← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36971

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (337 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

شرح حديث: (ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم) ومن الأحاديث حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره). وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع). فحدود الله جعلها رادعة عن الوقوع في الجريمة، كالحد في شرب الخمر، والحد في السرقة، والحد في قطع الطريق، والحد في الزنا، فهذه حدود جعلها الله تأديباً للعباد وتهذيباً لهم، ومنعاً لغيرهم أن يقعوا في هذه المنكرات، فإذا كان بين إنسان وآخر شيء فعفا عنه بينه وبينه فلا مانع أن تعفو عن شيء يخصك أنت، كإنسان سرق من إنسان شيئاً ثم عفا عنه وترك له ذلك، وأما إذا بلغ هذا الحد إلى الحاكم فلا يجوز لأحد أن يشفع في ذلك، فقد لعن النبي ﷺ الشافع والمشفع. وفي حديث: أن صفوان بن أمية لما أسلم وجاء للنبي ﷺ في المدينة جعل برده تحت رأسه في مسجد النبي ﷺ ونام، فإذا برجل من الذين كانوا في المسجد يمد يده ليسرق البرد الذي كان الرجل لابسه وقد طرحه تحت رأسه وهو نائم، فأمسك به صفوان ورفعه للنبي ﷺ وقال له: إن هذا أراد أن يسرق مني بردي، فأمر النبي ﷺ بقطع يده. إذاً: فقد رفع الأمر إلى الحاكم وهو النبي ﷺ ؛ فأمر بقطع يد السارق، فإذا بـ صفوان يندهش فقال للنبي ﷺ : أفي مثل هذا البرد تقطع يده؟! فهو له، فقال النبي ﷺ : (هل ذاك قبل أن تأتيني به؟) لماذا لم تتركه له قبلما ترفعه لي؟ فإذا بلغ الحكم إلى الحاكم قال النبي ﷺ : (لعن الله الشافع والمشفع). فلا تجوز الشفاعة بعدما وصل الأمر إلى القاضي في أي حد من حدود الله . فهنا في هذا الحديث: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله) يعني: أتي بإنسان زانٍ وأقر على نفسه، أو بإنسان شهد عليه أربعة أنه وقع في هذه الجريمة ورفع إلى القاضي، فأمر القاضي برجمه أو أمر بجلده حسب حاله، وتدخل إنسان ليشفع ويقول: أرجوك اتركه، فهنا يقول النبي ﷺ : (فقد ضاد الله في أمره)، فأحكام الشريعة ليس فيها تلاعب، ولا أن الإنسان يقول: من أجلي اتركه، لا، فحد واحد يقام في الأرض أحب إلى أهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً، وحد يقام في الأرض تأتي بسببه البركة من السماء؛ لأن الحدود عقوبة على جريمة، وردع للناس من أن يقعوا في هذه الجريمة، قال ﷺ : (ومن مات وعليه دين فليس ثَم دينار ولا درهم). فالذي يموت وهو مديون فلا يوجد يوم القيامة دراهم، قال: (ولكنها الحسنات والسيئات)، إذاً: فيوم القيامة إما أن تعطي لهذا الذي له الدين من حسناتك، وإما أن تحمل من سيئاته قصاصاً لهذا الدين، قال: (ولكنها الحسنات والسيئات). قال: (ومن خاصم في باطل وهو يعلم)، فالإنسان الذي يخاصم في خصومة ويجادل فيها وارتفع الأمر إلى القاضي وهو يعلم أنه كذاب، كإنسان يدعي على فلان أن الأرض هذه حقه، والشقة هذه حقه، والمكان هذا حقه ويرتفع الأمر إلى السلطان، وهذا المخاصم الذي يجادل كذاب ويعلم في نفسه أنه كذاب، فهذا مصيبته عند الله عظيمة، قال: (من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)، فيغضب الله عليه، وإذا غضب الله عليه فلا ينتظر إلا المصائب، ويظل على هذه المصائب والله غضبان عليه حتى يرجع عن ذلك فيرد الحق لصاحبه، ويتوب إلى الله سبحانه. قال: (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه) أي: رماه ببهتان، ورماه بقول زور وكذب عليه، فيقول: فلان هذا أنا رأيته يعمل كذا وكذا، وقد قالوا عليه كذا وكذا، وليس فيه هذا الشيء، قال: (ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال) حبس في النار والعياذ بالله! في مكان اسمه: (ردغة الخبال)، و (ردغة الخبال): منطقة في النار يسيل فيها صديد أهل النار والعياذ بالله! فهذا مكان يليق بهذا الإنسان الكذاب الذي فيه نتانة الكذب، فيحبس فيه (حتى يأتي بالمخرج مما قال) والإنسان يأتي بالمخرج إذا كان صادقاً، لكن هذا كذاب، فاحذر أن تقول على مؤمن أو مؤمنة ما ليس فيه، واحذر أن تسمع شائعة عن إنسان فتردد هذه الشائعة كما سمعتها فتحبس في (ردغة الخبال) وهو مكان يسيل فيه عصارة أهل النار والعياذ بالله!

стр. 212

شرح حديث: (إن صاحبكم مأسور بدينه) وعن سمرة قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: هاهنا أحد من بني فلان؟)، فالنبي ﷺ صلى بالناس ثم قام يسألهم: هل أحد من بني فلان موجود؟ (ثم قال: هاهنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: هاهنا أحد من بني فلان -للمرة الثالثة- فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله! فقال ﷺ : ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟ ثم قال: إني لم أنوه بكم إلا خيراً) يعني: كأن فلان هذا ميت، فلما أخذ النبي ﷺ يسأل هل أحد من أهله موجود؟ خاف الرجل أن تكون هناك مصيبة على هذا الإنسان أو شيء آخر، وفعلاً كان هناك شيء، فقال النبي ﷺ : (إني لم أُنوه بكم إلا خيراً، إن صاحبكم مأسور بدينه)، كان عليه دين فحبس به، (قال: فلقد رأيته أدى عنه حتى ما أحد يطلبه بشيء). وفي رواية أخرى قال: (إن صاحبكم حبس على باب الجنة بدين كان عليه) يعني: هذا الرجل كان يستحق دخول الجنة ولكن الدين منعه من دخوله الجنة. وفي رواية أخرى: (فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، أي: إن شئتم فافدوا هذا الإنسان الذي يستحق الجنة، (وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله فقاموا ودفعوا ما كان عليه من دين). والله سبحانه رحم هذا الإنسان بأن أعلم النبي ﷺ فقال ذلك، فيا ترى كيف سيعلم أحد منا بهذا الشيء؟! فيموت الإنسان وعليه دين وأهله لا يدفعون ما عليه من الدين، ويقولون: مات وليس لنا دخل في دينه، ويتقاسمون المواريث والديون ولا أحد يسأل عن دين هذا الإنسان، وكم رأينا من ذلك! فتجد إنساناً يموت وهو مليونير وعليه ديون للناس، فقد كان يتاجر للناس في أموال فأخذ أموالهم، فلما يموت هذا الإنسان يجيء أصحاب الديون يطلبون أموالهم فيماطلهم الورثة، والورثة يتنازعون في الميراث وليس مهماً دين هذا الإنسان، والمهم أن يصل إليهم إرثه، لذلك لا يحافظ على أداء الدين إلا صاحب الدين الذي يخاف من الله ، وأما أن يبقى عليك دين وتنتظر من أهلك بعد وفاتك أن يقضوه فالغالب أنه لا يحدث هذا الشيء، ولا ينظر أحد في ذلك، ويجدون من رفقاء وأصدقاء وجيران السوء من يقول لهم: لا تدفع عنه دينه فعنده عيال لما يكبروا سيسددون عنه هذا الدين، وهو يحبس عن الجنة ويعذب في النار مدة ذلك. وانظر هذا الحديث عن جابر قال: (توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطى خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران) عليه ديناران فقط، قال: (فانصرف النبي ﷺ أي: لم يصل على هذا الرجل، (ثم تحملهما أبو قتادة)، فأبو قتادة قال: يا رسول الله! أنا سأدفع الدينارين عنه، (هما علي، قال: هما عليك وفي مالك والميت منهما براء؟ قال: نعم، فصلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال رسول الله ﷺ بعد يوم: ما فعل الديناران؟) يسأل أبا قتادة: الديناران اللذان أنت تحملتهما عن فلان هل قضيتهما أم لا؟ (فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد -اليوم الذي بعده- فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن قد بردت جلدته)، كأن الميت كان يعذب فبردت جلدته لما دفع أبو قتادة ما على هذا الإنسان المتوفى من الدين، وهذا العذاب يكون للإنسان الذي استدان في غير حاجة ولم ينو الوفاء، واستدان وهو قادر على السداد ولم يتعب نفسه في السداد، وكم من إنسان يكون فيه نوع من الاستهانة بأموال الناس، فاستحلى السؤال، وما زاد الله عبداً بسؤاله الناس إلا فقراً، فيزيده فقراً عندما يتعود: سلفني يا فلان! أعطني يا فلان! فيتعود على هذا الشيء وتبقى طبيعة فيه ولا يستطيع أن يرد للناس شيئاً، وسهل عليه أن يستلف ولا يرد للناس أموالهم، فمثل هذا الإنسان الذي يموت وعليه دين للناس ولم يجتهد في قضائه، ولم يتعب نفسه في قضاء ما عليه من الدين، فهذا الإنسان ممن يعذب في قبره بسبب أموال الناس، فاحذروا من تضييع أموال الناس، وكفى قول النبي ﷺ : (من أخذ أموال الناس ينوي إتلافها أتلفه الله)، فأخبر عن حاله عند الله أن الله يهلكه ويتلفه، أو دعا عليه النبي ﷺ . نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 213

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته ستر المسلم في الدنيا من أفضل الأعمال التي تقرب إلى الله جل وعلا، ولا يخلو إنسان من الوقوع في الذنب والزلل، فإذا رأيت شيئاً من أخيك المسلم فاستره، وخاصة إذا كان من ذوي الهيئات، وإذا سترته ابتغاء وجه الله فإن الله يسترك في الدنيا والآخرة.

стр. 214

الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام المنذري: [الترغيب في ستر المسلم، والترهيب من هتكه وتتبع عورته. روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة). عن مكحول أن عقبة بن عامر أتى مسلمة بن مخلد فكان بينه وبين البواب شيء، فسمع صوته فأذن له، فقال: إني لم آتك زائراً، ولكن جئتك لحاجة؛ أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ : (من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة) قال: نعم، قال: لهذا جئت. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح]. عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته)]. هذه الأحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في حسن الخلق، ومنها: خلق الستر على المسلمين؛ فإن الإنسان المسلم من طبيعته أنه كتوم، وأنه يستر ما يراه من شر، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ليكن بين الناس الخير، وحتى يقل بين الناس الشر، وإذا نهى عن منكر فليس غايته أن يفضح صاحب المنكر، وإنما غايته أنه يمنع الشرور التي هي موجودة بين الناس، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يفضح الناس. وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في قضية من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وستر على من أمره ونهاه ولم يفضحه، وجاءت أيضاً أحاديث في الترهيب والتخويف ممن يحب أن يهتك حرمات المسلمين، ويكشف عوراتهم وسوءاتهم.

