Полный текст (238 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إثبات صفة المحبة لله من الكتاب والسنة
المحبة ثابتة بالكتاب والسنة، ومن أدلة إثباتها في الكتاب: قول الله : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]، ومن أدلة إثباتها في السنة حديث: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) رواه البخاري في صحيحه في مواضع، وفي كتاب بدء الخلق، وفي كتاب الأدب، وفي كتاب التوحيد، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة.
فنثبت المحبة لله -لأنها ثابتة في الكتاب والسنة- خلافاً لأهل البدع -على ما يليق بجلاله وعظمته، فهو لا يماثل المخلوقين في محبتهم، وأما أهل البدع من الأشاعرة فإنهم أولوها بالإرادة، قالوا: أحب، يعني: أراد، وهي من الصفات السبع التي يثبتونها وهي: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع، والعلم، والقدرة، والإرادة، وما عدا هذه الصفات السبع فإنهم يسلكون فيها أحد مسلكين: إما أن يردوها إلى الصفات السبع، وإما أن يتأولوها بأثر الصفة في بعض المخلوقات، من النعم والعقوبات.
فمثلاً: الرضا، يؤولونه بالثواب، والثواب أثر عن الرضا، والغضب، يؤولونه بالانتقام، والانتقام أثر عن الغضب.
والثواب مخلوق، والانتقام مخلوق، فهم أولوها ببعض المخلوقات، أو بردها إلى الصفات السبع، وهنا يقولون: المحبة، معناها: أراد أن يحب، فتأولوها بالإرادة.
стр. 107
إثبات صفتي المشيئة والإرادة لله من الكتاب والسنة
المشيئة ثابتة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، ومن أدلتها من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
وكذلك الإرادة ثابتة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، والإرادة نوعان بخلاف المشيئة: النوع الأول: إرادة كونية خلقية ترادف المشيئة، أي: أن المشيئة والإرادة الكونية واحدة وهي تتعلق بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئاً وشاءه كان هذا الشيء عقب إرادته هذه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهذه الأوامر الكونية الخلقية ترادف المشيئة.
النوع الثاني: إرادة دينية شرعية تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهذه هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وفي قوله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، هذه إرادة دينية شرعية، وقد جمع الله بين الإرادتين في قوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، والإرادتان تجتمعان في حق المؤمن المطيع وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي والكافر، ففي حق العاصي تكون الإرادة الكونية، وفي حق المؤمن تجتمع الإرادتان، وفي الإرادة الكونية لا يتخلف ما قضاه الله وأراده، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية، فقد تحصل وقد لا تحصل، فالله تعالى أراد الإيمان من أبي بكر كوناً وقدراً، وأراده من أبي بكر ديناً وشرعاً فوقع، وأراد الإيمان من أبي لهب ديناً وشرعاً، ولم يرده كوناً قدراً، فوقعت الإرادة الكونية، ولم تقع الإرادة الدينية، فالله تعالى أراد من العباد أن يعبدوه، ويوحدوه، ويخلصوا له العبادة، وأراد منهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، لكن أراده ديناً وشرعاً، أما كوناً وقدراً فله الحكمة البالغة فمن الناس من أراد منهم أن يعبدوه لحكمة بالغة، ومنهم من أراد ألا يعبدوه، فوقعت الإرادة الكونية والإرادة الدينية في حق المؤمن والمطيع، وتخلفت الإرادة الدينية في حق العاصي والكافر، ولهذا فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] إرادة دينية شرعية، ولو كانت إرادة كونية لأسلم كل أهل البيت لكن نجد أن: أبا لهب لم يسلم، إذاً: قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، هو إرادة كونية شرعية، وبهذا يتبين الفرق بين الإرادتين.
وأهل السنة والجماعة قسموا الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية، عملاً بالنصوص، فسلموا من التناقض، وأما أهل البدع فإنهم لم يعملوا إلا ببعض النصوص، فالجبرية من الأشاعرة والجهمية ما أثبتوا إلا الإرادة الكونية، وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية فضلوا، والمعتزلة أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية، وأنكروا الإرادة الكونية فضلوا.
والجبرية كالأشاعرة والجهمية استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الكونية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية.
والمعتزلة استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية.
وأهل السنة أخذوا النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وصفعوا بها وجوه المعتزلة، وأبطلوا مذهبهم.
وأخذوا نصوص الإرادة الدينية الشرعية وصفعوا بها وجوه الجبرية من الأشاعرة والجهمية، فأبطلوا معتقدهم، واستدلوا بأدلة هؤلاء وهؤلاء وأثبتوا الإرادتين، فسلموا من التناقض، فهداهم الله للحق وللصراط المستقيم الذي هو هدى بين ضلالتين.
стр. 108
إثبات صفة الضحك لله من السنة النبوية
يقول المؤلف: ومن الصفات التي نثبتها ودلت عليها النصوص: الضحك.
الضحك من الصفات التي ثبتت في السنة المطهرة، ولم تأت في الكتاب العزيز، ومن أدلتها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم في كتاب الإمارة، ومعنى هذا: أن رجلين يقتتلان في الجهاد مسلم وكافر، فيقتل الكافر المسلم فيكون شهيداً، ثم يمن الله على الكافر بالإسلام بعد ذلك فيسلم ويموت على الإسلام فيدخل الجنة؛ فكلاهما يدخل الجنة.
ومن أدلتها أيضاً: حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً منها، وهو آخر أهل الجنة دخولاً فيها، والحديث طويل رواه البخاري في الصحيح في كتاب التوحيد، وفيه: أن هذا الرجل إذا خرج من النار يكون وجهه مصروفاً إلى النار، يقول: (يا رب اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها) فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها، فيفعل فيعطيه الله ذلك، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم بعد ذلك ترفع له شجرة فيها كذا وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة، فيقول الله: (ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! وربه يعذره؛ لأنه يرى شيئاً لا صبر له عليه، فيدنيه من الشجرة، فيسكت ما شاء الله، ثم ترفع له شجرة) وهكذا حتى يصل إلى باب الجنة، فيقول في النهاية: (يا رب! قربني من باب الجنة، يقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: لا أكون أشقى خلقك)، فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعم وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: (يا رب! أدخلني الجنة، فيضحك الله ، فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة) فهذا الحديث فيه إثبات الضحك لله .
стр. 109
إثبات صفة الفرح لله من السنة النبوية
الفرح من الصفات التي جاءت في السنة المطهرة في حديث أنس بن مالك المتفق على صحته، يقول النبي ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة) رواه البخاري في الصحيح في كتاب الدعوات، ورواه الإمام مسلم في كتاب التوبة.
وفي بعضها وصف لهذا الرجل: أنه كان في أرض فلاة مهلكة، وفقد بعيره، وبحث عنه فلم يجده، وعليه طعامه وشرابه، وهو في صحراء ما يهتدي لنفسه، فأيس من بعيره فلما أيس نام تحت الشجرة ليموت، فلما استيقظ وجد الراحلة قائمة عند رأسه وعليها طعامه وشرابه، فأخذ بخطامها من شدة الفرح وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، وهذه كلمة كفرية، لكنه إذا تكلم بكلمة الكفر ذاهلاً غير متعمد فلا يأثم، لكن لو قالها عمداً لصار كفراً، وهذا يدل على أن حاكي الكفر لا يكفر، ومن تكلم بكلمة الكفر عن غير عمد لا يكفر، فهذا (قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح، وذهل، فقال في الحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا الرجل بفرحه براحلته) والحديث فيه إثبات صفة الفرح لله كما يليق بجلالته وعظمته، ولا يشبه فرح المخلوق.
стр. 110
إثبات صفتي العجب والبغض لله من السنة النبوية
العجب صفة ثابتة بالسنة المطهرة، كما في حديث أبي هريرة: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل) رواه البخاري في كتاب الجهاد، ورواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود.
