Полный текст (337 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فضل رد السلام
نتعلم من جملة تلك الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ أن المسلم ينبغي له أن يفشي السلام ويكثر التسليم على المسلمين، ففي ذلك الأجر الكثير، فإذا قال: السلام عليك، فله عشر حسنات، وإذا زاد: ورحمة الله زادت له عشر حسنات، وإذا زاد وبركاته زادت له عشر حسنات، فانظر كم تأخذ من الحسنات إذا سلمت على مائة شخص مثلاً وأنت مار في الطريق، فكل تسليمة بثلاثين حسنة، فتعود إلى بيتك ولديك ثلاثة آلاف حسنة، بسبب التسليم على الناس فقط.
لذلك كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يخرج إلى السوق وهو لا يريد أن يشتري شيئاً، وإنما يريد أن يسلم على الناس، مثل عبد الله بن عمر ﵄، فقد خرج مع شخص فقال له: ما رأيتك اشتريت شيئاً؟ قال: أما رأيتني سلمت على الناس؟ قال: نعم، قال: فلهذا خرجت، وذلك لأنه عرف ما في السلام من الفضل الكثير.
فخذوا أمر السلام بجد وليس بهزل؛ لأن الدين إذا دخله المزاح ضاع وضاع الثواب، فإذا سلمت على أخيك فاستشعر الثواب، واعلم أنك إذا مددت يدك فصافحت أخاك المسلم تساقطت السيئات عنكما.
فعلى الإنسان المسلم أن يلقي السلام محتسباً الأجر من الله ، سواء رد عليه الناس أو لم يردوا، وعليه أن يلقي السلام على من هو في استعداد للرد عليه، فلا يشغل إنساناً عن شيء مهم يقوم به، فمثلاً إذا أتى حلقة فلا ينبغي أن يسلم على كل من في الحلقة ليقوموا كلهم بالرد عليه، وهكذا يأتي الثاني والثالث فيصبح الوقت كله رد للسلام، ولكن إذا انتهيت إلى المجلس فرد السلام على أقرب الناس إليك ثم اجلس، فإذا قمت من المجلس سلمت على أقرب من هم إليك وانصرفت، ولا تزعج أحداً بذلك.
وإذا مررت على من يقرأ القرآن أو يحفظ القرآن وهو في مكان يمر عليه فيه ناس كثير، فعلى ذلك لا داعي أن تشغله عن حفظه وعن مراجعته بالسلام عليه، لكن إن وجدت من هو في حال يسمح له بالرد ولا يشغله ذلك عن شيء فألق السلام، وأكثر من ذلك، وأفشه بين الناس كما قال النبي ﷺ .
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 247
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في إفشاء السلام [٢]
لقد رغّب الإسلام في إفشاء السلام لما فيه من المودة والألفة، وتقوية رباط الأخوة، وأوجب ردّ السلام، وبين لنا فضل السلام وما فيه من مضاعفة الحسنات، وأبخل الناس من بخل عن رد السلام، ورد السلام من التواضع، بل هو سبب من أسباب دخول الجنة.
ولا يجوز القيام عند السلام تعظيماً إلا لله .
стр. 248
إفشاء السلام
стр. 249
شرح حديث: (أن رجلاً مرّ على رسول الله وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
[روى ابن حبان عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً مر على رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات، ثم مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، ثمر مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون حسنة، فقام رجل من المجلس ولم يسلم فقال النبي ﷺ : ما أوشك ما نسي صاحبكم، إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة).
وروى البخاري عن ابن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)، قال حسان: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة].
هذان الحديثان وغيرهما عن النبي ﷺ ذكرها الإمام المنذري ﵀ في الترغيب في إفشاء السلام، فحديث أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً مر على رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات)، يعني: تؤجر في قولك السلام عليكم عشر حسنات، (ثم مر آخر وقال: سلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، ثم مر الثالث فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ : ثلاثون حسنة) أي: أن الإنسان إذا سلم فاختصر وقال: السلام عليكم، أخذ عشر حسنات، فإذا زاد: ورحمة الله، أخذ عشرين، فإذا زاد: وبركاته، أخذ ثلاثين حسنة.
وقد جاء عن النبي ﷺ في مسند أحمد حديث فيه: (حق على من قام على جماعة أن يسلم عليهم، وحق على من قام من مجلس أن يسلم)، ففي الحديث جعل السلام على الناس من الحقوق لهم سواء عند الدخول عليهم أو عند الانصراف عنهم.
ولما قال ذلك ﷺ قام رجل ولم يسلم، فقال النبي ﷺ : (ما أوشك ما نسي صاحبكم)، وفي الحديث الذي في مسند أحمد قال: (ما أسرع ما نسي).
فالنبي ﷺ أخبرهم بفضل رد السلام، وأنك إذا جئت إلى مجلس فحق عليك أن تسلم، وإذا قمت من المجلس فحق عليك أن تسلم، وأخبرهم بذلك منذ لحظات قليلة في نفس المجلس، فالرجل جلس فلما قام نسي ما قال رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ متعجباً: (ما أسرع ما نسي)، ثم قال ﷺ : (إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة).
فالإنسان إذا دخل على قوم ينبغي عليه أن يلقي ﵈ ويحييهم، وهو بذلك يدعو لهم بالتحية، ويدعو لهم بالأمن والطمأنينة، يعني: إني أجلس معكم في أمن وأمان، فهذا يطمئن له المجلس بعكس الذي يأتي ويجلس من غير أن يرد السلام، فإنهم سوف يتوجسون منه خيفة: لماذا جاء؟ وماذا يريد؟ وما هو الذي أقعده من غير أن يسلم؟ فالتسليم تحية بين المسلمين، وطمأنينة فيما بينهم.
стр. 250
شرح حديث: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز)
ومن الأحاديث في ذلك حديث ابن عمرو الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: (أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)، فالأعمال الحسنة التي يعملها الإنسان لابد أن يكون الذي يفعلها مصدقاً بموعودها؛ لأن ربنا وعد على فعل الحسنات الجنة، فيفعل العبد ذلك وهو مستيقن من كلام رب العالمين سبحانه، ويفعل ذلك وهو يرجو الثواب الذي ذكر في الحديث.
ومنيحة العنز هي: أن يعطي المسلم أخاه المسلم عنزته ليحلبها ويستفيد من لبنها ثم يعيدها له بعد ذلك، فهذه هي المنيحة.
فهنا ذكر النبي ﷺ أن هناك أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز، فبدأ الصحابة يعدون الحسنات التي هي على أعمال بسيطة وسهلة بحيث تكون هذه الأعمال تحت منيحة العنز في الأجر، وذلك من أجل أن يعملوا بها ليحصلوا على الأجر الذي ذكره النبي ﷺ ، فذكر راوي الحديث أنهم ما استطاعوا أن يبلغوا خمس عشرة خصلة، فمما ذكروه: تشميت العاطس، يعني: أنه من الأعمال السهلة التي تدخل بها الجنة، فإذا عطس الإنسان وقال: الحمد لله، فادع الله له وقل: يرحمك الله، ولاحظ أن الحديث قال فيه ﷺ : (ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها) أي: تقول ذلك لترجو الثواب من الله ، ولا تقول ذلك مزاحاً أو استهزاء.
فالذي يأخذ الثواب هو الذي يرجو هذا الثواب، ويكون مصدقاً بما قاله النبي ﷺ ، فالأمر جد وليس مزاحاً، فالذي يمزح في هذه الأشياء يضيع سنة النبي ﷺ ، ويستخف بها، ويفتح باب لأهل الاستهزاء بأن يستهزءوا بسنة النبي ﷺ .
ولعل الذي يفعل ذلك يسن سنة سيئة يتبعه الناس عليها، ويكون (عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى قيام الساعة)، ولا يبعد أن يكفر هذا الإنسان الذي يستهزئ بسنة النبي ﷺ على هذا النحو، فدائماً الوسائل الشرعية لابد أن ترجو فيها الثواب، واحذر من إدخال المزاح فيها.
فلا تسليم في مزاح، ولا تشميت للعاطس في مزاح، بل أولى لك أن تسكت، وذلك خير من أنك تقول كلاماً يؤخذ على أنه استهزاء ويضحك الناس: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً).
فهنا يذكر لنا الأشياء التي هي دون منيحة العنز مثل: تشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك من الأشياء، وفي هذا إشارة إلى أن الأعمال مهما كانت صغيرة في نظر الإنسان فيجب أن يعملها وهو يرجو الثواب من الله، ويكون مصدقاً بموعود الله؛ حتى ينال الأجر على تلك الأعمال.
стр. 251
شرح حديث: (وأبخل الناس من بخل بالسلام)
من الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعجز الناس من عجز في الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام).
العجز: هو عدم القدرة على فعل الشيء، فالإنسان العاجز هو الإنسان الضعيف، فأضعف الناس وأعجز الناس عن فعل الخير هو الذي يعجز عن الدعاء؛ لأنه يستكثر أن يرفع يديه ويقول: يا رب.
(أبخل الناس من بخل بالسلام)، وانظروا المثل الذي ذكره لنا النبي ﷺ في القصة التي حصلت معه، يروي جابر بن عبد الله ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن لفلان في حائطي عذقاً، وإنه قد آذاني وشق علي مكان عذقه، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: بعني عذقك الذي في حائط فلان) أي: كان أحد الصحابة له بستان، وكان لصاحبه نخلة داخلة في هذا البستان، وكان صاحب البستان متأذي من هذه النخلة، فأراد من صاحبها إما أن يبيعها له وإما أن يقطعها ويأخذها، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ لصاحب النخلة: (بني عذقك الذي في حائط فلان)، فالرجل قال: لا، مع أن النبي ﷺ لو أخذ من أحد شيئاً فسرعان ما يعطيه أضعافاً على هذا الشيء، فإنه كان يأخذ ويكافئ ﷺ ، فإن لم يعط في الدنيا كان له الأجر والثواب عند الله ، وهذا هو المقصود الأسمى لكل مؤمن، فأبى الرجل، فقال ﷺ : (فبعنيه بعذق في الجنة)، يعني: بعني النخلة هذه بعذق مثله في الجنة، فقال الرجل: لا، والنبي ﷺ يضمن له ذلك، والرجل يقول: لا، فهذا رجل عجيب جداً وبخيل جداً.
فلما قال الرجل ذلك قال رسول الله ﷺ : (ما رأيت الذي هو أبخل منك) يعني: أنت أبخل واحد رأيته، ومع ذلك يوجد من هو أبخل منك: (ما رأيت الذي هو أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام).
وفي حديث آخر لـ عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أسرق الناس الذي يسرق صلاته، قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل الناس من بخل بالسلام).
فالسرقة حرمها الله ، فكونك تسرق مال الغير هذه مصيبة، ولكن أشد منها أن تسرق من صلاتك؛ لأنه عندما يسرق مال الغير يظن أنه سينتفع بهذا المال الذي يأخذه، وأما الذي يسرق من صلاته فأي نفع له في هذه السرقة، فقد صلى وأتعب نفسه ثم أخذت الصلاة ورُجمت في وجهه ولم تُقبل منه، فهذا أسرق الناس، فهو قد سرق من صلاته من أجل أن يضيعها ولا تقبل منه وضيع وقته هباء، فلا انتفع بوقته ولا صلى صلاةً تنفعه وتقبل منه، فهذا أسرق الناس، والصحابة ﵃ تعجبوا كيف أن الشخص يسرق الصلاة، فسألوا رسول الله ﷺ ، فقال: (لا يتم ركوعها ولا سجودها) يعني: يركع ولا يطمئن في الركوع، ويسجد ولا يطمئن في السجود، فهذا الذي سماه ووصفه النبي ﷺ بأنه ينقر صلاته نقراً.
