Полный текст (337 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مضار كثرة الضحك
النصيحة الأخيرة في هذا الحديث العظيم هي قوله ﷺ : (وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)، وهذه النصيحة نقولها لمن يحب أن يضحك كثيراً فيصير مهذاراً كثير الضحك.
ونقول له: أنت لم تخلق للضحك، ولا يعني ذلك أن يمتنع الإنسان من الضحك مطلقاً، بل ساعة وساعة، أما أن تصبح طبيعة الشخص كثرة الضحك فهذا هو الممنوع؛ لأن الإنسان إذا تعود على الضحك والإضحاك فإنه إما أن يضحك على شيء حقيقي يستحق أن يضحك عليه، وإما أنه يخترع ويكذب على الناس من أجل أن يضحكوا على الكذب، وإن الكلمة يتفوه بها الإنسان من غضب الله تهوي به في النار سبعين خريفاً، أي: سبعين سنة، ومن يعتاد على إضحاك الناس يموت قلبه، ومن يركن إلى مثل ذلك يكون مثله.
وكما قلنا: لا يعني هذا الأمر أن يمتنع الشخص من الضحك، ولكن بمقادير وحدود، بحيث لاتكون حياته كلها ضحك وسخرية واستهزاء بالغير، فيضحك الناس حتى يقال عنه أنه صاحب فكاهة، وإلا وقع في غضب الله.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 177
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء
إن دين الإسلام هو دين السماحة في جميع تفاصيله وتعاملاته، وقد أثنى الشرع الحنيف على من كان سمحاً في البيع والشراء والقضاء؛ لأنها غالباً ما تكون في أمور مالية محببة إلى قلب الإنسان.
стр. 178
الأحاديث الواردة في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن القضاء
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء.
روى البخاري وابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، وفي رواية للترمذي: (غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلاً إذا باع، وسهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان هيناً ليناً قريباً حرمه الله على النار) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اسمح يسمح لك) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا مهدي بن جعفر.
هذه الأحاديث جاءت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء، وهذا كله راجع إلى حسن الخلق، فالإنسان المؤمن يتعامل مع الخَلْق المعاملة التي يحب أن يُتعامل معه بها، فيحسن خلقه ويبتغي بذلك رضوان الله ﵎، وأيضاً يبتغي بذلك حب الناس، فإن الإنسان إذا أحبه الله سبحانه جعل محبته في قلوب الخلق، فيدعون لهذا الإنسان الذي فيه السماحة وفيه حسن الخلق وفيه اللين، فهو هين لين مع الناس.
стр. 179
شرح حديث: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع)
جاء عن جابر ﵁ ومثله عن عثمان وعن عبد الله بن مسعود، ولفظ حديث جابر: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، والسماحة هي السهولة، فالإنسان عندما يسمح بماله، أي: يعطي ويبذل ماله ويسمح، فيكون سهلاً في عطائه، فقد دعا له النبي ﷺ أو أخبره وكلا الأمرين حسن فإن دعا فدعوته مستجابة، أو أخبر عن حاله فهذا من المؤكد أن الله سبحانه قد رحمه.
وصفة هذا العبد السماحة في البيع فهو يبيع بسماحة وبطيب نفس، ويبذل ما عنده، ويعطي ولا يماري ولا يجاري ولا يغش ولا يخدع، وفيه سماحة في بيعه وعطائه فليس عنده تعنت، فإذا وجد المحتاج الذي لا يقدر على دفع المال فإنه يعطيه ويتسامح معه بطيب نفس وبطيب خلق، فرحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى، فيشتري ولا يبخس السلعة قدرها ولا يجادل كثيراً، ولا يخاصم في ذلك، ولا يرفع صوته ولكن فيه سماحة في شرائه، وعلى قدر ما يكون الإنسان كذلك على قدر ما تكون المعاملة بينه وبين الله سبحانه على ذلك.
فلا تظن أبداً أن إنساناً يكون سمحاً في العطاء وأن الله يضيق عليه في الرزق فهذا مستحيل، ولا يكون أبداً، والجزاء من جنس العمل، فالإنسان الذي يشح ويبخل فهذا يضيق الله ﵎ عليه، حتى وإن كان رزقه أمام الناس واسعاً لكن تجده خائفاً على المال مستشعراً بالفقر وبأن المال سيضيع منه.
فصاحب البذل وصاحب السماحة تجد الله يوسع عليه في الرزق حتى وإن كان رزقه ضيقاً ولكنه يعطيه في قلبه غنى يشعر من خلاله أنه غني.
فإذا اشترى الشيء دفع فيه ثمن ما يماثله فلا يكثر من الجدال، ولكن ليس المعنى أن يُخدع في الشراء فإنه إذا خدع مرة لن يخدع كل مرة، ولكن المقصد أن يعطي الثمن الذي تستحقه هذه السلع دون بخس ودون زيادة، وعلى الإنسان ألا يتعود على كثرة الجدل وشراسة الخلق مع البائع، وهنا الدِّين يعلمنا اليسر والسهولة والسماحة في البيع والشراء، قال: (سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى).
واقتضى أي: طلب القضاء، فمن حق المؤمن أن يطلب ماله عند الناس ولكن إذا طلب فليكن طلبه بسماحة وبسهولة، فإذا وجد الإنسان الضعيف الفقير يتسامح معه، فإذا كان معه مال دفعه وإلا صر عليه قليلاً، فالصبر على المال أجره عجيب وعظيم.
فلو أن لك عندي مالاً ووعدتني بأن تدفع لي وترجع مالي يوم كذا بعد شهر مثلاً، فجئت بعد شهر أطالبه بالدين الذي لديه فإن أعطاني كان من الأجر كأني تصدقت بنصف مالي، جزاء أني دينت الرجل، فإذا سلفت إنساناً ألف جنيه مثلاً ودفع لك المال في وقته فأخذت الألف فكأنك تصدقت بخمسمائة جنيه جزاء دينك للمستدين.
ولو فرضنا أنه جاء السداد المتفق عليه، ولا يوجد معه مال يعطيك، فصبرت عليه فلم تأخذ مالك، ولو أن تاجراً يحسبها سيجد أن المال لو استثمره وكان ألف جنيه مثلاً فسيكون له من الربح مقدار مائة جنيه مثلاً، ولكن الله يعطيك جزاء صبرك على دين الرجل أكثر من ذلك بكثير، فيكتب لك في ميزان حسناتك كأنك تصدقت في كل يوم صبرت عليه بمثل هذا الربح، فلو صبرت عليه عشرين يوماً لكان لك من الأجر أجر صدقة ألفين جنيه.
وهذا الذي يصبر عشرين يوماً فكيف بمن ينتظر سنة أو سنتين لا شك أنه سيحصل على أجر كبير، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في ذلك، وهذا الذي يجعل الإنسان المؤمن في راحة إذا لم يحصل على ماله المستدان، فإذا دفع لك بعد عشرين سنة المال فقد كسبت هذا الأجر كله من الله سبحانه، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا ما طله آخر ليس من حقه أن يرفع عليه دعوى في المحكمة ويحاكمه، بل هذا من حقه، ولكن ينظر هذا الإنسان هل هو معسر أم موسر؟ فإذا كان موسراً ومماطلاً فيستحق أن يعاقب.
فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) والمطل من المماطلة، وهذا مثل كثير من التجار تراه يستلف من هذا ويستلف من هذا ومعه مال، ولكنه يريد أن يوفر ماله في التجارة ويريد أن يزيد رأس ماله من مال الناس، ولكنه يؤخر أموال الناس، وكل ذلك من أجل أن ويحصل على أرباح ويكسب منها، فإذا أخذ إنسان منك ديناً ولديه القدرة على سداده فمن حقك أن تقاضيه، وهذا مستحق بنص حديث النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) ويحل عرضه يعني يقال عنه: إنه ظالم وأنه يأكل أموال الناس، ويحل عقوبته أي: بأن يقاضيه عند الحاكم، ويستحق العقوبة، ولو أنه صبر فإن ربنا يقول: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].
أما المعسر من الأولى أن تصبر عليه وتؤجر من الله سبحانه لعل الله سبحانه يرزقك خيراً من ذلك ويرزقه فيرد عليك مالك.
وفي رواية لهذا الحديث عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أدخل الله رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً الجنة) فرحمه الله سبحانه وجزاه الله الجنة على ذلك؛ لأن فيه يسر وسهولة ولين، إذا اشترى السلعة أو باعها تجده سهلاً، وسهل إذا كان قاضياً، أي: يقضي بالحق، وأمين في الأمانات والودائع وحقوق للناس، فإذا جاء وقتها ذهب بها إلى أصحابها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، قال: ومقتضياً يعني مطالباً بحقه.
стр. 180
شرح حديث ابن مسعود: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار)
عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟) عندما نسمع هذا الكلام من النبي ﷺ تتطلع النفس إلى معرفة هذا الشيء، يقول ﵊: (تحرم النار على كل قريب هين سهل) يعني: تستطيع أن تتكلم مع هذا الإنسان بسهولة، وعندما تعتذر له يقبل منك الاعتذار دون أدنى صعوبة، فيكون قريباً من القلب قريباً من الناس.
(إنما تحرم النار على كل هين لين قريب سهل)، وهذه كلها مترادفات، وكأنه يقول: المؤمن يكون على هذه الصفة الجميلة فيكون هيناً، والهين هو الإنسان السهل البسيط، في معاملته والذي لا يصعب الأمور ولا يعقدها فهو سهل في المعاملة، ولين في المعاملة، أي: ليس عنيفاً ولا صعباً ولا صخاباً، بل هو إنسان قريب سهل التناول.
وكل مفردات الحديث مرادفات لمعنى واحد.
стр. 181
شرح حديث: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً)
عن حذيفة ﵁ قال: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ -ولا يكتمون الله حديثاً- فقال الرجل: يا رب! آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز -أي: السهولة في التجاوز والتغاضي- فكنت أيسِّر على الموسر، وأُنظِر المعسر) أي: أنه مع كل الناس إنسان طيب، فكان يصبر على الموسر ويتجاوز عن المعسر ويسامحه، ويصبر عليه فترة طويلة.
