← Фикх общий

Фикх общий · id 36974

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (460 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكم حج من يسأل الناس في طريقه للحج أما من عادته أن يسأل الناس الطعام والشراب في أثناء طريقه إلى الحج، فهذا لا يلزمه الحج، ولم يأمره الله بذلك، والإنسان الذي يمد يده إلى الناس ويطلب من الناس الأموال وهو مستغن عن ذلك يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة من لحم، قد تساقط لحم وجهه من شدة حرجه وحيائه يوم القيامة من الله . إذاً: الاستطاعة بالنفس لها شروط وهي: أن يكون بدنه صحيحاً بحيث يقدر على الركوب، وأن يجد الزاد والراحلة، وأن يجد نفقة أهله، ويجد المسكن لهم، وليس عليه أجرة للدار، ولديه كتب علم وليس مضطراً أن يبيعها، فعلى ذلك يلزمه أن يحج.

стр. 107

إمكان المسير شرط من شروط وجوب الحج الشرط السابع لوجوب الحج: إمكان المسير، أي: أن يأمن من فوت الحج وعرفة، فإذا كان سيدرك الوقوف بعرفة فإنه يلزمه الحج مع الشروط السابقة التي ذكرناها، وإذا كان من المستحيل أن يدرك عرفة، كأن يغلق المطار أمام الحجاج ولن يصل إلى هناك إلا بعد فوات يوم عرفة، فإن إمكان المسير غير متهيئ لهذا الإنسان؛ لأنه يكون قد انتهى وقت الحج وفاته الحج. وإمكان المسير من أجل إدراك الحج معتبر بما جرت به العادة، أما لو أمكنه المسير بأن يحمل على نفسه ويسير سيراً يجاوز العادة أو يعجز عن تحصيل آلة السفر لم يلزمه السعي؛ فإمكان المسير بحسب الإنسان وبحسب المكان الذي هو فيه، فمن الناس من يكون موجوداً في المدينة، ومنهم من يكون موجوداً في مكة، ومنهم من يكون موجوداً في مصر أو في مكان بعيد، وكل واحد له وقت في وصوله. إذاً: يشترط أن يكون الطريق آمناً، وأن يكون من الممكن الوصول إلى عرفة قبل فوات الحج، وهذا عند الحنابلة من شروط لزوم السعي، أما عند الجمهور فإنها من شروط الاستطاعة، وهو الراجح؛ لأنه إن لم يتمكن من الوقوف بعرفة فاته الحج، فكيف نوجب عليه الحج وهو لم يتمكن من الوصول إلى عرفة؟!

стр. 108

الحج والعمرة عن المعضوب والميت كلمة (المعضوب) مأخوذة من العضب، والعضب: هو الضعف الذي يكون في الإنسان، فالمعضوب: هو الضعيف الذي لا يقدر على الحج؛ لكبر سنه أو لكونه مريضاً مرضاً شديداً، أو كان المرض مرضاً مزمناً، فهو لا يستطيع الحج. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، قال: وذلك في حجة الوداع). وهذا يعني: أن هذا لم ينسخ بشيء؛ حيث كان ذلك في آخر حياة النبي ﷺ ، بعدما نزل قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]. وعن أبي رزين العقيلي: (أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن؟ قال: حج عن أبيك واعتمر) فأمره النبي ﷺ أن يحج عن أبيه؛ لكونه ذكر أن أباه لا يقدر على الحج ولا على العمرة ولا على الظعن، أي: ركوب الراحلة.

стр. 109

الفرق بين الحج عن المعضوب والحج عن الميت لا يجزئ الحج ولا العمرة عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن هذا حي عاقل له إذنه بخلاف الميت، فإنه ليس محتاجاً لإذن، لكن الحي لابد من إذنه طالما أنه يعقل وأن إدراكه موجود، بخلاف قضاء الدين؛ لأن الحج عن الميت يعتبر ديناً، والنبي ﷺ قال: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء). والحج عبادة، والعبادة تحتاج إلى نية، وقضاء الدين معاملة ولا تحتاج إلى نية، فلو فرضنا أن واحداً عليه دين وذهبت وسددت عنه ذلك الدين، فالمطلوب أن يقضى الدين، ولا يحتاج إلى نية في الأداء سواء نوى صاحبه أو لم ينو، بخلاف الحج فإنه لو لم ينوه فإنه لا يأخذ أجر هذا الحج بغير نية منه؛ فلذلك لابد للإنسان الذي يحج عن المعضوب من إذنه. والحج والعمرة عن الميت يجبان عند استقراره عليه، سواء أوصى به أو لم يوص؛ لأن النبي ﷺ قال: (دين الله أحق بالقضاء) فالإنسان المتوفى إذا ترك مالاً وهو لم يحج فلابد أن يحج عنه. والذي يحج عن الميت سواء كان قريباً له وارثاً أو غير وارث أو كان أجنبياً عنه وحج عنه كل ذلك يجزئه.

стр. 110

حكم حج المرء عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ولا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره، فالإنسان الذي عليه حجة الإسلام ليس له أن يكون وكيلاً أو نائباً عن إنسان آخر، فلابد أن يحج عن نفسه أولاً وبعد ذلك يحج عن هذا الآخر، كذلك من عليه عمرة الإسلام لا يعتمر عن غيره حتى يعتمر عن نفسه. روى أبو داود عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، فالنبي ﷺ أمره أن يحج عن نفسه أولاً وبعد ذلك يحج عن شبرمة. وفي لفظ للبيهقي وابن خزيمة أيضاً: (قال: فاجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة). فإن أحرم المرء عن غيره ولم يحج عن نفسه وقعت عن نفسه.

стр. 111

حكم حج الخنثى يجب الحج على الخنثى المشكل البالغ؛ لأنه إما أن يكون رجلاً أو يكون امرأة، وسواء كان رجلاً أو امرأة لزمه الحج، ويشترط في حقه من المحرم ما يشترط في المرأة، فإن كان معه نسوة من محارمه كأخواته جاز، وإن كن أجنبيات وهناك احتمال أنه رجل فيحرم عليه الخلوة بهن.

стр. 112

حكم حج من توافرت فيه شروط وجوب الحج وضاق عليه الوقت إن وجد المسلم الزاد والراحلة وغيرهما من الشروط المعتبرة وتكاملت صار مستطيعاً بنفسه، وعلى ذلك يلزمه أن يحج، وإن بقي بعد تكامل الشروط زمن يمكن فيه الحج وجب عليه أن يحج فوراً، فإن أخره عن تلك السنة استقر في ذمته، فإن لم يبق بعد استكمال الشرائط زمن يمكن فيه الحج لم يجب عليه الحج، كما لو فرضنا أنه جاء يوم أربعة من ذي الحجة ولديه مال، وليس هناك من يعطيه تأشيرة ولا طائرة تأخذه ولا سيارة، فليس من الممكن أن يصل إلى هنالك، فإذا كان الأمر كذلك لم يجب عليه الحج الآن.

стр. 113

حكم حج المكي غير الواجد للراحلة مع قدرته على المشي أما من كان في مكة وقوي على المشي لزمه الحج، وفرق بين من هو في مكة وبين من هو في مصر وهو رحالة يمشي كثيراً، فالذي في مصر لا نقول له: سافر إلى مكة لتحج؛ لأن في ذلك مشقة عليه، والشريعة لا تلزمه بهذه المشقة لكونه متعوداً على المشي، بخلاف الذي في مكة فالأمر عليه سهل. أما إن كان ضعيفاً لا يقوى على المشي أو يناله به ضرر ظاهر فحينها تشترط الراحلة للمكي حتى يجب الحج عليه.

стр. 114

حكم تأدية مناسك الحج كلها مشياً على الأقدام لو أن واحداً يريد أن يحج ماشياً في مناسك الحج كلها، فيمشي من مكة إلى منى يوم التروية وهو اليوم الثامن على قدميه، ثم في صبح يوم عرفة يمشي من منى إلى عرفات، ويفيض من عرفات بعد غروب الشمس إلى مزدلفة ماشياً قرابة ثلاث ساعات، فمن كان يقدر على ذلك فله أن يصنع ذلك، لكن أيهما أكثر أجراً عند الله ، الذي يؤدي المناسك كلها ماشياً على رجليه أم الذي يؤديها راكباً؟ نقول: كل من الاثنين فيه خير وله أجر، فالذي حج ماشياً على قدميه قد أتعب بدنه فله الأجر على تعب البدن، والذي ركب السيارة قد أنفق ماله فله الأجر على نفقة المال، والذي فعله النبي ﷺ أنه حج راكباً، فبالركوب يتفرغ الإنسان للعبادة، وخاصة إذا كان سيركب متوجهاً إلى البيت ليطوف به، فإذا أتعب نفسه في الطريق ماشياً على رجليه ووصل إلى البيت وجد الطواف مزدحماً فيكون صعباً جداً عليه أن يطوف، وإذا أراد أن يسعى بين الصفا والمروة يجد نفسه غير قادر على السعي بين الصفا والمروة، وإذا استطاع ووقف على الصفا لم تبق عنده طاقة لأنه يقف ويدعو ويطيل في الدعاء؛ لأن المجهود البدني الذي بذله أثر على العبادة التي يتعبد بها لله . إذاً: فكلا الأمرين جائز، وإن كان الأفضل أن يستريح حتى يؤدي المناسك والأدعية في محلها على أفضل ما يكون، والذي فعله النبي ﷺ كما ذكرنا أنه حج راكباً، وهذا أعون على المناسك والدعاء وسائر العبادات.

стр. 115

شروط وجوب الحج على المطاع (المعضوب والمريض) إنما يصير الحج واجباً على المطاع وهو المعضوب أو المريض مرضاً مزمناً بأربعة شروط: الأول: أن يكون المطيع ممن يصح منه فرض حجة الإسلام، وذلك بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً حراً. الثاني: أن يكون المطيع قد حج عن نفسه حجة الإسلام، فإن لم يكن قد حج عن نفسه تنقلب هذه إليه، وأن يكون ليس عليه حجة واجبة عن قضاء أو نذر. الثالث: أن يكون موثوقاً بوفائه وطاعته؛ لأنه يمكن أن يقول لفلان: أتحج عني؟ فيقول: نعم أحج عنك، فيأخذ المال ويهرب ولا يحج عنه. الرابع: ألا يكون معضوباً، فإذا كان الإنسان الذي يريد أن يحج عن هذا المعضوب معضوباً آخر فهو لا يقدر على ذلك.