وإنك لترى الكثير من الناس يفعلون ذلك، فتجده لا يطمئن في صلاته أبداً، ولا يكاد يقرأ الفاتحة حتى يركع ويرفع ثم يسجد بدون أن يطمئن في صلاته، فهل أصبحت الصلاة لعباً: قيام ثم قعود وهكذا!! فهذه صلاة غير مقبولة، وقد حكم النبي ﷺ عليها بذلك، فالرجل الذي صلى أمامه هذه الصلاة قال له ﷺ : (ارجع فصل فإنك لم تصل)، وإذا لم تصح الصلاة فهي ليست مقبولة عند الله .
стр. 252
فضل التواضع وجزاء الكبر
من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ تعلم المسلم التواضع: حديث رواه أبو داود عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فالإنسان المؤمن متواضع يرى نفسه أقل من الناس، ولا يرى على الناس حقاً لنفسه، أو أنه يجب أن يقوم الناس له مثلاً عند مروره بهم، وفمن كانت هذه صفته (فليتبوأ مقعده من النار) أي: فليحضر نفسه للنار.
والنبي ﷺ لم يكن يحب أن أحداً من أصحابه يقوم له، وإن كان هو قد تأتيه ابنته فاطمة رضي الله ﵎ عنها فيقوم لها ويقبلها ﷺ ، ويجلسها بجواره، فهذه محبة البنوة، فلأنها ابنته ﷺ يفعل لها ذلك، ويأتي إليها فتقوم إليه وتقبله وتجلسه صلوات الله وسلامه عليه، فإن الأب مع ابنه أو الإنسان المحب مع من يحبه يستثنى من حكم هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث إنما هو في الكبر والغرور، وذلك بأن يرى الإنسان نفسه أكبر من الناس، ويريد منهم أن يسكتوا إذا تكلم، وأن يقوموا له إذا دخل عليهم، وانظر إلى تعبير الحديث فقد قال ﷺ : (من أحب)، فهو لم يطلب من الناس، ولكن يكفي مجرد إرادة ذلك في نفسه، وأن يحب أن يعملوا له ذلك، فقال ﷺ : (فليتبوأ مقعده من النار).
فالدين يعلمنا أن نحب الله سبحانه ﵎، وأن يكون المؤمن عزيزاً بما أعزه الله به، ذليلاً بين يدي الله سبحانه ﵎، ولا يحب الفخر على الناس ولا أن يرفع مكانه عليهم، ويعلمنا أن الذي يرفع ويضع هو الله ، فيرفع من يشاء ويضع من يشاء.
فإذا تواضع الشخص لله سبحانه علم أنه ليس له حق على أحد، فيعمل العمل لا يعمله إلا لله، ولا ينتظر ثوابه من الناس، فإنه إذا علم الناس مثلاً وانتظر أن يحمدوه على ذلك ويثنوا عليه، فإنه بذلك قد ضيع علمه وعمله، وأخذ من الأجر ما حصله من الناس.
ولذلك كان أهل العلم وأهل الصلاح لا يحبون أن يمدحهم أحد في ذلك، وكان النبي ﷺ يقول: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)، لأن المداح يجلس يمدحك أنت كذا وأنت كذا حتى يغرك في نفسك، وتحس بعظمة فيها، فتحب أن كل الناس يفعلوا معك مثل هذا.
فالنبي ﷺ يقول: (إذا رأيتم المزاحين فاحثوا في وجوههم التراب)، لذلك فالمؤمن لا يغتر بكلام الناس ولا يغر نفسه، ويكون الذي ينصحه أحب إليه من الذي يمدحه، فهو يعمل ويبتغي وجه الله بعمله، ويتواضع لله وليس من أجل أن يقول الناس أنه متواضع، ولكن يبتغي الأجر من الله على ذلك، فيتعلم أو يعلم لا ليقال عالم أو قارئ، ولكن يعمل ذلك احتساباً للأجر عند الله سبحانه.
نسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 253
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة
إن أمر الأمانة خطير؛ ولهذا أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، ولكن الإنسان لظلمه وجهله حملها، وبما أنه حملها فجيب عليه أن يؤديها كما أمره الله، سواء الأمانة التي بينه وبين الله، أو الأمانة التي بينه وبين الخلق.
стр. 254
الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، والترهيب من ضد ذلك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، والترهيب من إخلافه، ومن الخيانة، ومن الغدر، وقتل المعاهد أو ظلمه.
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (تقبلوا إلي ستاً أتقبل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن) رواه أبو يعلى.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)، رواه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي].
هذه أحاديث ذكرها الحافظ المنذري في الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة، وفيها أن المؤمن إذا وعد وعداً فعليه أن ينجز وينفذ وعده، ولا يترك ما وعد أن يفعله فيتركه.
وأيضاً: أنه يؤتمن فيؤدي الأمانة، ولا يخون في أمانته، والأمانة أمانتان: أمانة مع الخالق، وأمانة مع الخلق.
فالأمانة مع الله هي التي قال فيها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فالأمانة مع الله هي التكاليف الشرعية.
والأمانة مع الخلْق هي: ما يؤتمن عليه من أموال الناس، ومن دماء الناس، ومن أعراض الناس، فما يؤتمن عليه من شيء فيلزمه أن يحافظ عليه، وأن يؤديه ولا يخون فيه.
стр. 255
شرح حديث: (تقبلوا إليّ ستاً أتقبل لكم بالجنة: وإذا اؤتمن فلا يخن)
ومن الأحاديث في ذلك حديث أنس بن مالك وحديث عبادة بن الصامت والمعنى واحد، ولفظ حديث عبادة قال: قال النبي ﷺ : (اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة)، ولفظ حديث أنس: (تقبلوا إلي ستاً أتقبل لكم بالجنة) والمعنى: احرصوا على هذه الستة، وكونوا ضامنين لهذه الستة متكفلين بأن تقوموا بها فأنا أتكفل لكم وأضمن لكم الجنة.
والستة التي ذكرها النبي ﷺ هي: (اصدقوا إذا حدثتم)، فبدأ بالصدق، وفي رواية أنس: (إذا حدث أحدكم فلا يكذب)، فالصدق منجاة ينجي الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وقد يصيب الإنسان بسبب صدقه ابتلاء من الابتلاءات، ولكن الله في النهاية ينجيه بصدقه، وقد رأينا ما صنع كعب بن مالك وما صنع المنافقون في غزوة تبوك، فـ كعب تخلف بغير عذر، وكان قد أتى النبي ﷺ وكاد أن يكذب على النبي ﷺ ، فلما نظر في وجه النبي ﷺ علم أنه لن ينفعه إلا الصدق، فصدق، وكان معه اثنان من المؤمنين قد تخلفا عن هذه الغزوة أيضاً، فعاقب النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا، ثم كان في النهاية الفرج من الله ، فغفر لهم سبحانه وأنزل التوبة عليهم.
وأما المنافقون الذين اعتذروا كذباً للنبي ﷺ فقد فضحهم الله بكذبهم، وأنزل فيهم الآيات من سور البراءة يفضحهم بها.
فالغرض: أن النبي ﷺ يحث المؤمن وينصحه ويأمره بأنه إذا حدث فلا يكذب في حديثه.
قال: (وأوفوا إذا وعدتم)، وفي رواية أنس: (وإذا وعد فلا يخلف)، فإذا وعدت إنساناً بشيء تصنعه فلا تخلف وعدك إلا لعذر من الأعذار، فصاحب العذر معذور، ولكن لا تعد إنساناً ثم تخلف في موعدك من غير عذر.
قال ﷺ : (وإذا اؤتمن فلا يخن)، وفي حديث عبادة: (وأداو إذا اؤتمنتم)، فأنتم مؤتمنون على أمانات: على دينكم على صلاتكم على زكاتكم على وضوئكم على طهارتكم على عباداتكم، وأنتم مؤتمنون في معاملتكم مع الناس، فإذا ائتمنك إنسان على شيء فأد إليه هذه الأمانة كما أمرك الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨].
ثم ذكر ثلاث خصال فقال: (واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم).
قوله: (احفظوا فروجكم) فيحفظ المسلم فرجه إلا عن زوجه أو ملك يمينه.
وقوله: (وغضوا أبصاركم)، فالإنسان إما أن ينظر إلى ما أحل الله وإما إلى ما حرم الله، وإذا نظر إلى ما حرم الله اشتهى الحرام، ويصدق ذلك فرجه أو يكذبه، فالنبي ﷺ يسد الذريعة للوقوع في الزنا فيقول مؤدباً المؤمنين: (غضوا أبصاركم)، فإذا غضضت بصرك في الدنيا ومنعت نفسك وحرمتها من فتنة أمامها، فالله يعوضك من فضله ومن كرمه لذة إيمان وحلاوة إيمان تجدها في قلبك، فالذي يكف شره عن الناس، ويكف بصره عن أن ينظر إلى شيء حرمه الله ، يعوضه الله عن هذا الكف بإيمان يجد حلاوته في قلبه.
قال ﷺ : (وكفوا أيديكم)، فكف يدك فلا تمدها إلى حرام، فلا تسرق أموال الناس، ولا تخن، ولا تغدر، ولا تأخذ أموالاً في خلسة، ولا تسلب أموال الناس، فاحذر أن تمد يدك إلى حرام، فلا تمد يدك إلى مال الناس فتسرقه أو تغتصبه، ولا تمد اليد فتمسك بها ما حرم الله، فلا تلمس بها من النساء من حرم الله سبحانه، ولا تمد اليد فتسفك بها دماء أو تضرب بها ظلماً.
فقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٧٧]، فتعم الكف عن الحرام بجميع وجوهه.
стр. 256
شرح حديث: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)
ومن الأحاديث الذي ذكرها النبي ﷺ في الأمانة حديث حذيفة رضي الله ﵎ عنه الذي رواه مسلم وغيره، وفيه يقول: (حدثنا النبي ﷺ أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة).
فحدث النبي ﷺ عن الأمانة، فذكر أن الله جعلها في جذر قلوب الرجال، فمن هم هؤلاء الرجال؟ إنهم الرجال الصادقون، الرجال الذين تابعوا النبي ﷺ ، وبايعوا على طاعة الله سبحانه ﵎، فنزلت الأمانة في قلوب أصحاب النبي ﷺ الذين دخلوا في الإسلام وهم صادقون، فالله جعل الأمانة في جذر قلوبهم، يعني: في أصل قلوبهم، فهي أمانة ثابتة لا تتزعزع أبداً، ولا تخرج من قلوبهم.
قال: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) يعني: نزلت الأحكام الشرعية، وأصحاب النبي ﷺ فضلهم الله ، وبارك فيهم وفي أعمالهم وأعمارهم، ولما أسلموا ملأ الله قلوبهم بالأمانة، ثم نزل القرآن فهذب هذه القلوب وهذه الأبدان، وجاءت السنة فتعلموا وتأدبوا، ورباهم النبي ﷺ .
стр. 257
بيان كيف ترفع الأمانة
قال حذيفة: (ثم حدثنا عن رفع الأمانة)، فهؤلاء الصحابة نزلت الأمانة في قلوبهم، والذين يأتون من بعدهم عندهم أمانة، والذين من بعدهم عندهم أمانة، ولكن كلما مضى الزمان قل الخير وقلت الأمانة، وفجأة ترفع هذه الأمانة.