стр. 215

شرح حديث: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا) ومن تلك الأحاديث: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -وجاء نحوه عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فالإنسان المؤمن يعين أخاه المؤمن، وإذا كان في كربة فينفس عنه ويفسح له ويزيل عنه هذه الكربة التي قد ضاقت بها نفسه، فيفرج عنه هذه الكربة، والجزاء من جنس العمل، فكما هو فرج عن مؤمن فالله يفرج عنه كربة من كرب يوم القيامة، وما أكثر الكربات يوم القيامة! فإنه يوم عظيم صعب طويل، وكربات الدنيا لا تدوم فمهما كانت فستنتهي. فالإنسان لو كان عمره ستين سنة أو سبعين سنة عمر، وكانت عليه الكربة عمره كله فإنها إذا قورنت بيوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة فإنها تكون لا شيء. فالمؤمن حين يفرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا يفرج الله عنه هول موقف من مواقف يوم القيامة، وكربة من كربات الحساب يوم القيامة. قال: (ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)، والشاهد من الحديث قوله: (ومن ستر على مسلم)، ورحمة ربنا عظيمة، فإذا نفست عن مسلم كربة يفرج الله عنك يوم القيامة، ويدخر ذلك إلى يوم القيامة، ولعله يفرج عنك في الدنيا أيضاً، ولكن الحديث ذكر هنا أن الستر على المسلم الجزاء فيه عاجل، فالجزاء العاجل أنك تستر على المسلم فيسترك الله الآن، ولا يكون هذا هو الجزاء الكامل، بل كذلك يوم القيامة يكون لك ستر، فيستر عليك مرتين في الدنيا وفي الآخرة. والإنسان قد يكون بينه وبين أخيه شيء، فحين يرى شيئاً من أخيه يقول في نفسه: سأفضحه؛ لأنه في اليوم الفلاني عمل لي كذا، وكان يغيظني، وكان يدعي أنني لا أحبه، فسأفضح هذا الإنسان، لكن الإنسان المؤمن قلبه يخوفه بالله ، فلا تجاز الإنسان بالذي يفعله، ولكن استر؛ حتى يسترك الله ﵎، فإذا ضغط على نفسه وعلى مشاعره التي فيها الغيظ من أخيه المسلم وستر عليه جازاه الله الجزاء العاجل أن يستر عليه. والستر على المسلم ليس معناه أننا نتركه في المعصية، بل مر بالمعروف وانه عن المنكر، واستر هذا الإنسان ولا تفضحه عند الناس، ولا يكون الغرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفضيحة للإنسان، وإنما يكون الغرض النصيحة وتقليل المنكرات وكف الشرور.

стр. 216

شرح حديث: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) ومن الأحاديث في ذلك حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)، وهذا وعد من الله على لسان نبيه ﷺ ، وجزاؤك من جنس عملك؛ فإذا سترت إنساناً في الدنيا سترك الله يوم القيامة. ومن ذلك حديث يزيد بن نعيم عن أبيه: أن ماعزاً أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال: لـ هزال: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك). وهزال رجل كان يربي ماعزاً، وماعز واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وكان شاباً قوياً، وكان وهو صغير يتيماً، والذي رباه هو هزال، وماعز في يوم من الأيام لقي الحي خالياً، ولقي جارية في الحي فذهب وزنى بها، فلما زنى رآه هزال أو علم بعد ذلك بأمره، فقال: اذهب إلى النبي ﷺ لعله يجد لك حلاً لهذا الذي وقعت فيه، اذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بما صنعت؛ لعله يستغفر لك. وهنا: كونه يذهب إلى النبي ﷺ ويفضح نفسه ما كان ينبغي ذلك، وإنما كان ينبغي أنه يستر عليه، ولكن كأن هزالاً غضب منه كيف يعمل هذا الشيء، فقال له: اذهب إلى النبي ﷺ وأخبره، وبقي يردد عليه: اذهب إلى النبي ﷺ اذهب للنبي ﷺ ، وأخيراً ذهب، وكان في ظنه أن النبي ﷺ سيتركه، فلما ذهب إلى النبي ﷺ أعرض عنه، وكان ماعزاً متزوجاً، والمتزوج إذا وقع في هذه الجريمة -جريمة الزنا- فالحد فيه الرجم، فيرجم بالحجارة حتى الموت. فـ هزال كان عارفاً هذا الشيء، ومع ذلك نصح ماعزاً وقال له: اذهب إلى النبي ﷺ ، فذهب ماعز إلى النبي ﷺ وقال: زنيت، فالنبي ﷺ أعرض عنه ولم يرد عليه، فذهب وأتى إليه من الناحية الثانية وقال له: زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ ، حتى جاء أربع مرات يصر أمام النبي ﷺ ، وفي النهاية قال له النبي ﷺ -كأنه يصرفه-: (لعلك قبلت) يعني: يمكن أنت لقيت واحدة فقبلتها فرأيت أن هذا هو الزنا الذي يقام عليه الحد، فالرجل قال له: أنا ما قبلت، أنا زنيت، فقال: (لعلك لامست لعلك فاخذت) وهنا يتضح أن النبي ﷺ رحيم، لا يريد أنه يوقع الرجل فيرجم، ولكن الرجل كان مصراً، وإصراره بسبب هزال الذي كان مربيه، فإنه كان غضبان منه أنه زنى بجارية من الحي، فقال له: اذهب وخذ جزاءك من النبي ﷺ ، والنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، فاستمر يقول له: (أبك جنون؟ أتدري ما الزنا؟ فقال: نعم)، إذاً: الرجل أقر على نفسه، فقال في الآخر: (خذوه فارجموه). فأخذوه وحذفوه بالحجارة، فلما أذلقته الحجارة وأوجعته قام يجري هارباً، وقال: أعيدوني إلى النبي ﷺ ؛ لقد غرني هزال من نفسي، هزال ضحك عليّ وقال: لن يفعل فيك شيئاً، هزال قال لي: سوف يستغفر لك النبي ﷺ ، فلما جرى تبعه رجل على بعير وضربه على رأسه وأوقعه، فرجموه، فلما بلغ الأمر إلى النبي ﷺ كأنه حزن عليه، فقال: (هلاّ تركتموه؟ لعله يتوب فيتوب الله عليه)؛ لأن الرجم هنا لم يكن بشهادة الشهود، وإنما كان بإقراره على نفسه، وبعد ذلك النبي ﷺ قال لـ هزال: (يا هزال! هلا سترته بثوبك؟) لأن هزالاً هو الذي في البداية أمره أن يذهب إلى النبي ﷺ ويخبره بأنه زنى، ولو ذهب هو وأخبر النبي ﷺ فسوف يقول له: لابد أن يكون معك ثلاثة شهود؛ لأن حد الزنا لا يقام إلا بشهادة أربعة يشهدون، وإذا كان هو وحده شهد فسوف يقام عليه حد القذف، فكأن هزالاً يريد أن يهرب من أنه هو وحده الذي قال ذلك فأوقع ماعزاً في أنه يقول ذلك، وأقيم عليه هذا الحد. فقول النبي ﷺ : (هلَّا سترته بثوبك)، فيه: أن الإنسان إذا وجد إنساناً على معصية فإنه ينهاه عن هذه المعصية ويزجره، ولكن لا يفضحه إلا أن يكون مجاهراً بالمعاصي، فإذا كان مجاهراً بالمعاصي فهذا يستحق أن يفضح؛ لأنه هو الذي فضح نفسه، ولذلك فهناك فرق بين من أقر بالزنا -لأن المقر يريد أن يتوب- وبين الذي يشهد عليه أربعة أنهم رأوه أنه يزني، فإن هذا إنسان فاجر، فلذلك يرجم، وليس هناك كلام في مثل هذا، بخلاف من أقر على نفسه؛ فهذا علامة التوبة بادية عليه بإقراره على نفسه. والغرض أن قول النبي ﷺ لـ هزال: (هلا سترته بثوبك) ليس معناه: أنه يزني ويستر عليه، ولكن المعنى: استر عليه هذه الفضيحة، ولو كنت نهيته عن ذلك فيما بينه وبينك وسترت عليه لكان أولى من أن توقعه في مثل هذا.

стр. 217

شرح حديث: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة) ومن الأحاديث التي جاءت في هذا حديث رجاء بن حيوة قال: سمعت مسلمة بن مخلد ﵁ يقول: بينا أنا على مصر فأتى البواب فقال: إن أعرابياً على الباب يستأذنك، فقال: قلت: من أنت؟ قال: أنا جابر بن عبد الله، وجابر بن عبد الله ليس أعرابياً، وإنما هو صحابي فاضل، وأبوه هو عبد الله بن حرام الأنصاري الذي خاطبه الله كفاحاً، ورأى ربه ، وكان شهيداً من شهداء أحد، ومن أفضل الشهداء، فرضي الله ﵎ عنه، وقال له ربه: (يا عبدي! تمنّ عليّ، فقال: أتمنّ أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك). فهذا ابنه جابر بن عبد الله من الصحابة الأفاضل، يسافر من المدينة إلى مصر، والسفر في ذلك الوقت ما كان بأن يركب سيارة ولا أن يركب طيارة، وإنما كان يركب على جمله من المدينة إلى مصر. فقال هنا: أنا جابر بن عبد الله، وكان مسلمة بن مخلد في قصره، وكان جابر بن عبد الله تحت القصر، قال مسلمة فأشرفت عليه، فقلت: أنزل إليك أو تصعد إليّ؟ وكلاهما من الصحابة، فهذا صحابي وهذا صحابي، فـ مسلمة يقول له: هل أنزل إليك أم تطلع إليّ؟ فقال: لا تنزل ولا أصعد، قال: وما الذي تريده؟ قال: حديثاً بلغني أنك ترويه عن رسول الله ﷺ في ستر المؤمن جئت أسمعه، لقد جاء من المدينة إلى مصر يسمع حديثاً، ولا يريد أن ينزل ضيفاً عند الأمير ولا أن يطلع، ولا أن الأمير ينزل، وإنما قال: حدثني بحديث وأنا منتظر هنا في الخارج، وقل لي ما هو الحديث، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة) قال: فضرب بعيره راجعاً. فقد جاء من المدينة إلى مصر من أجل أن يسمع هذا الحديث، فسمعه وانصرف من غير أن يدخل لضيافة، ومن غير أن يأكل ويشرب، وإنما سمع الحديث وضرب بعيره ورجع. فهذا حديث عظيم عن النبي ﷺ ، والصحابة كان يهمهم أن يسمعوا حديث النبي ﷺ إما منه ﷺ أو ممن سمعه من النبي ﷺ ، فـ جابر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ ، ولكن بلغه من واحد ممن سمعه من مسلمة، وما أحب أن يكون بينه وبينه واسطة، فأراد بنفسه أن يسمع الحديث ممن سمعه من النبي ﷺ ، فسافر إليه كل هذا السفر؛ لكي يسمع حديثاً ويرجع مرة أخرى إلى بلده. فالحديث فيه: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة) والموءودة: هي الطفلة التي كان أهل الجاهلية يدفنونها وهي حية، فكان الواحد منهم يأخذ ابنته بعد ولادتها ويدفنها حية، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، فهذا الذي أماتها له عذاب، والذي أحياها له أجر عظيم، يعني: الذي استنقذها من أبيها، وكان بعض الناس يفعلون ذلك مثل زيد بن عمرو بن نفيل، فكان يذهب إلى الإنسان الذي يريد أن يقتل ابنته ويقول له: هات البنت هذه التي لا تريدها، فيأخذها هو ويربيها إلى أن تتزوج هذه الفتاة، فمن أحياها فله أجر عظيم عند الله . فالإنسان الذي يستر على مؤمن عورة يكون كالذي أحيا الموءودة، فله أجر عظيم عند الله .

стр. 218

شرح حديث: (فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته) ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه في هذا حديث ابن عمر قال: (صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع -يعني: بصوت مرتفع- فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله). ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وما أعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، فهنا: النبي ﷺ قام وخطب في الناس، وقال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه)، والإيمان: تصديق وقول وعمل، فإذا كان الإنسان يقول: أنا مسلم، ويقول: لا إله إلا الله، وعمله لا يوافق ذلك، فكأن إسلامه إسلام باللسان فقط، فهنا النبي ﷺ يقول للمنافقين الذين كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه) يعني: إسلامه مجرد كلام باللسان، وأما قلبه فلا، ولو كان قلبه فيه إيمان ما كان يتتبع عورات المسلمين. قال: (لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم) أي: لا تؤذوا المسلمين بألسنتكم، ولا تتبعوا عوراتهم، ولا يفضح بعضكم بعضاً، (فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم) أي: الذي يظل يراقب إنساناً من أجل أن يفضحه، ومن أجل أن ينظر ماذا يعمل حتى يتكلم عن سيرته أمام الناس بالفضيحة، قال: (تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) فاحذر فالجزاء من جنس العمل، ولا تفكر أنك تفضح إنساناً، وهكذا النساء أيضاً، فالنساء يحببن أن يتكلمن كثيراً، فلانة عملت كذا، وفلانة تعمل كذا. فهناك من يتتبع عورات الناس ويتجسس عليهم من أجل أن يفضحهم، فالذي يفعل هذا الشيء ربنا يسلط عليه من يصنع معه مثل هذا الشيء. قال: (يفضحه الله ولو في جوف رحله)، وفي الرواية الأخرى: (ولو في جوف بيته).