وثبت أيضاً في صحيح البخاري في قصة الأنصاري الفقير الذي استضاف ضيف النبي ﷺ ، فقد أتى النبي الضيف، فبعث يسأل أزواجه عليه الصلاة وسلم عن طعام له في بيوته فما وجد فيها شيئاً، (فقال النبي ﷺ : من يضيف هذا وله الجنة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أضيفه يا رسول الله! فذهب به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله، قالت: والله ما عندنا إلا طعام الصبيان، فقال: نوميهم.
فنومتهم، ثم أطفأت السراج، وأوهموه أنهم يأكلون معه، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، وأصبح الرجل وامرأته طاويين، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : لقد عجب الله -أو ضحك الله- من صنيعكما بضيفكما البارحة).
وأيضاً جاء في القرآن في بعض القراءات في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، بضم التاء من عجبت، وهي دليلٌ على صفة العجب لله .
وكذلك أيضاً جاءت صفة البغض وهي تقابل المحبة وهي ثابتة في الحديث قال: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل: إني أحب فلان فأحبه) وفيه: (وإذا أبغض عبداً دعا جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
стр. 111
إثبات صفة السخط لله من الكتاب والسنة
وكذلك من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز (السخط) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] وقال سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠]، وجاء أيضاً في السنة المطهرة في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ ، يقول الله لأهل الجنة: (هل تريدون أن أزيدكم، قالوا: يا ربنا! ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تنجنا من النار؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً)، رواه الإمام البخاري، ومسلم في صحيحه في باب السخط، وهذه الصفة ثابتة في القرآن والسنة.
стр. 112
إثبات صفة الكره لله من الكتاب والسنة
الكره كذلك صفة ثابتة في القرآن العظيم، قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، ومن السنة المطهرة ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).
стр. 113
إثبات صفة الرضا لله من الكتاب والسنة
الرضا أيضاً من الصفات الثابتة في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، ومن السنة المطهرة ما رواه البخاري في قصة الأقرع والأبرص والأعمى، وهي قصة طويلة والشاهد فيها، قول الملك للأعمى: (لقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك)، وفيه إثبات الرضا والسخط لله .
كذلك ثبت في صحيح مسلم في الدعاء المشهور: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، فاستعاذ بصفة الرضا من صفة السخط، وهذه كلها ثابتة لله .
وقوله: (وسائر ما صح عن الله ورسوله من الصفات نثبتها لله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين) نبت أي: تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين؛ لأنها لا توافقهم، ولا توافق أهواءهم، فبعض الجاهلين من المبتدعة وغيرهم تنبوا أسماعهم عن بعض الصفات؛ فلا يثبتونها كالجهمية والمعتزلة وغيرهم.
(وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين)، فالمؤلف يقول: نحن نثبتها ما دام أن الله أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، وإن تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين، وإن استوحشت منها نفوس المعطلين فلا يضرنا هذا.
стр. 114
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٦]
جاء في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ إثبات صفة النفس لله ، وجمهور علماء أهل السنة والجماعة يثبتون أن المراد بنفس الله ذاته المتضمنة بالصفات لا المجردة عن الصفات كما قاله بعضهم، وليست صفة من الصفات كما قال البعض الآخر.
стр. 115
إثبات صفة النفس لله من الكتاب والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النفس.
قال الله إخباراً عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال : ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، وقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: (يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب -فكتبه على نفسه- فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)].
قوله: (وصح بها النقل من الصفات: النفس)، ذكر المؤلف أن من صفات الله: النفس فأثبت لله نفساً، وجعلها من الصفات، وهذا قول لبعض العلماء، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين ليس بصحيح، والصواب الذي عليه جمهور العلماء: أن المراد بالنفس ذاته المتصفة بالصفات، وليس المراد بها ذاتاً مجردة عن الصفات، أو أنها صفة لله تعالى، بل المراد بنفس الله ذاته المتصفة بالصفات لا المجردة عن الصفات كما قاله بعضهم.
هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من المحققين.
وأما القول بأن النفس من الصفات، كما ذهب إليه الدارمي رحمه الله تعالى فغير صحيح، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى في الجزء التاسع من صفحة (٢٩٢) ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيداً نفسه وعينه، وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
وفي الحديث الصحيح أنه ﵊ قال لأم المؤمنين: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، لو وزن بما قلتيه لوزنته: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته).
وفي الحديث الإلهي عن النبي ﷺ ، يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).
فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء هو: (الله) أي: ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها: ذاتاً منفكة عن الصفات، ولا هي صفة للذات، كما ذهب إلى ذلك المؤلف.
وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ.
والصواب: أن النفس هي الله وهي نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، هذا هو الصواب الذي عليه المحققون خلافاً لما ذهب إليه المؤلف هنا فالصفات من العلم، والرحمة، والقدرة، والحب، والبغض إلخ، كلها صفات للنفس التي هي ذات الله.
وحديث أبي هريرة السابق رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد في المسند، وهو حديث قدسي: أي أن معناه من الله ولفظه من الرسول ﷺ ، قال: (يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلى ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) وفيه إثبات أن لله نفساً، والشاهد قوله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
стр. 116
صفة المعية لله تعالى
قوله: (وأنا معه حين يذكرني) ففيه إثبات المعية لله، وهي صفة أخرى له سبحانه، وهي هنا معية خاصة؛ لأن المعية نوعان: معية عامة، ومعية خاصة، أما المعية العامة فهي: معية الله لجميع الخلق، فالله تعالى مع خلقه بإحاطته واطلاعه، ونفوذ قدرته ومشيئته، ورؤيته لهم من فوق عرشه، وسماعه لكلامهم، والمعية العامة مقتضاها الاطلاع والإحاطة، وتأتي في صيغ المحاسبة، والمجازاة، والتخويف، كقوله سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة:٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] وهذه المعية تكون للمؤمن والكافر.
أما المعية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين كمعيته سبحانه للصابرين، كما قوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، وتكون للمتقين، كقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وتكون مع الذاكرين، كما في هذا الحديث (وأنا معه حين يذكرني)، فهي خاصة بالمؤمن، ومقتضاها: النصر والتأييد والحب، وتأتي في سياق المدح والثناء، قال : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، لما كان النبي ﷺ هو وأبو بكر في الغار يوم الهجرة، فقال له أبو بكر: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال له النبي ﷺ : لا تحزن إن الله معنا، يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، وهذه معية خاصة.
كذلك في قوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥].
فهو سبحانه مع الناس كلهم بعلمه وإحاطته واطلاعه من فوق عرشه، وهو مع المتقين ومع الصابرين بعونه، ونصره، وتأييده، وتوفيقه، وتسديده سبحانه.
ولا منافاة بين المعية وبين الفوقية؛ لأن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج؛ إذ المعية في لغة العرب هي: مطلق المصاحبة، أما أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم فقد ضاقت صدورهم وضاقوا ذرعاً بالجمع بين النصوص، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص الفوقية والعلو والمعية، والتي تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وقالوا: إن المعية توجب الاختلاط والامتزاج، وأن الله مع الخلق مختلط بهم، فنفوا صفات الفوقية، والمعية، والعلو، وهذا لجهلهم، وضلالهم، وانحرافهم، وزيغهم، واتباعهم الهوى، فالحديث فيه صفة المعية الخاصة للذاكرين: (وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)، وهم الملائكة.
стр. 117
صفة القرب لله تعالى
وقوله في آخر الحديث: (وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً، اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، وفي لفظ: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً)، وهذا فيه إثبات القرب لله، فالحديث فيه إثبات المعية والقرب والقرب، جاء خاصاً ولم يأت عاماً عند بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
والقرب نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة، فالأول مثل قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] أي: قريب لإجابة دعاء الداعين، ولم يقل: إني قريب من كل أحد، ومثله ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال النبي ﷺ : أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فهو قريب من الداعي، وليس فيه أنه قريب من كل أحد، ومثله قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١] أي: من المستغفرين التائبين وهذا هو النوع الثاني: وهو القرب من العابدين بالإثابة، وهو كقوله سبحانه عن شعيب أنه قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]، فهو رحيم ودود بالمستغفرين التائبين، كما أنه قريب من العابدين، مجيب للسائلين، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فهذا قرب الملائكة من العبد، فالملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، بدليل أنه قيده بوقت تلقي الملكين، فقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٧] أي: نحن أقرب إليه وقت تلقي المتلقيان ولو كان المراد قرب الله لم يقيد بوقت تلقي الملكين، ومثله قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] قال العلماء: المعنى: أن الملائكة أقرب إلى قلب العبد من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة.