يقول النبي ﷺ في بيان كيف ترفع: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) أي: يكون الإنسان نائماً فتقبض الأمانة من قلبه، لكن لماذا تقبض؟ وما هو السبب في هذا الشيء؟ السبب هو ما يصنعه الإنسان، وما يعاقب به فبما كسبت يداه، والله يجزي العبد بصنيعه، فكأنهم فعلوا ذنوباً ووقعوا في معاصٍ فعوقبوا عليها بأن نزعت هذه الأمانة من قلوبهم.
قال ﷺ : (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت) يعني: يبقى أثر قليل، والوكت: مثل الحكة في يد الإنسان، فيبقى أثر هذه الحكة موجوداً في يده.
قال: (وينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل)، أي: ينام نومة ثانية فتقبض الأمانة من قلبه، ويبقى من هذه الأمانة كأثر المجل، والمجل فسره بقوله: (كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً) أي: كأنه أثر جمرة جاءت على اليد أو على الرجل فانتفخت اليد أو الرجل من هذا الجمر، وهذا الانتفاخ يظن الناظر إليه أنه كبير، لكن حقيقته أنه منفوخ على لا شيء، فهكذا الإنسان تقبض الأمانة من قلبه ويصبح بين الناس يقولون عنه: أمين، وفي الظاهر أنه أمين، وحقيقته أنه ليست فيه أمانة.
يقول الراوي: (ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، وقال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة)، فالنبي ﷺ يريهم هذه الجمرة مثل الحصى لو تدحرجت على الرجل، فستحرق جزءاً من الرجل، وسينتفخ هذا الجزء، وهذا الانتفاخ ليس فيه دم، وهذا الانتفاخ ليس لحماً، وإنما هو انتفاخ لا شيء تحته.
وكذلك الأمانة تقبض من قلب الإنسان، فيصبح أمام الناس ظاهره أنه أمين، وأما قلبه فخاين، وما أكثر ذلك! يقول النبي ﷺ : (فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة) يعني: أن البائع يبيع الشيء ويدلس على الناس ويخدع الناس ويعطيهم الشيء الفاسد، ويوهمهم أن هذا صالح، فيخون في الأمانة، والمشتري يدفع بعض الثمن، ويخون في باقيه فلا يدفعه، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة لا البائع ولا المشتري.
قال ﷺ : (لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً) أي: حتى يقول الناس ذلك، يعني: أن الأمانة تصير عملة نادرة، ويقال: كل الناس فيهم خيانة إلا فلان، أو إلا في بني فلان ففيهم واحد أمين.
قال النبي ﷺ : (حتى يقال للرجل: ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) يعني: أن الناس لما يمدحون بعضهم لا يذكرون الأمانة؛ لأنه لا يوجد أحد أمين، فيقولون: فلان هذا إنسان عاقل، فلان هذا ذكي، فلان هذا ظريف، فلان كذا، لكن ليس أميناً.
стр. 258
جزاء من خان الأمانة
روى الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإن قتل في سبيل الله- فيقال لهذا العبد: أدِ أمانتك، فيقول: أي رب! كيف وقد ذهبت الدنيا؟!)، أي: من أين سأدفع الآن؟! فقد ذهبت الدنيا، وليس معي مال الآن، (فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية)، أي: التي قال فيها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]، فمصيره ونهايته الهاوية، فقال هنا: (فينطلق به إلى الهاوية) يعني: النار والعياذ بالله! وتتمثل له أمانته، ففي الدنيا يذكر أن فلاناً أعطاه وديعة فخانها ولم يعطها لصاحبها، وآخر أعطاه أمانة فخان في الأمانة ولم يعطها لصاحبها، وآخر باع له واعتمد على أمانته فلم يدفع الثمن وهرب من صاحبه.
وهكذا كل أمانة من أمانات الدنيا، وكذلك أمانات الدين.
قال: (وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه)، فيذكر أن واحداً أدى له ذهباً، والثاني أدى له فضه، والثالث أدى له كذا، فتمثل له هذه الأمانة أمامه وهو متوجه إلى النار.
قال: (فيراها فيعرفها)، فيجري وراء هذه الوديعة التي خانها في الدنيا، فيهوي في أثرها في النار، تهوي في النار وهو يهوي وراءها في النار، فيمسكها في النار، ثم يحاول أن يصعد بها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج من النار زلت عن منكبه وهوت في النار، فينزل وراءها في النار مرة ثانية، ولا يزال يصعد بها ويهوي في أثرها أبد الآبدين.
فأمر الأمانة خطير جداً، وما أكثر ما نرى من يصلي ويصوم ويزكي، وإذا جاء وقت الأمانة فهو خائن، فلا تقدر أن تمدحه، ولا تقدر أن تقول لمن سألك عنه: فلان أمين، فضع مالك عند هذا الإنسان، لا تقدر أن تقول هذا الشيء، هذا في الدنيا، وهذه العقوبة يوم القيامة، فكم من الناس من يأتي يوم القيامة وهو خائن، فيأتي الذي اختلس مليون جنيه، والذي أخذ ألف جنيه، والذي أخذ جنيهاً واحداً، والذي أخذ أقل من ذلك، ويقال له: هذه الأمانة فهات هذه الأمانة، فيهوي في النار ليأتي بها، فيحملها على منكبه، فإذا كاد أن يخرج زلت من على منكبه، ووقعت في النار، فينزل في النار ليأتي بها، ولا يزال كذلك أبد الآبدين إن لم يكن من الموحدين.
ثم قال ابن مسعود ﵁: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة -وأشياء عددها- وأشد ذلك الودائع.
يقول راوي الحديث: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود ﵁؟ قال كذا وقال كذا، قال البراء: صدق، أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
لذلك احرصوا على أداء الأمانة، فمن وجد في نفسه القدرة فليتحمل، ومن لم يجد فليبتعد عن أخذ ودائع الناس وأخذ أموال الناس، وإلا فالجزاء كما سمعتم.
نسأل الله العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 259
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الحب في الله والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع [١]
لقد رغب النبي ﷺ وحث على الحب في الله ، وبين في كثير من الأحاديث أن الحب في الله تعالى سبب لنيل حلاوة الإيمان، كما أنه سبب في أن ينال صاحبه من الله أن يظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، ولا يكون هذا الثواب العظيم إلا لمن أحب في الله تعالى وليس من أجل منصب أو مال أو جاه.
стр. 260
الترغيب في الحب في الله والحث عليه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الحب في الله تعالى، والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع؛ لأن المرء مع من أحب.
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواه، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، متفق عليه.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)، رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)، رواه الترمذي وحسنه.
وروى الطبراني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (ما تحابا رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه)].
هذه أحاديث ذكرها الحافظ المنذري ﵀ في باب الترغيب في الحب في الله، أي: في أن يحب الإنسان المؤمن أخاه المؤمن في الله ، والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع؛ لأن المرء مع من أحب، فإذا أحب أهل الطاعة كان معهم يوم القيامة في الجنة، وإذا أحب أهل المعصية والأشرار وأهل البدع، كان معهم يوم القيامة في النار والعياذ بالله.
стр. 261
شرح حديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)
ومن الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ في الحث على الحب في الله ، ما في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) يعني: ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وفي رواية للنسائي (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه) فالإيمان له حلاوة وله مذاق في قلب الإنسان المؤمن، فيجد المؤمن الحب ويستشعره ويتذوقه في الله ، والحب في الله يزيد من إيمان المؤمن، ويجعل الإنسان مقبلاً على الله سبحانه، وعلى من يحبه في الله ، فيذوق طعم الإيمان، والإنسان في الدنيا يتذوق الطعام الذي يحبه، وكل ما تذكره وكل ما اشتاق إليه فحلاوة الإيمان أعظم بكثير من ذلك، فإذا ذاق المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه فإنها لا تزول من قلبه طالما أن أسباب هذه الحلاوة موجودة، (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً) فيذوق حلاوة الإيمان ولا تزول من قلبه أبداً حتى يبتعد عن ذلك أو يقل ذلك في قلبه، فهو إما أن يزداد بزيادة إيمانه، وإما أن ينقص بضعف إيمانه، كذلك الحب في الله .
يذكر النبي ﷺ أن هذه الثلاث الخصال يجد بها المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه، (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فيحب الله سبحانه، ويحب رسوله ﷺ أكثر وأعظم من حبه لكل شي، فهو يحب الله ورسوله أكثر من حبه لنفسه، ولأبيه وأمه، ولبلده ووطنه، وأكثر من حبه للدنيا جميعها.
وحب الله سبحانه له علامات، فتجد الإنسان الذي يحب الله سبحانه دائماً يذكر الله بلسانه وقلبه، ونيته دائماً خالصة لله، فلا يريد أن يدخل في عمله لله سبحانه شيئاً، فلا يشرك مع الله أحداً، ولا يحب أن يطلع عليه الناس، وإنما يحب أن يعرف الله وحده العمل الذي يعمله، ويجزيه الله على هذا العمل، فهو يقدم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ على كل شيء.
الصفة الثانية: (ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله)، وفي رواية (وأن يحب في الله ويبغض في الله)، فهو يحب الإنسان المطيع لله، فيكون هذا الحب حباً في الله لا طمعاً في الدنيا، ولا طمعاً في جاه ولا في مال ولا في منصب، وإنما طمعه في رضا الله سبحانه، ولعله لا يعرف هذا الإنسان فليس بينهما نسب ولا معاملة ولا زيارات ولا غيرها، فيحبه لأنه وجده مواظباً على طاعة الله كصلاة الجماعة وغيرها من الطاعات.
الصفة الثالثة: من (يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) فهو يبغض الكفر وأهل الكفر، ويكره أن يرجع إلى الكفر إذا كان كافراً فأسلم، وإذا كان مسلماً أصلاً فإنه يكره ويبغض أن يزول عنه الإيمان العظيم من باب أولى، وفي رواية قال: (وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً) أي: لو خيروه بين أن يوضع في نار عظيمة توقد وبين أن يكفر بالله لاختار أن يقع في النار على أن يشرك بالله شيئاً، فإذا كان إيمان العبد كذلك أذاقه الله حلاوة الإيمان، وإذا ذاق طعم الإيمان في الدنيا فيستحيل أن يدخل النار يوم القيامة.
стр. 262
شرح حديث: (أين المتحابون بجلالي ؟)
في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟) ويوم القيامة هو ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦].
فيريد أن ينجو حتى ولو هلك من في الأرض جميعاً، ففي هذا اليوم الذي تدنو فيه الشمس من الرءوس يظل الله سبحانه بعض أهل الموقف، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
يقول النبي ﷺ : (إن الله ينادي يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟) أي: أين الذين كان يحب بعضهم بعضاً ليس من أجل الدنيا ولكن من أجل الله ، فيميزون عن غيرهم، ويظلهم الله بظل من عنده يوم لا ظل إلا ظله، ويقول: (اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).
يوم القيامة ترى الأرض لا عوج فيها ولا أمتا، لا مرتفعات ولا منخفضات، وتدنو الشمس من الخلق، ولا يحجبها عنهم شيء، فليس هناك جبال ولا أشجار ولا شيء، وإنما هي أرض منبسطة واسعة، والشمس فوق الرءوس بقدر ميل.