стр. 219

فضل إقالة عثرات ذوي الهيئات نظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك! وما أعظم حرمتك! يعني: أن حرمتك عظيمة، قال: ولكن المؤمن أعظم حرمة عند الله منك، يعني: أن الإنسان لا يؤذي مسلماً ولا يتكلم عنه، ولا يفضحه، فإذا وجدت من أخيك سوءاً فائمره بالمعروف وانهه عن المنكر ولا تفضحه، إلا أن يكون هو فضح نفسه فيستاهل ما يحدث له، ولكن الإنسان الذي ستر على نفسه فاستر عليه، وخاصة إذا كان من ذوي الهيئات. وذوي الهيئات: هم الناس الكبراء، فالإنسان الذي له مقام بين الناس وله فضل والناس يعرفونه فهذا إنسان مهذب، وهذا إنسان محترم، وهذا إنسان له عند الناس مكانة، وإن كان لا يوجد إنسان يخلو من معصية، فإن النبي ﷺ قال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فالإنسان الذي له شرف فضل بين الناس، لعله يقع في شيء من الزلل يوماً من الأيام، ولعله يفلت منه لسانه بشيء، فلا تأخذ زلته وتجري بها وتنشرها، يقول النبي ﷺ : (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، وكل المؤمنين استر عليهم جميعاً، وخاصة ذوي الهيئات؛ لأن الناس إذا علموا أن فلاناً رجل محترم فإنهم يقتدون به، فإذا وجدت عليه شيئاً فلا تفضحه؛ لأنه إذا كان كل الناس يفضح بعضهم بعضاً فستتشوه سمعة كل الناس، والناس بعد ذلك سيقتدون بلاعب الكرة، وبالرقاصة وبالمغني، وسيتركون أهل الفضل، فلذلك دع الناس يقتدون بالعلماء وبأهل الخير، فإذا وجدت منهم زلة من الزلات فأمر بالمعروف وانه عن المنكر، ولا تفضح إنساناً، ولا تشهر بإنسان؛ حتى لا تضيع دين الله . نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 220

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء الحياء خلق عظيم لا يأتي إلا بخير، وهو شعبة من شعب الإيمان، ولقد أرشدنا النبي ﷺ إلى التخلق بهذا الخلق الرفيع؛ لأنه يدفع صاحبه إلى عمل الطاعات، والابتعاد عن المعاصي والسيئات.

стр. 221

الترغيب في الحياء، وما جاء في فضله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الحياء وما جاء في فضله، والترهيب من الفحش والبذاء. عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ : دعه فإن الحياء من الإيمان)، متفق عليه. وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلهما قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح]. ذكر الإمام المنذري باباً في الترغيب في الحياء وما جاء فضله، وهذا من الآداب التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المؤمن. وشهر رمضان فرصة للإنسان المؤمن أن يتخلق بمكارم الأخلاق، وتكون له عادة بعد ذلك، فيكون دائماً على هذه الأخلاق العالية، ويترك السفاسف من الأشياء التي يبغضها الله . فخلق الحياء خلق الإنسان المؤمن، وهو الذي يجعله يستحيي من الخالق سبحانه. وجاء عن النبي ﷺ أحاديث منها: (الحياء شعبة من شعب الإيمان)، وأن (الحياء لا يأتي إلا بخير)، بل الحياء كله خير. وقد يكون في الإنسان حياء يدفعه! إلى عدم المطالبة بحقه، أو أنه يتنازل عن شيء من حقه ويبتغي بذلك وجه الله ، ولا يريد أن يحرج الناس، فهذا خلق عظيم في الإنسان. ففي حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء) أي: إن الرجل يعاتب أخاه ويقول له: إنك تستحي فلم تأخذ حقك ولم تتكلم! فكان جواب النبي ﷺ لهذا الناصح: (دعه؛ فإن الحياء من الإيمان). وخلق الحياء يجعل الإنسان قد يتنازل عن الشيء الذي هو من حقه، ويجعله لا يقبح أخاه في وجهه، ويعفو عن إساءة من أساء إليه.

стр. 222

الفرق بين الخجل والحياء وهناك فرق بين الحياء والخجل، فالخجل خلق يكون في الإنسان يشبه الحياء، فيجعله يترك الواجبات فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. والحياء خلق في الإنسان المؤمن لا يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجد منكراً أنكره، وأما الخجل فيجعل الإنسان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر؛ خوفاً من غضب الناس عليه. والخجل يجعل الإنسان يجامل الخلق على حساب الدين، وفي الحياء يتغاضى عن شيء من حقوقه لكيلا يحرج الذي أمامه، وأما عند الدين فإنه يأمر بمعروف وينهى عن منكر، وينصح كما أمر الله . فالإنسان المؤمن لا يترك فرض النصيحة أبداً، وقد أمرنا النبي ﷺ بها فقال: (الدين النصيحة). وجاء في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة)، وهذه خصال الإيمان أو شعب الإيمان، فأفضل خصلة في الإيمان التوفيق في أن تقول: لا إله إلا الله فهذه أعلاها، وأدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، فإذا كان الإيمان يدفعه لإماطة الأذى عن الطريق فسيمنعه من أن يضع الأذى في طريق الناس، فهذه من خصال الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان. وجاء في حديث عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير)، والإنسان الذي يستحي فإن الله يعامله بحسب هذا الخلق العالي الذي هو عليه، فلن يضيعه الله حتى وإن كان بسبب حيائه ضاع منه شيء من الدنيا، فالله يعوضه بإيمان في قلبه، وبالثواب بالجنة يوم القيامة.

стр. 223

معنى قوله ﷺ : (الحياء من الإيمان) جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد والترمذي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة)، فإذا كان الإنسان عنده إيمان فلا يضيع ولا يذهب إلى النار بفضل الله . فالحياء يجعل المؤمن يستحي من الله سبحانه ومن الخلق، واستحياء الإنسان من الله يمنعه من الوقوع في المعاصي حياءً من نظر الله الله إليه. وقال النبي ﷺ : (والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار) وهذا عكس الحياء، وهو الكلام بالفحش، وهو من عدم الحياء، قال النبي ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، والمعنى: أن الإنسان الذي ما عنده حياء يعمل أي شيء فلا يستحي من أحد: لا يستحي من الخالق ولا من المخلوق. وجاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)، والحياء في الإنسان أن يستحيي من الله ومن الخلق فلا يفرط في الواجبات؛ ولا يقع في المحرمات والمعاصي، ويتنازل عن شيء من حقوقه؛ لأنه يستحيي من الناس. والعي: هو عدم القدرة على التعبير في مسألة الحقوق، فإذا كان الإنسان له حق فلا يعرف أن يستنجد أحداً أو يطالب بحقه، فيجعل هذه الأمور أشياء تافهة ليست مهمة ويتنازل عنها، فكأنه قد عيّ لسانه فلا يعرف أن يتكلم في حقه. فالنبي ﷺ يخبر عن هذا الإنسان أنه يتنازل عن حقه للغير، فهذا دليل على إيمان هذا الإنسان. والبذاء والبيان شعبتان من النفاق، والبذاء: التفحش، والإنسان قد يكون فاحشاً وألفاظه بذيئة قذرة فلا يستحيي من أنه يعبر عن الأشياء المنكرة بألفاظها الشائعة التي عند أهل التفحش، وعنده القدرة على البيان والتعبير والمطالبة بالحق، ولا يستحي من أحد كبيراً كان أو صغيراً فيطلب الشيء التافه البسيط والرديء ولا يتنازل عنه أبداً، ويظن أنه يأخذ حقه تماماً بهذه الطريقة. ويتكلم في سفاسف الأمور ويستفيض فيها، والله يبغض سفاسف الأمور، فإذا تكلم في كل تافهة جعلها شيئاً كبيراً، فهذا شعبة من النفاق.

стр. 224

الاستحياء من الله حق الحياء وفي الحديث الذي يرويه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (استحيوا من الله حق الحياء فقالوا: يا نبي الله إنا لنستحيي من الله حق الحياء) وهم أهل لذلك ﵃، فبين لهم النبي ﷺ أن الحياء من الله حق الحياء هو أن (تحفظ الرأس وما وعاه والبطن وما حواه، ولذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). فالصحابة يستحيون من ربنا فلا يعملون المعاصي، فبين لهم النبي ﷺ أن الاستحياء من الله حق الحياء غير الحياء العادي، وهو: (أن تحفظ الرأس وما وعى) فعقلك لا تفكر به إلا في الخير وفي ربك وفي طاعته، فلا يشك بالله، ولا يفرح بشهوات تافهة ومحرمة. وأذنك لا تسمع بها إلا الخير، فلا تسمع بها أشياء منكرة من القول الزور والكلام الفاحش ونحو ذلك. والعين لا تنظر بها إلا إلى ما أحل الله ، وامتنع أن تنظر إلى ما حرم الله . واللسان لا تنطق به إلا خيراً وابتعد عما حرم الله سبحانه، والفم لا تدخل فيه إلا ما أحل الله سبحانه. وقال ﷺ : (وتحفظ البطن وما حوى)، ففيها المعدة فلا تدخل فيها أكلاً ولا شرباً محرماً، وتحفظ فرجك من أن يقع فيما حرم الله من الزنا واللواط وغيرهما من المنكرات. وقال ﷺ : (ولتذكر الموت والبلى)، فالموت على باب المؤمن، وأتعجب من إنسان يقول: أنا أخاف من الموت ومع ذلك يعصي الله ، أو يخاف من الموت ولا يعمل الأعمال الصالحة، فهذا نوع من المرض يحتاج إلى علاج، لكن الخوف من الموت هو الخوف من لقائه ، فيدفعه لأن يعمل لله ، ويعطي الحقوق لأصحابها، ولا يضيع الفرائض التي فرضها الله ، ولا ينتهج المحرمات التي حرمها الله سبحانه. وإذا قيل للإنسان أنه سيموت بعد ساعة فإنه سيؤدي الفرائض، وسيتوب إلى الله ، وسيؤدي الحقوق إلى أصحابها؛ لكي يموت نظيفاً، فأعد نفسك كأنك تموت الآن، فإذا كان الإنسان مستعداً للموت في كل لحظة من لحظاته فإن الموت يأتيه وهو نظيف من المعاصي وما وقع في شيء منها. وقال ﷺ : (ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا)، فإذا كان الإنسان طالباً ما عند الله فإنه لا يهتم لزينة الدنيا من لباس وطعام وشراب، فيكفيه ما كفى رسول ﷺ أو نحو ذلك، فلا يطلب زينة الحياة الدنيا، فالله يجعل هذا الإنسان هو صاحب الحياء الذي يستحق ما عند الله. نسأل الله أن يرزقنا الحياء منه حق الحياء، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 225

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه يحثنا ديننا الإسلامي على حسن المعاملة مع الخلق كثيراً، وهي التي تتيح أكبر قدر من التعايش بينهم، وهي طريق لحسن المعاملة مع الله تعالى. وحسن الخلق بشره النبي ﷺ بمحبته ومجاورته، وأنذر سيء الخلق بالعذاب والنار، كيف لا وقد كان من نفعه وبركته: دخول شعوب من دول آسيا في ديننا الإسلامي عن طريق التجار المهاجرين ذوي الأخلاق الحسنة.

