← Фикх общий

Фикх общий · id 36974

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (460 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أعمال يوم التروية قال جابر: (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج). يعني: أن أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا معه تحللوا بعدما أكملوا أعمال العمرة، ومكثوا حلالاً أربعة أيام، أي: في اليوم الرابع أكملوا العمرة، وانتظروا يوم الثامن وهم حلال، ثم أحرموا من جديد في اليوم الثامن. قال: (فلما كان يوم التروية) وهذا هو اليوم الأول في أيام المناسك، ويسمى بيوم التروية؛ لكون الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يحملون الماء معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره، وكان الحج في الماضي صعب جداً، وكان الإنسان الذاهب إلى منى والذاهب إلى عرفة محتاجاً للماء أن يكون معه، فكان يحمل معه الماء، فانظر الرحمة التي نحن فيها الآن؛ فإنك تذهب إلى أي مكان فتجد الماء هناك، وتلاقي نافورات المواصير طالعة في السماء تنزل عليك رذاذ ماء وأنت في عرفة، وأنت في منى، وتجد أشياء عظيمة جداً بفضل الله ؛ فإنه سبحانه يسر لعباده، فالحج في الماضي كان غاية في المشقة، فقد كان الحجاج في يوم التروية كل واحد يأخذ مزادت الماء من أجل أن تكفيه في هذه الأيام أيام المناسك. فاليوم الثامن كان اسمه يوم التروية، واليوم التاسع اسمه يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، فهذه ستة أيام للمناسك؛ كل يوم له اسم من الأسماء. قال: (لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)، فلم يخرجوا إلى الميقات، وإنما أهلوا من مكانهم، وذكروا أنهم أهلوا من البطحاء، بطحاء مكة. قال هنا: (توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج)، وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث قال جابر: (فأمرنا بعدما طفنا أن نحل، قال: وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا، قال: فأهللنا من البطحاء). والبطحاء: موضع بين مكة وبين منى، يسمى بالبطحاء، وكأنه المكان المتسع من الوادي، فما انبطح من الوادي فهذا البطحاء، فالمكان المتسع يسمى بالبطحاء، ويسمى أيضاً بالمحصب، ويسمى أيضاً بالمعرس والأبطح، هذا المكان لما رجع النبي ﷺ من منى بعدما أنهى رمي الجمار نزل في هذا المحصب؛ من أجل أن يكون أسمح له في النفر والخروج من مكة للرجوع إلى المدينة. والمحصب أصبح الآن بداخل مكة، اتصل به البنيان من مكة فصار بداخلها، وهو قريب من المقبرة التي تسمى مقبرة الحجون. يقول جابر: (وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر) يعني: بمنى، أي: أن النبي ﷺ خرج من مكة متوجهاً إلى منى، وأهل من كان مع النبي ﷺ من البطحاء أو المحصب أو المعرس أو الأبطح. قال: (فصلى النبي ﷺ بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) يعني: أن السنة الخروج من مكة والتوجه إلى منى بحيث يصل إلى منى عند وقت الظهر، فيصلي هنالك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت هناك ويصلي الفجر، فيصلي في منى خمس صلوات. فالذهاب إلى منى في يوم التروية هذا سنة من سنن الحج، ومع شدة الزحام الآن الكثيرون يتوجهون إلى عرفة مباشرة، والذهاب إلى منى سنة من سنن النبي ﷺ وليس واجباً وليس فرضاً من الفرائض، لكن الأفضل للمسلم أن يلتزم ذلك طالما أنه يستطيع أن يذهب إلى هناك. قال: (صلى رسول الله ﷺ بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس). وكان ﷺ هنالك يقصر من الصلاة، ولكن لم يجمع، فالصلاة هناك لم تكن جمعاً، ما جمع في منى بين الظهر والعصر، والجمع يكون للحاجة، وهنا أنت في عبادة لله سبحانه ﵎ لا تحتاج إلى الجمع في هذا المكان، فإذا كنت في منى فصل هنالك قصراً، ولكن لا تجمع بين الصلاة.

стр. 177

أعمال يوم عرفة قال جابر: (ثم مكث ﷺ قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة). ونمرة: مكان بجوار عرفة، وليس من عرفة، فالنبي ﷺ أمر بقبة من شعر تضرب له، أي: خيمة تضرب له في نمرة. قال: (فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام). لاحظ أن النبي ﷺ خرج من منى متوجهاً إلى عرفة، وانتظر إلى أن طلعت الشمس، يعني: لم يمش من منى بالليل، ولا مشى من منى قبل الفجر أو بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وإنما توجه إلى عرفة بعد طلوع الشمس، بخلاف رجوعه من المزدلفة؛ فإنه خرج من المزدلفة ليرمي الجمرة بمنى، وهو راجع إلى منى خرج من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وكأنه بفعله هذا يخالف المشركين، حيث كان المشركون يعكسون، فخالفهم النبي ﷺ ، فهو في المزدلفة خرج بعدما صلى الفجر، ومكث فترة يدعو الله على جبل قزح المشعر الحرام، وقبل أن تطلع الشمس خالف المشركين، وتوجه ﷺ إلى منى. إذاً: في ذهابه إلى عرفات توجه بعدما طلعت الشمس، وفي عودته من مزدلفة إلى منى عاد قبل طلوع الشمس. قال: (سار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام) أي: عند مزدلفة، ونقول الحرم: مكة حرم منى حرم المزدلفة حرم عرفات من الحل وليست من الحرم، فالقرشيون كانوا يظنون أن النبي ﷺ لن يترك الحرم، وقالوا: هذا رجل من الحمس، أحمسي، والحمس هم متشددون في دينهم، الذين هم القرشيون، قالوا: كيف سيترك مكة ويترك الحرم ويذهب إلى الحل؟! فإن الشيطان زين لهؤلاء أنهم هم أهل الحرم، وأنهم لو خرجوا خارج الحرم فكأنهم صنيعوا هيبة الحرم. لذلك كانت قريش ومن دان بدينها الذين يلقبون بالحمس كانوا لا يتركون الحرم، وكل الحجاج كانوا يذهبون إلى عرفات والقرشيون لا يذهبون، وكان أقصى شيء يصلون إليه المزدلفة، ولا يذهبون أبعد من ذلك. روى ابن خزيمة وإسحاق بن راهويه من حديث نافع بن جبير عن أبيه قال: (كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم). يعني: ليس عندهم عرفة، كل الناس يذهبون عرفة وأما قريش فلا يذهبون خارج المزدلفة، فتركوا الموقف بعرفة. قال جبير: (فرأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له). ونحن ذكرنا أن النبي ﷺ حج قبل هجرته مرتين، فـ جبير يقول: رأيته أيام الجاهلية، يعني: قبل ما يوحى إليه ﷺ وكان يخرج مع الناس إلى عرفة، وهذا من توفيق الله للنبي ﷺ . قال: (فرأيت رسول الله ﷺ يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا). وفي رواية لـ ابن إسحاق: (توفيقاً من الله له). قال جبير في رواية أخرى: (أضللت حماراً لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك). قال: (فقلت: هذا والله! من الحمس -الذين لا يصلون إلى هذا المكان- فما شأنه هاهنا؟!) أي: ما هو الذي جعله يخرج؟! ولما أسلم جبير بعد ذلك قال: علمت أنه من توفيق الله، أي: أن الله تعالى وفق النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه ﵊، وهو ما زال قبل بعثته، فكان يقف مع الناس بعرفات، ونزلت الآية: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، فكان صلوات الله وسلامه عليه موفقاً قبل أن يوحى إليه. يقول جابر ﵁: (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام)، فالخارج يخرج من مكة ويتوجه إلى منى، ثم يتوجه إلى عرفات، ثم يرجع من عرفات إلى المزدلفة، ومن مزدلفة يرجع إلى منى، فهم تخيلوا أن النبي ﷺ يخرج من مكة، ويذهب إلى منى، ثم إلى مزدلفة، ويرجع ﷺ إلى منى، ولا يذهب إلى الحل في عرفات. قال: (فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها) أي: أنهم عملوا له ﵊ خيمة في نمرة، ونمرة: مكان بجوار عرفة. والسنة دخول عرفة عند وقت الزوال، لكن هذا لا يتيسر الآن لكل الناس، فإنه صعب جداً مع الازدحام الشديد، فكون كل الناس يقعدون في نمرة ثم يدخلون عرفة، هذا صعب، فبحسب ما يتيسر للناس، لكنه ﷺ نزل في نمرة إلى وقت الزوال، وخطب الناس، ثم دخل ﷺ . قال: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له)، يعني: حط عليها ما يوضع على الجمل من شيء يجلس عليه الراكب. قال: (فأتى بطن الوادي) يعني: وادي عرنة، وعرنة أيضاً ليس من عرفات. فهو ﷺ نزل وادي عرنة وخطب الناس هناك. قال: (فخطب الناس)، وخطبة النبي ﷺ هذه واحدة من عدة خطب، واختلف العلماء في: كم خطبة خطبها النبي ﷺ في حجة الوداع؟ فالبعض ذكر أربع خطب، والبعض ذكر ثلاث خطب له ﷺ . وهذه الخطب إرشاد وتعليم للناس بالمناسك، والآن ليس موجوداً من هذه الخطب إلا خطبة عرفة فقط، وفي أيامه ﷺ كان الناس يحضرون ويسمعون منه ﷺ هذه الخطب، وأما الآن فكأنهم استغنوا عن ذلك بالدروس التي في الحرم، والتي في منى لتوعية الناس؛ لأنه يصعب حضور الناس كلهم، وحتى في خطبة عرفة لا يحضرها كل الناس، فحضور الناس كل الخطب يصعب، فهنا أربع أو ثلاث خطب خطبها النبي ﷺ . الخطبة الأولى: كانت في اليوم السابع من ذي الحجة الذي هو قبل يوم التروية، خطب الناس خطبة تعليمية، علم الناس المناسك التي يفعلونها. والخطبة الثانية: كانت في يوم عرفة خطبها بنمرة قبل أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم، فخطب بهم النبي ﷺ ، وكذلك الإمام يفعل ما فعل النبي ﷺ . والخطبة الثالثة وهي سنة عند الشافعية والحنابلة: أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى، وهذه ليست خطبة العيد، فخطبة العيد شيء آخر لمن يصلي العيد، لكن هذه الخطبة أيضاً تعليمية؛ يعلم الناس المناسك التي في يوم الحج الأكبر، وهي خطبة واحدة يعلم الناس فيها مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي؛ لما روى ابن عباس: (أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر)، يعني: بمنى. وذهبت الحنفية والمالكية إلى أن هذه الخطبة تكون يوم الحادي عشر من ذي الحجة لا يوم النحر، يعني: أنه في يوم النحر يكون الناس مشغولين بالعبادة وليسوا متفرغين للخطبة. ولكن جاء عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ خطب في هذا اليوم). فتكون هذه الخطبة سنة. الخطبة الرابعة: أن يخطب الإمام في الناس بمنى ثاني أيام التشريق، الذي هو يوم النفر الأول، من أجل أن يبين لهم كيف ينفرون، فينفر هذا اليوم من أراد النفر، ولا يمكث إلى أن تغرب عليه الشمس، فإذا غربت عليه الشمس لزمه المبيت هناك. وخطبته ﷺ في عرفات قال فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوعة، ودماء الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث؛ كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا؛ ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربونهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى صلاة الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً). والذي أذن هو مؤذن النبي ﷺ ، فالمعنى: ثم أمر بالأذان. فهذه الخطبة فيها: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، فالأصل أن دم المسلم محرم على أي إنسان، فيحرم عليه أن يسفك دمه، إلا بما جاء فيه نص من الكتاب أو من سنة النبي ﷺ ، ومما جاء في ذلك: (الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). كذلك يحرم مال المسلم؛ كما قال ﷺ في الحديث الآخر: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه). وقوله: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، فهذا البلد حرام، وهذه الأشهر حرم، واليوم يوم الحج يوم عرفة من أعظم الأيام، فكما يحرم عليكم أن تعتدوا في هذا المكان في هذا الوقت، وفي هذه الشعيرة، فكذلك حرمة دم المسلم وماله وعرضه. وقوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)، في هذا إلغاء كل ما كان في الجاهلية من باطل الجاهلية. قال: (ودماء الجاهلية موضوعة)، أي: ما كان من أشياء بين الناس من سفك دماء في الجاهلية كله موضوع، وأمر الجاهلية كله التغى ويستأنفون العمل من الآن. قال: (وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل)، و

