← Акыда

Акыда · id 36972

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (331 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حكم زواج الرجل بامرأة زنى بها السؤال إذا زنا رجل بامرأة وأرادوا منه التزوج بها قبل توبتهما، فهل نقول بجواز ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:٣]، فهما لم يتوبا، فهل يصح زواجهما، وما حكم ذلك؟ الجواب لا يجوز أن تزوج وهي زانية، وإن كان بينهما ولد فهو سفاح، ويفرق بينهما، ويقام الحد على الرجل وعلى المرأة، فالرجل يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً، والمرأة تجلد مائة جلدة وتغرب، وإن كانت متزوجة ترجم بالحجارة حتى تموت، وإذا صحت التوبة بعد ذلك وظهرت توبتها وإصلاحها تزوج، وهو إذا صحت توبته يزوج منها أو من غيرها، أما أن تزوج وهي على زناها والعياذ بالله، فهذا منكر.

стр. 177

حكم وصف الله بالصانع السؤال هل يجوز أن يطلق على الله جل وعلا وصف الصانع؟ الجواب لا، وهذا من باب الخبر، وباب الخبر أوسع من باب الوصف عند أهل العلم، فيذكر عن الله بأنه صانع، بأنه شيء، وبأنه ذات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، يخبر عن الله بأنه موجود، ولكن لا يقال: إن من أسماء الله الموجود أو الصانع أو الذات. فالقاعدة عند أهل العلم أن الخبر أوسع من باب الصفة؛ لأن الصفة توقيفية وكذلك الأسماء، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، وأطلقه على نفسه كالعليم، السميع، البصير. أما الإخبار عن الله بأنه صانع، أو بأنه ذات، أو بأنه شيء، فهذا من باب الخبر لا من باب الوصف فيجوز.

стр. 178

شرط نكاح الكتابية السؤال هل من شروط للزواج من الكتابية؟ الجواب نعم، يشترط أن تكون الكتابية محصنة لجواز الزواج بها، فتكون محصنة عفيفة تعمل بدينها، وتعرف بأنها من أهل الكتاب، أما إذا تحللت من دينها فقد صارت جاحدة أو معطلة تخرج عن أهل الكتاب.

стр. 179

حكم ولد الزنا السؤال ما الحكم في الابن الذي أتى من الزنا؟ الجواب يكون لقيطاً من اللقطاء، فإذا كان هناك دار خاصة له يتربى فيها فهو أفضل، وإن لم يكن أخذه أحد المسلمين ورباه حتى يكبر وله الأجر.

стр. 180

حكم مخالفة أهل السنة في مسائل الإيمان السؤال ما حكم من خالف أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان؟ الجواب هذا السؤال مجمل، فما المراد بمسائل الإيمان؟ هل في شعب الإيمان؟ أو خالف أهل السنة والجماعة في أنه ما عمل بشرائع الإيمان، فيكون عاصياً، أو هل خالف المعتقد؟ فينظر مراد السائل.

стр. 181

حكم تزويج اللقيط السؤال ما هو حكم تزويج اللقيط؟ الجواب إذا كان يرضى دينه، وكان مستقيماً فلا بأس بذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وهو ليس عليه شيء، بل يكون فرداً من أفراد المسلمين، يزوج كغيره، والإثم على الزاني وليس عليه.

стр. 182

حكم إمامة ولد الزنا السؤال هل يكون ولد الزنا إماماً في الصلاة؟ الجواب نعم، يكون إماماً، كما ذكر الفقهاء وقالوا: تصح إمامة ولد الزنا، إذا سلم دينه وصح؛ لأنه ليس عليه الإثم، إنما الإثم من الزاني.

стр. 183

كلام مسيء إلى النبي ﷺ السؤال يقول أحدهم: وكذلك ذله -يعني: النبي ﷺ وانكساره بين يدي الله عندما يطالع المقامات العظيمة، والمنن الوفيرة التي أعطيها؛ ما ذلك إلا لأنه أوتي شيئاً هو أحقر من أن يعطاه ببشريته وإنسانيته وآدميته ودينه، فما رأيكم في مثل هذا الكلام؟ الجواب هذا الكلام ليس بطيب، بل هو كلام سيء، فإننا لا نشك أن الرسول كان متواضعاً، فهو يتواضع لربه ﵊، عندما دخل مكة دخلها وقد خفض رأسه، تواضعاً لربه . وقوله: (أحقر من أن يعطى ببشريته) فإنه ﵊ أهل لذلك، فلولا أنه أهل لذلك لما أعطاه الله ذلك، والله تعالى كمله وجعله في أعلى مقام العبودية والرسالة، فكيف يكون أحقر في ذلك؟

стр. 184

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١٠] وردت بعض النصوص بإثبات الإسلام لقوم مع نفي الإيمان عنهم، وقد اختلف الناس في ذلك، وقد بين شيخ الإسلام بالأدلة أن المنفي كمال الإيمان والمثبت أصله.

стр. 185

القول فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان، هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذا مما تنازع فيه أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فقالت طائفة من أهل الحديث والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر، ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان]. هذا القول الأول، وهو قول الإمام البخاري وبعض أهل الكلام من الخوارج والمعتزلة، قالوا: هؤلاء الذين نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هم منافقون، وهذا إسلام المنافقين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأصحاب هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان؛ ولكن هؤلاء أسلموا ظاهراً لا باطناً فلم يكونوا مسلمين في الباطن، ولم يكونوا مؤمنين، وقالوا: إن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]]. هذا دليلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، قالوا: المراد بالإسلام الإيمان، والإيمان هو الإسلام فهما مترادفان عند هذه الطائفة ولا فرق بينهما، فمن ابتغى غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، والإسلام هو الإيمان، ومادام نفي عنهم الإيمان، فلا يقبل منهم، ودل على أنهم منافقون. قال المصنف رحمه الله تعالى: [بيانه: كل مسلم مؤمن فما ليس من الإسلام فليس مقبولاً، يوجب أن يكون الإيمان منه، وهؤلاء يقولون: كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلماً في الباطن، وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين]. عندهم أن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، أما الكافر منافق الباطن فلا شك أنه ليس من المؤمنين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمناً، وإن كان مكذباً في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه]. الكرامية جمعوا بين المتناقضين في مسمى الإيمان، وفي اسم المؤمن وحكمه، قالوا: إذا نطق الإنسان بالشهادتين نسميه مؤمناً كامل الإيمان، وإن كان مكذباً في الباطن فهو مخلد في النار، فجمعوا بين المتناقضين، ولهذا كان من أفسد تعاريف الإيمان قول الكرامية، يليه في الفساد قول الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكرامية يقولون: الإيمان النطق اللسان ولو كان مكذباً في الباطن، فإذا نطق باللسان فهو مؤمن كامل الإيمان، ثم بعد ذلك ننظر إلى قلبه، إن كان مصدقاً فإنه يدخل الجنة، وإن كان مكذباً فهو مخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم]. هذا ليس بصحيح، فالذين يجعلونهم من أهل الجنة هم المرجئة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومع هذا فتسميتهم له مؤمناً بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم أي: تسمية المكذب بالباطن مؤمناً بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة، حيث سموا من نطق بالشهادتين مؤمناً ولو كان مكذباً في الباطن.