وذهب بعض العلماء إلى أن القرب يكون عاماً وخاصاً، كالمعية تكون عامة وخاصة، وأن القرب الخاص مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، وحديث أبي موسى، ومن القرب الخاص قرب العبد من الله بالإثابة في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، فالساجد قريب من الله؛ لأنه عابد لله.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن القرب يكون عاماً وخاصاً، ومثلوا للقرب العام بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وقالوا: هذا قرب الله، والمعنى نحن أقرب إليه بالعلم من حبل الوريد، وقال بعضهم: نحن أقرب إليه بالعلم والرؤية، وقال بعضهم: بالعلم والرؤية والقدرة، وكذلك قالوا في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، لكن المحققين كـ شيخ الإسلام وابن القيم قالوا: إن القرب لا يأتي إلا خاصاً ولا يأتي عاماً، وإن المراد بالقرب في الآيتين قرب الملائكة.
فهذا الحديث القدسي فيه إثبات أن لله نفساً وكذلك المعية والقرب، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تقرب العباد من الله تقر به جميع الطوائف، وجميع من يثبت العلو لله تعالى، أما من أنكر علو الله فهو ينكر هذا القرب.
يقول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، قال شيخ الإسلام: وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول: إنه فوق العرش، وأما من ينكر ذلك فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه، فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
والدليل الثاني من السنة الذي استدل به المؤلف ﵀ على إثبات أن لله نفساً هو حديث أبي هريرة، قال: (وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵊: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب -فكتبه على نفسه- فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، ووجه الدلالة قوله: (فكتبه على نفسه)، فأثبت لله نفساً كما أن الحديث فيه صفة الرحمة، والغضب، والحديث سبق في مبحث العلو، قال ورواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش)، وهنا ذكر نفس الحديث قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب -فكتبه على نفسه- فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، واستدل به هناك على العلو، وليس فيه: (فكتبه على نفسه) واستدل به هنا على إثبات النفس وكلمة: (فكتبه على نفسه)، ليست في الكتب الستة، وعلى هذا فيكون الحديث ليس فيه دليل على إثبات أن لله نفساً، ويكتفى بالأدلة الأخرى من الكتاب والسنة.
стр. 118
إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة من الكتاب والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق: أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا جلوساً ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])، وفي رواية: (سترون ربكم عياناً)].
انتقل المؤلف ﵀: إلى إثبات صفة الرؤية لله ، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع ومثلها صفة العلو والكلام.
стр. 119
موقف أهل البدع من صفة الرؤية
الرؤية والكلام والعلو هذه الثلاث ينكرها الجهمية، والمعتزلة، أما الأشاعرة فهم يثبتون الرؤية دون مقابلة، ويقولون: إن الله يرى، لكن من أين يرى؟ يقولون: لا من تحت ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا شمال، وهذا لا يعقل؛ ولهذا أنكر جمهور العقلاء هذا على الأشاعرة وضحكوا منهم، وقالوا: كيف تثبتون الرؤية بدون مقابلة، وبداهة العقول تنكر هذا، والأشاعرة الآن مذبذبين بين المعتزلة وأهل السنة، فهم يريدون أن يكونوا مع أهل السنة في إثبات الرؤية ومع المعتزلة في نفي الجهة والعلو، فأثبتوا الرؤية ونفوا العلو، ولهذا ألزمهم المعتزلة فقالوا لهم: أنتم الآن مذهبكم مذبذب غير معقول، فأنتم بين أحد أمرين، إما أن تثبتوا العلو مع الرؤية، فتكونون أعداءً لنا مثل أهل السنة، وإما أن تكون رؤية وتكون واضحة، وكذلك صفة الكلام أثبتها الأشاعرة بقولهم: هو المعنى القائم بالنفس -مثل العلم- بلا حرف ولا صوت، وكما أن العلم في نفسه فالكلام في نفسه، وقالوا: اضطر جبريل اضطراراً ففهم المعنى القائم بنفسه تعالى فتكلم بهذا القرآن.
ومنهم من قال: إن الذي عبر عنه هو محمد لا جبريل، فهم ما أثبتوا الكلام على وجهه، وكذلك العلو.
وبهذا يتبين أن الرؤية ما أثبتها هؤلاء الطوائف الثلاث: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق: أن الله تعالى يرى في الآخرة) صدق ﵀، وأهل الحق وأهل التوحيد هم أهل السنة والجماعة وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، والصحابة والتابعون والأئمة وأتباعهم، ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى يوم القيامة، وقد اتفقوا على إثبات الرؤية لله -وخالفهم أهل الباطل- كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ ، أما الكتاب فدلهم عليه قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] بالضاد أخت الصاد؛ من النضرة والبهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] بالظاء أخت الطاء، أي: تنظر إلى ربها، ووجه الدلالة: أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله، وعزاه بأداته الصريحة التي هي العين، وأخلاه من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته؛ فدل على أن المراد بها النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب سبحانه، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
والمؤلف ﵀ اقتصر على آية واحدة وهناك أدلة أخرى تدل على الرؤية غير هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فالمزيد هو النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، جاء في صحيح مسلم بأن الزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: الكفار، قال الشافعي ﵀: فلما احتجب عن الكفار دل على أن أولياءه يرونه سبحانه إذ لو كان المؤمنون لا يرونه لتساوى الأعداء والأولياء، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فالآية فيها إثبات الرؤية للمؤمنين.
стр. 120
الأحاديث الدالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
أما الأحاديث فهي متواترة، كما قال العلامة ابن القيم ﵀: إن الأحاديث متواترة، رواها من الصحابة نحو ثلاثين نفساً وهي في الصحاح، والسنن، والمسانيد، ومن ذلك ما استدل به المؤلف ﵀، وهو حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة أربعة عشر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)، والحديث رواه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب التوحيد، ورواه ابن خزيمه أيضاً في كتاب التوحيد، ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، وفيه: أن المؤمنين يرون ربهم كرؤيتهم للقمر وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، والمعنى: أنكم ترون ربكم رؤية واضحة، كما ترون القمر ليلة البدر رؤية واضحة، وليس المراد تشبيه الله بالبدر، فالله تعالى ليس أحد من خلقه يشبهه، بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
وقوله: (لا تضامون) يروى بالتخفيف، أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، كما يلحق الناس عند رؤية الشيء؛ فإنه قد يلحقهم ضيم برؤيته، وقيل: بالتشديد، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض.
أما الأشاعرة الذين أنكروا العلو ففسروه بما ينسجم مع مذهبهم في العلو مع إثبات الرؤية، ففسروا (تضامون) بالتشديد، فيكون المعنى: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، أي: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها وهو يتعالى عن الجنس، وجاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، وفي بعضهما قال: (ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب)، وهو من حديث أبي هريرة ﵁، فالأحاديث صريحة في هذا، ومع صراحتها أنكرها أهل البدع، وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])، أي: الفجر والعصر.
وفيه الحث على زيادة العناية بهاتين الصلاتين، وأن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب رؤيتهم له في الجنة، ولهذا لما أخبر النبي ﷺ بالرؤية، قال: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) أي: فإن ذلك من أسباب رؤية الله ، وفي رواية: (سترون ربكم عياناً) يعني: معاينة ومواجهة.
стр. 121
إثبات رؤية الناس لربهم في الجنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى صهيب عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً لم تروه، فيقولون: ما هو، ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) رواه مسلم].