(فقال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي) هذا الحديث موقوف من قول حذيفة، وقد رواه غيره كـ عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري قالوا: هكذا سمعناه من رسول الله ﷺ ، أي: هكذا سمعوا هذا الحديث أن الله سبحانه تجاوز عن هذا العبد يوم القيامة لكونه كان يتعامل مع الناس بتيسير وليس بتعسير.
ومن أخلاق النبي ﷺ السهولة والتيسير، فقد كان أحسن الناس قضاء ولذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ يتقاضاه)، والنبي ﷺ كان يستدين؛ لكثرة الضيوف الذين ينزلون عليه وكثرة أهل الحاجة، ولا يوجد بيت مال عند النبي ﷺ حتى ينفق منه، ولهذا كان يستدين، ويقضي مما آتاه الله من رزق، قال ﵊: (جعل رزقي تحت ظل رمحي)، فماله ﷺ من الفيء ومن المغانم، كان يعطي منه لأهله النفقة الواجبة، وينفق على الناس صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يعطي أهل بيته صدقات ولا زكوات؛ لأنهم لا يحل لهم منها شيء، وكان يوزع الغنائم للناس الذين يأتون يطلبون منه، فقل أن يمر عليه وقت إلا ويستلف ﷺ .
فجاء رجل قد استلف منه النبي ﷺ ليتقاضاه ويطلب من النبي ﷺ فأغلظ على النبي ﷺ فهمَّ به أصحابه، أي: أن هذا الرجل جاء للنبي ﷺ يطلبه ما عليه بطريقة سيئة، فقال له النبي ﷺ : (اصبر قليلاً حتى يأتي لنا مال، فإذا بالرجل يتطاول على النبي ﷺ ويقول: يا محمد! هات ما عليك، فإنكم -يا بني عبد المطلب- قوم مطل -أي: أناس مماطلون- فلما قال ذلك قام الصحابة ليضربوه، فهدّأ الرسول ﵊ الصحابة أن اصبروا، إن لصاحب الحق مقالاً) صحيح أنه أساء الأدب ولكنه صاحب حق فاصبروا عليه.
فصبر وأرانا حسن خلقه ﷺ ، بل أعظم من ذلك أنه يعذر مثل هذا الإنسان المتهجم عليه بالكلام القبيح، ويقول: لا بأس إنه صاحب حق وله مقال، وليس من حق هذا ولا غيره أن يقول للنبي ﷺ ذلك، ولكن النبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، فصبر عليه وأمرهم أن يوافقوه وأن يؤدوا له الذي يريده فأعطوه مُسنَّاً مثل سنه.
ويطلق على الجمل أو الناقة عندما تبلغ سنة بنت مخاض، أو بنت لبون وهي التي تبلغ من العمر سنتين، أو حقة وهي التي تبلغ ثلاث سنوات، وجذعة عندما تبلغ أربع سنوات وهكذا، فإذا زادت في السن تكون أغلى في السعر.
فهذا الرجل سلَّف النبي ﷺ سناً معيناً فقال: (اقضوه مثل سنّه أو أعطوه سنَّاً مثل سنّه، فقالوا: لا نجد إلا أمثل من سنه، أي: الذي عندنا أحسن من الذي أعطاه لنا -وكأنهم نظروا أنه لا يستحق؛ لأنه قليل الأدب، فلا يستحق أن نعطيه أحسن مما أعطى للنبي ﷺ فإذا بالنبي ﷺ يقول: أعطوه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء)، فأرانا حسن خلقه ﷺ مع هذا الإنسان السيئ، وأرانا حلمه مع هذا الإنسان المتهور المتعجل، وأرانا حسن القضاء مع هذا الذي يعسر في طلب الحق الذي له، فأرانا النبي ﷺ بعمله وخلقه أن الإنسان يتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنه.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 182
شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من بخس الكيل والميزان
لقد حذر الإسلام من جميع التعاملات التي تؤدي إلى فساد الأخوة بين المسلمين، وتقطع روابط المحبة بينهم، ومن ذلك بخس الكيل والميزان وتطفيف الكيل، وقد رتب الله جل في علاه على ذلك عقوبات عاجلة تصيب أصحابها في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 183
ما جاء في الترهيب من بخس الكيل والوزن
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترهيب من بخس الكيل والوزن: عن ابن عمر ﵄ قال: (أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله بأن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله يتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)، رواه ابن ماجة واللفظ له ورواه البزار والبيهقي].
هذا الحديث العظيم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه يذكره الحافظ المنذري في الترهيب من بخس الكيل والوزن.
وجاء عن ابن عباس ﵄ قال: (لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً)، يعني: أهل المدينة والأنصار رضوان عليهم قبل أن يأتيهم النبي ﷺ كانوا يتعاملون في البيع والشراء وكانوا أخبث الناس كيلاً أو من أخبث الناس في الكيل يعني: يطففون في الكيل والميزان ويبخسون الناس أشياءهم في ذلك.
فلما قدم النبي ﷺ أنزل الله عليهم من القرآن فكان مما نزل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، فتلى النبي ﷺ عليهم ذلك فكانوا من أحسن الناس وزناً بعد ذلك.
стр. 184
شرح حديث: (خمس خصال إذا ابتليتم بهن)
في حديث ابن عمر ﵄: (أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن)، يعني: خمسة أوصاف.
إذا وقعتم فيها جاء من وراء ذلك العذاب من عند الله سبحانه معجلاً في الدنيا.
وهذه الأشياء ينبغي على المسلمين أن يجتنبوها، وينبغي عليهم أن يتدبروا هذا الحديث عن النبي ﷺ وغيره من الأحاديث ليعلموا مواطن الداء الموجود في أمة الإسلام ليعرفوا لماذا أمة الإسلام الآن ذليلة عند الكفار، ولماذا أذل الكفار المسلمين في كل مكان؟ فالعيب من أنفسهم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
فالمرء بما كسبت يداه يبتليه الله بما يستحق من عقوبة عاجلة أو آجلة.
قال النبي ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافهم الذين مضوا).
وهذه بلية ومصيبة يبتلى بها الناس فإذا ابتلوا بهذه المعصية كان من وراء ذلك بلاء آخر وهي: المصائب والأوجاع.
وهذه البلية هي الفاحشة، فإذا ظهرت بين الناس وظهر التبرج عند النساء وظهر من الرجال بسبب ذلك الوقوع في الزنا واستحلال ما حرم الله ﵎ من الزنا واللواط، فانتشر بين الناس وشاع ذلك استحق الناس أن يبتليهم الله سبحانه بأوجاع لم تخطر على بالهم قط ولم يروها قبل ذلك.
قال النبي ﷺ : (إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع)، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها ويظهروها، فيظهر الرجل أنه يفعل الفاحشة وتظهر المرأة كذلك ويتستر عليهم الناس ثم يعلنون بها ولا يهتمون بأن يراهم أحد، ويمشي الرجل مع المرأة في الطريق على شاطئ البحر وفي الشارع ويفعل ما يشاء من معاص ولا أحد ينكر عليه، حتى يعلنون بها وتشجعهم الحكومات على ذلك؛ فيسنون لهم الأحكام الوضعية لإباحة الزنا وأنه يجوز هذا الشيء طالما المرأة بالغة ورشيدة فمن حقها وما أحد له دخل في شأنها، والوحيد الذي من حقه أن يشكو هو زوجها فقط كما تفعل حكومات الكفر في بلادهم ويقلدهم المسلمون في بلادهم، والآن يسعون إلى سن القوانين للناس فهم يبحثون عن قوانين إباحة زواج المثلين المرأة بالمرأة والرجل بالرجل.
عندما يفعلون ذلك يبتليهم الله بالأمراض التي لم تكن على بالهم فيأتيهم الطاعون، والكوليرا والإيدز، ويأتيهم فيروس الكبد الوبائي فيروس (
الجواب
) وفيروس ( B) وفيروس ( C) والله أعلم ما الذي سيأتي بعد ذلك من بلاء ومصائب، وكلما قيل: اكتشفنا علاجاً لهذا المرض جاء مرض ثانٍ.
ولا يزال الأمر على ذلك طالما الإنسان يعارض الله ، ويحاربه، فالله سيبتليه بالعلل والأمراض التي لا يقدر أن يقاومها أبداً، فتجد هؤلاء الناس يصيبهم الله بالبلاء من عنده وإذا نزل البلاء فإنه يعم ولا يخص، فتجد إنساناً مريضاً بالإيدز قد ينقل منه الدم لآخر وهو ليس له ذنب فينتقل الإيدز إليه دون أي ذنب.
أو مريض بالتهاب الكبد الوبائي وهو بسبب معصية من المعاصي التي يعملها ونقل الدم إلى غيره ويصيبهم بالمرض فيأتي البلاء على هؤلاء جميعهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فلن يأتي البلاء على الظالم فقط وإنما على الجميع.
يقول النبي ﷺ : (ولم ينقص المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان)، فمن أعمال الناس يسلط الله عليهم من يذيقهم الأمرين.
فالناس يظلمون ويرتكبون المعاصي والمنهيات الشرعية، وقد يلقوا بالملامة على الحكام بحجة أنهم ظلمة وما ينظرون إلى نفسهم وإلى ما يعملون، فلو أن الإنسان أصلح من حاله لولى الله عليه من ينصفه ومن يكون صالحاً، ولكن من ظلم فإن الله يولي عليه من يشدد عليه ويؤذيه ويجور عليه.
يقول النبي ﷺ في الحديث: (ولم ينقصوا المكيال والميزان)، فكم من الناس ينقصون الميزان والمكيال؟! وكم من التجار؟! إلا من رحم الله سبحانه، وصدق النبي ﷺ حين يخاطب التجار بقوله: (إن التجار هم الفجار)، وأكثر أهل المدينة كانوا تجاراً يتاجرون ويقول النبي ﷺ لهم ذلك: (إن التجار هم الفجار)، فيخبر النبي ﷺ عن السبب ويقول: (إن أحدهم يحلف فيكذب ويعد فلا يوفي).
فمن فجورهم أن أحدهم يحلف بأن هذه السلعة من أجود السلع وهو كاذب فيما يقول، فيحلف بالله ويحلف بغير الله وهو كاذب فيما يدعي.