стр. 178

أعمال ليلة النحر ويوم النحر وما بعده قال جابر ﵁: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة). يعني: أن النبي ﷺ وصل إلى المزدلفة، وهنالك صلى ﷺ المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم نام صلوات الله وسلامه عليه إلى الفجر، ولما طلع الفجر صلى صلاة الفريضة -صلاة الصبح- بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، وهذه الصلاة في هذا اليوم بكر ﷺ بها، يعني: كانت العادة أنه يؤذن المؤذن وينتظر النبي ﷺ حتى يجتمع الناس، وأما هنا فأذن المؤذن وصلى ركعتين وأقام الصلاة مباشرة، فلما طلع الفجر صلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. قال (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده)، يعني: دعا ربه سبحانه، فمن السنة الوقوف على المشعر الحرام، وهو جبل قزح، وأي مكان يقف فيه في المزدلفة فكله جائز، وتسمى المزدلفة، وتسمى أيضاً بجمع، ويسمى المكان الذي يقف فيه المشعر الحرام أو جبل قزح. والمزدلفة سميت من التزلف والازدلاف؛ لأن الحجاج يقدمون من عرفة ويقربون عليها، فكأنهم يزدلفون إليها، أي: يمضون إليها ويتقربون منها، وتسمى بجمع لاجتماع الناس هنالك، فالحجيج يجتمعون في المزدلفة، والبيات في المزدلفة هذا من الواجبات في الحج، وكون النبي ﷺ لم يسبح بين الصلاتين دليلاً على أن السنة إذا صلى المغرب لا يصلي سنة المغرب، وصلى العشاء وبعد ذلك نام صلوات الله وسلامه عليه. فإن قيل: الوتر في هذه الليلة هل يصلى أو لا يصلى؟ هنا لم يذكر في هذا الحديث، وكأن الراوي لم ينتبه هل صلاه النبي ﷺ أو لم يصله، لكن قال لنا فقط: (لم يسبح بين المغرب والعشاء)، فعلى ذلك لا يضيع الإنسان الوتر؛ لأن عادة النبي ﷺ أنه ما كان يترك الوتر ولا ركعتي الفجر لا في سفر ولا في حضر، فالأصل العموم في ذلك. قال: (حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً) يعني: وقف على جبل قزح في المشعر الحرام فدعا الله سبحانه، وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر، والإسفار: أن يبدأ كل إنسان يعرف من بجواره، أي: فيه إضاءة، لكن الشمس ما طلعت، ولا زالت تحت الأفق، ففي وقت الفجر يظهر شعاع بسيط يخرج منها ويبقى منكسراً فوق الأفق، وتكون السماء كلها مظلمة، ولا ترى من بجوارك، ووقت الإسفار كأن الشمس قربت تطلع وما زالت تحت الأفق، والإشعاعات التي تطلع تنعكس فوق سطح الأرض، ويتغير لون السماء، فبعد ما كانت سوداء تتحول إلى الزرقة، وإذا بالإنسان يرى من بجواره. قال: (حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس)، وهذا هو الذي قدمناه: أنه خالف أهل الجاهلية، فقد كان أهل الجاهلية يقفون وينتظرون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون لجبل هناك اسمه ثبير أعظم الجبال الموجودة هناك: أشرق ثبير كيما نغير، يعني: اطلعي يا شمس! فنحن نريد أن نمشي، وأن نتحرك بسرعة من المكان، أو كيما نغير، بمعنى: أن نلحق نأكل الذبائح التي سنذبحها هنالك. فالنبي ﷺ لم ينتظر طلوع الشمس، ولكن خرج في وقت الإسفار قبل أن تطلع الشمس وتوجه ﵊ إلى منى. قال: (وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ضعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل؛ يصرف وجهه من الشق الآخر، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً). يعني: أن الفضل كان راكباً خلف النبي ﷺ ، فمرت مجموعة من النساء -ضعن- يجرين، فنظر إليهن، فالنبي ﷺ وضع يديه على وجهه حتى لا ينظر، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير لذلك، حتى ولو كان هذا قريباً، وحتى لو كان الإنسان يظن أنه ليس منتبهاً، حتى لو كان الإنسان في المناسك وغلبة الظن أن الذي يفعل هذا ليس منتبهاً ولا يريد أن يعصي الله في هذه الأماكن، ولكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. قال: (حتى أتى بطن محسر)، وبطن محسر: واد قريب من المزدلفة، يواجهك وأنت متوجه من مزدلفة إلى منى؛ سمي بذلك لأن الله حسر أصحاب الفيل فيه، قال : ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٣ - ٥]، وحسر الفيل في هذا المكان، يعني: أعيا وتعب وما قدر أن يمشي من هذا المكان. ففي هذا المكان عذب هؤلاء الكفار، فالنبي ﷺ أحب أن يجري في المكان الذي كان فيه عذاب يوماً من الأيام، فالسنة أن الذي يصل إلى هذا المكان -بطن محسر- أن يجري بحيث إنه يتجاوزه سريعاً. قال: (فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف). الحصى الذي رمى به النبي ﷺ حصى صغير قدر الفولة وأكبر من الحمص أو بقدر الباقلا التي هي حبة الفول، وقوله: (مثل حصى الخذف) لأن الغلمان أو الأطفال الصغار، يخذف أحدهم بها، فيحطها على أصبعه ويضربها بإصبعه الثانية. فمن أجل أنه يصنع شيئاً صغيراً جداً يفعل به هكذا، ولذا سميت حصى الخذف، فجمع سبع حصيات صغيرة. يقول: (رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة)، يعني: أن السنة في هذا اليوم أن ترمي جمرة العقبة التي هي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، والسنة التكبير مع كل حصاة. قال: (رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده) ﵊ ومجموع النوق التي كانت معه مائة، هذه هدي النبي ﷺ ، فنحر ثلاثاً وستين، وكان عمر النبي ﷺ في ذلك العام ثلاثاً وستين سنة؛ فكل سنة من عمره بواحدة نحرها صلوات الله وسلامه عليه. قال: (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر) أي: أعطى علي بن أبي طالب فنحر السبع والثلاثين الباقية، وأشركه في هديه ﷺ . قال: (ثم أمر من كل بدنة ببضعة) يعني: قطعة من اللحم، بحيث إنه يأكل منها؛ ليري الناس أن السنة أن تأكل من هديك. قال: (فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت). يعني: أن النبي ﷺ رمى الجمرة، وبعد ذلك نحر صلوات الله وسلامه عليه، ذكر هنا في هذه الرواية: أنه أفاض بالبيت ﵊، ولم يذكر الحلق هنا، مع أنه قد حلق النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال: (فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه). وفي رواية أخرى للترمذي عن علي بن أبي طالب ذكر فيها: (أن النبي ﷺ لما تحرك -أي: من عرفات- نظر إلى الناس وهو يقول: يا أيها الناس! عليكم السكينة، ثم أتى جمعاً -أي: المزدلفة- فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزحاً فوقف عليه وقال: هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف)، وهذا للتيسير على الناس، فلو كل الناس ذهبوا يقفون على قزح يصعب عليهم ذلك، ولكن قال: المزدلفة كلها أينما تنتقل فيها فهي موقف. قال: (ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت -يعني: جرت قليلاً- ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومنى كلها منحر، قال: واستفتته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: حجي عن أبيك، قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله! لم لويت عنق ابن عمك؟). يعني: كأن المرأة كانت تسأل النبي ﷺ وكأن الفضل كان يريد أن يسمع السؤال والجواب، وخشي عليه النبي ﷺ الفتنة، فوضع يده على وجهه وصرفه، فـ العباس يسأل: لماذا تفعل هذا مع ابن عمك؟ فقال: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما، قال: وأتاه رجل فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق؟)، يعني: أن السنة أولاً الحلق، وبعد ذلك الذهاب للطواف بالبيت طواف الإفاضة. فقال له النبي ﷺ : (احلق أو قصر ولا حرج، وجاء آخر فقال: يا رسول الله! إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج، قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال: يا بني عبد المطلب! لولا أن يغلبكم الناس عنه لنزعت). هذا حديث النبي ﷺ في صفة حجة الوداع، وبقي تفصيل في صفة الحج، نذكره في حديث آخر إن شاء الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 179

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما جاء في الإحرام والتلبية لكل عبادة ما يميزها ويصبغها بصبغة شرعية، فالحج والعمرة صبغت بالتجرد لله ظاهراً من كل لباس إلا إزار ورداء، وباطناً من كل شيء سوى الله تعالى، فيأتي العبد نسكه طاهراً غير متطيب أو متزين، إلا ما كان قبل إحرامه، ومن فعل شيئاً من ذلك حتى بعذر لزمته فدية له وإن سقط عنه الإثم، وللإحرام مستحبات ينبغي عليه مراعاتها والعمل بها.

стр. 180

مستحبات الإحرام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. الإحرام وما يستحب وما يحرم على المحرم فيه. الإحرام معناه: عقد النية بالإحرام مع رفع الصوت بالتلبية، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجة، أو لبيك حجة وعمرة، بحسب ما نواه في ذلك. فما الذي يستحب عند إرادة الإحرام؟ وما الذي يصنعه من أراد ذلك؟

стр. 181

الاغتسال الغسل للإحرام من المستحبات، فمن أراد أن يحرم يستحب له أن يغتسل، وهذا سنة وليس فرضاً، فإذا أحرم من غير غسل فإحرامه صحيح، ويكون الاغتسال من الميقات الشرعي عند الإحرام، ولو أنه وجد مكاناً آخر قبل الميقات، فالاغتسال عند إرادة الإحرام في المكان الذي سيحرم سنة من السنن. روى زيد بن ثابت ﵁: (أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل). (تجرد) أي: نزع ثيابه ﷺ ، (لإهلاله) أي: لإرادة أن يلبي بحجه ﵊، (واغتسل) ﵊ عند ذلك. ويستحب الاغتسال للرجل والمرأة، سواء كانت المرأة طاهراً أو حائضاً أو نفساء؛ لأنه اغتسال للتنظف. فعن عائشة ﵂ قالت: (نفست أسماء بنت عميس بـ محمد بن أبي بكر بالشجرة) موضع اسمه الشجرة، و (نفست) أي: وضعت حملها بـ محمد بن أبي بكر (فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتهل)، أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق ﵁، وكانت قبل ذلك زوجة لـ جعفر بن أبي طالب، وقد قتل شهيداً ﵁ في غزوة مؤتة، ثم تزوجها أبو بكر ﵁ بعد ذلك، ومات عنها وتزوجها علي بن أبي طالب رضي الله ﵎ عنه بعد ذلك. وفي الحديث: أن هذا الغسل غسل تنظف؛ لأنه لن يرفع عنها الحكم بأنها نفساء. قال ابن المنذر: (أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز)، فلو أن إنساناً أحرم، وقال: لبيك حجة، أو لبيك عمرة، ولبس إحرامه ولم يغتسل فلا شيء عليه وإحرامه صحيح.

стр. 182

السنة فيما يلبسه المحرم من الثياب السنة أن يحرم الرجل في إزار ورداء ونعلين -والمرأة سيأتي الكلام عليها- سواء كان صغيراً أو كبيراً، وهذا مجمع على استحبابه. وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط، فليس له أن يلبس الخف، وهو الحذاء الذي له رقبة عالية تتجاوز الكعبين، وكعب الإنسان هو المكان البارز أسفل الساق، ففي نهاية كل ساق توجد عظمة في الشمال وأخرى في اليمين وهذان هما الكعبان، فإذا لبس حذاء ما دون هاتين العظمتين فهو نعل، فإذا جاوز وارتفع عنهما فهو خف، وليس له أن يحرم في الخف طالما أنه قادر على النعل. كذلك المخيط لا يلبسه الإنسان، وهو: ما فصل على الموضع أو العضو الذي جعل عليه، مثل: العمامة على قدر رأس الإنسان، والثوب والقميص، والفنيلة والشورت، هذه كلها أشياء مخيطة، وليس شرطاً أن تكون كلها مخاطة خياطة؛ لأن هذا اللفظ لم يأت في حديث النبي ﷺ ، ولكنه لما ضرب الأمثلة بالأشياء التي لا يلبسها المحرم على ذلك، كما في حديث ابن عمر: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما يجتنب المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس السراويل، ولا القميص، ولا البرنس، ولا العمامة، ولا ثوباً مسه زعفران ولا ورس، وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من العقبين)، فذكر في الحديث أنه لا يلبس كذا، ويلبس كذا، فأخذ الفقهاء من ذلك أنه لا يلبس المخيط. إذاً: كلمة (المخيط) لم تأت في حديث عن النبي ﷺ ، وإنما استنبط الفقهاء ذلك مما ذكره النبي ﷺ مما يلبسه المحرم وما لا يلبسه، فقيدوا وقالوا: المخيط هو كل ما كان مقطوعاً ومفصلاً على قدر بدن الإنسان أو عضو من أعضائه، ولا يشترط أن يكون بالخيط، فقد يكون ملصوقاً بصمغ مثلاً، أو مدبساً بدبابيس، فهذا كله داخل تحت معنى المخيط، فلا يشترط أن يكون مخيطاً بخيط. والعكس كذلك: فلو أنه لبس ثوباً غير مفصل وغير مخيط على قدر عضو فيه كملاءة ليست على مقاسه فوصلها بشيء آخر وخيطها أو دبسها فهذه مخيطة، ولكن لا تدخل تحت هذا المعنى الذي ذكره الفقهاء. فلأجل ذلك نقول: إن لفظ (المخيط) ليس من كلام النبي ﷺ ، إنما هو استنباط من الفقهاء. إذاً: لو أن ثوب الإحرام الذي ستلبسه قصير عليك وأتيت بآخر فخطت الاثنين معاً فأصبحا ملاءة كبيرة، فليس هذا مخيطاً على المعنى الذي يقصده الفقهاء؛ لأنه ما زال إزاراً أو ما زال رداءً.