والميل قالوا: هو ميل المكحلة التي يكتحل بها الإنسان، ويعرق الإنسان حتى يغرق في عرقه، نسأل الله العفو والعافية، فيظل الله في هذا اليوم العظيم المتحابين بجلال الله وغيرهم ممن ذكرهم النبي ﷺ ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال: النبي ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل) يعني: الحاكم الذي يحكم بشرع الله ، ويعدل بين الرعية، (وشاب نشأ في عبادة الله)، والشباب الذين يواظبون على الصلاة عليهم أن يحرصوا على ذلك، فإن النبي ﷺ يبشرهم إذا نشأوا في عبادة الله وشبوا وشابوا على ذلك أنهم يظللهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويحرص المؤمن على أن يُنشئ ابنه على الصلاح من صغره، ولا يقول: ما زال صغيراً، أو ما زال شاباً طائشاً؛ لأن هذا يؤثر عليه يوم القيامة، ولكن من نشأ من صغره على طاعة الله فكان مصلياً صائماً قانتاً عابداً متعلماً حتى يموت على ذلك، فهذا هو الإنسان الذي يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
قال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) أي: يحب بيت الله سبحانه، فهو لا يأتي إلى المسجد لأجل السمر، ولأجل أن يتسلى، ولا أن يقابل فلاناً وعلاناً، لا، إنما جاء محبة لبيت الله ، ولصلاة الجماعة، ولطلب العلم، فإذا خرج منه بقي قلبه معلقاً ببيت الله: متى يرجع يصلي فيه؟ ومتى يحضر الدرس؟ ومتى يأتي لذكر الله ؟ فلا يزال قلبه معلقاً بالمسجد حتى يرجع إليه مرة ثانية، فهذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
قال: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) أي: أحب كل منهما الآخر ابتغاء وجه الله سبحانه، فإذا اجتمعا كان اجتماعهما على طاعة الله، فيذكر أحدهما الآخر بالطاعة: ماذا عملت في النهار؟ وكم قرأت من القرآن؟ وهل صليت في جماعة؟ وكم ذكرت الله سبحانه؟ وهل أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر؟ ويتذاكران العلم في اجتماعهما، وإذا تفرقا سلم أحدهما على الآخر وانصرفا على طاعة الله سبحانه، فيجتمعان في طاعة، ويفترقان على طاعة، ويتواعدان على طاعة الله .
(ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) تعرض للفتنة في أشد ما تكون الفتنة، فالمرأة لها منصب، أي: حكم وسلطة، وجمال أيضاً، وهي التي دعته إلى الفجور والعياذ بالله، فيقول: إني أخاف الله، فالله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
قال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) والمعنى أنه تصدق بصدقة في السر وحاول قدر المستطاع ألا يعرف أحد ذلك، ومن شدة المبالغة في الإخفاء يكاد يخفيها حتى عن نفسه، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
(رجل ذكر الله خالياً) يعني: لوحده، (ففاضت عيناه) يعني من البكاء من خوف الله ، فاستحق أن ينجيه الله وأن يظله يوم لا ظل إلا ظله.
نسأل الله أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 263
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الحب في الله والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع [٢]
الحب في الله من أوثق عرى الإيمان، وهذا الحب متى تعلق بدنيا زال بزوالها، أو تعلق بمصلحة انتهى بانتهائها، وأما إذا كان في الله ولله دام وبقي أجره وثوابه؛ ولذلك ينال به الإنسان حب لله، ويجعل الله المتحابين على منابر من نور يوم القيامة، فما أكرم ذلك المقام وأرقاه!!
стр. 264
الحب في الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الحب في الله عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه) رواه الطبراني وأبو يعلى ورواته رواة الصحيح إلا مبارك بن فضالة.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه الترمذي وحسنه.
وعن أبي الدرداء ﵁ يرفعه عن النبي ﷺ : (ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه) رواه الطبراني بإسناد جيد قوي].
هذه جملة من الأحاديث التي ذكرها الحافظ المنذري في كتابه: (الترغيب والترهيب)، وصححها الشيخ الألباني ﵀ في الحب في الله .
стр. 265
أسباب المحبة في الله
الحب في الله من أعظم التجارات مع الله سبحانه ﵎، فيحب المسلم أخاه المسلم؛ لأنه مطيع لله؛ ولأنه تقي نقي؛ ولأنه لا يحمل في قلبه غلاً لأحد من المسلمين؛ ولأنه يتعلم معه الخير؛ ولأنه يدعو إلى الله سبحانه ﵎؛ ولأنه ليس من أهل البدع، فهو على السنة والاستقامة، وعلى طريق الله سبحانه ﵎، فهذا هو الحب في الله سبحانه لا لدنيا يريدها الإنسان، وإنما من أجل وجه الله سبحانه ﵎.
فإذا كان الحب خالصاً وكان أحد المتحابين أشد حباً لصاحبه، فهو أقرب إلى الله سبحانه ﵎.
وأمر المحبة ليس بقول: إني أحبك فقط، ولكنه يكمن في قلب الإنسان، وإن كان يظهره بهذا القول، ولكن الله أعلم مَن هو الذي يحب أخاه فيه، ومن هو أشد حباً لأخيه من الآخر، فلذلك يطلع الله على القلوب، ويحب من هو أشد حباً لصاحبه، فيكون أقرب إلى الله، وأحب الاثنين إلى الله، وإن كان كلاهما محبوب لله .
يقول النبي ﷺ : (ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه)، وهنا يوجد تقديم وتأخير، والمعنى إلا كان الأشد حباً لصاحبه هو الأحب إلى الله سبحانه ﵎.
وفي رواية لـ ابن حبان: (كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه).
وفي حديث لـ عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ يقول: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه).
стр. 266
مقتضيات الحب في الله
إذا أحب الإنسان أخاه في الله ، ترتب على ذلك أنه يريد أن ينفع أخاه، فينفعه ويدعو له بظهر الغيب مثلاً، ويعينه على حاجاته، وإذا وجده في كرب فرج عنه هذا الكرب، وإذا وجده في ضيق أتاه وفرج عنه ما نزل به من ضيق وسلاَّه وواساه، إذا نزلت به بلية أو مصيبة كان معه يعزيه ويسليه ويواسيه، فهذا الإنسان أقرب إلى الله سبحانه، وهو الأفضل عند الله .
يقول النبي ﷺ : (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه)، أي: إذا تصادق الناس، أو تحابوا، فالخيَّر منهم، والأقرب من الله هو: الأَخْيَرُ لصاحبه.
стр. 267
خير الجيران عند الله
يقول ﷺ : (خير الجيران عند الله خيرهم لجاره)، الجيران يتحابون لكونهم جيران، والجار له حق على جاره، ولكن من من الجيران هو الأحب إلى الله؟ الأحب إلى الله من هو الأكثر نفعاً لجيرانه، والذي لا يؤذي جاره، ويحسن جواره، فالجار الخيرِّ هو الذي ينفع ولا يضر، ويحب ولا يبغض، والذي لا يتعرض بأذى لجاره، ولكن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويحرص على أن يهديه إلى سبيل الله، وإلى طريق الله سبحانه، هذا خير الجيران وأحبهم عند الله سبحانه ﵎.
стр. 268
فضل المحبة في الله
جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى؛ فأرصد الله له على مدرجته ملكاً).
هذا رجل مسلم زار أخاً مسلماً في قرية أخرى، وسافر إليه، وقطع طريقاً بعيداً حتى يصل إلى أخيه، فالله سبحانه ﵎ أرصد له على مدرجته أي: على طريقه ملكاً ينتظره في هذا الطريق، (فلما أتى هذا الرجل على الملك -كان لا يعرف أن هذا ملكاً بل ظنه إنساناً أمامه يسأله- قال الملك: أين تريد؟ فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية، فقال الملك لهذا الرجل: هل لك عليه من نعمة تربها؟ -هل لك عليه من نعمة تذهب لها وتسعى من أجلها، من مال أو مصلحة- فقال: لا، غير أني أحبه في الله، قال له الملك -وأظهر نفسه- فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه) كما أنك أحببت هذا الإنسان فإن الله قد أحبك سبحانه ﵎.
هذا الحديث ذكره النبي ﷺ ليعلم المؤمنين إذا أحبوا بعضهم في الله أن ينتظروا الأجر من الله.
فإذا أحببت إنساناً فلا تنتظر منه نفعاً، ولا تنتظر منه أن يقول لك: أنا أحبك، ولكن ليكون هذا الحب لله سبحانه ﵎، وانتظر الأجر من الله، فهذا الرجل لم ينتظر من صاحبه شيئاً من نعمة، أو مال أو شيء ينتفع به، إنما انتظر ثواب الله فأرسل الله إليه ملكاً يبلغه أن الله يحبه سبحانه.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام مالك في موطئه بإسناد صحيح عن أبي إدريس الخولاني ﵁-وهو من التابعين- قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، يعني: أن أبا إدريس الخولاني ذهب إلى الشام، فأتى دمشق فدخل المسجد الجامع، فإذا فتى براق الثنايا، والثنايا: الأسنان الأمامية، وبراق يعني: أنه لا يفتر ثغره عن التبسم، وحين يتبسم تظهر أسنانه البيضاء الجميلة، والناس يصدرون عن رأيه، وإذا اختلفوا في شيء يرجعون إليه فيفتيهم جميعاً، ولا يختلفون عن رأي هذا الرجل العظيم.
قال: فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل ﵁، وحق له أن يُؤْخَذَ بفتواه، وأن يصدر الناس عن رأيه ﵁، كيف لا وقد أخبر عنه النبي ﷺ : (إنه أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام)، ومعاذ بن جبل كان عمره عند وفاة النبي ﷺ بضعاً وعشرين سنة رضي الله ﵎ عنه، لم يكن شيخاً كبيراً كـ أبي بكر وعمر ﵄، هذا الرجل كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وأرسله النبي ﷺ إلى اليمن ليفقه الناس، ويعلمهم الحلال والحرام رضي الله ﵎ عنه.
فلما رجع معاذ بن جبل من اليمن كان النبي ﷺ قد توفي، وبعد ذلك رحل إلى دمشق، فكان يعلم الناس هنالك ﵁، فيقول أبو إدريس الخولاني: لما كان من الغد هجَّرت -يعني: ذهبت إلى المسجد مبكراً قبل صلاة الظهر- فوجدته قد سبقني بالتهجير -يعني: معاذاً سبقه وذهب إلى المسجد مبكراً؛ حرصاً على صلاة الجماعة- قال: ووجدته يصلي -يعني: قبل الظهر بفترة يصلي صلاة الضحى- قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت له: والله إني لأحبك في الله.
يُلاحظ أن أبا إدريس الخولاني لم ير معاذاً قبل ذلك، ولم يسمع من معاذ شيئاً ولا يعلم عنه سوى أنه يفتي الناس والناس يأخذون بكلامه، ولكن ألقى الله محبته في قلبه، وكان من يرى معاذاً يحبه ﵁؛ لنور إيمانه ولعلمه العظيم، فبعد أن قال: والله إني لأحبك في الله قال: آلله -يعني: يستحلفه بالله، أحقاً هذا الذي تقوله؟ - فقلت: آلله -أي: نعم والله أحبك في الله- فأخذ بحبوة ردائي -وحبوة الرداء: مجمع الرداء- فجذبني إليه، فقال: أبشر! فإني سمعت رسول ﷺ يقول: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ -أي: وجبت محبة الله لكل مؤمن يحب أخاه في الله سبحانه ليس لأجل الدنيا- وللمتجالسين في) وهذه بشارة من الله على لسان رسول الله ﷺ لكل مؤمن جلس في بيت الله يحضر دروس العلم حباً في الله، وحباً في كلام رسول الله صلوات وسلامه عليه، وقوله: (وللمتجالسين فيَّ) أي: الذين يجلسون يسمعون كتاب الله، ويسمعون سنة النبي ﷺ ، ويتفقهون في الدين، فالذين جلسوا من أجل ذلك وجبت لهم محبة الله سبحانه ﵎ قال: (وللمتزاورين فيَّ) يعني: أن المسلم متى يزور أخاه في الله سبحانه ﵎ فإن الله يحبه سواء كان هذا الأخ أخاً في النسب أو أخاً في الله، ويزوره لا لمصلحة في الدنيا، إنما يصل رحمه، ويزوره ابتغاء مرضات الله ، وحباً في الله سبحانه ﵎، قال: (وللمتزاورين في وللمتباذلين في) أي: من يبذلون أموالهم، وأوقاتهم، وعلمهم، وأنفسهم وأرواحهم ابتغاء مرضات الله سبحانه، فهؤلاء وجبت محبة الله لهم.