هذا الحديث فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم ، وفيه تفسير الزيادة بأنها الرؤية، وهذا من تفسير السنة للكتاب العزيز وهو تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه ، والذين أحسنوا هم المؤمنون، فهم الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى الخلق، فلهم الحسنى وهي الجنة، ولهم زيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، (إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: إن لكم عند الله موعداً لم تروه -وفي رواية: يريد أن ينجزكموه- فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه)، وهذا فيه دليل على أن رؤية الله أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، حتى إنهم ينسون ما هم فيه من النعيم عند رؤية الله .
وهذا يدل على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، وأن النبي ﷺ لم ير ربه، ولا رآه أحدٌ من الرسل والبشر، لأن الخلق لا يستطيعون الثبات لرؤية الله؛ وذلك لبشريتهم الضعيفة في الدنيا.
стр. 122
اتفاق أهل السنة على رؤية الناس لربهم بأعينهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مالك بن أنس ﵁: الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة].
وهذا دليل من أقوال السلف وهو قول الإمام مالك بن أنس ﵀ وهو الإمام المشهور، وهذا الأثر رواه الآجري في كتاب الشريعة.
وهذا القول: هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فكلهم يقولون مثلما قال الإمام مالك: الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة، والقصد من هذا الرد على المعتزلة الذين يفسرون الرؤية بالعلم، أي: الناس يعلمون الله بقلوبهم، ويقولون: إن معنى قوله: (إنكم سترون ربكم كم ترون القمر) أي: ستعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر، وهذا من أبطل الباطل.
ومن الأشاعرة من وافق المعتزلة وقال: إن المراد بالرؤية زيادة العلم في القلب.
وهذا باطل، والأشاعرة يثبتون الرؤية دون مقابلة وهذا باطل.
стр. 123
تكفير العلماء لمن أنكر رؤية الله في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر].
وهذا فيه أن السلف كفروا من أنكر الرؤية، وهذا هو قول أئمة السلف، والتكفير إنما هو على العموم، أما الشخص المعين فلا يكفر، حتى توجد الشروط وتنتفي الموانع، لكن على العموم يقال: من أنكر رؤية الله فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر وهكذا، لكن الشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وبعد وجود الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن الشخص المعين لا يدرى ما حاله، فقد يكون حديث عهد بالإسلام، أولم تبلغه الأدلة، أو عنده شبهة ولو أزيلت لرجع، وقد يكون قال قولاً مجملاً، فالشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وإذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لكن على العموم نقول كما قال الإمام أحمد: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن ترك الصلاة فهو كافر.
стр. 124
الأسئلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق: أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله ﷺ قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وروى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا جلوساً ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])، وفي رواية: (سترون ربكم عياناً)].
انتقل المؤلف ﵀: إلى إثبات صفة الرؤية لله ، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع ومثلها صفة العلو والكلام.
стр. 125
التوبة وشروط قبولها
السؤال
امرأة عليها كفارة صيام شهرين متتابعين، وهي حامل في الشهر الخامس، فهل تصوم الشهرين، أم تنتظر حتى تلد ثم تصوم، وهي خائفة أن يباغتها الموت وهي لم تصم، وتقول: هل يغفر الله لي كبيرتي، وأنا تائبة ونادمة على ما فعلت، أفتوني مأجورين؟
الجواب
إن كانت تستطيع الصوم فينبغي لها أن تبادر إليه، وإن كان يشق عليها فهي معذورة، ولها أن تنتظر إلى بعد الولادة ثم تصوم شهرين، وأما عن توبتها: فإن تابت توبة نصوحاً فإن الله يتوب عليها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية للتائبين؛ لأن الله عمم وأطلق، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وهي لجميع الذنوب حتى الشرك، فمن تاب توبة نصوحاً خالصة لله لا رياء فيها ولا سمعة تاب الله عليه بشرط أن يقلع عن المعصية، ويندم على ما مضى، ويعزم عزماً جازماً على أن لا يعود للمعصية، ويرد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس، وكانت التوبة قبل الموت، وقبل نزول العذاب، وقبل بلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان.
стр. 126
ورود صفة اليد لله في القرآن بصيغة المفرد والمثنى
السؤال
وردت لفظة اليد لله في القرآن مفردة، ومثناة، وجمعاً، وبعض أهل العلم حملوا لفظة الجمع في اليد على غير ظاهرها، فلماذا نحدد أنها يدان، ولا نقول: إننا نثبت اليد من غير أن نحدد العدد؟
الجواب
التي جاءت بصيغة الجمع ليست من الصفات، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] من آد، يئيد، أيداً، بمعنى القوة، ولأن الله أضافها إلى نفسه بصيغة الجمع فهي للتعظيم، مثل قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فلا يقال: إن لله أعيناً، وصيغة الجمع هنا للتعظيم، بخلاف اليد واليدين، والتي أضيفت إلى الله مثل قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ [المائدة:٦٤] وقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] يراد به جنس اليد له سبحانه، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] وفي هذا إثبات صفة اليد لله، والمراد الجنس.
стр. 127
حكم الدعاء بالصفة وحكم سؤال الصفة
السؤال
ما حكم من سأل الله بصفته، وما حكم من سأل الصفة نفسها؟
الجواب
لا يوجد اشتباه حتى يكون هناك فرق، فسؤال الصفة كأن يقول: يا وجه الله! يا قدرة الله أنقذيني! يا رحمة الله! وهذه مخاطبة لله بصيغة الأنثى، ولا يجوز الدعاء بالصفة.
قال شيخ الإسلام: إنه كفر، أما التوسل بصفات الله كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا أن تغفر لي فهو مشروع.
فلا اشتباه حتى يقال ما الفرق، هذا الذي ينادي الصفة يقول: يا رحمة الله يا قدرة الله هذا كأنه يخاطب الله بخطاب الأنثى.
أما الذي يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، ويقول: يا ألله! أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أسألك بعملي الصالح.
стр. 128
حكم الأخذ والإعطاء بالشمال
السؤال
ثبت في الحديث: (وكلتا يديه يمين)، وعندنا عادة عند البعض أنه إذا قدم للشخص بالشمال قال: شمالك يمين، فهل هذا جائز؟
الجواب
هذا ليس بصحيح.
فالشمال شمال واليمين يمين فاليد اليمنى للأخذ والإعطاء وهذا من الأدب، أما من يستعمل اليسرى فعلموه الأدب، وإذا أعطاك بيده اليسرى فلا تأخذ بيدك الشمال، وقل: أعطني بيمينك.
والقول (شمالك يمين) غلط وسوء فهم، بل شماله شمال، ويمينه يمين، أما حديث: (وكلتا يدي ربي يمين مباركة) أن كلتا يديه يمين في الفضل والشرف والجود وعدم النقص والضعف، بخلاف ابن آدم فإن الشمال بها ضعف، أما الرب فلا يلحق يديه نقص ولا ضعف، فكلتا يديه يمين في القوة والفضل والشرف والكرم، وله يمين وشمال سبحانه، وقد جاء في صحيح مسلم إثبات الشمال، وقال بعض أهل العلم: إن إثبات الشمال لله لا يصح، وقالوا: تفرد بها بعض الرواة، وكلتا يديه تسمى يمين، ومنهم من قال: كلتا يديه يمين أي: في الشرف والكرم والفضل وعدم النقص ولكن الأخرى تسمى شمالاً، كما جاء في صحيح مسلم.
стр. 129
المراد بقول آدم: (في كتاب الله) عند محاجة موسى له
السؤال
ذكر موسى ﵇ قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، هل ذكرها على أنها آية من كتاب الله تعالى -وهو القرآن الكريم- مع أنه لم ينزل بعد؟
الجواب
لا، موسى ليس مقصوده القرآن، قال: (بكم وجدت في كتاب الله يعني: التوراة التي أنزلها الله عليك: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟).
وليس المراد أن موسى يخاطبه بكتاب الله القرآن ولكن المراد بكتاب الله هنا جنس كتاب الله، فإن الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء تعتبر كلها كتب الله مثل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فمراد آدم بكتاب الله التوراة التي أنزلها الله على موسى.