стр. 183

الترجل والادهان قبل الإحرام روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادهن)، وهذا كان قبل إحرامه، فقد صلى الظهر في المدينة أربع ركعات، ثم انطلق إلى ذي الحليفة، وبين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، فمشط شعره ﷺ ، والترجل: هو مشط الشعر، (وادهن) وضع دهناً وطيباً، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ﵊، قال: (ولم ينه عن شيء من الأزر والأردية) يعني: أي نوع من أنواع القماش يجوز لبسه، إلا أن يكون محرماً كالحرير مثلاً، وكذلك أي نوع من الألوان يجوز، إلا أن يكون ثوب شهرة فليجتنب الحاج مثل ذلك، قال: (إلا المزعفرة) أي: الموضوع عليها زعفران، وكانوا يتطيبون بذلك، والزعفران له رائحة طيبة، ولكنه إذا وضع على جلد الإنسان ينضح على الجلد، فنهى النبي ﷺ عن لبس المزعفر، قال: (حتى أصبح بذي الحليفة ركب راحلته ﷺ حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه)، وذكر هنا أنه لما ركب الراحلة لبى ﷺ بالحج.

стр. 184

لبس النعل دون الخف في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال فيمن لم يجد النعلين: (فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين). وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين). هذا كله كان من النبي ﷺ تعليماً لهم وهم خارجون من المدينة: أن الإنسان إذا لم يجد النعلين يلبس الخفين بشرط أن يقطعهما أسفل من الكعبين، وسيأتي بعد ذلك أن المعذور يجوز له أن يلبس الخفين بدون قطعهما.

стр. 185

لبس الثياب البيضاء والتطيب للرجال والنساء يستحب كون الإزار والرداء أبيضين، والثوب الجديد أفضل من الثوب القديم أو المغسول؛ لقوله ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خيار ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم). إذاً: الثوب الأبيض أفضل ما يكون في لبس الإحرام، ويجوز غيره من الألوان. ويستحب أن يتطيب في بدنه عند إرادة الإحرام، سواء الرجل أو المرأة، ولكن المرأة مقيد تطيبها بألا تكون في مجمع من الرجال، أو لن تختلط بهم، ولعله في الماضي عندما نقول: حج النبي ﷺ ومعه من أصحابه مائة وثلاثون ألفاً كان هذا العدد بالنسبة لهم كبيراً، ولكن الأرض واسعة فلن يحصل اختلاط بين الرجال والنساء في هذه الأماكن، وتستطيع المرأة أن تحترز إذا كانت متطيبة فتكون بعيدة، أما الآن فإن الأمر صعب، ففي كل مكان سيتحرك فيه الرجل أو المرأة سيكون حوله رجال ونساء كثر، فيصعب جداً أن تضع المرأة الطيب وتكون في هذا المكان، فرجع الحكم لمنع النبي ﷺ النساء من التطيب في المساجد. لكن إذا كان زمن العمرة ولا زحام، فمن الممكن أن تضع المرأة الطيب وتكون بعيدة عن الرجال؛ لفعل نساء النبي ﷺ ذلك، قالت عائشة ﵂: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم)، وبيص الطيب: هو لمعانه، فتقول: إنها كانت تضع للنبي ﷺ طيباً في مفرق رأسه ﵊، والطيب إذا جاءت الشمس عليه ظهر له بريق ولمعان، فتقول: كأني أنظر إليه. إذاً: فقد كان له جرم موجود في رأس النبي ﷺ ، فالمعنى: أنه لم يزله بعد إحرامه ﷺ ، فدل على جواز وضع الطيب قبل الإحرام، وأن يستديمه بعد الإحرام ولا يزيل أثره. والرجل والمرأة في التطيب سواء فقد روى أبو داود عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام)، والسك: نوع من أنواع الطيب، قالت: (فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها)، فدل هذا على أن المرأة يجوز لها في الإحرام أن تضع الطيب حتى ولو سال على وجهها، ولكن بقيد: ألا تختلط وهي متطيبة بالرجال، فإذا كان ثمة زحام كما هو اليوم في الحج والعمرة فلا داعي أن تضع المرأة الطيب عليها. فنهى النبي ﷺ النساء أن يتطيبن عند الخروج إلى المسجد، وأمر المرأة التي تتطيب وتخرج من بيتها إلى المسجد أن ترجع إلى بيتها فتغسل عنها هذا الأثر، وجوز النبي ﷺ ذلك في الحج والعمرة، والفرق بينه وبين الجمعة: أنه يكره للنساء الخروج متطيبات؛ لأن مكان الجمعة في المسجد يضيق على الرجال وعلى النساء، فيفوح من النساء رائحة الطيب، وفي هذا إثارة فتنة للرجال. كما أن وقت الجمعة ضيق بخلاف وقت الحج أو العمرة فهو وقت طويل والمكان متسع، فلو أن المرأة ستكون بعيدة عن الرجال جاز لها ذلك، وإلا فلتجتنبه عند كثرة الزحام كما هو الحال الآن. وإذا تطيب الرجل فله استدامته بعد الإحرام، والفرق بين الابتداء والاستدامة يشبه نهي النبي ﷺ أن ينكح الحاج المحرم أو أن يكون ولياً في نكاح، ولا يخطب المحرم، ولكن إذا كان متزوجاً فله استدامة ذلك على ما هو فيه، وكذلك وضع الطيب، فإذا كان متطيباً قبل الإحرام جاز له الاستدامة، ولكن ليس له أن يبدأ وضع الطيب بعدما لبس ثوب الإحرام وقال: لبيك عمرة أو لبيك حجة. والإحرام هنا معناه عقد النية، فلو فرضنا أن المحرم لبس ثوب الإحرام، لكنه لم يقل: لبيك حجة، أو لبيك عمرة، فلا يدخله هذا في كونه محرماً، وإنما يصير محرماً بعقد النية وبالتلفظ بالتلبية. إذاً: لا مانع أن يلبس الإحرام قبل الميقات، فإذا جاء عند الميقات قال: لبيك حجة، أو لبيك عمرة، كما يجوز له وهو لابس الإحرام أن يضع الطيب في شعره أو بدنه أو ثيابه، ولو انتقل الطيب أثناء إحرامه من مكان إلى مكان، كما لو وضعه في شعره فسال العرق من شعره على بدنه وفيه هذا الطيب فلا شيء عليه، أما لو أحرم ثم تعمد وضع يده على رأسه، ومسح بالطيب ثيابه فلا يجوز له ذلك؛ لحديث السيدة عائشة ﵂: (فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا)، ولو مس الطيب بيده عمداً فعليه الفدية؛ لأنه تعمد أن يطيب يده. ولا يستحب تطييب ثوب المحرم عند إرادة الإحرام، وإذا طيبه قبل أن يقول: لبيك عمرة أو لبيك حجة فلا شيء عليه، فوضع الطيب على الرأس والثياب لا مانع منه، لكن نقول: لا يستحب أن يضع الطيب على ثيابه؛ لأن العادة في المحرم أن معه إزاراً واحداً ورداء واحداً ليس معه غيرهما، فإذا وضع في ثيابه الطيب فلابد أن يأتي عليه وقت يدخل الحمام ويخلع هذه الثياب، وإذا خلعها فأكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له أن يلبسها مرة ثانية؛ لأنها تأخذ حكم الثياب المطيبة، وليس لك أن تلبس هذه الثياب، فخروجاً من الخلاف لا يضع في ثوبه شيئاً من الطيب، فإذا وضع في ثوب ونزعه لغسل أو غيره فليلبس ثوباً آخر غير هذا الثوب الذي فيه الطيب.

стр. 186

استحباب الخضاب للمرأة ويستحب للمرأة أن تختضب للإحرام، سواء كان لها زوج أم لا، والخضاب هو وضع الحناء على اليدين، وليس يقصد منه أن تكون اليد ملفتة للنظر بأن تضعه وتنقش يديها، ولكن تضعه على امتداد جلد اليد، فإن البعض يضعن الحناء على اليدين بطريقة معينة ملفتة للنظر، بأن تنقش يديها وترسم عليها حتى إن الناظر يعجبه ذلك، ولكن الخضاب هو تغيير لون جلد المرأة، فيجوز لها أن تضع الخضاب على يديها سواء كانت شابة أو عجوزاً، وحيث اختضبت فتخضب كفيها ولا تزيد على ذلك. جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج). وقالت: (كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها؛ فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا). والغرض: أن هذا الخضاب للمرأة هو من الطيب لها، وإن كان لا ريح له، فعلى ذلك يجوز لها أن تضع ذلك عند الإحرام سواء كانت شابة أو كبيرة، ولكن ليس على الهيئة التي تلفت النظر، وإذا اختضبت المرأة في الإحرام فهذا من ضمن الطيب، ولكن لا رائحة له، ولو خضبت يديها بالحناء لفتهما بخرقة لأجل الحناء، وهي بفعلها هذا الراجح أنه ليس عليها فدية في ذلك؛ لأنه طيب لا رائحة له، والمقصود في الفدية ما له رائحة. ويستحب أن يتأهب للإحرام مع ما سبق بحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار. فعلى الإنسان أن يتنظف؛ لأن فترة الحج قد تطول، فعليه أن يتنظف بمثل ذلك؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب، فيسن له ذلك كالجمعة، ولأن الإحرام يمنع قص الشعر وقلم الأظفار، فاستحب فعله قبله لأجل ألا يحتاج إليه، وخاصة إذا طال الإحرام، والبعض قد يذهب إلى هناك من نصف ذي القعدة، وينوي الحج من هذا الوقت إلى أن ينتهي من أعمال الحج، فالأفضل أن يستعد لهذا العمل بمثل ذلك.

стр. 187

استحباب الإحرام عقب صلاة يستحب أن يحرم عقيب صلاة، والأفضل أن تكون صلاة مكتوبة، فيصلي الظهر أو العصر ثم بعد ذلك يحرم، أو يقول: لبيك حجة، أو عمرة، كصنع النبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج ﵊. وفي رواية: (أنه صلى الظهر في المدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين ثم أهل بالإحرام)، فكان إحرامه بعد صلاة العصر أو بعد صلاة فريضة. وجاء أن ابن عمر كان يأتي مسجد ذي الحليفة، فيصلي ركعتين، ثم يركب دابته، فإذا استوت به راحلته قائماً أهل، ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع ذلك). فـ ابن عمر كان يأتي ذا الحليفة ويصلي ركعتين، ولم يذكر صلاة فريضة ولا نافلة، وعلى ذلك جمهور أهل العلم: أنه يصلي صلاة فريضة إذا كان وقت فريضة، وإذا لم تكن فريضة فيصلي ركعتين نافلة، ثم يحرم بعدهما. وهل للمحرم أن يصلي ركعتين مخصوصتين للإحرام؟ أم يصلي أي صلاة سواء كانت فريضة أو نافلة؟ أم لا بد من كونها صلاة فريضة فقط وإذا لم يكن وقت فريضة فليحرم؟ في المسألة أقوال لأهل العلم، وجمهور أهل العلم على أنه يصلي ركعتين، وإذا كان الوقت وقت صلاة فريضة فيصلي الفريضة، ثم يصلي ركعتين نافلة، ثم يحرم بعدها. هذا ما ذكره الإمام النووي ﵀، فقد ذكر أنه يستحب أن يصلي ركعتين عند إرادة الإحرام، قال: وهذه الصلاة مجمع على استحبابها، وإن كان الإجماع على العموم سواء كانت فريضة أو غير فريضة. وذكر ابن تيمية المسألة ففصل، وقال: يستحب أن يكون إحرامه بعد صلاة إما فرض وإما تطوع، يقول: إن كان وقت تطوع في أحد القولين عند أحمد ﵀، وفي الآخر إن كان يصلي فرضاً أحرم عقيبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح. شيخ الإسلام كلامه جميل وطيب وفقهه جميل، وليس عنده عصبية في شيء، فقد ذكر القولين ولم يقل هذا باطل، وهذا بدعة، وهذه ضلالة، ولكن قال: فيها قولان عند الإمام أحمد: أن يصلي فريضة ثم يحرم بعدها إذا كان وقت فريضة، وذكر في البداية أنه يستحب أن يحرم عقب صلاة إما فرض وإما تطوع، فإذا كان في وقت صلاة تطوع صلى وأحرم بعدها. إذاً: لو لم يكن سيصلي الفريضة والوقت وقت تطوع فهل يستحب له أن يصلي الركعتين؟ ابن تيمية يقول: الأرجح أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، وعندما يقول: الأرجح فهناك قول آخر مرجوح، وقد نقل النووي الإجماع على استحبابه، فعلى ذلك لا ينكر على من يفعل ذلك. ودليل الإجماع: القياس؛ إذ لا توجد صلاة مفروضة نص عليها النبي ﷺ ، إنما القياس على فعله صلاة يعقبها إحرام، فعلى ذلك من كان عليه فريضة فليصلها ويعقبها بالإحرام، ومن ليست عليه فريضة جاز له أن يصنع مثل صنيع النبي ﷺ ، وماذا سنقول له؟ صلِ فريضة مرة أخرى؟ لا يجوز ذلك، فلم يبق إلا أن يتطوع وبعدها يحرم بالحج أو بالعمرة؛ هذا قياساً على ما فعله النبي ﷺ ، وهو الإحرام عقيب فريضة، ولم يقل النبي ﷺ : إن الإحرام لابد أن يكون بعد فريضة، لكن فعله لما صلى فريضة وقت فريضة. ولمَ لم يصل نافلة في هذا المكان؟ لأنه ليست عليه نافلة، والصلاة الحاضرة الآن صلاة العصر، والمسافر لا يصلي نافلة، والصلاة التي صلاها النبي ﷺ كانت صلاة العصر، فصلى الركعتين ثم أحرم بعدها. وعلى هذا فمن كان في هذا المكان ليس عليه فريضة، أو في وقت غير وقت الفريضة؛ فله أن يصلي النافلة، فإذا فعل فقد شابه النبي ﷺ في أنه صلى صلاة وأحرم بعدها، وهذا ما فعله ابن عمر رضي الله ﵎ عنه، فقد كان يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ركعتين ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمة أهل ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك). وإذا كان في ذي الحليفة فهناك وادي العقيق، ويستحب له في هذا الوادي أن يصلي ركعتين، سواء قلنا بأنه يستحب الإحرام بعد ركعتين أو لا يستحب؛ لما ثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه في حديث ابن عباس عن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)، فإذا أتى هذا المكان فيستحب له أن يصلي كما أمر الله نبيه ﷺ .