стр. 269
ثمرة الحب في الله في الآخرة
جاء في الحديث من رواية عبادة بن الصامت، وهو نفس حديث معاذ، لكنه زاد عليه أن قال: (هم على منابر من نور -يعني: يوم القيامة الله يجعلهم على كراسي عظيمة أو منابر من نور من أعظم ما يكون- يغبطهم النبيون والشهداء) يعني: ينظر إليهم الأنبياء والشهداء فيغبطونهم على ما هم فيه من هذه النعمة العظيمة.
وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من عباد الله عباداً ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء -أي: على ما هم فيه من ثواب عظيم عند الله- قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله، من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ ﷺ : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]).
فهؤلاء في أرض الموقف يوم القيامة لا يحزنون، ولا يخافون، والناس في فزع وفي خوف، أما هؤلاء فيؤمنهم الله، ويظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، ويجلسهم على منابر من نور، وهذه مرتبة عظيمة جداً.
نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
стр. 270
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في التوبة والمبادرة بها
الإنسان يخطئ ويقع في الذنب، وليس أحد معصوماً من الذنوب إلا الأنبياء، ولكن من رحمة الله أنه فتح لعباده باب التوبة، وسمى نفسه الغفور والتواب والرحيم، فعلى المرء المسلم إذا أذنب ذنباً أن يبادر بالتوبة إلى ربه .
стр. 271
الترغيب في التوبة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام المنذري ﵀: [باب الترغيب في التوبة.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (قلت: يا رسول! الله أوصني، قال: عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فاحدث له توبة؛ السر بالسر والعلانية بالعلانية) رواه الطبراني.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجة.
وعن حميد الطويل قال: قلت: لـ أنس بن مالك: (أقال النبي ﷺ : الندم توبة؟ قال: نعم) رواه ابن حبان.
وعن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له أبي: (سمعت النبي ﷺ يقول: الندم توبة؟ قال: نعم) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
هذه أحاديث آخر من كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري ذكرها في كتاب التوبة والزهد: باب الترغيب في التوبة، وقد ذكرنا أحاديث في الدرس السابق في التوبة، وذكرنا أن التوبة الصحيحة التي يتوبها الإنسان هي التي يكون فيها صادقاً، فيتوب إلى الله ويندم على ما فعل من ذنب، ويعزم على ألا يرجع إلى الذنب مرة ثانية، وإذا كانت عنده مظالم يرجعها إلى أصحابها، فمن تاب من الذنب وأقلع عنه واستغفر وندم عليه وعزم على ألا يرجع إليه، ثم رد المظالم إلى أصحابها فقد تاب توبة صحيحة.
وهنا في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أوصني، فقال ﷺ : عليك بتقوى الله ما استطعت)، وهذه أعظم وصية.
فالإنسان المؤمن يعلم أنه لا ينفعه شيء إلا أن يتقي الله سبحانه ﵎، فهذا هو الذي ينفع عند الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، والقلب السليم: الذي يتوب ويرجع إلى الله سبحانه، والذي لا غل فيه ولا شرك ولا حسد لأحد من الناس.
فهنا يقول النبي ﷺ موصياً: (عليك بتقوى الله ما استطعت) يعني: قدر المستطاع، وما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
قال: (واذكر الله عند كل حجر وشجر)، يا ترى وأنت تمر في الطريق كم حجرة وكم شجرة تقابلها؟ والمعنى: دم على ذكر الله سبحانه، وكلما قابلت شيئاً في الطريق فأكثر من ذكرك الله سبحانه ﵎؛ فكأنه يقول: داوم على ذكر الله وأكثر من ذكر سبحانه.
فعلى الإنسان أن يذكر الله سبحانه عند كل حجر وشجر، وفي كل مكان، سواء في أرض صحراوية فيها أحجار أو في أرض زراعية فيها أشجار، فاذكر الله في كل وقت، واذكر الله وأنت ترى آياته فهذا حجر جماد، وهذا شجر نبات ينمو، والله يخلق فيما يشاء ما يشاء سبحانه ﵎، فكلما رأيت آيات الله من جمادات وحيوانات ونباتات أكثرت من ذكره سبحانه ﵎.
قال: (وما عملت من سوء فأحدث له توبة) المعنى: أنه لا أحد معصوم من الوقوع في السوء، ولكن بادر إلى التوبة، وهذا يعينك على ألا تعود إلى السوء مرة أخرى، فكلما وقع الإنسان في معصية رجع إلى الله وتاب إليه، فإذا أراد أن يعاود المعصية يتذكر أنه تائب إلى الله فلا يرجع إليها، معلمنا النبي ﷺ كلما وقعنا في ذنب أن نبادر إلى الله بالتوبة.
فليكن على بالك أمر التوبة إلى النهاية؛ حتى لا تقع في ذنب من الذنوب.
قال: (واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فأحدث له توبة؛ السر بالسر والعلانية بالعلانية).
يعني: إذا عملت سوءاً في السر بينك وبين الله فتب إلى الله بالسر، واستر على نفسك، ولا تفضحها، فالإنسان إذا بات يعصي ربه ولم يره أحد فلا يصبح في النهار يحدث الناس بما صنع، فإذا سترك الله فاستر على نفسك.
فالإنسان الذي يعصي جهاراً أمام الناس قد يقتدون به في ذلك، فيكون عليه من السوء ما على هؤلاء الذين فعلوا السوء.
فالله يأمرك على لسان نبيه ﷺ أن تتوب في السر والعلانية، فإذا أذنبت في العلانية فتب إلى الله وقل: أستغفر الله وأتوب إلى الله ولن أعود إلى هذا الذنب مرة أخرى، وأخبر من رأوك أن ما فعلته خطأ حتى لا يقتدي بك أحد، فالإنسان إذا تاب علانية فإنه يكون قد قطع الأمر على غيره أنه يقلدوه؛ لأنهم قد عرفوا أن فلاناً عصى الله سبحانه ورجع عن هذا الذي فعله، فلا أحد يقتدي به في ذلك.
ولو اقتدوا به في ذلك فلعلهم يقتدون به في التوبة، فيتوبوا إلى الله سبحانه ﵎.
فأمر ﷺ بالتوبة في ذنب السر سراً وفي ذنب العلانية علانية.
وقد جاء من حديث ابن مسعود: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وهذا فضل عظيم من الله سبحانه ﵎، وقوله ﷺ : (الندم توبة)، فيه أن المؤمن الذي يقع في الذنب ويندم فإن ذلك توبة منه لله .
أيضاً جاء في حديث ابن مسعود في صحيح مسلم: (ليس أحد أحب إليه المدح من الله)، فالله له الجمال والجلال والكمال سبحانه ﵎، والذي له هذا كله هو الذي يستحق أن يمدح، لذلك لا ينبغي لأحد من العباد أن يزكي نفسه، فكل عبد من عباد الله سبحانه فيه نقص، والنقص يليق بالإنسان، أما الله فاللائق به هو الجلال والكمال والجمال، لذلك استحق سبحانه المدح والتعظيم، فيحب أن يمدحه عبده، ومن أجل ذلك مدح نفسه، فلو لم يمدحه خلقه فقد مدح وحمد نفسه ، كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢].
وكل إنسان فيه غيرة، كل بحسبه قد تزيد وقد تنقص، فالإنسان يغار أن تنتهك حرمات الله أكثر من غيرته لأي أحد، قال النبي ﷺ : (ليس أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش)، فالله يغار أن يقع العبد في فاحشة من الفواحش، ولو أن إنساناً رأى إنساناً يقع في فاحشة بحرمة من حرماته فقد يبادر إلى قتله، كما قال سعد بن عبادة ﵁؛ فقد ذكر النبي ﷺ أمر الزاني، وأنه يؤتى بأربعة شهود يشهدون عليه، فقال: (يا رسول الله! أنا أنتظر حتى يأتي أربعة يشهدون على ذلك؟ والله لو وجدت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح -يعني: أضربه بحد السيف ليس بجنب السيف، وأقتل هذا الإنسان- فالنبي ﷺ قال لأصحابه: أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال ﷺ : (وليس أحد أحب إليه العذر من الله)، فالله سبحانه ﵎ كريم حليم يحب العذر لخلقه، وكأنه يقدم لهم الآيات منه سبحانه حتى لا يبقى لهم حجة بعدها.
وقد أعذر من أنذر، يعني: بالغ في تقديم العذر، فقد يقال: سنعذرك فيما فعلت؛ لأنك لا تعلم، لكن حين نعلمك ونقيم عليك الحجة فإنه لا عذر لك، فقد أعذر، أي: أزال عذرك.
وفرق بين من التمس لك عذراً، وبين من لم يلتمس لك عذراً، فالله يحب أن يعذر، يعني: يقيم الحجة إلى ألا يبقى لك أي حجة على الله ولا أي عذر عنده سبحانه ﵎، قال ﷺ : (من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل) فعلى ذلك ليس لكم حجة؛ كما قال : ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
стр. 272
ظهور مقتضى اسمي الله : الغفور الرحيم في التوبة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، فالإنسان مكتوب عليه حظه من الذنوب، وكل إنسان يقع في شيء من الخطأ وشيء من الذنوب.
والله من أسمائه الحسنى أنه الغفور وأنه الرحيم، فلا بد من مقتضى ذلك، ومقتضى ذلك أنه يغفر، وأنه يرحم، لكن يغفر لمن إن لم يوجد ذنب؟ فعلى ذلك قد شاء الله أن يكون في العباد من يذنب، فيذنب العباد فيغفر الله بفضله وبكرمه لهم، فقال النبي ﷺ : (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون)، وليس معنى هذا أنهم يذنبون فقط، بل يستغفرون، والمعنى: يتوبون.
فالله تواب كريم رحيم يقبل التوبة من العباد، فإذا أذنبوا وتابوا قبل منهم سبحانه ﵎.
стр. 273
ذكر قصة توبة الجهنية
ومن الأحاديث الدالة على توبة ربنا العظيم على عباده ما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين ﵁: (أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله! أصبت حداً فأقمه علي -يعني: جاءت تائبة إلى النبي ﷺ أصبت حداً فأقمه علي، فدعا النبي ﷺ وليها، فقال: أحسن إليها)، فلم يأمره بالإساءة إليها، ولم يأمره بأن يؤنبها وأن يضربها، ولكن أمره النبي ﷺ بالإحسان إليها حتى تضع ولدها، (فلما وضعت المرأة وجاء بها وليها إلى النبي ﷺ أمر بها فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها) أي: بعدما رجمت المرأة صلى عليها صلاة الجنازة.
فقال عمر للنبي ﷺ : (تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟! فقال النبي ﷺ : لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)، هي وقعت في فاحشة، ولكنها تابت إلى الله سبحانه ﵎ توبة عظيمة، بل إنها جاءت بنفسها ليرجمها النبي ﷺ ويقيم عليها هذا الحد.
قال: (وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟)، فإنها جادت بنفسها، وجاءت إلى النبي ﷺ حتى يقيم عليها الحد، فهذه التوبة التي تابتها هذه المرأة التي وقعت في الفاحشة قبلها الله ، وأعطاها رحمة لو وزعت هذه الرحمة على سبعين من أهل المدينة من العصاة لوسعتهم.
