسك، أو فم تتكلم به، أو أنف تشم به، أو أذن تسمع بها، أو عين تنظر بها. وتحفظ بطنك وما نزل فيها من طعام وشراب وما فيها من شهوة، وتتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا. فالإنسان إذا حفظ لسانه حتى في طعامه وشرابه، وحفظ سمعه عن المنكرات، وحفظ بصره من النظر إلى المحرمات، وحفظ نفسه من الوقوع في الشبهات والشهوات، فقد استحيا من الله حق الحياء، وهذا هو الذي يعين الإنسان عند الموت، فالموت آتٍ، والأيام تمر سريعاً، سنة إلى سنة، وشهر إلى شهر، ويوم إلى يوم، وهذه الأيام هي عمرك، وعمرك هو أنت، وبعدها قبر، ثم جنة أو نار، فإذا تذكر الإنسان ذلك، وتذكر أن ربنا خلقه ليعبده في الدنيا، وسيرجع إليه بعد ذلك ليجازيه ويحاسبه، كان ذلك أدعى لاستحيائه. وقوله: (تذكر الموت والبلى) أي: بلاء أعضاء الإنسان، فالإنسان في الدنيا يأكل ويقوى ويكبر، ثم يذهب ذلك كله في البلى والتراب. ويلبس الثياب ليجمل منظره أمام الناس ثم تبلى هذه الثياب وتضيع. فتذكر الموت، وتذكر البلى، ولا تغتر بهذه الدنيا. قال رسول الله ﷺ : (ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). نسأل الله أن يرزقنا الحياء منه حق الحياء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 162

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك [٢] وردت أحاديث ليست بالقليلة - فضلاً عن الآيات الواردة- في الترغيب والحث على الأكل من الكسب الحلال النقي الذي يجعل الإنسان يرتجي الثواب من عند الله ﵎.

стр. 163

الأحاديث الواردة في الترغيب في أكل الحلال بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟!). وروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق وحديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة).

стр. 164

أكل الحرام يمنع إجابة الدعوة الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام، منها: ما جاء عن أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فمن صفاته أنه طيب، ولا يرفع إليه إلا العمل الطيب، ولا يقبل من عباده إلا العمل الطيب، قال ﵊: (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فيستوي الجميع عند الله في التقرب إليه في الشيء الطيب، فأمر المرسلين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]. وقال للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]، (ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يرفع إلى السماء يقول: يا رب! يا رب!)، والمسافر مستجاب الدعوة كما جاء في حديث النبي ﷺ في ثلاثة يستجاب لهم: فذكر المظلوم، وذكر المسافر، وذكر دعوة الوالد على ولده. المسافر مع طول سفره كلما دعا استجيب له، ولكن الإنسان هذا الذي يأكل الحرام لا يستجيب له ربه، مع طول سفره ومع شعثه واغبرار وجهه، ومع كثرة ما يتعب في السفر، لكن لا يستجاب له. قال النبي ﷺ : (وذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)، والله يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا ولكن هذا يرد، يقول: (يا رب! يا رب!) هذا المسافر كان يتعمد أكل الطعام الحرام، سواء كان من سرقة أو من رشوة أو من سحت أو من غصب، فهو طعام ليس حلالاً فيأكل الحرام ولا يتورع، ومشربه حرام كذلك، وملبسه حرام وغذي بالحرام فقد تربى على هذا الشيء (فأنى يستجاب له؟!). فالمسافر يستجاب له لو كان طيب المطعم وطيب المشرب، وطيب الملبس وهذا الذي يستحق أن يستجيب الله له.