والشياطين تخدع أمثال هؤلاء فتجد بعض التجار الحمقى والمغفلين يحلف كذباً وإذا أنكر عليه أحدهم قال: عندما طلعت من البيت قلت في نفسي إن كل يمين أحلفها اليوم فهي كذب، وهو يظن أن هذا الشيء يبرر حلفه الكاذب، فهو بذلك يضحك على نفسه ويخدع نفسه.
وقد سمع النبي ﷺ رجلاً حلف أنه لا يبيع سلعة ثم باعها بعد ما حلف فأخبر النبي ﷺ : (أنه باع آخرته بدنياه)، فيا ترى كم من الناس يبيعون أخراهم بدنياهم.
стр. 185
عقوبة نقص المكيال والميزان
يقول النبي ﷺ : (ولم ينقصوا المكيال والميزان لأخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان) وأخذوا بالسنين، أي: القحط، فيمنع الله عنهم المطر، وإذا أنبتت الأرض فإن الله يبتليهم بالحشرات والديدان والأوبئة التي تضيع الزروع، وإذا أثمرت الزروع والثمار فليس فيها ذلك الطعم الحلو والمذاق الرائع.
فكم من الناس يغشون فتكون فاكهتهم بلا طعم، وقد يكون الغش والخداع في السموم التي يصنعها بعض الفلاحين والتي تساعد على نمو النبات بشكل سريع، وهي في حقيقة الأمر مضرة أشد الضرر.
فكم يؤذي هؤلاء الناس بعضهم بعضاً لبعدهم عن الله سبحانه ولجشعهم وطمعهم، فيطمع المزارع ويريد أن يأخذ أكثر ما يقدر عليه، والتاجر يريد أن يأخذ السلعة بثمن بخس ويبيعها بأعلى ما يكون، فيبيعها فاسدة تالفة، المهم أن يكسب، ويخدع المشتري بأن ينقص في الكيل والميزان، فيكون له ميزانان: ميزان يشتري به وميزان يبيع به، فهنا يبين النبي ﷺ أن هؤلاء الظلمة يستحقون أن يؤخذوا بالسنين وشدة المؤنة أي: أن الحياة تصير شديدة عليهم، والأسعار تغلى على مثل هؤلاء الناس بسبب أعمالهم، ويصبح كل منهم يقول: ليس عندي الحاجة الفلانية؛ لأنها صارت غالية.
ويسلط الله عليهم الحاكم الذي يجور عليهم، ويفرض عليه الضرائب الباهضة، ويكلفهم ما لا قدرة لهم عليه.
فمن يطالب بالتغيير عليه أن يبدأ بتغيير نفسه أولاً قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فغير ما في قلبك من غش وخداع وطمع وجشع ومن حسد للناس على ما آتاهم الله من فضله.
стр. 186
عقوبة منع الزكاة
يقول ﷺ في الحديث: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)، إذا منع الناس الزكاة ولم يخرجوها وتحايلوا عليها فالله يمنع عنهم القطر، ولكن برحمته سبحانه يقول النبي ﷺ : (ولولا البهائم لم يمطروا)، لولا وجود البهائم ما نزل عليهم المطر من السماء؛ لأنهم لا يستحقونه.
стр. 187
عقوبة نقض العهد والميثاق
قال ﷺ : (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم)، نقض العهد والميثاق وهو الخيانة التي اشتهر بها العرب الآن بعدما كانوا يوفون بالعهود فقد رجعوا إلى جاهليتهم مرة ثانية، فإذا بهم يعاهد بعضهم بعضاً وينقض بعضهم عهد بعض، ويحالفون أعداءهم على إخوانهم المسلمين، ويغدر المسلم بأخيه المسلم من أجلهم، قال الله : ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠].
فالذي ينكث العهد إنما ينكثه على نفسه قال النبي ﷺ : (إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم)، يعني: من غير المسلمين أعداء يتسلطون فيأخذون بلاد المسلمين مثلما أخذوا العراق وفلسطين.
والسبب في وجود المصائب في بلداننا وقلة الخيرات من زروع وثمار هو الجور والظلم، بينما نجد أن لديهم الكثير من الجنات والبساتين والسبب في ذلك كله أن عندهم عدالة في بلادهم فأعطاهم الله الرزق، بينما عندنا ظلم بيننا وبين أنفسنا، فنظلم أنفسنا، ويظلم بعضنا بعضاً، وبسبب هذه المعاصي حُرمنا من فضل الله سبحانه إلا برحمة ربنا لبعض الصالحين وللبهائم التي في الأرض كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 188
عقوبة الحكم بغير ما أنزل الله
قال ﷺ : (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا فيما أنزل الله)، أي: إذا لم يحكموا بحكم الله سبحانه، ويتخيروا بمعنى: يأخذون الخير من كتاب الله وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا (جعل الله بأسهم بينهم).
فإذا تركوا القرآن وتركوا السنة وصاروا يحكمون بغير ما فرضه الله، وبغير ما أنزل الله جعل الله بعضهم أعداء لبعض؛ لأنه صار أمرهم على الدنيا فنزع من قلوبهم الخير، وحلت عليهم عقوبة رب العالمين سبحانه.
نسأل الله العفو والعافية، وأن يهدي المسلمين في كل مكان، وأن يؤلف بين قلوبهم حتى يراجعوا أمر دينهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 189
شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من تضييع الأمانة
لقد حذر الإسلام من تضييع الأمانة وكتمانها، وتوعد فاعله بالعقاب والنكال.
ونظراً لعظم أمر الأمانة فقد قرن الله الخيانة فيها بخيانته وخيانة رسوله.
والله يغفر يوم القيامة ما شاء إلا حقوق الناس فلا يغفر منها شيئاً إلا أن يعفوا.
فالمسلم لا يكون خائناً أبداً، إذ الخيانة صفة لؤم تناقض الإسلام، بل شدد الإسلام حتى بعدم خيانة الخائن.
стр. 190
الترهيب من تضييع الأمانة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: فقد روى الإمام البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.
قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله ويقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب! كيف وقد ذهبت الدنيا؟ قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلقون به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا نظر -ظن- أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة.
وأشياء عددها.
وأشد ذلك الودائع).
قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود قال: كذا وكذا؟ قال: صدق، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
وعن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا).
стр. 191
شرح أثر ابن مسعود في الأمانة
هذه الأحاديث ذكرها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.
ومنها هذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً عليه.
وقد ذكر فيه الأمانة.
والأمانة من أعظم ما يحمل الإنسان، ويسأل عنه يوم القيامة.
فقد قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.
وجاء هذا المعنى في حديث النبي ﷺ عندما سأله رجل: أرأيت إن قاتلت في سبيل الله صابراً، أو: قتلت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، أيكفر عني ذلك، -يعني: الذنوب-؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، فلما أدبر الرجل ناداه النبي ﷺ وقال: إلا الدين، أخبرني بذلك جبريل آنفاً).
فالإنسان لو استشهد في سبيل الله مقبلاً غير مدبر صابراً محتسباً، وقتل في سبيل الله فإن هذا القتل يكفر عنه كل الذنوب التي وقع فيها، إلا الدين، أي: إلا أمانات الناس.
فإن كان عنده دين للناس، فإن هذا لا يكفر عنه، والناس تطالبه بحقوقها يوم القيامة.
فيؤخذ لهم من هذا الإنسان حتى ولو كان شهيداً.
وهنا يقول ابن مسعود: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.
يؤتى بالعبد يوم القيامة وقد قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك).
وهذا له حكم المرفوع؛ لأن ابن مسعود لم ير يوم القيامة، ولا يعلم شيئاً من الغيب، إلا أن يكون النبي ﷺ أخبره بذلك.
فقال: (فيقال: أد أمانتك) أي: أن الإنسان عندما يأتي يوم القيامة يقول له الله : عليك أمانة، وعليك وديعة لفلان، وعليك دين لفلان، وعليك كذا.
فأد هذه الأمانة.
قال: (فيقول: أي رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟)، أي: من أين آت بها؟! وهي لا توجد الآن؛ لأن الدنيا ذهبت.
قال: (فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية)، وهذا من أسماء النار والعياذ بالله.
سميت بذلك لأنها تهوي بصاحبها.
وقد جاء أن الحجر يرمى به من رأس النار فيهوي إلى قاعها لا يصل إلا بعد سبعين خريفاً.
فقعر جهنم اسمه الهاوية، والعياذ بالله.
قال: (فيقال للملائكة: اذهبوا بهذا الرجل إلى الهاوية، فينطلقون به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته، كهيئتها يوم دفعت إليه)، أي: يرى الأمانة أمامه في النار.
فيقال له: هذه الأمانة التي أخذتها من الناس.
فهو قد أخذ من الناس في الدنيا ودائع وعواري، وأخذ منهم أموالاً على هيئة الدين.
فتكون أمانة عنده، ثم لم يردها إلى أصحابها، فمن هذه حاله في الدنيا، فإنه يوم القيامة يذهب به إلى النار، ويقال له: هذه أمانتك داخل النار، فادخل واحضر هذه الأمانة.
فينزل وراء الأمانة، ويظن أنه سيمسكها، فينزل وراءها حتى يمسكها، ويضعها على كتفيه، ويصعد من أجل أن يخرج من النار.
قال: (فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا نظر -ظن- أنه خارج)، أي: ظن أنه سيخرج من النار، تفلت الأمانة منه وتسقط في النار ثانية، فينزل وراءها ليحضرها، وهكذا.
قال: (حتى إذا نظر -ظن- أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين.
ثم قال: الصلاة أمانة).
فالإنسان يسأل يوم القيامة عن الصلاة التي اؤتمن عليها.
فإذا قال: كيف أصلي الآن؟ يقولون: اذهب واحضرها من النار، فيذهب إلى النار، ويهوي فيها وراءها أبد الآبدين؛ لأنه ضيع الصلاة وهي أمانة رب العالمين.
قال: (والوضوء أمانة، والوزن أمانة).
فالإنسان عندما يزن ويبيع للناس فهذا أمانة.
قال: (والكيل أمانة وأشياء عددها.
وأشد ذلك الودائع).
فعندما يقول لك إنسان: ضع لي هذه الحاجة عندك.
فهذه وديعة.