стр. 186

قول الجمهور فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الجمهور من السلف والخلف: بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان، قد لا يكونون كفاراً في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول]. هذا هو القول الثاني: أن المسلم غير المؤمن، فالمسلم هو الذي دخل في الإسلام ولكنه مقصر في بعض الواجبات، أو فاعل لبعض المحرمات، والمؤمن هو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، فالآيات التي أثبتت الإسلام ونفت الإيمان محمولة على ضعيف الإيمان، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية وجمهور من السلف والخلف. مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، والأعراب ليسوا كلهم منافقين، ولكنهم ضعيفو الإيمان، دخلوا في الإسلام وعندهم ضعف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً]. الإسلام أوسع دائرة من الإيمان؛ لأن الإسلام يطلق على العاصي وعلى المطيع، أما الإيمان فلا يطلق إلا على المطيع، فالعاصي لا يسمى مؤمناً بإطلاق، وكل المسلمين يدخلون في الإسلام، العصاة والمطيعين؛ لكن الإيمان لا يدخل فيه إلا المطيع، ودائرته أضيق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون في قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) إنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام]. هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي وابن حبان والبغوي وابن أبي شيبة وغيرهم. وفي هذا الحديث نفى النبي ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق والشارب، وفي لفظ: عن الناهب قال: (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن). وهذه فسرها الجمهور فقالوا: إن الزاني والسارق خرجوا من الإيمان عند الإطلاق إلى الإسلام، فيسمى الزاني مسلماً ولا يسمى مؤمناً؛ لأنه فعل كبيرة، وإلا فمعه أصل الإيمان، وليس بكافر، فالإسلام لابد له من إيمان، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن لما فعل الكبيرة لم يسم مؤمناً حتى يتوب فيسمى مسلماً. وكذلك السارق وشارب الخمر عند جمهور أهل السنة، فلا نقول عن الزاني إنه مؤمن ولا نقول ليس بمؤمن، بل نقول: إنه مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا نقول: إن الزاني ليس بمؤمن لأن هذا معناه أنه كافر، ولكن نقول: ليس بصادق الإيمان، وليس بمؤمن حقاً، وهذا مذهب جماهير أهل السنة وعلى رأسهم، شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ودوروا للإسلام دارة، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر. ]. جعلوا دائرتين دائرة كبيرة وفي وسطها دائرة صغيرة وقالوا: إذا أدى المؤمن الواجبات وترك المحرمات فهو في الدائرة الصغيرة، فإذا زنا خرج من الدائرة الصغيرة إلى الدائرة التي هي أكبر منها، فإذا خرج من الدائرة التي أكبر منها خرج إلى الكفر، فيكون للإسلام دائرة، في وسطها دائرة صغيرة، ومن وراء الإسلام دائرة كبرى، فالمؤمن إذا أدى الواجبات وترك المحرمات صار في الدائرة الصغيرة، وإذا زنى أو فسق أو سرق خرج من الدائرة الصغيرة إلى دائرة الإسلام، وإذا فعل مكفراً خرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، نسأل الله السلامة والعافية. ودائرة الإحسان تكون دائرة أصغر من دائرة الإسلام، فدائرة الإحسان صغيرة ثم أكبر منها دائرة الإيمان، ثم دائرة الإسلام، ثم بعد ذلك دائرة الكفر. والإحسان: أن يعبد الله على المشاهدة، ويراقب ربه، والمؤمن هو الذي فعل الطاعات وترك المحرمات، لكن ما وصل إلي درجة المراقبة والمشاهدة التي هي درجة الإحسان.

стр. 187

أدلة الجمهور على إثبات الإسلام لضعيف الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [ودليل ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٤ - ١٧]]. هذه الآيات استدل بها أهل القول الثاني من جمهور السلف والخلف على أن ضعيف الإيمان يثبت له الإسلام وينفى عنه الإيمان، والدلالة أنه نفى عنه الإيمان وأثبت له الإسلام قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وهؤلاء الأعراب دخلوا في الإسلام من جديد وعندهم ضعف ونقص. والبخاري وجماعة يقولون: هؤلاء منافقون، والإسلام الذي أثبت لهم هو إسلام المنافقين؛ لأن الإيمان والإسلام شيء واحد. وهناك مرجحات للقول بأنهم ضعفاء الإيمان وليسوا منافقين، منها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: لما يدخل الإيمان الكامل فيكم ويتوقع دخوله. منها أنه أثبت لهم طاعة حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤]، ولو كانوا منافقين فليس لهم طاعة. ومنها أنه أثبت لهم ثواباً. ومنها أنه بين المؤمنين الخلص الكاملين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥]، ثم قال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات:١٦]، فأثبت لهم الدين، ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧]، فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين ما أثبت لهم الإسلام.

стр. 188

الأدلة التي رجح بها الجمهور كون ضعيف الإيمان يسمى مسلماً قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقد قال تعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا الحرف - أي: لما - ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد، فيقال لمن ينتظر غائباً: أي: لما، ويقال: قد جاء لما يجئ بعد، فلما قالوا آمنوا قيل: لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم]. هذا هو المرجح الأول أنهم ضعفاء الإيمان، وهو أنه أتى بلما، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد، فتقول: أثمرت البساتين ولما يثمر بستاننا، أي: قرب، والمعنى: أن بستاننا ما أثمر وسوف يثمر قريباً، فقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لم تؤمنوا ولكن قرب دخول الإيمان في قلوبكم، فهذا دليل على أنهم دخلوا في الإسلام إلا أنهم لم يدخلوا الإيمان الكامل، ولهذا قال: وهذا الحرف -أي: لما- ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده، فهنا المعنى: قرب وجود الإيمان المنتظر وجوده ولكنه لم يوجد بعد، فمن ينتظر غائباً وسأل هل أتى فلان؟ تقول له: لما يأت، وسوف يأتي قريباً، وهل قدم فلان من السفر؟ لما يقدم، أي: هو سيقدم قريباً، فأنت نفيت عنه القدوم ولكنك أثبت قرب قدومه، وكذلك لما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: هو سوف يدخل قريباً، وهذا هو المرجح الأول.

стр. 189

دليل إثبات الطاعة للمسلم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لا ينقصكم من أعمالكم المثبتة شيئاً، أي: في هذه الحال؛ فإنه لو أراد طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم؛ إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به فإذا قيل لهم: المطيع يثاب والمراد به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن لم يكن فيه فائدة جديدة]. هذا هو المرجح الثاني، ووجه الدلالة أنه أثبت لهم طاعة، ولو كانوا منافقين لم يثبت لهم طاعة، فلما أثبت لهم طاعة دل على أنهم مسلمون، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، إن تطيعوا الله ورسوله وأنتم في هذه الحال، لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً؛ لأنكم مسلمون، ولا يقول القائل: إن المراد وإن تطيعوا الله بعد دخول الإيمان في قلوبكم؛ لأنه لو أراد طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم أو لغيرهم، إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به. لكن المراد: إن تطيعوا الله ورسوله وأنتم في هذه الحال مع ضعف إيمانكم يثبكم الله على أعمالكم. فكونه أثبت لهم طاعة الله ورسوله وهم في هذه الحال، دل على أنهم ليسوا منافقين وإنما هم ضعيفو الإيمان، وضعيف الإيمان يثاب على أعماله. فأثبت لهم طاعة مع نفي الإيمان الكامل عنهم، فدل على أنهم مسلمون وليسوا منافقين كما يقوله الإمام البخاري والجماعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم: لما يدخل في قلوبهم، وقيل لهم: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، فلو لم يكونوا في هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول الخطاب]. هذا هو المرجح الثالث، فمدلول الخطاب لهؤلاء الأعراب، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، ثم خاطبهم فقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]. فأهل القول الأول يقولون: هذه الطاعة تكون بداية دخول الإيمان في قلوبهم، ونحن نقول: ولو كان كذلك لكان خلاف مدلول الخطاب، والخطاب موجه لهم وهم في هذه الحال، أي: قل لم تؤمنوا أيها الأعراب ولكن قولوا أسلمنا، وإن تطيعوا الله يثبكم على أعمالكم. فإن قيل: إن الطاعة تكون بعدما يدخل الإيمان في قلوبهم، قلنا: لو كان كذلك لصار الخطاب غير موجه إليهم، وإنما وجه إليهم بعد دخول الإيمان، وهذا خلاف مجيء الخطاب، وهذا هو المرجح الثالث.

стр. 190

دلالة وصف كاملي الإيمان بعد ذكر الضعفاء فيه قال المصنف رحمه الله تعالى: [فبين ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، وهذا نعت محقق للإيمان؛ لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان]. هذا هو المرجح الرابع: أنه بعد أن أخبرهم بأنهم ضعفاء الإيمان، بين لهم أوصاف المؤمنين الكمل الذين حققوا الإيمان فقال: انظروا أوصاف المؤمنين الذين حققوا الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، فهؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يشكوا وجاهدوا بالمال وجاهدوا بالنفس فأولئك هم الصادقون، وأنتم لستم صادقين. وضعيف الإيمان ليس بصادق الإيمان، وهؤلاء هم الصادقون، كما قالت الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]، فهؤلاء المؤمنون الذين حققوا لإيمان. وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور:٦٢]، فالمرجح الرابع: أن الله بين وصف المؤمنين الكمل الذين حققوا الإيمان، والأعراب خرجوا من هذا الوصف، فهذا وصف المؤمنين الذين حققوا الإيمان ولستم أيها الأعراب منهم؛ لأنكم لم تصلوا إلى هذه الدرجة، فأنتم ضعيفو الإيمان، وهؤلاء حققوا الإيمان وكملوه. وهؤلاء الأعراب وغيرهم معهم أصل الإيمان، لكن ليس معهم كمال الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤]]. هذا هو الشاهد: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، كما أن الشاهد في الآية السابقة، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، والمقصود هؤلاء الذين حققوا الإيمان وصدقوا في إيمانهم، وأنتم أيها الأعراب لم تصلوا إلى هذه الدرجة، ولم تصلوا إلى كمال الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢]]. هؤلاء هم المؤمنون الكمل.