стр. 165

عفة المطعم تغني صاحبها عما فاته من الدنيا حديث آخر لـ عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : (أربع إذا كن فيه فلا عليك ما فاتك من الدنيا) فيقول النبي الكريم للإنسان المؤمن: لو فيك هذه الخصال الأربع وضاعت منك الدنيا كلها فلا تهتم ولا تحزن فإن لك الآخرة والجنة عند الله سبحانه، فلو لم تستفد شيئاً من هذه الدنيا إلا الأربع الصفات التي لا بد وأن تكون موجودة في كل إنسان مؤمن تقي نقي لكفى، قال ﷺ : (حفظ أمانة، وصدق حديث، وعفة في طعمة، وحسن خليقة أو حسن خلق). فقوله: (حفظ أمانة) أي: أن تكون حافظاً للأمانة وهي أمانة الله تؤديها كما أمرك: في الطهارة في الصلاة في الوضوء في الزكاة في الصوم في الحج في العمرة في الاعتكاف في الجهاد في سبيل الله في التعامل مع الناس بالحلال في عدم الخيانة في عدم الغش، وكذلك حفظ أمانات الناس من أموال وودائع وقروض، وغير ذلك من المعاملات التي ينبغي أن تحافظ عليها، وعلى أمانتك بينك وبين الله، وبينك وبين الخلق. قوله: (وصدق حديث) أي: أن تكون صادق اللهجة، فلا تتحدث إلا بصدق ولا تكذب أبداً، وقد رأينا في حديث ورد عن النبي ﷺ أن الكذاب يشدق ويشرشر فاه إلى قفاه بسبب كذبه، ولا يزال يصنع به ذلك وهو في قبره إلى أن تقوم الساعة. قوله: (وحسن الخليقة) أي: إذا حسنت خلقك أحبك الله وكنت قريباً من النبي ﷺ في الجنة، وأحبك الناس ودعوا لك. قوله: (وعفة في طعمة) أي: يتعفف الإنسان في طعامه، فلا يتكسب إلا شيئاً طيباً ولو كان قليلاً، ولا يدخل جوفه إلا ما أحله الله ، ويجتنب ما حرمه فإن الجسد إذا نبت من سحت فالنار أولى به، ومما نبت من لحمك من طعام قد حرمه الله سبحانه ومن أكل حرام ومن كسب حرام نبت منه لحم الإنسان فالنار أولى به والعياذ بالله.

стр. 166

تحريم أخذ المال الحرام بحجة التصدق به أو منه أيضاً: جاء في الحديث عند ابن خزيمة من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك). قوله: (إذا أديت زكاة مالك)، هذه الفريضة التي عليك، وما تصدقت به بعد ذلك فهو من المستحبات، ومن جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه، فالغاية لا تبرر الوسيلة أبداً، فالإنسان الذي يتعامل بالحرام ويقول: سأتعامل بالحرام من أجل أن آكل وأتصدق به لا يقبل منه ذلك. الإنسان الذي يتعامل بالرشوة ويقول: أنا سأتصدق بها، يحرم عليه ذلك، كما يحرم عليه أن يتعامل بالربا بهذه الحجة. يقول ﷺ : (ومن جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن فيه أجر وكان إصره عليه)، وقال في الحديث الآخر: (من اكتسب مالاً من مأثم) يعني: عمله عمل محرم، كأن يأخذ رشوة أو سحتاً أو يأكل من الربا أو يتعامل بالحرام، يقول ﵊: (فوصل به رحمه أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله) فهو يبرر لنفسه ما أخذه من مال حرام، فحتى ولو أنفق ذلك في سبيل الله لا يبرر منكره، وترى أناساً معهم مهن محرمة ويريدون أن يفعلوا خيراً، مثلاً: رقاصة تعمل موائد للرحمن وتقول: إنها تتصدق، وتذهب تحج بهذا المال، وتتصدق بأفخر الطعام للناس، قال ﷺ : (من اكتسب مالاً من مأثم فوصل به ﵀، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك كله جميعاً فقذف به في جهنم) يعني: المال وصاحبه في نار جهنم ولن ينفعه ما تصدق به، لذلك فتصدق من شيء طيب ولو قليلاً. وعرفتم حديث النبي ﷺ قبل ذلك: (سبق درهم مائة ألف درهم) وذلك أن هذا الإنسان صاحب الدرهم فقير مسكين ليس معه إلا درهمان فتصدق بأحدهما، فيكون قد تصدق بنصف ماله، فكان له أجر عظيم عند الله . والآخر لديه الملايين فأخرج منها مائة ألف، فلم تأثر شيئاً في ملايينه فله أجر عظيم عند الله، ولكنه عندما يقارن بين أجر من تصدق بنصف ماله، ومن تصدق بشيء من الأموال وإن كانت كثيرة فإن الأول يسبق الثاني وللثاني أجر عند الله . ومن الأحاديث: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ، أمن الحلال أم من الحرام) فيعمل أي عمل سواءً كان حلالاً أم حراماً، والذي يهمه فقط كيف يحصل على أكبر قدر من الأموال. وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة أيضاً: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: (الفم والفرج) الفم: والمراد بالفم: ما يأكله الإنسان. والفرج: أي: عند وقوعه في الزنا أو نحوه من الفواحش يكون سبباً في دخول صاحبه النار. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) فتقوى الله من أعظم الأشياء التي تدخل الإنسان الجنة، وكذا حسن الخلق وكلما حسن خلق الإنسان كلما رضي للناس جميعهم الخير، وكلما أحب الناس فلم يخدع أحداً، ولم يغش أحداً، وكلما تعامل مع الناس بمعاملات طيبة. ومن الأحاديث: حديث أبي بردة الأسلمي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) أي: لا يتحرك من مكانه حتى يسأل عن أربعة أشياء. وفي رواية أخرى: (عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به) ومعنى: عن عمره وعن شبابه أي: أين ضيعت عمرك وفيم أفنيت عمرك وشبابك وقوتك؟ قال: (وعن ماله) سؤالان عن المال (من أين اكتسبه وفيما أنفقه). وآخر الأشياء التي يسأل عنها عن علمه، فإذا كنت قد تعلمت كتاب الله وعرفت الأحكام الشرعية وعرفت سنة النبي ﷺ فما الذي عملته فيما علمت من ذلك؟ فأعدوا للسؤال جواباً. نسأل الله سبحانه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 167