стр. 116

حكم قبول الوالد نفقة الحج من ولده والعكس مسألة: إن بذل الولد المال لأبيه كأن يقول لأبيه: هذا المال يا أبي فاخرج وحج، فإن كنت مريضاً أو معضوباً آتي بشخص ليحج عنك، فهل يلزم الوالد قبول ذلك؟ لا شك أن هذا خير كثير جداً، والنبي ﷺ يقول: (أنت ومالك لأبيك)، وقال: (الولد من كسب أبيه)، ولكن الأب لعله يجد من الابن منة عليه، كأن يقول الابن: لقد حججت عن أبي، وعملت كذا عن أبي، فيلحقه بذلك شيء من الضيق والحرج، والراجح أنه إن خاف الوالد أن يمن عليه الولد في ذلك فلا يصير الحج واجباً عليه بذلك؛ لأنه مما يمن به، بخلاف خدمته بنفسه، فمن الممكن أن يقول الابن لأبيه: أنا سأخرج معك لكي أخدمك في أثناء الطريق، فهنا يلزم الأب أن يوافق؛ لأن الأب سينفق من ماله وسيخرج بنفسه ولكنه محتاج للابن أن يخدمه، بخلاف ما لو أن الابن خرج عن الأب والأب يخاف من المنة في ذلك فلا يلزمه في هذه الصورة. وكذلك لو بذل المال للمعضوب أبوه فهو كبذل الولد، فلو أن المعضوب ضعيف لا يقدر على الحج فقال له أبوه: أنا أحج عنك، فهل صارت الحجة فريضة على الابن؟ الراجح في هذه المسألة: أن الحجة لا تصير على الابن فريضة، وإن كان الأب قد فعل ذلك فهذا حسن.

стр. 117

حكم حج المطيع الباذل عن الغير إذا أفسد حجه إن أفسد المطيع الباذل حجه، كأن يكون إنسان مريضاً أو معضوباً وقال له آخر: أنا سأحج عنك، فخرج ليحج عن فلان: لبيك عن أبي أو غيره، وأثناء الحج أفسد هذه الحجة بجماع أو غيره؛ فإن الحجة هذه تصير لهذا الابن الذي يحج عن أبيه؛ لأن الحجة التي تكون عن الأب هي الحجة الصحيحة، والابن بما أنه أفسد هذه الحجة فعليه أن يكمل الحجة الفاسدة، وعليه القضاء وعليه الهدي بسبب أنه جامع.

стр. 118

حكم الاستنابة أو الاستئجار في الحج عن الميت والمعضوب تجوز الاستنابة عن الميت إذا كان عليه حج وله تركة، وهناك فرق بين الإجارة والاستنابة، فالفرق بين الاثنين أن الإجارة مختلف فيها كما سيأتي، فإذا قلت لشخص: حج عني وسأعطيك أجرتك على هذا الحج، فالأجير مسئول عن كل ما سيحصل في هذا الحج، فإذا مات الأجير قبل إتمام الحج وكان معه مال فيقوم غيره بإكمال الحج، على تفصيل سنذكره، أما النائب عن غيره فهو الذي يحج من غير أجرة، ولكن من الممكن أن يعطي له رزقاً في أثناء الطريق، لكن لا يأخذ أجرة على عمله لهذه المناسك. أما المعضوب فتلزمه الاستنابة، سواء طرأ العضب بعد الوجوب أو بلغ معضوباً واجداً للمال، فإذا كان عنده مال وهو معضوب فيلزمه أن يستنيب عنه أو أن يؤجر على ما سنفصل. وإذا طلب الوالد المعضوب العاجز عن الاستئجار من الولد أن يحج عنه استحب للولد إجابته إن كان قادراً، ولا تلزمه إجابته، لكن لا يجب على الوالد المعضوب أن يطلب من ولده أن يحج عنه؛ لأن الحج فيه مشقة شديدة جداً، ولأن الابن قد يرضى وقد لا يرضى، لكن كونه يطلب من ولده أن يخدمه فإنه فرض على الولد أن يخدم أباه. إذاً: إذا طلب الوالد المعضوب العاجز عن الاستئجار من الولد أن يحج عنه استحب للولد إجابته، ولا تلزمه إجابته، ولا يلزم الوالد الحج؛ لأنه ليس على الوالد في امتناع الولد من الحج ضرر، بخلاف ما إذا طلب الأب من الابن أن يعطيه طعاماً أو نفقة فإن عليه ضرراً في عدم تنفيذ ذلك، أما في الحج فإن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]؛ لأن الحج حق للشريعة، فإن عجز عنه الأب فلا إثم عليه في ذلك ولا يجب عليه.

стр. 119

حكم حج المعضوب إذا حج عنه ثم عوفي وقدر على الحج بنفسه أما لو أن المعضوب حج عنه ثم عوفي وقدر على الحج بنفسه، فهذه صورة أخرى، كأن يكون مريضاً مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه، ومعه مال، فأتى شخص وأعطاه الأجرة فحج عنه هذا الأجير، وبعدما حج عنه شفاه الله سبحانه، فهل يلزمه الآن أن يحج عن نفسه؟ هنا قولان لأهل العلم: القول الأول: أنه يلزمه أن يحج عن نفسه. القول الثاني: لا يلزمه ذلك. فالذين قالوا: يلزمه، قالوا: قد تبين أنه ليس معضوباً، أي: بان أنه كان واهماً في أنه معضوب، فزال هذا الوهم وصار الآن قادراً. والذين قالوا: لا يلزمه -وهو القول الأقوى- قالوا: حين جعل غيره يحج عنه كان معضوباً، وكان اليقين عند نفسه أنه لا شفاء له، والأطباء قرروا أنه لا يقدر، ففعل ما وجب عليه، فإذا فعل ما وجب عليه فإما أنه أدى الفريضة المسقطة عنه هذا الواجب، وإما أن تكون غير مسقطة عنه، فلو كانت غير مسقطة لما وجب ابتداءً على أحد من المعضوبين أن يطلب من يحجج عنه؛ لاحتمال أنه إذا صار صحيحاً بعد ذلك فلا يسقط عنه، والشريعة لم تقل ذلك، فلم يبق إلا أن يقال: إنه طالما استيقن في نفسه وغلب الظن أنه لا شفاء لهذا المرض الذي هو فيه، فأحج عن نفسه ثم شفاه الله بعد ذلك لم يلزمه شيء؛ فقد سقط عنه الفرض على الراجح من كلام أهل العلم. والعلماء الذين قالوا: إنه يلزمه هم: الشافعي والأحناف وابن المنذر، وذهب غيرهم من العلماء إلى أنه لا يلزمه، ورجحه ابن قدامة في المغني.

стр. 120

لو برء المعضوب قبل إحرام النائب مسألة: إن برأ المعضوب قبل إحرام النائب لم يجزئه بحال، كأن يطلب المعضوب من أحد الناس أن يحج عنه، والمعضوب قبل أن يصل النائب إلى الحج شفاه الله، فعلى المعضوب أن يحج عن نفسه بنفسه.

стр. 121

هل الحج واجب على الفور أم على التراخي من وجب عليه الحج وأمكنه فعله فهل الحج واجب عليه على الفور أم على التراخي؟ قولان لأهل العلم في ذلك: القول الأول: وهو قول الإمام الشافعي وغيره: أن الحج واجب على التراخي؛ وحجتهم في ذلك أن النبي ﷺ نزل عليه في الحديبية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] قالوا: ففي الحديبية أوجب عليه الحج، ومع ذلك لم يحج النبي ﷺ إلا في العام العاشر. القول الثاني: ذهب الحنابلة والأحناف إلى أنه واجب على الفور؛ وحجتهم في ذلك: أن الحج وجب على النبي ﷺ في سنة تسع، فكان اللازم أن يحج ﷺ ، ولكن وجد المانع من حجه صلوات الله وسلامه عليه في هذا العام؛ لأنه حتى سنة تسع كان المشركون يحجون البيت ويطوفون بالبيت وهم عراة، وما كان للنبي ﷺ أن يحج في وسط هؤلاء المشركين وهو يلبي بالتوحيد صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك وجد المانع من أن يحج في هذا العام، فأخر الحج إلى العام الذي يليه حتى أنذر هؤلاء وأذن فيهم: (أنه لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك)، فحج بعد ذلك في العام العاشر صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: الذين قالوا بأن الحج واجب على التراخي -وهم الشافعية- احتجوا بأن النبي ﷺ فرض عليه الحج بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] في الحديبية في سنة ست، وهذا صحيح، وقالوا: إن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية حيث ذهب ولم يطف بالبيت وكان ذلك سنة ست، واعتمر عمرة القضية في ذي القعدة من السنة التي تليها، ودخل ﷺ مكة وكان قد بقي بينه وبين الحج أيام قليلة ومع ذلك لم يحج ﵊، واعتمر لما فتح مكة في العام الذي يليه فخرج إلى حنين ورجع من الجعرانة ثم اعتمر صلوات الله وسلامه عليه، وكان في ذي القعدة أيضاً، وكان بينه وبين الحج وقت قليل، ومع ذلك لم يحج ﵊، مع أن الله أمره وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. لكن نقول: إن هذه الآية ليس فيها الامر بابتداء الحج، فلا حجة في كل ما ذكروه، والذي فعله النبي ﷺ هناك لم يكن فرضاً عليه ﷺ حتى هذا الوقت، إنما الفرض بعد ذلك لما كان في سنة تسع ونزل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] وكونه لم يحج في سنة تسع لأن المشركين كانوا يطوفون بالبيت ويشركون بالله، وكان العراة يطوفون بالبيت، فما كان له ﷺ أن يحج مع هؤلاء، فأرسل أبا بكر يحذرهم، فلما استتب الأمر ولم يبق أحد من هؤلاء يحج في العام الذي يليه ذهب ﷺ وأذن في الناس، وحج ﵊. أيضاً من الأدلة على أن الحج على الفور: ما جاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أراد الحج فليتعجل)، وفي رواية: (من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحالة). فعلى ذلك فالحج ركن من أركان الإسلام مثله مثل الصيام، فقد فرض في رمضان ولا يجوز تأخيره عن رمضان، فكذلك الحج فريضة عليك فرضها الله سبحانه، وقال الجمهور وهم الأحناف والمالكية والحنابلة: إن هذا الإنسان الذي وجب عليه الحج على التراخي لو أنه توفي قبل أن يحج فإنه يأثم؛ لأنه إذا كان الحج فريضة عليه على التراخي فإنه سوف يؤجله سنة وراء سنة حتى يموت فيأثم إذا لم يحج، وهل يعرف الإنسان متى سيموت حتى نقول: إنه على التراخي حتى وقت كذا، كذلك قد يكون الإنسان صحيحاً وقد يموت، وقد يكون به مرض ويعيش سنين طويلة، فعلى هذا فقول الجمهور في ذلك هو الأرجح والأصح؛ لحديث النبي ﷺ : (من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة). أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 122

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حكم من مات ولم يحج الحجة الواجبة عليه وأحكام المستأجر وما يقع فيه من مخالفات اختلف أهل العلم في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟ وثمرة هذه المسألة تظهر في الحكم على من مات ولم يحج وهو قادر، فهل يجب أن يحج عنه أم لا؟ ثم اختلفوا في الاستنابة في الحج عمن تكون، ويشترط في النائب أو الأجير أن يكون قد حج عن نفسه، وهناك مسائل متعلقة بالاستنابة والإجارة في الحج والعمرة، ومنها ما يتعلق بمخالفة الأجير أو النائب لمن استنابه ونحو ذلك.

