← Фикх общий

Фикх общий · id 36974

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (460 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إذا استأجر المعضوب من يحج عنه فأحرم الأجير عن نفسه قال: (لو استأجر المعضوب من يحج عنه، فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً). يعني: لو استأجر المعضوب الذي هو المريض مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه، ومع شدة مرضه لا يقدر على الذهاب للحج، أو كان ضعيفاً ضعفاً شديداً لا يقدر معه على ركوب الراحلة للسفر لأداء الحج، ولا يقدر على أداء المناسك، فاستأجر من يحج عنه، فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً يعني: أن الأجير قال: لبيك حجة، لبى عن نفسه حجة تطوع، فهذه الحجة تكون للأجير. الصورة الأولى: أنه أحرم عن المستأجر أو عن المستنيب، ثم بعد ذلك حول النية وجعل الحجة عن نفسه، فهذا لا يصلح، وإنما الحجة للمستأجر أو المستنيب، فطالما أنه أحرم عن فلان فليستمر الإحرام عن فلان، حتى لو أنه أراد ذلك وغير لم ينقلب الإحرام عن فلان. الصورة الثانية: بدأ الإحرام عن نفسه، فكأنه خدع صاحبه وحج عن نفسه، فهذا تكون الحجة تطوعاً له، ويرد الأجرة لصاحبه.

стр. 142

حكم من أحرم عن رجلين معاً أو عن أحدهما وعن نفسه أو عن أحدهما لا بعينه قال: (لو استأجر رجلان رجلاً يحج عنهما فأحرم عنهما معاً انعقد إحرامه لنفسه تطوعاً، ولا ينعقد لواحد منهما؛ لأن الإحرام لا ينعقد عن اثنين، وليس أحدهما أولى من الآخر، ولو أحرم عن أحدهما وعن نفسه معاً انعقد إحرامه عن نفسه أيضاً؛ لأن الإحرام عن اثنين لا يجوز وهو أولى من غيره فانعقد له. فإذا استأجره اثنان ليحج عنهما، أو أمراه بلا إجارة، فأحرم عن أحدهما لا بعينة انعقد إحرامه عن أحدهما، وكان له صرفه إلى أيهما شاء قبل التلبس بشيء من أفعال الحج، يعني: لو أنه حج عن رجلين فأحرم عن أحدهما لا بعينه، فيجوز له أن يحول النية إلى واحد منهما، وذلك كمن يحرم قارناً أو متمتعاً فله أن يغير النية، كذلك هنا في هذه الصورة لو أحرم عن أحدهما لا بعينه فله أن يعين هذه الحجة عن فلان، أو عن فلان، لكن قبل التلبس بشيء من أفعال الحج، وأما بعد التلبس بشيء من أفعال الحج فلا يصلح حجاً بغير نية، وفي هذه الحالة يلزمه أن يرد الأجرة لصاحبها.

стр. 143

آداب الحج من فرض على نفسه الحج فعليه التأدب بآدابه كما ذكرنا في العمرة قبل ذلك، قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] هذه من آداب الحج قوله: (من فرض فيهن) يعنى: من أوجب على نفسه فيهن الحج وألزم نفسه به. وقوله: ((فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) قال أهل العلم: المراد بالرفث، الجماع، وكذلك التعرض للنساء بالجماع، أو ذكر الجماع في حضرة الزوجة وغير ذلك، وكونه يذكر الجماع في حضرة النساء ممنوع. قوله: ((وَلا فُسُوقَ)) الفسوق هي: المعاصي قوله: ((وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) الجدال بمعنى أن يماري صاحبه حتى يغضبه، إلا أن يكون الجدل لنصرة دين الله ، واحتاج إلى ذلك، أما غير ذلك فالأصل أنه منهي عن الجدال، وسميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن غيره ويصرفه عنه، كأنه مأخوذ من الجدل أي: الحبل المفتول. فكل واحد يريد أن يصرف صاحبه عن رأيه إلى الرأي الذي اختاره هو، وظاهر الآية - ((فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) - النهي، يعني: كأنه يقول لنا هنا: لا ترفثوا ولا تفسقوا، ولا تجادلوا.

стр. 144

أشهر الحج قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أشهر جمع شهر، والحج شهران وبعض من الثالث فلذلك جمع، فأهل العلم قالوا: على أن في قوله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة:١٩٧] تقديراً، والتقدير فيها: أشهر الحج أشهر معلومات، فهنا (أشهر): المقدرة كأنها مبتدأ، والحج، مضاف إليه، فحذف المضاف الذي هو المبتدأ، وأقيم المضاف إليه مقامه، وأخذ إعرابه، هذا التقدير الأول. التقدير الثاني: الحج حج أشهر معلومات، الحج مبتدأ، وحج أشهر معلومات خبر. إذاً المعنى: لا حج إلا في هذه الأشهر المعلومات، فلا يجوز في غيرها، خلافاً لما كان أهل الجاهلية تفعله من حجهم في غيرها. إذاً: لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر ليلة النحر. ويجوز أن يقال: ذو القِعدة، وذو القَعدة، وإن كان الأشهر ذو القَعدة، كذلك ذو الحِجة، يجوز فيه الحجة والحَجة كما قدمنا قبل ذلك.

стр. 145

حكم انعقاد الإحرام في غير أشهر الحج اختلف العلماء في مسألة: هل ينعقد الإحرام في غير أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة؟ قال بعض العلماء: إنه لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وهذا مذهب الشافعية وبه قال عطاء وطاوس، ومجاهد، وأبو ثور وهذا منقول عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، ومنقول عن الإمام أحمد، وإن كان الأشهر في المذهب عن الإمام أحمد أنه يجوز أن يحرم في أشهر الحج وفي غيره من الأشهر، ولكن لا تقع الأعمال إلا في أشهر الحج. وذهب النخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد إلى أنه يجوز قبل أشهر الحج ولكن يكره ذلك. الإحرام قبل فيه مشقة على الإنسان، ولم يأمرنا النبي ﷺ بذلك، فحتى من قال بجواز الإحرام قبل أشهر الحج قالوا: يكره هذا الشيء، فعلى هذا لا ينبغي لمسلم أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج التي ذكرها الله . القائلون بجواز الإحرام قبل أشهر الحج مع الكراهة استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] يعني: كل الأهلة كذلك. أما من قال: لا ينعقد الإحرام إلا في أشهر الحج فقال: إن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] قد جاء مطلقاً، فيحتمل أن من الأهلة ما هو مواقيت للناس، مثل حل وقت الديون، وحل وقت المرأة الذي تعتد من الوفاة أو من الطلاق وغير ذلك، فهي مواقيت لهذا الشيء، ومنها مواقيت للحج في أشهر الحج، فقالوا: هذه الآية بإطلاقها قيدتها الآية الأخرى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]. فإذاً: قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] تقديره: أن أشهر الحج من ضمن الأشهر الباقية التي هي أشهر العام، ومنها الأشهر المعلومة التي تكون فيها المناسك وهي أشهر الحج، ولا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وأشهر الحج هي شوال وذو القِعدة، وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر من يوم النحر.

стр. 146

أقوال العلماء في تحديد العشر من ذي الحجة هل بالليالي أم بالأيام مسألة: اختلف العلماء: هل أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة أو وعشرة أيام من ذي الحجة؟ قال بعض أهل العلم ومنهم الشافعية: على أن اشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن الزبير والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والنخعي، والثوري، وأبي ثور، وقال به أبو يوسف من الأحناف، وقال به: داود. وذهب غيرهم من العلماء منهم: أبو حنيفة، والإمام أحمد، وأصحاب داود بن علي إلى أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة. الخلاف في يوم العيد نفسه هل هو داخل فيها أم لا؟ الذي قال: لا يدخل قال في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] من الممكن أن تفرض الحج في شوال وذو القعدة وذي الحجة إلى ليلة عشرة من ذي الحجة يمكن أن تذهب إلى عرفات ليلة العيد، لكن غير ممكن يوم العيد أن تفرض الحج، إلا على قول من يقول بأنه يجوز الحج في العام كله، ويبقى محرماً طوال العام، وهذا فيه نظر، لذلك الصواب أن الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فستبقى العشر الليال من شهر ذي الحجة من أشهر الحج، أما أن تفرض الحج بعد ذلك فلا، إلا أن تجوز الإحرام في السنة كلها. فإذاً: الذين قالوا: عشرة أيام، قالوا بأن يوم العيد أكثر المناسك تكون فيه، فكيف يوم العيد لا يكون داخلاً في أشهر الحج؟ فأنت تصلي الفجر يوم العيد في المزدلفة ثم تخرج إلى منى وترمي الجمرات وهي من ضمن المناسك، وتحلق شعرك وتنحر الهدي، ثم تذهب فتطوف بعد ذلك، ثم تبيت في منى، وهو يوم الحج الأكبر. نقول: وإن كان من أيام الحج وفيه المناسك، لكن ليس فيه فرض الحج، إنما الفرض في ليلته؛ لأن النبي ﷺ قال: (الحج عرفة)، فأنت حتى تنال الحج لا بد أن تقف بعرفة. ومن أحرم بالحج في غير أشهر الحج لم ينعقد الحج وإنما ينعقد عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام، فلو أن إنساناً عقد حجاً في يوم العيد وقال: لبيك حجاً فلا ينعقد لهذا الإنسان حج، لكن الذي عقد الإحرام يتحلل بعمرة، والراجح أنها مجزئة عن عمرة الإسلام. فأما إذا أحرم بنسك مطلقاً قبل أشهر الحج، في رمضان أحرم وقال: لبيك اللهم لبيك لم يعين حجة ولا عمرة وإنما نسك مطلق، فنقول: ينقلب إحرامه عمرة؛ لأن الوقت لا يقبل إلا العمرة على الراجح. لا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة؛ لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة، إلا في مسائل دقيقة جداً ويلغز بهذه المسائل، كأن يذهب الإنسان ليعمل حجة، ومنع من هذه الحجة، وقدر له أن يرجع مرة أخرى، على تفصيل يذكره العلماء في ذلك، وهي أنه أحصر، فتحلل بأعمال عمرة فرجع فلما رجع إلى الميقات تمكن من أن يذهب مرة ثانية، فكأن هذه الحجة قضاء عن هذه في العام الواحد. هذه صورة من الصور التي ذكرها العلماء في ذلك، لكن الأصل أنه لا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة؛ لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة؛ ولأنه لا يفرغ من أفعال الحج إلا في أيام التشريق، ويتعذر الوقوف بعرفة في السنة الواحدة مرتين.

стр. 147

أنواع الإحرام يجوز الإحرام على خمسة أنواع: إما تكون مفرداً أو متمتعاً، أو قارناً، أو تطلق الإحرام، أو تعلق الإحرام، هذه خمس صور ممكن يكون الإحرام على واحد منها. الأول: الإفراد: هو أن يهل بالحج مفرداً، فيقول: لبيك حجة. الثاني: المتمتع: وهو أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ منها وتحلل أحرم بالحج من عامه. يعني: يبقى حلالاً ما بين عمرته وبين الحج، وحج من عامه هذا، فتمتع بالعمرة إلى الحج. الثالث: القران: هو أن يهل بالحج والعمرة معاً، أي: يجمع بينهما في الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، بأن يقول: لبيك عمرة وحجة، أو حجةً وعمرة، ويعمل المناسك كلها كما سنفصل فيها، وهذه الأركان تغني عن الحج وعن العمرة وتجزئ عنهما. أو أنه أحرم بعمرة وقبل أن يطوف بالبيت أدخل عليه الحج، قال: لبيك عمرة، فقبل أن يطوف أدخل الحج على العمرة فصار قارناً. الرابع: الإطلاق: وهو أن يحرم بنسك مطلقاً ثم يصرفه إلى ما يشاء، فرضنا أنه ذهب إلى الميقات ولبَس الإحرام وقال: لبيك اللهم لبيك، وأطلق الإحرام فله قبل أن يطوف بالبيت أن يصرفه إلى ما يشاء أما ينوي حجة أو عمرة أو يجمع بينهما، هذا قبل الطواف بالبيت، أما بعد الطواف فهو إما أن يكون نوى حجة وطاف طواف القدوم، أو أن ينوي عمرة. الخامس التعليق: وهو أن يحرم فيقول: إن فلاناً سيحج معنا هذه السنة، فأنا أريد أن أعمل مثله، فيقول: لبيك بإحرام كإحرام فلان، كما فعله بعض الصحابة فأحرموا بتلبية كما فعل النبي ﷺ وجعلهم قارنين مثله، هذا من كان قد ساق الهدي منهم. إذاً: هذه الأنواع الخمسة جائزة.

стр. 148

أقوال العلماء في أفضل أنواع الإحرام أنواع الإحرام إما أن يكون مفرداً أو متمتعاً أو قارناً أو يعلق على إحرام فلان أو يطلق، والتعليق والإطلاق جائزان، نقول: الأفضل واحد من هؤلاء: إما أن يكون مفرداً أو متمتعاً أو قارناً. أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة، وهي: الإفراد والتمتع والقران، وإن كان النبي ﷺ أمر أصحابه بأن يكونوا متمتعين، فهذا خاص بأصحاب النبي ﷺ ؛ لأنه أمرهم وألزمهم بذلك ﷺ ، ليغير ما كان في الجاهلية من أشياء، ويعلمهم الجواز في ذلك. فإذا كان أهل العلم قد أجمعوا على أن الثلاثة الأنساك جائزة فلا يجوز الإنكار في المسائل التي أجمع فيها العلماء، وإنما الخلاف في أيها أفضل؟ لقد نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة في المغني، والنووي في المجموع، ونقل هذا الإجماع غيرهما، لكن أيها الأفضل من المناسك الثلاثة؟ نقول: ننظر إلى الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ، ومن مجموعها سنختار الأفضل، نقول: إن الذي يحج إما أن يكون قد ساق معه الهدي، فأفضل المناسك له القران؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ ، أو أنه لم يسق معه الهدي، فالأفضل في حقه التمتع؛ لأن هذا تمناه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأمر به أصحابه من لم يسق الهدي منهم. إذاً: الأفضل لمن ساق الهدي القران؛ لأن النبي ﷺ قرن حين ساق الهدي، ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه. وأما من لم يسق الهدي فالتمتع له أفضل، لأن هذا هو الذي أمر به أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي.