стр. 130
الفرق بين التوراة والصحف والألواح التي أنزلت على موسى
السؤال
هل التوراة هي الألواح التي ألقاها موسى ﵇؟
الجواب
التوراة إنما أنزلها الله بعد هلاك فرعون وإغراقه، قال الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]، ولم يهلك الله أمة إلا قبل نزول التوراة بثلاثين عام، أما بعد نزول التوراة فقد رفع الله العذاب العام، فدل هذا على أن الألواح كانت قبل نزول التوراة، وأنزل الله على إبراهيم وموسى صحفاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]، وهي غير التوراة، والتوراة إنما نزلت بعد ذلك، والتوراة والألواح التي كتبها الله وأنزلها على موسى بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل، وكان هذا بعد هلاك فرعون، وذلك لما ذهب موسى لملاقاة ربه أربعين ليلة، واستخلف أخاه هارون، وهو نبي مثله قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢]، فجاء السامري فصنع لهم من الحلي عجلاً له خوار، وقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] فعبدوه فنهاهم هارون ومنعهم؛ فلم يقبلوا كلامه، وأرادوا قتله كما قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:٩١]، فلما جاء موسى ووجدهم يعبدون العجل غضب غضباً شديداً وألقى الألواح حتى تكسرت من شدة الغضب، وهذا فيه دليل على أنه ليس من رأى كمن سمع، ففي الأول أخبره الله أنهم عبدوا العجل لكنه لم يغضب هذا الغضب الشديد إلا عندما رآهم بعينه يعبدون العجل، وقد عفا الله تعالى عنه مع كونه ألقى الألواح -وفيها كلام الله- حتى تكسرت من شدة الغضب، ثم أخذ برأس أخيه هارون -وهو نبي كريم مثله- وجره برأسه ولحيته لأنه تركهم يعبدون العجل قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠] يقول: ما قصرت، ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠] فقد نصحتهم، لكنهم ما قبلوا وأرادوا قتلي، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه:٩٤] وهذا من باب الاستعطاف وإلا فهو أخوه لأبيه وأمه.
فيحتمل والله أعلم أنها التوراة؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وعبادتهم العجل، والله تعالى عفا عنه؛ لأن له مكانة ومنزلة عند الله؛ لأن إلقاء الألواح وفيها كلام الله حتى تتكسر ذنب عظيم.
ومن الفوائد: أن الصوفية الملاحدة الذين يقولون بوحدة الوجود -وهم منتشرون الآن- وهم طبقات وفرق متعددة، وفي كل بلد تجد عدداً من فرق الصوفية، وكل فرقة لهم شيخ وجميع هذه الفرق تقود إلى النار: منها التيجانية، والقادرية، والنقشبندية، وغيرها من الطرق، وأغلبها طرق كفرية، تجد في البلد الواحد أكثر من مائة طريقة، ففي مصر والشام وأفريقيا وكل مكان تجدهم، والصوفية يتفاوتون فبعضهم ينفي القول بوحدة الوجود، وبعضهم يقول بوحدة الوجود، أي: أن الوجود واحد، فالرب هو العبد، والعبد هو الرب، حتى قال رئيسهم ابن عربي: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت رب فذاك عبد أو قلت رب أنى يكلف فاختلط عليه الأمر فلم يعد يدري من الرب، ومن العبد، فالرب عبد والعبد رب.
ويقول ابن عربي: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك.
والقول بوحدة الوجود أعظم كفراً وضلالة من أي قول آخر؛ لأنهم يشبهون الله بخلقه فإذا كان المشبهة الحلولية الذين يقولون: إن الله حل في المخلوقات كفار، وكان أهل الحق يقولون: كيف يكون الرب حالاً في بطون السباع، وأجواف الطيور؟ فكيف بمن يقول: إن الله هو نفس السباع، ونفس الطيور؟ هؤلاء والله أعظم كفراً.
الملاحدة يرون أن الوجود واحد، ولا فرق بين الرب وبين العبد، ومنهم ابن عربي وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب يسمى: كتاب الهو، يقول فيه: إن الذكر (هو)، وله كتاب (الفتوحات المكية) وله كتاب (فصوص الحكم) يعارض فيه القرآن، قص فيه مثلاً: قصة قوم نوح، وقصة قوم هود، وقصة موسى مع فرعون، وقال: إن فرعون إن فرعون حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] كان مصيباً؛ لأن الوجود واحد؛ لأن الرب يتجلى في صورة أي معبود، وفي صورة أي شيء، كما أنه تجلى في صورة فرعون، فلهذا هو مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ فهو الرب، وهو العبد.
ويقول: إن كل من عبد شيئاً من دون الله فهو مصيب، فالذي يعبد العجل مصيب، والكفر إنما هو بالتخصيص، فالذي يخصص شيئاً ويقول: لا يعبد إلا هذا.
هذا هو الكافر عنده، والعياذ بالله.
وابن عربي حينما ذكر موسى حينما جر هارون بلحيته ورأسه، قال: إن موسى فعل ذلك بهارون لأنه أنكر عليهم عبادة العجل، لأنهم على حق في عبادتهم للعجل.
ويقول: إن فرعون أغرق تطهيراً له، وحتى يزيل الوهم الذي توهمه فرعون من أنه الرب وحده؛ بينما الناس كلهم أرباب، فلما ظن بجهله أنه هو الرب وحده، أغرق تطهيراً له وحتى يزول وهمه أن الربوبية خاصة به.
أقصد من هذا أن الصوفية الملاحدة من أكفر خلق الله، وأنهم طوائف، ومنهم أصحاب وحدة الوجود، وهم الآن في كل مكان، وهذا مذهبهم، يقولون: الوجود واحد وفرعون مصيب وموسى إنما جر هارون من لحيته لينكر عليه إنكاره على بني إسرائيل عبادة العجل.
стр. 131
بيان أن معصية آدم لربه كانت مبينة في التوراة أنها قبل خلقه بأربعين سنة
السؤال
كيف علم آدم وموسى أن تلك المعصية قدرها الله عليه قبل أربعين سنة؛ لأنه لما سأله: (فبكم وجدت في كتاب الله)، قال: بأربعين سنة، فهل أطلع على اللوح المحفوظ؟
الجواب
هذا ليس مأخوذاً من اللوح المحفوظ، لكن آدم عندما قال لموسى بكم وجدت ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، قبل أربعين سنة، يعني: في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى، وفيه أنه مكتوب على آدم قبل أن يخلق بأربعين سنة، فلا يقال: إنه أطلع على اللوح المحفوظ.
هذا قدر خاص مأخوذ قبل خلق آدم بأربعين سنة، واللوح المحفوظ مكتوب قبل خلق السماوات والأرض بخمسمائة سنة، فهذا قدر مأخوذ من اللوح المحفوظ، كتب في الكتاب الذي أنزله الله على موسى إن آدم مكتوب عليه أنه يعصي الله قبل أن يخلق بأربعين سنة.
стр. 132
حكم قول: (إن شاء الله) في الدعاء
السؤال
ما حكم قول: (إن شاء الله) في الدعاء، كأن نقول: الله يهديك إن شاء.
لاسيما ونحن نقول للمريض: لا بأس طهور إن شاء الله؟
الجواب
لا تقل: إن شاء الله، قال النبي ﷺ : (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، فإن الله لا مكره له)، بل عليك أن تدعو جازماً؛ لأن (إن شاء الله) تفيد أنك غير محتاج إلى هذا الدعاء، (اللهم اغفر لي إن شئت) أي: إن شئت غفرت لي، وإن شئت فلا تغفر لي، فلست بحاجة إلى المغفرة، وهذا غلط، لكن اجزم واعزم وقل: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني.
أما القول للمريض: طهور إن شاء الله، فهذا من باب الخبر عند أهل العلم، وليس من باب الإنشاء.
стр. 133
شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٧]
إن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله متكلم بكلام مفهوم بحرف وصوت مسموع، وهو يكلم عباده المؤمنين يوم القيامة دون واسطة، والقرآن هو كلام الله وهو وحيه وتنزيله، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ومن قال بأن القرآن مخلوق فقد كفر.
стр. 134
إثبات صفة الكلام لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل الحق: أن الله لم يزل متكلماً بكلام مسموع مفهوم مكتوب، قال الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]].