стр. 123

حكم من وجب عليه الحج فمات ولم يحج الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وصلنا في الكلام إلى من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات قبل تمكنه من الأداء. فإذا وجب على إنسان الحج ولكن في العام الذي كان معه المال توفي قبل أن يبدأ موسم الحج وقبل أن يسافر الناس إلى الحج، فهذا لم يتمكن من الأداء، فشرط الاستطاعة غير موجود، والأفضل في حقه أن الورثة يأخذون من ماله ما يحججون به عنه، ولكن إن لم يفعلوا ذلك فهذا لم يجب عليه لعدم تمكنه من الفعل. إذاً: من مات قبل حج الناس من سنة الوجوب، أي: كان معه مال وأراد أن يحج، ولكن قبل أن يحج توفي فلم يفعل، فالأفضل أن يحج عنه ورثته، وقد فعل هو ما عليه. أما إن مات بعد التمكن من أداء الحج، كأن مات بعد حج الناس وقد استقر الوجوب عليه، ولم يبذل أي شيء في سبيل أن يحج، فحج الناس وتوفي هو بعد ذلك فقد استقر الوجوب عليه، وعلى ورثته أن يخرجوا من تركته ما يحج به عنه، سواء أوصى أو لا، ففي صحيح مسلم عن بريدة ﵁ قال: (بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت، فقال ﷺ : وجب أجرك وردها عليك الميراث)، فالمرأة تصدقت على أمها بجارية على وجه الهدية أو الهبة أو الصدقة، فلما ماتت الأم عادت الأمة للبنت، ولذا قال لها النبي ﷺ : (وجب أجرك وردها عليك الميراث)، ثم قالت: (يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ فقال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها). إذاً: الأم لم تحج، ولم تذكر الفتاة أن هذا الحج كان قد وجب على الأم أو لا؟ ولكن قالت: لم تحج قط فهل أحج أنا عنها؟ فالنبي ﷺ قال: حجي عنها. ففيه جواز النيابة، وأن الإنسان يحج عن أبيه أو أمه، سواء أوصى بذلك أو لم يوص. ويكون قضاء الحج من الميراث، فمن وجب عليه الحج وتوفي فإن الوارث يحج عنه، أو ينفق مالاً يستنيب به من يحج عن هذا المتوفى من المكان الذي كان سيحرم منه الميت، إلا إن ضاقت التركة فله أن يستأجر من مكة من يحج عنه، لكن إن اتسع المال فالواجب أن يحج عنه من المكان الذي استقر عليه أن يحج هو فيه، ويكون من رأس المال؛ لأنه دين واجب. ومعنى (من رأس المال): أي: أنه ليس من ثلث التركة مثل الوصية، فالوصية شيء والدين شيء آخر، فالديون تكون من رأس مال المتوفى، فمثلاً: إنسان توفي وترك عشرة آلاف مثلاً وعليه دين خمسة آلاف، فتخرج الخمسة الآلاف من العشرة الآلاف من رأس المال، بخلاف الوصية، فمن توفي وترك عشرة آلاف وأوصى بخمسة آلاف فهنا ينظر هل الورثة راضون أو ليسوا راضين، فإن رضي الورثة فتخرج الخمسة الآلاف، وإن رفض الورثة فيرد هذا النصف إلى الثلث، فيخرج فقط ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون في الوصية، والباقي يأخذه الورثة، لكن الحج دين وفرض وجب عليه، فيخرج من رأس مال المتوفى؛ لأنه دين لله على هذا المتوفى.

стр. 124

حكم من مات ولم يحج وله مال وعليه دين فإن كان هناك دين آدمي وضاقت التركة عنها قدم دين الآدمي وسقط عنه الحج، وهذا ليس اتفاقاً، ولكن هذا هو الاختيار في هذه المسألة. يقول ابن قدامة: يحتمل أن يسقط عمن عليه دين وجهاً واحداً؛ لأن حق الآدمي المعين أولى بالتقديم لتأكده. ويقول الإمام النووي: إن كان هناك دين آدمي وضاقت التركة عنهما ففيه أقوال ثلاثة: أصحها يقدم الحج، والثاني: دين الآدمي، والثالث: يقسم بينهما، وهذا كله إذا كان للميت تركة. فإن ترك الميت مالاً وعليه دين لآدمي وعليه أيضاً فريضة الحج، فأي الاثنين يقدم؟ هل يقدم دين الآدمي أو يقدم دين الله سبحانه؟ الذي يقول: يقدم الحج -وهو الأصح عند الشافعية- قالوا: هذا دين الله، والنبي ﷺ يقول: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء)، إذاً: النبي ﷺ نص على أن دين الله أحق، لكن في مسألتنا دين لآدمي يشح بماله، والآدمي فيه بخل: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، ودين الله حق لله سبحانه، والله يعفو ويصفح ، فإذا كان عليه دين لآدمي، وعليه حج والحج يكلفه عشرة آلاف، والمال الذي تركه لا يكفي الاثنين، فقال بعض الفقهاء: يقدم دين الله باعتبار الحديث، لكن لو قدمنا دين الله لصار الآدمي الشحيح محتاجاً يدعو على هذا الميت الذي أخذ ماله وتوفي وهو عنده، فهنا الآدمي أولى والله كريم ، ويعفو سبحانه عن عباده، أما الآدمي فسوف يطالب بدينه، فنكون قد أتلفنا مال الآدمي من أجل عبادة من العبادات قصر الميت فيها، والتقصير فيها يحاسبه الله عليه، وقد يعفو عنه سبحانه، لكن دين الآدمي لن يسامح فيه ويظل الميت يعذب بهذا الدين في قبره حتى يقضى عنه الدين؛ ولذلك اختار الحنابلة أنه قد يسقط دين الله وهو الحج لأنه غير مستطيع، والمال لا يكفي ما عليه من دين. أما الشافعية فقالوا: الأصح من ثلاثة أقوال: أنه يقدم دين الله وهو الحج، وبعض الفقهاء يقول: يتحاصى بالحصص، ومثله إنسان توفي وعليه ديون لأناس وترك مالاً لا يفي بالدين كله، فيتوزع المال حصصاً، ويسمونها: أسوة الغرماء، فلو ترك عشرة آلاف وعليه ديون عشرون ألفاً هذا يريد خمسة، وهذا يريد أربعة، وهذا يريد كذا وهذا يريد كذا، إذاً يعطى كل واحد منهم نصف الدين الذي له، قالوا: فكذلك هنا تعطى حصة لدين الآدمي، وحصة للحج، وينظر أقل ما يكلفه، وأقل تكلفة للحج ستكون من مكة أي: حجة مكية، فيعطى بقدرها والباقي يأخذه الغرماء، لكن الراجح في ذلك أن الله سبحانه ﵎ يتجاوز عن عباده ويعفو عنهم، فحق الآدمي مبناه على شح الآدمي وعلى بخله، فيقدم حق الآدمي على العبادة هنا فيعطى للآدمي حقه، ثم بعد ذلك إن فاض شيء فيحج عنه وإلا فليس بالاستطاعة. إذاً: هذا الأرجح في المسألة: أنه إذا كانت التركة قليلة ولا تكفي إلا أحد الدينين فيبدأ بدين الآدمي. إذاً: لو استقر عليه الحج ومات ولم يحج ولا تركة له مات عاصياً وبقي الحج في ذمته، ولا يلزم الوارث الحج عنه، لكن يستحب، والحج كثير من الناس يقصر فيه ويسوف، ويقول: في وقت قريب سأحج، فلا هو حج ولا ظهر من نيته أنه يريد الحج، فيا ترى! لو مات الإنسان كيف سيموت؟ يقول الفقهاء: لو مات مات عاصياً، هذا الذي معه مال وقدر على الحج وأخر سنة وراء سنة ولا يريد أن يحج فإنه يموت عاصياً، ويحاسب على ذلك عند الله ؛ لأنه فرط ومرت سنة وراء سنة وأنفق المال بسفه ولم يحج حتى مات وقد استقر الحج في ذمته، وهو الذي أتلف مال نفسه ومات عاصياً لله سبحانه وبقي الحج في ذمته، لكن هل يلزم الورثة أن يحجوا عنه؟ لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه؛ لأنه لم يترك مالاً، لكن لو ترك مالاً فيلزم الورثة أن يحجوا عنه، أو أن يحججوا من يحج عنه بماله الذي تركه. فإن حج عنه الوارث بنفسه أو استأجر من يحج عنه سقط الفرض عن الميت سواء كان أوصى به أم لا، وهذا الراجح: أن المتوفى إذا وجب عليه الحج سواء أوصى الورثة بذلك أو لم يوص فيجوز أن يحجوا عنه من ماله، فيحج عنه أحدهم أو يحججون آخر من ماله؛ لأن المرأة التي سألت النبي ﷺ عن أمها أنها لم تحج قط قال: (حجي عنها)، ولم تقل: كانت مستطيعة أو غير مستطيعة، ,هل أوصت أو لم توص بهذا الشيء، وترك النبي ﷺ الاستفصال فنزل منزلة العموم من المقال. ولو حج عنه أجنبي جاز سواء أذن له الوارث أم لم يأذن، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث ويبرأ الميت به، وقد ذكرنا أنه فرق بين المعضوب وبين المتوفى، والمعضوب: هو الذي مرض مرضاً مزمناً يضعفه عن الحج ولا يستطيع الحج، ويكون عليه في ذلك مشقة شديدة جداً، فلو أراد إنسان أن يحج عنه فلا بد من إذنه؛ لأن له أهلية وله إذن بخلاف المتوفى فلا إذن له، فعلى ذلك سواء أوصى المتوفي أو لم يوص فإنه يجوز أن يحج عنه القريب أو الغريب، أما الحي المعضوب فلا يحج عنه إلا بإذنه لا بد من نيته في ذلك.

стр. 125

الاستنابة في الحج الاستنابة: هي: أن تقيم غيرك مقامك في ذلك، مثل المريض مرضاً مزمناً شديداً يمنعه من الحج إلا بمشقة شديدة جداً، ولا يقدر على الركوب أو النزول، وهذا المرض مستديم معه، وعلى ذلك فإن المعضوب يستنيب ويقيم غيره نائباً عنه في إقامة هذا النسك. وتجوز النيابة في حج الفرض المستقر في الذمة في موضعين: أحدهما: عن المعضوب، والثاني: عن الميت؛ لحديث بريدة الذي تقدم، ولحديث ابن عباس: (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله بالحج على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع). وفي حج الفريضة وحج التطوع لا يستنيب إنسان عن نفسه آخر ليحج عنه إلا أن يكون معضوباً، أما غير المعضوب فلا يستنيب، إذاً حج التطوع لا تجوز الاستنابة فيه عن حي ليس بمعضوب، فيجوز الاستنابة في حج التطوع عن ميت أوصى به، أو حي معضوب استأجر من يحج عنه مثل حجة الفريضة في ذلك.