стр. 226

الترغيب في حسن الخلق والترهيب من سوء الخلق الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الترغيب في الخلق الحسن وفضله، والترهيب من الخلق السيئ وذمه: عن النواس بن سمعان ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، رواه مسلم والترمذي. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)، رواه البخاري ومسلم والترمذي. وعن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وزاد في رواية له: (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة). ورواه بهذه الزيادة البزار بإسناد جيد لم يذكر فيه: (الفاحش البذيء)، ورواه أبو داود مختصراً قال: (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن خلق)]. هذا الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في الخلق الحسن وفضل حسن الخلق، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة جداً، فجاء عنه ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فمن أفضل ما ينعم الله به على الإنسان المؤمن بعد نعمة الإسلام أن يحسن خلقه، ولولا أن أمر الخلق الحسن أمر عظيم في الدين ما كان لتِأتي فيه هذه الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في الحث عليه، وفي ثوابه، وكيف يبلغ به أعلا الدرجات يوم القيامة، بل إن الإنسان بالخلق الحسن يجاور النبي ﷺ .

стр. 227

شرح حديث: (البر حسن الخلق) فمن الأحاديث: حديث النواس بن سمعان ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق). الإنسان البار هو الكثير الأفعال الحسنة، فيبر الناس، ويبر أهله، ويبر نفسه، وبهذا يكون الإنسان باراً، وهو أفضل شيء يكون عليه، والذي يدفعه لهذا البر هو حسن الخلق؛ لأن الدافع لأعمال البر حسن خلق الإنسان، والإثم: هو الذنوب، وهو الشيء الذي يدفع العبد لمعصية الله ، وقد أعطاه النبي ﷺ معنىً جامعاً فقال: (ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وصحيح فكل إنسان يعرف أن هذا صحيح وهذا غلط، وأن هذه معصية وهذه طاعة، ولكنه أحياناً يتغافل عن الشيء ويذهب يسأل المسألة ويغلفها بإطار حتى يأخذ الجواب على هواه، فالنبي ﷺ يقول لك: إنك حتى لو أخذت هذا الجواب على هواك فلا تعمل بهذا الشيء؛ لأنك تعرف أن هذا خطأ. وإذا حاك في صدرك منه شيء فلا تعمل بهذا الشيء؛ لأن النبي ﷺ قال: (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس). فقد يحس الإنسان في صدره من مسألة معينة وإن كان قد سأل فيها، وقيل له: إن هذه حلال، ولكن: يشعر في نفسه أنه خطأ، وأنه ما سأل السؤال على الوجه الصحيح فيها؛ ولذلك جاءته الإجابة خاطئة. فنقول له: إن الجواب الخاطئ لن يغير من أصل حقيقة المسألة شيئاً، والإثم إثم ولن يتحول إلى شيء حسن، وانظر إلى بني إسرائيل لما تحايلوا على ما نهاهم الله من العمل في يوم السبت، وقالوا: نحن لن نصطاد يوم السبت، ولكنهم ينصبون شباكهم في يوم الجمعة فتحبس السمك يوم السبت، ثم يأتي يوم الأحد ويأخذونه. فهم ظنوا أنهم بهذا قد نجوا؛ لأنهم لم يعملوا يوم السبت شيئاً، فتحايلوا على ربهم سبحانه، فكان أن مسخهم الله قردة وخنازير؛ لعصيانهم وبعدهم عن الله سبحانه، وتحايلهم على دينه. وأما الإثم: فإذا عرفت في نفسك أن هذا خطأ فلا تفعله، حتى وإن قيل لك: إن هذا صواب طالما أنك شككت في الأمر، وفي نفسك أن هذا خطأ، فلا تعمل بهذا الخطأ.

стр. 228

شرح حديث: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) قال ﷺ في الحديث الآخر: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن)، وقال: (وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، وفي الحديث الآخر، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً). والفاحش: هو الإنسان الذي ينطق بالبذيء من القول. والمتفحش: هو الذي يبالغ في ذلك، أو الذي يتكلف ذلك، مثل: أن تجد شاباً منحرف السلوك في الشارع فيأتي آخر ويجعل نفسه مثله، فهنا الأمر: الفاحش والمتفحش، والنبي ﷺ ليس في لسانه الفحش، ولا يتكلف ذلك، فلم يكن هذا من شأنه ولا من طبعه، صلوات الله وسلامه عليه. ونحن نقول: الفحش: هو الكلام الخطأ، ولكن كان عند النبي ﷺ الفحش من القول ما هو دون ذلك بكثير، لذلك كان الصحابة يقولون لمن بعدهم: إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، وكنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. وقد دخل يهودي على النبي ﷺ وسلّم فقال: السام عليكم، والسام: الهلاك، فهو يلوي لسانه بالكلمة حتى يفهمها النبي ﷺ : السلام عليكم، فالنبي ﷺ قال: (وعليك)، وفهم الذي يقوله الرجل. والسيدة عائشة سمعت وظنت أن النبي ﷺ لم يفطن إلى ذلك، فقالت: وعليك السام واللعنة، وردت عليه كما قال، فالنبي ﷺ قال: (مه يا عائشة -أي: اسكتي واصمتي- فقالت: أوما سمعت ما يقول؟ فقال: قد سمعت وأجبت، يستجاب لي فيه، ولا يستجاب له في). وفي رواية أنه قال لها: (متى عهدتني فحاشاً، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)، وكأنه اعتبر أنها بهذه المقالة ردت عليه أكثر مما قال، فهو قال: السام عليك، وهي قالت: وعليك السام واللعنة، فاعتبر هذا من الفحش. وأما ما نراه اليوم عندما يخرج الواحد منا من لسانه الكلمات الكثيرة، ويقول: إني سريع الغضب ولا أملك نفسي، فهذا هو الفحش من القول، وقد تركه النبي ﷺ ، ونحن نعتبره في أعيننا أدق من الشعرة وشيئاً بسيطاً جداً، ولكن النبي ﷺ كان يعتبره شيئاً كبيراً.

стр. 229

شرح حديث: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن) ومن الأحاديث العظيمة التي تدفع كل إنسان إلى أن يحسن خلقه، وأن يتعامل مع الناس بما يحب أن يتعاملوا به معه، قول النبي ﷺ : (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)، فالله يبغض الإنسان الفاحش في كلامه وفعاله، والبذيء: هو صاحب الألفاظ القبيحة. قال ﷺ : (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) أي: قد تجد إنساناً كثير الصلاة، والمقصود هنا بصاحب الصلاة: صلاة النافلة، وإلا فالمسلمون كلهم محافظون على صلاة الفريضة، وليس فيها كلام، ولا يعني هذا: أن يترك شخص الصلاة نهائياً ويقول: خلقي حسن وسأبلغ به ذلك، فنقول له: نعم تبلغ، ولكن إلى الكفر والعياذ بالله، والصلاة هي الأصل ولابد منها، والصلاة التي ذكرها في هذا الحديث هي: صلاة النافلة، والصوم المذكور هو: صوم النافلة، وقد جاء عن النبي ﷺ أن الله قال: (وأنه لم يتقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) فيتقرب الإنسان أولاً بالفريضة، ثم بالنوافل حتى يحبه الله سبحانه ﵎، وإذا كانت هذه النوافل معها حسن الخلق فما أعظم حظ هذا الإنسان! فقد وصل إلى درجة عظيمة جداً. وقد يكون الإنسان مصلياً وصائماً ولكن لا يصلي نوافل كثيرة، أو يصوم نوافل كثيرة، ولكنه حسن الخلق، فيتعامل مع الناس بحلم وبلين، فلا يغضب، ولا يحمق، وليس من الذين إذا أتيت أحدهم بكلمة أتاك بعشر! ولكنه يصدق ويحلم على الناس، فهذا من أفضل الناس، وقد يبلغ بحسن خلقه درجة الصوّام القوّام، كما في الرواية: (ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة). وفي رواية أخرى: قال النبي ﷺ : (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل، الظامئ بالهواجر)، فهذا إنسان يقيم الليل ويظمأ بالهواجر، أي: يصوم بالنهار الحار جداً في أيام الصيف الشديدة، وصاحب الخلق الحسن قد يبلغ درجته أو أعلى منه، وفي رواية أخرى: (إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوّام القوّام بآيات الله، بحسن خلقه وكرم ضريبته). فالمسلم المسدد: هو الموفق الذي وفقه ربه لحسن الخلق، وطاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ ، (ليدرك درجة الصوّام)، أي: الذي يصوم النوافل المواظب على ذلك، فهذا الحسن الخلق لا يصوم كثيراً من النوافل، ولكن يبلغ بحسن خلقه درجة هذا الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه، وكرم ضريبته، والضريبة هنا: الطبيعة، أي: أن طبيعته كريمة وسمحة وسهلة، وليس فيه عنف، وهذه هي فيه طبيعة وسجية سهلة، فهذا من أعظم الناس درجة. وفي حديث النبي ﷺ الذي ذكر لنا فيه أن الناس ثلاث درجات، قال ﷺ : (أنا زعيم ببيت) أي: أنا ضامن، والزعيم هو الضامن، ومنه قول نبي الله يوسف: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] أي: وأنا ضامن، فالنبي ﷺ يقول لنا: أنا ضامن، ومتكفل لهذا الإنسان بهذا البيت في الجنة، قال ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً)، والجنة درجات، والمعنى: أنا ضامن أن يدخل الجنة بترك المراء وإن كان محقاً، والمراء: الجدل. والجدل يفسد العلاقات بين الناس، حتى لو أنت على صواب إذا فتحت باب الجدل مع إنسان لا تصل معه في النهاية إلى شيء، وخاصة إذا كان مخاصماً عنيداً، وهذا في أمور الدنيا، فإذا كان في أمر الدين فالأفضل للإنسان أن يقفل باب الجدل إلا أن يحتاج للرد على كافر، أو صاحب بدعة، ولكن لا تبقى هذه عادة الإنسان في كل وقت، فيتوهم أن هذا ابتدع بدعة فيقول: لا تتكلم معه، ولا تفعل معه أي شيء، هذا فعل كذا فلا أتكلم معه، ولا أناقشه، بسبب وبغير سبب! ولكن إن احتاج إلى ذلك فعل، ولا يرضى أن تكون كثرة الجدل طبيعة في نفسه أبداً، فقد قال النبي ﷺ : (أنا ضامن -أي: أنا زعيم- ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً)، وهذه هي الدرجة الأولى، وهي أقل درجات الجنة. الدرجة الثانية: قال النبي ﷺ : (وببيت في وسط الجنة) أي: أعلى قليلاً من الأول، (لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) فضمن له بيتاً في وسط الجنة إذا كان لا يكذب، حتى ولو كان يمزح مع صديق أو مع الناس فلا يكذب، ولم يبح النبي ﷺ الكذب إلا في أحوال:

стр. 230

حالات يجوز فيها الكذب الحالة الأولى: إذا كان الرجل مع أهله، ففي حال الكلام والمعاشرة يتكلم معها ويقول: أنت أجمل النساء، وأنت كذا، ويتكلف في أشياء لعلها غير موجودة، ولكن كنوع من العشرة والمودة والمحبة، وهذا مغتفر. الحالة الثانية: في الحرب، فقد قال النبي ﷺ : (الحرب خدعة)، فالإنسان في الحرب إما أن يخدع خصمه ويغلبه، أو أن يُخدع من الخصم فيقتل، فأباح النبي ﷺ الكذب إذا كان في حال من هذه الأحوال التي ذكرها النبي ﷺ ، والغرض بيان أن هناك صوراً أباح النبي ﷺ للإنسان أنه إما أن يعرِّض في الكلام، أو إذا لم يجد إلا أن يكذب لذلك فله ذلك. الحالة الثالثة: الصلح بين الناس، فإذا قال الخصم للذي يريد الإصلاح: هل سمعته يشتمني؟ فيقول: لا لم أسمعه يشتمك. فهذا جائز للإصلاح بين الناس. والأفضل في هذه الأشياء أن تكون على وجه التعريض، فإن لم ينفع ويؤد الغرض فله أن يقول ما ذكره النبي ﷺ ، وغير ذلك لا يجوز للإنسان أن يكذب فيه، فلا يجوز له أن يمزح مع إنسان ويقول له: فلان عمل كذا البارحة، ثم تقول: لا أنا كنت أمزح معك، فلا يجوز للإنسان أن يقول ذلك. فمعنى الحديث: أنا ضامن لك بيتاً في وسط الجنة لو تركت هذا الكذب وإن كنت مازحاً. الدرجة الثالثة: قال النبي ﷺ : (وببيت في أعلا الجنة) وأعلى الجنة يتشوف إليها كل إنسان، وهذا البيت كما قال ﷺ هو: (لمن حسَن خلقه، أو لمن حسّن خلقه)، فالإنسان الحسن الخلق فاز على جميع هؤلاء، وارتفع إلى أعلى الجنات بحسن خلقه.