نسأل الله سبحانه من فضله ورحمته، وأن يتوب علينا توبة نصوحاً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 274
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في ترك أرض المعاصي
لقد وردت الأحاديث عن النبي ﷺ تحث المسلم على مفارقة أرض المعاصي والذنوب، إلى أرض يطاع الله فيها؛ لأن الإنسان إذا بقي في أرض السوء فعل ما يفعله أهلها إلا من رحم الله، ولذلك كان من لوازم التوبة ترك أرض المعصية وترك رفقاء السوء؛ حتى لا يعود التائب إلى المعاصي والذنوب.
стр. 275
الترغيب في ترك أرض المعاصي والحث على ذلك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الإمام المنذري: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، من يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة).
وفي رواية: (فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها)، متفق عليه.
هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه دليل على سعة رحمة رب العالمين، فالله سبحانه عظيم، رحيم، تواب، كريم، فالإنسان الذي يتوب إليه يتوب عليه مهما عظم ذنبه، والشرك فما دونه إذا تاب منه العبد إلى الله فإن الله يتوب عليه ويغفر له، وفي هذا الحديث أن رجلاً ممن كانوا قبلنا قتل تسعة وتسعين نفساً، وكان في قرية سوء وأهلها أهل معاصي ومنكرات، وهذا الأمر منتشر بينهم، فأراد أن يتوب إلى الله فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، والراهب هو العابد، ولا يشترط أن يكون على علم، وليس من حق العابد أن يفتي حتى يكون عالماً، فهو مجرد إنسان يصلي ويصوم ويقوم الليل ويتعبد لله، فليس من حقه أن يفتي في دين الله، وإنما الذي يفتي في الدين هم أهل العلم والفقه.
فلما سأل الراهب وقال له: قتلت تسعة وتسعين نفساً، هل لي من توبة؟ قال: لا، فحجر عنه التوبة، فقتله فكمل به المائة، ثم مع ذلك أراد أن يتوب وذهب يسأل هل له من توبة؟ فدلوه على عالم من العلماء فذهب إلى هذا العالم فقال له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، من يحول بينه وبين التوبة؟ هذا هو العالم الذي يعرف رحمة رب العالمين سبحانه، وأن الله لا يتعاظمه ذنب، فالإنسان لا ييئس من رحمة الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
فالإنسان الذي عصى الله عليه أن يعلم أن الله قريب، وأنه تواب رحيم فليبادر إلى التوبة، وإذا لم يبادر إلى التوبة فإن الله شديد العقاب، فالله غفور رحيم لمن تاب وعمل صالحاً، وشديد العقاب على من لم يتب، فلذلك المؤمن يسرع ويبادر إلى التوبة لأنه لا يدري لعله يأتيه الموت وهو على الذنب الذي سوَّف في التوبة منه.
فهذا الرجل سأل العالم، فأخبره العالم أن له توبة، إذا تاب إلى الله.
ثم أرشده العالم وقال له: أنت في أرض سوء أي: أهل هذه الأرض أهل منكرات وفواحش، ولو بقيت فيها فستفعل كفعلهم، فمن شروط توبتك أن تخرج، وأن تفارق أهل هذه القرية إلى القرية الفلانية، فإن فيها أناساً صالحين فاذهب فاعبد الله معهم.
والإنسان الذي يتوب إلى الله، وكان له رفقة سوء: من لزوم توبته أن يفارق هؤلاء، فلا يبقى مع رفقة سيئة فيهم سفالة وبعد عن دين رب العالمين، ثم يقول: تبت وهو ما زال مصاحباً لهم؛ لأنهم سيدعونه إلى الضلالة ويغوونه مرة ثانية فيردونه إلى ما كان عليه قبل ذلك، فمن شروط التوبة مفارقة أهل المعاصي وعدم ملازمتهم.
فالرجل خرج من قريته إلى القرية الثانية حتى يعبد الله، وتاب إلى الله، وفي الطريق مات، وهنا نتذكر أنه يجب على الإنسان أن يبادر إلى التوبة، فلو أن هذا الرجل سوف يوماً آخر أو يومين ومكث في قرية السوء لكان من أهلها، ولكن الله رحمته عظيمة واسعة.
لقد مات الرجل بين القريتين فجاءت ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، فقالت ملائكة الرحمة: تاب، وقالت ملائكة العذاب: لم يعمل خيراً قط، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأنزل الله ملكاً على صورة آدمي يحكم بين الفريقين.
فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو من أهلها، أي: قيسوا ما بينه وبين قرية السوء، وما بينه وبين القرية الطيبة، إذا كان أقرب إلى أرض أهل المعاصي فهو منهم فاقبضوه معهم واجعلوه من أهل النار، وإذا كان أقرب إلى القرية الأخرى فاجعلوه مع أهلها.
فقاسوا ما بين القريتين وكان الرجل في نصف الطريق، وإذا بالله يوحي إلى الأرض، وفي رواية: (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي وقال: قيسوا بينهما فوجدوه أقرب إلى هذه بشبر).
إن رحمة رب العالمين واسعة عظيمة فهو الذي ألهمه التوبة، وهو الذي دله على أن يسأل وهو الذي جعله يخرج من هذه الأرض، وهو الذي أمر الأرض أن تزيد من ها هنا وأن تنقص من ها هنا، فقبضته ملائكة الرحمة فكان من أهل رحمة رب العالمين .
وفي رواية أخرى قال: (لما أتاه ملك الموت، نأى بصدره نحوها)، يعني: كان في نصف الطريق تماماً فأوحى الله إلى الأرض أن تباعدي من هاهنا، وتقربي من هاهنا، وجعله ينأى بصدره فكان أقرب بشبر واحد إلى هذه فكان من أهلها، وهذه رحمة من الله رب العالمين فإنه من تاب تاب الله عليه مهما عمل من معاص وذنوب، ومن سوف فلا يدري لعله يدركه الموت وهو على عمله السيئ فيكون من أهل النار.
وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني).
قال ﷺ : (والله لللَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة)، وقال ﷺ : (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول).
فأنت ابدأ فإذا رأى الله منك أنك مقبل عليه أقبل عليك أكثر وأكثر، فإذا أقبلت وسارعت بالعبادة والطاعة أقبل عليك مسارعاً أكثر منك بالثواب والفضل.
وفي الحديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، فالإنسان طالما أنه مقبل على الله فإن الله يقبل عليه ويعطيه، حتى إذا مل العبد وترك العبادة تركه الله ولم يعطه ثواباً.
فهنا يذكر النبي ﷺ أن الله يفرح بتوبة العبد، إذا تاب فرحاً عظيماً، وفي رواية لـ مسلم يقول النبي ﷺ : (والله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب).
ثم ضرب لنا مثلاً: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، والمثل للتقريب للأذهان والأفهام، يقول: (والله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عنه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها).
فهذا رجل ركب على راحلته عليها الطعام والشراب وذهب إلى أرض فلاة صحراء واسعة فلما كان فيها نزل من على الناقة فتاهت الناقة وضاعت منه، فأيس منها، لا مركب ولا طعام ولا شراب، فلن ينتظر إلا الموت، ثم قال ﷺ : (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته -ونام تحت الشجرة حتى يأتيه الموت- قال النبي ﷺ : فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها).
فأي فرحة يكون فيها هذا الإنسان؟ لقد رأى الناقة أمامه فأمسك بخطامها حتى لا تضيع مرة ثانية، ومن فرحته قال -يشكر رب العالمين سبحانه- (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).
ولله المثل الأعلى: يقول النبي ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا بناقته)، ومما جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ما رواه أحمد وغيره عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: (إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقه، ثم عمل حسنة فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض).
والأصل أن الدرع تقي الإنسان من الأعداء، لكنها لا تقيه إلا إذا كانت واسعة يستطيع أن يحركها ويتحرك بها، أما إذا كانت ضيقة فإن الأعداء سينالون منه.
فيقول النبي ﷺ : إن الإنسان الذي يعمل السيئات كهذا الذي يلبس الدرع الضيقة، فتضيق عليه حاله وبدنه ولا يقدر أن يتحرك منها.
لكنه لما عمل الحسنات اتسعت الدرع عليه فتحرك ووقى نفسه من عذاب رب العالمين سبحانه.
والإنسان لا يخلوا من سيئات يفعلها، فالنبي ﷺ يأمره: أن يعمل حسنات.
وروى الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى).
أي: إذا أساء الإنسان ولا يدري كم بقي له حتى يلقى الله فأحسن فيما بقي غفر الله له ما سبق، (ومن أساء فيما بقي قال: أخذ بما مضى وما بقي)، أي: أخذ بالاثنين، لذلك على الإنسان أن يحسن العمل لأنه لا يدري متى يموت فلعل الباقي أنفاس يسيرة قليلة، فالمحسن: هو الذي يكسب المكسب العظيم بأن يغفر له جميع السيئات الماضية.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 276
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الفراغ للعبادة والترهيب من الاهتمام بالدنيا [١]
على المسلم أن يعلم أنه في حياته كلها في عبادة لله ، فيراقب ربه سبحانه في كل عمل يقوم به ويخلص النية له فيه، وبهذا تكون أعمال الإنسان كلها من عادات وعبادات ومعاملات عبادة لله ، وبذلك يكون المسلم متفرغاً لعبادة الله؛ لأنه يعبد الله في كل أوقاته، ويراقبه في علنه وخلواته، فبهذا يحصل على الأجر العظيم من الله ، ويفتح عليه أبواب الرزق والسعادة.
стр. 277
التفرغ للعبادة وفضله
стр. 278
المفهوم الصحيح للعبادة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الحافظ المنذري ﵀: [الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها.
عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً).
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان، إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين، يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان، اللهم عجل لمنفق خلفاً وعجل لممسك تلفاً)].
هذا باب آخر من كتاب التوبة والزهد في كتاب المنذري، الترغيب والترهيب، وفيه الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله ﵎، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها.
والمؤمن يعلم الحكمة من خلقه في هذه الدنيا، حيث قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فسبب خلق الإنسان ووجوده في هذه الدنيا، هو عبادة الله سبحانه، والعبادة هنا بالمعنى الأعم، فتكون الحياة كلها لله ، فيكون في صلاته، وصيامه وزكاته وحجه وعمرته واعتكافه؛ مراقباً لله ؛ لأن هذه كلها أعمال عبادية يتعبد بها لله سبحانه.
وكذلك يكون في معاملاته مع الخلق مراقباً لله ، فهو يراقبه تعالى في تجارته وبيعه وشرائه وإجارته ووكالته وكفالته وضمانه وأمانته ووديعته.
فهو يراقب الله ﵎ دائماً في كل عمل من الأعمال؛ لأنه يستشعر أنه يعبد الله بهذا العمل، فإذا باع واشترى استشعر قول النبي ﷺ : (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى)، فإذا استشعر ذلك فإنه يتعامل مع الناس بناءً على هذا الشعور.
فمن يرجو رحمة الله ، فإنه إذا تعامل مع الناس تعامل بحسن الخلق، لا ليقال: خلقه حسن -وإن كان من الحسن أن يمدح الإنسان وهو لا يطلب ذلك- وإنما يطلب ما عند الله سبحانه، فإن صاحب الخلق الحسن يكون يوم القيامة في درجة عظيمة جداً بجوار النبي صلوات الله وسلامه عليه بجوار باقي النبيين ﵈.
فالعبادة التي نحن مخلوقون لها ليست هي الصلاة وحدها -وإن كانت الصلاة من أعظم العبادات- ولكن العبادة التي خُلقنا من أجلها هي العبادة بمعناها الأعم، فيدخل فيها العبادات والمعاملات وأحوال الإنسان مع أهله وغيرهم.