وكم من الناس يؤتمن على شيء فيأخذه ويقول: لم أر شيئاً؟ ولم آخذ شيئاً؟ وكم من إنسان يستعير الشيء ويتلف عليه ويقول: لقد ضاع، فماذا أعمل؟ وينتهي الأمر.
فهذه أمانات لابد وأن ترد إلى أصحابها، فإن لم يردها صاحبها في الدنيا فهذا حاله يوم القيامة والعياذ بالله.
قال زاذان راوي الحديث عن ابن مسعود: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا وكذا.
قال: صدق، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
فإذا لم يؤد الإنسان أمانته في الدنيا فُعل به ذلك في النار، والعياذ بالله.
стр. 192
شرح حديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا)
ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا).
فالإنسان الذي يحمل السلاح ويقاتل المسلمين لكونهم مسلمين فهو كافر، وليس مسلماً.
فالذي يقاتل المسلم لكونه مسلماً، فيقاتله على إسلامه وعلى دينه ليفتنه عنه فليس بمسلم، حتى وإن زعم هذا الإنسان أنه مسلم، طالما أنه يقاتل المسلم ليفتنه عن دينه.
وأما من حمل السلاح على المسلمين على وجه التهديد والسطو عليهم ليأخذ أموالهم فيدخل تحت (فليس منا)، أي: ليس على طريقتنا ولا ينسب إلينا، وإن كان الأول أشد شراً من هذا الثاني.
فالأول: فتن المسلم عن دينه.
وحمل السلاح ليقاتله لكونه مسلماً.
فهذا ليس منا على الحقيقة؛ لأنه لا يوجد مسلم أبداً يقاتل مسلماً لكونه مسلماً.
فإذا وجد مثل ذلك فإنه ليس مسلماً.
كما قال النبي ﷺ .
ولكن من يحمل السلاح على وجه التعدي والاعتداء، وعلى وجه قطع الطريق، وغير ذلك فهذا ليس من المسلمين، أي: لا ينسب إليهم، يعني: أنه قد أتى بكبيرة من الكبائر.
وليس مثل هذا يستحق أن ينسب إلينا.
فالفرق بينهما: أن الأول كافر، والثاني مرتكب كبيرة من الكبائر.
стр. 193
بعض الأعمال التي قال رسول الله عن فاعلها: (ليس منا)
قال ﷺ : (ومن غشنا فليس منا).
وقد جاءت روايات كثيرة لهذا الحديث.
وجاءت أسباب فيها.
فمنها: (أن النبي ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله.
قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا).
فلا تخدع في البيع، ولا تبع للناس شيئاً بعضه فاسد، وتخبئه في النصف، وتضع في الأعلى الشيء الجيد؛ لتخدع الناس.
قال ﷺ : (من غشنا فليس منا).
وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ مر بطعام قد حسنه -يعني: صاحبه- فأدخل يده فيه)، يعني: وضع كوماً من الطعام منظره من الخارج جميل، أي: قد جمله صاحبه.
قال: (فأدخل يده فيه فإذا طعام رديء)، أي: وجد شيئاً سيئاً داخل هذا الطعام الذي ظاهره حسن.
فقال النبي ﷺ لصاحب الطعام: (بع هذا على حدة وهذا على حدة.
فمن غشنا فليس منا).
فعندما تريد أن تبيع الطعام فلا تخلط بعضه مع البعض الآخر، وإنما بع الرديء وحده وبع الطيب وحده؛ لأن هذا له سعر وهذا له سعر آخر، (فمن غشنا فليس منا).
ووردت أحاديث في أن رجلاً كان يبيع رطباً، وقد جعل الرطب المبلول في الداخل، واليابس في الخارج، فقال له النبي ﷺ ذلك.
وفي بعض الأحاديث: (إن النبي ﷺ سأله: ما حملك على هذا؟)، أي: لماذا خلطت هذه الأشياء مع بعضها؟ (فقال الرجل: إنه أصابته سماء)، يعني: فليس لي ذنب في ذلك.
فقال له النبي ﷺ : (أفلا عزلت الرطب على حدة، واليابس على حدة، فيبتاعون ما يعرفون؟)، يعني: حتى يشتري المشتري ما يعرف.
ثم قال: (غشنا فليس منا).
стр. 194
جزاء المكر والخداع
وذُكر في حديث آخر لـ ابن مسعود ﵁: (من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار).
(والمكر) كما يفعله بعض الناس ثم يقول: ضحكت عليه، وبعت له السلعة بكذا.
فانظر ماذا عملت له، فتعال تعلم مني، وانظر كيف أبيع وكيف أشتري.
فهو مخادع ومكار، ومصيره إلى النار.
وهذا مصير أهل النار.
فأهل المكر والخيانة والخداع، يظنون أنفسهم أذكياء في الدنيا، وأنهم يعرفون التصرف والبيع، فهؤلاء آخرتهم النار، والعياذ بالله.
قال النبي ﷺ : (والمكر والخداع في النار).
وفي حديث آخر: (المكر والخديعة في النار).
ومهما يصنع الإنسان من مكر وخديعة ليأخذ أموال الناس فلا يظن أبداً أنه سيبارك له في هذا الشيء.
وقد ضرب لنا النبي ﷺ مثلاً من الأقوام الذين من قبلنا، حتى نعرف ما الذي يمكن أن يحدث لهذا المال، فالإنسان المخادع والتاجر الذي يريد أن يبيع الحاجة بأكثر من ثمنها، ويظن أنه سيخدع الناس بهذا الشيء، إنما يضحك على نفسه ويخدعها؛ لأن هذا المال الذي يأخذه محكوم عليه بالهلاك وبالضياع؛ لأنه إنما يبتليه الله به، فإما أن يضيع منه هذا المال، وإما أن يسلط عليه نفسه وشهوته ويضيعه في الحشيش والمخدرات وغيرها، أو يبتليه بالأمراض التي يظل يصرف هذا المال على علاجها، ولا تذهب هذه الأمراض منه، أو يبتليه بفساد عياله وزوجته، فيسرقون المال من ورائه.
فيجد أن هذا المال المأخوذ بالخديعة والمكر محكوم عليه بالتتبير والهلاك.
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة وهو عند الطبراني عن النبي ﷺ : (أن رجلاً كان يبيع الخمر في سفينة له).
وفي رواية: (أن رجلاً ممن كان قبلكم جلب خمراً إلى قرية فشابها بالماء فأضعف أضعافاً).
ولعل هذا كان جائزاً في ملتهم، أو أنه حكاية يحكيها النبي ﷺ ، وليس معناه جواز بيع الخمر، ولكن المعنى: أن هذا الإنسان ذهب يبيع الخمر في قرية، فركب سفينة وسافر إلى هذه القرية، فلما نزل في القرية وجد أن الذين يريدون أن يشتروا الخمر كثير، فزادها ماء وضاعفها أضعافاً بالماء، وباعها للناس، وأخذ المال.
قال النبي ﷺ : (إن رجلاً كان يبيع الخمر في سفينة له، ومعه قرد في السفينة).
فقد جمع الشر كله معه.
فقد باع الخمر للناس وغشهم، وأخذ المال.
قال: (كان يشوب الخمر بالماء، فأخذ القرد الكيس).
وفي رواية: (فاشترى قرداً فركب البحر)، يعني: اشترى هلاكه معه.
قال: (حتى إذا لجّج فيه)، يعني: دخل في نصف البحر، وفي مكان لا يعرف أن ينزل فيه.
قال: (فألهم الله القرد صرة الدنانير فأخذها)، فقد جاء وقت الحسرة، وأحسره الله على ما صنع؛ لأنه ضحك على الناس، وأخذ أموالهم.
قال ﷺ : (فصعد الدقل)، يعني: عمود السفينة، وصاحبه لا يستطيع الصعود وراءه.
فأخذ كيس الدنانير وصعد فيها.
قال: (ففتح الصرة وصاحبها ينظر إليه، فأخذ ديناراً فرماه في البحر، وديناراً في السفينة) يعني: ما غش وخدع الناس فيه رماه له في البحر، وترك له باقي ماله.
قال: (حتى قسمها نصفين).
فسلط الله عليه من ماله.
فهو لما خدع الناس، وأخذ أموالهم, سلط الله القرد على إتلاف ماله.
فهذا المثل يذكره النبي ﷺ عبرة وعظة لكل تاجر؛ حتى لا يغش ولا يخدع.
فإذا أخذ المال من الغش فماله محكوم عليه بالخسران وبالهلاك.
وسيرى ذلك في يوم من الأيام.
فتجد التاجر من هؤلاء معه النقود الكثيرة جداً وقد سلط الله عليه البلاء كله.
وهو يخاف أن يصرف النقود ويقول: إنه يحتاجها في مرض كذا، أو للأولاد، ثم تسرق منه نقوده، ولا يعرف أين ذهبت؟
стр. 195
أمانة الصحابة ﵃
ومن هذه القصة وأمثالها تعلم أصحاب النبي ﷺ الأمانة، وتعلموا من النبي ﷺ ألا يخدعوا أحداً في شيء.
خاصة وإن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم أخبث الناس كيلاً؛ فقد كانوا يبيعون ويطففون في الكيل والميزان.
فلما قدم نزلت سورة المطففين فتركوا هذا الشيء وامتنعوا من تخسير الكيل والميزان.
وعند الحاكم والبيهقي قال أبو سباع: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع ﵁، -وقد كانت الدار عندهم مثل العمارة عندنا الآن، فيها الشقق، ولكنها أفقية، فتكون البيوت فيها بجانب بعضها بعضهاً، ويجمعها حوش واحد.
فـ أبو سباع اشترى ناقة من هذه الدار، يعني: من بيت من البيوت.
قال: فلما خرجت بها أدركني واثلة وهو يجر إزاره، يعني: لم يتسن له أن يعدل إزاره على نفسه؛ خوفاً أن يذهب قبل أن ينصحه، فقال: يا عبد الله! اشتريت؟ قال: قلت: نعم.
قال: بين لك ما فيها؟ يعني جاري الذي باع لك هذه السلعة، هل بين لك العيب الذي فيها؟ قال: فقلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة.
قال: أردت بها سفراً، أو أردت بها لحماً؟ قال: أردت بها الحج.
قال: فإن بخفها نقب، يعني: خفها، وهو قدم الناقة منقوب خفيف، لا يتحمل السفر.
هذه هي الأمانة.