стр. 188

التلبية في الإحرام في الصحيحين عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أدخل رجله في الغرز)، والغرز: هو شيء يضع الراكب رجله عليه ثم يركب ويصعد حتى يستوي فوق الجمل، قال: (كان ﷺ إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته أهل من مسجد ذي الحليفة) إذاً هنا إهلاله ﵊ بعدما صلى ثم ركب على الدابة ثم قال: لبيك حجة. وروى البخاري عن أنس (أن رسول الله ﷺ بات بذي الحليفة، فلما أصبح واستوت به راحلته أهل ﵊، أي: رفع صوته بالتلبية. وينبغي لمريد الإحرام أن ينوي الإحرام بقلبه ويلبي بلسانه، فيعزم النية في القلب، والإحرام هو النية، وإذا لبى فيستحب أن يقول: اللهم هذه عمرة لا رياء فيها ولا سمعة. إذا كانت عمرة، وإذا كان حجاً يقول: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ في حديث رواه ابن ماجة عن أنس ﵁ قال: (حج النبي ﷺ على رحل رث، وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي) ﵊. (رحل رث) قديم بالي، والرحل هو شيء من الكساء يوضع فوق البعير لكي يجلس عليه النبي ﷺ ، وهذا الرحل كان قديماً، (وقطيفة): قطعة قماش وضعت فوق ناقته يجلس عليها ﷺ ثمنها أربعة دراهم أو لا تساوي الأربعة الدراهم، والأربعة الدراهم تساوي اثني عشر جراماً من الفضة أو لا تساوي، وجرام الفضة عندما يكون غالياً جداً سيكون ثمنه جنيهاً واحداً، فهذه القطيفة التي جلس عليها ﷺ قد لا تساوي هذا الثمن. ثم قال ﷺ : (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة)، هذا النبي المعصوم ﷺ يقول ذلك، فنحن أولى أن نقول ما قال ﷺ . ويؤخذ من ذلك أن يذكر الإنسان نفسه، فأنت تحج لله سبحانه، فاحذر من الرياء، فأنت لا تحج ليرى الناس أنك حججت، ولا تريد التسميع، وأن يسمع الناس عنك أنك حججت، وترجع ويقال: الحاج فلان والحاج فلان بل حجة لا رياء فيها ولا سمعة. ثم يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

стр. 189

استحباب رفع الصوت بالتلبية وينبغي أن يرفع صوته بالتلبية، فقد صار الآن محرماً، فقد عقد وعزم في قلبه على الإحرام، ولبى بلسانه، وأظهر ما في قلبه على لسانه. ولو فرضنا أنه حج ولم يلب، فهو هنا ترك شيئاً واجباً أمر به، ولكن الإحرام صحيح، سواء لبى أو لم يلب، فهو قد عقد العزم، وصار محرماً بعقده العزم على ذلك. وينبغي أن يرفع صوته بالتلبية؛ لحديث خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو بالتلبية). إذاً: جبريل أمر النبي ﷺ أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم، فالمستحب رفع الصوت بالتلبية. في الصحيحين عن ابن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ : (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. فهنا تجوز الزيادة، ولكن الأفضل أن يقتصر على ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. وعن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أفضل الحج العج والثج)، رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما، والعج: هو رفع الصوت بالتلبية، والثج: هو إراقة الدماء. إذاً: التقرب إلى الله بالهدي في الحج هو من أفضل أعمال الحج.

стр. 190

معنى التلبية والتلبية معناها: أجيب ربي مرة بعد مرة، والمقصد التثنية، وليس معناه أنه مرتين فقط، ولكن كأنه مرة بعد مرة، وعلى ذلك نقول: لبيك أي: إني مقيم على طاعتك. وفيها معان كلها صحيحة، منها: اتجاهي وقصدي إليك، أي: توجهي وقصدي إلى ربي ، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي: مواجهة لها، كأنك تقول: يا رب! أنا متوجه إليك. وقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذ من قولهم: هذه امرأة لبة، أي: محبة لزوجها، أو محبة لولدها وعاطفة عليه، وقيل: معناها: أخلص لك إخلاصاً بعد إخلاص، مأخوذ من قولهم: حب لباب، إذا كان خالصاً محضاً، ومن ذلك لب الطعام، أي: الخالص من الطعام وما في داخل الطعام. وقيل: معنى اللب: الإقامة، من لب الرجل بالمكان وألب به، بقي فيه وأقام فيه ولزمه. هذه كلها معان مقصودة في قولك: لبيك، أي: أنا مقيم على طاعتك، مخلص لك، متوجه إليك، مستجيب لك. (إن الحمد والنعمة لك)، يجوز أن يقول: (إن) بكسر الهمزة، ويجوز (أن) بفتح الهمزة، والجمهور على أن الكسر أجود وهو الصواب. قال الخطابي: الفتح رواية العامة، أي: أن الأكثر رووه بذلك، وفتحها كأنها تعليلية؛ لأن معناها: أنا ملب لك لأنك تستحق الحمد. أما من قال بالكسر فهو الأوجه ومعناه: أنا ملب لك في كل حال، وأنت مستحق للحمد في كل حال، كأنه يؤكد ذلك، وكأن الفرق بين المعنيين: على الفتح: أنا ألبي لأنك مستحق للحمد، وعلى كسر الهمزة كأنها للاستئناف، والمعنى: أنت مستحق للحمد في كل حال سواء لبى الإنسان أو لم يلب، فالله مستحق للحمد في كل حال. (لبيك وسعديك)، هذا الأثر عن ابن عمر، وقد كان يزيد ذلك، والسعد والإسعاد بمعنى: المساعدة، أي: أنا مساعد في طاعتك بعد مساعدة، ومتوجه للطاعة مساعد فيها شيئاً وراء شيء، (والخير بيديك) وكله من فضل الله سبحانه، (والرغباء إليك والعمل) أي: توجهي إليك راغباً فيما عندك، فرغبتي فيما تعطيه من الفضل الجزيل، وسؤالي لك أسألك وحدك، والعمل متوجه مخلص لك. وكان ابن عمر يزيد: (إن العيش عيش الآخرة)، والمعنى: أن الحياة الهنية المطلوبة هي الحياة في الآخرة.

стр. 191

استحباب التلبية في كل وقت وقد استحب العلماء التلبية في كل وقت، بحيث لا يشق على نفسه، فتلبي وأنت متوجه، وتلبي وأنت قائم، وأنت ذاهب في الطريق، وأنت جالس في الفندق، وفي كل مكان يجوز لك أن تلبي، ولكن لا تشق على نفسك برفع الصوت، فتستحب لك التلبية قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وجنباً وحائضاً، ويتأكد مع كل صعود أو هبوط، وحدوث أمر من ركوب أو نزول أو اجتماع رفقة، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار، وفي وقت السحر وغير ذلك، ففي كل وقت يجوز له أن يلبي. ويستحب رفع الصوت بحيث لا يشق على نفسه، فلا يصيح حتى يبح صوته ثم لا يستطيع أن يلبي بعد ذلك، ولكن يرفق بنفسه، والمرأة ترفع صوتها ولكن لا تسمع الرجال، فإن فعلت ففعلها صحيح، ولكن لا يستحب لها أن تسمع الرجال صوتها. والخنثى حكمه حكم المرأة في ذلك، فلا يرفع صوته، والكل إذا رفعوا فلا شيء عليهم. ويستحب ألا يزاد على تلبية رسول الله ﷺ التي ذكرناها، ويلبي إلى أن يستلم الحجر، فإذا استلم الحجر جاز له أن يلبي وهو يستلم الحجر وهو يطوف، والأفضل أن ينشغل بذكر آخر من دعاء الله وقراءة قرآن، وتسبيح وغير ذلك، وهو قول الإمام أحمد ﵀ وغيره، ويجوز له أن يستمر ملبياً، وإن كان الأفضل أن يقطع التلبية ويبدأ بالذكر ودعاء الله سبحانه في أثناء الطواف.

стр. 192

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - محظورات الإحرام [١] إذا أحرم المحرم حرمت عليه أشياء؛ وذلك لأن المقصود من الإحرام البعد عن الترفه الموجود في الحل، فلا يلبس المحرم قميصاً ولا عمامة ولا سراويل ولا برنساً ولا خفاً ولا ثوباً مسه زعفران أو ورس، ولا يتطيب، ولا يقلع شعراً أو ظفراً، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب، إلا أنها لا تنتقب ولا تلبس القفازين، ولا ما مسه زعفران أو ورس، وباقي المحظورات مثل الرجل.

стр. 193

ما يحرم في الإحرام الحاج هو الشعث الأغبر، إنسان عليه تراب الطريق، إنسان أشعث ليس ذاهباً للزينة، بل ذاهب لله ، يري من نفسه أنه متجرد للعبادة. والحاج وهو ذاهب إلى الحج يلبس الإزار والرداء، هيئته هيئة الميت عليه الكفن، ليس له ثياب من تحت، ولا عمامة على رأسه، ولا قميص، وكل الحجيج يستوون في ذلك، فتنظر إلى الحاج وهو في عرفة، وهو يطوف بالبيت، وهو عند الصفا والمروة فتتذكر الموقف بين يدي الله ، ففي الحج يستوي جميع الناس، الغني والفقير، الصغير والكبير، العظيم والحقير، فهذا الإنسان يحج وهو تارك للزينة، ناسٍ للحياة الدنيا ومقبل على الله بعبادته. فعلى ذلك لا مجال للترفه بأن يحلق شعره، أو يأخذ من أظفاره، أو يحلق من بدنه، قال الله : ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، فيحرم على الحاج أن يحلق شعره، أو أن يقص شيئاً منه في إحرامه، والرجل والمرأة سواء، فالمرأة ليس لها أن تقص من شعرها وهي محرمة، أو أن تأخذ من أظفارها.

стр. 194

حلق الشعر وإزالة الظفر أجمع المسلمون على تحريم حلق شعر الرأس للمحرم، والرجل والمرأة في ذلك سواء، وكذلك يجب على ولي الصبي المحرم أن يمنعه من إزالة شعره، فإذا كان هناك صبي صغير مع أبيه في الحج أو العمرة فإنه يمنعه من ارتكاب محظورات الإحرام، كقص الأظفار وقص الشعر. لا يختص التحريم بالحلق ولا بالرأس، فهنا قال: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، وإجماع أهل العلم على أنه لا يحلق شعر رأسه ولا شعر بدنه، فلا يأخذ من إبطه ولا عانته ولا أظفاره، هذا كله ممنوع منه، وإزالة الظفر كإزالة الشعر، سواء حلق الشعر بالموسى، أو قصه بالمقص، أو وضع مزيلاً أو أزال الشعر كل هذا ممنوع منه، فإزالة الشعر بأي صورة من الصور ممنوع منها بعد الإحرام. وإزالة الظفر كإزالة الشعر، سواء قلمه أو كسره أو قطعه كل ذلك حرام، وتجب به الفدية، فسواء أتى بالمقص وقص ظفره، أو كسر ظفره، أو قرض ظفره بأسنانه، كل هذا ممنوع منه في الإحرام وعليه الفدية إذا فعل ذلك. ولو كشط المحرم جلدة الرأس، كما لو كان يحك شعره فكشط جلدة الرأس وعليها شعر، فهناك فرق بين تعمد قص الشعر أو نتفه، وبين كشط الجلدة؛ إذ لا يمكن أن إنساناً يتعمد ويحك حتى يكشط الجلد من رأسه وعليها شيء من الشعر، والراجح: أنه لا شيء عليه؛ لأن هذا ليس تعمداً لإزالة الشعر، ولكن لما حدث الكشط في الرأس أزيل الشعر بسبب ذلك، فهو تابع وليس مقصوداً. ولو مشط رأسه ولحيته فنتف شعرات متعمداً لزمته الفدية: والإنسان قد يترجل في إحرامه بالمشط، وإن كان شعره طويلاً فلينتبه لنفسه، ويحترز أن يقطع شعره، فإذا فرضنا أنه امتشط فقطع شعره، أو امرأة تسرح شعرها متعمدة فقطعت شيئاً من شعرها، فعليه وعليها فدية في ذلك. ولو أنه لم ينتبه، فأخذ المشط وسرح لحيته فسقط منها شعرات فلا شيء عليه، لكن التعمد هو الذي يلزم صاحبه الفدية. وإن جهل المحرم أو نسي فأخذ من شعره أو أظفاره فلا فدية: فالجاهل إن لم يعرف الحكم، أو الناسي لهذا الحكم، فعلى الراجح من أقوال أهل العلم أنه إذا نسي أو جهل فلا شيء عليه. ولو حلق المحرم رأس الحلال جاز ولا فدية: لو فرضنا أن هذا المحرم يعمل حلاقاً، وفي أثناء الإحرام بعض الناس الذين أنهوا عمرتهم وهو لا زال محرماً أرادوا أن يحلقوا فحلق لهم وهو محرم وهم قد صاروا حلالاً الآن، جاز له أن يحلق لهم، ولا شيء عليه في ذلك. ويحرم على المحرم قلم أظفاره، ويجري مجرى حلق الرأس: فيحرم عليه أن يقلم من أظفاره، وهذا جارٍ مجرى حلق الرأس، وعليه الفدية إذا فعل ذلك. ويجوز للمحرم أن يحك رأسه: إنسان احتاج أن يحك رأسه فإنه يجوز له في أثناء إحرامه أن يفعل ذلك. والحك نقل فيه ابن المنذر الجواز عن ابن عمر وجابر وسعيد بن جبير والثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وغيرهم من العلماء، وقالوا: برفق. أي: إذا كان يحك شعره أو لحيته فليكن برفق حتى لا يقلع شيئاً من شعره.