стр. 149

الأحاديث الواردة في أنواع الإهلال والإنساك في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفراً. يعني: أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يتحللوا ويجعلوها عمرة؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن من أفجر الفجور أن تعتمر في أشهر الحج، فكان هذا الأمر مستقراً في نفوس الكثير من الناس، فحج مع النبي ﷺ أعداد كثيرة، فخرج معه من المدينة ألوف، ولما وصل إلى مكة كانوا أعداداً غفيرة مع النبي ﷺ جاءوا من أماكن شتى؛ لأنهم علموا أن النبي ﷺ سيحج فأحبوا أن يحجوا معه، فأراد أن يعلم هؤلاء جميعهم أنه يجوز العمرة في أشهر الحج، فكانت وسيلة ذلك أن يأمر الجميع أن يحلوا الإحرام وأن يجعلوها عمرة؛ لبيان جواز فسخ الحج إلى العمرة، ثم يحرمون بعد ذلك بالحج. إذاً: أراد أن يبين لهم أنما كان يقوله أهل الجاهلية، هو كلام باطل، وأنه يجوز في أشهر الحج أن تعتمر، وأن تكون متمتعاً. لذلك فإن ابن عباس يبين لنا في هذا الأثر الذي في الصحيحين أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج، من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفراً، من أجل أن يقاتل بعضهم بعضاً في هذا الشهر، وهذا هو النسيء الذي قال عنه الله : زيادة في الكفر، وكانوا يقولون قولاً مسجوعاً من أجل أن يقعدوا قاعدة من قواعدهم الباطلة، قال ابن عباس: ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر يقولوا هذا الشيء من أجل أن يقننوا قانوناً بهذا الكلام المسجوع الذين يقولونه. قوله: (إذا برأ الدبر) يعني: البعير لما يركب عليه أثناء موسم الحج ذهاباً وإياباً تحصل له جروح في ظهره، هذا هو الدبر (وعفا الأثر) أي: أثر المسير في الحج. قوله: (وانسلخ صفر) يعني: كانوا يسمون شهر المحرم صفراً، قوله: (حلت العمرة لمن اعتمر) يعني: لا تصح العمرة في أشهر الحج. ثم قال ابن عباس ﵄: (قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: حل كل)، يعني: حل الإحلال الكامل من العمرة، إذا أديت العمرة تصير حلالاً، ويجوز لك أن تقلم أظفارك وأن تقص شعرك وأن تأتي النساء. أيضاً: في الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك بالحج) يعني: كانوا مع النبي ﷺ مفردين للحج، يقولون: لبيك حجاً، ثم قال: (فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة). وفي رواية أخرى (أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، وقدم علي من اليمن ومعه الهدي، فقال: أهللت بما أهل به النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا، إلا من كان معه الهدي). فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي ﷺ ذلك فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت، وحاضت عائشة ﵂ فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت فقالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بحج، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج). في هذا الحديث أنهم أنكروا وتعجبوا وقالوا: كيف نأتي النساء ونذهب إلى منى بعد ذلك، وهذه العلة التي ذكروها عرفها النبي ﷺ ، ومع ذلك أمرهم بأن يحلوا، فإن علل بعض أصحاب النبي ﷺ بعد وفاة النبي ﷺ كراهته للتمتع لهذا السبب فالحديث عن النبي ﷺ حجة على من منع بهذه العلة؛ لأن العلة عرفها النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك أمرهم أن يحلوا من حجهم وأن يجعلوها عمرة، ثم يحرمون بعد ذلك بالحج. في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج وليالي الحج وحُرم الحج فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا). والحديث الذي جاء قبل ذلك عن جابر قال: (ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك بالحج) يعني: أنهم أهلوا بالحج، والنبي ﷺ قال لهؤلاء المهلين بالحج: (من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل). فقالت عائشة ﵂: (فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه، قالت: فأما رسول الله ﷺ ورجال من أصحابه، فكانوا أهل قوة، وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة) يعني: طالما أنه ساق الهدي وهو قد نوى الحج فليس له أن يفسخ الحج إلى عمرة؛ لأن معه الهدي، كذلك، من كان قارناً مثل النبي ﷺ ليس له أن يتحلل بعمرة؛ لأنه ساق معه الهدي. إذاً: من كان معه الهدي ولبى بالحج فليس له أن يفسخ إلى عمرة. وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر ﵄ قال: (أهل النبي ﷺ بالحج وأهللنا به معه، فلما قدمنا مكة قال: من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة، وكان مع النبي ﷺ هدي، فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن، فقال النبي ﷺ : بما أهللت فإن معنا أهلك؟ يعني: السيدة فاطمة كانت مع النبي ﷺ فقال: أهللت بما أهل به النبي ﷺ قال: فأمسك فإن معنا هدياً). فقوله ﷺ : (إن معنا أهلك) يعني: لو أن إهلالك إهلال بعمرة لكان ذلك الإهلال بعمرة لك، لكن مادام أنك أهللت بحج وأنت معك الهدي فليس لك أن تفسخ هذا الحج؛ لأنك سقت الهدي معك، وكان إهلاله ﵁ معلقاً، حيث قال: (أهللت بما أهل به النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ فأمسك) يعني: ابق على إحرامك، وليس لك أن تأتي النساء، (فأمسك فإن معنا هدياً). هذه الأحاديث المتفق عليها فيها أن النبي ﷺ قد نقل من لم يسق الهدي من الإفراد والقران إلى المتعة.

стр. 150

الراجح في بيان فضل أحد المناسك الثلاثة أمر النبي ﷺ لمن لم يسق الهدي أن يحل يدل على أن التمتع أفضل، إذ لو كان ما هم فيه أفضل لتركهم صلوات الله وسلامه عليه، لكن من ساق الهدي فالأفضل له أن يظل على ما هو عليه، سواء كان مفرداً أو قارناً، فالراجح هو أن الأفضل القران لمن ساق الهدي؛ لأنه فعل النبي ﷺ ولم يحج بعد هجرته إلا مرة واحدة، ولا يكون حجه فيها إلا بأفضل ما يكون، وكانت آخر حجة في حياة النبي ﷺ ، وسميت بحجة الوداع، وكان يقول: (لعلي لا أحج بعد عامي هذا) فكونه يحج حجة واحدة فيفعل فيها ذلك، فهذا يدل على أنه أفضل ما يكون من المناسك، ولذلك قلنا: إن أفضل المناسك القران لمن ساق الهدي، ومن لم يسق الهدي يكون أفضل المناسك له التمتع؛ لكون النبي ﷺ تمنى ذلك. لم يختلف عن النبي ﷺ أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلا من ساق هديه، وثبت أن النبي ﷺ ثبت على إحرامه، قال جابر: (أمرنا النبي ﷺ أن نحل، وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء، ولم يعزم عليهم، ولكن أحلهن لهم، فبلغ النبي ﷺ أنا نقول: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل! فقام رسول الله ﷺ فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، فحللنا وسمعنا وأطعنا). قوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) يعني: أنه نقلهم إلى التمتع وتأسف إذ لم يمكنه ذلك، فدل على فضل التمتع؛ لأنه تمناه النبي ﷺ . إذاً: من لم يسق الهدي فالأفضل في حقه التمتع؛ لأن التمتع منصوص عليه في القرآن، قال الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة فمن ضمن المرجحات للتمتع: أن المتمتع يأتي بعمرة كاملة ويأتي بحج كامل، ولا يدخل منسك في منسك. لكن قد يقال في ذلك: إن المتمتع استمتع بأنه كان حلالاً ولم يكن عليه مشقة بين العمرة إلى الحج. أما القارن فإنما يأتي بأفعال الحج، وتدخل أفعال العمرة فيه. أما المفرد: فهو يأتي بالحج وحده، وإن اعتمر بعده من التنعيم فقد اختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، والراجح أنها مجزئة ولكن فيها خلاف، والأمر الذي ليس فيه خلاف أفضل من الذي فيه خلاف. أما جواز أنواع النسك كلها فيدل عليه حديث السيدة عائشة ﵂: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج)، وأجمع العلماء على أنه تجوز المناسك الثلاثة، فلا وجه للمنع من واحد منها إلا التفضيل، ثم قالت: (وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بالحج، أو جمع الحج والعمرة لم يحل حتى كان يوم النحر) وهذا الحديث في الصحيحين. وفي رواية مسلم: (منا من أهل بالحج مفرداً، ومنا من قرن، ومنا من تمتع) يعني: نصت على أنواع المناسك التي أجمع العلماء بعد ذلك عليها. وفي رواية للبخاري: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج) يعني: النبي ﷺ كان أهل بالحج حتى قيل له في وادي العقيق: (صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة) يعني: أدخل العمرة على الحج. وفي الحديث هنا: (فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة لم يحل حتى كان يوم النحر)، وهذا من المرجحات لأفضلية التمتع، أما المرجحات للقران فهي أن النبي ﷺ فعل ذلك، أما الذين رجحوا الإفراد، وهذا هو مذهب الشافعي فقالوا: إن الإفراد أفضل باعتبار أنه سيسافر للحج، وأنه سيسافر سفراً آخر للعمرة، فقالوا: هذا فيه مشقة أكثر، فيكون الإفراد أفضل، واحتجوا أيضاً بأن الصحابة كلهم خرجوا مع النبي ﷺ أو أكثرهم وهم ينوون الحج، ثم أمرهم بالفسخ بعد ذلك، وهو نفسه ﷺ أول ما خرج كان ينوي الحج، حتى قيل له في وادي العقيق: (قل عمرة في حجة). وفي حديث عائشة ﵂ (وأهل رسول الله ﷺ بالحج) وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ أفرد الحج). وفي رواية في الصحيحين: قالت: (خرجنا لا نرى إلا الحج) إلى آخر الحديث. أما من رجح القران فقد احتج بقول الله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] وهذا مشهور عن علي ﵁ أنه قال: (أتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك) أي: أن تحرم بالاثنين مع بعض. وبما رواه مسلم عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال: (سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده، قال بكر: فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبياناً، سمعت النبي ﷺ يقول: لبيك عمرةً وحجاً) وصدق الاثنان: صدق أنس وصدق ابن عمر، فـ ابن عمر سمع النبي ﷺ يلبي بالحج فقط، وأنس كان مع النبي ﷺ وتحت ناقته فسمعه وهو بالعقيق يهل بالاثنين. وفي حديث آخر أن الذي سمعه في العقيق هو عمر ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرةً في حجة). فـ عبد الله بن عمر شاهد البداية، وأنس بن مالك شاهد بعد ذلك لما أدخل العمرة على الحج صلوات الله وسلامه عليه. وروى مسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه). وروى أبو داود والنسائي عن الصبي بن معبد قال: (كنت رجلاً أعرابياً نصرانياً فأسلمت فأتيت رجلاً من عشيرتي يقال له: هذيم بن ثرملة فقلت له: يا هناه -يعني: يا هذا- إني حريص على الجهاد وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، فكيف لي بأن أجمعهما؟ قال: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، فأهللت بهما معاً، فلما أتيت العُذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما جميعاً، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره، قال: فكأنما ألقي علي جبل، حتى أتيت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: يا أمير المؤمنين إني كنت رجلاً أعرابياً نصرانياً، وإني أسلمت وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، فأتيت رجلاً من قومي فقال لي: أجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، وقد أهللت بهما معاً، فقال لي عمر ﵁: هديت لسنة نبيك ﷺ . هنا في هذا الحديث أن الرجل قال: (إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين). ولم يخطئه عمر ﵁، بل قال له عمر: (هديت لسنة نبيك ﷺ وهذا كان قارناً بين الحج والعمرة، فصوبه فيما صنعه. وفي الصحيحين عن حفصة ﵂ قالت: (يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إن لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر) يعني: أن النبي ﷺ لكونه ساق معه الهدي ﵊ لم يحل. قوله: (إن لبدت رأسي) تلبيد الرأس: هو وضع شيء من الصمغ على شعر الرأس، خاصةً إذا كان طويلاً، وهذا التلبيد يمنع دخول الهوام فيه. إذاً: الراجح أن النبي ﷺ أحرم أولاً بالحج مفرداً، ثم أدخل عليه العمرة فصار قارناً ﷺ ، للحديث (صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرةً في حجة). فمن روى أن النبي ﷺ كان مفرداً أراد أول الإحرام مثل ما جاء عن ابن عمر ﵄، ومن روى أنه كان قارناً مثل ما جاء عن أنس اعتمد آخره، لما قيل له: (قل عمرة في حجة)، ومن روى أنه كان متمتعاً فليس المعنى أنه أحل، وإلا كان هناك تناقض بين الأحاديث، وإنما قصد التمتع اللغوي، يعني: أنه أسقط أحد نسكيه، وعمل واحداً يجزئ عن الاثنين؛ لما فيه من التخفيف، فهو فعل أفعال الحج ودخلت فيه العمرة من غير إعادة لها بأفعال أخرى، فسماها تمتعاً بذلك؛ لأنه أسقط أحد نسكيه عن نفسه بفعل النسك الآخر.

стр. 151

أقسام إحرام الصحابة أما الصحابة رضوان الله عليهم فكانوا ثلاثة أقسام: قسم أحرموا بحج وعمرة، أو بحج ومعهم هدي فبقوا عليه حتى تحللوا منه يوم النحر. وقسم آخر: أحرموا بالعمرة فبقوا في عمرتهم حتى تحللوا قبل يوم عرفة، ثم أحرموا بالحج بعد ذلك من مكة. وقسم أحرموا بحج وليس معهم هدي، وقد أمرهم النبي ﷺ أن يقلبوا حجهم عمرة، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة. فمن روى أنهم كانوا قارنين أو متمتعين أو مفردين فقد قصد البعض من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 152

حكم فسخ الحج إلى العمرة يجوز فسخ الحج إلى العمرة، فمن قال: لبيك حجةً، وبعد أن وصل للبيت بدا له أن يجعله عمرة، فيجوز له ذلك، بل يستحب لمن كان مفرداً أو قارناً إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرةً مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعاً إن لم يكن وقف بعرفة. أيضاً من طاف بالبيت وسعى جاز له أن يقلبها عمرة، وإن كان الأفضل أنه يفسخ قبل أن يطوف بالبيت، حتى تكون النية من البداية أن هذا طواف الركن للعمرة. وفي الصحيحين عن جابر في صفة حجة الوداع قال: (حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة) وهذا فيه أنه يجوز للمرء بعد طوافه بالبيت أن يفسخ حجه ويجعله عمرة. إذاً: من نوى الحج مفرداً، وطاف طواف القدوم ثم سعى بين الصفا والمروة السعي المجزئ عن الحج -لأنه يجوز أن يقدم السعي مع طواف القدوم ويطوف بعد ذلك طواف الركن الذي به الحج- فيجوز له أن يجعل ذلك عمرة، فالنبي ﷺ أمر من فعل ذلك أن يجعله عمرة، فجاز مثل ذلك لأمره ﷺ لأصحابه، ثم قال ﷺ لأصحابه: (من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين) يعني: تجوز العمرة في أشهر الحج إلى الأبد في أي وقت من الأوقات وفي أي سنة من السنين، وليست خاصة بهؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وأيضاً في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ فذكر مثل ذلك ثم قال: (فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ فقال: حل كله). كذلك في رواية أخرى عنه: (أن النبي ﷺ أمرهم أن يجعلوها عمرة) كل ذلك يبين أنه يجوز قبل الطواف بالبيت أن يفسخ أعمال الحج إلى عمرة، وبعد الطواف بالبيت يجوز الفسخ أيضاً. والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 153

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - شروط وجوب دم التمتع وصفته وما يتعلق به من أحكام من مناسك الحج التي ينبغي للحاج معرفتها: الهدي المترتب على الحج بنية التمتع أو القران، ومتى يجب هذا الدم على الحاج، ومتى يثبت البدل عن الهدي وهو صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والحكم إذا مات الحاج بعد الانتهاء من مناسك الحج وهل عليه هدي أم صوم بدل الهدي.