стр. 191

تقرير مذهب الجمهور قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنه قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وأمثال ذلك]. هؤلاء نفي عنهم الإيمان لضعفهم مثل الأعراب. والمؤلف ﵀ يقرر بهذا مذهب الجمهور، وأن هؤلاء الذين نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام ليسوا منافقين ولكن إيمانهم ضعيف، فلهذا نفى عنهم الإيمان الكامل وإن كان معهم أصل الإيمان الذي يصح به الإسلام، والإسلام لابد له من إيمان يصححه، فالمسلم لابد أن يكون مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان الذي يصحح الإسلام لابد منه، لكن الإيمان المكمل هو الذي نفي عنهم، والمثبت لهم أصل الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب: هو هذا الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار]. الإيمان الذي نفي عن الأعراب في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هو الإيمان الذي نفي عن الفساق في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن)، والفاسق عندما ينفى عنه الإيمان ليس بكافر، وإنما ينفى عنه الكمال؛ لأن عنده أصل الإيمان الذي يصح به الإسلام، فهو مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فكذلك الأعراب أثبت لهم أصل الإيمان ونفي عنهم كمال الإيمان وتحقيقه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار]. يعني: أن نفي الإيمان هنا معناه: نفي كمال الإيمان، لا أنه يكون كافراً، كما في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فالذي نفي عنه هو كمال الإيمان ولا يقتضي الكفر، بل يقتضي حدوث أصل الإيمان، إنما الذي يقتضي الكفر هو نفي أصل الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبتحقق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسماً ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]. ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤]. فلا هم منافقون ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقاً، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار. وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه]. بتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع؛ لأن هذا الموضع موضع اشتباه، ووجه ذلك أن الخوارج لما سمعوا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، كفروه، وقالوا: نفي عنه الإيمان لكفره، فاشتبه عليهم الأمر، واشتبهت عليهم النصوص، ولم يجمعوا بينها. وأما المرجئة فقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان. وهدى الله أهل السنة والجماعة فجمعوا بين النصوص. وبتحقيق هذا المقام في هذا الموضع، الذي فيه نصوص أثبتت الإسلام لقوم ونفت عنهم الإيمان علم أن في المسلمين قسماً ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار وليس هو من المؤمنين الكمل، الذين حققوا الإيمان. فهو مؤمن ضعيف الإيمان، وليس من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، كما في سورة الأنفال، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقاً، ولا هم من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل لهم طاعات ومعاصي، فالناس أربعة أصناف، وكلها داخلة في مسمى الإسلام، وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وهؤلاء يثبت لهم الإسلام وينفى عنهم الإيمان، القسم الثاني الصادقون المؤمنون حقاً، وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، قال الله عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]. القسم الثالث: الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين أحكموا التوحيد وخلصوه ونقوه من شوائب الشرك والبدع ونحو ذلك. القسم الرابع: المؤمنون ضعيفو الإيمان، الذين لهم طاعات وحسنات ومعاص وسيئات، ومعهم من الإيمان ما يمنع الخلود في النار، ومعهم من الكبائر ما يقتضي دخول النار، وهذا هو الذي وصف به الأعراب والزاني والسارق الذين نفي عنهم الإيمان في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] والحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). فهذه أربعة أصناف كلها داخلة في مسمى الإسلام غير الكفار، والكافر هو القسم الخامس. فالكافر ظاهراً وباطناً ليس بمؤمن، ويشمل اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس والشيوعيين والملاحدة جميعاً، فكلهم أظهروا كفرهم، وهم صنف واحد. والصنف الرابع الذين لهم طاعات وحسنات ولهم معاص وسيئات، فليس معهم كمال الإيمان، بل معهم من الإيمان ما لا يخلد في النار ولهم كبائر يستوجبون بها دخول النار- فهم تحت مشيئة الله، قد يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة من أول وهلة، وقد يعذبهم ولكن لا يخلدون، وقد يكون مخلداً في النار على حسب الجرائم؛ لأنه تواترت الأخبار أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر مؤمنون مصدقون لكنهم دخلوا النار بالمعاصي، كمن مات على سرقة أو زنا أو عقوق، وبعضهم يكون مكثراً حتى أنه يخلد كالقاتل، والمراد بالخلود: طول المكث، أي: يمكث مدة طويلة ولكن لا يخلد، فالخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤقت، له أمد ونهاية، وهو خلود بعض العصاة الذين اشتدت جرائمهم وكثرت وفحشت كالقاتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، لكنه ليس بكافر إلا إذا استحل، فإذا رأى أن القتل حلال كفر. كذلك المرابي إذا تعامل بالربا فهو ضعيف الإيمان، إلا إذا اعتقد أن الربا حلال كفر. فهذا القسم هم الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فمعهم أصل الإيمان الذي يمنعهم من الخلود في النار كالكفرة، ومعهم كبائر يستوجبون بها دخول النار كالعصاة، وهذا القسم يسميه بعض الناس الفاسق الملي. والفاسق هو الذي دخل في ملة الإسلام مثل الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي والقاتل، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه، فأهل السنة يسمونه مؤمناً ناقص الإيمان، والخوارج يسمونه كافراً، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، والمرجئة يسمونه مؤمناً كامل الإيمان. هذا في الاسم، وأما في الحكم فأهل السنة يقولون: هو تحت مشيئة الله، والخوارج يقولون: مخلد في النار، والمعتزلة: مخلد في النار، والمرجئة: يدخل الجنة من أول وهلة.

стр. 192

بيان مبدأ ظهور الخلاف في الدين قال المصنف رحمه الله تعالى: [والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين]. وذلك في عصر الصحابة، فبعد قتل أمير المؤمنين عثمان، خرجت الخوارج وكفروا علياً وعثمان، وقالوا: أنتم حكمتم الرجال في كتاب الله، وأصل الخوارج رجل خرج في عهد النبي ﷺ ، وهو الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وقال: اعدل يا محمد. ولما استأذنه خالد ﵁ في قتله، قال: (اتركه فإنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم)، فرأي الخوارج قديم أصله على عهد النبي ﷺ ، وبعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ خرجت الخوارج، ثم بعده جاءت المرجئة والمعتزلة. وكذلك الشيعة خرجوا في زمن علي ﵁ وظهرت السبئية الذين غلوا فيه، وقالوا أنت الإله، فخد لهم أخدوداً وأجج لها ناراً وألقاهم فيها وهم أحياء من شدة غضبه عليهم، وقال: لما رأيت الأمر منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً. وإن كان هذا شاذاً من أمير المؤمنين علي، والصواب: أنه يقتل، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار كما في الحديث، ولكن من شدة حنقه اجتهد وأحرقهم بالنار، فلما ألقوا في النار زادوا في الشرك وسجدوا له وقالوا: هذا هو الإله، نعوذ بالله. قال ابن عباس ﵁: لو كنت مكان أمير المؤمنين لقتلتهم بالسيف، لقول النبي ﷺ : (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، لكن اجتهد. والصديق ﵁ حرق بعض المرتدين من أهل الردة، وكذلك خالد بن الوليد حرقهم بالنار اجتهاداً، فيحتمل أن النص ما بلغهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فنقول: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وصار علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل، ثم يوم صفين ما هو مشهور؛ خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعاً، وكان النبي ﷺ قد أخبر بهم، وذكر حكمهم]. بعد موقعة الجمل وصفين خرجت الخوارج، والخوارج مذهبهم مذهب فاسد باطل، وهو: تكفير المسلمين بالمعاصي، فمن فعل معصية كبيرة كفر عند الخوارج، وخرج من الإيمان، هذا في الدنيا يعاملونه معاملة الكافر، فإذا زنا قالوا: كفر، وإذا سرق كفر، وإذا عمل بالربا كفر، إذا عق والديه كفر، وإذا أكل الرشوة كفر، وإذا اغتاب كفر، وإذا نم كفر، وحكمه عندهم أنهم يقتلونه، ويحلون دمه وماله، وهو في الآخرة مخلد في النار كالكفار، وهذا المذهب خبيث. إذاً في الدنيا يكفرونه ويستحلون دمه وماله، وفي الآخرة يخلد في النار. ثم خرجت المعتزلة بعدهم ووافقوهم في أنه يخلد في النار، وخالفوهم في الدنيا وقالوا: لا نسميه كافراً؛ لأن النصوص دلت على أنه خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فقالوا: هو في منزلة بين منزلتين. والمرجئة قالوا: هو مؤمن كامل الإيمان، فلو فعل جميع الكبائر والمنكرات فلا يضره ما دام أنه مصدق، بل هو مؤمن كامل الإيمان يدخل الجنة من أول وهلة. وأهل السنة وهم الطائفة الرابعة قالوا: هو مؤمن ضعيف الإيمان، ولا يقتل كالكافر، لكن يقام عليه الحد، فإذا زنى يقام عليه الحد، وإذا سرق يقام عليه الحد وتقطع يده، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، قد يعفو الله عنه، وقد يعذبه على قدر ذنوبه، وإذا عذب دخل النار ولم يخلد، وبعض العصاة يطول مكثه لكن له نهاية فيخرج، ولا يخلد إلا الكفرة. فهذه مباحث دقيقة ومسائل دقيقة جداً وخطيرة في نفس الوقت؛ لأن بعض الناس يسلك مسلك الخوارج وهو لا يشعر، وبعض الناس يسلك مسلك الجهمية وهو لا يشعر، وبعض الناس يسلك مسلك المعتزلة، فلابد أن يكون المسلم عنده التحقيق في هذا المقال، ويجمع بين النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، ويعمل بها من الجانبين. والخوارج لا يعملون إلا ببعض النصوص، فيعملون بنصوص الوعيد، وأغمضوا أعينهم عن نصوص الوعد، فكفروا العصاة وخلدوهم في النار. والمرجئة يعملون ببعض النصوص، كنصوص الوعد، وأهملوا نصوص الوعيد، فصاروا يقولون: إن العاصي كامل الإيمان، ويدخل الجنة من أول وهلة. وأهل السنة وفقهم الله فأخذوا نصوص الوعيد وصفعوا بها وجوه المرجئة وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الوعد وصفعوا بها وجوه الخوارج وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الوعيد فاحتجوا بها على أن المؤمن يضعف إيمانه، ونصوص الوعد فاحتجوا بها على أنه لا يخرج من الإسلام، فخرج مذهب أهل السنة من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، من بين فرث الخوارج ودم المرجئة.