стр. 231

شرح حديث: (إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً) ومن الأحاديث التي جاءت تسلي الإنسان وتجعله يحاول أن يكون حسن الخلق، ويتكلف حتى يصير حسن الخلق له سجية وطبيعة، حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقاً)، فأقرب واحد من النبي ﷺ مجلساً يوم القيامة وليس قريباً فقط، فقد يكون إنسان قريباً منك وأنت لا تحبه، وهذا يحبه النبي ﷺ ، وقريب منه ﷺ ، فما أسعد حظ هذا الإنسان! وهو كما قال النبي ﷺ : (أحسنكم خلقاً). وفي حديث آخر قال النبي ﷺ : (ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أطولكم أعماراً، وأحسنكم أخلاقاً)، وهذا حديث عظيم ومهم جداً، فإنه كلما طال عمر الإنسان أصيب بالضيق، فتضيق أخلاقه، وتسوء تصرفاته، وتجد أصدقاءه كانوا كثيرين فقلوا؛ لأنه كل ما زاد في العمر كان أكثر غضباً، فيقول لنا: إن أفضلكم وخياركم الذي كلما طال عمره ازداد حلمه، وازداد علمه، وازداد حسن خلقه، قال ﷺ : (ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أطولكم أعماراً، وأحسنكم أخلاقاً). وفي حديث آخر يقول النبي ﷺ : (إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب)، فهنا ذكر الأحب إليه ﷺ ، والأبغض إليه ﵊، فأحب الناس إلى النبي ﷺ كما قال: (أحاسنكم أخلاقاً) أي: المؤمنون ذوو الأخلاق الحسنة. وقوله: (الموطئون أكنافاً) الكنف: هو جانب البهيمة، ودابة موطأة الكنف: أي يركبها صاحبها بسهولة، وهذا مثل يضرب للمؤمن وكأنه يذلل ويمهد نفسه، ويجعل نفسه سهلة مع الناس، فهو موطأ الكنف، أي: سهل كالدابة التي يركبها صاحبها بسهولة، فالإنسان المؤمن يجعل نفسه مع المؤمنين سهلاً سمحاً يجيبهم ويتعامل معهم بحسن الخلق. ويقال للفراش: هذا فراش وطئ، أي عندما تنام عليه لا يؤذي جنبك، فكذلك الإنسان المؤمن عندما تميل عليه لا يؤذيك أبداً، ويكون حسن الخلق. وقال ﷺ : (الذين يألفون ويؤلفون) أي: ليس عندهم نفرة من الناس، فقد تجد الإنسان يقعد مع الناس ولا يندمج معهم بسهولة ويقول: طبعي هكذا! لكن الإنسان الحسن أخلاقه حسنة، فإذا جاء واحد إليك مغضباً فلا تعامله كما يتعامل معك؛ لأن المؤمن حسن الخلق، رفيق مهذب، يعتذر للناس، ويقول: كان يضحك قبل وجاء مغضباً فلعل عنده ظروفاً، فيعذر الناس ويحب الناس، والذي يحب الناس يحبونه، والذي يبغضهم يبغضونه، والمعاملة بالمثل. ولذلك: أحب الناس إلى الله الذي يحبه الناس، والذي يحب الناس أكثر من حبهم له، فلذلك في الحديث قال ﷺ : (الذين يألفون -يألف الناس- ويؤلفون)، فيرضى عن الناس، والناس يرضون عنه بسهولة، وليس معنى هذا أن يكون مسخرة يسخر منه الناس، فهذا يلطشه وهذا يضحك عليه، وهذا يسخر به، ولكنه الذي يألف بسهولة، فعندما يتكلم لا يحس أحد معه بفجوة، فكأن بينه وبينه عِشْرة منذ زمن، وهو لعله أول مرة يكلمه، فهذا الذي يألف ويؤلف. وأما الإنسان الذي يريد أن يألف أو يؤلف بالمزاح وبالضحك فقد سمعنا الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فيمن ترك ذلك. قوله ﷺ : (وإن من أبغضكم إلي: المشاءون بالنميمة)، فقد تجد إنساناً يحضر عند فلان ويسمع منه كلمة فيحملها إلى فلان الثاني، فهو نمام، وأصل الكلمة من التنمية، والتنمية: الزيادة؛ لأنه سمع الخبر وزين له الشيطان أن يسمع ويزيد في الخبر أشياءً، فسمع فلاناً يقول عن آخر: أنه متجهم، فينقل الخبر ويقول: قال عنك كذا وكذا، ويزيد على الكلام أكثر مما قال، وهذا هو المشاء بالنميمة، أي: الذي يمشي كثيراً بالنميمة. وقوله ﷺ : (المفرقون بين الأحبة) فلا يحب أن يجد اثنين يحب أحدهما الآخر إلا ويفرق بينهما، فهذا من أبغض الناس إلى النبي ﷺ . ومنهم: (الملتمسون للبرآء العيب) أي: المتتبعون لعيوب الناس، فإذا اطلع على عيب لأحدهم فضحه بين الناس، فهذا من أبغض الناس إلى رسول الله ﷺ ، فكيف بحاله مع رب العزة! نسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق، وأن يجعلنا ممن يجاور النبي ﷺ يوم القيامة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 232

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الرفق والأناة والحلم إن الرفق والحلم والأناة أخلاق عظيمة، وقد جاء الإسلام بمدحها والحث عليها، فإنها ما كانت في أمر إلا كان مستقيماً صالحاً، ولا نزعت من شيء إلا شابه انحراف واعوجاج.

стр. 233

الترغيب في الرفق والأناة والحلم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الرفق والأناة والحلم. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه). وعنها أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، رواه مسلم. وعن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرَق، وإذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير)، رواه الطبراني، ورواته ثقات. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، ولا كان الخرق في شيء قط إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق)، رواه البزار. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، رواه البخاري]. هذا باب آخر من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ويذكر فيه: الترغيب في الرفق والأناة والحلم. فالرفق بأن الإنسان يكون رفيقاً بغيره، والرفق عكسه العنف، والعنف: الشدة، فالعنيف يشدد على الغير ويصل إلى أمره بشدة، وإن كان هذا الأمر أمراً فيه خير لكن يصل إليه بصعوبة، ويصل إليه بالطريقة العسرة بالشدة، فيرفع السوط، ويتعامل بالمعاملة العنيفة الغليظة القاسية. فإذا كان الأمر ممكن نصل إليه بطريقين: طريق فيه الرفق، وطريق فيه العنف، والنتيجة واحدة، فطريق الرفق هو الذي فيه الثواب العظيم، والذي يدل على خيرية صاحبه. وطريق العنف وإن كان في النهاية سيصل إلى النتيجة نفسها لكن صاحبه أقل ثواباً، ولا يبعد أن يحرم من الثواب؛ لأن الإنسان الذي فيه العنف قد يأتي ليأمر بالمعروف وإذا به يأمر بطريقة منكرة، فأمره يكون معروفاً ولكن فعله يكون منكراً، فيكون أمر بالمعروف بطريقة منفرة، وقد نهانا النبي ﷺ عن التنفير. وهنا في حديث السيدة عائشة في الصحيحين: (إن الله رفيق يحب الرفق) فالله الخالق العظيم بجلاله سبحانه يرفق بعباده، فمن صفات الله : صفة الرفق، وصفة الحلم، فإنه حليم ورفيق وصبور سبحانه، وأمر العباد أن تكون هذه من أخلاقهم: خلق الرفق، وخلق الحلم، وخلق الصبر. فالإنسان يكون رفيقاً في كل أموره، ويصل بهذه الطريقة إلى دعوة الخلق إلى دين الله من غير تنفير لهم ولا تعسير عليهم. في رواية مسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، يعني: أن الإنسان الذي يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر بطريقة رفيقة يأخذ أجراً مضاعفاً، والذي يأمر وينهى بطريقة عنيفة يأخذ أجراً دون الأول. وفي رواية: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء شانه)، والرفق أمام الناس هذا شيء يحلي صاحبه، والعنف والشدة أمام الناس شيء يشين صاحبه، وكذلك الأمر عند الله سبحانه ﵎، فالرفق زين لصاحبه، والعنف والشدة والخرق شين لصاحبه. ولذلك الإنسان الذي في جاهليته كان حليماً رقيقاً طيباً كذلك في إسلامه يكون على ذلك، وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)، فالرفق خلق وسجية في الإنسان، فإذا كان أصله طيباً وأصله رفيقاً فكذلك بعد دخوله في دين الله يكون على هذه الصورة، فيزداد خيراً على ما كان في نفسه من الخير. فإذا كان يوم القيامة كان هذا الإنسان الرفيق الحسن الخلق بجوار النبي ﷺ كما قدمنا من قبل. والإنسان الذي فيه كبر، والذي فيه عنف، والذي فيه شدة، والذي فيه حماقة وخرق ودائماً هو مندفع ومتهور إذا كان قبل الإسلام على ذلك، فإنه إذا أسلم يكون كذلك أيضاً فيه صفة الاندفاع، فيحتاج إلى تغيير هذه الصفة التي في نفسه من الاندفاع والتهور والخرق والاستكبار على الخلق.

стр. 234

الأسباب المعينة على الرفق والأشياء التي تعينه على ذلك: الخوف من الله ، ومعرفة أن الله يراقبه، وأن الله يحاسبه، وأنه بخرقه وبعنفه وبشدته يبعد عن النبي ﷺ يوم القيامة، ففي حديث أبي ثعلبة الخشني يقول النبي ﷺ : (إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقاً: الثرثارون والمتفيهقون والمتشدقون). والإنسان سيئ الخلق فيه استكبار، ومن أفحش أخلاق الإنسان الكبر، بأن يكون مغروراً متكبراً. وكذلك الثرثرة وكثرة الكلام، فيريد أن يتكلم وحده وغيره لا يتكلم، ولا يستمع لأحد أبداً، إنما هو دائماً يتكلم سواء في الخير أو في الشر أو في أي شيء، فهو يريد أن يتصدر القوم. والثرثارون: هم كثيروا الكلام، والمتكلفون فيه، والمتفيهقون: كلمة (المتفيهق) كأنها مأخوذة من الفهق، والفهق: امتلاء الفم بالكلام، فكأن المتكلم متشدق بذلك، يعني: أنه يريد أن يري الناس أنه إنسان بليغ، وأنه يعرف أن يتكلم، ويقول الذي لا يقال، والذي لا يعرف أحد أن يقوله. وكذلك الأصل: التفقه، وفقه بمعنى: فهم، ومنه متفقه، وإنسان يتعلم الفقه وإنسان متفيقه يعني: طالب صغير يطلب الفقه. فالمتفيهق إذا كان طالباً صغيراً من طلبة العلم فهو على خير، لكن إذا كان مغروراً شديداً فهو متفيهق، يعني: أنه كثير الكلام، يريد أن يتكلم وهو جاهل قليل العلم. فهنا إذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر إذا كان على علم فإن يكون حليماً ويكون صبوراً، وإذا كان جاهلاً فإن يخاف من الذي أمامه ألا يحرجه بسؤاله عن حجته، فيداري جهله بعنفه وبشدته وبرفع صوته وبصخبه. إذاً: الإنسان المؤمن لا يكون على هذه الصفات أبداً، فالمؤمن رفيق، والله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.