стр. 126

حكم الاستنابة في حج التطوع والنذر والقضاء وهل تجوز الاستنابة في حج التطوع أم لا؟ هذا مختلف فيه، لكن في حجة الفريضة اتفقوا على أنه لا يحج الفريضة إلا عن إنسان ميت أو معضوب، فهم نظروا في الفريضة إلى أنه إما أن يحج بنفسه، وإن كان معضوباً لا يقدر على ذلك فإنه يستنيب غيره لهذه العلة أو لهذا العذر، لكن في حج التطوع جاء عن أبي حنيفة ورواية عن مالك وهو قول أبي ثور: أنه يجوز للإنسان في حج التطوع أن يستنيب غيره، كما لو حج إنسان عن نفسه الفريضة ثم أجر إنساناً بعد ذلك ليحج عنه وهو قد حج عن نفسه الفريضة. ولكن الحج عبادة بدنية، والأصل أن العبادة البدنية يقوم بها الإنسان بنفسه ولا يقوم غيره عنه إلا لعذر يجوزه الشرع، وقد جوز الشرع في الحج الاستنابة في حالة الإنسان المعضوب، وكذلك في المتوفى. وحجة الفريضة وحجة النافلة هذا حج وهذا حج، وهذه عبادة وهذه عبادة، ولا فرق بينهما إلا أن هذه فريضة غير التطوع، فإذا تلبس بها الحاج صارت عليه فريضة حتى لو كانت تطوعاً، فإذا تلبس بالحج لزمه أن يكمل الحج ويتمه كما أمر الله سبحانه، فعلى ذلك هذا الحج في التطوع حكمه حكم الفريضة، فلا يستناب فيه إلا عن ميت أو معضوب. وكذلك الحجة الواجبة بقضاء أو نذر يجوز النيابة فيها عن الميت، فمن كان عليه قضاء الحج، كمن حج حجة وأفسدها ثم توفي فعليه قضاء، فأخرجوا من ماله من يحج عنه جاز ذلك. إذاً: الحجة الواجبة بالقضاء أو النذر لمن توفي وكان عليه نذر أو قضاء ومات قبل أن يحج فيستناب عنه من يقوم مقامه كحجة الإسلام. ولو لم يكن للميت مال ولا لزمه حج لعدم الاستطاعة، فالراجح أنه يجوز الإحجاج عنه، وصورة المسألة: أن المتوفى الذي لم يجب عليه الحج، فهل لابنه أن يحج عنه أو يستنيب من يحج عنه؟ نقول: ما جاز في الإنسان الذي عليه الفرض جاز في غيره؛ لما في حديث المرأة التي قالت: إن أمي لم تحج قط، فلم تقل: وجب عليها أو لم يجب عليها الحج.

стр. 127

من لم يحج عن نفسه فلا يحج عن غيره ولا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره، ولا لمن عليه عمرة الإسلام -إذا أوجبناها- أو عمرة قضاء أو نذر أن يعتمر عن غيره، طالما عليه الفرض فيلزمه أن يؤدي الفرض الذي عليه من حج أو عمرة، ثم يحج عن غيره بعدما يؤدي الدين الذي عليه، فإن أحرم هذا الذي عليه حجة فريضة سواء كانت حجة الإسلام أو حجة نذر أو حجة قضاء، وكذلك لو كان عليه عمرة الإسلام، أو عمرة نذر، أو عمرة قضاء،، فإذا حج أو اعتمر عن غيره انقلبت إليه؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس: (أن رجلاً قال: لبيك عن شبرمة، فسأله النبي ﷺ : من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، أي: أن هذه الحجة التي كان فيها لا يصلح أن تكون عن شبرمة؛ لأنك لم تؤد الحج عن نفسك. وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ : (هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)، فإن كان مستأجراً وقد ظنه حج عن نفسه فبان أنه لم يحج لم يستحق أجرة لتغريره، والمال الذي أخذه يرده لصاحبه، والحجة هذه تكون له هو فلا يصلح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه. وكذلك لو أن إنساناً اجتهد في نفسه، وظن أنه مصيب في ذلك، مع وجود نص النبي ﷺ في خلاف ما يختاره، فلو ظن وقال: اعتقادي أن من لم يحج عن نفسه يجوز له أن يحج عن غيره، وأعطى ذلك الإنسان مالاً، وقال: حج عني بهذا المال، فهذه الحجة عن الأجير وليست عن المستأجر؛ لأن النبي ﷺ قال: (حج عنك ثم حج عن شبرمة). أما إذا استأجر للحج من حج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج، فقرن الأجير وأحرم بالنسكين عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه، فما استؤجر له يقع عن المستأجر، والآخر عن الأجير. وصورة المسألة: إنسان مطلوب منه أن يؤدي نسكاً واحداً، هذا النسك قد أداه قبل ذلك، وجاءه إنسان وقال له: أنت حججت عن نفسك، قال: نعم، لكن ما اعتمرت، فقال: حج عني وأدفع لك أجرة، فحج عن هذا المستأجر، ثم اعتمر عن نفسه، أو بدأ بالعمرة وحج عن هذا المستأجر، فعلى ذلك وقع الحج عن صاحبه؛ لأنه أدى عن نفسه. والعكس: لو قال له إنسان: أنا أريد أن تعتمر عني عمرة، فقال: سأذهب أحج عن نفسي وأعتمر عنك، وهو قد اعتمر عن نفسه قبل ذلك، فهذا صحيح أيضاً، فهو قد اعتمر عن نفسه قبل ذلك، فيصلح أن يعتمر عن غيره، فما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر يقع عن نفسه.

стр. 128

حكم من نذر أن يحج ولم يكن قد حج حجة الإسلام ومن نذر أن يحج ولم يكن قد حج حجة الإسلام، فلو أن إنساناً قال: لله علي أن أحج إن نجحني في الامتحان هذا العام، فصار نذراً عليه، فهل يلزمه في هذه الحال أن يحج حجة الإسلام ابتداء ثم يوفي بالنذر بعد ذلك؟ الراجح في هذه المسألة: أن الذي يقول ذلك فإنه غالباً لا يقصد بهذا النذر حجة الإسلام، وهذا نذره كمن يقول: لله علي أن أصلي العشاء اليوم، فلا يصلي العشاء بنية العشاء وعشاء ثانية بنية النذر؛ لأنها عشاء واحدة فقط، وكأنه يوجب على نفسه ما هو واجب عليه أصلاً، فكذلك هنا الراجح أنه إن قال ذلك وجبت عليه حجة الإسلام، وليس له بالنذر إلا زيادة تأكيد لذلك. إذاً: حجة واحدة تغني عن ذلك، إلا إن نوى الفرق، كأن يكون إنساناً حج حجة الإسلام عن نفسه، وقال: لله علي أن أحج، فهذه نذر بلا خلاف، كأن يقول: لله علي نذر بعد أن أؤدي حجة الإسلام، فهذا من البداية ينوي حجة الإسلام، ويقصد الآن بنذره حجة ثانية غير حجة الإسلام، ففي هذه الحالة تلزمه حجة الإسلام وهي المقدمة، ويبدأ بحجة الإسلام، ثم بعد ذلك النذر، لكن الغالب فيمن يقول ذلك أنه يقصد الحجة التي عليه، ويؤكدها بنذره ذلك، وإن فعل ذلك فحجة واحدة تجزئ إن كان المقصد على ما ذكرنا.