стр. 193

الأسئلة

стр. 194

الكلام حول كتاب (المعلوم في علاقة الحاكم والمحكوم) السؤال ما رأيكم في كتاب المعلوم في علاقة الحاكم بالمحكوم، وهل تنصحون بقراءته وتوزيعه؟ الجواب هذه الرسالة: العلاقة بين الحاكم والمحكوم أسئلة أجاب عليها سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، إعداد أبي عبد الله بن إبراهيم آل بليطح الوائلي، وقد قرأتها، وهي أسئلة موجهة لسماحة الشيخ ﵀، وأجاب عنها في مسائل تتعلق بالحكم فيما أنزل الله، ومسائل أخرى كثيرة. ثم أضاف عليها بعد نهاية الأسئلة أقوالاً لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بعضها مأخوذ من كتاب الإيمان، وأقوالاً للعلامة ابن القيم ﵀ في كتاب أعلام الموقعين. ثم أورد بعد ذلك كلام ابن رجب الحنبلي ﵀ على حديث تميم الداري: (النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ثم نقل عن أبي بكر الآجري في الشريعة مسائل في حكم الأئمة وولاة الأمور، ثم نقل عن الشوكاني في كتابه السيل الجرار في الأئمة. وقد قرأته كله ولم يأت الكاتب بشيء من عند نفسه، وإنما هو نقول، والعلماء كانت توصي بقراءته وتوزيعه.

стр. 195

حكم ترك الجوال مفتوحاً أثناء الدروس والصلاة السؤال نطلب منكم نصيحة لأصحاب الجوالات أن يغلقوها أثناء الدرس، حيث إنا قدمنا من بلاد بعيدة نطلب الفائدة؟ الجواب أجهزة الجوال يجب إغلاقها، وبعض الإخوان في آخر المسجد يستعملون الجوالات ويتكلمون في أثناء الدرس فيشوشون على إخوانهم، وهذا غلط، ولا ينبغي، والذي ينبغي التعاون على البر والتقوى، وإذا كنت لا تريد الفائدة، فاخرج من المسجد ولا تشوش على إخوانك، فيجب إغلاقه وقت الدرس، ووقت الصلاة، وطالب العلم لا يجمل به أن يجعل نغمات موسيقية، فهي محرمة. والمقصود منها التنبيه، وليس المقصود منها الطرب، وأعظم من ذلك إذا كان في المسجد، وأعظم من ذلك إذا كان في الصلاة، فهذه ظلمات بعضها فوق بعض، ففي هذا تشويش على المصلين، فلا تلم إلا نفسك فأنت الآثم، فنصيحتي لإخواني جميعاً أن يجعلوا الجرس تنبيهاً عادياً وليس فيه نغمات، سواء جرس الهاتف أو الجوال. وثانياً: عليهم أن يغلقوه في المسجد، وفي وقت الصلاة وفي وقت الدرس كذلك، فينبغي للإخوان أن يتعاونوا، ومن يريد أن يفتحه فلا يفتحه في المسجد، بل عليه أن يخرج من المسجد.

стр. 196

حكم فاعل الكبيرة إذا تاب السؤال إذا خرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام بسبب المعاصي، فمتى يرجع إلى الإيمان مرة أخرى، وهل كل المعاصي تخرج من الإيمان؟ الجواب الذي يخرج من الإيمان الكامل، يخرج إلى الإيمان الناقص وهو الإسلام، فالإسلام هو إيمان ناقص، فإذا تاب من الكبيرة التي ارتكبها أو تاب من التقصير في الواجبات عاد إلى تمام الإيمان. وكذلك الزاني إذا تاب من الزنا توبة نصوحاً بشروطها، بمعنى أنه أقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليها، ورد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت سرقة ورد المال إلى صاحبه، فإنه يعود إليه الإيمان الكامل. والمراد الكبائر وليس المراد الصغائر، فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر، والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة أصح ما قيل في تعريفها: هي كل ذنب وجب فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بالنار أو اللعنة أو الغضب، مثل الزنا الذي جاء فيه الوعيد: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢]. والقتل وعد عليه بالنار فهو كبيرة، وأكل مال اليتيم وعد عليه بالنار فهو كبيرة، والسرقة فيها حد وهو قطع يد فهي كبيرة. فإذا فعلها رجل ثم تاب توبة نصوحاً عاد إلى الإيمان الكامل، أما الصغائر فتكفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض، فإذا أدى الإنسان الفرائض وترك الكبائر كفر الله عنه الصغائر، قال ﵊: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، والصغيرة كلطمة أو زلة أو هفوة أو نظرة وما أشبه ذلك، فهذه تكفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض. جاء في الحديث الآخر: أن فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والحج، وقوله: (فتنة الرجل في أهله) أي: ما يحصل بينه وبين أهله أو بينه وبين جاره أو بينه وبين ولده من الكلام الذي يحصل بينهم، فهذا من الصغائر التي تكفر بأداء الفرائض، أما الكبائر فإنه بها من الإيمان الكامل إلى أصل الإيمان إذا فعل كبيرة، ويعود إليه إذا تاب من الكبيرة توبة نصوحاً. وألحق بعضهم بالكبائر ما نفي عن صاحبه الإيمان، أو قال فيه ليس منا، كحديث: (من غشنا فليس منا)، و (ليس منا ضرب الخدود وشق الجيوب)، أو تبرأ منه النبي ﷺ كما في الحديث: (برئ النبي ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة). فإن قيل: فهل البدع تدخل في الكبائر؟ قلنا: البدع تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة، فإذا كانت البدع مكفرة فلها حكم الكفر، وإذا كانت بدعة غير مكفرة فحكمها حكم الكبائر وإن كانت أشد من الكبائر، فالبدعة المكفرة مثل بدعة القدرية الأولى الذين نفوا علم الله بالأشياء، ومثل بدعة الجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات عن الله، وقد كفرهم ثلاثمائة عالم، ومثل بدعة الروافض الذين يعبدون آل البيت ويكفرون الصحابة ويفسقونهم وكذبوا النصوص، فهذه بدع مكفرة. أما البدع غير المكفرة فمثل بدعة المولد، وبدعة التلفظ بنية الأذكار في الصلوات وفي غيرها، فالبدعة حكمها حكم الكبيرة إذا كانت غير مكفرة، وإذا كانت مكفرة فحكمها حكم الكفر.