стр. 235

شرح حديث: (إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق) في حديث جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق). فالإنسان الأخرق هو الذي فيه حماقة، وفيه تهور، وفيه اندفاع، وفيه طيش، وفيه عنف، فالإنسان يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وإذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق، يعني: أن من علامات محبة الله للعبد أنه يكون رفيقاً، وفيه تؤدة وطمأنينة، وفيه يسر، وكذلك العكس: فالإنسان الذي فيه نفور وشغب هذه علامة على بعده عن الخير. ثم قال ﷺ : (ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير) يعني: أن من علامات الخير أن يتربى أهل البيت على الرفق، ويكون كل أهل البيت فيهم هذه الصفة، ورب البيت هو الذي يؤثر عليهم بذلك، فإن كان رب البيت طائشاً أخرق أحمق فتكون صفة أهل البيت كذلك إلا من رحم الله ، فإذا كان كبير البيت أخرق طائشاً فإن بقية أهل البيت يقلدونه في هذا الشيء. كذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (إن الله يحب الرفق ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف)، وهذا الحديث رواه الطبراني من حديث أبي أمامة، وفيه: (إن الله يحب الرفق ويرضاه)، فالرفيق يحبه الله ، والإنسان الرفيق حسن الخلق يكون بجوار النبي ﷺ يوم القيامة، والإنسان الرفيق يعينه الله . وفي الحديث هنا قال: (يعين عليه ما لا يعين على العنف). فإذا أردت أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر بطريقة فيها لطف وفيها رفق، فإن الله يعينك عليه أكثر من أن تكون الطريقة فيها عنف وشدة، وكأن العنيف اعتمد على نفسه، وكأنه يقول: أنا سأغير، وأما الرفيق فاعتمد على ربه سبحانه، فاستحق الرفيق أن يعان من عند الله ، وأما العنيف فوكله الله إلى نفسه. وفي حديث السيدة عائشة ﵂ قال لها النبي ﷺ : (يا عائشة! ارفقي؛ فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق). فحق الرفيق أن يعان من عند الله ، وأما العنيف فوكله الله إلى نفسه.

стр. 236

شرح حديث: (أن أعرابياً بال في المسجد فقام الناس إليه) وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: (أن أعرابياً بال في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه) فهنا جاء أعرابي جاهل ودخل المسجد، ومسجد النبي ﷺ واسع كبير ليس فيه سجاد ولا حصير ولا شيء، بل الأرض تراب وحصى، فالرجل نظر الأرض لم ير شيئاً، فالشارع تراب والمسجد تراب، فدخل وقعد يتبول في المسجد، فرآه الصحابة، وأي أحد ينظر إلى هذا الإنسان سينكر عليه ويمنعه، فزجره الصحابة، ولكن النبي ﷺ الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم أمرهم أن يدعوه، فهو قد بدأ يبول في المسجد، والأرض قد تنجست، فإذا قاموا إليه فسيقطعون عنه بوله، ولعله بقطع البول يحصل له شيء، فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه بولته) يعني: لا تحبسوا عليه البول فيحصل له شيء، فرحمة عظيمة منه صلوات الله وسلامه عليه، قال: (لا تزرموه بولته، وقال: أريقوا على بوله سجلاً أو ذنوباً من ماء) يعني: هو قد تبول فصبوا على البول سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، ثم قال: (فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين). وهنا فرق بين إنسان يريد أن يتبول فيمنع، وبين إنسان قد شرع في التبول، فهذا الإنسان تركه النبي ﷺ حتى أكمل بوله، ولم يحبس عليه بولته؛ حتى لا يمرض أو يحصل له شيء. وفي هذا الحديث بيان حسن معاملة النبي ﷺ مع الخلق، قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 237

شرح حديث: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) وفي حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا). فالتيسير من دين الله ، والتيسير يكون بإقامة دين الله سبحانه، لهذا لا يأتي إنسان ويقول: أريد أن أصلي ثلاث صلوات في اليوم أو صلاتين، فهو ليس من التيسير، بل هذا بعد عن دين الله، وتشريع للخلق بغير ما أنزل الله . ولكن التيسير يكون بالدين، فيسر بدين الله، والدين فيه رخصة، فالإنسان ييسر له بهذه الرخصة كقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. فالإنسان إذا كان سيسافر ويريد أن يفطر فلا يقال له: اتق الله، اتق الله وصم؛ لأن الله قد رخص له، فيجوز للمسافر أنه يفطر، ويجوز للمريض أنه يفطر بنص القرآن العظيم، فإذا جاء إنسان وتشدد وأرغم المريض أنه يصوم فإنه قد يزداد عليه المرض، وهذا من التعسير على الخلق. فالتيسير يكون بدين ، والرخص التي شرعها الله سبحانه تؤخذ في مواطنها، وأما إنسان ييسر بإلغاء الدين فلا، فإنه لا يحل لمسلم إن يلغي شيئاً شرعه ربنا . قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا). يعني: اذكر ما فيه بشرى للناس، وما فيها ذكر دخول الجنة للناس، ولا تجزم على إنسان أنه من أهل النار، ولا تجزم لإنسان أنه من أهل الجنة. فلا تقل لأحد: أنت في النار، فإنه لا علم لك بذلك، قال ﷺ : (إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). فالإنسان لا يدري عن حال نفسه فضلاً عن أن يدري عن حال غيره، فلا نجزم على أحد أن هذا في النار أو هذا في الجنة. وجاء في حديث النبي ﷺ قال: (من قال: هلك الناس، فهو أهلكهم)، وكأن من علامات المغرور أن يقول: كل الناس ضيعوا، وكل الناس في النار، فأنت ترى مجموعة من الناس ولا ترى كل الناس، ولا حضرت كل الناس، ولا عرفت كيف ستكون نهايتهم، لذلك لا يجوز لإنسان أن يقول: كل الناس هلكوا وسيدخلون النار، ولكن الإنسان يدعو لغيره برحمة رب العالمين، وأن يهديهم الله سبحانه ﵎، وليس معنى ذلك أنه يرى المنكر ويتركه، ولكن يرى المنكر فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليكن سبيله إليه التغيير برفق وليس بعنف. وقوله: (بشروا ولا تنفروا)، فالتبشير فيه خير، وقد تقبل بالإنسان من أبواب الرجاء على ربه سبحانه أكثر ما تقبل به من أبواب التشديد، ويمكن أن إنساناً يقول له: إذا عملت كذا فسوف تدخل النار، فبعض الجهلة يقول: نحن داخلون النار داخلون! بعض الناس يقول ذلك فيستهين ويكفر والعياذ بالله. فالإنسان الذي يستهين بالنار قد وقع في الكفر والعياذ بالله، والذي يستهزئ بالنار وقع في الكفر، ولكن الإنسان الذي يخاف من النار، ويعترف بذنوبه ويقر بها فهذا أقرب إلى رحمة رب العالمين سبحانه. فمن التنفير أنه ييئس الناس من رحمة رب العالمين ، ولكن الإنسان المسلم يبشر، وكما يذكر الأشياء التي فيها الترهيب والتخويف يذكر الأشياء التي فيها الترغيب والتبشير؛ لعل الله أن يهدي العباد إلى دينه سبحانه؛ ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس. نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 238

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام لقد سعى الإسلام بشتى الوسائل والطرق إلى تقوية أواصر المحبة والألفة بين المسلمين، وشرع لذلك طرقاً وأساليب وإن كانت يسيرة إلا أن لها أثراً بالغاً في النفوس، ومنها: طلاقة الوجه، وطيب الكلام، وحسن المنطق، وإفشاء السلام.

стр. 239

أحاديث واردة في الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام وغير ذلك. عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)، رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك)، رواه أحمد والترمذي. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)، رواه الترمذي وحسنه]. إن الشريعة العظيمة تحث وتدعو المسلم إلى أن يفعل الخير أكثره وأقله ما استطاع، ولا يحتقر شيئاً من الخير يصنعه فكل خير يثاب عليه، وما دام الثواب موجوداً فينبغي ألا يستقل فعل شيء من أمور الخير.

стр. 240

شرح حديث أبي ذر: (لا تحقرن من المعروف شيئاً) من الأحاديث الذي جاءت في ذلك حديث أبي ذر في صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق). والحديث الآخر: (كل معروف صدقة) وطالما أن كل معروف صدقة فإنك عليه مأجور، وينبغي ألا تستقل شيئاً من المعروف فتتركه، فأقل المعروف تؤجر عليه حتى الإنسان الذي يتصدق بشق تمرة له فيه أجر وثواب، ويقي وجهه من النار بشق تمرة يتصدق بها، ومن أقل الأشياء قوله: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق). وفي الحديث الآخر يوضحه: قال: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، فيلقى المسلم أخاه المسلم فيتبسم في وجهه، وله فيها صدقة. وفي حديث أبي ذر ﵁ يقول النبي ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) يعني: تكسب بذلك صدقة وأجر عند الله . ومن الصدقات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال: (وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر لك صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة) أي إذا وجدت رجلاً ضائعاً في مكان ما فتدله أن الطريق من هنا، فلك صدقة في ذلك. (وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة). قال: (وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)، فإذا كان معك دلو فيه ماء وصاحبك محتاج للماء وأفرغت قليلاً من الماء في دلوه فلك أيضاً صدقة بذلك. وفي حديث أبي جري الهجيمي عند أبي داود والترمذي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنا قوم من أهل البادية فعلمنا شيئاً ينفعنا الله به. فقال النبي ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي). فإذا كان إنسان معه دلو فيه ماء وآخر محتاج للماء ليسقي البهيمة التي عنده فيعطيه قليلاً من الماء كي يسقي بهيمته، فهذا يعتبر شيئاً قليلاً، ولكنه عند الله كثير، ولا يُحتقر المعروف أبداً. قال: (ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط) أي: عندما تكلم إنساناً تكون صاحب وجه طليق، وأن تعطي له الفرصة بأن يأخذ ويعطي معك في الكلام، وعندما تكلم أخاك وأنت مبتسم فإن لك الأجر أكثر من أن تكلمه وأنت غير مبتسم، فتؤجر لحسن الكلام وطلاقة الوجه. ثم نصحه النبي ﷺ فقال: (إياك وإسبال الإزار) فعندما تلبس الإزار سواء كان قميصاً أو بنطلوناً فلا يكون مسبلاً، والإسبال هو: ما جاوز الكعبين من الإزار فإذا مشى جره في الأرض، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ووضح سبب النهي فقال: (فإنه من المخيلة) أي: من العجب بالنفس والغرور، وهذا لا يحبه الله، وجاء في الحديث الآخر: (لا ينظر إلى صلاة مسبل)، لا ينظر الله إلى إنسان يقوم في الصلاة وإزاره نازل إلى الأرض وجاوز الكعبين، فهذا لا ينظر الله إلى صلاته. وجاء في الحديث الآخر: (ما زاد عن الكعبين فهو في النار) هذا بالنسبة للرجال، وأما النساء فتستر المرأة قدميها ولو وصل ثوبها إلى الأرض. قال: (وإن امرؤ شتمك بما لا يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه؛ فإن أجره لك ووباله على من قاله). يعلمنا النبي ﷺ في هذا الحديث خلقاً عظيماً من مكارم الأخلاق وهو: أن الإنسان لعله يغيظه إنسان ويعيره بشيء فيقول ﵊: (إن امرؤ عيرك بما لا يعلمه فيك فلا تعيره بما تعلمه فيه) فقد يأتي إنسان ويشتمك ويتطاول عليك وقد يذكر أشياء لا وجود لها أصلاً، وهو إنسان تعلم أنه ناقص وأن فيه الكثير من النقائص فلا تذكر عليه هذه الأشياء التي تعلمها؛ ليصيبه الإثم لوحده، ولكيلا تدخل معه في هذا الباب القبيح. وجاء في الحديث الآخر: (أنه افترى عليك واختلق شيئاً ليس فيك) فلا ترد عليه حتى يكون الوبال عليه لوحده، ولا تدخل أنت في ذلك ولكن يكون لك الأجر. قال: (فإن أجره لك ووباله على من قاله).