стр. 129

حكم الاستئجار للحج الاستئجار في الحج أن يستنيب إنسان ويقيم غيره نائباً عنه في الحج، ويدفع له أجراً على ما يعمل من مناسك، فالذي لم يحج أو يعتمر عن نفسه وهو معضوب ويريد أن يستأجر من يقوم بذلك، أو عن إنسان قد توفي فنستأجر إنساناً يحج عنه سواء وجب عليه الحج أو لم يجب: الراجح أنه يجوز، وفي أمر الاستئجار خلاف: هل يجوز الاستئجار على الحج وعلى العبادات أو لا يجوز ذلك؟ فيجوز الاستئجار في الحج والعمرة لدخول النيابة فيهما كالزكاة، ويجوز بالبذل، وهذا أفضل، أي: أن يقول إنسان أنا أحج عن فلان، فالأفضل أن الإنسان ينفع أخاه من غير أن يأخذ منه مالاً على ذلك، ويمكن لمن يخرج ليحج عن آخر ويعطل مصالحه ويحتاج لنفقة في بيته، والذي سيخرجه إن لم يشارطه على دفع أجرة له، فهو هنا يخرج للحج لكي يرفع عن الميت الحرج في كونه لم يحج عن نفسه وعليه إثم في ذلك، وقد كانت عليه فريضة الحج فلم يفعل، ومن ثم فهو يقع في الحرج في أنه لا يجد ما ينفق على عياله، فهنا العلماء اختلفوا في مسألة الأجرة: هل يجوز لإنسان أن يأخذ الأجرة على أن يحج عن آخر أو لا يجوز ذلك؟ فممن قال بجواز أخذ الأجرة على الحج وعلى العمرة ونحو ذلك الإمام مالك والإمام الشافعي واختاره ابن المنذر، وممن منع من ذلك الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد له وجهان في هذه المسألة، ولذلك يقول ابن قدامة: في الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه مما يتعدى نفعه ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة روايتان: إحداهما: لا يجوز، والأخرى: يجوز، فالذين قالوا بالجواز احتجوا بقول النبي ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وهذا الحديث رواه البخاري، فقالوا: لأنه يجوز أخذ النفقة عليه فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد والقناطر، فعندما نبني مسجداً فهل نشترط على العامل الذي يعمل في المسجد ونقول له: لا تأخذ أجراً ولك الأجر من الله؟ قالوا: لا، ويجوز دفع الأجرة له على عمله ذلك، فهو أخذ أجرته على ذلك، ولا يحرم عليه ما أخذ من أجر على ذلك، قالوا: فكذلك الذي حج عن إنسان آخر وأخذ الأجرة على عمله الذي عمله وانتفع بأجر هذا الذي وجب عليه أو لزمه الحج. ابن قدامة يذكر وجه الرواية الأولى وهي الأشهر في مذهب الإمام أحمد وهي المنع من أخذ الأجرة على الحج وعلى العبادات، فهم عمموا وإن كان الدليل خصص من هذا التعميم، قالوا: لو حج أو أذن أو علم القرآن أو الفقه أو غير ذلك مما يتعدى النفع فيه فهذا ممنوع أخذ الأجرة عليه. وأدلة المنع سنجدها في مسألة تعليم القرآن، فقد روى أبو داود وابن ماجة وأحمد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (علمت أناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله ، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله! رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتابة والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، فقال ﷺ : إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبله)، وفي رواية قال: (جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها)، فهذا حجة من قال: يمنع أخذ الأجرة على تعليم القرآن أو أخذ الهدية. وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال له: لما جعله إماماً على قومه: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، فهذا دليل على أن المؤذن لا يأخذ على أذانه أجراً. إذاً: هذه الأدلة في المنع من أخذ الأجرة على العبادة، ولا شك أن هذا أحوط، فالأحوط والأفضل للإنسان أنه إذا فعل عبادة لا يأخذ عليها أجراً من الناس، وليأخذ أجره من الله . حديث آخر: وهو قول النبي ﷺ في قصة أبي سعيد لما رقى الرجل فقال له: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وكان قد رقى إنساناً وقرأ عليه الفاتحة سبع مرات فشفاه الله ، وكان قد شارطهم على قطيع من الغنم فكأنهم تحرجوا أن يأخذوا أجراً على القرآن، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ أقرهم على ما فعلوا وقال: (وما يدريك أنها رقية)، مصوباً للذي فعله أبو سعيد رضي الله ﵎ عنه. ففي هذا الحديث بيان جواز أخذ الأجرة على القرآن، أما حديث عبادة بن الصامت ففيه بيان المنع، فبأي الحديثين يعمل في هذه المسألة، هل بعموم قوله ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)؟ فهذا يجوز أن أقرأ القرآن وأعلمه وآخذ عليه أجرة، فهذا الحديث يدل على الإباحة، والحديث الآخر يرجح جانب التحريم، فإذا تعارض التحريم مع الجواز غلب جانب التحريم، لكن بالنظر إلى صحة حديث عبادة وهو في السنن، وحديث أبي سعيد وهو في الصحيحين، نقول: هذا الأخير أصح، فعند الترجيح بين الصحيح والأصح نقول: ما في الصحيحين أصح، وهو الراجح على غيره، أو نجمع بين الأحاديث إذا قدرنا على ذلك، وهذا الأفضل. فينظر في السبب الذي من أجله قال النبي ﷺ ذلك، فحديث عبادة بن الصامت قال: (علمت ناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن)، وأهل الصفة هم من فقراء المسلمين الذين هاجروا إلى النبي ﷺ ، وهم محبوسون على أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه يخرجهم في سرايا أو مغازي معه ﷺ ، وهم موجودون في مسجد النبي ﷺ ، فهؤلاء أضياف الإسلام، وإذا جاء للنبي ﷺ صدقة أو هدية أرسل إليهم منها ﵊، فكون عبادة يعلم واحداً منهم شيئاً من القرآن وبعد ذلك يأخذ منه أجرة فمن أين سيأتي له بأجرة؟ ولو فتح هذا الباب سيعلم فقراء المسلمين ويأخذ على ذلك أجرة، فلن يوجد أحد سيعلم إلا بعد أن يأخذ أجرة، فقال له النبي ﷺ ذلك. أو أن يكون هذا الذي علمه كان فرضاً عليه أن يعلمه، كما يأتي الإنسان ويقول لك: علمني كيف أصلي؟ فلا يصلح أن تقول له: كم تدفع وأنا أعلمك كيف تصلي؟ يحرم عليك هذا ولا يحل لك أن تأخذ ذلك، فإذا تعين عليك التعليم وجب أن تعلم بلا أجر، إذاً: كأنه تعين عليه أن يعلمهم أو علمهم ما تعين عليهم أن يفعلوه كفاتحة الكتاب ونحو ذلك، فلما علمهم أهدى إليه رجل منهم هذه القوس فمنعه النبي ﷺ من قبولها. أما الحديث الآخر فهو أعم قال فيه: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، أما الأذان فقد نصح النبي ﷺ بذلك فقال: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، إذاً: في مسألة الأذان لا يأخذ المؤذن أجراً، وإنما يجوز أن يعمل برزق أو براتب يعان به في ذلك، وما أكثر هؤلاء اليوم! لكن في أمر التعليم لو قلنا لمن يحفظ القرآن لا تأخذ أجراً، سيترتب على ذلك أن لا أحد سيحفظ قرآناً، ولسان حاله: لم أحفظ أذهب أعمل لكي أعيش وأعيش أولادي، فقال النبي ﷺ حديثاً عاماً: (أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله). فلذلك الراجح أن الحديث في المنع من أخذ الأجر على تعليم القرآن إذا تعين على إنسان أن يعلم القرآن أو غيره لزمه أن يعلم هذا الأمر الذي صار فرض عين عليه بغير أجر، خاصة إذا كان هذا المحتاج إليه محتاجاً إلى أن يقيم فرائضه، مثل: إنسان في الحج، وعند المناسك يقول لك: كيف أحج؟ كيف ألبي؟ كيف أحرم؟ فتأتي وتقول له: ادفع حتى أنا أعلمك! هذا لا يحل لك في هذه الحال، لكن إذا كان إنسان سيعلم آخر الفقه في الدين أو يعمله التوحيد ويعطي له دروساً ويتعب نفسه ويفرغ نفسه من أجله، فمثل هذا الراجح أنه يجوز أن يأخذ أجراً على ذلك، وقد كان الإمام مالك ﵀ ممن يمنع أخذ الأجرة على ذلك، حتى ذهب إليه معلمو القرآن وشكوا إليه وقالوا: إن الناس يمتنعون أن يعطونا حتى نشارطهم، أي: أن الناس بخلاء، ونذهب نحفظ أولادهم القرآن فلا يعطونا شيئاً حتى نشارطهم على كذا، فغير الإمام مالك ﵀ فتواه من ذلك بناء على الواقع الذي هو موجود، وعادة الناس أنهم يبخلون إذا وجد من يتبرع لهم. ففي مسألة الحج لم يأت نص عن النبي ﷺ في المنع من أخذ الأجر عليه، إنما الذي جاء في مسألة القرآن وفيه ما ذكرنا، وفي مسألة الأذان، وفي الأذان الكثيرون يؤذنون بلا أجر، والأمر لا يقف على هذا الذي يقول: آخذ أجرة عليه، فعلى ذلك غيره من الأشياء كالحج والعمرة، وتعليم القرآن، وتعليم الفقه، وتعليم الحديث وغيره، الراجح أنه يجوز أن يعلم وأن يأخذ أجراً عليه إن كان يعيش على ذلك. إذاً: الراجح في مسألة الحج: طالما أنه يجوز فيه النيابة، فالنائب إما بأجر وإما من غير أجر، وهذا أفضل بلا شك؛ لأنه سيعطل نفسه وسيقف عن أخذ المال لأولاده وعياله، فيجوز له أن يأخذ الأجرة عليه طالما أنه عمل تدخله النيابة فجاز أخذ العوض عليه، وفي حديث النبي ﷺ لما قال: (حج عن أبيك فدين الله أحق بالقضاء)، لن يقوم أمر الحج عن إنسان إلا بمثل هذا الأمر، ويندر أن تجد متطوعاً، لكن أن تجد من تستأجره هذا كثيراً، والشريعة لا تضيق مثل ذلك. أيضاً العلماء اتفقوا على أنه يجوز أخذ الرزق على الحج، فلو قلت لشخص: تعال حج عني وسأعطيك مبلغاً في النهاية، فحج عنه وأعطاه مبلغاً على ذلك، فجوزوا ذلك، قالوا: هذا رزق لا مانع منه إذا كان نائباً فيه فليقل إذا بخلوا: لا أحج إلا أن تعطوني كذا؛ لأن عندي بيتاً وأولاداً، فالراجح أنه يجوز ذلك. لكن قال العلماء: هذا ينتقض بالجهاد في سبيل الله، فلو أن

стр. 130

مسائل متعلقة بمخالفة المستأجر لمن استأجره في الحج إذا انتهى الأجير إلى الميقات المتعين للإحرام فلم يحرم عن المستأجر بل أحرم عن نفسه بعمرة، فلما فرغ منها أحرم عن المستأجر بالحج فما الحكم؟ هذه صور سنفرعها على جواز الإجارة على الحج، عندما أستأجر إنساناً يحج عن معضوب أو متوفى، هذا الذي خرج ليحج ويأخذ أجرة على ذلك فوق تكاليف الحج التي تبلغ عشرة آلاف، فهو يأخذ أجرة على ذلك ليحج عن إنسان، وعند الإحرام لم يحرم عن صاحبه بالحج، بل أحرم عن نفسه بعمرة، فهو الآن يعمل عمرة عن نفسه في وقت الحج. يقول الفقهاء: هذا له حالان: إما أنه في وقت الحج رجع للميقات، ومن الميقات أحرم عن صاحبه، فهذا فعل الذي هو فرض عليه، أو أنه لم يرجع وسيأخذ أجرة كاملة على ذلك، فإذا لم يعد إلى الميقات فإنه يصح الحج عن المستأجر للإذن، ويضع شيئاً من الأجرة المسماة لإخلاله بالإحرام من الميقات. إذاً: نقول له: أنت سافرت إلى الميقات ومن عند الميقات صنعت شيئاً لنفسك ليس لي للمستأجر، فمن الميقات إلى أن وصلت مكة تعلن فيها مناسك العمرة لنفسك؛ ولذا يوضع من التكاليف ومن الأجرة التي تأخذها. الحالة الثانية: أن يرجع إلى الميقات على حسابه، ثم يحج عن صاحبه، فهذا فعل الفرض الذي عليه، وتجب له الأجرة كلها. والواجب على الأجير أن يحرم من الميقات، فإن جاوز الميقات المعتبر غير محرم ثم رجع إلى الميقات فأحرم ثم ذهب إلى المناسك فلا شيء عليه؛ لأنه أحرم من الميقات، لكن لو أنه جاوز الميقات وبدأ إحرامه بعدما جاوز الميقات فعليه دم؛ لأنه جاوز الميقات وهو غير محرم. إذاً: إذا أحرم من جوف مكة أو بين الميقات ومكة ولم يعد لزمه دم في ماله هو وليس في مال من استأجره؛ لأنه هو الذي قصر بأن جاوز الميقات غير محرم، أما إذا عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل المعتبر أو أقرب إلى مكة فلا شيء عليه. وإن لزمه دم بترك نسك أو بفعل محظور كاللبس والقلم فلا يضع شيئاً من الأجرة؛ لأنه لم ينقص شيئاً من العمل، ويجب الدم في ماله؛ لأنه هو المسيء وليس من استأجره. فلو فرضنا أن هذا الإنسان المحرم بالحج عن رجل معضوب أو عن إنسان ميت حلق شعره في أثناء إحرامه، أو وضع طيباً أو لبس ثياباً غير ثياب الإحرام فتلزمه الفدية في ذلك، والدم عليه، وليس على صاحبه. صورة أخرى: إن استأجره للقران بين الحج والعمرة: استأجر هذا المعضوب إنساناً ليحج عنه قارناً، أي: أنه ينوي من هنا الحج والعمرة مع بعض، أي: نسك واحد بنيتين، فإذا امتثل وفعل ذلك وجب دم القران على المستأجر، والقارن يلزمه دم، إذاً الدم من مال المستأجر، كما لو حج هذا بنفسه. فإن كان المستأجر معسراً فسينتقل من الدم إلى الصيام، فمن الذي يصوم؟ هنا اختلف العلماء، فالبعض يرى أن الصيام يكون على الأجير؛ لأن الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فالثلاثة سيصومها الذي في الحج، إذاً: الأجير الذي يلزمه البعض الآخر، لكن الصواب ما دام الدم على صاحبه كذلك الصيام بدلاً من هذا الدم يصوم الأيام العشرة في بلده؛ لأنه معذور، هذا الراجح فيها. فإن كان المستأجر معسراً فعليه صوم عشرة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا لا يقدر على الصوم في الحج فصام الجميع هنا، وقياسها: أن الإنسان الذي لزمه الصوم هناك وهو معسر كأن حج متمتعاً أو قارناً ولزمه دم ولم يقدر فلزمه الصوم فلم يصم هو هناك، فلزمه أن يصوم الأيام العشرة في بلده. إذا استأجر إنساناً ليحج قارناً أو متمتعاً فصنع عكس ما طُلب منه، فهذه من المخالفات التي يصنعها الأجير، فما الحكم فيها؟