стр. 197

كيفية الجمع بين إثبات الزنا من المؤمن ونفي الإيمان عن الزاني السؤال كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، إلى آخر الحديث وبين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيزني المؤمن يا رسول الله! قال: نعم، أيسرق المؤمن قال: نعم، أيكذب المؤمن، قال: لا)؟ الجواب نص الحديث: (أيكون المؤمن جباناً، قال: نعم، قال: أيكون المؤمن كذاباً، قال: لا)، أما هذا اللفظ الذي ذكره السائل فلا أعرف صحته، ولو صح فالمراد بالإيمان المنفي هو الإيمان الكامل، والمثبت أصل الإيمان، وهذه قاعدة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان. فالإيمان المنفي هو كمال الإيمان وتحقيقه، والإيمان المثبت هو أصل الإيمان، فإذا صح الحديث الذي ذكره السائل فيعني أن معه أصل الإيمان. وأما حديث نفي الإيمان: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فالمنفي كمال الإيمان، والمثبت أصل الإيمان، وهذا هو الجمع بينهم. أما الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، فهذا من كمال الإيمان، وكذلك قوله: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).

стр. 198

الكلام حول حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر) السؤال ما صحة حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر)، وإذا صح، فعلام يحمل هذا النفي؟ الجواب الأصل أنهم لا يدخلون الجنة، والحديث (لا يدخل الجنة مدمن خمر ومصدق للسحر وقاطع رحم)، فيحمل على الوعيد عند أهل السنة، ويحمل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب وعد عليه بعدم دخول الجنة، ولا يكون كافراً. والمعنى أنه لا يدخل الجنة جملة من أهل الكبائر من أول وهلة، ولكنهم يدخلونها بعد أن يتطهروا في النار، وليس المراد أنه كافر إلا إذا استحل الخمر، وقال إنه حلال فيكفر.

стр. 199

حكم تعليق التميمة السؤال كيف ينكر على من وجد قد علق تيمية في يده يزعم أنها تشفي من المرض، وإذا لم يستجب للنصح فهل يمد الناطق يده ويقطع التميمية، أم يكتفي بالنصيحة وتبرأ ذمته؟ الجواب التميمة هي ما يعلق لدفع العين من الحُُجُب، وقد يكون الحجاب على الرقبة أو في اليد أو في الإصبع، وأصلها خرزات يعلقها العرب لدفع العين في رقاب الأطفال وغيرها، وقال النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك). قال ﵊: (من تعلق تميمية فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله عليه)، وبعضهم يجعل المصحف تميمة فيجعله في السيارة بقصد دفع العين، والتمائم شرك أصغر إذا اعتقد أنها سبب. أما إذا اعتقد أنها هي المؤثرة بذاتها فهذا كفر وشرك بالربوبية، فإذا اعتقد أن التميمية نفسها تدفع العين وتدفع المرض بذاتها فهذا شرك في الربوبية يخرج من الملة تجاوز شرك كفار قريش، وشرك كفار قريش في العبادة والألوهية وهذا شرك في الربوبية، لكن الغالب الآن أن الذي يجعل التميمة يعتقد أنها سبب تدفع العين والشافي هو الله، وإذا اعتقد أنها سبب فهذا شرك أصغر؛ لأنها ليست شركاً، ومن اعتقدها سبباً لم يجعلها الله له سبباً. فالحاصل أن الذي يعلق التميمة له حالتان: الحالة الأولى: أن يعتقد أنها بذاتها تشفي وتدفع العين، فهذا شرك في الربوبية يخرج من الملة، وهذا قليل. الحالة الثانية: أن يعتقد أنها سبب والشافي هو الله، وهذا شرك أصغر.

стр. 200

الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وبين الذين يدخلون الجنة بلا حساب السؤال ما الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وترك المعاصي، وبين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لتحقيقهم التوحيد؟ الجواب الفرق بينهم أن المؤمن كامل الإيمان الذي أدى الواجب وترك المحرمات، لكن الذي يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب قد زاد على هذا فحقق التوحيد وخلصه ونقاه وصفاه وترك الأمور المكروهة، وفعل المندوب، وترك الأمور التي هي خلاف الأولى، كما في قصة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال عنهم النبي ﷺ : (هم الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون من يرقيهم. والرقية هي القراءة على المريض، وذلك جائز، وقد يفعله كاملو الإيمان وليس فيه مانع، وليس بمعصية، لكن الذي حقق الإيمان فلا يطلب أحداً يرقيه حتى لا يميل قلبه إليه، وإنما يعتمد على الله، فلا يطلب الكي أو التطبب مع أنه جائز وليس بحرام، فالذي يسترقي لا نقول إنه ناقص الإيمان أو ضعيف الإيمان، بل نقول: إنه ما حقق الإيمان، وقد حققه الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم لا يسترقون ولا يتطيرون كأهل الشرك، فهم تركوا الشرك والطيرة، وتركوا الأمور المكروهة، وتركوا الأمور التي هي خلاف الأولى كالاسترقاء. وإن كان الذين يسترقون ويكتوون ليسوا فساقاً ولا ضعفاء الإيمان، بل هم كاملو الإيمان، لكن ما وصلوا إلى درجة من حقق التوحيد ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.

стр. 201

حكم الدراسة في جامعة مختلطة السؤال أدرس في جامعة مختلطة خارج المملكة بعد أن لم أجد قبولاً هنا، فما حكم الدراسة فيها، علماً بأنني لم أجد قبولاً هنا، وقد أمضيت سنة دراسية فيها؟ الجواب لا يجوز لك أن تدرس في جامعة مختلطة؛ لأن هذا فيه خطر على دينك وعرضك؛ ولأن الدراسة في جامعة مختلطة والرجل والمرأة والذكر والأنثى في فصل واحد وسيلة قريبة إلى الزنا وفعل الفاحشة. كيف تخاطر بدينك وعرضك؟! أأنت تريد أن تطلب العلم الشرعي حينما تدرس في جامعة مختلطة؟ فالذي يريد أن يطلب العلم الشرعي يطلب رضا الله وثوابه، وهذه وسيلة قريبة إلى الزنا، وهو حرام عليك ولا يجوز لك ولو لم تقبل في الدنيا كلها، وعليك أن تجلس في البيت، فليس الرزق محصوراً في هذه الجامعة المختلطة، وإذا كنت تريد العلم فالدراسة فيها ينافي العلم الشرعي، وإذا كنت تريد الدنيا فالدنيا لا تطلب بالمعاصي، وإذا كنت تريد أن تطلب العلم فاطلبه في مدراس غير مختلطة، أو في حلق الدروس، أو في الشبكة، أو في الأشرطة المفيدة، أو في كتب أهل العلم والاتصال بأهل العلم في الهاتف، وهذه طرق متاحة لطلب العلم. أو تبحث عن جامعات أو مدارس أو كليات ليست مختلطة، وإن لم تجد شيئاً فلا يجوز لك أن تدخل هذه الجامعة المختلطة، فإن دخلتها فأنت عاصٍ لله ولرسوله، وهذه وسيلة قريبة إلى الزنا، نعوذ بالله؛ لأن الطالب يجلس بجوار بنت أو زميلة ويخرج معها ويخلو بها في غرفة ويذهب معها في سيارة واحدة، فهذه فواحش وليست علماً، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 202

حكم من يتبخر بالحبة السوداء السؤال ما حكم من يتبخر بالحبة السوداء وبعض الأعشاب ويزعم أنها تطرد الشياطين وتشفي من العين؟ الجواب لا أعلم لهذا أصلاً، وهذا يحتاج إلى دليل، أما كونه يستعملها فإذا كانت الحبة السوداء قد جربها بعض الناس ووجد أنها مفيدة وتشفي من بعض الأمراض فلا بأس، لكن كونه يعتقد أنها تطرد الشياطين، فهذا لابد له من دليل، وإذا لم يكن عنده دليل فإنه يكون مبتدعاً يفعل شيئاً بدون دليل.