стр. 154

أنواع الإحرام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا في الحديث السابق: أن الإحرام بالحج يجوز على وجوه: إما أن يكون محرماً بالحج، أو يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فيأتي بالعمرة في أشهر الحج، ثم يتحلل منها، ثم يحرم بالحج بعد ذلك، فهذا المتمتع، وهذا جائز، كذلك القارن الذي يخرج بحج وعمرة معاً يلبي في وقت الإحرام فيقول: لبيك عمرة وحجة أو حجة وعمرة، ويجوز كذلك الإحرام المطلق والإحرام المعلق. الإحرام المطلق أن يقول: لبيك اللهم لبيك، ثم بعد ذلك قبل أن يطوف بالبيت يحول هذا الإحرام إما إلى عمرة وإما إلى حج وإما بحسب ما يريد أن يصنع في المنازل، والإحرام المعلق أن يقول: لبيك إحراماً كإحرام فلان، كأن يكون حج مع إنسان هو أعلم منه ويريد أن يقتدي به فيقول ذلك، فهذا الإحرام المعلق ذكرناه قبل ذلك، وفعله بعض من أصحاب النبي ﷺ مثل علي بن أبي طالب رضي الله ﵎ عنه، فجعله النبي ﷺ يمسك ويظل محرماً؛ لكونه ساق الهدي فجعله قارناً معه ﷺ . وذكرنا أن النبي ﷺ وأصحابه في حجة الوداع خرجوا من المدينة: منهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بالاثنين معاً، وكان النبي ﷺ عند خروجه من المدينة قد أهل بالحج، وجاء له في وادي العقيق جبريل بعد ذي الحليفة وقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة؛ فصار قارناً صلوات الله وسلامه عليه. وفيه: أنه أدخل العمرة على الحج، ولكن قبل أن يصل إلى البيت جلس في وادي العقيق، ولذلك اختلف العلماء فيمن أراد إدخال العمرة على الحج بعدما بدأ في الطواف بالبيت، فالذي عليه الجمهور: أنه لا يجوز ذلك، لأنه لن يزيد شيئاً في أعمال الحج التي يعملها، ولو كان العكس يعمل أعمال عمرة فأدخل عليها الحج فإنه أدخل الكثير على القليل، فالجمهور على أنه لا يجوز؛ لأنه لم يفعل ذلك ﷺ إلا بعد إحرامه في ذي الحليفة، فأحرم بالحج ثم أدخل العمرة عليه وهو هناك في وادي العقيق. وذكرنا: أنه يجوز لمن أحرم بالحج وقبل الطواف بالبيت أن يفسخ ذلك إلى عمرة، وبعد ما ينتهي من أعمال العمرة يتحلل ثم يحرم بالحج بعد ذلك، وهذا جائز باتفاق، والخلاف: أنه إذا بدأ بالطواف وأكمله وسعى بين الصفا والمروة فهل يمكن أن يفسخ هذه الأعمال التي كان نوى بها الحج، فنوى بالسعي سعي الحج وكان الطواف بالبيت للقدوم، فهل يجوز أن يفسخ ذلك ويجعله عمرة؟ أمر النبي ﷺ أصحابه بذلك فدل على الجواز، فهو لما طاف بالبيت كان طوافه للقدوم، ولكن النبي ﷺ قال: اجعلوها عمرة، فدل على أنه يجوز ذلك، فيكون هنا خرج عن الأصل، من كونه بدأ بشيء لم ينوه ركناً في الحج ولا ركناً في العمرة، وصار ركناً فيها بجعله له ذلك، وهذا نص النبي ﷺ : (اجعلوها عمرة) فيجوز لثبوت النص عن النبي ﷺ في ذلك.

стр. 155

أحكام التمتع والقران للمقيم بمكة والآفاقي الذي يعتمر ثم يحل وهو معتمر في أشهر الحج وبعد ذلك يحرم بالحج، فهذا هو المتمتع، فيجوز للمكي ولغير المكي أن يتمتع، والمكي: الشخص الذي يكون من أهل مكة، أو المستوطن المقيم بها، فهذا المكي يجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج وغيره يجوز له ذلك، لكن يفرق بين أن المكي ليس عليه دم في ذلك، وغير المكي عليه دم واجب في ذلك، ولا يكره للمكي التمتع والقران، وإن تمتع لم يلزمه دم؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] فأهل الحرم لا يلزمهم دم في التمتع لهذه الآية. فإن قال قائل: إنما كان النسك قربة وطاعة في حق المكي أو غير المكي، فلم لزم الدم الغريب لاختياره التمتع؟ فنقول: إن الإنسان المقيم في مكة الله سبحانه ﵎ جعل له ميزة، وهي أنه مقيم في الحرم فهو يطوف بالبيت في كل وقت يقدر على ذلك، والذي يأتي من بعيد بالنسبة له لا يطوف إلا مرة في العمر بحسب ما يتيسر له، فهذا هو الذي عليه الدم؛ لأنه ترفه بالتمتع فيلزمه الدم، والمكي أحرم بحجة وعمرة من ميقاته أي: من مكة، وإن كان هو لا تلزمه عمرة، فإن فعل ذلك فلا يلزمه الدم بتمتعه من العمرة إلى الحج، وإن جاز له أن يفعل ذلك. والآية معناها: فمن تمتع فعليه الهدي إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه، والقارن كذلك يلزمه الدم إلا أن يكون مكياً، فالمكي ليس عليه دم. والقارن هو الذي يأتي بعمرة وحج، أما المتمتع: فيأتي بعمرة وحج، لكنه يحل بين العمرة والحج فترة، ويترفه بإسقاط أحد السفرين، فهو لم يسافر مرة للحج ولا مرة أخرى للعمرة، والقارن كذلك يعتبر أسقط أحد السفرين بكونه أدى مناسك الحج ودخلت فيه أعمال العمرة، والمكي لم يسافر، وإنما أحرم من مكانه فإذا كان في التمتع لا يلزمه دم فالقران كذلك لا يلزم المكي فيه الدم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والقارن متمتع على هذا المعنى. العلماء ذكروا أن النبي ﷺ كان مفرداً، وذكروا أنه كان قارناً، وذكرواً أنه كان متمتعاً صلوات الله وسلامه عليه. فالقول أنه كان مفرداً هذا صحيح، ولكن لما خرج من المدينة كان مفرداً ثم صار قارناً في وادي العقيق، فأدخل العمرة على الحج فصار قارناً. والقران يسمى بالتمتع أيضاً للمعنى الذي فيه، نقول: التمتع: الترفه بالشيء، والتسهيل, وتعريف التمتع هنا على المعنى اللغوي، وعلى ذلك القارن يطلق عليه متمتعاً على هذا المعنى، فيكون المتمتع عليه دم سواء كان متمتعاً على هذا المعنى في النسك بأنه اعتمر في أشهر الحج ثم تحلل، ثم أحرم بالحج بعد ذلك في أيام، أو أنه قرن بين العمرة والحج، فكأنه ترفه بإسقاط أحد السفرين، وكذلك عمل نسكاً واحداً - وهو نسك الحج - فأجزأ عن العمرة والحج. والقارن: هو المتمتع بالعمرة إلى الحج بدليل أن علياً ﵁ لما سمع عثمان ينهى عن المتعة أهل بالحج والعمرة؛ ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه، وكأنه حمله على المعنى اللغوي من أن القران فيه التمتع على ما ذكر، وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب أنه قال: اجتمع علي وعثمان ﵄ بعسفان فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، وهذا اجتهاد من عثمان رضي الله ﵎ عنه، وقبله اجتهد في ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فكان ينهى عن المتعة، وكان يخشى أنه لو أذن لهم أن يعتمروا ثم يتحللوا ثم يحرموا بالحج أنهم عندما يتحللوا بين العمرة والحج ولا يزالون على ذلك حتى يفسد أحدهم على نفسه حجه، فـ عمر نظر إلى ذلك من أنه لو أبيح لهم أمر النساء لفسد حجهم، فأرادوا أن يكونوا بعيدين عن النساء حتى ينتهوا من حجهم، ولكن العلة التي نظر إليها عمر ﵁ عرفها النبي ﷺ ، بل قد قالوها له على وجه التعجب، ومع ذلك أمرهم بالتمتع صلوات الله وسلامه عليه، فيكون الذي نهى عنه عمر ﵁، وهذا اجتهاده منه رضي الله ﵎ عنه، وليس نسخاً لما قاله النبي ﷺ ، فليس من حق أحد أن ينسخ ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. كذلك عثمان ﵁ عندما قال بذلك ونهى عن المتعة أو عن العمرة في هذا الوقت فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله النبي ﷺ تنهى عنه؟! أي: تريد أن تنهى عنها والذي فعلها هو النبي ﷺ ؟! فقال عثمان: دعنا منك، فـ عثمان كان مجتهداً ﵁، فاجتهد في شيء لشيء رآه، ولكن علياً رأى أن هذه سنة النبي ﷺ ولا ينبغي أن تترك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعاً. فالصورة صورة القران، وكأن هذا القران كان يطلق عليه المتعة لهذا المعنى الذي ذكرناه، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، والقارن كذلك بدل ما يسافر للعمرة لوحدها ثم يسافر ثانية للحج فجمعهما في سفر واحد فهذا ترفه، فلزمه دم كالمتمتع، وإذا عدم الدم فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كالمتمتع سواء. ومن شرط وجوب الدم عليه ألا يكون من حاضري المسجد الحرام على قول جمهور العلماء، فالمكي إذا تمتع بالعمرة إلى الحج أو كان قارناً فلا يجب عليه الدم في ذلك، ويجوز منه القران، ويجوز منه التمتع قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] الحاضر والمقيم والمستوطن كلهم من أهل الحرم، فالذين قدموا واستوطنوا ومكثوا فهؤلاء أهل الحرم، وكذلك من بينه وبين مكة دون مسافة القصر، أي: الذي يعتبر من أهل مكة هو من كان دون مسافة القصر، ليس أن يقول: إنه مسافر من مكان إلى مكان. فنقول: يجب على المتمتع الدم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. ولوجوب دم التمتع شروط منها: الأول: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام كما ذكرنا، وهم من مسكنه دون مسافة القصر من الحرم، فمن قيل في حقه: مسافر من مكان كذا إلى الحرم فهذا ليس من حاضري المسجد الحرام، وهذا الإنسان إذا كان له مسكنان أحدهما في مكة أو قريب منها والآخر بعيد عنها -في المدينة أو في غيرها- فإذا كان مقامه في أحدهما فله حكمه، فمن الممكن أن يكون له بيت في مكة مقيم فيه وبيت آخر في المدينة يذهب له كل ما يسافر فهنا الأصل أنه مكي، وإذا استوى مقامه بهما وكان أهله وماله في أحدهما كأن يكون أهله وأولاده وماله في مكة فيعتبر هذا مكياً، وإن كان أهله وأمواله وأولاده في المدينة فهذا مدني وليس مكياً، فالحكم يكون للمكان الذي أهله وماله فيه. وإذا استوى ذلك وكان عزمه الرجوع إلى أحدهما فالحكم له، كأن يكون له مال وأهل في مكة وكذلك في المدينة وهو عازم أنه سيعيد في المدينة فالحكم تابع لهذا العزم، فإن عزم أن يقيم في مكة بعد ذلك فهو لهذا المكان، وهذا خلاف من ذهب ليستوطن، كإنسان في موسم الحج نوى أن يعمل في الحج ويستوطن هناك، فهذا ليس من حاضري المسجد الحرام، إلا إذا أقام بمكة بعد ذلك. ولو استوطن غريب بمكة فهو حاضر، يعني: جاء من بلده وقعد في مكة سنين ونوى أن يمكث فيها فهذا يطلق عليه من حاضري المسجد الحرام، لكن إنساناً آخر ذهب في موسم الحج ونيته أن يقيم بعد ذلك، فلا يطلق عليه أنه من حاضري المسجد الحرام إلا إذا أقام بعد ذلك. ولو قصد الغريب مكة فدخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد فراغه من النسكين أو من العمرة أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر فليس بحاضر، ولا يسقط عنه الدم. يقول ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من دخل مكة بعمرة في أشهر الحج مريداً للمقام بها ثم حج من مكة أنه متمتع وعليه دم، ولو كان هو أصلاً استوطن مكة قبل هذا النسك لقلنا: هذا من حاضري المسجد الحرام، لكن هذا ذاهب إلى النسك فيكون حكمه الآن أنه غريب قادم من الآفاق، فهذا يلزمه دم، فإذا أقام وحج بعد ذلك من قابل فهو مقيم، فإذا اعتمر بعد ذلك فهذا متمتع ومن أهل المسجد الحرام فلا يلزمه الدم.

стр. 156

شروط وجوب دم التمتع أما شروط وجوب دم التمتع فهي:

стр. 157

ألا يكون الحاج من حاضري المسجد الحرام الشرط الأول: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام.

стр. 158

أن يحرم الحاج في أشهر الحج الشرط الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج: فلو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهر الحج فلا يلزمه الدم، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، فهذه أشهر الحج، ولو أنه اعتمر في رمضان فهو ليس من أشهر الحج، لكنه بعد ذلك يبدأ في الحج في أيام الحج ويكون مفرداً نقول: هذا مفرد للحج، وعلى ذلك لا يلزمه دم، لأنه ليس متمتعاً، ولو أن شخصاً اعتمر في آخر يوم من رمضان قبل غروب الشمس، وآخر اعتمر في أول يوم من شوال أو أول ليلة من شهر شوال، فالأول يكون مفرداً إذا حج من سنته، والآخر يكون متمتعاً إذا حج من سنته، وإذا أحرم بالعمرة وفرغ منها قبل أشهر الحج ثم حج في سنته لم يلزمه دم، لأنه لم يجمع بين نسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهر الحج لم يجب عليه الدم. وهنا المقصد: أنه أحرم في هذه العمرة قبل أشهر الحج، كأن يكون ذهب للعمرة في الليالي الأخيرة من رمضان، وأراد أن يقوم بالعمرة فما تمكن لمرض ألم به، فظل محرماً حتى انتهى رمضان، وجاء العيد فابتدأ المناسك، لكن إحرامه كان في غير أشهر الحج، وصار يعمل المناسك في أشهر الحج، ولكن البدء كان في غير أشهر الحج، فلو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهر الحج لم يجب عليه دم، لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، فلا تتم العمرة بغير الإحرام، وإحرامه من المناسك كان في غير أشهر الحج، فلم يلزمه دم التمتع كالطواف. وهذه المسألة ليست متفقاً عليها وفيها خلاف، ولذلك يقول الإمام أحمد: عمرته في الشهر الذي أهل، واحتج بقول جابر السابق، ولأن الإحرام نسك من أعمال العمرة، فهذا قول الإمام أحمد ﵀. وعند أبي حنيفة: إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس متمتعاً، وكأنه ينظر إلى الأغلب، فهذا الذي ذهب وأحرم في رمضان قائلاً: لبيك عمرة، ثم طاف بالبيت أربعة أشواط، ثم بعد ذلك حدث له شيء فلم يطف وتأخر حتى دخل عليه شهر شوال فأكمل الثلاثة الأشواط الباقية، يقول: إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس متمتعاً، لأنه لا يفسدها بوطء بعد ذلك إن وطئ وكأنه ينظر أن الأربعة عمل أكثر مناسك الطواف، والطواف ركن عند أبي حنيفة، والسعي بين الصفا والمروة واجب عنده وليس ركناً من الأركان، فكأنه نظر إلى أنه الركن الأعظم في العمرة، فما دام أنه أحرم وطاف بالبيت فقد عمل أكثر الطواف فلو وطئ أهله بعد الانتهاء من الطواف للعمرة فعمرته صحيحة، باعتبار أن السعي بين الصفا والمروة عنده واجب وليس ركناً من الأركان. يقول النووي: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وفعل أفعالها في أشهره فالأصح عند الشافعية أنه ليس عليه دم التمتع، وبه قال جابر بن عبد الله وقتادة وأحمد وإسحاق وداود والجمهور. وقال الحسن والحكم وابن شبرمة: يلزمه، وهنا بعض العلماء قالوا: إنه يلزمه، كالإمام أبي حنيفة وقبله الحسن وابن شبرمة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يلزمه، وهو الراجح؛ وذلك أن الإحرام بالعمرة نسك، والذي لم يحرم لم يدخل في النسك بعد، فهذا فعل نسكاً للعمرة في غير أشهر الحج فيكون الحكم له. ولو أنه أهدى للبيت هدياً خرج من هذا الخلاف، لكن الراجح هو ما ذكرنا، من أنه إذا أحرم في أشهر الحج فيلزمه الدم، وإذا أحرم في غير أشهر الحج حتى لو عمل المناسك كلها بعد ذلك فلا شيء عليه. وهنا مسألة: إنسان ذهب إلى مكة فأحرم قبل غروب الشمس في آخر ليلة من رمضان فلما بدأ بالطواف كان بعد غروب الشمس وجاءه الخبر أن العيد غداً، فصار الآن في ليلة العيد من شوال، فيكون دخل في الأشهر الحرم أو في أشهر الحج فيكون الحكم أنه أتى بالإحرام في رمضان وليس في أشهر الحج فلا دم عليه.