ولم يكن هو الذي باع، ولا هو المشتري.
فقال له البائع: ما أردت أصلحك الله؟ تفسد علي؟ يعني: قال له جاره: أنت تفسد علي البيعة التي بعتها.
فطالما أنه قد رضي الرجل فما دخلك أنت؟ فقال واثلة ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لأحد بيع أو يبيع شيئاً إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه).
فلا تدلس على أحد في البيع ولا في الشراء، وكذلك انصح الإنسان الذي يشتري إذا عرفت أن البائع خدعه.
فقد قال: النبي ﷺ : (المكر والخديعة في النار).
وقال: (الدين النصيحة).
وهذا من النصيحة.
وكان النبي ﷺ يبايع أصحابه على النصح لكل مسلم.
وفي حديث عقبة ﵁ عن النبي ﷺ كما جاء عند الإمام أحمد وابن ماجه قال: (المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب ألا يبينه).
فإذا بعت شيئاً فيه عيب فلا تواريه، ولا تكتم ما فيه، وثق بأن الله يبارك لك.
فإذا لم يشترها هذا فيشتريها آخر.
وإذا لم يشترها أحد بارك الله لك في مالك.
ولذلك قال النبي ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
فالكتمان والكذب في البيع يضيع بركة البيع.
ولذلك عندما تتعامل فتعامل مع الله سبحانه وليس مع الناس.
فإذا كان الإنسان لا يرى هذا العيب فالله يراه ويطلع عليه سبحانه.
فاحذر أن تمكر فيمكر الله بك.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 196
شرح الترغيب والترهيب - ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين
إن التاجر المسلم إذا جاهد نفسه ولم يفتنه ماله وكان أميناً صادقاً غير حلاف ولا كذاب فإن الله يبعثه يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء، وإن التاجر إذا غش الناس وحلف بالله كاذباً فإن الله يمحق عن ماله البركة، وإذا محق الله بركة ماله فلينتظر الهلاك والدمار.
стр. 197
ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: ترغيب التجار في الصدق، وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين.
روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء).
ورواه ابن ماجة عن ابن عمر ولفظه قال رسول الله ﷺ : (التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة).
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن حكيم بن حزام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحاً ويمحق بركة بيعهما).
وفي رواية: (اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب).
هذه الأحاديث يرهب بها النبي ﷺ التجار من النار ومن الكذب ومن الحلف بالله ، حتى ولو كانوا صادقين؛ لأن الإنسان الذي يعتاد على اليمين يحلف صادقاً ثم يأتي عليه زمان يحلف فيه معرضاً ثم يحلف بعد ذلك كاذباً، فلذلك يحذر الإنسان من اليمين ولا يعود نفسه على الحلف إلا إن يحتاج إلى ذلك، أما أن يكون الأمر المراد منه لا يحتاج إلى يمين ثم هو يسارع إلى الحلف فهذا حتى ولو كان صادقاً سيتدرج حتى يحلف كاذباً بعد ذلك، وخاصة إذا كان تاجراً؛ لأن المال يفتن صاحبه فيحلف حتى يروج السلعة، يحلف مرة صادقاً ومرات كاذباً فليحذر من ذلك.
وهذه أحاديث فيها بيان أن التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء، وأن التاجر الفاجر في النار، والعياذ بالله.
عن أبي سعيد وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء).
ما قال: التاجر الصادق ولكن قال: الصدوق يعني: كثير الصدق، (الأمين) أي: المؤتمن الذي لا يغش في تجارته، ولا يخدع، ولا يمكر، ولا يحتال، ولا يدلس، ولا يبيع الشيء المعيب بغير تبيين، فهذا هو الأمين.
وفي الحديث الآخر المسلم، وهذا طيب فإن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وقوله: (مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة).
أي: يوم القيامة يحشر مع هؤلاء.
وفتنة المال عند التجار فتنة عظيمة جداً فالتاجر عنده مال لكنه يريد ربحاً أكثر فإذا اتقى الله سبحانه ولم يفتنه المال فباع بصدق وهمه أن يرضي الله فإن الله يبارك له في دنياه، ويبارك له في أخراه.
فالتاجر الذي يصدق في كلامه، ولا يكذب ولا يخون ولا يخدع ولا يغش في منزلة عالية يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء.
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، والبيعان: البائع والمشتري، فهما بالخيار ما لم يتفرقا.
لعل إنساناً يذهب إلى البائع يشتري شيئاً وبعد أن يشتريه وهو يسير في المتجر يقول لا أريد هذا الشيء لقد تذكرت أني محتاج إلى المال الذي معي فهنا النبي ﷺ يقول: بالخيار، طالما أنهما لم يفترقا ولم يحدث نوع من الخسارة للتاجر، فيجوز أن يتقايل هذا البيع ولا يتم للبائع طلباً لأنه ما زال في المتجر ولم يحصل للسلعة أي عيب.
قال ﷺ : (فإن صدق البيعان وبينا -أي: صدق البائع والمشتري- بورك لهما في بيعهما)، فالصدق منجاة في الدنيا وفي الآخرة فإنه يبارك لهما في السلعة، (وإن كتما وكذبا)، الاثنان، وقد يقول قائل: البائع سيكتم لكن المشتري ماذا سيكتم فإنه يدفع نقوداً؟
الجواب
قد لا يدفع نقوداً بل يدفع شيئاً آخر كأن يتبادلا سلعة بسلعة، فكل منهما يكون بائعاً ومشترياً وكل سلعة من السلعتين فيها بيع وهي ثمن للسلعة الأخرى.
(وإن كتما وكذبا)، الاثنان أو واحد من الاثنين فالذي يكتم ويكذب لا يبارك له.
قال ﷺ : (فعسى أن يربحا ربحاً)، هذا اللفظ في غير البخاري ومسلم وهو صحيح.
يعني: قد يبدو في الظاهر أنهما ربحا، لكن الحقيقة أن هذا الربح ممحوق يمحقه الله .
فإذا محقت البركة فلينتظر هلاك المال الذي لا يبارك الله فيه.
стр. 198
التحذير من الأيمان الفاجرة في البيع
قال النبي ﷺ : (اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب)، ورواية أخرى: (منَفقة)، وهي أولى، ومعنى: منفقة للسلعة، أن الإنسان ينفق سلعته ويبيعها باليمين الفاجرة الكاذبة، فيحلف أن هذه السلعة قد دفع فيها كذا ولم أرض بذلك، ويحلف أنه اشتراها بكذا وسيبيعها بخسارة! وهو كاذب في هذا كله، وكم تسمع مثل ذلك من التجار، يحلف أيماناً فاجرة على أن السلعة قد دفع له فيها كذا وأنه سيميزك على غيرك، وهو في حقيقة الأمر ليس كذلك، فإذا حلف وصدقه المشتري بما يقول، فأخذ السلعة، كانت يمينه ممحقة للكسب.
فالمال الذي سيكسبه لن يكون فيه بركة بل سيهلكه ويمحقه الله سبحانه، ويرسل عليه ما يذهبه.
стр. 199
التجار هم الفجار يوم القيامة
روى الترمذي عن النبي ﷺ حديثاً وفيه: (أنه خرج إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر التجار)، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال ﷺ : (إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً)، هذا الأصل، واستثنى القليل (إلا من اتقى الله وبر وصدق) فالإنسان الذي يبر ويصدق ويخاف من الله يبعث مع النبيين والصديقين والشهداء، أما غالب التجار فسيبعثون فجاراً.
وفي رواية أخرى لهذا الحديث في مسند الإمام أحمد قال ﷺ : (إن التجار هم الفجار، قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحل الله البيع فقال ﷺ : بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون).
وهذه هي المصيبة وهي أن التاجر الغالب عليه كثرة الحلف، فهو يحلف بالله ويحلف بالطلاق ويحلف بغير الله ولا يهتم لذلك، إذا حلف بغير الله أشرك، وإذا حلف بالله سبحانه فقد لا يصدق في يمينه بل يكذب فيكون يمينه يميناً غموساً، واليمين الغموس هي أن يحلف بالله كاذباً، ليقتطع من مال المسلم.
فالذي يقول لك: والله إن هذه ثمنها علي كذا لكي يأخذ منك مالاً أكثر وهو كاذب في يمينه فقد وقع في اليمين الغموس الذي حكم على صاحبها بأن يغمس في النار والعياذ بالله، وسميت يميناً غموساً؛ لأن صاحبها لا بد أن يذوق ويل هذه اليمين والعياذ بالله.
قال ﷺ : (لكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون) فيتعود على الكذب، ولكثرة ما يبيع ويشتري إذا جاء المشتري إليه قال لا بد أن أكذب عليه حتى أبيع فيكذب ويكذب ويأثم ويكون يوم القيامة مع الفجار والعياذ بالله.
стр. 200
عقوبة من حلف بالله كاذباً ليبيع سلعته
روى مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).
لما قالها النبي ﷺ مرة واثنتين وثلاثاً قال أبو ذر: (خابوا وخسروا منهم يا رسول الله؟! قال: المسبل، والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب).
والمسبل هو: الذي يلبس القميص أو البنطلون أو الإزار ويجرجره في الأرض، وما أكثر ذلك، فتراه يمشي في المجالس فيلوث ثوبه، ويصلي على هذا الحال، هذا المسبل لا ينظر الله إليه، وقال النبي ﷺ : (ما زاد عن الكعبين فهو في النار)، وتجد الكثير من الناس في غفلة عن حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإذا قلت لإنسان: ارفع بنطلونك عن الأرض، أو ارفع قميصك قال: الموضة هكذا، أي موضة هذه التي ستودي بك إلى نار جهنم، وتكون من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؟ هو الذي يعطي الشيء ويمن على من أعطاه، ويهدي الهدية ويمن عليها ويتصدق على إنسان بصدقة ويفضحه بين الناس ويمن عليه، فاحذر أن تمن على أحد بشيء صنعته له.
قال: (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، أي: هو يريد أن يبيع سلعته، وحتى يشتريها الناس يحلف كاذباً أن قيمتها كذا وأنه سيبيعها بخسارة وهكذا.
فهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم يوم القيامة ولهم عذاب عظيم.
وفي الحديث الآخر: (لا ينظر إليهم).