أراد المؤلف إثبات صفة الكلام لله تعالى، وسيطيل فيها، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، ومن العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع.
قال: (أن الله لم يزل متكلماً بكلام مسموع مفهوم) فأهل السنة يقولون: إن الله تعالى متكلم بكلام مفهوم بحرف وصوت مسموع مفهوم كلام الله، فكلامه سبحانه سمعه جبرائيل، والله تعالى ينادي الناس يوم القيامة ويسمعون كلامه، وكلامه مفهوم تفهمه القلوب وتعلمه، ومقروء بالألسنة، ومكتوب في المصاحف كل هذا حق في هذه المواضع كلها فإذا قرأه قارئ فهو مقروء له، وإذا سمعه السامع فهو مسموع له، وإذا حفظه الحافظ فهو محفوظ له، وإذا علمه وفهمه في قلبه فهو مفهوم له.
فهو مقروء، مسموع، مكتوب، معلوم، محفوظ في الصدور، وهو في هذه المواضع كلها ليس مجازاً؛ لأن المجاز يصح نفيه، فيقال: ما قرأ القارئ كلام الله، ما سمع القارئ كلام الله، ما فهم إلخ.
وهذا باطل، بل نقول: قرأ القارئ كلام الله, سمع السامع كلام الله، كتب الكاتب كلام الله، حفظ الحافظ كلام الله، نظر الناظر في كلام الله.
المقصود: أن المؤلف ﵀ استدل من الكتاب العزيز بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وهناك أدلة أخرى منها قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠] وهذا فيه إثبات النداء، والنداء هو الكلام من بعد، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] والمناجاة هي الكلام من قرب، ونادى الله الأبوين فقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، فالأدلة في هذا الباب كثيرة، لكن المؤلف ﵀ اقتصر على هذه الآية.
стр. 135
شبهات أهل البدع في إنكارهم لصفة الكلام والرد عليها
أنكر أهل البدع الكلام، وقالوا: لو كان الله يتكلم بكلام حادث لصار محلاً للحوادث، وهذا لا يليق به، إنما يليق بالمخلوق الحادث.
وهذا باطل؛ لأن هذا إنما يقال في حق كلام المخلوق، وكلام الله لا يساوي ولا يماثل كلام المخلوق، وإنما تحل الحوادث في ذات المخلوق، والرب يتكلم بكلام ليس مثل كلام المخلوقين، فلا نعلم كيف يتكلم.
قالوا: لو قلنا: إن الله يتكلم.
للزم من ذلك أن يكون له شفتان وأضراس وأسنان؛ لأن الذي يتكلم لابد أن يخرج الحروف من الشفتين والأضراس والثنايا العليا والسفلى، وحافة اللسان، والله منزه عن ذلك كله.
لكن هذا لا يلزم، فنحن نرى بعض الأشياء تتكلم وليس لها أضراس ولا لسان، ومن ذلك شهادة اللسان والأيدي والأرجل يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤] فهذه الأشياء ليس لها لسان تتكلم به، وقال النبي: (إني لأعرف حجراً يسلم علي في مكة)، أي: أن الحجر كان يسلم على النبي ﷺ والحجر ليس له لسان، بل سمع تسبيح الطعام بين يدي النبي ﷺ ، وكان النبي يخطب على جذع ثم أُتي له بمنبر، فلما خطب صاح الجذع حتى كاد ينشق؛ فنزل النبي ﷺ فجعل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى سكت، فهل الجذع له لسان وصوت وأضراس، فإذا كانت بعض المخلوقات تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم، فكيف تنكرون أن يكون الله يتكلم ولا نعلم كيف يتكلم؟ لكن أهل البدع -والعياذ بالله- ابتلوا بمخالفة النصوص والإعراض عنها، وتأويلها، ودفعها.
نسأل الله السلامة والعافية.
والآية هي تأكيد للمصدر ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] قال العلماء: إن التأكيد للمصدر ينفي المجاز وينفي التأويل.
حتى أن بعض أهل البدع كالجهمية شق عليهم سماع هذه الآية التي فيها أن الله يتكلم، حتى تمنى بعضهم أن تمحى من المصحف، وحرف قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فقرأها بفتح لفظ الجلالة: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فجعل الرب هو المكلم وموسى هو المتكلم حتى ينفي عن الرب الكلام، فقال له بعض أهل السنة: هب يا عدو الله! أنك استطعت أن تحرف هذه الآية، فكيف تقول في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟ قال: معنى ((وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)) أي: جرحه بأظافره، قصده من هذا إنكار الكلام ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١] لا حيلة في من أضله الله.
стр. 136
كلام الله للعباد بلا واسطة والدليل على ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان)].
(ترجمان) بضم الجيم وفتحها، والترجمان: هو الواسطة الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، والمترجم ينقل الكلام من شخص إلى شخص أو من لغة إلى لغة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم ينظر أيمن منه فلا ينظر إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل)].
حديث عدي بن حاتم ﵁ حديث صحيح رواه البخاري في مواضع فرواه في كتاب الرقاق، والتوحيد، ورواه الإمام مسلم في كتاب الزكاة، ورواه الترمذي وابن ماجة وابن قتيبة في كتاب التوحيد، والآجري في الشريعة وغيرهم، وفيه إثبات كلام الله يقول النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان)، وفيه إثبات أن الله يكلم كل أحد ليس بينه وبينه واسطة ينقل الكلام من الله إلى العبد، أو من العبد إلى الله.
وفي اللفظ الآخر: (ما منكم من أحد إلا سيحاضره ربه محاضرة يقول: فعلت كذا يوم كذا وكذا، فعلت كذا يوم كذا وكذا وسترت عليك، فيقول: يا رب! ألم تغفرها لي؟ قال: بلى قد غفرتها لك)، وهنا يقول النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا ينظر إلا شيئاً قدمه) أي: ينظر عن يمينه فلا يرى إلا عمله من أمامه، قال: (ثم ينظر أشأم منه) أي: جهة الشمال، (فلا يرى إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه من الأمام فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل)، وهذا فيه فضل الصدقة وأنها تقي من النار، وشق التمرة نصفها، قوله: (من استطاع منكم أن يقي وجهه النار) أي: أن يجعل بينه وبين النار حجاباً، (بشق تمرة) أي: أن يتصدق بنصف تمرة (فليفعل)، الفقير إذا أعطيته نصف تمرة وهذا أعطاه نصف تمرة تجمع عنده شيء سد جوعته.
وفي اللفظ الآخر: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، إذا كنت لا تستطيع الصدقة بشيء قليل، فالكلمة الطيبة تقوم مقام الصدقة، والحديث صريح في إثبات كلام الله ، وأن الله تعالى يكلم الناس يوم القيامة، وفيه رد على أهل البدع الذين أنكروا كلام الله كالجهمية والمعتزلة وغيرهم.
стр. 137
كلام الله للشهداء والدليل على ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى جابر بن عبد الله قال: (لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام قال رسول الله ﷺ : يا جابر! ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: وما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحاً قال: يا عبد الله! تمن عليَّ أعطك، قال: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي، فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩])، رواه ابن ماجة].
وهذا الحديث لا بأس بسنده، وقد رواه ابن ماجة في المقدمة باب ما أنكرت الجهمية، وفي كتاب الجهاد، ورواه الترمذي أيضاً في كتاب التفسير، وابن أبي عاصم في السنة، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، وليس بحسن، ولا بأس به فيه إثبات الكلام لله ، وفيه منقبة لـ عبد الله بن حرام -وهو والد جابر ﵁ عندما قتل شهيداً يوم أحد، فقال النبي ﷺ لابنه جابر (يا جابر! ألا أخبرك ما قال الله لأبيك عبد الله بن حرام؟ قال: بلى، قال: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً) يعني: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب أي: من وراء واسطة (وكلم أباك كفاحاً) أي: مواجهة ليس بينه وبينه حجاب ولا رسول، وهذه منقبة لـ عبد الله بن حرام، وهي: أن الله كلمه من دون واسطة، وأما غيره فهو من وراء حجاب.