стр. 159

أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة الشرط الثالث: أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة، وهذا واضح فنقول: هذا مترفه بإسقاط السفر، فلو أنه اعتمر في هذا العام في شهر شوال، والعام الذي يليه حج، فهذا لا يسمى متمتعاً، بل لابد أن يكون قد عمل الاثنين في سنة واحدة، ولو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد. روى ابن أبي شيبان عن سعيد بن المسيب قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يعتمرون في أشهر الحج، فإن لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا شيئاً) فهذا هو الدليل على أن الذي المتمتع الذي يلزمه الهدي هو الذي يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه الذي هو فيه.

стр. 160

ألا يعود المعتمر الذي يريد الحج إلى الميقات الشرط الرابع: ألا يعود إلى الميقات، وذلك بأن أحرم بالحج من نفس مكة واستمر، لكن لو أن هذا الإنسان أحرم بعمرة في أشهر الحج ثم خرج من مكة ورجع إلى بلده أو رجع إلى الميقات أو توجه إلى المدينة ومكث حتى أيام الحج، ثم أحرم من ميقات المدينة، فيكون هذا قد سافر سفراً آخر وما جمع بين النسكين في سفر واحد فيكون مفرداً. فيكون الشرط الرابع: ألا يعود إلى الميقات، فيحرم بالحج من نفس مكة ويستمر، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم منه بالعمرة أو إلى مسافة مثله وأحرم بالحج فلا دم عليه، أو إلى مسافة مثله أو مسافة أكبر من مسافة الميقات، فلو أنه أحرم بالعمرة من الجحفة، وتوجه من هنالك فأدى العمرة في شهر شوال ثم خرج من مكة وتوجه إلى المدينة ثم أحرم من ذي الحليفة فأدى مناسك الحج فتكون ذو الحليفة أبعد من الجحفة فمسافة (٤٥٠ كيلو) هو ما بينها وبين مكة، والجحفة فبينها وبين مكة حوالي (٢٢٠ كيلو) فتكون المسافة أطول، فيكون على ذلك مفرداً وليس متمتعاً. فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم منه بالعمرة أو إلى مسافة مثله وأحرم بالحج فلا دم عليه، ولو أحرم به من مكة ثم ذهب إلى الميقات محرماً سقط عنه الدم، وهذا فيه خلاف بين الشافعية والحنابلة، فعند الحنابلة أنه إذا جاوز الميقات وأحرم بعده ثم رجع إليه بعد ذلك فهذا صار عليه الدم؛ لأنه جاوز الميقات غير محرم. وقلنا: إنه إذا جاء عند الميقات وأراد أن يحرم بعمرة ثم لم يحرم، فجاوز الميقات ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة فالراجح: أنه بين أمرين: إما أن يكمل وعليه دم؛ لأن جاوز الميقات من غير إحرام، أو أنه يرجع إلى الميقات، فلو أنه لم يحرم لا لبى ولا لبس لباس إحرام، ولم يعقد النية ثم رجع إلى الميقات فاتفق الجميع على أنه ليس عليه دم في ذلك. وهذه صورة أخرى: لو أنه أحرم من مكة ثم ذهب إلى الميقات محرماً، سقط عنه الدم على الراجح، ولو دخل القارن مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات فأحرم فهنا القارن صار مترفهاً بإسقاط أحد السفرين، وكذلك أحد النسكين دخل في الآخر، فعلى هذا المعنى: لو أن القارن دخل مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات مرة ثانية، فيكون سافر مرتين فلا دم عليه، ولو أنه أحرم بالعمرة من الميقات ودخل مكة، ثم رجع إليه قبل الطواف وقبل فواته فأحرم بالحج فيكون أدخل الحج على العمرة فهذا قارن في هذه الصورة. ولو أنه طاف طواف العمرة ثم سافر إلى الميقات فالراجح أنه ليس عليه دم. ولا يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الحديث أنه يجوز أن يحج عن إنسان ويعتمر عنه، فإذا كان برضا الاثنين فيكون إما قارناً وإما متمتعاً وفي الحالتين عليه دم. فلو أنه استأجر شخصاً وقال له: أد عني عمرة وآخر قال له: حج عني، فيكون اعتمر عن هذا وحج عن هذا، وهو في أشهر الحج فيلزمه الدم ويوزع على الاثنين، لكن لو أنه لم يخبر واحداً من الاثنين فاعتمر عن هذا وحج عن هذا فيلزمه الدم على الأجير نفسه، ولا تشترط نية التمتع؛ لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات وذلك يوجد من غير نية. وإذا ذهب فأدى عمرة في أشهر الحج، ثم بعد ذلك أحل، ثم أهل بالحج بعد ذلك، وهو لم ينو تمتعاً ولا يعرف التمتع، لكن الصورة صورة تمتع فيلزمه الدم. وإذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة صار حلالاً، يعني: تحلل الآن بعد العمرة فحل له الطيب واللباس والنساء وكل محرمات الإحرام سواء أكان ساق الهدي أم لم يسق، فهذا الذي ذهب ناوياً العمرة وساق معه الهدي، فلما انتهى من العمرة حتى ولو كان معه الهدي فقد تحلل، بخلاف من ذهب ينوي الحج أو ذهب ينوي القران بين العمرة والحج، فيبقى محرماً سواء أساق الهدي أم لم يسق، وكيف نصنع بالحديث الذي جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لولا الهدي لأحللت؟) وهذا دليل للحنابلة، أن الذي يسوق الهدي لا يجوز له أن يتحلل حتى يفرغ من أعمال الحج، واحتجوا بأنه جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله ﷺ : من أحرم بعمرة ولم يهد فليحل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه) وهذا دليل على عكس ما نذكره، والذي نذكره: أنه إذا نوى التمتع وساق معه الهدي فله أن يحل، ولكن هذا حديث واضح يدل على أنه ليس له حق أن يحل هنا، وكأن هذه رواية مختصرة من روايتيين، ذكرهما البخاري ومسلم وفيه قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة). فيكون في الحديث الأول: أن المعتمر إذا كان معه هدي فإنه يظل على إحرامه حتى ينتهي من أعمال الحج والعمرة، ولكن الرواية الثانية في الحديث توضح أن الذين كان معهم هدي وأرادوا الاعتمار أمرهم النبي ﷺ بأن يدخلوا الحج على ذلك فقال: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة) فهم كانوا ناوين عمرة لكن النبي ﷺ أمرهم أن يهلوا بالاثنين الحج والعمرة، ثم لا يحل هذا الذي معه الهدي وأحرم بالحج والعمرة معاً حتى يحل منهما جميعاً، فهذه رواية مفسرة من الرواية الأولى. ففيهما ذكرنا: أن الذي أهل بالاثنين هذا هو القارن الذي ليس له أن يحل من إحرامه حتى ينتهي وينحر هديه، لكن الذي نوى عمرة فقط وساق الهدي معه، وإن كان الآن هذا نادر جداً -أي: أن أحداً ينوي العمرة ويسوق معه الهدي- ولكن لو فرضنا أنه فعل هذا الشيء فالراجح: أنه إذا نوى العمرة فقط يجوز له بعد أدائها أن يتحلل حتى ولو كان معه الهدي؛ لأن نيته لم تكن إلا العمرة، ونيته أن يتحلل بعد الفراغ منها، فيستحب له ألا يحرم بالحج إلا يوم التروية، وهذا فعل النبي ﷺ وأصحابه معه، حيث أمر أصحابه أن يحلوا، وهذا أمر منه أنهم لا بد أن يتحللوا من العمرة ويمكثوا حتى يجيء يوم الحج فيهلوا بالحج، وإن كان هو محرم قبل ذلك ولم يفك إحراماً ﷺ .

стр. 161

حكم تقديم الإحرام بالحج من أجل الصوم هنا السنة: الإهلال بالحج في يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة هذا إن كان يجد الهدي يعني: يقدر أن يشتري الهدي أو هو معه أو يدفع الشيكات لمن يهدي عنه، فيكون على ذلك لا يوجد بدل من الهدي وهو الصوم، لكن إذا عدم الهدي كأن يكون فقيراً غير قادر على شرائه، فيلزمه الآن البدل، وهو الصيام، فيستحب له أن يقدم الإحرام بالحج احتياطاً وخروجاً من الخلاف، وإن كان النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه أمر أحداً من الصحابة أن يقدم الحج على يوم التروية، ولكن اخترنا ذلك احتياطاً في المسألة؛ لأن العلماء اختلفوا في معنى الآية: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] ما هي الثلاية الأيام في الحج، فكثير من العلماء على أنه ما دام متلبساً بمناسك الحج فيبقى على ذلك، ويصوم من قبل يوم التروية، يصوم يوم السادس والسابع والثامن سواء أحرم بالحج أم لم يحرم، ومن هؤلاء الحنابلة، وقالوا: إنه يستحب له أن يقدم الإحرام خروجاً من الخلاف في هذه المسألة، وعند الشافعي وغيره فسروا ذلك على أنه ثلاثة أيام في الحج وهو متلبس بالمناسك، فيجب عليه إذا كان سيؤدي البدل وهو الصوم أن يحرم بالحج ابتداء ويصوم ثلاثة أيام وهو متلبس بالإحرام، لذلك قلنا هنا: إنه إذا كان عادماً للهدي يستحب له، والقول الآخر: أنه يجب عليه ذلك، والراجح: أن هذا استحباب فقط؛ لأنه مبني على تفسير الآية، فالراجح في معناها: أنه يصوم ثلاثة أيام في أشهر الحج إن كان عادم الهدي، ويستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل اليوم السادس؛ لأن فرضه الصوم، وواجبه ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع، فقلنا: يستحب تقديم الإحرام بالحج، قال الإمام مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر: لا يجوز الصيام إلا بعد الإحرام بالحج، واحتجوا بقول الله : ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] قالوا: لأنه صيام واجب. والحنابلة احتجوا بأنه أحرم بالعمرة فيكون هنا يلزمه الهدي لسببين: السبب الأول: العمرة التي كانت في أشهر الحج. السبب الثاني: الحج، فعلى ذلك يلزمه الصيام، وإن كان سيشكل على قولهم تصويبهم لقول الشافعية في أنه يجوز له أن ينحر هديه قبل يوم العيد، فطالما أنه أحرم بأحد النسكين وتقدم أحد النسكين فيجوز له أن يذبح قبل العيد، وهو اختيار الشافعية، وإن كانوا يستحبون ألا يذبح إلا يوم العيد، فهذه المسألة في النحر قبل العيد باعتبار أن سبب النحر هو للعمرة والحج. والجواب -وهو الذي عليه الجمهور-: أنه صحيح تقدم أحد السببين وأن الهدي سببه الاثنان، فلما وجد أحدهما فلا بد من هدي، لكن مع ذلك لم تلتفت الشريعة إلى ذلك، ولم يأمر النبي ﷺ أحداً من أصحابه أن ينحر قبل يوم العيد، فوجد السبب، ووجد المقتضي لذلك، ومع ذلك لم يأمر النبي ﷺ أحداً أن ينحر، فدل ذلك على أن الذبح مختص بالعيد، لكن يصح أن يصوم قبل ذلك، وهل يجب أن يكون متلبساً بالإحرام؟ مع كثرة من كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع فلم يثبت عنه أنه أمر أحداً منهم أن يقدم الإحرام لأجل الصيام، والقليل منهم كان معهم الهدي، فيكون وجب عليهم الصيام، فلو كان يجب تقديم الإحرام حتى يصوموا لأمرهم النبي ﷺ بذلك، أو أمر هؤلاء أن يقدموا الإحرام ويصوموا الثلاثة الأيام حتى لا تفوت أيام الحج، فلما لم يأمر بذلك دل على أن هذا ليس واجباً، فسنة المتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية، وبذلك أمر النبي ﷺ أصحابه حين أحلوا من إحرامهم بعمرة، وفي الصحيحين عن جابر ﵁: (أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن) البدن يعني: الجمال، وسميت البدن لأنها أبدان ضخمة (وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟! فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، لكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله) وهنا قوله (ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج) مع إن الكثيرين كانوا ليس معهم هدي، والذي معه هدي هو النبي ﷺ ومجموعة من أصحابه، لكن الأغلبية ليس معهم هدي، وكلهم أمرهم النبي ﷺ بأن يتمتعوا، فكان الأكثرون هم المتمتعون مع النبي ﷺ ، ومع ذلك لم يأمر أحداً أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية حتى يصوم، فدل على أن تقديم الإحرام ليس واجباً، والصيام الواجب يجوز ولو لم يقدم الإحرام. وأجمع العلماء على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، والذي أهل بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، والذي فعل النبي ﷺ أنه خرج من المدينة مهلاً بالحج وأدخل العمرة ﷺ والعمرة أقل، ولكن فعله ﷺ كان عند الميقات أو بعد الميقات بشيء يسير، فإذا كانت العمرة - وهي الأقل - أدخلت على الأكثر فيجوز إدخال الأكثر على الأقل وهو الحج، والعلماء أجمعوا على أنه يجوز إدخال الحج على العمرة، فمن أهل بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وأما بعد افتتاح الطواف فليس له ذلك، أي: فليس له أن يدخل عليها الحج، فإدخال الحج على العمرة إجماع على أنه جائز بشرط ألا يكون بدأ في الطواف، والعكس إدخال الأقل على الأكثر يعني: أراد الحج ولبى هل يدخل عليه العمرة؟ الظاهر من فعل النبي ﷺ أنه فعل ذلك ولكن أيضاً يقال: إنه كان من وادي العقيق، وهذا قريب من ذي الحليفة، وكأنه عند إحرامه ﷺ لم يعمل شيئاً من المناسك وإنما هو مجرد الإحرام فأمر بذلك، فيجوز مثل ما فعله النبي ﷺ إذا كان عند الميقات وقال: لبيك حجة، فجاز له أن يدخل عليه العمرة فيقول: لبيك حجة وعمرة، أما بعد ما يصل إلى البيت فليس له أن يدخل العمرة على الحج، وعند أبي حنيفة يجوز أن يدخل العمرة على الحج مطلقاً، ويصير قارناً وعليه دم القران.