وهناك حديث آخر في هذا المعنى: عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) فهؤلاء لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، وهو أشيمط زاني، والشمط: البياض الذي يدخل في شعر الإنسان، تقول فلان: أشمط يعني: بدا البياض في شعره، يعني: بدأ سنه في الكهولة والشيب هذا الأشمط، الله جعل له الشيبة واعظاً، وليس معنى ذلك أن الشاب معذور إذا زنى، فإنه لا عذر في كبيرة من الكبائر، ولكن أحدهما أبغض إلى الله من الآخر، فالذي كبر سنه أشد بغضاً عند الله من الشاب الذي وقع في الزنا والعياذ بالله.
والعائل المستكبر: هو الفقير، فالله منع عنه أسباب الكبر حتى يتواضع، ثم هو يستكبر على غيره من الناس فهو أبغض إلى الله من الغني المستكبر، وكلاهما بغيض إلى الله سبحانه.
والإنسان المتكبر أبى الله أن يدخله الجنة حتى يعذبه بالنار والعياذ بالله.
قال: (ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه)، هذا المنفق سلعته بالحلف الكاذب جعل الله بضاعته وسلعته أن يحلف بالله دائماً كاذباً، حتى يبيع السلعة.
وفي حديث آخر: زاد رابعاً على هؤلاء فقال: (البياع الحلاف، والفقير المختال، الشيخ الزاني، والإمام الجائر)، والإمام معناه: الحاكم أو الأمير الجائر الظالم فبسبب ظلمه يكون يوم القيامة مع الذين يبغضهم الله ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليهم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين الدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 201
شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت [١]
لقد حذر النبي ﷺ من التوسع في الدين لغير حاجة، فالدين هم بالليل وذلة في النهار، ويغفر للشهيد كل شيء إلا الدين، ولذا من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ومن أخذها يريد أداءها أدى الله عنه؛ لأن هذه الأموال ملك للغير وحق من حقوقهم، فصارت عند المستدين كالأمانة المتعلقة بالذمة، فلا تبرأ منها ذمة العبد حتى يعطيها الغير.
стр. 202
الترهيب من الدَّين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الترهيب من الدين، وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء، والمبادرة إلى قضاء دين الميت.
روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها.
قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: الدَّين).
وروى الترمذي وابن ماجة عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الغلول، والدين، والكبر).
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)].
هذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري في الترهيب من الدين، وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء، يعني: في الديون التي عليها.
стр. 203
شرح حديث: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها)
وجاءت أحاديث عن النبي ﷺ تخيف المؤمن من الدين، وأنه لا يستدين إلا إذا كان محتاجاً، وإذا استدان فإنه ينوي الأداء ويجتهد في أداء هذا الدين الذي عليه، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن عقبة بن عامر ﵁ في مسند الإمام أحمد أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها).
ومعنى الحديث: إنك وأنت آمن لا تدخل نفسك في شيء تخافه بعد ذلك.
قوله: (قال الصحابة: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: الدَّين)؛ لأن الشخص آمن فبمجرد ما دخل في الدين فإنه يخوف نفسه بهذا الدين، ويبقى صاحب الدين بعد كل مدة قليلة يقول له: هات الذي عليك، وربما يذهب يرفع عليه قضية، أو يخوفه بالله يوم القيامة بأن يقول له: هذا الدين سآخذه منك حسنات يوم القيامة، وسأحملك إياه يوم القيامة فيبقى مرعوباً في الدنيا والآخرة بسبب هذا الدين، لذلك لا يستدين إلا من احتاج إلى ذلك ولم يجد بداً من الاستدانة.
стр. 204
شرح حديث: (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة)
ومن الأحاديث ما جاء عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة)، فالإنسان الذي يموت وهو بريء من ثلاث خصال يدخل الجنة، وما هي هذه الخصال؟ قال: (الغلول، والدين، والكبر)، فيدخل الجنة إذا برأ من هؤلاء الثلاث، فالغلول أمر متعلق بالمال، والدين متعلق بالمال، والكبر: هو الغرور.
والغلول: هو السرقة من الغنيمة، فيسرق الإنسان في الجهاد في سبيل الله، ويمد يده إلى الغنائم التي تحت أيدي الكفار وقد أخذها المسلمون، فهذا هو الغلول، ومثل ذلك: أن يكون الإنسان يعمل في وظيفة فيمد يده للناس ويأخذ منهم الرشوة والهدايا، فهذا غلول، قال النبي ﷺ : (هدايا العمال غلول)، فالإنسان الذي يموت وهو بعيد عن الغلول وما مد يده إلى أحد، ولم يأخذ رشوة ولا أتى بسحت، ولا أخذ من غنيمة، ولا أخذ سرقة، فهذا بريء.
فالعبد إذا لم يستدن من أحد، أو استدان ووفى ما عليه فيموت وليس عليه دين لأحد.
الثالث: الكبر، فإذا كان الإنسان مغروراً فهذا ممنوع من دخول الجنة، فغروره يمنعه من دخول الجنة، والإنسان لو ترك نفسه وهو مغرور وجد نفسه متعالياً على الخلق، فليتواضع المؤمن لله ، وليتواضع لخلق الله ، وفي الحديث: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
فالمتواضع يرفعه الله سبحانه، ويجعل له قدراً في قلوب الخلق، والإنسان المتكبر أبى الله أن يدخله الجنة.
стр. 205
شرح حديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها)
ومن الأحاديث حديث أبي هريرة، الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)، فالإنسان الذي يستدين من الناس وفي نيته أنه يؤده، وليس الذي في نيته أن يؤدي ما يستلف من المال ويجلس في بيته يتفرج على المال ويتفرج على صاحب الدين، لا، هذا يجهد نفسه، ولذلك جاء في الحديث الآخر الذي ترويه عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من حمل من أمتي ديناً ثم جهد في قضائه) يعني: أتعب نفسه في العمل على شأن يؤدي هذا الدين، ويقضي عن نفسه هذا الدين، فهذا الذي قال النبي ﷺ فيه: (ثم مات قبل أن يقضيه فأنا وليه).
إذاً: على ذلك إذا استدنت فأجهد نفسك في أداء هذا الدين وفي قضائه حتى يكون لك العذر عند الله ﵎.
ففي حديث أبي هريرة: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) إذاً ربنا سيعينك على هذا الأداء في الدنيا، وإذا مات الإنسان قبل أن يؤدي في الآخرة فالله يوفي صاحبه من عنده سبحانه.
قوله: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها) ليس المقصود أن يأخذ أموال الناس فيحرقها أو يقطعها لا، وإنما هو شخص يأتي شخصاً فيقول له: أعطني هذا المال وسأعطيه لك بعد كذا، وفي نفسه أنه لا يريد إرجاعه، فهذا مهما تكلم وعاهد ومهما كتب ورقة أو أوصل أمانة أو شيكاً وهو في نيته عدم إرجاع هذا المال فهذا ينوي الإتلاف، فيدخل في قوله: (أتلفه الله)، فينتظر مصيبة تحصل له من الله ، ولن يعجز الله ﵎، فقد تجد الإنسان شاباً طويلاً عريضاً وفجأة جاءه مرض من أمراض السرطان فمات، فالله بالمرصاد، فاحذر وخف على نفسك، فالمال ما له قيمة، وصاحبه لعل الله يعطيه غيره، ولكن المصيبة فيك أنت الذي أخذت هذا المال، انتظر في الليل والنهار ماذا سيحدث لك من الله سبحانه؛ لأنك أخذت المال تنوي إتلافه، فكم من إنسان يستدين من إنسان مالاً، وبعدما يستلف كأنه لا يعرف هذا الإنسان فيمشي بعيداً عنه، ولا يقابله، ولا يقول له: إنني أخذت منك، ولا كأنه يعرف هذا الإنسان، سبحان الله! أمثال هؤلاء يجعل الله فيهم فتنة لغيرهم، فتجد صاحب المال لو جاءه شخص آخر يقول له: سلفني.
يقول له: لا، ما أعطيك، أنا أعطيت لفلان وما رجع لي مالي، وأعطيت لفلان وما رجع لي مالي، وأعطيت لفلان وكأنه لا يعرفني، فلذلك كانت مصيبته أنه في الدنيا أتلف مال صاحبه، وأنه جعل صاحب المال يمنع خيره عن الغير، فيمنع الناس من المال فلا يسلف أحداً شيئاً؛ لأنه رأى من هذا الإنسان لم يرد إليه المال.
стр. 206
شرح حديث: (أيما رجل تدين ديناً وهو مجمع ألا يوفيه إياه)
وروى ابن ماجة عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيما رجل تدين ديناً وهو مجمع ألا يوفيه إياه)، استلف وهو غير ناوٍ أن يرد هذا المال (لقي الله سارقاً).
إذاً هنا أتى بكبيرة من الكبائر يلقى الله بها يوم القيامة، فهذا مثل الذي يسرق أموال الناس، فقد استلف وهو ينوي ألا يرد المال، وآخر استعار من الناس شيئاً يقول: أعطني هذه الحاجة التي عندك أعمل بها وأرجعها لك، وهو ينوي ألا يرد إليه هذه الآلة التي استلفها، فهؤلاء يلقون الله سبحانه يوم القيامة وقد سرقوا أموال الناس، وإن كان السارق يأخذ في الخفاء، وهؤلاء يأخذون مع العلم بذلك ولكن الجميع يستوون عند الله فاحذر على نفسك.