стр. 241

شرح حديث: (موجب الجنة إطعام الطعام) من الأحاديث التي جاءت: حديث المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله! حدثني بشيء يوجب لي الجنة؟ فقال: موجب الجنة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام)، فقلب كل مؤمن لا بد وأن تكون أصول الإيمان موجودة فيه، ولكن سيزيد إيمان إنسان عن إنسان، فقد يوجد إنسان من المسلمين ولكنه عاص ويستحق النار، وأما هذا الإنسان الذي يطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحسن الكلام فكأنه يستحق أن يدخل الجنة، وهذا الأشياء لن تكون من كافر مثلاً، ولا من إنسان ليس محصلاً لأصول الإيمان، ولكن من يفعل ذلك هو إنسان مؤمن يزيد على غيره من الناس بهذه الأشياء: أنه يطعم الطعام، أي: يبذله ويتصدق به على المحتاجين. قال: (وإفشاء السلام) وفرق بين أن يسلم الإنسان، وأن يفشي السلام، فإذا سلم ربما سلم مرة أو مرتين، ولعله لا يسلم على بعض الأشخاص غير المعروفين أو الذين لا يردون عليه، ولكن الإنسان الذي يفشي السلام فهو لا يهمه من يسلم عليه سواء كان معروفاً أو غير معروف، سواء رد أو لم يرد، فقد يمر على ناس فيردون السلام، وقد يمر على ناس فلا يردون السلام فلا يهتم بهؤلاء فهو يفشي السلام؛ لأن السلام اسم من أسماء الله ، وأراد الله أن يفشى في الأرض ليتميز المسلمون بهذا التسليم العظيم، ولذلك جاء عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا) فعلامة الإيمان والذي يقوي الإيمان في قلوب المؤمنين: المحبة بين المؤمن وأخيه التي تدفعهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدفعهم للتمسك بخصال الإيمان، وتدفعهم للتدافع على طاعة الله ، والابتعاد عن معصية الله. فيقول ﵊: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) يعني: أكثروا من التسليم، فيسلم الرجل على أخيه إذا لقيه، ويسلم على أخيه إذا غاب عنه ثم ظهر مرة أخرى، وإذا جلس في مجلس فيبدأ بالسلام، وإذا قام لينصرف سلم قبل أن ينصرف، لكن الأمر صار كما قال النبي ﷺ : (دب إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد) إن هذا الداء الذي يزيل أمماً من على الأرض، فتستحق الفناء بذلك، هو أن يحسد بعضهم بعضاً، وأن يبغض بعضهم بعضاً، وإذا كانوا على ذلك سلط الله بعضهم على بعض، ثم سلط الله عليهم أعداءهم. قال ﷺ : (البغضاء هي الحالقة ليس حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين) فتحلق الدين بمعنى: أن الإنسان إذا كره إنساناً فإنه يظل يترصد له، ويتنافر معه، ويشد معه في الكلام، ويبغض بعضهم فيضيعوا أنفسهم. ثم ذكر في هذا الحديث قال: (ألا أنبئكم بما يثبت لكم ذلك؟) يعني: يثبت المحبة في القلوب، قال: (أفشوا السلام بينكم). وقال في حديث ابن مسعود: (السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام). فإذا مر المسلم على قوم فليسلم عليهم، وهو أعلا بذلك منهم درجة؛ لأنه يذكرهم باسم الله السلام، (فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم) وهم الملائكة، كما قال النبي ﷺ : (فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم). لذلك يجب على المسلم أن يلقي السلام ويفشيه ويكثر من ذلك كما أمر النبي ﷺ ، فتكون المحبة حادثة بين المؤمنين. نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعيننا على العلم والعمل. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 242

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في إفشاء السلام [١] على المسلم أن يحرص على كل عمل أو قول يؤدي إلى توحيد صف الأمة، وظهور المحبة والرحمة بين أفرادها، لا سيما إذا كان هذا العمل سبباً من أسباب المحبة بين الناس، والمحبة هي سبب من أسباب الإيمان الذي لن يدخل أحد الجنة إلا به، ومن هذه الأعمال التي قد لا يأبه لها كثير من الناس إفشاء السلام، فينبغي على المسلم أن يلقي السلام على كل من لقي سواء أعرفه أم لم يعرفه، حتى تسود المحبة بين الناس.

стр. 243

إفشاء السلام وفضله

стр. 244

ما ورد من الأحاديث في إفشاء السلام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. روى ابن حبان عن البراء بن عازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أفشوا السلام تسلموا). وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). وروى الطبراني عن أبي شريح ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام). وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). هذه أحاديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذكرها الحافظ المنذري ﵀ في باب الترغيب في إفشاء السلام، وقد ذكرنا بعض الأحاديث فيما سبق وكثرة الأحاديث التي تأتي عن النبي ﷺ في موضوع واحد تدل على أهمية هذا الموضوع. فقد ورد أكثر من عشرين حديثاً في الأمر بالتسليم ورد السلام وإفشائه، وفيها أن المؤمنين إذا تحابوا دخلوا الجنة وأن السلام وسيلة للمحبة بين المسلمين، وهذه الأدلة يذكرها النبي ﷺ ليحثنا على التسليم، فالمسلم ينبغي ألا يقصر في أمر التسليم حتى يكون من أهل الجنة وحتى تسود المحبة بين المؤمنين. من الأحاديث حديث البراء بن عازب ﵁ وفيه قال النبي ﷺ : (أفشوا السلام تسلموا)، وفي رواية أخرى: (أفشوا السلام كي تعلوا)، أي: أنه بإفشاء السلام بين المؤمنين يرفعهم الله ويعزهم، وكذلك بإفشاء السلام تكون السلامة بين المؤمنين والمسالمة فيما بينهم، والطمأنينة في أرضهم وديارهم. ومن الأحاديث حديث عبد الله بن سلام ﵁ يقول: إنه سمع النبي ﷺ يقول: (يا أيها الناس! أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). وفي هذا الحديث أسباب لدخول الجنة، وهذا لا يكون إلا إذا حققوا الأصل الأصيل من أصول دخول الجنة وهو الإيمان بالله ، وتحقيق معنى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، ثم يأتي بالعمل الصالح، وهذه الخصال التي ذكرها النبي ﷺ في الحديث وذكر أنها إذا كانت في المؤمنين هذه الخصال فإنهم يستحقون أن يدخلوا الجنة بسلام، فكأن معنى قوله: (تدخلوا الجنة بسلام) أي: بدون أن تنالوا أذى، وبدون أن تمسكم النار. قال: (يا أيها الناس أفشوا السلام)، فإذا اعتاد المسلمون إفشاء السلام فيما بينهم وقعت المحبة بينهم، ففرق بين إنسان تمر عليه ولا تسلم عليه ثم تجده على منكر في يوم من الأيام، فإنك لا تجرؤ على أن تأمره بمعروف أو تنهاه عن منكر، وقد تفعل ذلك ولكنه لا يقبل منك؛ لأنك لم تجعل وسيلة بينك وبينه في الكلام والأخذ والعطاء. فإفشاء السلام بين المسلمين يجعل للمسلم في قلب أخيه المسلم محبة ومودة واحتراماً، فإذا أحب في يوم من الأيام أن يأمره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، أو ينصحه بنصيحة، فإنه ينتصح ويسمع له، لكن إذا كان لا يرد السلام بل يمر على الشخص ويدير له ظهره، فإنه إذا أتى في يوم من الأيام ليأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر، فلن يقبل أحد منه؛ لأنه ليس بصاحب دعوة ولا خلق مع الناس. وهناك الكثير من العيوب والأخطاء الموجودة في كثير منا، منها: أن البعض لا يرد السلام إلا على من يعرفهم فقط، وأنه قد يسلم ولا يردون عليه لسبب ما، كعدم السماع أو الانشغال بموضوع، فيقع في نفسه شيء عليهم، وهذا خطأ فأنت تسلم من أجل أن تأخذ الثواب من الله سواء ردوا أم لم يردوا، فالله يأمر ملائكة من ملائكته بأن ترد عليك السلام، فلا تتعالى وتقول: ماداموا لم يردوا علي فلن أرد عليهم، أو تقول: فلان لا يسلم علي فلن أسلم عليه، فإن هذا من التكبر والغرور؛ لأنك تريد أن كل الناس الذين تمر عليهم يردوا عليك السلام ويعطوك الاحترام، فلا تكن من هؤلاء، بل تواضع لله فإن من تواضع لله رفعه الله. وابدأ أنت وتواضع للناس فستجد الناس يتواضعون لك، ابدأ بالسلام على الناس، وهم سيسلمون عليك بعد ذلك، وإن كان ذلك قد يأخذ وقتاً معيناً، فإنك قد تمر على إنسان صاحب أخلاق غير طيبة، ولكن مع كثرة التسليم عليه فإنه يبدأ يستحي وتبدأ أخلاقه بالتحسن. وهكذا إن كان يعمل منكراً من المنكرات، فإنه يمكن أن يعمله عند مرورك عليه أول مرة، ولكنه في المرة الثانية سيستحي منك ولا يفعل هذا الشيء، وبهذا تكون قد دعوت إلى الله بأخلاقك وردك للسلام، وتكون قد ساهمت في تكثير أعداد المسلمين المصلين المتحابين في الله ، الفاعلين المعروف الآمرين به، المنتهين عن المنكر الناهين عنه. وهذا يكون بإفشاء السلام، وانظر إلى تعبير الحديث حيث يقول ﵊: (أفشوا السلام بينكم)، أفشوا يعني: أجعلوه ذائعاً منتشراً فيما بينكم، وهذه هي التي عرفها أعداء الإسلام، أن كثرة السلام بين المسلمين تزيد من ترابطهم ومحبتهم ولذلك أتوا بالنكت والاستهزاء في هذا الموضوع، فقالوا: كثر السلام يقل المعرفة. وبقي الحمقى والمغفلون من المسلمين يأخذون مثل هذه الكلمة ويقولونها، يسمعك تسلم عليه مرة واثنين وثلاث، فيقول لك: كثر السلام يقل المعرفة، بكل سذاجة واستهزاء وبعد عن دين ربنا ، ولو أنهم عقلوا وفهموا أن السلام يزيد المحبة بين المؤمنين ويقوي الروابط فيما بينهم لقبلوا النصح. وقد جاء في حديث النبي ﷺ قوله: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه)، وذلك من كثرة ما يأمر بإفشاء السلام ﵊، فلو جاء إنسان وبدأ يتكلم ويقول: هات كذا، أعطني كذا، من غير أن يبدأ بالسلام، فهذا لا يستاهل أن ترد عليه؛ لأن الأصل أن يبدأ بالسلام، فإذا سلم الإنسان أصبحت بينه هو ومن يسلم عليه مسالمة وموادعة، وأصبحت هناك طمأنينة ومحبة وأمان فيما بينهم فيقبل بعضهم من بعض. قال في الحديث: (أفشوا السلام وأطعموا الطعام)، أي: تطعم الضيوف، وتطعم الفقراء والمساكين والمحتاجين، وتطعم في رمضان وفي غير رمضان، ولم يحدد متى يكون الإطعام ولمن يكون، فلعل هذه دعوة ليكون خلق الإنسان البذل والإطعام وهو أسهل بكثير من أخراج النقود؛ لأن الطعام لابد وأن يوجد في كل بيت، فإذا أكثر الإنسان من إطعام الطعام فإنه سوف يتعود على كرم النفس وسماحة الطبع، وتبقى هذه الأمور سجية فيه. انظروا إلى سيدنا إبراهيم ﵊ حين أتاه ثلاثة من الضيوف وحقيقتهم أنهم ملائكة، عندما جاءوه بالبشرى بأنهم سيهلكون قوم لوط، وظنهم إبراهيم ﵊ ضيوفاً من البشر، فقام وذبح لهم عجلاً، قال تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] عجل لثلاثة ضيوف! مع أنه كان يكفيهم كيلو لحم، ولكنه ذبح لهم عجلاً كاملاً، وهذا كرماً من إبراهيم، وربنا سجل له كرمه ذلك في القرآن: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] ﵊. ثم قال لهم: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]، وهذا بيان آخر ذكره لنا ربنا سبحانه ﵎ في القرآن الكريم وهو كيفية الأدب في إطعام الطعام، ففرق بين إنسان يضع الطعام لضيفه ويقول له: كل، وبين آخر يقول: تفضل، ألا تأكل، فهناك فرق في إلقاء الكلمة، وهناك كلمة تجعل الإنسان يأكل وهو منشرح الصدر، وهناك كلمة تجعل الإنسان قد يمتنع عن الأكل، ويقول: لست جائعاً، أو قد أكلت، أو نحو ذلك. فهذا الأدب ذكره لنا ربنا سبحانه ﵎ في القرآن الكريم عن سيدنا إبراهيم ﵊، كيف أنه دعا ضيوفه، وما نوع الطعام الذي دعاهم إليه، وكيف قدم لهم هذا الطعام ليأكلوا معه ﵊. ثم قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (وصلوا بالليل والناس نيام)، أي: صلاة التطوع، بعد أداء الصلوات المفروضة، لأن الأصل هو أداء الفرائض ثم يعمل الإنسان النوافل، (وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). ومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في السلام حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). فرد السلام فرض وإلقاء السلام سنة، وربنا يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، فإذا حياك إنسان فقال: السلام عليك، فرد عليه بقولك: وعليك السلام ورحمة الله، وإن زدت: وبركاته كان خيراً، وإذا قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فرد عليه بمثلها. من حق المسلم على أخيه المسلم هؤلاء الخمس، بل قد ذكر رسول الله ﷺ في رواية أخرى ستة حقوق، وقد قال ﷺ ذاكراً هذه الحقوق الستة: (إذا لقيته فسلم عليه)، من حقوق المسلم عليك أن تسلم عليه عندما تلقاه. (وإذا دعاك فأجبه) أي: إذا دعاك لطعام وكانت ظروفك تسمح لك بالذهاب فأجبه فإن له حقاً عليك، (وإذا استنصحك فانصح له) أي: طلب منك النصيحة في شيء ما، فكما تنصح لنفسك ولأهلك انصح لأخيك المسلم، (وإذا عطس فحم