стр. 162

وقت وجوب دم التمتع ودم التمتع واجب بإجماع المسلمين، ووقت وجوبه الإحرام بالحج، وهذه مسألة مختلف فيها، لكنه هنا دخل في مناسك الحج وأحرم فيؤدي العمرة ليتحلل بين العمرة والحج، فهو دخل في الحج، وربنا ذكر لنا قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] فجعل الهدي له غاية، لكن من تمتع بالعمرة إلى الحج، هل المراد إلى ابتداء الحج ويكفي أم لابد من الانتهاء من مناسك الحج حتى يجب عليه دم المتعة؟ هذا فيه خلاف بين العلماء، والراجح: أنه طالما أدى العمرة وتحلل ثم بدأ في الإحرام فقد أصبح متلبساً بالحج، فيجب عليه ما أوجب الله ، ولا يشترط أن يكمل المناسك حتى يجب عليه ذلك، فيكون وقت الوجوب هو الإحرام بالحج. وفرق بين أن نقول: إنه وقت وجوب دم التمتع وبين وقت ذبح الهدي، فذبح الهدي شيء آخر فنقول: أنت وجب عليك الدم من وقت ما أحرمت بالحج، فيقول: أنا أديت العمرة وتحللت وصرت حلالاً في هذا الوقت بين الحج والعمرة وكان من الممكن أن أسافر ولا أرجع مرة أخرى، وقد فعل النبي ﷺ ذلك، فقد اعتمر في ذي القعدة ثلاث عمرات ﷺ ، وما مكث حتى أدى الحج، نقول: لو أن إنساناً فعل ذلك لم يجب عليه الهدي لأنه اعتمر فقط، لكن لو مكث حتى الحج وأحرم بالحج فلا يجوز له فسخ هذا الإحرام بعد ما تلبس به، فيصير محرماً طالما أنه عقد الإحرام في الحج، فليس له أن يتحلل منه إلا بالانتهاء منه، فطالما أنه ليس له التحلل منه إلا بالانتهاء من أفعاله فيجب عليه الآن دم التمتع، فيكون المراد بقول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] المتمتع أحرم بالحج من دون الميقات، فيلزمه الدم، كما لو وقف أو تحلل. والعلماء لهم أقوال في هذه المسألة: فالذين قالوا بوجوب دم التمتع بوقت الإحرام بالحج أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود، وعن أحمد قول آخر: أنه يجب عليه هذا الدم وقت الوقوف بعرفة، بدليل أن النبي ﷺ قال: (الحج عرفة) فعندما يقف بعرفة يجب عليه دم التمتع، وتصبح المناسك تابعة له، ويلزمه الحج الآن، ولكن الراجح الرواية الأولى عن الإمام أحمد ﵀، وهو قول الجمهور، فيكون وجد الشرط الذي ذكره الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]. وبعض أهل العلم ذهبوا إلى أن هذا الدم يجب إذا رمى جمرة العقبة، والجمهور كما ذكرنا ذكروا أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ تفيد الغاية ويكتفى بأولها، كما في قول الله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] والليل له أول وله آخر، وينتهي الصيام في أول الليل، كذلك هنا: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ فالحج له أول، وهو الإحرام، وله آخر بالتحلل، فيكون المعنى على ذلك: إلى الابتداء بالحج، وهذا هو الأحوط فيها. ولا يجوز نحر الهدي قبل يوم النحر وقلنا: يجوز ذلك للإنسان المتمتع عند الشافعية باعتبار أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، فهذا يجوز له بوجود أحد السببين أن ينحر الهدي. وقلنا: لا يجوز؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، وهذا بالاتفاق، فكذلك الهدي قياساً عليه، فلا يجوز ذبح هدي التمتع قبل العيد؛ لأنه لم يثبت أن أحداً من أصحاب النبي ﷺ نحر قبل يوم النحر، ولا أمروا بذلك، فيكون الراجح فيه أنه لا يجوز قبل يوم النحر؛ لأنه لم يأمر النبي ﷺ أحداً من أصحابه بفعل ذلك، وإن جاز أن يكون البدل قبله، أي: أن يصوم ثلاثة أيام قبل العيد، لكن الهدي نفسه لا يذبح إلا في العيد؛ لأنه يوم النحر ويوم الهدي ويوم العيد، وهو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه، ولم يأمر أحداً أن يذبح قبل.

стр. 163

حكم من وجد الهدي وليس له مال وصفة دم التمتع نفس صفة الأضحية، وسيأتي الحديث عن أحكام الأضحية، ويقوم مقامها بدنة أو بقرة كلاً منهما عن سبعة، فيجوز للذي عليه دم التمتع ودم القران أن ينحر شاة أو يشارك ستة آخرين في نحر بقرة أو في نحر جمل أو ناقة. وإذا وجد المتمتع الهدي في موضعه فلا يجوز له العدول إلى الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] فلا يجوز للإنسان المتمتع أن يرجع بهدايا للناس ويقول: إنه سيصوم بعد ذلك، فهذا لا يجوز، فطالما أن معه المال فيلزمه أن يشتري الهدي، وليس له أن ينتقل إلى البدل إلا إن فقد الهدي أو وجد وليس معه المال الذي يدفعه في ذلك، فإن عدم الهدي في موضعه فلا بد أن يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، حتى ولو كان هذا الإنسان له مال غائب في بلده ولكن في مكة لا يوجد معه مال، فعند ذلك يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ومن وجد الهدي وثمنه لكنه لا يباع إلا بأكثر من ثمن المثل، فهو كالمعدوم، كأن يتوقع أن ثمن الهدي أربعمائة ريال ومعه أربعمائة ريال فوجده يباع بألف ريال، فيكون حكمه حكم الفاقد، فله أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. ولو وجد الثمن وعدم الهدي جاز له الانتقال إلى الصوم، فمن وجد الثمن وعدم الهدي في الحال فقعد ينتظر لعله أن يجد غداً هدي، ثم انتظر في اليوم الثاني ولكن ما جاء الهدي وخشي التأخير فهذا نقول: له أن يصوم ثلاثة أيام التي تلزمه. ثم الصوم الواجب عشرة أيام قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] ثم يأمر الله بقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] فذكر ثلاثة، وذكر سبعة والمجموع: عشرة أيام، وكل إنسان يعرف أن مجموع ثلاثة وسبعة عشرة، والعلة في ذكر هذا: أن الإنسان قد يختان نفسه فيقول ربنا قال: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فإما أن نصوم ثلاثة أيام في الحج وإما أن نصوم سبعة أيام فقط لما نرجع، فيظن أن الثلاثة دخلت في السبعة الأيام، فقال تعالى: (تلك عشرة) حتى لا تخون نفسك، فالمطلوب ثلاثة أيام في الحج وسبعة حتى ترجع إلى بلدك. وقلنا: الأفضل أن يقدم الإحرام بالحج ليصوم هذه الثلاثة وهو محرم خروجاً من الخلاف. والأفضل أنه يبدأ بالإحرام بالحج في اليوم الخامس مثلاً ويبتدئ الصيام الخامس والسادس والسابع أو السادس والسابع والثامن، فيصوم وهو متلبس بمناسك الحج، لكن إن صام من غير ما يتلبس بها فالراجح أنه يجوز، ولا يجوز صوم شيء منها يوم العيد.

стр. 164

حكم صيام أيام التشريق للحاج ويجوز صيام أيام التشريق؛ لحديث ابن عمر في صحيح البخاري أنه قال: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) حديث رواه البخاري عن عائشة وابن عمر ﵄ وفيه: (لم يرخص) والذي يرخص لهم هو النبي ﷺ فالمراد: أنهم سمعوا ذلك من النبي ﷺ ، أي: أنه لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، وأيام التشريق هي الثلاثة الأيام بعد النحر ولها عدة أسماء، حيث إن الحجاج يقيمون فيها بمنى، واليوم الأول يقال له: يوم القر. ومعنى التشريق: أنهم يشرقون فيها لحوم الهدايا عندما تذبح في الشمس حتى لا تتعفن، فيملحها صاحبها ويضعها في الشمس حتى لا تتعفن، فاليوم الأول من أيام التشريق اسمه: يوم القر؛ لأن الجميع يقرون فيه بمنى لا يخرج أحد منها، وليس له أن ينفر في اليوم الأول، ويوم العيد اسمه: يوم الأضحى وهو أول الأيام، وهو يوم الحج الأكبر، ويليه ثلاثة أيام للتشريق الأول منها ثاني أيام العيد الذي نسميه يوم القر، اليوم الثاني من أيام التشريق الذي هو ثالث أيام العيد يسمونه: يوم النفرة الأولى، فيجوز لمن تعجل في يومين ولا إثم عليه أن يغادر بعد رمي الجمار. اليوم الثالث الذي هو رابع أيام العيد: يوم النفرة الثانية. وأيام التشريق هي الأيام المعدودات التي ذكرها الله حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].

стр. 165

معنى قوله تعالى: (وسبعة إذا رجعتم) ويستحب صيام جميع الثلاثة الأيام قبل يوم عرفة حتى يتفرغ يوم عرفة للدعاء، وله أن يصومها مع يوم عرفة، لكنه يتعب مع الصيام ومع الحر ومع الانشغال بالمناسك والذهاب والإياب. وهذه الثلاثة الأيام تفوت بخروج أيام التشريق، فيكون رخص في صومها لأنه ما زال بقي عليه شيء من أعمال الحج، فالحاج إذا لم يقدر على صيامها قبل أيام التشريق يجوز له أن يصومها في أيام التشريق وكأنه الآن يقضي هذه الأيام الثلاثة التي فاتت، فليس له أن يضيعها حتى تنتهي أيام التشريق، فإذا فات صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه، فهذا يعتبر بدل من هذا الدم فليس عليه دم مرة ثانية، وكان الإمام أبو حنيفة يقول: عليه دمان، يعني: رجع الدم الأصلي عليه وعليه دم آخر بترك هذا الواجب الذي كان عليه. والراجح: أنه إما أن يذبح هدياً ويهديه لأهل الحرم، أو أنه غير واجب فيلزمه هذا الصيام على الصورة التي ذكرها الله ، فإذا فاتته الثلاثة الأيام قضاها بعد ذلك ولا يلزمه شيء آخر. قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] مضمون الآية: إذا رجعتم من الحج -وذلك بانتهاء مناسكه- ولو كنتم في الطريق أردتم أن تصوموا جاز لكم ذلك، سواء في الطريق أو بعد الرجوع إلى أهليكم فالأمر سيان. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أنه لما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: (من كان أهدى فإنه لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجه, ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) فالأفضل إذا رجع إلى أهله صام؛ لحديث النبي ﷺ ، وإن كانت الآية لم تذكر الرجوع إلى الأهل، فبمجرد الرجوع من الحج يجوز للإنسان أن يصوم؛ لنص النبي ﷺ . ولا يجوز صوم شيء من السبعة في أيام التشريق، فلو أن شخصاً استسهل صوم الثلاثة الأيام قبل العيد وجاء في أيام التشريق ليصوم السبعة الأيام فلا يجوز ذلك، وليست هذه معتبرة، وأيام التشريق لم يرخص فيها إلا صيام الثلاثة الأيام فقط وليس الباقي؛ لأنه لا يسمى راجعاً، ولأنه ما زال في الحج حتى وإن تحلل، وأما من بقي عليه طواف الإفاضة فلا يجوز صيامه؛ لأنه ما زال في الحج، وإنما يصوم السبعة الأيام بعد ذلك إذا رجع من الحج، أما هذا الذي عليه طواف الإفاضة فما زال عليه ركن من أركان الحج، فليس له أن يصوم السبعة الأيام. وإن لم يصم الحاج الثلاثة الأيام في الحج ورجع لزمه صوم عشرة أيام، سواء ترك صيامها بعذر أو بغير عذر، فلما يرجع إلى أهله يلزمه صيام العشرة الأيام متواصلة، وإن صام ثلاثة أيام وحدها، ثم صام سبعة أيام وحدها جاز، لكنه لا يجب التفريق بين الثلاثة والسبعة، وكأن التفريق وجب بحكم الوقت وقد فات فسقط كالتفريق بين الصلوات، وهذا قياس، أي: عندما نقول: صلاة الظهر في وقتها، والعصر في وقتها، والمغرب في وقتها، فلو أنك فاتتك هذه الصلاة وأنت نائم فعندما تقوم من النوم نقول لك: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، فبمجرد ما قمت من النوم يلزمك أن تصلي هذه التي فاتتك، ولا تقل: نؤجلها إلى الغد، ثم نصلي الظهر مع الظهر، والعصر مع العصر، والمغرب مع المغرب، لا، ولكن صل إذا قمت؛ لأنك أنت الآن تقضي هذه الصلاة، فلذا صوم الثلاثة والسبعة الأيام لا يجب فيه التتابع ولكن يستحب، فينوي بهذا الصوم صوم التمتع وإن كان قارناً نوى صوم القران بدلاً من الهدي، وإن صام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة بعد الرجوع لم يلزمه نية التفريق، فإذا شرع في صوم التمتع الثلاثة أو السبعة ثم وجد الهدي فقد شرع الآن في البدل، وهل يلزمه أن يرجع ثانية ونقول له: وجب عليك الهدي؟ لا فقد انتهى الأمر، فهو قد تلبس الآن بما وجب عليه فعليه أن يكمل هذا الشيء، ولكن يستحب له أن يرجع للهدي ولا يجب. ويجب على القارن دم مثل ما قلنا في المتمتع، وهذا مروي عن ابن مسعود وابن عمر ﵃؛ لأنه جمع بين نسكين في وقت، فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى، فالمتمتع قد عمل عمرة كاملة وحجاً كاملاً، ولكنه تمتع بين الاثنين في سفر واحد، والقارن تمتع بنسكين في سفر واحد، وكذلك عمل عملاً واحداً وهو الحج وأدخل فيه العمرة، فإذا كان متمتعاً عليه دم، وكذلك القارن.

стр. 166

حكم من مات بعد أداء الحج وعليه هدي وإذا مات المتمتع بعد فراغه من الحج وهو مؤجل للهدي ولم يكن أخرجه فما حكمه؟ فإن كان هذا المتمتع معه مال ولكن مات بعد المناسك فأهله يهدون عنه ما وجب عليه من ماله، وكذلك إن مات في أثناء الحج فلا يسقط الدم؛ لأنه وجب بالإحرام، وفيما ذكرناه قبل ذلك أنه يجب عليه الدم من تركته. وإذا رجحنا أنه يجب عليه الدم بإحرامه بالحج، فلو أنه أحرم في الحج وقال: لبيك حجة ثم مات بعد ذلك فهذا متمتع وجب عليه دم بالتمتع ويكون ديناً لله يخرجه أهله من ماله، وعلى قول الإمام أحمد يجب الهدي بالوقوف بعرفة، وكذلك يقول الإمام مالك، فحينها لا يجب عليه إلا إذا وقف بعرفة ثم مات بعد ذلك. وذكرنا أن الراجح: أنه بتلبسه في الحج صار واجباً عليه الدم، ولو كان يجب عليه الصيام بدل الهدي ثم مات وعليه صيام صام عنه وليه، وهذا وارد في حديث النبي ﷺ ، فيستحب للأولياء أن يصوموا عنه، فإن مات قبل تمكنه منه سقط لعدم التمكن، كصوم رمضان ممن كان عليه صوم من رمضان ثم مرض في رمضان فأفطر في آخره وظل مريضاً حتى مات في شهر شوال، فهذا تمكن من القضاء أم لم يتمكن؟ لم يتمكن، وهل يجب عليه صوم؟ إذا مات لا شيء عليه، ولا يجب على ورثته أن يخرجوا من ماله شيئاً، لكن يستحب أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، وكذلك هنا، أي: يستحب أن يهدي عنه الورثة أو يصومون، أما من توفي ولم يتمكن من الصوم لاستمرار مرضه وهو في الحج، وكان معسراً ولا يجد الهدي فهذا لا شيء عليه، فإن صاموا عنه كان حسنة لكن لا يجب، وإن تمكن من الصوم فلم يصم حتى مات فهو كصوم رمضان فيصوم عنه وليه، أو يطعم عنه عن العشرة الأيام التي تركها عن كل يوم مداً أو يطعم مسكيناً عن كل يوم، ويستحب صرفه إلى فقراء الحرم ومساكينه يعني: هذا الإطعام وهذا الهدي يجب ذبحه هنالك في الحرم، لكن الصيام سيصوم في أي مكان، فإذا صام في أي مكان فالإطعام بدلاً من الصيام فيجوز في أي مكان، لكن يستحب صرف هذا الإطعام إلى فقراء الحرم ومساكينه، فإن صرف إلى غيرهم جاز؛ لأن هذا الإطعام بدلاً عن الصوم الذي لا يختص بالحرم فكذا ما كان بدلاً عنه كما قدمنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 167

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حجة الوداع من أجمع الأحاديث في صفة حج النبي ﷺ هو حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁؛ حيث وصف أعمال النبي ﷺ في الحج منذ خروجه من المدينة حتى رجوعه إليها.