стр. 203

حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن في الرقية السؤال ما حكم من يأخذ أجراً على قراءته للقرآن للمريض في الرقية، ويأخذ الأجر على الماء والزيت؟ الجواب لا بأس أن يأخذ الأجرة على الرقية إذا كانت رقية شرعية، فقد أخذ الصحابة رضوان الله عليهم أجرة على الرقية، وذلك في قصة الصحابي الذي رقى رئيس قبيلة من العرب على قطيع من الغنم، وقرأ عليه الفاتحة فقط فشفي الرجل من سم العقرب، فلما تحرج الصحابة من أخذ الأجرة سألوا النبي ﷺ فقال: (خذوها واضربوا لي معكم بسهم) تطييباً لخواطرهم، وهذا الحديث صحيح. ويقول النبي ﷺ : (إن ما أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، رواه البخاري في الصحيح، فلا بأس بذلك لكن عليه ألا يستغل حاجة الناس، بحيث يبيع علبة الصحة بخمسين ريالاً وهو لم يقرأ فيها، أو قرأ فيها شيئاً يسيراً، أو قرأ في ماء كثير ثم عبأ هذه القوارير، فكل هذا استغلال. ولا ينبغي للمسلم أن يكون همه المال، والأصل أنه يرقي المريض، وينفث عليه، ولا بأس أن ينفث في الماء كما جاء في سنن أبي داود أنه ينفث على الماء، لكن الأصل أنه يرقي المريض ويقرأ، وإذا رقاه بآية من كلام الله، أو بأدعية شرعية نبوية، وبأدعية لا محذور فيها فلا بأس، وهذا له أن يأخذ عليه أجرة معقولة، أما ما يفعله بعض الناس من كونه يجعلها حرفة وتجارة، ويبيع الزجاجة بكذا والزيت بكذا، وقد يكون قرأ وقد لا يكون قرأ فيأخذ أجراً زيادة عما تستحق، فهذا من باب استغلال المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 204

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [١١] مذهب الخوارج التكفير بالمعصية، ويحكمون على الفاسق بأنه كافر حلال الدم والمال، وقد خرجوا على المسلمين بعد مقتل عثمان ﵁.

стр. 205

خروج الخوارج عن الوسطية وغلوهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وسار علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل ثم يوم صفين ما هو مشهور، خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعاً، وكان النبي ﷺ قد أخبر بهم، وذكر حكمهم].

стр. 206

الخلاف في الفاسق الملي المؤلف ﵀ يبين الخلاف في الفاسق الملي، وهو: المؤمن العاصي الموحد، الذي وحد الله وأخلص له العبادة، ولم يقع في عمله شرك لكنه اقترف بعض الكبائر، أو قصر في بعض الواجبات، وهذا يسمى الفاسق الملي، وهذا هو الذي جاءت النصوص بإثبات الإسلام له ونفي الإيمان عنه، كقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقوله سبحانه في سورة الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، وقوله سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]. وقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: (أنه لما أعطى رجالاً وترك رجالاً قال سعد: وترك رجلاً هو أعجبهم إلي، قلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟! فقال: أو مسلماً). وهذا الصنف من الناس فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان، إنما هم المنافقون، فيكون الإسلام هو الاستسلام في الظاهر، وذهب إلى هذا الإمام البخاري وجماعة، وقالوا: لأن الإسلام هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام. القول الثاني: قول جمهور العلماء من السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان، وهذا هو الذي يسمى الفاسق الملي، وهذا هو الأرجح والأصوب.

стр. 207

ذكر ما يؤيد أن العاصي مؤمن ضعيف الإيمان وليس كافراً وهذا القول يرجح من عدة مرجحات وهي: المرجح الأول: قوله في سورة الحجرات: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، والحرف (لما) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر، والمعنى أنه: لم يدخل الإيمان الكامل في قلوبكم، وسوف يدخل قريبا. المرجح الثاني: أنه أثبت لهم الطاعة لله ورسوله وهم على حالهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]. المرجح الثالث: أن الله تعالى خاطب هؤلاء بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات:١٤]، ولو لم يكونوا في هذا الحال مثابين لكان خلاف مدلول الخطاب. المرجح الرابع: أنه وصف المؤمنين الذين حققوا إيمانهم بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]. والفاسق الملي أو المؤمن الذي ارتكب بعض الكبائر أو قصر في بعض الواجبات يعطى مطلق الإيمان، أي: أصل الإيمان، وينفى عنه الإيمان المطلق، أي: الإيمان الكامل. وهذا القسم يسميه بعض الناس الفاسق الملي، أي: أنه فاسق ولكنه داخل في ملة الإسلام، والناس تنازعوا في اسمه لا في حكمه، والذين يدخلون في مسمى الإسلام أقسام: القسم الأول: المنافقون. القسم الثاني: الصادقون في إيمانهم. القسم الثالث: الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب. القسم الربع: الفاسق الملي، الذي له طاعات وحسنات، وله معاص وسيئات. القسم الخامس: الكافر ظاهراً وباطناً من اليهود والنصارى والوثنيين. والخلاف في الفاسق الملي، أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين، فبعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، ظهرت الخوارج وخالفوا في الفاسق الملي، وقالوا: إنه كافر، وخالفوا أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن عاصٍ ضعيف الإيمان. والخوارج قالوا: إنه كافر في الدنيا أو مخلد في النار في الآخرة، والمعتزلة قالوا: إنه خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، وهو مخلد في النار كقول الخوارج.

стр. 208

بيان أصل الخوارج وأول من تكلم في هذا وهو أصل الخوارج -كان في عهد النبي ﷺ ، وهو الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وقال: اتق الله واعدل، ولما سأل خالد ﵁ النبي ﷺ قتله قال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم)، أي: من كثرة عبادتهم. فإذاً أول خلاف حصل في مسائل أصول الدين في الفاسق الملي، وقد حصل الخلاف بعد قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، وعندما بويع لأمير المؤمنين علي رضي عنه بايعه أكثر أهل الحل والعقد، وامتنع معاوية وأهل الشام من مبايعته، لا لأنه ليس أهلاً للخلافة بل لأنهم مطالبون بدم عثمان، وعلي ﵁ لم يمانع من أخذ قتلة عثمان، ولكنه ﵁ يطلب من معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، وإذا هدأت الأمور وثبت على جماعة أنهم قتلوا أمير المؤمنين يقتص منهم. ولكن أهل الشام امتنعوا اجتهاداً منهم فحصل الخلاف، وكل من الصحابة مجتهد، كما جاء في الحديث: (من اجتهد فأصاب فله أجران) كـ علي وأهل العراق، (ومن اجتهد وأخطأ فله أجر) كـ معاوية وأهل الشام. فالمؤلف رحمه يبين أن هذا أول خلاف وقع في الإسلام في أصول الدين، وهو خلاف الخوارج، وكان بعد قتل أمير المؤمنين عثمان، وأصله اعتراض ذي الخويصرة التميمي الذي اعترض على النبي ﷺ ، وقال: يا محمد! اتق الله واعدل، وفي اللفظ الآخر أنه قال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. وبعد وقعة النهروان خرجت الخوارج، ومرقت مارقة على حين فرقة من المسلمين فقتلهم علي ﵁ وجيشه، قال فيهم النبي ﷺ : (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: أقرب الطائفتين إلى الحق. فالمؤلف يبين هذا، ويبين أن الخوارج صحت فيهم الأحاديث عن النبي ﷺ ، قال الإمام أحمد: صح حديث الخوارج من عشرة أوجه، بخلاف الأحاديث في القدرية وذمهم فإن رفعها ضعيف، والصحيح أنها موقوفة على الصحابة بخلاف الأحاديث في الخوارج فإنها أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لـ أحمد، وروى البخاري منها عدة أوجه، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر]. الأحاديث صحت في الخوارج من عشرة أوجه، وخروج الخوارج كان في الوقت الذي حصل فيه الخلاف بين أهل الشام وأهل العراق يوم الجمل، ثم يوم صفين خرجت الخوارج على الطائفتين جميعاً: على طائفة علي وأهل العراق، وطائفة معاوية وأهل الشام.