стр. 131

حكم الأجير إن خالف النسك المستأجر عليه فمثلاً: استأجر أجيراً للقران فعدل إلى الإفراد فحج ثم اعتمر، فما الحكم؟ معناه: أنك تلبس الإحرام وتلبي من الميقات، وتقول: لبيك حجة وعمرة، فهذا حاج ومعتمر، لكن هذا عدل إلى الإفراد فقال: لبيك حجاً فقط، وبعدما أكمل الحج أتى بعمرة، فإن عاد إلى الميقات للعمرة فلا شيء عليه؛ لأنه زاد خيراً، كأنه مر على الميقات مرتين، مرة للحج ومرة للعمرة فلا شيء عليه ولا على المستأجر، وإن لم يعد فعلى الأجير أن يرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام العمرة من الميقات، ويعاقب هذا الأجير، والأصل الأمانة، وأنك نائب عني تقوم بما أردته أنا، فأنت خالفت في ذلك، وكان المفترض أن تحج وتعتمر قارناً، فأنت لم تفعل هذا، ولذا قالوا: عليه أن يرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام العمرة من الميقات. ولو قال الحي للأجير: حج عني، وإن تمتعت أو قرنت فقد أحسنت، فقرن أو تمتع وقع منه المراد؛ لأنه مخير، فسواء اختار القران أو التمتع فكلاهما خير. ولو أمره بالإفراد فقرن، فبدلاً من أن يقول: لبيك حجاً، قال: لبيك حجاً وعمرة، فصار قارناً، فهذا أتى بالأمر وزيادة، فعلى ذلك لا يضمن شيئاً، فهو فعل لصاحبه ما هو زيادة، ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها فلا شيء عليه، وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها، إذاً هنا المخالفة في شيء آخر، كأن هذا قال له: بعدما تكمل الحج اعتمر بعد ذلك، فهذا عمل الاثنين مع بعض من أجل أن يوفر، وإذا كان صاحبه لم يطلب منه عمرة وقال له: أفرد فقرن، فهذه زيادة خير، وليس له أجرة زيادة على ذلك، لكن لو طلب منه أن يفرد الحج ثم يعتمر، فهذا استسهل وقرن حتى لا يخرج مرة أخرى ولا يدفع نفقة مرة أخرى، فيرد من الأجرة بقدر ما ترك من ذلك.

стр. 132

حكم النائب والأجير إذا أمره المستأجر بالإفراد فقرن أو تمتع والعكس إذا قال له: حج عني مفرداً فقط. والمفرد ليس عليه دم، فإذا قرن الأجير فإن عليه دماً من ماله لا من مال المستأجر؛ لأنه لم يطلب منه أن يقرن، وإنما طلب منه الإفراد، إذاً: الدم على الأجير. أما إن أمره بالتمتع، أي: أمره بعمرة في أشهر الحج، ثم بعد ذلك يتحلل إلى أيام الحج، فإن أمره بالتمتع فقرن، والقران هو أنه يعمل عملاً واحداً بنيتين، فعلى ذلك هذا القارن قريب من المتمتع، لكن المتمتع يعمل عمل العمرة كاملاً والحج كاملاً، فإذا أمره بالتمتع فقرن وقع عنه؛ لأنه أمر بهما وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة فأحرم به من الميقات، ولا يرد شيئاً من النفقة. فلم يلزمه رد شيء من النفقة؛ لأنه لم يخالف في شيء. وقد اختلف أيهما أفضل: القران أم التمتع؟ وفي كل من الحالين دم، وهنا استوى أمر القران وأمر التمتع، ففي القران سيحرم بالعمرة والحج من الميقات، ويظل محرماً إلى أن يتحلل في يوم العيد برمي جمرة العقبة، ويتحلل تحللاً أصغر عندما يطوف بالبيت، ثم يتحلل التحلل الأكبر، ففيه مشقة زيادة ولذا أمره بالتمتع، أما المتمتع فيحرم من الميقات بعمرة ويأتي بها كاملة ثم يتحلل، فهو أقل في المشقة، ثم يبدأ بعد ذلك في مناسك الحج من مكانه ولا يبدأ من الميقات مرة ثانية. ولو نظرنا إلى الفرق بين المتمتع والقارن فإن القارن زاد مشقة، وقلت عنه بعض المناسك، وزيادة المشقة في أنه يظل محرماً مثلاً من يوم واحد ذي الحجة إلى يوم العيد، أما المتمتع فسيعتمر ثم يصير حلالاً إلى أن يحرم بالحج. والقارن سيطوف طواف القدوم، والمتمتع سيطوف طواف العمرة. والمتمتع سيسعى بين الصفا والمروة سعياً عن عمرته وسعياً عن حجه بعد ذلك، والقارن إن سعى بعد طواف القدوم فليس عليه سعي آخر. وهذا فيه ترفه بإسقاط واحد من الواجبات أو الأركان التي عليه بأنه نوى هذا السعي بنيتين عن حجه وعن عمرته. إذاً: كلا الأمرين قريب من الآخر، فلا يلزمه أن يرد من النفقة شيئاً. وإن أمر بالاثنين -الحج والعمرة- فعمل واحداً فقط وأفرد الحج ولم يعمل عمرة عنه فهو مقصر في ذلك ويرد نصف النفقة؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وصاحبه أمره أن يحرم بالعمرة من الميقات لأنه أمره بالقران، وهذا أحرم بالحج فقط، وأخل بما طلبه صاحبه فيرد نصف النفقة.

стр. 133

حكم من استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة من الصور: أن تقول لرجل: يا فلان! حج عن فلان، وندفع لك أجرتك على الحج، وآخر قال له: اعتمر عني، وهذا يعلم وهذا يعلم، أو هذا يعلم وهذا لا يعلم، أو هما لا يعلمان. إذاً: الذي يخرج نائباً أو مستأجراً عن أكثر من واحد بالأجرة، فحج واعتمر قارناً وأذنا له في ذلك فإن الدم على الاثنين. وقد يكون هذا يعمل عمرة عن إنسان، وحجاً عن إنسان آخر، وهذا ميت وهذا ميت، وهذا دفع له أجراً، وهذا دفع له أجراً على ذلك، فصار الآن عليهما دم القران، طالما كان الأمر بمعرفة الاثنين فهما من يدفعان هذا المال. أما إن قرن بغير إذنهما، فهذا طلب منه حجة، والآخر قال: اعمل لي عمرة، يقصد: اعتمر من الميقات أيضاً، فذهب وقرن بين الحج والعمرة عن الاثنين، فإن قرن من غير إذنهما صح ووقع عنهما ويرد من النفقة لكل واحد منهما النصف، ودم القران عليه، وإن إذن أحدهما دون الآخر رد على غير الآمر نصف نفقته وحده. أي: لو قال له: أنا سأخرج أحج عن فلان، فقال: اعمل لي عمرة، ودفع له الأجر عن ذلك، والذي يحج عنه لم يعرف هذا الأمر، فيرد له من النفقة نصفها؛ لأنه أتى بما أمر به، وإنما خالف في صفته لا في أصله، فأشبه من أمر بالتمتع فقرن.

стр. 134

حكم من استنابه رجل للحج أو العمرة ثم حج أو اعتمر إذا أمره بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه، أو أمره بعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه صح، ولم يرد شيئاً من النفقة؛ لأنه أتى بما أمر به على وجهه. وصورة المسألة: أنه أمره بالحج فحج، وبعدما أكمل مناسك الحج عمل عمرة عن نفسه فلا شيء عليه، ولا يلزمه أن يرد شيئاً من النفقة، أو أمره أن يعتمر فاعتمر وأنهى العمرة وانتظر، وفي أيام الحج حج عن نفسه، فلا شيء عليه؛ لأنه وفى للآخر؛ لأنه طلب عمرة فوفى عنه هذه العمرة، ولا يلزمه أن يرد شيئاً من النفقة.