стр. 168

بيان كون حديث جابر أشمل الأحاديث في صفة حج النبي ﷺ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فإننا سنذكر في هذا الدرس حجة الوداع كما في سياق حديث جابر بن عبد الله ﵁ في قصة حجة النبي ﷺ ، وهي الحجة الوحيدة التي حجها ﷺ بعد هجرته. والسياق الذي ذكره جابر بن عبد الله هو من أكمل السياقات لحجة النبي ﷺ ، وكأنه كان له اعتناء خاص بهذه القصة، ولذلك ذكرها بطولها. يقول الإمام النووي ﵀ في شرح مسلم: حديث جابر ﵁ وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم؛ لم يروه البخاري في صحيحه، ورواية أبي داود كرواية مسلم. قال القاضي عياض: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزء كبيراًَ، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصي لزيد على هذا القدر قريب منه. فهذا الحديث فيه فوائد فقهية كثيرة جداً، وبعضها ذكرها الإمام النووي في شرحه الحديث، وأيضاً ذكرها الحافظ ابن حجر في سياق أحاديث حج النبي ﷺ ، وكذا ذكرها صاحب عون المعبود في شرح هذا الحديث. وسياق الحديث بكماله رواه الإمام مسلم في صحيحه كما ذكرنا، وأيضاً رواه الإمام أبو داود بطوله، ورواه الإمام أحمد أيضاً، ورواه ابن ماجة بطوله. وهذا الحديث استقصى طرقه ورواياته العلامة الشيخ الألباني ﵀ في كتابه (حجة النبي ﷺ ، فذكر سياق حديث جابر، واستوفى كل ما وصل إليه من ألفاظ في الحديث، ونذكر رواية مسلم، والزيادات التي على هذه الرواية مما نحتاج إليه في الفقه، فهناك زيادات كثيرة موجودة وهي معان مترادفة، فلا نحتاج إلى معان مترادفة، ولكن نذكر ما نحتاج إليه كفقه في الحديث نفسه، فنذكر الزيادات التي يحتاج إليها في ذلك، ومن شاء الألفاظ التي استوعبها الشيخ الألباني فليرجع إلى روايات حديث جابر التي ذكرها العلامة الألباني رحمة الله عليه.

стр. 169

شرح حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ هذا الحديث رواه مسلم عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ عن أبيه محمد بن علي بن الحسين قال: (دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إليه، فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع الردء الأعلى ثم نزع الردء الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدييه، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك يا ابن أخي! سل عما شئت، قال: فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا). فهنا الذي يروي لنا هذا الحديث هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵁، يرويه عن أبيه محمد بن علي بن الحسين أنه دخل على جابر بن عبد الله ﵁. وواضح من هذه الرواية أن جابراً كان قد عمي، فكان رضي الله ﵎ عنه يسأل عن القوم الذين اللي دخلوا عليه، فقالوا: فلان وفلان إلى أن وصلوا إلى محمد بن علي بن الحسين. ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من آل بيت النبي ﷺ ، فيكون له مزيد من الإكرام ومزيد من الضيافة، وكان شاباً صغيراً، يعني: في سن خمس عشرة أو ست عشرة سنة. فـ جابر بن عبد الله وضع يده على صدره بين ثدييه، هذا يليق بمن كان في مثل سنه، وهذا نوع من الملاطفة، فهذا الضيف جاء إليه وهو من آل بيت النبي ﷺ فلاطفه بذلك، وكان هذا لا يحصل مع الرجل الكبير، وكل ضيف يتعامل الإنسان معه على قدر سنه وعلى قدر منزلته. ولذلك الإمام النووي يذكر في هذه القطعة عدة من الفوائد فيقول: يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم. وفيه: إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ كما فعل جابر بـ محمد بن علي بن الحسين. ومنها: استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما يرحب بهما: مرحباً. ومنها: ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه، أي: ملاطفة الزائر بالشيء الذي يليق به حسب سن هذا الزائر، وما يليق بمثله من الملاطفة، وتأنيسه؛ حتى لا يستشعر بوحشة، وأنه جالس بين كبار السن وهو صغير بينهم، فكأن جابراً كان يقبل عليه ويربت على صدره كنوع من الملاطفة والتأنيس له. قال الإمام النووي: وهذا سبب حل جابر زري محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه، يعني: كأن القميص كان له زر أعلى وزر ثان أسفل، ففك الزرين ووضع يده على صدره كنوع من الملاطفة والتأنيس له والمعرفة لمنزلته ومكانه ﵁. يقول: (فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها) كأنه قام فصلى بهم إماماً، رضي الله ﵎ عنه وعليه نساجة يلتحف بها، والنساجة: عبارة عن ثوب ملفق، وخروق لفق بعضها ببعض وجعلها ثوباً، وكأن هذا الثوب كان صغيراً، فكلما وضعه على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، يعني: يلتحف على المنكبين، لكنها من صغرها كانت تسقط من شماله وتسقط من يمينه، فيرجع طرفاها إليه من صغرها.

стр. 170

تهيؤ النبي ﷺ وأصحابه لحجة الوداع قال محمد بن علي بن الحسين: (فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فقال بيده، فعقد تسعاً -يعني: عقد بيده العدد تسعة- قال: فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ . أي: أن هذه هي السنة الوحيدة التي حجها، وهي الحجة التي سميت بحجة الوداع؛ لكون النبي ﷺ كان يأمرهم ويحثهم أن يأخذوا المناسك منه ﷺ ، كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن جابر قال: (رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه). فقوله: (لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) فيه إشارة إلى توديعه ﷺ ، وإعلامهم بقرب وفاته صلوات الله وسلامه عليه، فكان يحثهم على أن يأخذوا المناسك منه ﵊، وينتهزوا الفرصة أنه معهم فيعلمهم صلوات الله وسلامه عليه. فمكث النبي ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج، قال: (ثم أذن في الناس -أي: أعلم الناس- وجعل منادياً ينادي على الناس بذلك: أن رسول الله ﷺ حاج -يعني: في العام العاشر- فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ . يعني: أنهم لم ينتظروا حتى يخرج ويقابلوه في الطريق، وإنما قدموا من أجل أنه من أول ما يخرج يأتسون ويقتدون به صلوات الله وسلامه عليه. قال: (كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي). يعني: أنه خرج حتى وصل ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، وكانت في ذلك الحين زوجة لـ أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه. في رواية لـ ابن عباس لهذا الحديث قال: (انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد). يعني: أنه لم ينه عن أي نوع من أنواع الثياب يلبسها الإنسان من قطن أو من صوف أو من غيرها؛ فيلبس الإنسان ما شاء إلا ما كان حراماً من حرير؛ فقد نهى عنه ﷺ ، وإلا ما كان مزعفراً فإذا وضع وعرق الإنسان فإنه يلطخ ثيابه باللون الأصفر، وأيضاً هو من الطيب.

стр. 171

بيان كيفية إهلال النبي ﷺ وتلبيته قال جابر ﵁: (فأصبح ﷺ بذي الحليفة فركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة) وفي بعض الروايات: (وقلد البدن). يعني: أن خروج النبي ﷺ كان في شهر ذي القعدة قبل أن ينتهي بخمسة أيام أو خمس ليال. وساق النبي ﷺ معه بدناً من المدينة، ووصى علياً أن يشتري له من اليمن بدناً، فكان مجموع ما ساقه وما قدم به علي ﵁ مائة، كلها أهداها النبي ﷺ إلى البيت. وقوله: (قلد بدنته) التقليد هو: وضع قلادة من ليف في عنقها، فالحبل الذي يوضع في عنق الدابة يقال له: قلادة، وأصل القلادة: ما تضعه المرأة من شيء في رقبتها. وجاء في رواية: (أنه علق فيها نعليه)، يعني: أن ناقة النبي ﷺ التي قلدها وضع في عنقها حبلاً من ليف، وفي هذا الحبل علق نعليه، وكأنه إشارة إلى الحث على التوجه إلى بيت الله والمشي والطاعة في ذلك. قال: (وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة)، يعني: أنه بقي في الرحلة تسعة أيام؛ فخرج من المدينة وبقي خمسة أيام انتهى شهر ذي القعدة، ووصل مكة ﷺ في الرابع من ذي الحجة، فأخذ منه المسير تسعة أيام. هنا يقول جابر: (إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟). يعني: ماذا أعمل وأنا نفساء؟ فقال النبي ﷺ : (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي). يعني: أن السنة في المرأة النفساء التي تلد، ومثلها الحائض كذلك أنها تغتسل، فإذا كانت هذه في غسلها لن يفيدها إلا التنظف فقط، فإن من يفيده الغسل العبادة من باب أولى، كالذي عليه جنابة، فإن الغسل يرفع هذه الجنابة، وهذا أولى، وكذلك المرأة التي انتهى حيضها فيلزمها التطهر، فهذه أولى أن تغتسل لذلك، فالغسل هنا غسل تنظف، تتنظف المرأة ويتنظف الرجل ويستعد لأعمال المناسك. وقوله: (استثفري) بمعنى: تلجمي، يعني: ضعي على مكان نزول الدم شيئاً من الثياب واربطيه جيداً؛ حتى لا ينزل منك الدم. قال: (وأحرمي، فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء) وهي ناقة النبي ﷺ ، ولها أسماء، وهذا من أسمائها. في رواية النسائي لهذا الحديث: (فلما أتى ذا الحليفة صلى وهو صائم حتى أتى البيداء). يعني: ما زال لم يلب ﵊؛ لأنه جاء وقت الصلاة فصلى ﷺ الصلاة ولم يكن قد أهل إلى أن أتى البيداء فبدأ بالتلبية بعدما ركب ناقته. وهنا ذكر القصواء، وفي رواية ذكر: (الجدعاء)، في رواية ذكر: (العضباء)، وفي رواية: (على ناقة خرماء)، والظاهر أنها هي هي، فهي ناقة واحدة، وكأن هذه أوصاف أو أسماء لهذه الناقة التي ركبها النبي ﷺ . قال: (ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش). يعني: استوت ناقة النبي ﷺ به وكانت الطريق والصحراء أمامه مليئة بالناس من بين اليدين ومن اليمين والشمال. قال: (نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به). يعني: أن الجميع كانوا ينظرون إلى فعله ﷺ ، وكان القرآن ينزل عليه وهو يعمل صلوات الله وسلامه عليه وهم يقتدون. قال: (فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، هذا إهلاله ﷺ ، وأهل بمعنى: رفع الصوت، فرفع صوته ﷺ بهذه التلبية، وأهل الناس بهذه التلبية، فالنبي ﷺ أهل بذلك، والناس اقتدوا به ﷺ ، وزادوا عليه أشياء لم ينكرها ﵊؛ فجاء في رواية: (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يهل بإهلال رسول الله ﷺ بهؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)، فزاد هذه الكلمة: (والرغباء) يعني: السؤال، والطلب، أي: نطلب منك ونسألك ونرغب فيما عندك، وقوله: (والعمل) يعني: نخلص العمل ونوجهه إليك. وجاء أيضاً فيه رواية أخرى عن عبد الله بن عمر: (أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل)، ففيها زيادة كانوا يقولونها، ومنهم عمر ومنهم عبد الله بن عمر، وأما النبي ﷺ فالتزم تلبيته. وفي رواية لـ جابر عند أبي داود قال: (وذكر التلبية والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئاً)، (والمعارج) جمع معراج وهو: الذي تعرج فيه الملائكة إلى السماء، فقوله: (ذا المعارج) يعني: يا صاحب السماوات! يا صاحب المعارج التي تعرج الملائكة فيها إلى السماء! فالله سبحانه يملك كل شيء، فكانوا يقولون ذلك والنبي ﷺ لا ينكر عليهم هذا الذي يقولونه. وجاء عن عمر أيضاً أنه كان يزيد: (لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك). وعن ابن عمر ﵄: (لبيك وسعديك، والخير بيديك والرغباء إليك والعمل). وعن أنس ﵁: (لبيك حقاً؛ تعبداً ورقاً، لبيك حقاً؛ تعبداً ورقاً). فهذه بعض الزيادات التي كانوا يقولونها، والنبي ﷺ لم يزد على تلبيته التي قال. قال جابر: (فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته). قال جابر ﵁: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة). فـ جابراً ذكر أن كل الذي نلبي به هو الحج، ولكن ذكرنا قبل ذلك عن عائشة أنها ذكرت: أن الصحابة منهم من لبى بالحج ومنهم من لبى بالعمرة ومنهم من جمع بين الاثنين، فهنا الذي علم حجة على من لم يعلم، والعدد كان ضخماً جداً مع النبي ﷺ ، فـ جابر سمع من حوله وهم لا يعرفون إلا الحج فقط، وعائشة سمعت غيره ممن لبوا بعمرة، وممن لبوا بحج وعمرة، وممن لبوا بحج فقط. إذاً: هنا كونه يقول: (لسنا نعرف العمرة) يعني: في هذه الحجة، هذا في ظن جابر ﵁.

стр. 172

كيفية الطواف بالبيت قال جابر: (حتى إذا أتينا البيت معه -أي: مع النبي ﷺ استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]). يعني: أن النبي ﷺ وصل إلى البيت، وهنالك عند البيت أول ما بدأ استلم الركن والحجر الأسود. وقوله: (فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)، ما فعله قبل ذلك في عمرة القضاء هو أنه رمل لعلة معينة، والآن هذه العلة غير موجودة، ومع ذلك فعل ذلك، فصارت سنة، وسنة الرمل هي في أول ثلاثة أشواط ثم بعد ذلك المشي في الأربعة بعد ذلك. وقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) أي: توجه إلى مقام إبراهيم ﵇، قال: (فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥])، يعني: أنه يسن بعدما تنتهي من الطواف بالبيت أن تتوجه إلى مقام إبراهيم؛ لتصلي خلفه ركعتين، تقول وأنت متوجه إليه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، ثم تصلي ركعتين. قال: (فجعل المقام بينه وبين البيت)، قال راوي الحديث -الذي هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ فكان أبي -يعني: محمد بن علي بن الحسين يقول -ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ : كان يقرأ في الركعتين: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))، و ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ))، يعني: قرأها في الركعتين، وهنا عطف بالواو التي تفيد مطلق الاشتراك بين الاثنين؛ فيجوز أن تبدأ بـ ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))، ويجوز أن تبدأ بـ ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ))، إحداهما في ركعة وفي الركعة الثانية السورة الأخرى. وجاءت أحاديث أخرى عنه صلوات الله وسلامه عليه، فكأن الرواة لم يضبطوا؛ لأن النبي ﷺ صلى خلف المقام ركعتين فقط، فروى بعضهم أنه قرأ في الأولى: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) وفي الثانية: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ))، وبعضهم ذكر عكس ذلك؛ فذكر هذه في الأولى وتلك في الثانية، فكل جائز. وروى الترمذي عن جابر: (أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)) و ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))) يعني: بعد قراءة الفاتحة. قال: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا فيه سنة أخرى: أنك بعدما تنتهي من صلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم ترجع وتستلم الركن مرة ثانية، وهذا طبعاً إن استطعت ذلك؛ لأن الآن مع الزحام أصبح هذا صعباً جداً، ولكن من استطاع أن يفعل فليفعل كل بحسب ما يقدر.