стр. 195

تغطية الرأس من الأحاديث التي ذكرت فيها محظورات الإحرام ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته) والوقص: هو دق العنق، فقد كان الرجل محرماً، وراكباً على ناقته، فرمت به من فوقها، كأن يدها غرزت في شيء أو نحوه فسقط الرجل واندق عنقه فوقصته. قال: (فقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، إذاً: المحرم يوم القيامة يبعث ملبياً، فنهاهم أن يخمروا رأسه. إذاً: ليس لك أن تغطي رأسك في الإحرام، وكذلك إذا كان الإنسان محرماً وتوفي فلا يجوز أن يغطى رأسه، فالحي والميت ممنوع من ذلك، والأحياء الذين يغسلونه ويكفونه ممنوعون من أن يغطوا رأسه، لكن جاء في رواية لهذا الحديث: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)، فذكر الوجه، فهل الحي لا يجوز له تخمير وجهه؟ الراجح: أن هناك فرقاً بين الحي والميت، فالحي إذا غطى وجهه فإنه يستطيع أن يمتنع من تغطية رأسه، فلو جاءت رياح في الطريق فرفع ثوبه على وجهه فمن الممكن ألا يغطي رأسه بذلك، أما الميت فإنه يدرج في كفنه، ولو أنهم غطوا وجهه فسيغطي رأسه أيضاً، أو جزء من رأسه، فنهي النبي ﷺ عن تغطية الوجه كأنه احتراز من تغطية شعره ورأسه. ولذلك جاء عن الصحابة أن بعضهم كان يغطي وجهه في الإحرام، فلو علموا أن النبي ﷺ منع من ذلك لما فعلوه، وكونه ينهى عن تغطية وجه الميت لهذه العلة، وهي أن الميت كيف سيغطى وجهه ثم يدرج ويلف في كفنه؟ فإنهم إذا لفوا الميت في كفنه سيغطون وجهه ورأسه من الوراء كله كذلك، فنهاهم أن يفعلوا ذلك. أما الحي فقد جاء عن عثمان ﵁ أنه كان يغطي وجهه في أثناء الإحرام.

стр. 196

لبس القميص والسراويل والبرنس والعمامة والخف ومامسه ورس أو زعفران وقوله: (لا تحنطوه)، الحنوط طيب الميت، يسمى للحي طيباً، وللميت حنوطاً. وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة). قوله: (القميص) هو كل ما لبس على بدن الإنسان. (ولا السراويل) هو البنطلون يلبسه الإنسان، والسراويل هو الواسع. (ولا البرنس) هو القميص الذي رأسه منه، مثل لبس المغاربة، فإنهم يلبسون ثوباً رأسه منه، عليه طاقية ملتصقة به. (ولا العمامة) العمامة معروفة. قال: (ولا الخف، إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران). هذه أنواع من أنواع الطيب: الورس وهو ثمر شجر يكون باليمن، ولون الثمر عندما يصبغ به أصفر، فكأنه يعطي طيباً ولوناً، فنهى عن الاثنين.

стр. 197

حكم قطع الخفين من أسفل من الكعبين لمن لم يجد النعلين في حديث ابن عباس في الصحيحين عن النبي ﷺ : (من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) وفي رواية: أنه قال هذا في عرفات، فالراجح: أن الحاج إذا لم يجد الإزار، وليس معه ما يشتري به، ولا يجد أحداً يعطيه هدية أو يسلفه من غير أن يكون له منة عليه، فإذا لم يجد فيجوز له أن يلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين جاز له أن يلبس الخفين. لكن في حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ أمر بقطع الخفين حتى يكونا أسفل من الكعبين)، وحديث ابن عمر ﵄ كان في المدينة، وحديث ابن عباس كان في عرفات. وفي المدينة كان التشريع كذلك لأن الإنسان يسهل عليك فعل ما طلب منه؛ لأنه بجوار بيته، فيأتي بلباس الإحرام الذي يلائم حاله ويناسبه، لكن لما صاروا في عرفات كان الأمر صعباً، والعدد الذي كان مع النبي ﷺ في المدينة قليل، ولما صاروا في عرفات كانوا مائة وثلاثين ألفاً، وهذا عدد ضخم بالنسبة لهم في ذلك الوقت، فمن أين يأتي الإنسان بما أمر به من مقص ويقص الخفين لكي تكونا تحت الكعبين، أو يأتي بإزار يلبسه؟ فكانت الرخصة في عرفات. والإمام الشافعي ﵀ حمل أحد الحديثين على الآخر، فقال: حديث ابن عباس فيه إطلاق: (فليلبس خفين)، وحديث ابن عمر قيد هذا الإطلاق: (وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين). إذاً: يحمل المطلق على المقيد، وهذه قاعدة صحيحة. ولكن لا نقدر أن نحملها على ذلك؛ لأن النبي ﷺ وهو في المدينة أمر الصحابة وكانوا عدداً قليلاً، فلما كانوا في عرفات جاء وقت العمل. وهنا قاعدة أخرى عند الفقهاء، يقولون: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والآن وقت الحاجة والعمل، والناس موجودون في عرفات، وفي المدينة عندما قال لهم ذلك أخبر أناساً قليلين، والإحرام من ذي الحليفة، لكن وهم في عرفات ولم يذكر النبي ﷺ لهذا العدد الضخم قطع الخفين أسفل من الكعبين دليل على أن الأمر بقطع الخفين صار منسوخاً، ورخص الله للحاج الذي لا يجد النعلين في هذا الموقف أن يلبس الخفين ولا يقطعهما.

стр. 198

حكم لبس القفازين والنقاب للمحرمة جاء في حديث ابن عمر: (نهي النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب). شرع النبي ﷺ أن تلبس المرأة ما شاءت من الثياب الشرعية، وفي الماضي كنا نقول: تلبس المرأة ما شاءت؛ لأنها مقيدة بالشرع، أما الآن فقد نسي شرع الله ﵎، ويمكن أن المرأة ببساطة بنطال في بطال لكي تحج أو تعتمر، فهنا نقول: ما شاءت من ثياب شرعية تسترها ولا تصفها، ولكن الممنوع منه أن تضع النقاب على وجهها، فنهى النبي ﷺ النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب. والقفاز هو ما كان على قدر اليد، والنقاب: هو الخرقة التي تكون على قدر الوجه مشدودة على وجه المرأة، لكن يجوز لها أن تسدلها، وتطول كمها بحيث يغطي اليدين، وتسدل الطرحة وتنزلها على وجهها إذا كانت أمام الرجال، وإذا لم يوجد رجال فلا بد أن تكشف وجهها وليس لها أن تستر وجهها في أثناء الإحرام إلا أمام الرجال. قال: (نهي النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب)، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حرير أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف، فللمرأة أن تلبس ما شاءت من الثياب طالما أنها مقيدة بالقيود الشرعية، ولكن ليس لها أن تلبس ما مسه ورس أو زعفران، والورس والزعفران نوعان من النبات لهما رائحة طيبة وصبغ يصبغان، فنهى المرأة عن ذلك وكذلك الرجل.

стр. 199

ما يحرم على الرجال في الإحرام المحرم على الرجل من اللباس في الإحرام قسمان: قسم يتعلق بالرأس، وقسم في غير الرأس. فالذي يتعلق بالرأس: القلنسوة، والعمامة، والطاقية، والملاءة -الخرقة- يجعل شيئاً منها على رأسه أو عصابة، فأي شيء يجعله على رأسه فهو ممنوع منه، وكل ما يعد ساتراً للرأس؛ فإن ستر رأسه لزمته الفدية، إن تعمد ذلك، ولو توسد وسادة، أو وضع يده على رأسه، أو انغمس في ماء، أو استظل بمظلة جاز ولا فدية في ذلك، فهذه لا تجري مجرى العمامة أو القلنسوة. ولو وضع على رأسه زنبيلاً أو حملاً جاز ولا فدية: فلو حمل شيئاً على رأسه، أو حمل حمولة ومشى بها؛ لأن العادة أنه لا يلبس مثل ذلك. القسم الثاني: في غير الرأس. فيجوز للرجل ستر ما عدا الرأس من بدنه في الجملة، وإنما يحرم عليه لبس المخيط وما هو في معناه، أي: ما فصل على قدر أعضائه أو على قدر بدنه، هذا هو الممنوع منه. ومما يحرم عليه: لبس القميص والسراويل والتبان والخف، وما كان مثل ذلك مفصلاً على قدر البدن أو جزء من البدن، مثل الفنيلة والقميص والبنطلون، فكل هذا ممنوع منه. وكذلك التبان ممنوع منه، وبعض الشركات تتحايل على ذلك وتصنع للحاج ثوباً عبارة عن قطعة من القماش ويدبسها من شمال ويمين حين تكون على هيئة (الشورت)، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ ، وكونه وضع فيها دبابيس ليس معناه أنه خرج عن أمر المخيط؛ لأنهم لا يفهمون معنى المخيط الذي أطلقه الفقهاء، فالفقهاء لم يقصدوا ذلك القميص الذي تلبسه فقط، فسواء خيط أو دبس فلا فرق، هو هو نفسه، ولفظة (المخيط) لم يذكرها النبي ﷺ لكي نأخذ منها كلمة جامعة مانعة، بل هي من كلام الفقهاء، إنما النبي ﷺ ضرب الأمثلة التي تقيس عليها غيرها، وتعرف ما الذي نهى عنه ﷺ ، فعندما يقول: (العمامة) فغطاء الرأس الذي تلبسه، وتسميه عمامة، أو برنساً، أو قلنسوة، أو طاقية، أو بشكيراً، أو غترة، المهم أنه غطاء على الرأس نهى عنه النبي ﷺ . وعندما يذكر القميص فأي شيء يشبه القميص ويفصل على قدر البدن سواء كان طويلاً أو قصيراً فهو داخل في هذا المعنى. إذاً: ليس له أن يلبس ذلك في الإحرام سواء كان فيه دبابيس أو صمغ أو غراء أو نحو ذلك هذا كله ممنوع منه. فليس له أن يلبس القميص ولا السراويل ولا التبان -وهو الشورت القصير- ولا الخف ونحو ذلك، فإن لبس شيئاً من ذلك مختاراً عامداً أثم ولزمه المبادرة إلى إزالته، ولزمته الفدية إذا تعمد، وإذا نسي ولبس ذلك فلينزعه حالاً ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على منع المحرم من لبس القميص والعمامة والقلنسوة والسراويل والبرنس والخف.

стр. 200

ضابط ما يحرم لبسه على المحرم واللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما يعتاد في كل ملبوس. فلو فرضنا أن بنطلونه واسع ووضعه على أكتافه بدل الرداء، فلا نقول: إنه لبسه؛ لأن البنطلون يلبس في الرجلين، وعلى ذلك لا شيء عليه لو أنه وضعه كهيئة البشكير على منكبيه. إذاً: اللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما يعتاد في كل ملبوس، فلو التحف بقميص أو عباءة أو ارتدى بهما فلا شيء عليه، وفرق بين قولنا: ارتدى بهما، وارتداهما، فارتداهما بمعنى لبسهما، وارتدى بهما بمعنى: وضعهما رداء، فلو أخذ قميصه ووضعه بدل البشكير فوق أكتافه فلا شيء عليه، لكن لو أدخل يديه فيه ولبسه، فهذا قد ارتداه، أما ارتدى به أي: جعله كهيئة الرداء على منكبيه. كذلك لو أنه أخذ قميصه ولفه حول نفسه ولم يلبسه فلا شيء عليه في ذلك، إنما الممنوع منه أن يلبس القميص؛ لأنه ليس لبساً في العادة، فهو كمن لفق إزاراً من خرق وطبقها وخاطها فلا فدية عليه، بمعنى: لو أتى بخرقة وخرقة وخرقة وخاطها في المكينة وجعلهم بشكيراً كبيراً ولفه على وسطه وعمله إزاراً فلا شيء في ذلك. وكذا لو التحف بقميص أو بعباءة أو إزار ونحوها فلا فدية؛ لأنه كهيئة اللحاف، أو وضع الملاءة عليه نائماً أو يقظاناً، أو أخذ قميصاً واسعاً أو عباءة واسعة وغطى بها نفسه في أثناء جلوسه على الأرض فلا شيء عليه، والممنوع هو أن يلبس ذلك. وله أن يعلق المصحف وحافظة نقوده وأوراقه وحقيبته بحمالة في رقبته أو على كتفه كما ترى الحجاج يفعلون ذلك، فمثلاً: الشنطة لها يد كبيرة فعلقها على رقبته أو كتفه، أو لبس حزاماً ووضع فيه أشياءه أيضاً لا شيء في ذلك، سواء كان الحزام مدبساً بمسمار أو مخيطاً، ويجوز له أن يضع الحزام على وسطه، ولا يعتبر من الثياب المفصلة على قدر العضو، وله أن يلبس الخاتم والساعة والنظارة وطقم الأسنان، ولا شيء عليه لا في حج ولا عمرة ولا صيام. ولا يتوقف التحريم والفدية على المخيط، بل سواء المخيط وما في معناه، كما ذكرنا أن المخيط يقصد به الفقهاء المفصل، فالشراب مثلاً ليس فيه خياط وهو مصنوع هكذا كله من غير أن يكون فيه أي خياط، ولكن هو مخيط؛ لأنه مفصل على قدر رجل الإنسان، فليس له أن يلبس الجورب في أثناء إحرامه.