стр. 135

مسائل متفرقة في الحج عن الغير إن أمره بالإحرام من ميقات فأحرم من غيره، كأن قال له: أحرم عني من الجحفة فأحرم عنه من ذي الحليفة، فهنا هو أحرم من الميقات، فلا شيء عليه في ذلك، ولا يرد شيئاً من النفقة. وإن أمره بالإحرام من بلده فأحرم من الميقات، كما لو فرضنا أنه قال له: حج عني من هنا من الإسكندرية تلبس الإحرام وتلبي، فهو لم يفعل، وأحرم من الميقات من ذي الحليفة أو من رابغ، فهذا أتى بما طلبت منه الشريعة، فليس عليه أن يرد شيئاً من أجل أنه فعل ما أمر به شرعاً. وإن أمره بالحج في سنة أو بالاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز؛ لأنه مأذون فيه في الجملة: فإذا أمره بالحج عنه في السنة المقبلة فحج عنه هذا العام فهذا خير له أنه فعل هذا الشيء الآن، وإن آخر في السنة التي بعدها، فهذا أيضاً صحت الحجة وله الأجر، ولكن يكره له أن يفعل ذلك؛ لأنه مأمور الآن، فالأمر يتوجه عليه أن يفعل هذا الذي أمر به الآن، وخاصة إذا قلنا: إن الحج يجب على الفور. وإن استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما وقع عن نفسه دونهما؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما. بمعنى: إذا استنابه اثنان في نسك واحد فأحرم به عنهما، فهذا قال له: حج عني، والثاني قال له: حج عني، وهذا لا يعرف أنه قد طلب منه غيره، فخرج يلبي: لبيك عن فلان وعن فلان، فمثل هذا لا يقع إلا عنه هو فقط ويغرم المال الذي أخذه لأصحابه، فهو إن أحرم عن نفسه وعن غيره وقع عن نفسه؛ لأنه لا تكون عن فلان وعن فلان نيتان والعمل واحد، فهذا لا يصح في الفريضة، إذاً: الذي يحج إما أن يحج عن واحد، وإما أن يحج عن نفسه. والحج عن نفسه هل سيكون تطوعاً أو فريضة؟ لا ينفع ابتداء أن أطلب ممن لم يحج عن نفسه أن يحج عني؛ فمن خرج يلبي عنه وعن فلان فهي عنه فقط، ويرجع لهما أجرتهما. وإن أحرم عن أحدهما غير معين، فلم يعين في نيته فلاناً هذا، بل قال له: حج عني، وأعطاه الأجرة، فقال: لبيك عن أحدهما، في هذه الحالة يعين أحدهما ويرد للآخر ماله، وإن وصل إلى الطواف بالبيت وما زال معلقاً أن الحجة هذه عن فلان وعن فلان وهو يطوف بالبيت فلا ينفع وتنقلب وتصير الحجة له هو، ويرد النفقات لأصحابها. وإذا جامع الأجير وهو محرم قبل التحلل الأول فسد حجه: فهذا أجير أو نائب ذهب ليحج عن فلان، ثم لما قضى بعض المناسك وقبل أن يتحلل التحلل الأول -والتحلل الأول لا يتم بأن يرمي جمرة العقبة أو يحلق شعره أو يذبح الهدي، فإذا تحلل التحلل الأول فهو ما زال متلبساً بالنسك- فإذا جامع قبل التحلل الأول فسد الحج، بخلاف ما بعد التحلل الأول فعليه دم، ولا يفسد حجه، ولو أفسد بالجماع قبل التحلل الأول فهو يفسده على نفسه، والحج ينقلب إليه هو، فهو الذي أفسد الحجة، ويمضي في الحجة الفاسدة، وعليه القضاء لهذه الحجة الفاسدة، وتلزمه الفدية، ويرد النفقة والأجرة لصاحبها، فإن كانت إجارة عين فيأتي بها واقعة عن الأجير ويرد الأجرة، وإن كانت في الذمة، أي: إذا عينت أن فلاناً هذا بعينه يحج عني هذا العام فلا تنفع حجة هذه السنة، ولا ينفع أن يحجها عنك مرة أخرى، وتنفسخ الإجارة، ويرد المال لصاحبه، ويلزمه القضاء بعد ذلك على ما ذكرنا. وإن كانت في الذمة -أي: ليست متعينة هذه السنة- فهي في ذمته، والحجة الفاسدة تنقلب إليه ولا يلزمه أن يرد المال، ولكن نقول له: بعدما تحج هذا العام الحج الفاسد ففي العام الذي يليه تقضي عن نفسك بعد ذلك وتحج عن صاحبك، وما زال الأمر متعلقاً بك. ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم صرف الإحرام إلى نفسه ظناً منه أنه ينصرف، وأتم الحج على هذا الظن، فلا ينصرف الحج إلى الأجير بل يبقى للمستأجر؛ لأن الإحرام من العقود اللازمة، فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره. وصورة المسألة: أن إنساناً أحرم وهو أجير عن المستأجر، وقال: لبيك عن فلان، والأجير كان قد حج عن نفسه قبل ذلك، والآن هو نائب عن آخر، ثم بدا له أن يجعل هذه الحجة له ويرد المال لصاحبه، ومضى على هذه النية حتى أنهى المناسك، فقد وقع كل حجه عن صاحبه، وليس له أن يغير النية؛ لأن العقد صار لازماً بتلبيته عن فلان؛ ولذا قال النبي ﷺ للرجل: (هذه عنك، ثم حج عن شبرمة)، فانقلبت إليه لكونه لم يحج عن نفسه قبل ذلك، فلو كان حج عن نفسه لصارت الحجة لفلان هذا طالما أنه لبى باسم فلان وقال: لبيك حجاً عن فلان ولم تنقلب، حتى لو زعم وظن الأجير أنها تنقلب هذه الحجة إليه، ويستحق الأجير الأجر المسمى لحصول غرض المستأجر. وإن خرج الحاج للحج فمات في الطريق، فهل يمكن أن نستنيب آخر يقوم مقامه ويكمل؟ الراجح أن هذا هو الأفضل، وأن يخرج من المكان الذي توفي فيه من يكمل له مناسك الحج، وتصح النيابة عنه في ذلك، أو فيما بقي من النسك، سواء كان إحرامه لنفسه أو لغيره؛ فإن كان لنفسه فهذا هو الأصل، وإن كان لغيره -النائب أو الأجير- فيكمل من هذا المكان إنسان آخر يحل محله، ويكمل المناسك عن هذا الإنسان؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها قضى عنه باقيها كالزكاة، والظاهر عدم وجوب ذلك؛ لأن العلماء اختلفوا في ذلك: هل يجب إكمال الحج عن هذا المتوفي أو لا يجب؟ فلو أن الذي يحج عن غيره كان نائباً أو أجيراً فلا بد أن تكمل الحج عن هذا الآخر؛ لأنه أخذ أجرة على ذلك ومات في الطريق، إذاً: ورثة هذا الأجير يكملون عنه هذه الحجة، لكن لو أن إنساناً ذهب يحج عن نفسه ومات في الطريق، فهل يلزم ورثته أن يأتوا بمن يكمل عنه المناسك؟ الراجح أنه لا يلزم ذلك؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فأوقصته، فقال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، ولم يأمر النبي ﷺ آخر أن يكمل الحج عنه، فدل على أن الذي يتوفى في الحج يبعث يوم القيامة ملبياً وله الأجر على ذلك، لكن وجوب الإكمال هو في حق الأجير الذي يأخذ أجرة على ذلك؛ لأن الإجارة في ذمته، وإذا توفي تنتقل إلى ورثته، فهم الذين يقيمون غيره ليكمل هذه المناسك عن صاحبهم؛ لأن المستأجر لم يستفد شيئاً، فالأجير هو الذي أحرم وصاحبه لم يتم عنه الحج، فعلى ذلك يلزمهم أن يكملوا هذه الحجة عنه.

стр. 136

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - من أحكام المستأجر وأنواع النسك من تيسير الله على عباده أن جوز لهم التوكيل والاستنابة في بعض العبادات، ومنها الحج، فيجوز للمعضوب الذي به مرض لا يرجى برؤه أن يستأجر من يحج عنه إذا كان قادراً على ذلك، كذلك يجوز لورثة الشخص الذي مات ولم يحج أن يستأجروا من يحج عن ميتهم، وهذا من فضل الله تعالى على عباده. والحج لا يكون إلا في أشهر الحج لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. أما أنواع الحج فقد أجمع أهل العلم على جواز العمل بأحدها واختلفوا في الأفضلية.

стр. 137

الاستئجار للحج وأنواعه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا فيما سبق مسائل في الأجير، وفي مخالفات الأجير إذا خالف في أمر الحج، فطلب منه أن يحج على طريقة معينة: قارناً أو مفرداً أو متمتعاً، أو أن يعتمر فخالف في ذلك. وهنا سنذكر إذا مات الأجير في أثناء الحج. وقد ذكرنا أن الراجح من كلام أهل العلم أنه يجوز الإجارة على فعل الحج فيكون نائباً، أو يكون أجيراً فيأخذ أجرة على ذلك بصورة أخرى. والفرق بينهما: أن النائب يأخذ تكاليف الحج، ويقوم بعمل الحج، وهو يحتسب الأجر عند الله في ذلك، ويجوز أن يأخذ في النهاية جعلاً أو هدية على الذي فعله، لكن الأجير يشارط. والإجارة ضربان: إجارة عين، وإجارة ذمه. إجارة العين أن يكون ملزماً هو بنفسه أن يحج، ويعين له الوقت الذي يحج فيه، إما في هذا العام أو في العام التالي. أما الإجارة في الذمة فلو استأجر الأجير غيره يقوم بها، فجائز، سواء في هذا العام أو في العام الذي يليه، فهنا فرق بين الأجير المعين، وبين أن يكون أجيراً في الذمة.

стр. 138

صور وأحوال الأجير الذي يموت في أثناء الحج من المسائل التي سنذكرها: إذا مات الأجير في أثناء الحج له أحوال: الصورة الأولى: أن يموت بعد الشروع في الأركان وقبل الفراغ منها: في هذه الحالة سيأخذ الأجير أجرة على هذا العمل، وطالما أنه سيأخذ الأجرة فلا بد من إكمال هذا العمل. فإذا توفي هذا الأجير بعد الشروع في الأركان، وقبل الفراغ منها، فيستحق من الأجرة بقدر عمله، وبقدر سفره؛ لأنه عمل بعض ما استأجر عليه فوجب له قسطه، لكن على ورثة الأجير أن يستأجروا من يكمل الحج عن المستأجر، فإن أمكن ذلك في تلك السنة ببقاء الوقت فليفعل، وإن تأخر إلى السنة القابلة، فهنا يسقط الخيار وللمستأجر فسخ الإجارة. إذاً: إذا مات بعد الشروع في الأركان وقبل الفراغ منها، وذلك بأن وصل وطاف طواف القدوم، وسعى بعد طواف القدوم، ولكن لم يؤد منسك الحج الأكبر وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه مات قبل ذلك، فهذا الذي توفي لم يتم الحج لمن يريد أن يحج عنه، فعلى ورثة هذا الأجير أن يستأجروا من يكمل الحج عن الذي توفي، فيقف بعرفة ويكمل بقية المناسك، أو أنهم يؤجلون الحج إلى السنة القادمة، فيستأجرون من يحج عنه، لكن في هذه الحالة من حق المستأجر أن يفسخ هذه الإجارة، وتكون حجة الأجير المتوفي عن نفسه، ويأخذ المستأجر المال؛ لأنه لم يكمل عنه حجه، وسيحتاج أن يجعل من يحج عنه بأجرة من جديد. الصورة الثانية: أن يموت بعد الشروع في السفر وقبل الإحرام: هذا الأجير أخذ أجرة على أنه سيحج عن فلان، وشرع في السفر، لكنه لم يحرم، فرضنا أنه ركب وقبل أن يصل إلى الجحفة مات هذا الأجير، فهذا يستحق من الأجرة بقدر ما سافر؛ لأنه لم يحج، بل لم يحرم. الصورة الثالثة: أن يموت بعد فراغه من الأركان وقبل فراغه من باقي الأعمال: يكون الأجير قد أدى أركان الحج: الإحرام، الطواف، السعي، الوقوف بعرفة، يكون قد فعل الأركان كلها، وبقية المناسك التي لم يفعلها فيها دم، لكن لو كان هذا الإنسان يحج عن نفسه وتوفي قبل أن ينتهي من الأركان فلا يلزم أن يكمل عنه هذا الشيء؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، وله أجره عند الله. وهذه الصورة كأن يبقي عليه رمي الجمرات فهذا من الواجبات، والمبيت بمنى فهذا من الواجبات، فعلى الورثة أن يوكلوا من يذبح ويوزع اللحم على فقراء الحرم، فعليه دم مكان كل واجب من الواجبات التي تركها، لكن لو كان الوقت باقياً كأن توفي يوم العيد مثلاً بعدما طاف وسعى وبقيت عليه الواجبات، فاستنابوا أو وكلوا غيره يقوم بهذا الشيء، فجائز، ولا يشترط فيها الإحرام؛ لأنه قد تحلل من الإحرام، ولا يلزم الدم، ولا ينقص شيء من الأجرة؛ لأن الحجة قد تمت.