стр. 209

صفات الخوارج قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب ﵁، وأبي سعيد الخدري ﵁ ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله حديثاً فوالله لئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة]. هذا فيه بيان عناية الصحابة رضوان الله عليهم بحديث النبي ﷺ ، فـ علي ﵁ يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ ، فأنا لا أحدث إلا عن يقين، فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، أما إذا حدثت فيما بيني وبينكم بعيداً عن حديث الرسول ﷺ فإن الحرب خَدْعَة، يقال: خَدْعة، ويقال: خَدَعة، ويقال: خِدعْة، ويقال: خُدعة، بالضم لكن فيه ضعف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [واني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)]. هذا الحديث رواه البخاري ﵀، ومسلم، والنسائي، وأحمد، والبغوي، وابن حبان، وابن أبي عاصم، ومعنى: (أحداث الأسنان) أي: صغار الأسنان، وشباب صغار، وسفهاء الأحلام أي: ضعفاء العقول. أسنانهم صغار وأحلامهم ضعاف تأولوا الأحاديث على غير تأويلها، وما فهموها، وأخذوا الأحاديث التي فيها الوعيد، والأحاديث التي جاءت في الكفار فجعلوها في المسلمين فحكموا على المسلمين بأحكام الكفار. فإذا زنا المسلم كفروه، وإذا سرق كفروه، وإذا عق والديه كفروه، وإذا قطع رحمه كفروه، وإذا اغتاب كفروه، كل من فعل كبيرة فهو كافر عندهم ويخلدونه في النار؛ لضعف عقولهم وصغر أسنانهم، كما جاء في الحديث: (يقولن من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم)، وفي لفظ: (أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم). وفي اللفظ الآخر: (يمرقون من الدين، ثم لا يعودون إليه)، وفي اللفظ الآخر: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، شبههم بعاد وهم قوم كفار، وفي لفظ: (لأقتلنهم قتل ثمود). واحتج بهذا بعض العلماء على كفر الخوارج، وهو رواية عن الإمام أحمد أن الخوارج كفار؛ لأن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الدين)، وأمر بقتلهم، وقال: (في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله)، وقال: (يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون إليه). قال: هذا دليل كفرهم، وشبههم بعاد وبثمود وهم قوم كفار، فقال: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد). ولهذا ذهب بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ إلى أنهم كفار، ويختار هذا القول سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أن الخوارج كفار. والقول الثاني: قول جمهور العلماء: أنهم ليسوا كفاراً ولكنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون، والصحابة ﵃ عاملوهم معاملة الفساق والمبتدعة، ولم يعاملوهم معاملة الكفار؛ لأنهم متأولون، وهناك فرق بين المتأول وبين الجاهل، فهم تأولوا وغلطوا، وقد استدلوا بقول علي ﵁ لما سئل عن الخوارج: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، وعلى قول الجمهور يكونون مبتدعة وليسوا كفاراً.

стр. 210

بداية خروجهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ قال: (بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى النبي ﷺ من اليمن بذهيبة في أدم مقروض لم تحصل من ترابها)]. الأدم: الجلد، ومقروض، أي: مدبوغ بالقرض، والقرض: شجر يدبغ بورقه وثمره. فـ علي ﵁ لما كان أميراً على اليمن بعث إلى النبي ﷺ بذهيبة في جلد مدبوغ بالقرض. وقوله: لم تحصل من ترابها أي: أنها لم تخلص من تراب معدنها؛ لأن الذهب إذا استخرج من الأرض يكون قطعة من الذهب، ثم بعد ذلك يجعل جنيهات، ويجعل حلياً، وغير ذلك، فهذه قطعة من الذهب أخذت من التراب على حالها ولم تصغ، فقسمها النبي ﷺ بين أربعة أشخاص من رؤساء القبائل في نجد وغيرها؛ لأنهم أسلموا حديثاً حتى يقوى إسلامهم. فلما رأى رجل ذلك، قال: اعدل يا محمد! فطلب خالد ﵁ قتله، فالنبي ﷺ منعه من قتله، وقال: (إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم -وهم الخوارج- تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم) وهذا هو أصل الخوارج. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)]. هذا الرجل وصفه: أنه غائر العينين من الغور، أي: عيناه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بمقر الحدقة، وهو ضد الجحوض، ومشرف الوجنتين أي: بارز العظمين المشرفين على الخدين، وناشز الجبهة أي: مرتفعة جبهته، كث اللحية، محلوق الرأس، وهذه سيما الخوارج، كما في الحديث: (سيماهم التحليق) فعلامة الخوارج حلق الرأس، يشددون ويتعبدون بحلق الرأس حتى يكون أبيض من شدة الحلق بالموسى. فقال هذا الرجل: اتق الله، يا رسول الله! كيف تعطي الذهب بين أربعة ولا تعطينا؟ وفي اللفظ الآخر قال: اعدل. فالنبي ﷺ قال: (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)، وفي اللفظ الآخر أنه قال: (ويلك فمن لم يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله). فهذا الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ هو أصل الخوارج.

стр. 211

جريان الأحكام على الظاهر قال المصنف رحمه الله تعالى (قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلي، قال خالد ﵁: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)]. فيه أن الأحكام تجرى على الظاهر فمن كان يصلي فلا يقتل، ولهذا لما استأذن خالد ﵁ أن يضرب عنقه، قال: (لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، أي: فالأحكام على الظاهر، أما الخفي وما داخل النفس فالله أعلم به وهو يحاسبه، ولهذا فإن المنافقين تجرى عليهم أحكام الإسلام وهم منافقون في الباطن، إلا من أظهر نفاقه وكفره قتل من قبل ولاة الأمور، ومن لم يظهر نفاقه تجر عليه أحكام الإسلام: من الإرث، والتغسيل، والنكاح، وجميع الأحكام. وجاء في اللفظ الآخر: أن النبي ﷺ بين أنه منعهم من ذلك لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. قال المؤلف: (قال: ثم نظر إليه وهو مقف). قوله: (مقف)، أي: قد ولاه قفاه، وهذا الرجل اعترض على النبي ﷺ وقفى، فلما ذهب وأعطاهم قفاه، قال النبي ﷺ : (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم). قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، اللفظ لـ مسلم. قوله: (من ضئضئ هذا) من نسله وعقبه، قال: (لأقتلنهم قتل عاد) ذكر في الحاشية أن لفظ: (عاد) من رواية مسلم، وعند مسلم: (لأقتلنهم قتل ثمود)]. واحتج بهذا الإمام أحمد في رواية على كفر الخوارج؛ لأنه شبههم بثمود وعاد وهم قوم كفار، وقال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) في اللفظ الآخر: (ثم لا يعودون إليه)، قالوا: وهذا دليل على كفرهم. والقول الثاني لأهل العلم وهم الجمهور: أنهم مبتدعة وعصاة وليسوا كفاراً؛ لأنهم متأولون، وهو الذي عليه عمل الصحابة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق)]. الفُرقة بالضم: الخلاف، أما الفرقة بالكسر: الجماعة، وقوله: (يخرجون في فرقة من الناس) يعني: الخلاف الذي حصل بين علي وأهل العراق، ومعاوية وأهل الشام، وقد خرجوا في وقت الخلاف، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وأنه رسول الله حقاً، حيث أخبر أنهم يخرجون في وقت الفرقة والخلاف فخرجوا بعدما حصل قتال بين علي وأهل الشام. وقوله: (سيماهم التحليق) أي: علامتهم حلق الرأس، فيشددون في حلق الرأس ولا يتركونه يطول، ويحلقونه حلقاً كاملاً ويشددون في هذا، فهذه علامتهم وسيماهم.

стр. 212

الخلاف بين علي ومعاوية ﵄

стр. 213

بيان أقرب الطائفتين إلى الحق قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد: (أن النبي ﷺ : ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر الخلق أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)]. قوله: أدنى أي: أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم جيش علي ﵁، فدل على أن علياً ﵁ أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام. وفي اللفظ الآخر: (عمار تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله جيش معاوية وأهل الشام، فدل على أن معاوية وأهل الشام بغاة، لكن لا يعرفون أنهم بغاة، وهم مجتهدون لهم أجر الاجتهاد وفاتهم أجر الصواب، وعلي ﵁ وأصحابه مجتهدون مصيبون لهم أجر اجتهاد وأجر الصواب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو سعيد ﵁: أنتم قتلتموهم يا أهل العراق، وفى لفظ له: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق)، وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للحسن بن علي ﵄: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)]. وقوله: (ابني هذا سيد) وهو ابن ابنته فاطمة فدل على أن ابن الابن وابن البنت يسمى ابناً، قوله: سيد، وفي اللفظ الآخر: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وقوله: (وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)، فيه دليل على أن معاوية وأهل الشام وعلياً وأهل العراق كلهم مؤمنون؛ لأنه وصفهم بالإيمان، وفيه الرد على من كفرهم من الخوارج وغيرهم. ولما قتل علي ﵁ وبايع الناس ابنه الحسن بالخلافة، فبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية ﵁ بشرط حقن دماء المسلمين، فأصلح الله به بين فئتين عظيمتين، ووضعت الحرب أوزارها، وبويع لـ معاوية بالخلافة في عام أربعين من الهجرة، وسمي ذلك العام عام الجماعة، واجتمع الناس كلهم على معاوية ﵁. فيكون معاوية أول ملوك المسلمين وبه انتهت الخلافة، قال النبي ﷺ : (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وآخر الثلاثين السنة الستة أشهر التي تنازل فيها الحسن بن علي ﵁ لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁. والمصنف ﵀ ذكر في موضع آخر أن الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ كان قتله جائزاً، ولكن النبي ﷺ بين أن قتله لم يحل؛ لأن سفك الدماء بغير الحق من أكبر الكبائر، إلى إن قال: ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل، وإنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ذكر هذا ﵀ في الصارم المسلول. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن ﵁ كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأموراً به، فـ على بن أبي طالب ﵁ وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية ﵁ وأصحابه، وأن قتل الخوارج مما أمر به النبي ﷺ ]. الأقرب: بدل كلمة (قتل): قتال؛ لأن إمام المسلمين قد قاتلهم، وأن قتال الخوارج أحسن، وليس للإنسان أن يأخذ واحداً من الخوارج ويقتله، فتصير المسألة فوضى، لكن هذا إمامه يكشف شبهته إذا كان له شبهه، فإن أبوا قاتلهم الإمام.