стр. 173

كيفية السعي بين الصفا والمروة قال جابر: (ثم خرج من الباب إلى الصفا)، يعني: أنه لم ينزل على نصف المسعى مباشرة، وإنما ذهب من الباب إلى الصفا، فهذه سنة النبي ﷺ ، فإذا انتهيت من الصلاة خلف مقام إبراهيم، فتوجه مباشرة مستقيماً إلى الصفا، ولا تمش من ساحة الحرم إلى أن تصل إلى الصفا، فتخرج من باب الصفا إلى الصفا مباشرة، بحيث تمشي جزء من الشوط داخل المسعى، بل امش إلى الصفا وابدأ من الصفا؛ مراعاة لقول الله سبحانه في الصفا والمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، فبدأ بالصفا. وكذا قرأها النبي ﷺ وفسرها بفعله ﵊، مع أننا نقول: إن الواو في اللغة لا تقتضي ترتيباً، إنما تقتضي مطلق الاشتراك فقط، ولكن ربنا سبحانه قدم الصفا على المروة، والنبي ﷺ قال: (نبدأ بما بدأ الله به)، فيكون هذا مقصوداً، حتى وإن كانت الواو لمطلق الاشتراك، لكن سنة النبي ﷺ بينت أن الابتداء يكون بالصفا. فهنا قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به) يعني: أن الله إذا ذكر شيئاً وعطفه بالواو فنبدأ بالذي بدأ به الله سبحانه ﵎، سواء قلنا: إن الواو تقتضي مطلق الاشتراك أو تقتضي الترتيب، والصواب أنها لمطلق الاشتراك، لكن لم يقدمها الله إلا لسبب من الأسباب، فنبدأ بما بدأ الله سبحانه ﵎ به. قال: (فقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات). وجاء في حديث آخر عن جابر أيضاً من رواية النسائي قال: (قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، ورفع صوته يسمع الناس) يعني: أنه بعدما أكمل الطواف وتوجه إلى مقام إبراهيم قرأ هذه الآية ورفع صوته؛ ليسمع الناس أن هنا مقام إبراهيم وهنا نصلي خلفه ركعتين. قال: (ثم انصرف فاستلم)، يعني: استلم الحجر الأسود مرة أخرى قبل أن يتوجه إلى الصفا. قال: (ثم ذهب فقال: نبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى بدا له البيت فقال ثلاث مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت). وقوله: (يحيي ويميت) زيادة موجودة في سنن النسائي وليست في صحيح مسلم. قال: (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فكبر الله وحمده ثم دعا بما قدر له، ثم نزل ماشياً حتى تصوبت قدماه في بطن المسيل، فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة فصعد فيها، ثم بدا له البيت فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قال ذلك ثلاث مرات، ثم ذكر الله وسبحه وحمده، ثم دعا عليها بما شاء الله، فعل هذا حتى فرغ من الطواف). وفي رواية جابر بعدما ذكر أنه قال ذلك على الصفا قال: (ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى)، فهنا السنة المشي من الصفا إلى بطن الوادي الذي عند الميل الأول الأخضر، فإذا وصلت إلى هذا المكان فابدأ فيه السعي الشديد أو شيئاً من الجري بين الميل الأول والميل الثاني. قال: (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة). يعني: أنه في المرة السابعة انتهى إلى المروة، فقال: إنه لو استقبل من أمره ما استدبر لم يسق الهدي ولجعلها عمرة، يعني: ولكان تحلل كما تحلل أصحابه، ولكنه لبى بحج وعمرة، فكان قارناً وساق معه الهدي، فليس له أن يتحلل الآن ﵊.

стр. 174

جواز التحلل بعد العمرة لمن لم يسق الهدي قال جابر ﵁: قال ﷺ : (فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة) يعني: يتحلل، وقال لهم هذا الشيء بعد ما صار على الصفا، وكأنه كررها ﷺ لهم حتى يبلغ بعضهم بعضاً، وحتى يبلغ الأمر للجميع أن يفعلوا ذلك. في رواية في الصحيحين عن جابر قال: (إنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردين، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، فافعلوا). يعني: أمرهم النبي ﷺ بأن يجعلوا هذه التي قدموا بها عمرة، مع أنهم نووا الحج، وبين لهم أن يفعلوا هذا الشيء، وقال لهم: أنا كنت أود أن أفعل ذلك، ولكني سقت الهدي. قال ﷺ : (من كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة)، يعني من كان معه الهدي وقد لبى بالحج فليس له أن يتحلل، فقد لبى بالحج والعمرة فليس له أن يتحلل، وإنما الذي له أن يتحلل هو من لم يسق الهدي، فإذا كان لبى بالحج فله أن يتحلل ويجعلها عمرة. وإذا لبى قارناً ولم يكن معه هدي فله أيضاً أن يتحلل ويجعلها عمرة، وإذا لبى متمتعاً يعني: لبى بالعمرة وساق الهدي فله أيضاً أن يتحلل، فالهدي ليس هو الذي يلزم المتمتع أن يظل على إحرامه، إنما الذي يلزمه ذلك هو ما نواه في البداية، فإذا نوى الإفراد أو نوى القران وقد ساق الهدي معه فيظل على إحرامه، وقد فصلنا ذلك المرة السابقة. قال: (فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا بل لأبد الأبد). المعنى: إن العمرة دخلت في الحج للأبد، فلك أن تحج قارناً ليس هذا العام ولكن لأبد الأبد، قال الإمام النووي: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، أي: ما هو معنى قوله: (دخلت العمرة في الحج لأبد الأبد)؟ قال: اختلفوا على أربعة أقوال، أصح هذه الأقوال: ما قال به جمهور العلماء: معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة. والمقصود به: بيان إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج. قلنا: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فهدم الإسلام هذا الذي كانوا يقولونه، وأمرهم بأن يؤدوا العمرة في أشهر الحج، وقد اعتمر النبي ﷺ عمره كلها في أشهر الحج في ذي القعدة ثلاث عمر وعمرته مع حجته صلوات الله وسلامه عليه بذي الحجة. إذاً: قوله: (دخلت العمرة في الحج لأبد الأبد)، يعني: أنه يجوز لك في أشهر الحج أن تعتمر ثم تتحلل ثم تحج أو تقرن بين الاثنين، وهذا المعنى الثاني -وهو جواز القران- فعله ﷺ ؛ فإنه عمل أعمالاً للحج هي لحجه ولعمرته صلوات الله وسلامه عليه، فدخلت العمرة في الحج لأبد الأبد. هذان معنيان صحيحان لهذا القول منه ﷺ . المعنى الثالث: تأويل بعض من فسره بأن العمرة ليست واجبة، قالوا: إن قوله: (دخلت العمرة في الحج)، يعني: الحج يغني عن العمرة، والعمرة ليست واجبة، فقالوا: معناه: سقوط وجوب العمرة، ودخولها في الحج. قال الإمام النووي: وهذا ضعيف أو باطل. فالعمرة الراجح فيها من أقوال أهل العلم أنها واجبة، كما جاء ذلك في أحاديث للنبي ﷺ ، وقد قدمناها قبل ذلك، ومن ذلك ما جاء عن عمر من قوله: هديت لسنة النبي ﷺ ، ومن ذلك أن النبي ﷺ يأمر الرجل: (حج عن أبيك واعتمر)، وفي هذا دلالة على أن العمرة واجبة. وهناك تأويل رابع تأوله بعض أهل الظاهر وهو جواز فسخ الحج إلى العمرة، فقوله: (دخلت العمرة في الحج)، معناه: جواز فسخ الحج إلى العمرة. وهنا حديث النبي ﷺ يحتمل هذا كله، فيحتمل جواز فسخ الحج إلى عمرة، فقد أمرهم النبي ﷺ بالفسخ، وأمره لهم أمر لغيرهم أيضاً، فمن أهل بالحج مفرداً فإذا طاف بالبيت يجوز له أن يفسخ ذلك ويجعله عمرة ويصير متمتعاً، ثم بعد ذلك يهل بالحج في أيام الحج لما ذكره النبي ﷺ . فـ سراقة بن مالك بن جعشم يسأل النبي ﷺ عن الحال الآن، فهم كانوا أهلوا بالحج، فلما أمرهم ﷺ بأن يجعلوها عمرة، فسأله: هذه العمرة هل هي لنا الآن، أو أنها على طول؟ كأنه يسأل: هذا الفسخ لنا أو لنا ولغيرنا؟ فقال النبي ﷺ : (لا، بل لأبد الأبد) يعني: ليس أنتم فقط، بل أنتم ومن بعدكم، فكأن الحديث احتمل معاني منها: أن العمرة في أشهر الحج جائزة، أي: أن القران جائز، والعمرة في الحج، يعني: أنك إذا نويت الحج وطفت بالبيت جاز أن تجعلها عمرة، فدخلت العمرة في الحج، ثم تهل بالحج بعد ذلك. فهذه ثلاث معان صحيحة لحديث النبي ﷺ .

стр. 175

الإهلال المعلق يقول جابر: (وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغة، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها). علي جاء من اليمن مهلاً، وكان يعمل للنبي ﷺ ، وكأنه ولاه في اليمن، ولاية من الولايات كان فيها، واشترى للنبي ﷺ من اليمن الهدي، أو ما يكمل به مائة ناقة للنبي ﷺ . قال: (فوجد فاطمة ﵂ ممن حل، ولبست ثياباً صبيغة، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا)، يعني: أن علي بن أبي طالب أنكر على فاطمة: أنت في الحج وأنت محرمة فكيف تعملي هذا الشيء؟ قالت: (إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت)، أي: صدقت فاطمة رضي الله ﵎ عنها. ثم قال: يسأل علياً: (ماذا قلت حين فرضت الحج؟ فقال علي قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ﷺ . وكون الإنسان يهل بإهلال فلان، هذا النوع يسمى إهلالاً معلقاً، وقد ذكرنا أن أنواع الإحرام خمسة. وكل نوع من هذه الأنواع يجوز أن تحرم به، فيجوز أن تحرم مفرداً للحج، أو قارناً بين الحج والعمرة، أو متمتعاً بين العمرة إلى الحج، فالإنسان يحرم بعمرة، أو يحرم إحراماً مطلقاً وبعد ذلك يغير إلى شيء قبل الطواف، أو إحراماً معلقاً على إحرام فلان، كما فعل علي رضي الله ﵎ عنه. فـ علي أهل إهلالاً معلقاً، وكذلك أبو موسى الأشعري ﵁ ﵎ عنه، وفرق النبي ﷺ في الحكم بينهما، فـ علي بن أبي طالب ساق هدياً فأمره أن يبقى على إحرامه وأبو موسى لم يسق هدياً وأهل أيضاً كإهلال النبي ﷺ ، فأمره أن يتحلل رضي الله ﵎ عنه. يقول هنا: (قال: قلت - أي: علي بن أبي طالب -: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ﷺ ، قال: فإن معي الهدي فلا تحل، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة) يعني: جملة هديه ﷺ الذي ساقه لينحره هناك عند البيت مائة ناقة، بعضها جاء به من المدينة والبعض جاءه به علي من اليمن. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال: (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: حججت -يعني: لبيت بالحج-؟ فقلت: نعم. قال: بما أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: قد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل). فهنا أمر أبا موسى الأشعري بأن يحل؛ لكونه لم يكن معه هدي، فيكون مثله مثل غيره ممن لم يسق الهدي، وعلي بن أبي طالب ساق الهدي وأهل بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، فأمره أن يستمر على إحرامه.

стр. 176

أعمال يوم التروية قال جابر: (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج). يعني: أن أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا معه تحللوا بعدما أكملوا أعمال العمرة، ومكثوا حلالاً أربعة أيام، أي: في اليوم الرابع أكملوا العمرة، وانتظروا يوم الثامن وهم حلال، ثم أحرموا من جديد في اليوم الثامن. قال: (فلما كان يوم التروية) وهذا هو اليوم الأول في أيام المناسك، ويسمى بيوم التروية؛ لكون الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يحملون الماء معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره، وكان الحج في الماضي صعب جداً، وكان الإنسان الذاهب إلى منى والذاهب إلى عرفة محتاجاً للماء أن يكون معه، فكان يحمل معه الماء، فانظر الرحمة التي نحن فيها الآن؛ فإنك تذهب إلى أي مكان فتجد الماء هناك، وتلاقي نافورات المواصير طالعة في السماء تنزل عليك رذاذ ماء وأنت في عرفة، وأنت في منى، وتجد أشياء عظيمة جداً بفضل الله ؛ فإنه سبحانه يسر لعباده، فالحج في الماضي كان غاية في المشقة، فقد كان الحجاج في يوم التروية كل واحد يأخذ مزادت الماء من أجل أن تكفيه في هذه الأيام أيام المناسك. فاليوم الثامن كان اسمه يوم التروية، واليوم التاسع اسمه يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، فهذه ستة أيام للمناسك؛ كل يوم له اسم من الأسماء. قال: (لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)، فلم يخرجوا إلى الميقات، وإنما أهلوا من مكانهم، وذكروا أنهم أهلوا من البطحاء، بطحاء مكة. قال هنا: (توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)، وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث قال جابر: (فأمرنا بعدما طفنا أن نحل، قال: وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا، قال: فأهللنا من البطحاء). والبطحاء: موضع بين مكة وبين منى، يسمى بالبطحاء، وكأنه المكان المتسع من الوادي، فما انبطح من الوادي فهذا البطحاء، فالمكان المتسع يسمى بالبطحاء، ويسمى أيضاً بالمحصب، ويسمى أيضاً بالمعرس والأبطح، هذا المكان لما رجع النبي ﷺ من منى بعدما أنهى رمي الجمار نزل في هذا المحصب؛ من أجل أن يكون أسمح له في النفر والخروج من مكة للرجوع إلى المدينة. والمحصب أصبح الآن بداخل مكة، اتصل به البنيان من مكة فصار بداخلها، وهو قريب من المقبرة التي تسمى مقبرة الحجون. يقول جابر: (وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر) يعني: بمنى، أي: أن النبي ﷺ خرج من مكة متوجهاً إلى منى، وأهل من كان مع النبي ﷺ من البطحاء أو المحصب أو المعرس أو الأبطح. قال: (فصلى النبي ﷺ بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) يعني: أن السنة الخروج من مكة والتوجه إلى منى بحيث يصل إلى منى عند وقت الظهر، فيصلي هنالك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت هناك ويصلي الفجر، فيصلي في منى خمس صلوات. فالذهاب إلى منى في يوم التروية هذا سنة من سنن الحج، ومع شدة الزحام الآن الكثيرون يتوجهون إلى عرفة مباشرة، والذهاب إلى منى سنة من سنن النبي ﷺ وليس واجباً وليس فرضاً من الفرائض، لكن الأفضل للمسلم أن يلتزم ذلك طالما أنه يستطيع أن يذهب إلى هناك. قال: (صلى رسول الله ﷺ بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس). وكان ﷺ هنالك يقصر من الصلاة، ولكن لم يجمع، فالصلاة هناك لم تكن جمعاً، ما جمع في منى بين الظهر والعصر، والجمع يكون للحاجة، وهنا أنت في عبادة لله سبحانه ﵎ لا تحتاج إلى الجمع في هذا المكان، فإذا كنت في منى فصل هنالك قصراً، ولكن لا تجمع بين الصلاة.