стр. 139

حكم إحصار الأجير قبل إمكان الحج يقول: إذا أحصر الأجير قبل إمكان الأركان تحلل ولا قضاء عليه، ولا على المستأجر، يعني لا قضاء عليه إذا كان هذا اشترط وقال: محلي حيث حبستني، فيتحلل ولا شيء عليه، لكنه إذا لم يشترط، فعليه دم بسبب الأحصار. فنقول هنا: يتحلل ولا قضاء عليه، والحجة رجعت بأصلها لصاحبها، وكانت مستقرة عليه في ذمته، وعليه الحج مرة أخرى. ثم يقول: (كأنه أحصر وتحلل، فإن كانت حجة تطوع أو كانت حجة إسلام، وقد استقرت قبل هذه السنة بقي الاستقرار) يعني: ما زالت الحجة على من أراد الحج عنه، ولكن عليه الدم في الإحصار، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] فإذا كان نائباً محضاً فالدم على الذي حججه عن نفسه، أي: على المستنيب الذي حج له. فهذا المستأجر سيأخذ أجرة، لكنه أحصر بعد الإحرام وقبل الشروع في الأركان، فعليه الدم في ذلك، ويخرج قيمة الدم من أجرته. هناك خلاف بين أهل العلم في هذه الصورة فمنهم من قال: الدم على الأجير باعتبار أنه هو الذي يباشر وسيأخذ أجرة على الذي فعل، أما المستأجر فلم تكن له حجة، وبعض أهل العلم قال: الدم على الذي استأجره باعتبار أن الحج له؛ لأنه لو ذهب بنفسه فسيحصر في هذه الحالة. إذاً: طالما أن الأجير سيأخذ أجرة على ذلك فليكن الدم على الأجير، فإن كان نائباً من غير أجرة فالدم على المستنيب. وإن كان استطاعها هذه السنة سقطت الاستطاعة، يعني: أن المستأجر استطاع الآن الحج بالغير، والمستطيع إما مستطيع بالنفس، وإما مستطيع بالغير، فهذا مستطيع بالغير، فيستأجر غيره عن نفسه، فإذا قام فاستأجر الأجير وذهب وأحصر فهو الآن غير مستطيع، فلا يجب عليه إلا أن يستطيع مرة ثانية، وإن لم يتحلل الأجير وقد أحصر، ودام على الإحرام حتى فاته الحج انقلب الإحرام إليه كما في الإفساد؛ لأنه مقصر حيث لم يتحلل بأعمال عمرة، وعليه دم الفوات، وليس على المستأجر؛ لأنه مقصر حيث لم يتحلل بأعمال عمرة، وعليه دم الفوات.

стр. 140

حكم حصول الفوات بنوم أو تأخير من الأجير قال: (لو حصل الفوات بنوم أو تأخر)، هذه الصورة غير الصورة الماضية، الصورة الماضية أحصر وأصر على إحرامه حتى فاته الحج، فهذه عليه دم الفوات. لكن لو كان الفوات بنوم أو بتأخير، كأن يفوته الوقوف بعرفة بسبب النوم، هذا الأجير قصر حتى أفسد هذه الحجة، فعليه أن يرد المال لصاحبه الذي استأجره. قوله: (لو حصل الفوات بنوم أو تأخر عن القافلة أو غيرهما من غير إحصار انقلب المأتي به إلى الأجير، أيضاً كما في الإفساد، ولا شيء للأجير) وذلك لأنه مفرط وليس بإحصار ولا بغيره.

стр. 141

إذا استأجر المعضوب من يحج عنه فأحرم الأجير عن نفسه قال: (لو استأجر المعضوب من يحج عنه، فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً). يعني: لو استأجر المعضوب الذي هو المريض مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه، ومع شدة مرضه لا يقدر على الذهاب للحج، أو كان ضعيفاً ضعفاً شديداً لا يقدر معه على ركوب الراحلة للسفر لأداء الحج، ولا يقدر على أداء المناسك، فاستأجر من يحج عنه، فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً يعني: أن الأجير قال: لبيك حجة، لبى عن نفسه حجة تطوع، فهذه الحجة تكون للأجير. الصورة الأولى: أنه أحرم عن المستأجر أو عن المستنيب، ثم بعد ذلك حول النية وجعل الحجة عن نفسه، فهذا لا يصلح، وإنما الحجة للمستأجر أو المستنيب، فطالما أنه أحرم عن فلان فليستمر الإحرام عن فلان، حتى لو أنه أراد ذلك وغير لم ينقلب الإحرام عن فلان. الصورة الثانية: بدأ الإحرام عن نفسه، فكأنه خدع صاحبه وحج عن نفسه، فهذا تكون الحجة تطوعاً له، ويرد الأجرة لصاحبه.

стр. 142

حكم من أحرم عن رجلين معاً أو عن أحدهما وعن نفسه أو عن أحدهما لا بعينه قال: (لو استأجر رجلان رجلاً يحج عنهما فأحرم عنهما معاً انعقد إحرامه لنفسه تطوعاً، ولا ينعقد لواحد منهما؛ لأن الإحرام لا ينعقد عن اثنين، وليس أحدهما أولى من الآخر، ولو أحرم عن أحدهما وعن نفسه معاً انعقد إحرامه عن نفسه أيضاً؛ لأن الإحرام عن اثنين لا يجوز وهو أولى من غيره فانعقد له. فإذا استأجره اثنان ليحج عنهما، أو أمراه بلا إجارة، فأحرم عن أحدهما لا بعينة انعقد إحرامه عن أحدهما، وكان له صرفه إلى أيهما شاء قبل التلبس بشيء من أفعال الحج، يعني: لو أنه حج عن رجلين فأحرم عن أحدهما لا بعينه، فيجوز له أن يحول النية إلى واحد منهما، وذلك كمن يحرم قارناً أو متمتعاً فله أن يغير النية، كذلك هنا في هذه الصورة لو أحرم عن أحدهما لا بعينه فله أن يعين هذه الحجة عن فلان، أو عن فلان، لكن قبل التلبس بشيء من أفعال الحج، وأما بعد التلبس بشيء من أفعال الحج فلا يصلح حجاً بغير نية، وفي هذه الحالة يلزمه أن يرد الأجرة لصاحبها.

стр. 143

آداب الحج من فرض على نفسه الحج فعليه التأدب بآدابه كما ذكرنا في العمرة قبل ذلك، قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] هذه من آداب الحج قوله: (من فرض فيهن) يعنى: من أوجب على نفسه فيهن الحج وألزم نفسه به. وقوله: ((فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) قال أهل العلم: المراد بالرفث، الجماع، وكذلك التعرض للنساء بالجماع، أو ذكر الجماع في حضرة الزوجة وغير ذلك، وكونه يذكر الجماع في حضرة النساء ممنوع. قوله: ((وَلا فُسُوقَ)) الفسوق هي: المعاصي قوله: ((وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) الجدال بمعنى أن يماري صاحبه حتى يغضبه، إلا أن يكون الجدل لنصرة دين الله ، واحتاج إلى ذلك، أما غير ذلك فالأصل أنه منهي عن الجدال، وسميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن غيره ويصرفه عنه، كأنه مأخوذ من الجدل أي: الحبل المفتول. فكل واحد يريد أن يصرف صاحبه عن رأيه إلى الرأي الذي اختاره هو، وظاهر الآية - ((فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) - النهي، يعني: كأنه يقول لنا هنا: لا ترفثوا ولا تفسقوا، ولا تجادلوا.

стр. 144

أشهر الحج قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أشهر جمع شهر، والحج شهران وبعض من الثالث فلذلك جمع، فأهل العلم قالوا: على أن في قوله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة:١٩٧] تقديراً، والتقدير فيها: أشهر الحج أشهر معلومات، فهنا (أشهر): المقدرة كأنها مبتدأ، والحج، مضاف إليه، فحذف المضاف الذي هو المبتدأ، وأقيم المضاف إليه مقامه، وأخذ إعرابه، هذا التقدير الأول. التقدير الثاني: الحج حج أشهر معلومات، الحج مبتدأ، وحج أشهر معلومات خبر. إذاً المعنى: لا حج إلا في هذه الأشهر المعلومات، فلا يجوز في غيرها، خلافاً لما كان أهل الجاهلية تفعله من حجهم في غيرها. إذاً: لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر ليلة النحر. ويجوز أن يقال: ذو القِعدة، وذو القَعدة، وإن كان الأشهر ذو القَعدة، كذلك ذو الحِجة، يجوز فيه الحجة والحَجة كما قدمنا قبل ذلك.

стр. 145

حكم انعقاد الإحرام في غير أشهر الحج اختلف العلماء في مسألة: هل ينعقد الإحرام في غير أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة؟ قال بعض العلماء: إنه لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وهذا مذهب الشافعية وبه قال عطاء وطاوس، ومجاهد، وأبو ثور وهذا منقول عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، ومنقول عن الإمام أحمد، وإن كان الأشهر في المذهب عن الإمام أحمد أنه يجوز أن يحرم في أشهر الحج وفي غيره من الأشهر، ولكن لا تقع الأعمال إلا في أشهر الحج. وذهب النخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد إلى أنه يجوز قبل أشهر الحج ولكن يكره ذلك. الإحرام قبل فيه مشقة على الإنسان، ولم يأمرنا النبي ﷺ بذلك، فحتى من قال بجواز الإحرام قبل أشهر الحج قالوا: يكره هذا الشيء، فعلى هذا لا ينبغي لمسلم أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج التي ذكرها الله . القائلون بجواز الإحرام قبل أشهر الحج مع الكراهة استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] يعني: كل الأهلة كذلك. أما من قال: لا ينعقد الإحرام إلا في أشهر الحج فقال: إن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] قد جاء مطلقاً، فيحتمل أن من الأهلة ما هو مواقيت للناس، مثل حل وقت الديون، وحل وقت المرأة الذي تعتد من الوفاة أو من الطلاق وغير ذلك، فهي مواقيت لهذا الشيء، ومنها مواقيت للحج في أشهر الحج، فقالوا: هذه الآية بإطلاقها قيدتها الآية الأخرى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]. فإذاً: قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] تقديره: أن أشهر الحج من ضمن الأشهر الباقية التي هي أشهر العام، ومنها الأشهر المعلومة التي تكون فيها المناسك وهي أشهر الحج، ولا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وأشهر الحج هي شوال وذو القِعدة، وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر من يوم النحر.
следующие страницы →