стр. 201

هيئة لبس الإزار والرداء يجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطاً، وأن يجعل له مثل الحجزة: إذا جعل لإزاره حزاماً من داخله يربطه ويشده فلا شيء في ذلك، ولا يخرج عن كونه إزاراً، ويلبسه على هذه الهيئة، فهذا من مصلحة الإزار حتى لا ينكشف صاحبه. أو كان لإزاره غرز في طرف ردائه، وضع الرداء على منكبيه، وطرف الرداء وضعه داخل الإزار، والطرف الثاني وضعه داخل الإزار، فلا شيء عليه في ذلك. ولا يحرم خلع الرداء وشكه بدبوس ونحوه، كما لا يحرم عقد الإزار، والأولى عدمه، مراعاة للخلاف، لكن الراجح من حيث الدليل: أنه لم يمنع من ذلك النبي ﷺ ، وقد يحتاج الإنسان إلى شد الإزار أثناء الإحرام، وقد يضع الرداء على كتفه، فيأتي هواء شديد، وغير المعتاد على ذلك أول مرة يعتمر أو يحج صعب عليه أن يضبط على نفسه الرداء، فإذا وضع عليه دبوساً بحيث أنه يستمسك حتى يكمل مناسكه، فالراجح أنه لا شيء فيه. وإذا شق الإزار نصفين، وجعل له ذيلين، ولف على كل ساق نصفاً وشده وجبت الفدية: وهذه من الحيل التي تعمل من قبل الشركات لتبيع شيئاً جديداً، فتجد أن المعرض الفلاني عنده لبس الحجاج الحديث، وهو شورت مدبس بحيث إنه يربط هذا على رجل، وهذا على رجل كهيئة الشورت تماماً في أثناء الإحرام، ويقولون: ليس فيه شيء؛ لأنه ليس مخيطاً، وهذا خطأ، فهذا هو المخيط الممنوع منه. ولذلك يقول الفقهاء: شق الخرقة -أي: الإزار- ولبسه على وسطه، ثم شقه من الأمام ومن الخلف، ثم ربط هذه على هذه، وربط هذه على هذه، فأصبح الاثنان كهيئة البنطلون، فهذا ممنوع منه، وعليه الفدية في ذلك؛ لأنه صار كالسراويل.

стр. 202

حكم لبس الرجل القفازين والخفين يحرم على الرجل لبس القفازين، وإذا كانت المرأة ممنوعة منه فالرجل أولى. ولبس الخف حرام على الرجل المحرم سواء كان الخف صحيحاً أو مخرقاً، والخف هو الحذاء الذي له رقبة. أما لبس الخف المقطوع أسفل من الكعبين فالراجح أنه يجوز حتى ولو مع وجود النعلين؛ لأن لا يسمى خفاً بعد قطع الزائد فيه، وهذا غير المعذور. أما المعذور كمن ضاع حذاؤه أثناء الإحرام ولم يجده، والآن هو في عرفة، وإما أن يمشي حافياً، وإما أن يلبس الخف الموجود فهذا معذور في أن يلبس ذلك، لحديث النبي ﷺ . أو اشتد عليه البرد في أثناء الإحرام، واحتاج أن يفعل ذلك، فهو معذور في ذلك، ولكن عليه الفدية؛ لقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. إذاً: المعذور ليس عليه إثم، بخلاف المتعمد لفعل الشيء المنهي عنه فإنه يأثم بذلك ويعاقب بالفدية، لكن المعذور ليس عليه إثم وعليه الفدية، فقد اشتركوا في الفدية وافترقوا في الإثم وعدمه. الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦].

стр. 203

حكم من لم يجد رداء وإزاراً ووجد قميصاً وسراويل إذا لم يجد رداء لم يجز له لبس القميص بل يرتدي به، كما قلنا في السراويل: إذا لم يجد الإزار واحتاج فهل نقول له: قطع السراويل التي عندك واعملها على هيئة الإزار؟ لا، ولكن نقول هنا: البسه على هذه الحالة أنت معذور، لكن هذا الحكم هل ينسحب على من لم يجد الرداء ووجد القميص؛ لأن الإزار المقصود به ستر العورة، فلو أنا قلنا له: شق بنطلونك لم يكف أن يستر عورته بذلك، ولذلك أمر النبي ﷺ بلبسه على ذلك. أما الجزء العلوي الذي عليه الرداء فلو أنه وضع عليه قميصه ستر كثيراً منه، وليس هو عورة يجب عليه أنه يستره. إذاً: إذا لم يجد إزاراً فليس له لبس القميص بل يرتدي به. والمحتاج بسبب العذر: كإنسان في أثناء الإحرام في رجليه شيء، ويحتاج مع هذا الشيء أن يلبس الخف، ولا يستطع المشي من دونه، أو يحتاج إلى أن يلبس شراباً سميكاً، ولا يستطيع المشي بدونه، فهذا معذور ولكن عليه الفدية. وإذا وجد السراويل ووجد إزاراً يباع ولا ثمن معه، أو كان يباع بأكثر من ثمن المثل، جاز له لبس السراويل، وليس شرطاً ألا يجده يباع، فقد يباع لكن ليس معه مال ليشتريه، أو قد يعطيه أحد المال وفيه منة من هذا الذي يعطيه، فهنا لا يفضل أن يأخذ من أحد، وحكمه حكم الفاقد. إذاً: جاز له أن يلبس السراويل وجاز له أن يلبس الخفين وهو معذور في ذلك.

стр. 204

حكم من لبس الخفين ثم وجد النعلين لو لبس الخفين المقطوعين لفقد النعلين ثم وجد النعلين وجب نزعهما في الحال؛ فإن أخر وجبت الفدية. هذا على قول بعض الفقهاء في ذلك، وهذا إذا قطع الخف إلى أن أصبح قصيراً، والأفضل أنه لا يقطع؛ لأن النبي ﷺ وهو في عرفة لم يأمر بالقطع. فهذا الإنسان الآن لابس للخف في أثناء إحرامه، وعندما لبس الخف بعد فترة وجد النعلين، فيجب عليه أن يخلع الخفين ويلبس النعلين، فإذا أصر وأكمل على ذلك وأخر خلع الخفين وجبت عليه الفدية. ولو لبس الخفين غير المقطوعين لفقد النعلين، أو لبس الخفين المقطوعين فمذهب الشافعي ﵀: أن الخف سواء كان مقطوعاً أو غير مقطوع اسمه في الحالتين خف، فإذا وجد النعل وجب عليه أن يخلع الخف ويلبس النعل. لكن الراجح: أنه إذا لبس الخف ولو كان غير مقطوع، ثم بعد ذلك وجد النعل وجب عليه أن يخلع الخف ويلبس النعل. ولو أنه قطع الخف أسفل من الكعبين فالراجح أنه صار نعلاً. إذاً: لو لبس الخفين غير المقطوعين ثم وجد النعلين وجب نزعه في الحال؛ فإن أخر وجبت الفدية.

стр. 205

حكم لبس المرأة النقاب وتغطيتها لوجهها يحرم على المرأة أن تنتقب في إحرامها، فقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى المرأة عن النقاب وعن لبس القفازين)، والنقاب: هو الخرقة المشدودة تحت محجر العين تستر أسفل العينين إلى أسفل الذقن، خرقة مخصوصة توضع على وجه المرأة، فلو وضعتها من الوراء وربطتها برباط من الوراء، فتسمى بالنقاب. لكن السدل من فوق الرأس مثل الطرحة فليست نقاباً، وعلى ذلك فهناك فرق بين النقاب فليس للمرأة أن تلبسه، وبين السدل فلها أن تسدل مع الحاجة، أما لغير الحاجة فلا. إذاً: النقاب هو الخرقة المشدودة تحت محجر العين تستر أسفل العينين إلى أسفل الذقن، وللمرأة أن تستر رأسها وسائر بدنها بالمخيط وغير المخيط، ولها أن تسدل على وجهها. ودليل السدل ما جاء عن السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها، وعن أسماء رضي الله ﵎ عنها في هذا المعنى، تقول فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر) يعني: جدتها، فهذا فعلته أسماء رضي الله ﵎ عنها، وأخبرت أنها كانت تصنع ذلك مع النبي صلوات الله وسلامه عليه. وجاء عن عائشة ﵂ بإسناد فيه ضعف: (كنا مع رسول الله ﷺ إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات، فإذا جاوزنا رفعنا)، تقصد السيدة عائشة ﵂: أنه في وجود الرجال كانت الواحدة تسدل وتنزل الطرحة على وجهها، فإذا مر الرجال رفعت المرأة الثوب عن وجهها، وهذا في الإحرام. إذاً: الأصل أن المرأة لا تضع نقاباً على وجهها، ولا تستر وجهها إلا أن يكون في حضرة الأجانب من الرجال فتفعل ذلك، فإذا مروا رفعت السدل. أما الخنثى المشكل فإن ستر وجهه فلا فدية عليه، والخنثى هو الذي له عضو الذكورة والأنوثة، وهو مشكل ليس معروفاً أهو ذكر أو أنثى؟ فهذا المشكل يحتمل أنه امرأة ويحتمل أنه رجل، فعلى ذلك لو أنه ستر وجهه نقول: لعله أن يكون رجلاً، والرجل لا يحرم عليه أن يستر وجهه، ولو ستر رأسه نقول: لعله أن يكون امرأة والمرأة لا يحرم عليها أن تستر رأسها، فعلى ذلك لا فدية عليه في الحالين، وإن ستر الوجه والرأس فنقول: عليه الفدية؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ذكراً أو أنثى؛ فيحرم عليه واحد من الاثنين. ويكره للرجل المحرم ستر وجهه، وقد قدمنا الكلام عليه، ويحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب. وفرق بين الحي والميت؛ لحديث: (لا تخمروا رأسه ولا وجهه)، وذكرنا توجيهه. وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران)، فعلى المحرم ألا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران، وهو نوع طيب، فيحرم على الرجل والمرأة أن يضعا الطيب في أثناء الإحرام. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 206

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - محظورات الإحرام [٢] للإحرام محظورات يجب على المحرم اجتنابها، فيحرم عليه لبس القميص والسراويل، وأن يستر رأسه سواء بعمامة أو قلنسوة أو غير ذلك، أما المرأة فيجوز لها أن تلبس ما شاءت من الثياب الشرعية التي تستر بدنها. وإن تعمد الطيب فعليه الفدية، ولا يجوز للمحرم أن ينكح أو يخطب أو يزوج، والوطء في الفرج أو المباشرة بشهوة وغير ذلك، ويحرم عليه صيد البر دون صيد البحر، وهناك أشياء يستحب للمحرم أن يقتلها لأنها مؤذية، وأشياء لا يجوز للمحرم قتلها، ودفع المحرم للصائل من صيد ونحوه لا جزاء عليه فيه، وهناك مكروهات للمحرم ومستحبات ينبغي عليه معرفتها.

стр. 207

تابع محظورات الإحرام الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد: فقد تكلمنا عن المحرمات في الإحرام، وذكرنا أنه يحرم على الرجل من اللباس: أن يستر رأسه، سواء بعمامة أو بقلنسوة أو بغير ذلك. ويحرم عليه في بدنه: أن يلبس القميص، والسراويل، والكتان، والخف، ونحو ذلك مما يسميه الفقهاء: بالمخيط، وبينا معنى كلمة المخيط أنها: الثياب التي تكون مقدرة مفصلة على قدر البدن، أو على قدر عضو من أعضاء البدن، ولا يشترط أن تكون مخيطة بخيط، بل سواء كانت مخيطة بخيط، أو كانت فيها دبابيس، أو كانت ممشوقة أو غير ذلك، طالما أنها ثياب على قدر عضو، أو على قدر الأعضاء فهذا هو المخيط الذي منعنا من لبسه في الإحرام. ولو أن رجلاً كان عنده عذر في لبس المخيط، كإنسان في رجليه ألم أو مرض، ويحتاج لأن يلبس الخف، أو لأن يلبس نوعاً معيناً من الجوارب في قدميه، فيجوز أن يلبس ولكن عليه الفدية؛ لقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] فإذا كان مريضاً، أو به أذى من رأسه، فهو معذور في أن يزيل هذا الأذى، أو أن يحلق رأسه، أو أن يلبس ثياباً، ولكن عليه الفدية التي ذكرها الله . أما المرأة فيجوز لها أن تلبس ما شاءت من الثياب الشرعية التي لا تصف بدنها، ولا تشف عما تحتها، والتي تغطيها وتسترها ما عدا الوجه والكفين، فإذا كانت في وسط الرجال فإنها تسدل ما على رأسها من طرحة وغيرها على وجهها، من أجل أن تواري وجهها، وكذلك الكفين ليس لها أن تلبس القفازين؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، ولكن إذا كانت في أثناء الطواف أو غيره وحاذت الرجال جاز لها أن تستر يديها بثيابها، ولكن لا تلبس القفازين؛ لمنع النبي ﷺ من ذلك. وكذلك منع لبس الثياب التي مسها الورس والزعفران، والورس والزعفران: نوعان من النبات لهما رائحة طيبة، وتصبغ الثياب بهما فيغيران اللون الأصفر أو اللون الأحمر، فنهى النبي ﷺ الرجال والنساء من لبس ذلك.