стр. 245

فضل من يبدأ بالسلام أبو بكر أفضل منهم جميعاً رضوان الله ﵎ عليهم، ولكنه هو الذي يبدأ بالسلام، قال: فقال أبو بكر ﵁: أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل، يعني: لو أنهم بدءوك بالسلام لكان لهم الفضل عليك، فلا تجعل أحداً يسبقك بالسلام ما استطعت. قال: فكنا إذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بالسلام قبل أن يسلم علينا، فقد عرفوا الفضل في البدء بالسلام، فكانوا سباقين إلى ذلك. ولذلك جاء في حديث آخر يبين لنا هذا الفضل، وهو حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)، فكل مسلم يحب الله ويحب التقرب إلى الله، ولكن أولى الناس بالله قال: (من بدأهم بالسلام). وفي الحديث قيل: يا رسول الله! (الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: أولاهما بالله تعالى)، وجاء في حديث آخر: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل). (يسلم الراكب على الماشي)، فإنسان راكب على دابة أو على سيارة قد يدخله شيء من الغرور أنه أعلى من الثاني الذي يمشي على رجليه، فعلمك رسول الله ﷺ أنك أنت الذي تبدأ بالسلام من أجل ألا تشعر بالغرور والتعالي على الناس. ثم قال: (والماشي على القاعد)، فالذي يمشي ويمر على الناس فإنه ينبغي أن يسلم على القاعد في مكانه، قال: (والماشيان) أي: كلاهما يمشيان (أيهما بدأ فهو أفضل) يعني: الذي يبدأ هو أفضل من الآخر.

стр. 246

فضل رد السلام نتعلم من جملة تلك الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ أن المسلم ينبغي له أن يفشي السلام ويكثر التسليم على المسلمين، ففي ذلك الأجر الكثير، فإذا قال: السلام عليك، فله عشر حسنات، وإذا زاد: ورحمة الله زادت له عشر حسنات، وإذا زاد وبركاته زادت له عشر حسنات، فانظر كم تأخذ من الحسنات إذا سلمت على مائة شخص مثلاً وأنت مار في الطريق، فكل تسليمة بثلاثين حسنة، فتعود إلى بيتك ولديك ثلاثة آلاف حسنة، بسبب التسليم على الناس فقط. لذلك كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يخرج إلى السوق وهو لا يريد أن يشتري شيئاً، وإنما يريد أن يسلم على الناس، مثل عبد الله بن عمر ﵄، فقد خرج مع شخص فقال له: ما رأيتك اشتريت شيئاً؟ قال: أما رأيتني سلمت على الناس؟ قال: نعم، قال: فلهذا خرجت، وذلك لأنه عرف ما في السلام من الفضل الكثير. فخذوا أمر السلام بجد وليس بهزل؛ لأن الدين إذا دخله المزاح ضاع وضاع الثواب، فإذا سلمت على أخيك فاستشعر الثواب، واعلم أنك إذا مددت يدك فصافحت أخاك المسلم تساقطت السيئات عنكما. فعلى الإنسان المسلم أن يلقي السلام محتسباً الأجر من الله ، سواء رد عليه الناس أو لم يردوا، وعليه أن يلقي السلام على من هو في استعداد للرد عليه، فلا يشغل إنساناً عن شيء مهم يقوم به، فمثلاً إذا أتى حلقة فلا ينبغي أن يسلم على كل من في الحلقة ليقوموا كلهم بالرد عليه، وهكذا يأتي الثاني والثالث فيصبح الوقت كله رد للسلام، ولكن إذا انتهيت إلى المجلس فرد السلام على أقرب الناس إليك ثم اجلس، فإذا قمت من المجلس سلمت على أقرب من هم إليك وانصرفت، ولا تزعج أحداً بذلك. وإذا مررت على من يقرأ القرآن أو يحفظ القرآن وهو في مكان يمر عليه فيه ناس كثير، فعلى ذلك لا داعي أن تشغله عن حفظه وعن مراجعته بالسلام عليه، لكن إن وجدت من هو في حال يسمح له بالرد ولا يشغله ذلك عن شيء فألق السلام، وأكثر من ذلك، وأفشه بين الناس كما قال النبي ﷺ . نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 247

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في إفشاء السلام [٢] لقد رغّب الإسلام في إفشاء السلام لما فيه من المودة والألفة، وتقوية رباط الأخوة، وأوجب ردّ السلام، وبين لنا فضل السلام وما فيه من مضاعفة الحسنات، وأبخل الناس من بخل عن رد السلام، ورد السلام من التواضع، بل هو سبب من أسباب دخول الجنة. ولا يجوز القيام عند السلام تعظيماً إلا لله .

стр. 248

إفشاء السلام

стр. 249

شرح حديث: (أن رجلاً مرّ على رسول الله وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. [روى ابن حبان عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً مر على رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات، ثم مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، ثمر مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون حسنة، فقام رجل من المجلس ولم يسلم فقال النبي ﷺ : ما أوشك ما نسي صاحبكم، إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة). وروى البخاري عن ابن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)، قال حسان: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة]. هذان الحديثان وغيرهما عن النبي ﷺ ذكرها الإمام المنذري ﵀ في الترغيب في إفشاء السلام، فحديث أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً مر على رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات)، يعني: تؤجر في قولك السلام عليكم عشر حسنات، (ثم مر آخر وقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، ثم مر الثالث فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ : ثلاثون حسنة) أي: أن الإنسان إذا سلم فاختصر وقال: السلام عليكم، أخذ عشر حسنات، فإذا زاد: ورحمة الله، أخذ عشرين، فإذا زاد: وبركاته، أخذ ثلاثين حسنة. وقد جاء عن النبي ﷺ في مسند أحمد حديث فيه: (حق على من قام على جماعة أن يسلم عليهم، وحق على من قام من مجلس أن يسلم)، ففي الحديث جعل السلام على الناس من الحقوق لهم سواء عند الدخول عليهم أو عند الانصراف عنهم. ولما قال ذلك ﷺ قام رجل ولم يسلم، فقال النبي ﷺ : (ما أوشك ما نسي صاحبكم)، وفي الحديث الذي في مسند أحمد قال: (ما أسرع ما نسي). فالنبي ﷺ أخبرهم بفضل رد السلام، وأنك إذا جئت إلى مجلس فحق عليك أن تسلم، وإذا قمت من المجلس فحق عليك أن تسلم، وأخبرهم بذلك منذ لحظات قليلة في نفس المجلس، فالرجل جلس فلما قام نسي ما قال رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ متعجباً: (ما أسرع ما نسي)، ثم قال ﷺ : (إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة). فالإنسان إذا دخل على قوم ينبغي عليه أن يلقي ﵈ ويحييهم، وهو بذلك يدعو لهم بالتحية، ويدعو لهم بالأمن والطمأنينة، يعني: إني أجلس معكم في أمن وأمان، فهذا يطمئن له المجلس بعكس الذي يأتي ويجلس من غير أن يرد السلام، فإنهم سوف يتوجسون منه خيفة: لماذا جاء؟ وماذا يريد؟ وما هو الذي أقعده من غير أن يسلم؟ فالتسليم تحية بين المسلمين، وطمأنينة فيما بينهم.

стр. 250

شرح حديث: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز) ومن الأحاديث في ذلك حديث ابن عمرو الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)، فالأعمال الحسنة التي يعملها الإنسان لابد أن يكون الذي يفعلها مصدقاً بموعودها؛ لأن ربنا وعد على فعل الحسنات الجنة، فيفعل العبد ذلك وهو مستيقن من كلام رب العالمين سبحانه، ويفعل ذلك وهو يرجو الثواب الذي ذكر في الحديث. ومنيحة العنز هي: أن يعطي المسلم أخاه المسلم عنزته ليحلبها ويستفيد من لبنها ثم يعيدها له بعد ذلك، فهذه هي المنيحة. فهنا ذكر النبي ﷺ أن هناك أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز، فبدأ الصحابة يعدون الحسنات التي هي على أعمال بسيطة وسهلة بحيث تكون هذه الأعمال تحت منيحة العنز في الأجر، وذلك من أجل أن يعملوا بها ليحصلوا على الأجر الذي ذكره النبي ﷺ ، فذكر راوي الحديث أنهم ما استطاعوا أن يبلغوا خمس عشرة خصلة، فمما ذكروه: تشميت العاطس، يعني: أنه من الأعمال السهلة التي تدخل بها الجنة، فإذا عطس الإنسان وقال: الحمد لله، فادع الله له وقل: يرحمك الله، ولاحظ أن الحديث قال فيه ﷺ : (ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها) أي: تقول ذلك لترجو الثواب من الله ، ولا تقول ذلك مزاحاً أو استهزاء. فالذي يأخذ الثواب هو الذي يرجو هذا الثواب، ويكون مصدقاً بما قاله النبي ﷺ ، فالأمر جد وليس مزاحاً، فالذي يمزح في هذه الأشياء يضيع سنة النبي ﷺ ، ويستخف بها، ويفتح باب لأهل الاستهزاء بأن يستهزءوا بسنة النبي ﷺ . ولعل الذي يفعل ذلك يسن سنة سيئة يتبعه الناس عليها، ويكون (عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى قيام الساعة)، ولا يبعد أن يكفر هذا الإنسان الذي يستهزئ بسنة النبي ﷺ على هذا النحو، فدائماً الوسائل الشرعية لابد أن ترجو فيها الثواب، واحذر من إدخال المزاح فيها. فلا تسليم في مزاح، ولا تشميت للعاطس في مزاح، بل أولى لك أن تسكت، وذلك خير من أنك تقول كلاماً يؤخذ على أنه استهزاء ويضحك الناس: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً). فهنا يذكر لنا الأشياء التي هي دون منيحة العنز مثل: تشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك من الأشياء، وفي هذا إشارة إلى أن الأعمال مهما كانت صغيرة في نظر الإنسان فيجب أن يعملها وهو يرجو الثواب من الله، ويكون مصدقاً بموعود الله؛ حتى ينال الأجر على تلك الأعمال.
следующие страницы →