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدر لقد من الله على عباده بأن جعل أصول دينهم واضحة الدلالة، منصوصاً عليها في كتابه وفي سنة نبيه ﵌، فبين الحلال والحرام، وجعل فيما دون ذلك أموراً مشتبهات، اختباراً لعباده وامتحاناً لهم، ولقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الورع واجتناب المشتبهات، خوفاً من الوقوع في الحرام، ومراقبة لربهم العلام، وهكذا فلنكن.

стр. 168

التحذير من الوقوع في المشتبهات الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدر. روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). وروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس). وعن وابصة بن معبد ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألت عنه، فقال وابصة: فدنوت حتى مست ركبتي ركبته فقال لي: يا وابصة أخبرك ما جئت تسأل عنه؟ فقلت: يا رسول الله! أخبرني، قال: جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم. فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدره ويقول: يا وابصة! استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمئن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)]. هذه أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكرها الحافظ المنذري ﵀ في الترغيب في الورع وترك الشبهات، إذ أن الدين يحثنا على الورع، والورع: هو أن يجتنب الإنسان الحرام وأن ويجتنب أن يقع في المكروه، ويتورع عن الشيء الذي يشكل عليه أن يقع فيه خشية أن يكون حراماً، فجاء في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: النبي ﷺ : (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات). أي: الحلال معروف في كتاب الله سبحانه وفي سنة نبيه ﷺ ، حيث نص على أن هذا حلال أو هذا حرام، فالحلال بين والحرام بين، وبين الاثنين -أي: بين الحلال والحرام- أشياء تشتبه على الإنسان فلا يعرف هي من الحلال أم من الحرام، فالورع يكون في مثل هذه الحالة أن يجتنبها، وأن يسأل أهل العلم، فإذا بين له أهل العلم أنها حرام اجتنب ذلك، وإذا قالوا له: إنها حلال أتاها، وإذا صار الأمر مشكلاً عليه فلا يعرف هو حلال أو حرام حيث أن فيها شبهة من هذا ومن هذا فليجتنبها وليبتعد عنها حتى لا يقع في الحرام.