стр. 208

استعمال الطيب للمحرم وأيضاً المحرم ممنوع من استعمال الطيب، أما قبل الإحرام فيجوز له أن يضع الطيب، فإذا أحرم جاز له أن يستديمه ويبقيه، ولكن لا يجوز له بعد الإحرام أن يضع الطيب، فإذا فعل ذلك ناسياً وجب عليه أن يزيله وأن يغسل أثره، وإن فعل ذلك متعمداً فعليه الفدية، سواء طيب رأسه أو طيب بدنه، أو طيب ثيابه، ولو لبس ثوباً مبخراً بالطيب، أو ثوباً مصبوغاً بالطيب، أو علق بنعله طيب لزمه أن يزيل ذلك، فإذا استدامه لزمته الفدية. إذاً: لا تلزم الفدية إلا من علم واستدام هذا الشيء، فمثلاً: لو أن محرماً وجد طيباً على الأرض فوضع رجله عليه حتى صار في نعله من الطيب، فإنه يجب عليه أن يغسل أثر الطيب، أو ينزع عنه النعل ويلبس غيره، فإن استدام ذلك وتعمده وجب عليه الفدية، لكنه إذا أزاله فلا شيء عليه. ولو علقت رائحة الطيب دون عينه بأن جلس في دكان عطار، أو عند الكعبة وهي تبخر، فجاءت رائحة الطيب في أنفه فشم الطيب، فلا شيء عليه. ومثله إذا مر بالسوق الذي فيه الطيب فشم منه رائحة الطيب فلا شيء عليه في ذلك. لكن الممنوع منه هو أن يلصق الطيب ببدنه، أو ملبوسه، فإذا أخذ الطيب ووضعه على ثوبه، سواء كان متعمداً أو ناسياً فعليه الفدية، وإذا جاء إنسان ووضع على المحرم طيباً وجب عليه أن يزيل ذلك الطيب، فإذا استدامه لزمته الفدية. ولو أنه جلس على فراش مطيب، أو أرض مطيبة، أو نام عليها مفضياً إليها ببدنه أو ملبوسه لزمته الفدية، فلو فرضنا أنه ذهب إلى الفندق ووجدهم قد وضعوا على سريره طيباً، فهنا لا يجوز له أن ينام على السرير الذي عليه الطيب؛ خشية أن ينتقل الطيب إلى بدنه، أو إلى ثيابه، فإذا تعمد وانتقل الطيب إلى ثيابه فإن عليه الفدية، وإذا أراد أن ينام على السرير الذي فيه الطيب فعليه أن يضع فوقه ثياباً ليس فيها رائحة الطيب، ثم ينام فوق تلك الثياب التي فوق السرير، وليس عليه شيء في ذلك. ولو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيب لمرور الزمان أو لغبار وغيره، فإن كانت بحيث لو أصابه الماء فاحت رائحته حرم استعماله، أي: لو فرضنا أن مع المحرم إزاراً أو رداءً غير الذي يلبسه، ثم أراد أن يلبسه وهو يعلم أن فيه نوعاً من الطيب، وأنه إن لبسه وأصابه العرق ظهرت منه رائحة الطيب، فلو تعمد أن يلبسه فإن عليه الفدية بذلك. وقد ذكر البخاري عن ابن عباس تعليقاً أنه قال: (يشم المحرم الريحان، ويتداوى بأكل الزيت والسمن)، ومعنى كلامه: أن هذا لا شيء فيه، فإذا شم رائحة الريحان، أو أكل زيتاً أو سمناً من أجل أن يتداوى فلا شيء عليه في ذلك، والريحان نبات وليس من أنواع الطيب، والطيب: هو ما يلصق بالبدن، والريحان لو اعتصر حتى صار طيباً، ووضعه على بدنه فسيخرج من بدنه رائحة ريحان، وهذا هو الطيب الممنوع من الريحان. ويجوز أن يجلس المحرم عند عطار في موضع مبخر، والأولى أن يجتنب ذلك؛ لخلاف الفقهاء فيه، ومتى لصق الطيب في بدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية -أي بغير قصد- كرجل مر وفي يده طيب وسلم على المحرم وانتقل الطيب إلى يد المحرم؛ وجب عليه أن يغسل يده حالاً، وإن تعمد أن يترك الطيب وألا يغسله لزمته الفدية. ولا يكره للمحرم شراء الطيب، فلو أن المحرم أثناء الإحرام مر بالسوق الذي يبيعون فيه الطيب، واشترى زجاجة عطر فليس عليه شيء، وإنما الممنوع هو أن يضع الطيب على بدنه أو ثيابه. ويحرم عليه أن يكتحل بما فيه طيب، فإذا كان الكحل أو الدواء الذي يضعه فيه نوع من أنواع الطيب فإنه لا يجوز له أن يضعه، فإن احتاج إلى ذلك جاز أنه يضعه وعليه الفدية؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. وله الاكتحال في أثناء الإحرام، لكن بالشيء الذي لا طيب فيه. واستخدام الصابون في الإحرام جائز، فله أن يستخدم أي نوع من أنواع الصابون، إلا أن يكون الصابون فيه نوع من الطيب بحيث أنه إذا غسل يده اشتم منها رائحة الطيب، كرائحة مسك، أو رائحة ريحان، أو رائحة ورد، ويستمر ولا يخرج، لكن العادة في الصابون أن الإنسان إذا غسل يده بالماء بعد الانتهاء من استعماله زالت رائحته، فإن كان هذا الصابون كذلك فلا شيء عليه، أما إذا كانت رائحته تستدام فمثله مثل الطيب وحكمه حكم طيب، فليجتنب مثل هذا الصابون.

стр. 209

النكاح والخطبة يحرم على المحرم أن ينكح أو ينكح أو يخطب، فلا يجوز له ذلك؛ لما روى مسلم عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) فذكرها بصيغة النفي، والمقصود منها: النهي، أي: أن المحرم لا يفعل ذلك، فلا ينكح ولا ينكح ولا يخطب. (يَنكح): أي يتزوج، (ويُنكح): أي: يزوج، بأن يكون ولياً في النكاح، فلا ينكح، أي: لا يتزوج، ولا ينكح، أي: لا يعرض ابنته على إنسان ويزوجه، ويقول: زوجتك ابنتي مثلاً أو أختي، ولا يخطب كأن يقول لآخر: أريد أن أتزوج ابنتك، أو أريد أن أخطب ابنتك، فلا يجوز له ذلك؛ لأن المحرم مشغول بطاعة الله وعبادته الله . وبعد أن تنتهي فترة الإحرام سواء كانت عمرة أو حجاً جاز له أن يخطب وأن يتزوج، لكن أثناء الإحرام يحرم ذلك، فإن فعل أثم، ولا ينعقد نكاحه. ويحرم على المحرم: أن يتزوج، ويحرم أن يزوج موليته بالولاية الخاصة، وهي: العصوبة والولاء؛ لأنه ولي خاص، وفرق بين الولاية العامة وبين الولاية الخاصة. فالولاية الخاصة: كأن يكون أبا العروس، أو أخاها، أو ابن عمها وهكذا، فهذه تسمى: العصبة والولاء، مثل أن يوجد إنسان له أمة وأعتقها، فله عليها ولاء، أو هي ما زالت تحت يده يملكها فهو وليها وهو مولاها، وهو مالكها؛ فإذا زوجها جاز له ذلك في أثناء الإحرام. ويحرم على المحرم أن يتزوج، فإن كان الزوج، أو الزوجة، أو الولي، أو وكيل الزوج، أو وكيل الولي محرماً فالنكاح باطل بلا خلاف. إذاً: إن كان الزوج، أو الزوجة، أو ولي الزوجة، أو ولي الزوج صغيراً أو مجنوناً، أو وكيل الزوج، أو وكيل الولي -ولي الزوجة- أو ولي الصغير أو المجنون ونحو ذلك محرماً فالنكاح باطل بلا خلاف بين أهل العلم. ويجوز أن يراجع المحرم المحرمة والمحلة، سواء أطلقها في الإحرام أم قبله، فهناك فرق بين ابتداء النكاح، وبين استدامة النكاح، فالذي يبتدئ النكاح كأن يخطب، أو يتزوج، أو يعقد، لا يجوز له ذلك بله حرام عليه، لكن رجل متزوج ثم طلق طلاقاً رجعياً يجوز له أن يراجع امرأته، فالمراجعة في أثناء الإحرام جائزة وليس في ذلك خلاف، لكن الممنوع منه أن ينشئ عقداً جديداً.

стр. 210

تحريم الجماع والمباشرة بشهوة على المحرم ويحرم عليه الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] قال ابن عباس: الرفث: الجماع. ويجب بالجماع الكفارة، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وعن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عن الجميع، فقد جاء عنهم أنهم أوجبوا الكفارة في ذلك، وإذا كانت الكفارة تجب في حلق الشعر فمن باب أولى في الجماع الذي نص الله على تحريمه في الحج. وأجمعت الأمة على تحريم الجماع في الإحرام، سواء كان الإحرام صحيحاً أم فاسداً، فلو أن إنساناً أحرم إحراماً صحيحاً، وإنساناً أحرم إحراماً فاسدا، كما لو بطل أو فسد بالجماع فيه، وقلنا له استمر في الحج، فلا يجوز له أن يترك الحج، وإن كان فاسداً فإنه لا يجوز له أن يطأ زوجته مرة ثانية، ولكن يلزمه أن يستمر في الإحرام حتى ينتهي من مناسك عمرته، أو من مناسك حجه. وتجب به الكفارة والقضاء إذا كان قبل التحللين في الحج، وأما العمرة فليس لها إلا تحلل واحد. وسواء كان الوطء في القبل أو الدبر، من الرجل، والمرأة، والصبي، والبهيمة، وسواء وطء الزوجة والزنا والعياذ بالله. ويحرم على المحرم أيضاً: المباشرة بشهوة، لأنه قال: (فلا رفث)، أي: لا جماع ولا مقدمات جماع، فيحرم عليه أن يمس أهله بشهوة، وهذا قيد، فلو أنه سلم على امرأته فهنا لا توجد شهوة، لكن الاحتضان، والتقبيل بشهوة هو الذي يحرم عليه أثناء الإحرام. ومتى باشر عمداً بشهوة لزمته الفدية، والمباشرة ليست جماعاً، فالجماع ينص عليه أنه وطء أو جماع، لكن المباشرة مأخوذة من البشرة، والبشرة: الجلد، وسميت بذلك لأنه مس جلده جلدها بشهوة، فمتى فعل ذلك وجبت عليه الفدية، والفدية في ذلك: شاة، أو بدل الشاة من الإطعام أو الصيام. ولا يفسد نسكه بالمباشرة بشهوة بلا خلاف، وإنما الذي يفسد النسك هو الجماع، والردة والكفر والعياذ بالله، فالمباشرة بشهوة لا تفسد النسك، سواء أنزل أم لا. وهذا كله إذا باشر عالماً ذاكراً الإحرام، أما إذا كان ناسياً فالراجح أنه لا شيء عليه؛ لأنه استمتاع محض فلا تجب فيه فدية مع النسيان. أما اللمس بغير شهوة فليس بحرام، فإذا سلم على امرأته أو لمسها ونحو ذلك فليس فه شيء ولا هو حرام أصلاً. أما الاستمناء باليد أثناء الإحرام فهو أصلاً في غير الإحرام حرام، فيكون في الإحرام حراماً من باب أولى، وإذا فعل ذلك فنزل منه المني فعليه الفدية: وهي أن يذبح شاة ويفرقها على مساكين الحرم. وكذلك تلزمه الفدية إذا قبل امرأته بشهوة، ولو أنه قبل صبياً أمرد جميلاً بشهوة في أثناء إحرامه وجبت عليه الفدية، لأنه حرام كحرمة تقبيل المرأة بشهوة.