стр. 207
قصة الرجل من بني إسرائيل الذي استدان وجعل الله شاهده وكفيله
روى الإمام البخاري وغيره عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار)، رجل من بني إسرائيل احتاج إلى مال فأراد من أحد أن يسلفه ألف دينار، وهذه حاجة كبيرة جداً، فالدينار وزنه حوالي أربعة جرامات وربع من الذهب، (فقال له: ائتني بالشهداء أشهدهم -هات أحداً يشهد-، فقال: كفى بالله شهيداً) أي: ربي شهيد علي وعليك، (قال: فائتني بالكفيل -شخص يضمنك- فقال: كفى بالله كفيلاً) هذا من أصعب ما يكون، أنك جعلت الله عليك شهيداً، وجعلت الله عليك كفيلاً، (قال الرجل -الذي هو صاحب المال- صدقت) طالما أنك قلت: كفى بالله شهيداً وكفى بالله كفيلاً، صدقت، (فيدفعها إليه إلى أجل مسمى) سلفه الألف الدينار إلى أجل مسمى، (فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يركبه ويقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً) إذاً هو وعده في اليوم الفلاني أنه سيسدده، ولكن بينه وبين صاحبه بحر ولا يجد مركباً يوصله، فماذا عمل؟ (فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها، ثم زجج موضعها) يعني: كتب خطاباً إلى صاحبها، وأتى بخشبة ونقرها ووضع فيها أربعة كيلو وربع ذهباً، هل تتخيل أن أحداً يمكن يعمل هذا الشيء؟! والله لولا أن النبي ﷺ قال ذلك ما كنا نظن أبداً أن أحداً يعمل هذا، أربعة كيلو ذهباً يرميها في البحر كيف يكون هذا الشيء؟! أتى بخشبة فنقرها ووضع فيها أربعة كيلو ذهباً ثم أغلقها وكتب جواباً فوق الخشبة أن هذا الدين الذي علي لفلان، ورمى الخشبة في البحر، يقول النبي ﷺ : (ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلاناً -استدنت- ألف دينار فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً فرضي بك، وإني جهَدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعكها) يعني: هو عمل هذا ولا يعني أنه رد الدين حقه وانتهى الأمر، وإنما هو يريد أن يقول: ربي إني أعذرت من نفسي، وهو قد قال: كفى بالله شهيداً، وأرى من نفسي أني جاهدت في ذلك، فكأنه يدفعها لكفيله الله ، ورمى بهذه الخشبة في البحر، قال: (فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف) هل أدى الدين؟ يقول: (وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال) الآخر واقف على البحر ينتظر الموعد يمكن يأتي المركب ومعه المال حقه، فما جاء المركب، وفي النهاية تعب قال: (فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة) وجد المال أربعة كيلو وربع ذهباً، ووجد الصحيفة مكتوب فيها: يا رب هذا دين فلان، وإنه استأمنني على ذلك، وإني استودعتك هذا المال.
فصاحب المال كتب هذه الرسالة ليعلم صاحبها إذا وصلت إليه أن هذا الدين الذي هو له، ولعل صاحبها يلاقيها فيظنها حق شخص آخر، فيقوم يأخذها ويجعلها أمانة حتى يسأل عنها أحد، فلذلك الآخر كان ذكياً حين وضع المال ووضع معه صحيفة حتى لا يتحرج صاحبه إذا أخذ هذا المال ألا ينفقه.
قال: (ثم قدم الذي كان أسفله) الآخر وجد مركباً بعد ذلك ثم قدم إلى الذي كان أسلفه وأتى بألف دينار وقال: (والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي جئت فيه).
والرجلان غاية في الأمانة، فصاحبه يقول له: (هل كنت بعثت إلي بشيء؟) فقال له معرضاً (قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه) ما لقيت مركباً قبل ذلك، وما رضي أن يقول له: إنني بعثت إليك المال هل وصل؟! يقوم صاحبه ويقول له: انتهى المال في البحر ما أريد منك شيئاً، ولكن الأمانة تقتضي كأنه ما بعث له شيئاً، ولكن ما صرح حتى لا يكون كذاباً وإنما عرض في الكلام (فقال له صاحبه: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشداً).
تخيل أحداً يعمل هذا الشيء! ولو كان أخذ المال من البحر وقال له: ما أخذت شيئاً هات المال، فيعطيه هذا المال، وهو يقول له: ما بعثت لك حاجة وإنني أتيت في المركب الآن، فهذه الأمانة التي يعلمنا إياها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وانظروا الآية عندما يقول لنا ربنا : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، تعطي له قناطير مقنطرة يؤديها إليك، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].
كأن الله سبحانه يعرف المؤمنين بأهل الكتاب وليسوا على ملتهم، فمنهم من يؤدي الأمانة ولو كانت قناطير مقنطرة، ومنهم من يسرقها ولا يعطيها، فكونوا أنتم أيها المؤمنون! كلكم تؤدون الأمانة، ولا تأكلوا أموال الناس، ولا تتشبهوا بهؤلاء، قال ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 208
شرح الترغيب والترهيب - الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت [٢]
إن المتساهل في الدَّين له عواقب كثيرة في الآخرة، ومنها: أنه يحبس عن الجنة إن كان من أهلها حتى يقضى عنه، أو يعذب في قبره والعياذ بالله، ويوم القيامة يؤخذ من حسناته فتعطى لأصحاب الحقوق، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه فطرح في النار والعياذ بالله!
стр. 209
ما جاء في الترهيب من الدين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: [الترهيب من الدين.
روى الطبراني عن ميمون الكردي عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها خدعها، فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زانٍ، وأيما رجل استدان ديناً لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه، خدعه حتى أخذ ماله، فمات ولم يؤد إليه دينه لقي الله وهو سارق).
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال).
стр. 210
شرح حديث (وأيما رجل استدان ديناً لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه)
جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في الترهيب من الدين على أي صورة من الصور، فمن هذه الأحاديث ما رواه ميمون الكردي عن أبيه -وهو حديث صحيح- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر).
إنسان يتزوج ويتفق مع المرأة أو مع أهلها على أنه سيدفع المهر كذا، وهو ينوي ألا يدفع، وينوي أن يخدع ولا يدفع شيئاً، فقال النبي ﷺ : (ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها، خدعها فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زان) والعياذ بالله! فانظر إلى بشاعة هذه الجريمة التي يقع فيها الإنسان! وانظر إلى العقوبة التي يعاقب عليها تعرف مدى الجرم الذي أجرمه هذا الإنسان، فيتزوج وينوي الخديعة، والزواج آية من آيات الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١].
فالزواج تظهر فيه آيات الله سبحانه من المودة والرحمة، فيؤدي الحق (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) كما ذكر النبي ﷺ .
فإذا كان الإنسان يتزوج وينوي الخداع أنه لا يدفع شيئاً، ويريد أن يتزوج المرأة ويدخل بها ثم بعد ذلك يطلقها ويضيع حقها، فهذا الإنسان يحشر يوم القيامة مع الزناة والعياذ بالله! قال ﷺ : (وأيما رجل استدان ديناً لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه خدعه حتى أخذ ماله)، خدعه مع لين القول، وضحك عليه بكلام طيب: أعطني المال وسأرجعه لك يوم كذا، وستلاقي مني كذا، وهو ينوي ألا يرد هذا المال، فهذا يلقى الله سبحانه وهو سارق يوم القيامة، فالسرقة كبيرة من الكبائر، فماذا ينتظر صاحب الكبيرة إلا النار والعياذ بالله!
стр. 211
شرح حديث: (ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم)
ومن الأحاديث حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره).
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع).
فحدود الله جعلها رادعة عن الوقوع في الجريمة، كالحد في شرب الخمر، والحد في السرقة، والحد في قطع الطريق، والحد في الزنا، فهذه حدود جعلها الله تأديباً للعباد وتهذيباً لهم، ومنعاً لغيرهم أن يقعوا في هذه المنكرات، فإذا كان بين إنسان وآخر شيء فعفا عنه بينه وبينه فلا مانع أن تعفو عن شيء يخصك أنت، كإنسان سرق من إنسان شيئاً ثم عفا عنه وترك له ذلك، وأما إذا بلغ هذا الحد إلى الحاكم فلا يجوز لأحد أن يشفع في ذلك، فقد لعن النبي ﷺ الشافع والمشفع.
وفي حديث: أن صفوان بن أمية لما أسلم وجاء للنبي ﷺ في المدينة جعل برده تحت رأسه في مسجد النبي ﷺ ونام، فإذا برجل من الذين كانوا في المسجد يمد يده ليسرق البرد الذي كان الرجل لابسه وقد طرحه تحت رأسه وهو نائم، فأمسك به صفوان ورفعه للنبي ﷺ وقال له: إن هذا أراد أن يسرق مني بردي، فأمر النبي ﷺ بقطع يده.
إذاً: فقد رفع الأمر إلى الحاكم وهو النبي ﷺ ؛ فأمر بقطع يد السارق، فإذا بـ صفوان يندهش فقال للنبي ﷺ : أفي مثل هذا البرد تقطع يده؟! فهو له، فقال النبي ﷺ : (هل ذاك قبل أن تأتيني به؟) لماذا لم تتركه له قبلما ترفعه لي؟ فإذا بلغ الحكم إلى الحاكم قال النبي ﷺ : (لعن الله الشافع والمشفع).
فلا تجوز الشفاعة بعدما وصل الأمر إلى القاضي في أي حد من حدود الله .
فهنا في هذا الحديث: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله) يعني: أتي بإنسان زانٍ وأقر على نفسه، أو بإنسان شهد عليه أربعة أنه وقع في هذه الجريمة ورفع إلى القاضي، فأمر القاضي برجمه أو أمر بجلده حسب حاله، وتدخل إنسان ليشفع ويقول: أرجوك اتركه، فهنا يقول النبي ﷺ : (فقد ضاد الله في أمره)، فأحكام الشريعة ليس فيها تلاعب، ولا أن الإنسان يقول: من أجلي اتركه، لا، فحد واحد يقام في الأرض أحب إلى أهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً، وحد يقام في الأرض تأتي بسببه البركة من السماء؛ لأن الحدود عقوبة على جريمة، وردع للناس من أن يقعوا في هذه الجريمة، قال ﷺ : (ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم).
فالذي يموت وهو مديون فلا يوجد يوم القيامة دراهم، قال: (ولكنها الحسنات والسيئات)، إذاً: فيوم القيامة إما أن تعطي لهذا الذي له الدين من حسناتك، وإما أن تحمل من سيئاته قصاصاً لهذا الدين، قال: (ولكنها الحسنات والسيئات).
قال: (ومن خاصم في باطل وهو يعلم)، فالإنسان الذي يخاصم في خصومة ويجادل فيها وارتفع الأمر إلى القاضي وهو يعلم أنه كذاب، كإنسان يدعي على فلان أن الأرض هذه حقه، والشقة هذه حقه، والمكان هذا حقه ويرتفع الأمر إلى السلطان، وهذا المخاصم الذي يجادل كذاب ويعلم في نفسه أنه كذاب، فهذا مصيبته عند الله عظيمة، قال: (من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)، فيغضب الله عليه، وإذا غضب الله عليه فلا ينتظر إلا المصائب، ويظل على هذه المصائب والله غضبان عليه حتى يرجع عن ذلك فيرد الحق لصاحبه، ويتوب إلى الله سبحانه.