стр. 169

الوقوع في المشتبهات سبب للوقوع في الحرام ديننا يعلم الإنسان أن يأخذ حذره؛ إذ لعله يأخذ من هذا الشيء المشتبه شيئاً وراء شيء إلى أن يصير الأمر سهلاً عليه، فلا يتحرى الحلال من الحرام، ويقع آخر أمره في الحرام. وقد ضرب النبي ﷺ هذا المثل فقال ﷺ : (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه). والحمى: هو حريم يجعله السلطان مكاناً محرماً وممنوعاً على الناس، كأن يقول: هذه الخيل للمسلمين، وهذه الإبل للمسلمين، وهذه للسلطان، فلو أن راعياً معه إبل أو غنم وجاء بالقرب من هذا المكان يرتع فيه، ويقول: المكان هذا مكان خصب، ولن أدخل مكان السلطان، بل أنا من حوله فهو لا يملك أن تدخل واحدة من الأغنام حمى السلطان، فلو أن هذا الراعي بجهله ذهب بغنمه حول مكان السلطان ورأى غنمه تدخل حمى السلطان، فعاقبة السلطان وأخذ منه الغنم، فرجع ولا غنم ولا مال لعاتبه الناس وسخروا من جهله، فكذلك هذا الإنسان الذي يرتع حول الشبهات ويأتي إلى الشيء المشتبه فيأخذ منه شيئاً فشيئاً إلى أن تحدثه نفسه بأكل الحرام فيقع فيه بعد ذلك وهو يعلمه، فلذلك على المؤمن أن يتحرى ويسأل، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. وليحذر الإنسان من أن يحوم حول المعاصي ومقدماتها التي توقعه فيها، فإن من حام حول هذه المقدمات أوشك أن يقع في المعاصي بعد ذلك. فعلى المؤمن أن يجتنب الحرام وما أشكل عليه، وأن يسأل أهل العلم في ذلك كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا سأل فليتجرد في سؤاله، بحيث لا يسأل بطريقة يأخذ بها الجواب الذي يريده، وكم من سائل يفعل مثل ذلك، فتجده يريد جواباً بعينه، فيسأل المسألة معمياً فيها على المفتي حتى يفتيه بالشيء الذي يوافق رغبته.

стр. 170

بيان بعض وسائل معرفة الحرام جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فكل ما داريته في نفسك وأردت أن لا تظهره فهو إثم وإن كنت تزعم أنه من المتشابهات. في حديث وابصة بن معبد أنه أتى النبي ﷺ يريد أن يسأله عن البر والإثم، فلما رآه النبي ﷺ قال له: (أخبرك بما جئت تسأل)، وهذه من معجزات النبي ﷺ ، فالرجل ما قال شيئاً بل أتى يسأل النبي ﷺ عن شيء، فقبل أن يسأل قال له النبي ﷺ : (أخبرك؟ فقال: نعم. يا رسول الله! فقال: جئت تسألني عن الإثم قال: قلت: نعم. يا رسول الله! فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها -أي: يدق بها على صدر وابصة - ويقول: يا وابصة! استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمئن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك). إذاً من الممكن أن يسأل الإنسان المفتي عن شيء أهو حلال أو حرام؟ وعلى حسب سؤال المستفتي يكون جواب المفتي بأنه حلال أو حرام، فالإنسان يمكن أن يعمي على من يجيب عنه بحيث يأخذ منه ما يريد، وهو في نفسه يعرف أن هذا حرام أو حلال، لكن كثيراً من الناس تجد أحدهم يريد أن يأخذ فتوى تبرر موقفه، ولسان حاله يقول: يتحمل عبء هذه الفتوى العالم وليس أنا، فنقول لمثل هذا: العالم لن يتحمل إلا ما أفتى به وبما استبان له، فهو إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، لكن أنت الذي عميت عليه، وأنت الذي خدعته في السؤال، فعليك الوزر في كل أحوالك.

стр. 171

نماذج من ورع أبي بكر الصديق وتركه للشبهات من الأحاديث التي جاءت عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه في تركه الشبه والحرام قول عائشة ﵂: كان لـ أبي بكر الصديق ﵁ غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء الغلام يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ -يريد بذلك أن يظهر مهارته- فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، وفي بعض الروايات أنها كانت امرأة وأخبرها بأنها ستلد ولداً، وقال لها: إذا أتيت بولد فأعطيني مقابل ذلك، وفعلاً ولدت المرأة ولداً فأعطوه مقابل ما قاله مالاً. فإذا به يخبر أبا بكر بهذا الأمر، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه؛ لأنه أكل لقمة أخذت من حرام، فهو يعلم أن النبي ﷺ حرم حلوان الكاهن، وهو ما يأخذه الإنسان على تكهنه، بأن يخبر أحداً بأمر سيحصل للمستمع في المستقبل ويطلب لهذا الأمر مقابلاً يسلم إليه عند حصول هذا الأمر. فغلام أبي بكر كان قد فعل هذا، وأخذ المقابل واشترى به طعاماً ثم قدمه لسيده، فأكل منه أبو بكر ﵁ لقمة وأراد أن يتقيأها فما استطاع، فظل يضع إصبعه في حلقه حتى كادت نفسه أن تزهق بسبب ذلك، فأشاروا عليه أنه يشرب ماء يسيراً ثم يرجع حتى تخرج، فقال: لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها؛ وذلك لأنه سمع من النبي ﷺ : (ما نبت من حرام فالنار أولى به).