стр. 177

أعمال يوم عرفة قال جابر: (ثم مكث ﷺ قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة). ونمرة: مكان بجوار عرفة، وليس من عرفة، فالنبي ﷺ أمر بقبة من شعر تضرب له، أي: خيمة تضرب له في نمرة. قال: (فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام). لاحظ أن النبي ﷺ خرج من منى متوجهاً إلى عرفة، وانتظر إلى أن طلعت الشمس، يعني: لم يمش من منى بالليل، ولا مشى من منى قبل الفجر أو بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وإنما توجه إلى عرفة بعد طلوع الشمس، بخلاف رجوعه من المزدلفة؛ فإنه خرج من المزدلفة ليرمي الجمرة بمنى، وهو راجع إلى منى خرج من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وكأنه بفعله هذا يخالف المشركين، حيث كان المشركون يعكسون، فخالفهم النبي ﷺ ، فهو في المزدلفة خرج بعدما صلى الفجر، ومكث فترة يدعو الله على جبل قزح المشعر الحرام، وقبل أن تطلع الشمس خالف المشركين، وتوجه ﷺ إلى منى. إذاً: في ذهابه إلى عرفات توجه بعدما طلعت الشمس، وفي عودته من مزدلفة إلى منى عاد قبل طلوع الشمس. قال: (سار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام) أي: عند مزدلفة، ونقول الحرم: مكة حرم منى حرم المزدلفة حرم عرفات من الحل وليست من الحرم، فالقرشيون كانوا يظنون أن النبي ﷺ لن يترك الحرم، وقالوا: هذا رجل من الحمس، أحمسي، والحمس هم متشددون في دينهم، الذين هم القرشيون، قالوا: كيف سيترك مكة ويترك الحرم ويذهب إلى الحل؟! فإن الشيطان زين لهؤلاء أنهم هم أهل الحرم، وأنهم لو خرجوا خارج الحرم فكأنهم صنيعوا هيبة الحرم. لذلك كانت قريش ومن دان بدينها الذين يلقبون بالحمس كانوا لا يتركون الحرم، وكل الحجاج كانوا يذهبون إلى عرفات والقرشيون لا يذهبون، وكان أقصى شيء يصلون إليه المزدلفة، ولا يذهبون أبعد من ذلك. روى ابن خزيمة وإسحاق بن راهويه من حديث نافع بن جبير عن أبيه قال: (كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم). يعني: ليس عندهم عرفة، كل الناس يذهبون عرفة وأما قريش فلا يذهبون خارج المزدلفة، فتركوا الموقف بعرفة. قال جبير: (فرأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له). ونحن ذكرنا أن النبي ﷺ حج قبل هجرته مرتين، فـ جبير يقول: رأيته أيام الجاهلية، يعني: قبل ما يوحى إليه ﷺ وكان يخرج مع الناس إلى عرفة، وهذا من توفيق الله للنبي ﷺ . قال: (فرأيت رسول الله ﷺ يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا). وفي رواية لـ ابن إسحاق: (توفيقاً من الله له). قال جبير في رواية أخرى: (أضللت حماراً لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك). قال: (فقلت: هذا والله! من الحمس -الذين لا يصلون إلى هذا المكان- فما شأنه هاهنا؟!) أي: ما هو الذي جعله يخرج؟! ولما أسلم جبير بعد ذلك قال: علمت أنه من توفيق الله، أي: أن الله تعالى وفق النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه ﵊، وهو ما زال قبل بعثته، فكان يقف مع الناس بعرفات، ونزلت الآية: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، فكان صلوات الله وسلامه عليه موفقاً قبل أن يوحى إليه. يقول جابر ﵁: (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام)، فالخارج يخرج من مكة ويتوجه إلى منى، ثم يتوجه إلى عرفات، ثم يرجع من عرفات إلى المزدلفة، ومن مزدلفة يرجع إلى منى، فهم تخيلوا أن النبي ﷺ يخرج من مكة، ويذهب إلى منى، ثم إلى مزدلفة، ويرجع ﷺ إلى منى، ولا يذهب إلى الحل في عرفات. قال: (فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها) أي: أنهم عملوا له ﵊ خيمة في نمرة، ونمرة: مكان بجوار عرفة. والسنة دخول عرفة عند وقت الزوال، لكن هذا لا يتيسر الآن لكل الناس، فإنه صعب جداً مع الازدحام الشديد، فكون كل الناس يقعدون في نمرة ثم يدخلون عرفة، هذا صعب، فبحسب ما يتيسر للناس، لكنه ﷺ نزل في نمرة إلى وقت الزوال، وخطب الناس، ثم دخل ﷺ . قال: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له)، يعني: حط عليها ما يوضع على الجمل من شيء يجلس عليه الراكب. قال: (فأتى بطن الوادي) يعني: وادي عرنة، وعرنة أيضاً ليس من عرفات. فهو ﷺ نزل وادي عرنة وخطب الناس هناك. قال: (فخطب الناس)، وخطبة النبي ﷺ هذه واحدة من عدة خطب، واختلف العلماء في: كم خطبة خطبها النبي ﷺ في حجة الوداع؟ فالبعض ذكر أربع خطب، والبعض ذكر ثلاث خطب له ﷺ . وهذه الخطب إرشاد وتعليم للناس بالمناسك، والآن ليس موجوداً من هذه الخطب إلا خطبة عرفة فقط، وفي أيامه ﷺ كان الناس يحضرون ويسمعون منه ﷺ هذه الخطب، وأما الآن فكأنهم استغنوا عن ذلك بالدروس التي في الحرم، والتي في منى لتوعية الناس؛ لأنه يصعب حضور الناس كلهم، وحتى في خطبة عرفة لا يحضرها كل الناس، فحضور الناس كل الخطب يصعب، فهنا أربع أو ثلاث خطب خطبها النبي ﷺ . الخطبة الأولى: كانت في اليوم السابع من ذي الحجة الذي هو قبل يوم التروية، خطب الناس خطبة تعليمية، علم الناس المناسك التي يفعلونها. والخطبة الثانية: كانت في يوم عرفة خطبها بنمرة قبل أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم، فخطب بهم النبي ﷺ ، وكذلك الإمام يفعل ما فعل النبي ﷺ . والخطبة الثالثة وهي سنة عند الشافعية والحنابلة: أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى، وهذه ليست خطبة العيد، فخطبة العيد شيء آخر لمن يصلي العيد، لكن هذه الخطبة أيضاً تعليمية؛ يعلم الناس المناسك التي في يوم الحج الأكبر، وهي خطبة واحدة يعلم الناس فيها مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي؛ لما روى ابن عباس: (أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر)، يعني: بمنى. وذهبت الحنفية والمالكية إلى أن هذه الخطبة تكون يوم الحادي عشر من ذي الحجة لا يوم النحر، يعني: أنه في يوم النحر يكون الناس مشغولين بالعبادة وليسوا متفرغين للخطبة. ولكن جاء عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ خطب في هذا اليوم). فتكون هذه الخطبة سنة. الخطبة الرابعة: أن يخطب الإمام في الناس بمنى ثاني أيام التشريق، الذي هو يوم النفر الأول، من أجل أن يبين لهم كيف ينفرون، فينفر هذا اليوم من أراد النفر، ولا يمكث إلى أن تغرب عليه الشمس، فإذا غربت عليه الشمس لزمه المبيت هناك. وخطبته ﷺ في عرفات قال فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوعة، ودماء الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث؛ كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا؛ ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربونهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى صلاة الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً). والذي أذن هو مؤذن النبي ﷺ ، فالمعنى: ثم أمر بالأذان. فهذه الخطبة فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، فالأصل أن دم المسلم محرم على أي إنسان، فيحرم عليه أن يسفك دمه، إلا بما جاء فيه نص من الكتاب أو من سنة النبي ﷺ ، ومما جاء في ذلك: (الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). كذلك يحرم مال المسلم؛ كما قال ﷺ في الحديث الآخر: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه). وقوله: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، فهذا البلد حرام، وهذه الأشهر حرم، واليوم يوم الحج يوم عرفة من أعظم الأيام، فكما يحرم عليكم أن تعتدوا في هذا المكان في هذا الوقت، وفي هذه الشعيرة، فكذلك حرمة دم المسلم وماله وعرضه. وقوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)، في هذا إلغاء كل ما كان في الجاهلية من باطل الجاهلية. قال: (ودماء الجاهلية موضوعة)، أي: ما كان من أشياء بين الناس من سفك دماء في الجاهلية كله موضوع، وأمر الجاهلية كله التغى ويستأنفون العمل من الآن. قال: (وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل)، و

стр. 178

أعمال ليلة النحر ويوم النحر وما بعده قال جابر ﵁: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة). يعني: أن النبي ﷺ وصل إلى المزدلفة، وهنالك صلى ﷺ المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم نام صلوات الله وسلامه عليه إلى الفجر، ولما طلع الفجر صلى صلاة الفريضة -صلاة الصبح- بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، وهذه الصلاة في هذا اليوم بكر ﷺ بها، يعني: كانت العادة أنه يؤذن المؤذن وينتظر النبي ﷺ حتى يجتمع الناس، وأما هنا فأذن المؤذن وصلى ركعتين وأقام الصلاة مباشرة، فلما طلع الفجر صلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. قال (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده)، يعني: دعا ربه سبحانه، فمن السنة الوقوف على المشعر الحرام، وهو جبل قزح، وأي مكان يقف فيه في المزدلفة فكله جائز، وتسمى المزدلفة، وتسمى أيضاً بجمع، ويسمى المكان الذي يقف فيه المشعر الحرام أو جبل قزح. والمزدلفة سميت من التزلف والازدلاف؛ لأن الحجاج يقدمون من عرفة ويقربون عليها، فكأنهم يزدلفون إليها، أي: يمضون إليها ويتقربون منها، وتسمى بجمع لاجتماع الناس هنالك، فالحجيج يجتمعون في المزدلفة، والبيات في المزدلفة هذا من الواجبات في الحج، وكون النبي ﷺ لم يسبح بين الصلاتين دليلاً على أن السنة إذا صلى المغرب لا يصلي سنة المغرب، وصلى العشاء وبعد ذلك نام صلوات الله وسلامه عليه. فإن قيل: الوتر في هذه الليلة هل يصلى أو لا يصلى؟ هنا لم يذكر في هذا الحديث، وكأن الراوي لم ينتبه هل صلاه النبي ﷺ أو لم يصله، لكن قال لنا فقط: (لم يسبح بين المغرب والعشاء)، فعلى ذلك لا يضيع الإنسان الوتر؛ لأن عادة النبي ﷺ أنه ما كان يترك الوتر ولا ركعتي الفجر لا في سفر ولا في حضر، فالأصل العموم في ذلك. قال: (حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً) يعني: وقف على جبل قزح في المشعر الحرام فدعا الله سبحانه، وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر، والإسفار: أن يبدأ كل إنسان يعرف من بجواره، أي: فيه إضاءة، لكن الشمس ما طلعت، ولا زالت تحت الأفق، ففي وقت الفجر يظهر شعاع بسيط يخرج منها ويبقى منكسراً فوق الأفق، وتكون السماء كلها مظلمة، ولا ترى من بجوارك، ووقت الإسفار كأن الشمس قربت تطلع وما زالت تحت الأفق، والإشعاعات التي تطلع تنعكس فوق سطح الأرض، ويتغير لون السماء، فبعد ما كانت سوداء تتحول إلى الزرقة، وإذا بالإنسان يرى من بجواره. قال: (حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس)، وهذا هو الذي قدمناه: أنه خالف أهل الجاهلية، فقد كان أهل الجاهلية يقفون وينتظرون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون لجبل هناك اسمه ثبير أعظم الجبال الموجودة هناك: أشرق ثبير كيما نغير، يعني: اطلعي يا شمس! فنحن نريد أن نمشي، وأن نتحرك بسرعة من المكان، أو كيما نغير، بمعنى: أن نلحق نأكل الذبائح التي سنذبحها هنالك. فالنبي ﷺ لم ينتظر طلوع الشمس، ولكن خرج في وقت الإسفار قبل أن تطلع الشمس وتوجه ﵊ إلى منى. قال: (وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ضعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل؛ يصرف وجهه من الشق الآخر، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً). يعني: أن الفضل كان راكباً خلف النبي ﷺ ، فمرت مجموعة من النساء -ضعن- يجرين، فنظر إليهن، فالنبي ﷺ وضع يديه على وجهه حتى لا ينظر، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير لذلك، حتى ولو كان هذا قريباً، وحتى لو كان الإنسان يظن أنه ليس منتبهاً، حتى لو كان الإنسان في المناسك وغلبة الظن أن الذي يفعل هذا ليس منتبهاً ولا يريد أن يعصي الله في هذه الأماكن، ولكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. قال: (حتى أتى بطن محسر)، وبطن محسر: واد قريب من المزدلفة، يواجهك وأنت متوجه من مزدلفة إلى منى؛ سمي بذلك لأن الله حسر أصحاب الفيل فيه، قال : ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٣ - ٥]، وحسر الفيل في هذا المكان، يعني: أعيا وتعب وما قدر أن يمشي من هذا المكان. ففي هذا المكان عذب هؤلاء الكفار، فالنبي ﷺ أحب أن يجري في المكان الذي كان فيه عذاب يوماً من الأيام، فالسنة أن الذي يصل إلى هذا المكان -بطن محسر- أن يجري بحيث إنه يتجاوزه سريعاً. قال: (فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف). الحصى الذي رمى به النبي ﷺ حصى صغير قدر الفولة وأكبر من الحمص أو بقدر الباقلا التي هي حبة الفول، وقوله: (مثل حصى الخذف) لأن الغلمان أو الأطفال الصغار، يخذف أحدهم بها، فيحطها على أصبعه ويضربها بإصبعه الثانية. فمن أجل أنه يصنع شيئاً صغيراً جداً يفعل به هكذا، ولذا سميت حصى الخذف، فجمع سبع حصيات صغيرة. يقول: (رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة)، يعني: أن السنة في هذا اليوم أن ترمي جمرة العقبة التي هي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، والسنة التكبير مع كل حصاة. قال: (رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده) ﵊ ومجموع النوق التي كانت معه مائة، هذه هدي النبي ﷺ ، فنحر ثلاثاً وستين، وكان عمر النبي ﷺ في ذلك العام ثلاثاً وستين سنة؛ فكل سنة من عمره بواحدة نحرها صلوات الله وسلامه عليه. قال: (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر) أي: أعطى علي بن أبي طالب فنحر السبع والثلاثين الباقية، وأشركه في هديه ﷺ . قال: (ثم أمر من كل بدنة ببضعة) يعني: قطعة من اللحم، بحيث إنه يأكل منها؛ ليري الناس أن السنة أن تأكل من هديك. قال: (فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت). يعني: أن النبي ﷺ رمى الجمرة، وبعد ذلك نحر صلوات الله وسلامه عليه، ذكر هنا في هذه الرواية: أنه أفاض بالبيت ﵊، ولم يذكر الحلق هنا، مع أنه قد حلق النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال: (فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه). وفي رواية أخرى للترمذي عن علي بن أبي طالب ذكر فيها: (أن النبي ﷺ لما تحرك -أي: من عرفات- نظر إلى الناس وهو يقول: يا أيها الناس! عليكم السكينة، ثم أتى جمعاً -أي: المزدلفة- فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزحاً فوقف عليه وقال: هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف)، وهذا للتيسير على الناس، فلو كل الناس ذهبوا يقفون على قزح يصعب عليهم ذلك، ولكن قال: المزدلفة كلها أينما تنتقل فيها فهي موقف. قال: (ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت -يعني: جرت قليلاً- ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومنى كلها منحر، قال: واستفتته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: حجي عن أبيك، قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله! لم لويت عنق ابن عمك؟). يعني: كأن المرأة كانت تسأل النبي ﷺ وكأن الفضل كان يريد أن يسمع السؤال والجواب، وخشي عليه النبي ﷺ الفتنة، فوضع يده على وجهه وصرفه، فـ العباس يسأل: لماذا تفعل هذا مع ابن عمك؟ فقال: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما، قال: وأتاه رجل فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق؟)، يعني: أن السنة أولاً الحلق، وبعد ذلك الذهاب للطواف بالبيت طواف الإفاضة. فقال له النبي ﷺ : (احلق أو قصر ولا حرج، وجاء آخر فقال: يا رسول الله! إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج، قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال: يا بني عبد المطلب! لولا أن يغلبكم الناس عنه لنزعت). هذا حديث النبي ﷺ في صفة حجة الوداع، وبقي تفصيل في صفة الحج، نذكره في حديث آخر إن شاء الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 179

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما جاء في الإحرام والتلبية لكل عبادة ما يميزها ويصبغها بصبغة شرعية، فالحج والعمرة صبغت بالتجرد لله ظاهراً من كل لباس إلا إزار ورداء، وباطناً من كل شيء سوى الله تعالى، فيأتي العبد نسكه طاهراً غير متطيب أو متزين، إلا ما كان قبل إحرامه، ومن فعل شيئاً من ذلك حتى بعذر لزمته فدية له وإن سقط عنه الإثم، وللإحرام مستحبات ينبغي عليه مراعاتها والعمل بها.

стр. 180

مستحبات الإحرام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. الإحرام وما يستحب وما يحرم على المحرم فيه. الإحرام معناه: عقد النية بالإحرام مع رفع الصوت بالتلبية، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجة، أو لبيك حجة وعمرة، بحسب ما نواه في ذلك. فما الذي يستحب عند إرادة الإحرام؟ وما الذي يصنعه من أراد ذلك؟
следующие страницы →