قال: (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه) أي: رماه ببهتان، ورماه بقول زور وكذب عليه، فيقول: فلان هذا أنا رأيته يعمل كذا وكذا، وقد قالوا عليه كذا وكذا، وليس فيه هذا الشيء، قال: (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال) حبس في النار والعياذ بالله! في مكان اسمه: (ردغة الخبال)، و (ردغة الخبال): منطقة في النار يسيل فيها صديد أهل النار والعياذ بالله! فهذا مكان يليق بهذا الإنسان الكذاب الذي فيه نتانة الكذب، فيحبس فيه (حتى يأتي بالمخرج مما قال) والإنسان يأتي بالمخرج إذا كان صادقاً، لكن هذا كذاب، فاحذر أن تقول على مؤمن أو مؤمنة ما ليس فيه، واحذر أن تسمع شائعة عن إنسان فتردد هذه الشائعة كما سمعتها فتحبس في (ردغة الخبال) وهو مكان يسيل فيه عصارة أهل النار والعياذ بالله!
стр. 212
شرح حديث: (إن صاحبكم مأسور بدينه)
وعن سمرة قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: هاهنا أحد من بني فلان؟)، فالنبي ﷺ صلى بالناس ثم قام يسألهم: هل أحد من بني فلان موجود؟ (ثم قال: هاهنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: هاهنا أحد من بني فلان -للمرة الثالثة- فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله! فقال ﷺ : ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟ ثم قال: إني لم أنوه بكم إلا خيراً) يعني: كأن فلان هذا ميت، فلما أخذ النبي ﷺ يسأل هل أحد من أهله موجود؟ خاف الرجل أن تكون هناك مصيبة على هذا الإنسان أو شيء آخر، وفعلاً كان هناك شيء، فقال النبي ﷺ : (إني لم أُنوه بكم إلا خيراً، إن صاحبكم مأسور بدينه)، كان عليه دين فحبس به، (قال: فلقد رأيته أدى عنه حتى ما أحد يطلبه بشيء).
وفي رواية أخرى قال: (إن صاحبكم حبس على باب الجنة بدين كان عليه) يعني: هذا الرجل كان يستحق دخول الجنة ولكن الدين منعه من دخوله الجنة.
وفي رواية أخرى: (فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، أي: إن شئتم فافدوا هذا الإنسان الذي يستحق الجنة، (وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله فقاموا ودفعوا ما كان عليه من دين).
والله سبحانه رحم هذا الإنسان بأن أعلم النبي ﷺ فقال ذلك، فيا ترى كيف سيعلم أحد منا بهذا الشيء؟! فيموت الإنسان وعليه دين وأهله لا يدفعون ما عليه من الدين، ويقولون: مات وليس لنا دخل في دينه، ويتقاسمون المواريث والديون ولا أحد يسأل عن دين هذا الإنسان، وكم رأينا من ذلك! فتجد إنساناً يموت وهو مليونير وعليه ديون للناس، فقد كان يتاجر للناس في أموال فأخذ أموالهم، فلما يموت هذا الإنسان يجيء أصحاب الديون يطلبون أموالهم فيماطلهم الورثة، والورثة يتنازعون في الميراث وليس مهماً دين هذا الإنسان، والمهم أن يصل إليهم إرثه، لذلك لا يحافظ على أداء الدين إلا صاحب الدين الذي يخاف من الله ، وأما أن يبقى عليك دين وتنتظر من أهلك بعد وفاتك أن يقضوه فالغالب أنه لا يحدث هذا الشيء، ولا ينظر أحد في ذلك، ويجدون من رفقاء وأصدقاء وجيران السوء من يقول لهم: لا تدفع عنه دينه فعنده عيال لما يكبروا سيسددون عنه هذا الدين، وهو يحبس عن الجنة ويعذب في النار مدة ذلك.
وانظر هذا الحديث عن جابر قال: (توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطى خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران) عليه ديناران فقط، قال: (فانصرف النبي ﷺ أي: لم يصل على هذا الرجل، (ثم تحملهما أبو قتادة)، فأبو قتادة قال: يا رسول الله! أنا سأدفع الدينارين عنه، (هما علي، قال: هما عليك وفي مالك والميت منهما براء؟ قال: نعم، فصلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال رسول الله ﷺ بعد يوم: ما فعل الديناران؟) يسأل أبا قتادة: الديناران اللذان أنت تحملتهما عن فلان هل قضيتهما أم لا؟ (فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد -اليوم الذي بعده- فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن قد بردت جلدته)، كأن الميت كان يعذب فبردت جلدته لما دفع أبو قتادة ما على هذا الإنسان المتوفى من الدين، وهذا العذاب يكون للإنسان الذي استدان في غير حاجة ولم ينو الوفاء، واستدان وهو قادر على السداد ولم يتعب نفسه في السداد، وكم من إنسان يكون فيه نوع من الاستهانة بأموال الناس، فاستحلى السؤال، وما زاد الله عبداً بسؤاله الناس إلا فقراً، فيزيده فقراً عندما يتعود: سلفني يا فلان! أعطني يا فلان! فيتعود على هذا الشيء وتبقى طبيعة فيه ولا يستطيع أن يرد للناس شيئاً، وسهل عليه أن يستلف ولا يرد للناس أموالهم، فمثل هذا الإنسان الذي يموت وعليه دين للناس ولم يجتهد في قضائه، ولم يتعب نفسه في قضاء ما عليه من الدين، فهذا الإنسان ممن يعذب في قبره بسبب أموال الناس، فاحذروا من تضييع أموال الناس، وكفى قول النبي ﷺ : (من أخذ أموال الناس ينوي إتلافها أتلفه الله)، فأخبر عن حاله عند الله أن الله يهلكه ويتلفه، أو دعا عليه النبي ﷺ .
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 213
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته
ستر المسلم في الدنيا من أفضل الأعمال التي تقرب إلى الله جل وعلا، ولا يخلو إنسان من الوقوع في الذنب والزلل، فإذا رأيت شيئاً من أخيك المسلم فاستره، وخاصة إذا كان من ذوي الهيئات، وإذا سترته ابتغاء وجه الله فإن الله يسترك في الدنيا والآخرة.
стр. 214
الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام المنذري: [الترغيب في ستر المسلم، والترهيب من هتكه وتتبع عورته.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة).
عن مكحول أن عقبة بن عامر أتى مسلمة بن مخلد فكان بينه وبين البواب شيء، فسمع صوته فأذن له، فقال: إني لم آتك زائراً، ولكن جئتك لحاجة؛ أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ : (من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة) قال: نعم، قال: لهذا جئت.
رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح].
عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته)].
هذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في حسن الخلق، ومنها: خلق الستر على المسلمين؛ فإن الإنسان المسلم من طبيعته أنه كتوم، وأنه يستر ما يراه من شر، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ليكن بين الناس الخير، وحتى يقل بين الناس الشر، وإذا نهى عن منكر فليس غايته أن يفضح صاحب المنكر، وإنما غايته أنه يمنع الشرور التي هي موجودة بين الناس، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يفضح الناس.
وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في قضية من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وستر على من أمره ونهاه ولم يفضحه، وجاءت أيضاً أحاديث في الترهيب والتخويف ممن يحب أن يهتك حرمات المسلمين، ويكشف عوراتهم وسوءاتهم.
стр. 215
شرح حديث: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)
ومن تلك الأحاديث: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -وجاء نحوه عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فالإنسان المؤمن يعين أخاه المؤمن، وإذا كان في كربة فينفس عنه ويفسح له ويزيل عنه هذه الكربة التي قد ضاقت بها نفسه، فيفرج عنه هذه الكربة، والجزاء من جنس العمل، فكما هو فرج عن مؤمن فالله يفرج عنه كربة من كرب يوم القيامة، وما أكثر الكربات يوم القيامة! فإنه يوم عظيم صعب طويل، وكربات الدنيا لا تدوم فمهما كانت فستنتهي.
فالإنسان لو كان عمره ستين سنة أو سبعين سنة عمر، وكانت عليه الكربة عمره كله فإنها إذا قورنت بيوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة فإنها تكون لا شيء.
فالمؤمن حين يفرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا يفرج الله عنه هول موقف من مواقف يوم القيامة، وكربة من كربات الحساب يوم القيامة.
قال: (ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)، والشاهد من الحديث قوله: (ومن ستر على مسلم)، ورحمة ربنا عظيمة، فإذا نفست عن مسلم كربة يفرج الله عنك يوم القيامة، ويدخر ذلك إلى يوم القيامة، ولعله يفرج عنك في الدنيا أيضاً، ولكن الحديث ذكر هنا أن الستر على المسلم الجزاء فيه عاجل، فالجزاء العاجل أنك تستر على المسلم فيسترك الله الآن، ولا يكون هذا هو الجزاء الكامل، بل كذلك يوم القيامة يكون لك ستر، فيستر عليك مرتين في الدنيا وفي الآخرة.
والإنسان قد يكون بينه وبين أخيه شيء، فحين يرى شيئاً من أخيه يقول في نفسه: سأفضحه؛ لأنه في اليوم الفلاني عمل لي كذا، وكان يغيظني، وكان يدعي أنني لا أحبه، فسأفضح هذا الإنسان، لكن الإنسان المؤمن قلبه يخوفه بالله ، فلا تجاز الإنسان بالذي يفعله، ولكن استر؛ حتى يسترك الله ﵎، فإذا ضغط على نفسه وعلى مشاعره التي فيها الغيظ من أخيه المسلم وستر عليه جازاه الله الجزاء العاجل أن يستر عليه.
والستر على المسلم ليس معناه أننا نتركه في المعصية، بل مر بالمعروف وانه عن المنكر، واستر هذا الإنسان ولا تفضحه عند الناس، ولا يكون الغرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفضيحة للإنسان، وإنما يكون الغرض النصيحة وتقليل المنكرات وكف الشرور.
следующие страницы →