стр. 172

بيان أعبد الناس عند الله وصفته روى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: يقول النبي ﷺ : (كن ورعاً تكن أعبد الناس)، فهذا الحديث يخبر بأن من أراد أن يكون أعبد الناس فما عليه إلا أن يكون على ورع، فيجتنب الحرام والمتشابه، ولا يأكل إلا طيباً، ويكون بذلك مستجاب الدعوة أيضاً، فكأن المدخل إلى طاعة الله هو الورع.

стр. 173

بيان صفة أشكر الناس قال النبي ﷺ : (وكن قنعاً تكن أشكر الناس)، أي: كن راضياً باليسير، فإذا رضيت باليسير شكرت الله سبحانه، ومن يشكر الله على اليسير يشكره على الكثير، وتكون بذلك أشكر الناس.

стр. 174

حب الخير للناس من علامات الإيمان قال النبي ﷺ : (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً)، أي: أن هذا من علامة الإيمان، فالمؤمن مع إخوانه وجيرانه، بل مع المؤمنين جمعياً يحب لهم ما يحبه لنفسه من محافظة على الصلوات، وصيام وقيام، وعبادة لله وغيرها، فإذا كان الإنسان يحب للناس ما يحب لنفسه فهذا من علامات الإيمان. فمن يحب للناس الخير يعطيه الله الخير، ومن في قلبه الضغائن والحسد للناس، فيتمنى زوال النعمة منهم وحصوله عليها، فهذا يشعر في نفسه أنه مظلوم؛ ولذلك قالوا: ما رأينا ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد. فالإنسان الحسود يحس أنه المظلوم الوحيد في هذه الدنيا، وأن كل الناس ظلمة؛ لأن لديهم نعماً من ربهم وليست لديه. وحقيقة شعوره أنه يشعر بأن الله هو الذي ظلمه، إذ أعطى الناس وما أعطاه، وأنعم عليهم ولم ينعم عليه، فيحرق قلبه بحسده، فيعاقبه من جنس عمله فيحرقه يوم القيامة بالنار بسبب الحسد. فعلى الإنسان المؤمن أن يحب الناس، ويحب الخير لهم، ويحب أن ينفعهم. فهذه هي علامة الإنسان المؤمن كما ذكرها النبي ﵌ في حديثه.

стр. 175

صور من علامات الإسلام الحق قال ﷺ : (وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً)، أي: أن علامة الإسلام الصحيح أن يكون الإنسان خيراً مع جيرانه، فلا يؤذي أحداً منهم، بل يحب الخير لهم، ويتفقد أحوالهم: هل عندهم طعام؟ وهل لهم حاجة يحتاجون إليها؟ فتراه يحب جيرانه، ويمنع أذاه عنهم، وإذا علم أن جاره يضايقه شيء لم يفعل هذا الشيء الذي يضايق جاره، فهذه هي علامة الإسلام الصحيح.

стр. 176

مضار كثرة الضحك النصيحة الأخيرة في هذا الحديث العظيم هي قوله ﷺ : (وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)، وهذه النصيحة نقولها لمن يحب أن يضحك كثيراً فيصير مهذاراً كثير الضحك. ونقول له: أنت لم تخلق للضحك، ولا يعني ذلك أن يمتنع الإنسان من الضحك مطلقاً، بل ساعة وساعة، أما أن تصبح طبيعة الشخص كثرة الضحك فهذا هو الممنوع؛ لأن الإنسان إذا تعود على الضحك والإضحاك فإنه إما أن يضحك على شيء حقيقي يستحق أن يضحك عليه، وإما أنه يخترع ويكذب على الناس من أجل أن يضحكوا على الكذب، وإن الكلمة يتفوه بها الإنسان من غضب الله تهوي به في النار سبعين خريفاً، أي: سبعين سنة، ومن يعتاد على إضحاك الناس يموت قلبه، ومن يركن إلى مثل ذلك يكون مثله. وكما قلنا: لا يعني هذا الأمر أن يمتنع الشخص من الضحك، ولكن بمقادير وحدود، بحيث لاتكون حياته كلها ضحك وسخرية واستهزاء بالغير، فيضحك الناس حتى يقال عنه أنه صاحب فكاهة، وإلا وقع في غضب الله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 177

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء إن دين الإسلام هو دين السماحة في جميع تفاصيله وتعاملاته، وقد أثنى الشرع الحنيف على من كان سمحاً في البيع والشراء والقضاء؛ لأنها غالباً ما تكون في أمور مالية محببة إلى قلب الإنسان.