فإذا علم العبد هذا فإنه سيفرغ نفسه لهذه العبادة، فإذا به يراقب ربه ليل نهار، فيكون نومه وقيامه عبادة لله سبحانه، فهو عندما ينام إنما ينام ليستريح ويتقوى ليؤدي عبادة الله ويقيم الصلاة في أوقاتها، وهكذا لا يزال هذا العبد ينتظر عبادة وراء عبادة مدى حياته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فالمؤمن يقول لنفسه: إني أمرت بذلك وأنا من المسلمين.
والتفرغ للعبادة ليس معناه أن تحبس نفسك في البيت للصلاة والصوم فقط وتترك العمل، وإنما العبادة التي نذكرها هي العبادة بمعناها الأعم وهي أنك تصلي وتصوم وتزكي وتحج وتعتكف وتجاهد وتتعامل مع الناس بالخلق الحسن وأنك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحسن إلى الخلق وتصلح بين الناس بعضهم مع بعض وتعين الإنسان فتدله على الطريق أو تعينه في رفع حاجته على دابته، فكل ذلك من العبادة، فإذا تفرغت للعبادة بهذا المعنى، فالله سوف يرزقك من حيث لا تحتسب.
وكذلك إذا خرجت لطلب الرزق وأخلصت النية لله ونويت أن تطعم أولادك المال الحلال، فإن الله لن يتركك بغير رزق، بل الله هو الرزاق الكريم قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]، أي: أنه لم يخلقك من أجل أن ترزقه ولا من أجل أن تطعمه ﵎، وإنما خلقك ليطعمك أنت ويعطيك.
стр. 279
فضل التفرغ لعبادة الله سبحانه
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم عن معقل بن يسار، وروى مثله ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (يقول ربكم: يابن آدم تفرغ لعبادتي)، أي: فرغ قلبك وأقبل علي وحدي، فتكون في كل أحوالك ناظراً إلى ربك سبحانه، مراقباً له، خائفاً منه، تعمل ما يرضيه ، فهذا هو التفرغ لعبادة رب العالمين، فإذا فعلت هذا فالنتيجة هي ما جاء في الحديث حيث قال: (أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً)، فإذا امتلأ القلب غنى فلا يحتاج الإنسان إلى شيء بعد ذلك؛ لأن الغنى هو غنى القلب، فالإنسان إذا كان مفلساً لا شيء معه وقلبه غني فإنه سيشعر أنه ملك، وأنه أفضل من جميع من معه مال؛ لأن من معه مال يحتاج إلى أن يحرس ماله، أما هذا فلا يحتاج أن يحرس شيئاً؛ لأن القلب ممتلئ غنى، أما إذا ملأ الله قلب الإنسان فقراً وحاجة، فإنه سيشعر أنه فقير ولو كان من أغنى الناس؛ لأنه يحس أن ماله سينفد، وأن هناك أمراضاً يمكن أن تصيبه، فيظل يكنز ويكنز ولا يشبع أبداً.
إذاً: الغنى هو غنى القلب والفقر هو فقر القلب، وربنا يعدك أنك إذا تفرغت للعبادة وأحسنت فيها فإنه سوف يملأ قلبك غنى، ولم ينته الأمر عند غنى القلب فقط، بل وفوق ذلك قال: (وأملأ يديك رزقاً)، أي: سأملأ القلب واليدين.
ثم قال: (يابن آدم لا تباعد مني)، يعني: لا تتباعد مني، فالكلمة فيها إدغام للتاءين، (لا تباعد مني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً)، فالإنسان الذي يتباعد عن الله فيسمع المؤذن يؤذن فيقول: أنا لست فارغاً، بل ورائي شغل أريد أن آكل أو أريد أن أشرب، كيف أترك العمل وأنا محتاج إليه؟ فمثل هذا سوف يظل محروماً طول حياته؛ لأن الله يقول: (لا تباعد مني) فإذا تباعدت عن الله فالنتيجة هي: (أملأ قلبك فقراً)، أي: ستحس أنك فقير دائماً مهما كان معك من أموال كثيرة، وفوق هذا (أملأ يديك شغلاً)، سبحان الله! البعيد عن طاعة الله يحدث له عكس ما يحدث للمتفرغ لطاعة الله سبحانه، فتجده كثير العمل، يشتغل هنا وهناك، وفي النهاية لا يجد معه شيئاً من الأموال؛ لأن الله يبتليه بالأمراض وبالإنفاق على العمال وغير ذلك، فلا يبقى معه شيء؛ لأنه ابتعد عن الله ﵎.
وفي رواية أخرى للحديث وردت عن أبي هريرة ﵁ وفيها: (يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لا تفعل)، أي: إذا لم تعمل بهذا الشيء فلا تلم إلا نفسك، قال: (ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك).
وروى أحمد وغيره عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين)، أي: وقت شروق الشمس تطلع الشمس وبجوارها عن يمينها وشمالها ملكان يناديان في الخلق: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم -أي: أقبلوا إلى ربكم- فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) يعني: الله يحذرك من أن تنشغل بالأعمال الدنيوية وتنسى العمل للآخرة بحجة مخافة الفقر أو عدم الكفاية، فإنه يبعث الملكين يناديان: (هلموا إلى ربكم فإن ما قل) أي: إن جاءك القليل وكفاك فهو خير من أن يأتيك الكثير الذي يطغيك، فيقول: (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفاً) فالإنسان المنفق الذي وعلى عياله، وعلى ضيفه، ينفق على جيرانه، ينفق من زكاة ماله، فيتصدق ويعطي، فالله يبارك له ويعطيه ويأمر الملكين بالدعاء له: (اللهم عجل لمنفق خلفاً)، يعني: إذا أنفقت الآن فإنه سوف يُسخر لك بعد قليل أكثر مما أنفقت، من فضل الله .
(وعجل لممسك تلفاً) يدعوان على الممسك المقتر البخيل الذي لا يؤدي زكاة ماله ولا ينفق صدقة ولا ينفق على عياله، فيدعوان عليه أن يتلف الله ماله.
وفي حديث آخر لـ زيد بن ثابت ﵁ ومثله عن أنس بن مالك ومثله عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له).
فالإنسان مخلوق من أجل العبادة، فإذا نسي هذا الأمر وأصبح نهماً على الدنيا يريد أن يجمعها من أي جهة كانت، وأصبحت هذه الدنيا همه الوحيد فهذا جزاؤه ما سبق في الحديث، أي: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره)، فالذي يجمع لك الأمور ويؤلف بين القلوب هو الله ، فالإنسان يجمع من شمال ويمين وربنا يفرق عليه هذا كله ما دام همه الوحيد هو الدنيا كما في الحديث: (فرق الله عليه أمره -الذي يجمعه- وجعل فقره بين عينيه)، يعني: أنه دائماً مستحضر الفقر يرى الفقر بين عينيه، مهما وجد معه من المال، (ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) فلا تتعب نفسك وتحملها فوق طاقتها فتقصر في عبادة الله سبحانه، وتقول: المال المال، ولكن ابحث عن المال من حلال، واحذر الحرام، واحذر أن تضيع الدين وتضيع الطاعة فيضيع منك الجميع الدنيا والآخرة.
ثم يقول ﷺ : (ومن كانت الآخرة نيته) يعني: يعمل ويطعم عياله يبتغي وجه الله ، (حتى اللقمة يجعلها في فِي امرأته كان له أجر)، كما ورد في حديث آخر، محتسب ذلك عند الله ، فهذا الإنسان الذي الآخرة همه يقول ﷺ عن جزائه: (جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).
وفي حديث لـ ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه).
ولو أن كلاً منا في قلبه الآخرة، فسيدرك أن الله سبحانه على كل عمل يقوم به، فإنه إذا قام للصلاة تذكر: الله سيحاسبني على هذه الصلاة فيحسنها، وإذا صام أحسن الصيام، وإذا عمل أي عمل من الأعمال أتقن ذلك العمل، ولا من أجل أن يأخذ الجزاء من الناس، ليس من أجل أن يترقى، ولكن ابتغاء مرضات الله ؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، فإذا كانت الآخرة على بال الإنسان دائماً فإن الله سوف يكفيه أمر دنياه، قال: (كفاه الله هم دنياه).
ثم قال ﷺ : (ومن تشعبت به الهموم)، يعني: نسي الآخرة وبدأ يفكر يريد أن يأكل ويشرب ويلبس ويريد كذا وكذا، ويعمل طول النهار وهو يفكر في أمور الدنيا، ناسياً ربه سبحانه فهذا يكون حاله كما في الحديث: (ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي واد أهلكه) يعني: في أي مكان هلك لا يبالي الله به.
فالمؤمن قريب من الله، والله يحبه ويفرح بتوبته وبإقباله عليه، أما الإنسان البعيد عن الله فإن يهلك في أي واد لا يبالي الله به.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المقربين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 280
شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الفراغ للعبادة والترهيب من الاهتمام بالدنيا [٢]
رغب النبي ﷺ في التفرغ للعبادة والإقبال على الله، وحذر من الانهماك في الدنيا، وجعلها أكبر الهم، ومبلغ العلم، ومن تفرغ لعبادة الله ملأ قلبه غنى ويديه رزقاً، ومن أعرض عن ذكره وتباعد عن طاعته ملأ قلبه فقراً ويديه شغلاً.
стр. 281
استشعار العبودية في كل حال
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام المنذري ﵀: [الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى، والترهيب من الاهتمام بالدنيا والانهماك عليها.
عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول ربكم: يابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرا، وأملأ يديك شغلا) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وعن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما طلعت شمس قط إلا بعثت بجنبتيها ملكان إنهما يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفا، وعجل لممسك تلفا) رواه أحمد وابن حبان.
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه ابن ماجة ورجاله ثقات.
إن الإنسان خلق لعبادة الله وتوحيده وإقامة شرعه ودينه، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧].
فإذا عرف المؤمن الهدف من خلقه، عمل به، وعمل له، واستعد للقاء الله سبحانه، ليسأله ما الذي عمله في هذه الدنيا، هل عبد الله حق عبادته، أم أن الدنيا قد ألهته فانشغل بها؟ فهو يعبد الله سبحانه في كل أعماله، يعبد ربه بصلاته، وصيامه، وزكاته، وحجه، وعمرته، ويعبد ربه بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، كما يعبد ربه بزواجه، وبتربية أهله وأولاده، ويعبد ربه بالدعوة إليه سبحانه، ويعبد ربه كذلك بالعمل ليطعم أهله وأولاده ويكف نفسه عن سؤال الغير؛ ويتعبد لربه بأن يتقن عمله، فالله يحب المؤمن الذي يحسن صنعته ويتقن عمله، وهكذا فالمؤمن في كل وجوه الخير له فيه عبادة.
стр. 282
شرح حديث: (يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى)
جاء في حديث معقل بن يسار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا).
معنى قوله: (تفرغ لعبادتي): أي: أفرغ قلبك من الدنيا، وليس المعنى: اجلس في بيتك ولا تعمل، ولا تطعم عيالك، ولا تفعل الخير، وليس معنى التفرغ للعبادة أن تصلي الليل والنهار وتصوم الدهر، وقد حاول بعض الصحابة أن يصنع ذلك، كـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقام الليل كله، وصام دهره كله، فإذا بالنبي ﷺ يقول: لا تفعل، إنك إن فعلته نكهت عيناك، وتعبت نفسك، (إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه)، وكأن النبي ﷺ يبين له ما الذي يصنعه من حقوق يكون بتأديتها متعبد لله ، ولذلك جاء في الحديث: أن الرجل سأل النبي ﷺ ، (يأتي أحدنا شهوته فيكون له أجر؟ قال: أرأيت إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم، قال: فكذلك إن وضعها في حلال كان له أجر).