ما الذي قال الله له؟ قال الله لـ عبد الله بن حرام: (يا عبد الله! تمن عليَّ أعطك، فقال عبد الله بن حرام: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية)، لما رأى فضل الشهادة وأن منزلتها عالية، وأن الشهيد له فضل عظيم تمنى أن يعاد إلى الدنيا مرة ثانية حتى يقتل شهيداً مرة ثانية ليضاعف له الأجر، ويكون له أجر شهيدين، فقال الله: (إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون)، أي: لا يرجعون إلى الدنيا، وهذا أيضاً قاله الشهداء الذين قتلوا في بعض الغزوات، لعل الله أن يستجيب لهم، فقال الله: (إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي).
فسأل الله أن يبلغ من وراءه (فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩])، فبلغ الله سبحانه عن عبد الله بن حرام، وبلغ عن الشهداء، وأخبر عن حالهم، وأنهم في عيش طيب، وأنهم أحياء يرزقون عند الله في حياة برزخية غير الحياة الحقيقة، قد زالت عنهم الهموم التي في الدنيا، والأكدار، والأنكاد، والأمراض، والأسقام، والخوف من الفتن التي في الدنيا، وتحققت لهم السعادة الأبدية، ولهذا جاء في الحديث (ما من مؤمن يموت وله عند الله خير، فيود أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يود أن يرجع إلى الدنيا مرة أخرى حتى يقتل شهيداً مرة أخرى)، فالمؤمن إذا رأى ما أعده الله له من الكرامة في الجنة لا يتمنى أن يعود إلى الدنيا؛ لأنه قد زالت عنه جميع الهموم، والأسقام، والأمراض، والفتن التي كانت في الدنيا، فقد كان معرضاً للأسقام وللفتن وللهموم وللمصائب وللأمراض، والشهداء لهم منزلة عالية عند الله، ولهذا جاء في الحديث -إن ثبت-: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة، وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش)، وأما المؤمن غير الشهيد؛ فإن روحه تتلاعب وحدها، تأخذ شكل طائر، كما في الحديث الآخر: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يلقاه)، فعوض الله أرواحهم أجساداً تتلاعب بواسطتها، وهي حواصل طير تسرح في الجنة، فكان تنعم الشهيد أكبر من تنعم المؤمن، وإن كان كل منهما روحه في الجنة؛ وذلك لأن الشهداء بذلوا أرواحهم في سبيله .
стр. 138
حياة الأنبياء والشهداء في الدار الآخرة
الشهداء حياتهم حياة برزخية، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩] أي: حياة برزخية، ولكنهم أموات بالنسبة إلى أهل الدنيا، وحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء، والله تعالى قال لنبيه الكريم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] أي: أنه ميت، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ومع موت روحه ﵊ فجسده لا يبلى، قال ﵊: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، وقال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه)، فحياة الأنبياء البرزخية أكمل من الشهداء، وهل يبقى جسد الشهيد كما يبقى جسد الأنبياء؟ الله أعلم، لكن وجد من بعض الشهداء من تبقى أجسادهم مدة طويلة دون أن تبلى، وكأنه كلما كانت الشهادة أكمل كان بقاء جسده أطول، وأما الأنبياء فإن أجسادهم لا تأكلها الأرض؛ لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ومع ذلك فهم ميتون في أحكام الدنيا، وهم أحياء حياة برزخية؛ لأن الحياة أنواع، وتعلق الروح بالبدن أنواع: فللروح تعلق بالبدن في بطن الأم، وبعد أن تخرج لها تعلق به، ولها تعلق به عند الموت والنوم في البرزخ، وبعد البعث، فهذه خمس تعلقات، وأكملها تعلق الروح به يوم القيامة؛ لأن الأحكام في الدنيا على البدن أكثر منها على الروح، ولهذا يتألم البدن ويتنعم أكثر من الروح، أما في البرزخ إذا مات الإنسان فيكون الألم والنعيم والأحكام على الروح أكثر من الجسد، وفي يوم القيامة تكون الأحكام على الروح والبدن على حد سواء، لذلك فهي أكمل الحالات.
فالجنين في بطن أمه لا يأكل ولا يرضع، وإذا ولد صار يتنفس ويرضع، والنائم روحه تذهب وتجيء وقد تختلط بأرواح الموتى وبغيرهم ولكنها سريعة؛ لأنها خفيفة طبيعتها بحيث أنك إذا ضربت رجله رجعت الروح للنائم في الحال، ولها تعلق به في البرزخ بحيث ترد إليه ويأتيه الملكان ويسألانه: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ ويضيق عليه في قبره أو يوسع له ويفتح له باب إلى النار أو باب إلى الجنة.
ثم تعلقها به بعد البعث، وهذا أكبر التعلقات، فالروح والبدن كل منهما يأخذ قسطه كاملاً من النعيم أو من العذاب، فالكفار تعذب أرواحهم وأجسادهم، وكل يأخذ قسطاً من العذاب، والمؤمن ينعم بدنه وروحه، وكل منهما يأخذ قسطه كاملاً.
стр. 139
إثبات كتاب الله الذي كتبه على نفسه
ذكرنا فيما سبق الحديث الذي فيه ذكر الكتاب الذي كتبه الرب على نفسه، وقد أخرجه مسلم في كتاب التوبة بهذا اللفظ: (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي).
وفي لفظ آخر: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبتي).
والمؤلف ﵀ أتى بلفظ: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فكتبه على نفسه فهو موضوع عنده على العرش) ولم أجد هذا اللفظ، ولفظ مسلم: (كتب في كتاب على نفسه)، والمقصود: إثبات الكتاب، وأن الرب كتبه على نفسه.
стр. 140
معتقد أهل السنة في القرآن وذكر من خالفهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، والمسموع من القارئ كلام الله ، قال الله : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وإنما سمعه من التالي، وقال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤].
وهو محفوظ في الصدور، كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]].
قوله: (والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله).
هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، وهو الذي دلت عليه النصوص، فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه وحروفه ومعانيه، فليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف، خلافاً لأهل البدع؛ فإن المعتزلة أنكروا أن يكون القرآن كلام الله، وقالوا: إن القرآن مخلوق لفظه ومعناه، وهذا كفر وضلال.
والأشاعرة يقولون: الكلام هو المعنى فقط دون الحروف، والحروف ليست كلام الله، وقالوا: ليس ما في المصحف كلام الله، وإنما كلام الله معنى قائم بنفس الرب، والرب سبحانه اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر بهذا القرآن أو عبر به محمد، على قولين، فمنهم من يقول: إن القرآن عبارة عما عبر به جبريل عن المعنى الذي في نفس الله، ومنهم من قال: إن الذي عبر به محمد.
وطائفة ثالثة من الأشاعرة قالوا: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ، والله تعالى لم يتكلم بالقرآن ولم يخرج منه.
وكلها أقوال باطلة.
إذاً: المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق لفظه ومعناه.
والأشاعرة يقولون: القرآن هو المعنى واللفظ مخلوق، فاللفظ كلام البشر.
فيكون مذهب الأشاعرة نصف مذهب المعتزلة، ولهذا فإن بعض الأشاعرة -والعياذ بالله- يغلون في هذا حتى قال أحدهم: المصحف ليس فيه كلام الله، والعياذ بالله، وقد يغلو بعضهم فيقوم يدوس المصحف بقدمه ويقول: ليس فيه كلام الله، نعوذ بالله.
وهذا كله ناشئ عن هذا المذهب الباطل القائل بأن القرآن هو المعنى القائم بنفس الله تعالى، وإن الحروف والألفاظ ليست كلام الله.
أما أهل السنة والجماعة فيقولون: القرآن كلام الله لفظه ومعناه، وحروفه ومعانيه، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والقرآن كلام الله ووحيه) يعني: أوحاه الله إلى جبريل فسمعه جبريل من الله فنزل به على قلب محمد ﷺ ، كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] وهو جبريل ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٤] أي: يا محمد ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥]، وقال الله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢]، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، فالقرآن منزل غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فقد كفر، فهو منزل حروفه ومعانيه ولفظه ومعناه.
ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، والمسموع من القارئ كلام الله) فإذا قرأ القارئ فأنت تسمع كلام الله، وأما الصوت فهو صوت القارئ، كما قال العلماء: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري.
والعباد مخلوقون بأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم وألفاظهم وأدائهم، وقد قال النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم)، فأضاف الصوت إليهم، فالصوت ينسب إلى الإنسان، وفي حديث البراء أنه قال: (صليت مع النبي ﷺ صلاة العشاء فقرأ بسورة التين والزيتون فما سمعت صوتاً أحسن منه)، فأضاف الصوت إليه ﷺ ، فالصوت صوت العبد، والناس منهم من صوته حسن ومنهم من صوته غليظ ومنهم من صوته رفيع، والكلام كلام الله.
والدليل على أن المسموع من القارئ كلام الله قول الله : ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فدل على أن المسموع كلام الله، وقال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، فأضاف الكلام إلى الله.
وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالذكر هو القرآن، وما ينزل على النبي ﷺ هو من عند الله، فالله تعالى في العلو تكلم بهذا القرآن وسمعه جبريل ونزل به على قلب محمد ﷺ .
وهو محفوظ في الصدور، فإذا حفظه الحافظ فالقرآن محفوظ في صدره، كما قال : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وكيفما كان فهو كلام الله، فإن قرأه القارئ فالمقروء كلام الله، وإن سمعه السامع فإنه يسمع كلام الله، وإن حفظه الحافظ فالمحفوظ كلام الله، وإن كتبه الكاتب فالمكتوب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة وليس مجازاً؛ لأنه لو كان مجازاً لصح نفيه فقيل: ما قرأ القارئ كلام الله، وما سمع السامع كلام الله، وما حفظ الحافظ كلام الله.
وهذا كلام باطل؛ فكلام الله مسموع حقيقة، مقروء حقيقة، محفوظ حقيقة، مكتوب حقيقة.
وأهل السنة لهم أدلة كثيرة على أن القرآن كلام الله، وأهل البدع من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم لهم شبه شرعية وشبه عقلية، وردود أهل السنة عليهم مثبتة في المطولات.
стр. 141
أدلة إثبات أن القرآن كلام الله تعالى
стр. 142
دلالة حديث ابن مسعود في الأمر باستذكار القرآن على أنه كلام الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استذكروا القرآن فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقله).
وهو مكتوب في المصاحف].
قوله: (استذكروا القرآن فهو أشد تفصياً) يعني: أشد خروجاً وتخلصاً، والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والبخاري وأحمد والدارمي وغيرهم، وفيه الحث على مراجعة واستذكار القرآن.
وقوله ﷺ : (استذكروا القرآن) دال على أن القرآن محفوظ في الصدور ويستذكره الإنسان، ودال أن الحافظ إنما يحفظ كلام الله، ولهذا يستذكره حتى لا ينساه.
وقوله: (فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم) يعني: الإبل من علقه، وفي اللفظ الآخر: (من عقلها).
وعقل البعير: أن تربط ساقه إلى فخذه إذا برك حتى لا يقوم ويهرب، فإذا استطاع بعير الوقوف وقف وحرك يده المربوطة حتى يحل العقال، فإذا رأته بقية الإبل قامت وفعلت فعله، وهكذا تتابع في تفلتها.
فالنبي ﷺ شبه تفلت القرآن من الصدور مثل تفلت الإبل المعقلة، تتفلت شيئاً بعد شيء، فإن كان عندها صاحبها يتعاهدها ثبتت في مكانها، وكذلك الإنسان إن كان يستذكر القرآن بقي محفوظاً في صدره، وإن كان لا يستذكره نسيه.
والشاهد من الحديث قول النبي ﷺ : (استذكروا القرآن)، وقد دل على أن القرآن محفوظ في الصدور، وهو مكتوب.
стр. 143
كتابة القرآن في المصاحف والنظر إليه بالأعين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، قال الله : ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣].
وقال : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]].
فالقرآن مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، كما أنه مقروء بالألسن ومسموع بالآذان، وهو حقيقة في هذه المواضع كلها، وقوله: (مكتوب في المصاحف) استدل عليه بقول الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] ومعنى: (منشور): مكتوب.
وقال : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨] يعني: مكتوب في كتاب.
فدل على أن القرآن مكتوب في المصاحف.
إذاً: ما في المصاحف هو كلام الله، وفيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن المكتوب في المصاحف ليس كلام الله، ولكنه عبارة عن كلام الله، وهذا من أبطل الباطل، فالمصاحف فيها كلام الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩].
وكما أن القرآن مسموع بالآذان مقروء بالألسن محفوظ في الصدور فهو منظور بالأعين أيضاً، فالإنسان ينظر بعينه في كلام الله إذا فتح المصحف، وإذا قرأه فهو يقرأ كلام الله، وإذا سمعه فهو يسمع كلام الله، وإذا كتبه فهو يكتب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حق، هذا هو الصواب خلافاً لأهل البدع، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو ما دلت عليه النصوص.
стр. 144
النهي عن السفر بالمصحف الذي فيه القرآن إلى أرض العدو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن عمر: (أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) مخافة أن يناله العدو].
هذا الحديث عن عبد الله بن عمر رواه الشيخان؛ البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم في كتاب الإمارة، وأخرجه -أيضاً- أبو داود وابن ماجة والإمام مالك وأحمد في المسند واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وغيرهم.
وقوله: (مخافة أن يناله العدو) هذه العبارة من قول الإمام مالك وهي زيادة مدرجة، وأصل الحديث هو: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو).
والشاهد من الحديث أن النبي نهى أن يسافر بالقرآن، يعني: بالمصحف، فدل على أن القرآن في المصحف.
وفيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: المصحف ليس فيه القرآن، وإنما هو عبارة عن القرآن، ولذلك -والعياذ بالله- فإن بعضهم قد يهين المصحف ويدوسه بقدمه ويقول: ليس فيه كلام الله، فنعوذ بالله.
وقوله: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) المراد بأرض العدو بلاد الكفار، أي: نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى بلاد الكفار، وقد بين علة ذلك الإمام مالك فقال: (مخافة أن يناله العدو).
أي: خوفاً من أن يمتهنه، فنهي المسافر أن يأخذ المصحف إذا سافر إلى بلاد الكفار حتى لا تمسه أيديهم فيهينوه.
لكن الآن في الوقت الحاضر نجد المصاحف موجودة في بلاد الكفار، بل يستفتحون في إذاعاتهم بالقرآن، فاختلفت الحالة الآن وصار القرآن لا يخشى عليه، فنهي النبي ﷺ في هذا الحديث مقيد بعلة، وهي خشية أن تناله أيدي العدو فيهينوه، والآن وقع في أيديهم، وليس هذا باختيارنا؛ فقد أخذوه من أزمنة طويلة، والذي يظهر -والله أعلم- أنه الآن لا يخشى عليه.
والشاهد قوله: (يسافر بالقرآن) فدل على أن المصحف فيه كلام الله، وفيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: ليس في المصحف كلام الله.
стр. 145
أثر عثمان في النظر إلى كلام الله في المصحف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عثمان بن عفان ﵁: ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله .
يعني القراءة في المصحف].
هذا الأثر عن عثمان بن عفان الخليفة الراشد رواه البيهقي بلفظ: (لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم ما أنظر في المصحف).
ذكره البيهقي في الأسماء والصفات.
والشاهد قوله: (حتى أنظر في كلام ربي) فدل على أن كلام الله منظور في المصاحف، فالإنسان إذا قرأ في المصحف فهو ينظر إلى كلام الله، وأثر عثمان بن عفان ﵁ فيه دليل على أن المصحف فيه كلام الله ينظر إليه القارئ، فمن فتح المصحف فهو ينظر إلى كلام الله، كما أن من قرأ فهو يقرأ كلام الله، وكما أن من سمع القارئ فهو يسمع كلام الله، وكما أن من كتب القرآن فهو يكتب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة.
следующие страницы →