стр. 178

الأحاديث الواردة في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن القضاء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء. روى البخاري وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، وفي رواية للترمذي: (غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلاً إذا باع، وسهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان هيناً ليناً قريباً حرمه الله على النار) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اسمح يسمح لك) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا مهدي بن جعفر. هذه الأحاديث جاءت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء، وهذا كله راجع إلى حسن الخلق، فالإنسان المؤمن يتعامل مع الخَلْق المعاملة التي يحب أن يُتعامل معه بها، فيحسن خلقه ويبتغي بذلك رضوان الله ﵎، وأيضاً يبتغي بذلك حب الناس، فإن الإنسان إذا أحبه الله سبحانه جعل محبته في قلوب الخلق، فيدعون لهذا الإنسان الذي فيه السماحة وفيه حسن الخلق وفيه اللين، فهو هين لين مع الناس.

стр. 179

شرح حديث: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع) جاء عن جابر ﵁ ومثله عن عثمان وعن عبد الله بن مسعود، ولفظ حديث جابر: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، والسماحة هي السهولة، فالإنسان عندما يسمح بماله، أي: يعطي ويبذل ماله ويسمح، فيكون سهلاً في عطائه، فقد دعا له النبي ﷺ أو أخبره وكلا الأمرين حسن فإن دعا فدعوته مستجابة، أو أخبر عن حاله فهذا من المؤكد أن الله سبحانه قد رحمه. وصفة هذا العبد السماحة في البيع فهو يبيع بسماحة وبطيب نفس، ويبذل ما عنده، ويعطي ولا يماري ولا يجاري ولا يغش ولا يخدع، وفيه سماحة في بيعه وعطائه فليس عنده تعنت، فإذا وجد المحتاج الذي لا يقدر على دفع المال فإنه يعطيه ويتسامح معه بطيب نفس وبطيب خلق، فرحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى، فيشتري ولا يبخس السلعة قدرها ولا يجادل كثيراً، ولا يخاصم في ذلك، ولا يرفع صوته ولكن فيه سماحة في شرائه، وعلى قدر ما يكون الإنسان كذلك على قدر ما تكون المعاملة بينه وبين الله سبحانه على ذلك. فلا تظن أبداً أن إنساناً يكون سمحاً في العطاء وأن الله يضيق عليه في الرزق فهذا مستحيل، ولا يكون أبداً، والجزاء من جنس العمل، فالإنسان الذي يشح ويبخل فهذا يضيق الله ﵎ عليه، حتى وإن كان رزقه أمام الناس واسعاً لكن تجده خائفاً على المال مستشعراً بالفقر وبأن المال سيضيع منه. فصاحب البذل وصاحب السماحة تجد الله يوسع عليه في الرزق حتى وإن كان رزقه ضيقاً ولكنه يعطيه في قلبه غنى يشعر من خلاله أنه غني. فإذا اشترى الشيء دفع فيه ثمن ما يماثله فلا يكثر من الجدال، ولكن ليس المعنى أن يُخدع في الشراء فإنه إذا خدع مرة لن يخدع كل مرة، ولكن المقصد أن يعطي الثمن الذي تستحقه هذه السلع دون بخس ودون زيادة، وعلى الإنسان ألا يتعود على كثرة الجدل وشراسة الخلق مع البائع، وهنا الدِّين يعلمنا اليسر والسهولة والسماحة في البيع والشراء، قال: (سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى). واقتضى أي: طلب القضاء، فمن حق المؤمن أن يطلب ماله عند الناس ولكن إذا طلب فليكن طلبه بسماحة وبسهولة، فإذا وجد الإنسان الضعيف الفقير يتسامح معه، فإذا كان معه مال دفعه وإلا صر عليه قليلاً، فالصبر على المال أجره عجيب وعظيم. فلو أن لك عندي مالاً ووعدتني بأن تدفع لي وترجع مالي يوم كذا بعد شهر مثلاً، فجئت بعد شهر أطالبه بالدين الذي لديه فإن أعطاني كان من الأجر كأني