فالإنسان المؤمن حياته كلها عباده لله سبحانه، فإذا نام ليستريح من التعب وحتى يكمل بعد ذلك عبادة الله كالقيام والصلاة والعمل من أجل الإنفاق على أولاده فنومه عبادة، وإذا نام ليقوم مستريحاً لهذه العبادة، أعانه الله ، إذاً: فمعنى التفرغ للعبادة: أن لا يملأ الإنسان قلبه بالدنيا، ويكثر من التمني، فكلما رأى أهل الدنيا في الملاهي، والمطامع، والشهوات يريد أن يكون مثلهم، فإذا بقلبه ممتلئ بفتن الدنيا، وشهواتها وآمالها وأطماعها، فلا يقدر على العبادة، ولن يأتيه من الدنيا إلا ما قسمه الله له.
إذاً: فليس المطلوب من العبد أن لا يعمل ولكن المطلوب منه أن لا يطمع في الدنيا، والنبي ﷺ يخبرنا عن الله أنه يقول: (لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى له ثانيا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
فعلى الإنسان أن يترك شهوات نفسه ولا يتمنى كل شيء في هذه الدنيا، فإنه لن يحصل منها إلا ما قسم له، فليرض بما كتب الله له، وليأخذ الدنيا بالمعروف، ويجعلها في يده، كما كان الصحابة رضوان الله عنهم، يجعلون الدنيا في أيديهم، ولا يملؤون بها قلوبهم، فإذا جاءتهم الدنيا أنفقوا لله ، وعملوا له سبحانه، وطلبوا رضا الله، وفرحوا بأمره وأحسنوا عبادته سبحانه.
وفي الحديث وعد من الله لابن آدم أنه إذا أفرغ قلبه من الدنيا، ولم يجعلها تسكن قلبه أن الله سيملأ قلبه غنى، أي: يجعله قلبه غنياً، وفي الحديث: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) ومهما امتلأت يد ابن آدم من المال وقلبه متعلق بالدنيا فهو فقير، يستشعر الفقر، ويخاف من الفقر، فيخاف أن لا يضيع منه المال، ويصرف، أو يأتيه مرض تضيع فيه الثروة كلها، فهو في حيرة وخوف دائم، لكن لو أن قلبه امتلأ بالإيمان فلن يهتم بالدنيا أبدا، فإذا جاءه القليل منها حمد الله، وإذا جاءه الكثير منها حمد الله، فلا يهتم للقليل ولا للكثير، طالما أنه أخذ بالأسباب، ولن يأتيه إلا ما قسمه الله له.
قوله: (يا ابن أدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقا)، ولم يقل: اقعد في بيتك بلا عمل، وصل وسيأتيك الرزق، فالأخذ بأسباب الرزق سنة من سنن الله في خلقه، وإن كان الله لا يعجز أن ينزل له رزقاً من السماء، وهو جالس في بيته فالله على كل شيء قدير، لكن لم يجعل ذلك سبباً للرزق، إنما الأسباب أن يذهب الإنسان إلى عمله ويتعبد الله بإتقانه، ويراقبه في صنعته وعمله والله سوف يعطيه الرزق الذي وعده الله به.
وقوله: (يا ابن آدم لا تباعد مني) أي: لا تتباعد من طريق الله أو عن طريق الله، فإذا فعلت ذلك، قال: (أملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلا) أي: أن ترى المال يأتيك ليل نهار والأرباح تتكاثر عليك ولكنك تشعر بالفقر، وتشعر بأن هذا المال لا يكفي، وأنه سرعان ما ينتهي، أو يضيع أو يسرق، وتفتح لك أبواب تضع فيها هذه الأموال، فيشغلك الله بما آتاك من المال.
فالمعنى: أن الله لا يملأ يديك فقراً فقط، بل قد يملؤها مالا، ولكن القلب يجعله فقيرا، محتاجاً يحس دائماً بأنه محتاج للخلق، خائفاً أن يضيع منه المال، وهكذا فالعبد إذا تباعد من الله سبحانه، فليس في قلبه ثقة ولا يقين، لأنه تفرغ للدنيا فكان قلبه فارغا، وامتلأت يداه بالشغل ومع ذلك لم يشبع، ولم يكتف بما آتاه الله.
وهذه الأحاديث التي جاءت عنه صلى في هذا الباب كلها صحيحة.
стр. 283
شرح حديث: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)
جاء في حديث أبي الدرداء ﵁، قال النبي ﷺ : (ما طلعت شمس قط إلا بعثت بجنبتيها ملكان إنهما ليسمعان أهل الأرض إلا الثقلين) أي: أنه في كل يوم عند طلوع الشمس وعند غروبها يقول ملكان: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم) أي: أقبلوا إلى ربكم سبحانه.
قوله: (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) فالإنسان في الدنيا إذا انكب عليها فإنه كلما أخذ منها كلما ازداد نهماً، ولذلك جاء في الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، أو (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) فطالب العلم إذا كان طالباً لله سبحانه لا يشبع أبداً، وكلما ازداد علماً علم بجهله، وطلب العلم وانكب عليه، فيفتح الله له أبوابه، ولا يشبع منه أبداً، وطالب المال كذلك لا يشبع منه أبداً، وكلما ازداد مالاً ازداد حرصاً على المال،، وطلباً له.
فيقول الملكان هنا: (إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) أي: إذا كان المال على قدر حاجتك، وكفايتك فهو أفضل لك من الكثير الذي يلهيك، فقد ترى الرجل لديه ألف يريدها أن تكون ألفين، ثم يريدها أن تكون مليوناً، ثم يشغلها بعد ذلك، يعطي هذا وهذا وينشغل بمتابعتها طول النهار، هل أكمل هذا أم لم يكمل؟ وهذا هل عمل أم لم يعمل؟ وهكذا يظل يبحث عن المال، وفي النهاية يأتيه الموت وإذا به عليه ديون، وإذا بالمال له أصحاب يطلبونه، وإذا بالإنسان قد ضاع منه المال بسبب حرصه وجشعه.
إذاً: فما قل مع الإنسان مما يكفيه، خير له مما كثر وهو يلهيه.
قال في الحديث: (وما غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وعجل لممسك تلفاً)، وجاء في حديث آخر: (أنه في كل يوم تطلع فيه الشمس وتغرب يبعث الله ملكين يقولان ذلك، ويدعوان: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً) فالذي ينفق لله ، بأن ينفق على عياله، وعلى نفسه وقرابته وأرحامه، وينفق على الفقراء والمساكين، فهذا يعجل الله له بعطاء، من فضله سبحانه ورحمته، وقوله: (اللهم عجل لمنفق خلفاً) أي: أخلف عليه.
أما الممسك الذي يبخل: عن نفسه، وعياله، ويبخل عن أمه وأبيه، ويبخل عن الفقراء والمساكين، مع وجوب ذلك عليه، فهذا يعجل الله له تلفاً: فيتلف ماله، تتلف صحته، ويضيع عليه هذا المال، الذي اكتسبه والذي بخل به.
لذلك فالمؤمن ينفق مما أعطاه الله سبحانه ولا يبخل، فيتعبد الله بالمفهوم الأشمل والأوسع، في كل وقت وفي كل عمل من الأعمال، ويؤدي الواجبات، والنوافل، ويطعم نفسه وأهله، وضيفه، وعياله، فالله يملأ يديه رزقاً من فضله وكرمه سبحانه.
стр. 284
شرح حديث: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره)
جاء في الحديث عن زيد بن ثابت ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)، هذا حديث عظيم وجميل عن النبي ﷺ ، يفرق فيه بين من كانت الدنيا همه، وكان مهموماً منشغلاً بها، وبين من هو مشغول بأمر الآخرة، فهذا رزقه مقسوم،، وهذا رزقه مقسوم.
أما الأول: فهو من كانت الدنيا همه، فإن الله يفرق عليه أمره، ويجعله مشغولاً بالدنيا، فإذا بها تشعبه في كل وديانها وسهولها.
، وجبالها، وتتفرق به الأهواء والمطامع في الدنيا، قال ﷺ : (وجعل الله فقره بين عينيه،) حتى إذ امتلأت يداه مالاً فإن قلبه يمتلئ فقراً فيحس أنه فقير، ويشعر أن المال سوف ينتهي، (ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له).
وأما الآخر: فهو من كانت الآخرة همه، ونيته رضا ربه سبحانه، فهذا قال عنه ﷺ : (جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه)، فإذا به غني القلب لا يهتم بهذه الدنيا، ولا يريد أن يتوسع فيها توسعاً كبيراً، وإنما هو قانع برزق الله سبحانه الذي قد كفاه هذا الرزق، (وأتته الدنيا وهي راغمة) أي: أتته الدنيا غصباً عنها؛ لأن الله كتب له رزقه أنه سيأتيه، فبحث عن الزرق من الباب الحلال، فآتاه الله به.
стр. 285
وقت صلاة الضحى وفضيلتها
إن البعض يصلي الضحى في وقت الشروق وهذا لا يجوز، فالشروق في الساعة السادسة واثنين وعشرين دقيقة، إذاً: صلاة الضحى بعده بحوالي ثلث ساعة، فتكون صلاة الضحى في الساعة السابعة إلا ثلث أو السابعة إلا ربع، والصلاة قبل ذلك في وقت الشروق حرام، فلا يجوز للإنسان أن يصلي وقت شروق الشمس؛ لأن الكفار تسجد لها في هذا الوقت، وقد نهانا النبي ﷺ أن نتشبه بهم، فإذا كان الإنسان مستعجلاً ووراءه شغل أو حاجة فلينصرف، ثم يصلي الضحى في بيته، لكن فضيلتها ليست كفضيلة صلاة من انتظر في المسجد وصلاها هناك، فقد جاء في حديث النبي ﷺ : (من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين إلا كتب له حجة وعمرة تامة، تامة تامة) فالأفضل للإنسان أن يجمع ذلك فيصلي الفجر في جماعة ويجلس في مصلاه يقرأ القرآن أو يذكر الله بالأذكار المأثورة التي جاءت عن النبي ﷺ من تسبيح وتكبير وتهليل، إلى أن تطلع الشمس، وينتظر ما يقرب من ثلث ساعة بعد الشروق وبعد ذلك يصلي الضحى، ويكون له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
ولا ينبغي أن ينشغل المسلم باللغو والكلام في هذا الوقت فيشغل نفسه ويشغل غيره.
كما لا يجوز أن يقرأ القرآن بصوت عالٍ، فقد نهى النبي ﷺ أصحابه، عن رفع الصوت بالقرآن، إلا أن يكون الإنسان في مجلس علم فلا بأس برفع الصوت فيه، أما إذا كان مع غيره فلا يجوز أن يرفع صوته ويؤذي غيره، حتى ولو كان حافظاً للقرآن، فليقرأ سراً، ولذلك خرج النبي ﷺ على الصحابة بعد العشاء في رمضان وكل منهم يقرأ فقال أيها المصلون! كلكم يناجي ربه فلا يؤذي بعضكم بعضا.
وأحياناً قد يكون رفع الصوت مدعاة للرياء، فيحب الرجل أو المرأة أن يعرف بأنه حافظ، أو عالم، أو أنه أفضل من غيره، يقول علي بن أبي طالب ﵁: تعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار.
فاكتم العلم لتأخذ أجره، ولا تجهر به، وتظهر الرياء، وانشغل بنفسك ولا تنشغل بأحد، فإن المسجد إنما وضع للعبادة، والدعاء والدعوة إلى الله سبحانه وليس للتعرف على الناس، وكثرة الكلام والتسامر مع الآخرين.
следующие страницы →