стр. 214

أصل الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة]. قوله: (على قتالهم) هذا يبين المراد، وهذه أربع فوائد استنبطها المؤلف ﵀ من هذا الحديث: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين). الفائدة الأولى: أن كلاً من الطائفتين مؤمنة وليسوا كفاراً، فـ علي وأهل العراق ومعاوية وأهل الشام كلهم مؤمنون، وفيه الرد على من كفرهم. الفائدة الثانية: أن اصطلاح الطائفتين أحب إلى الله من القتال، وقد اصطلحوا على يد الحسن. الفائدة الثالثة: أن قتال الطائفتين مع كونه غير مأمور به، لكن علياً وأهل العراق أقرب إلى الحق من معاوية وأهل الشام؛ لأن علياً ﵁ هو الخليفة الذي بايعه أكثر أهل الحل والعقد فثبتت له الخلافة، فيجب على معاوية وأهل الشام أن يبايعوه، لكن اجتهد معاوية وأهل الشام، وهم لا يمانعون في أنه يستحق البيعة، لكن قالوا: أولاً نطالب بدم عثمان ونحن أولياؤه، ومعاوية يرى أنه من أوليائه، وعلي ﵁ لا يمانع، لكن يقول: لا نستطيع أن نأخذ قتلة عثمان في هذا الوقت، فهو وقت التباس واشتباه ووقت فتنة، ولا يعرف أحداً بعينه من الذين قتلوه فقد اندسوا ودخلوا في قبائلهم. فإذا هدأت الأمور استطعنا أن نأخذهم بعد ثبوتهم، لكن معاوية وأهل الشام قالوا: نريد أن نأخذهم الآن، فحصل الخلاف، ورأى علي ﵁ أنه يجب عليه أن يقاتلهم ويجب أن يخضعوا؛ لأنه يجب عليهم أن يبايعوه وألا يشقوا عصا المسلمين، ومعاوية وأهل الشام مجتهدون قالوا: نحن نطالب بدم عثمان ولا نريد الخلافة، فحصل الخلاف، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر. وأكثر أهل العلم وأكثر الصحابة انضموا إلى علي ﵁ ورأوا أن الحق معه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩]. قالوا: طائفة معاوية وأهل الشام بغت فيجب قتالهم بنص الآية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وبعض الصحابة مثل معاوية وأهل الشام أشكل عليهم الأمر وما فهموا هذا المثال، بل فهموا أنهم يطالبون بدم عثمان. وبعض الصحابة اشتبه عليهم الأمر، فتوقفوا واعتزلوا الفريقين، منهم سلمة بن الأكوع الذي ذهب إلى البادية وتزوج، وقال: إن النبي ﷺ أذن له في البدو، ومنهم: أسامة بن زيد وابن عمر وجماعة اشتبه عليهم الأمر فاعتزلوا الفريقين. وأكثر الصحابة اتضح لهم الأمر وعلموا أن علياً ﵁ مصيب، وأنه يجب أن ينصر، وهو الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فمن لم يبايع يجب قتاله، وهذا هو الصواب أن علي هو الذي معه الحق وهو الخليفة بنص حديث معاوية (عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية)، وقد قتله أهل الشام. وحديث الخوارج: (تقتلهم أدنى الطائفتين)، أي: تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، فقتلهم علي ﵁، فدل على أنهم أقرب إلى الحق. ولكن معاوية وأهل الشام مجتهدون، فلا يجوز للإنسان أن يطعن في الصحابة ولا يتكلم فيهم، والصحابة رضوان الله عليهم كلهم مجتهدون، من أصاب فله أجران أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد وفاته أجر الصواب، ولهم من الحسنات من جهادهم مع رسول الله ﷺ وسبقهم إلى الإيمان ونشرهم للإسلام ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، ونقول كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].

стр. 215

موقف أهل السنة من الخلاف بين الصحابة وكما قال بعض السلف: هذه الحروب والقتال الذي حصلت نزه الله منها أيدينا فنسأل الله أن ينزه ألسنتنا منها، لكن أهل البدع تجدهم يطعنون في الصحابة، يطعنون في علي، ويطعنون في معاوية، وهذا خطأ، وهو خلاف معتقد أهل السنة والجماعة. فالواجب الترضي على الجميع، وأن نعتقد أنهم مجتهدون ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وما ينقل عن الصحابة كما قال شيخ الإسلام ﵀ في الواسطية: منه ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنه ما له أصل ولكن زيد فيه ونقص، ومنه ما هو صحيح، والصحيح هم فيه بين مصيب مجتهد له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، ولهم من الحسنات ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، هذا هو الواجب على المسلمين، أما الكلام في الصحابة والطعن فيهم، وذكر مساوئهم، فهذا من طريقة أهل البدع. أما أهل السنة والجماعة فإنهم يترضون عن الجميع، ويترحمون على الجميع، ويعتقدون أن قتالهم ليس للهوى ولا للعصبية وإنما هو عن اجتهاد، ويعتقدون أن لهم من الحسنات من السبق إلى الإيمان والجهاد مع النبي ﷺ ونشر الإسلام والدعوة إلى الله، ما يغطي ما صدر عنهم ما الهفوات. ونقول في الجميع كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. فإياك أن تلوث لسانك في الطعن في الصحابة فإن هذا شعار أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، والروافض هم الذين يطعنون في الصحابة ويسبونهم، نسأل الله السلامة والعافية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم: الحرورية؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له: حروراء، ويقال لهم: أهل النهروان؛ لأن علياً ﵁ قاتلهم هناك]. الخوارج لهم أسماء فيسمون: الحرورية؛ لأنهم خرجوا في مكان في العراق يسمى حروراء، فنسبوا إليه فيقال لهم: الحرورية، ومن ذلك أن عائشة ﵂ سألتها امرأة، فقالت: يا أم المؤمنين، ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ففهمت عائشة أنها معترضة، وأن السؤال سؤال اعتراض، فقالت: أحرورية أنت؟ أي: هل أنت من الخوارج من بلدة حروراء فتعترضين؟ لأن الخوارج يعتقدون أن الحائض تقضي الصلاة مثل الصوم، فهذه المرأة ليست من الخوارج، لكنها لم تحسن السؤال، فكأنها تقول: ما الحكمة في كون الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لكن قالت: ما بالها؟ ففهمت منها أنها معترضة وأنها من الخوارج فقالت: أحرورية أنت؟ أأنت من الخوارج؟ قالت: لا، لست بحرورية ولكن لأفهم، فقالت عائشة ﵂: (هكذا كان يصيبنا على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). فهذه الفرقة تسمى الحرورية نسبة إلى حروراء، ويسمون أهل النهروان؛ لأن علياً قاتلهم بمكان يقال له: النهروان، ويسمون الخوارج؛ لأنهم خرجوا على الطائفتين، على علي ﵁ وعلى معاوية، وكفروا الجميع، وقالوا: علي كافر، ومعاوية كافر وعثمان كافر، قالوا: لأنهم تقاتلوا؛ ولأنهم حكموا الرجال في كتاب الله فكفروا، فهذا هو مذهبهم يكفرون المسلمين بالمعاصي. ومذهبهم باطل خبيث فهم يخلدون المؤمنين في النار، ويكفرونهم بالمعاصي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن أباض، والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، والنجدات أتباع نجدة الحروري]. الخوارج أصناف كثيرة ذكر الذين كتبوا في الفرق أنهم يبلغون ما يقرب من أربع وعشرين فرقة، منهم الإباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، ومنهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، ومنهم النجدات، ومنهم الصفرية، فلهم فرق كثيرة متعددة، ولو راجعت كتب الفرق مثل الفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والمحل للشهرستاني وغيرها، ففي الفصل والملل لـ ابن حزم يذكر أن الخوارج أربع وعشرون فرقه أو اثنتان وعشرون فرقة، والشيعة أربع وعشرون فرقة.
следующие страницы →