تصدقت بنصف مالي، جزاء أني دينت الرجل، فإذا سلفت إنساناً ألف جنيه مثلاً ودفع لك المال في وقته فأخذت الألف فكأنك تصدقت بخمسمائة جنيه جزاء دينك للمستدين. ولو فرضنا أنه جاء السداد المتفق عليه، ولا يوجد معه مال يعطيك، فصبرت عليه فلم تأخذ مالك، ولو أن تاجراً يحسبها سيجد أن المال لو استثمره وكان ألف جنيه مثلاً فسيكون له من الربح مقدار مائة جنيه مثلاً، ولكن الله يعطيك جزاء صبرك على دين الرجل أكثر من ذلك بكثير، فيكتب لك في ميزان حسناتك كأنك تصدقت في كل يوم صبرت عليه بمثل هذا الربح، فلو صبرت عليه عشرين يوماً لكان لك من الأجر أجر صدقة ألفين جنيه. وهذا الذي يصبر عشرين يوماً فكيف بمن ينتظر سنة أو سنتين لا شك أنه سيحصل على أجر كبير، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في ذلك، وهذا الذي يجعل الإنسان المؤمن في راحة إذا لم يحصل على ماله المستدان، فإذا دفع لك بعد عشرين سنة المال فقد كسبت هذا الأجر كله من الله سبحانه، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا ما طله آخر ليس من حقه أن يرفع عليه دعوى في المحكمة ويحاكمه، بل هذا من حقه، ولكن ينظر هذا الإنسان هل هو معسر أم موسر؟ فإذا كان موسراً ومماطلاً فيستحق أن يعاقب. فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) والمطل من المماطلة، وهذا مثل كثير من التجار تراه يستلف من هذا ويستلف من هذا ومعه مال، ولكنه يريد أن يوفر ماله في التجارة ويريد أن يزيد رأس ماله من مال الناس، ولكنه يؤخر أموال الناس، وكل ذلك من أجل أن ويحصل على أرباح ويكسب منها، فإذا أخذ إنسان منك ديناً ولديه القدرة على سداده فمن حقك أن تقاضيه، وهذا مستحق بنص حديث النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) ويحل عرضه يعني يقال عنه: إنه ظالم وأنه يأكل أموال الناس، ويحل عقوبته أي: بأن يقاضيه عند الحاكم، ويستحق العقوبة، ولو أنه صبر فإن ربنا يقول: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. أما المعسر من الأولى أن تصبر عليه وتؤجر من الله سبحانه لعل الله سبحانه يرزقك خيراً من ذلك ويرزقه فيرد عليك مالك. وفي رواية لهذا الحديث عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أدخل الله رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً الجنة) فرحمه الله سبحانه وجزاه الله الجنة على ذلك؛ لأن فيه يسر وسهولة ولين، إذا اشترى السلعة أو باعها تجده سهلاً، وسهل إذا كان قاضياً، أي: يقضي بالحق، وأمين في الأمانات والودائع وحقوق للناس، فإذا جاء وقتها ذهب بها إلى أصحابها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، قال: ومقتضياً يعني مطالباً بحقه.

стр. 180

شرح حديث ابن مسعود: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار) عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟) عندما نسمع هذا الكلام من النبي ﷺ تتطلع النفس إلى معرفة هذا الشيء، يقول ﵊: (تحرم النار على كل قريب هين سهل) يعني: تستطيع أن تتكلم مع هذا الإنسان بسهولة، وعندما تعتذر له يقبل منك الاعتذار دون أدنى صعوبة، فيكون قريباً من القلب قريباً من الناس. (إنما تحرم النار على كل هين لين قريب سهل)، وهذه كلها مترادفات، وكأنه يقول: المؤمن يكون على هذه الصفة الجميلة فيكون هيناً، والهين هو الإنسان السهل البسيط، في معاملته والذي لا يصعب الأمور ولا يعقدها فهو سهل في المعاملة، ولين في المعاملة، أي: ليس عنيفاً ولا صعباً ولا صخاباً، بل هو إنسان قريب سهل التناول. وكل مفردات الحديث مرادفات لمعنى واحد.
следующие страницы →