стр. 211

تحريم الصيد على المحرم ويحرم عليه الصيد، أي: الصيد المأكول من الوحش والطير وغيره، قال الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، أما صيد البحر فليس محرماً في أثناء الإحرام، ولو أن المحرم وجد صيداً كغزالة في أثناء إحرامه وأمسكها فإنه لا يملكها بذلك؛ لأنه يحرم عليه أن يأخذها في إحرامه، فإذا كان في الحرم سواء كان حلالاً أو محرماً فإنه يحرم عليه أن يمسك أو أن يصيد الصيد، وإن هلك عنده هذا الصيد وجب عليه جزاء الصيد كما سيأتي. أما صيد البحر فحلال، سواء للحلال أو للمحرم، قال الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦] فصيد البحر حلال، وصيد البر حرام، قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]. والمراد بصيد البحر: ما يعيش في البحر كالسمك وغيره، فإذا كان يعيش في البر وفي البحر كبعض الطيور التي تنزل في البحر فإنه يغلب عليه التحريم، فيحرم على المحرم أن يصيد الطير الذي يطير في الهواء وينزل على الماء؛ لأنه من صيد البر، فإذا كان بحرياً فقط جاز له أن يصيده طالما أن عيشه كله في البحر. وإذا تلف الصيد بسبب المحرم أو تلف الصيد بسبب شيء في يد المحرم -لأن المحرم إما أن يتلف الصيد، أو يتسبب في ذلك- فلو كان في يده عصا يلعب بها، ثم جاء طائر فقتلته، فعليه جزاء الصيد؛ لأنه هو الذي فعل ذلك، وكذلك لو كان راكباً سيارته يسوقها في مكان فظهرت غزالة أو حماراً وحشي فقتله فإنه يكون عليه جزاء الصيد في ذلك. إذاً: إذا كان يقود سيارة، أو كان راكباً دابة أو سائقها أو قائدها فتلف الصيد بعضها أو برفسها ضمنه، وإذا كان راكباً على حصان وعض صيداً فقتله، أو داس عليه فقتله لزمه الجزاء. وإذا نفر المحرم صيداً فعثر وهلك بالعثار، أو أخذه في مغارة سبع، أو صدم بشجرة أو جبل أو غير ذلك لزمه الضمان، وهذا كله لأنه تسبب في قتل الصيد، فهو لم يتعمد في هذه الحالة أن يهلك الصيد، لكنه تسبب في ذلك، ولو أنه وجد طائراً على شجرة فجلس ينفره حتى طار الطائر من مكان إلى مكان آخر كان فيه ثعبان فأكله، فهذا المحرم هو الذي تسبب في ذلك، فعليه الجزاء. وإذا دل الحلال محرماً على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم، ولا ضمان على الحلال. وإذا كان المحرم في مكان في الحل كعرفات -وهي من الحل- وإنسان حلال موجود في هذا المكان، ودل المحرم على الصيد وأشار إليه فإذا بالمحرم يقتل هذا الصيد فإن الحلال يأثم؛ لأنه دله على ذلك، والمحرم عليه جزاء الصيد فضلاً عن الإثم فإنه آثم. والعامد والمخطئ والناسي والجاهل في ضمان الصيد سواء، أي: ليس هناك فرق بين من تعمد قتل الصيد أو أخطأ فقتله، أو نسي أنه محرم فقتله؛ لأنه في النهاية قتله. إذاًَ: ما قتل في الحرم يلزم الإنسان أن يدفع ثمنه، والذي يأثم في ذلك إنما هو العامد دون المخطئ والناسي، لكن على الجميع إذا فعلوا ذلك الجزاء.

стр. 212

حكم أكل المحرم من الصيد ويحرم على المحرم أكل صيد صاده هو أو أعان على اصطياده أو أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو خفية، وسواء إعارة ما يستغني عنه القاتل أم لا. والدلالة: مثل أن يكون المحرم في مكان حل، ومعه إنسان حلال في هذا المكان، وفي أثناء الطريق وجد المحرم صيداً فدل الحلال عليه فقتل الصيد هو، فلا يجوز للمحرم أن يشير إلى الصيد، فيحرم على المحرم أن يأكل من لحم ذلك الصيد. فقد جاء في حديث أبي قتادة قال: (انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، فبصر أصحابنا بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته هنا) أبو قتادة لم يحرم، والصحابة أحرموا، وبعد أن أحرموا نظروا فوجدوا أمامهم صيداً، فضحكوا، وقد ظهر لهم بعدما أحرموا، فانتبه أبو قتادة فوجد الصيد فذهب إليه ليقتله، يقول ﵁: (فحملت عليه الفرس، فطعنته فأثبته، واستعنت بهم فلم يعينوني) أي: أنه طعنه فجرحه جراحة مثبته وقف في مكانه، وثبت فيه، فقال: أعينوني، ناولوني شيئاً حتى أذبحه فرفضوا، قال ﵁: (فأكلنا منه، ثم لحقت برسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إنا اصطدنا حمار وحش وإنا عندنا فضلة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وهم محرمون). وفي رواية قالوا: (لا نعينك عليه بشيء إنا محرمون، وذكر أن النبي ﷺ قال: كلوه حلال). وفي رواية (أنه سألهم هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟)، وأما كونهم ضحكوا فهو شيء غلبهم، ولم يتعمدوا أن يضحكوا حتى ينتبه إلى أن هذا صيد، فـ أبو قتادة ﵁ اصطاد الصيد، ولما أكلوا منه قال لهم النبي ﷺ : كلوه حلال. وأيضاً جاء عن النبي ﷺ أنه طيب نفوسهم بأن أكل هو أيضاً منه ﵊، ففي رواية في صحيح البخاري قال: (هل معكم منه شيء؟ قال: فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها وهو محرم) والصيد الذي وجدوه ذكر في رواية أنه حمار وحشي، والحمار الوحشي يجوز أكله. إذاً: إذا كان المحرمون لم يدلوا الحلال على الصيد جاز لهم أن يأكلوا منه، فإذا كانوا هم الذين دلوه فلا يجوز لهم ذلك، فإذا فعلوا فلا يجوز لهم أن يأكلوا منه. وكذلك لو أن الإنسان شك هل هذا الذي صاد الصيد صاده من أجلي لأني محرم؟ أو حتى يأكل منه المحرمون؟ فإنه لا يجوز أن يأكل منه؛ لما سيأتي من حديث النبي ﷺ . وإذا كسر المحرم بيض صيد وقلاه فإنه يحرم عليه، فإذا وجد طائراً من الطيور في الحرم أو في غير الحرم وهو محرم، وقد باض الطير بيضاً فجاء المحرم وأخذ البيض وكسره وقلاه، فإنه لا يجوز له أن يأكله، ويكون قد أتلف شيئاً وعليه الجزاء، فيخرج قيمة البيض ويتصدق به لفقراء الحرم. ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو أن يتهبه، أي: أن المحرم إذا وجد إنساناً معه صيد فأراد أن يشتريه فإنه لا يجوز له ذلك، وكذلك لا يجوز له أن يطلب الصيد هدية أو هبة أيضاً. فقد جاء أن الصعب بن جثامة (أهدى إلى رسول الله ﷺ حمار وحش، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)، فـ الصعب بن جثامة ﵁ صاد حمار وحش، فأهداه للنبي ﷺ ، فكأن النبي ﷺ شكك، هل الصعب صاد هذا الحمار من أجلنا؟ لأنه إذا صاده من أجل المحرمين فلا يجوز لهم أن يأكلوا منه، فالمحرم يحرم عليه أن يصيد الصيد أو أن يأكل منه، فإذا صاده الحلال من أجل المحرمين امتنعوا، فليس لهم أن يأكلوا منه، فلذلك هنا في قصة الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي ﷺ حمار وحش، فرده النبي ﷺ ؛ لأنه شك أنه صاده من أجلهم، ولذلك قال ﷺ : (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)، ففرق بين قصة الصعب بن جثامة وبين قصة أبي قتادة. وقصة أبي قتادة واضحة في أنه لم يصده من أجلهم، ولكنه صاده ثم دعاهم إلى أن يأكلوا منه، ولم يعنه أحد عليه. وفي قصة الصعب بن جثامة: خشي النبي ﷺ أن يكون صاده من أجل المحرمين.

стр. 213

الأشياء التي يجوز للمحرم قتلها وفي أثناء الإحرام يجوز قتل أشياء مؤذية، تؤذي الحجيج وغيرهم، سواء كان محرماً في الحل، أو كان في الحرم. فيستحب قتل المؤذيات: كالحية، والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدب، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبق، والزنبور وأشباه هذه الأشياء، فكل شيء يؤذي الإنسان فيجوز له أن يقتله، سواء في الحل أو في الحرم؛ لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق)، فسماهن فواسق، والفسق: هو الخروج عن الطاعة، أو الخروج عن الشيء، ومتى خرج الإنسان عن طاعة الله سبحانه فهو فاسق. والفاسق في الحيوان هو الذي خرج عن المعهود والمألوف من كونه أليفاً، ومطيعاً إلى أن صار مؤذياً، ومنه أن يقال: فسقت الرطبة، فأنت حين تأتي بالرطب ثم تضغط عليها فتتزحلق البلحة من قشرتها، فيقال: فسقت أي: خرجت من قشرتها، فهنا كأنه خرج عن المألوف في أمثاله. فيقول النبي ﷺ في هذه الأشياء: (خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)، فكل هذه الأشياء مؤذيات، فأمر النبي ﷺ بقتلها سواء في الحل أو في الحرم. ونحن نعرف عن بعضها أنها مؤذية، وبعضها لا نعرف عنها ذلك، فيقول لنا: يقتل الغراب، ومنه غراب الزرع، وليس مؤذياً، ومنه الغراب الأبقع، والغراب الأبيض وغير ذلك، مما يؤذي الحجيج، فقد كانوا يأتون راكبين على الجمال، فينزل الغراب وينقر في ظهر الجمل فينفر الجمل حتى يقع صاحبه على الأرض، فأمر النبي ﷺ بقتل مثل هذا الغراب، إذا إذاً: إذا كان الغراب غير مؤذ كغراب الزرع فلا يقتل، وأما إذا كان مؤذياً كبقية الغربان فيجوز قتله. وكذلك الحدأة فهي تخطف على الحجيج طعامهم وخاصة اللحوم. والعقرب يؤذي ويلدغ، والفأرة، والكلب العقور هذه كلها أمر النبي ﷺ بقتلها. وإذا كان بعض الحيوانات يمكن أن يؤخذ فيستأنس، مثل: الفهد، والبازي، والصقر، بحيث إنه يصير أداة للصيد بعد ذلك، فلا يستحب قتله، وأما إذا كان يؤذي فيقتله المحرم ولا فدية عليه؛ لأنه ليس صيداً. وفي حديث آخر ذكر النبي ﷺ أن هذه الخمس يقتلن في الحل والحرم، وجاء في حديث عائشة: (الوزغ فويسق)، فيكون السادس، إذاً مفهوم العدد الذي في هذا الحديث غير معمول به؛ فقد ذكر خمسة في هذا الحديث، وذكر في حديث آخر الوزغ أنه يقتل، فصار سادساً، فيجوز قتل الوزغ، وهي دابة من الدواب تشبه البرص، ولكنه نوع سام، فيجوز قتل الوزغ، وذكر النبي ﷺ في حديث آخر أن الوزغ كان ينفخ النار على إبراهيم من أجل أن يحرق، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وعن طارق بن شهاب: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر المحرم بقتل الزنبور، والزنبور: ذبابة كانت تقرص الحجيج فأمر بقتلها في الحرم. وجاء عن ربيعة بن أبي عبد الله بن هدير: أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقرد بعيراً له في طين بالسقيا وهو محرم، (يقرد): أي: ينزع القراد عنه، والقراد نوع من الدواب التي تؤذي البعير، فكان يخرجه ويزيله، ولا شك أنه بإزالتها سيحصل قتل لبعضها. ويجوز قتل الخنافس، والدود، والجعلان، والأبراص، والذباب، والبعوض، وكل هذه الأشياء التي تؤذي لا فدية فيها، ولا يحرم قتلها.

стр. 214

الدواب التي لا يجوز قتلها لكن الممنوع من قتله هو ما جاء عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدد، والصرد)، فهذه الأشياء طالما أنها لا تؤذيك فلا تتعرض لها، فإذا كنت محرماً ووجدت نملة أو مجموعة من النمل في الأرض فلا تتعرض لها، لكن لو أن النمل لدغك فقتلت التي لدغتك جاز ذلك، والنمل قد يكون فيه نفع، وقد يكون فيه أذى، لكن هذا الحديث فيه أنه نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد، ولم يقل في الإحرام ولا في غير الإحرام، فهو على العموم. والنمل أمة من الأمم خلقها الله ، والله لا يخلق شيئاً إلا لحكمة، فلو أن الإنسان حاول أن يقضي على كل النمل الموجود في الكون لأخل بالتوازن البيئي، فالنملة فيها منافع، ولذلك نهى النبي ﷺ عن قتله. وفي بعض البلاد يبيعون النمل ويشترونه، كاليمن فإنهم يحتاجون إليه من أجل أن بعض الفطريات التي تظهر على أشجار الموالح كالبرتقال،، واليوسفي وغيره، فالذي يقضي على هذه الأشياء هو النمل، فيحضرون النمل من الغابة ويضعون أغصاناً مليئة بالنمل فوق الجمال، ثم ينقلونها إلى السوق ويبيعونها، فمن اشترى منها شيئاً ذهب به إلى مزرعته فيدخل النمل على الأشجار فيقضي على الفطريات الموجودة عليها. ولذلك لم ينه النبي ﷺ عن قتل بعض الأشياء إلا لأن فيها منافع قد يجهلها الكثير من الناس، وقد يعلمها البعض، فالله حين ذكر النمل، وذكر وادي النمل، فيه دليل على أن له وادياً وله مكان فيه، وقد ذكر العلماء في النمل أشياء عجيبة جداً، فقالوا: إنه يشبه الإنسان في أشياء كثيرة في حياته، فهو يعيش في مجموعات فيها الملكة، وفيها الشغالة، وعندما يموت يدفن بعضه بعضاً بجنازة، وهذا عجيب جداً! فكما أن الإنسان يزرع فالنمل يزرع، وكما أن الإنسان يحلب فالنمل لها حيوانات تحلبها، تحضر لها السكر وغيره ثم تتأنى، كالإنسان يخرج بماشيته في الصباح من أجل أن ترعى ثم يحلبها في الليل، وكذلك تصنع النملة، فلم ينه النبي ﷺ عن قتلها إلا لسبب من الأسباب. فلا يقتل النمل إلا إذا كان مؤذياً، كالنمل الأبيض الذي انتشر في الإسكندرية في هذه الأيام، وخاصة في بعض الأماكن يدمر البيوت، ويأكل الخشب، فهذا مؤذ فيقتل. فالنمل الذي يدخل البيوت ويأكل مدخرات الإنسان ويؤذيه بالقرص يجوز قتله، أما إذا كان الإنسان في أثناء الحرم فيدع النمل ولا يتعرض له؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك. ونهى أيضاً عن قتل النحلة، والنحلة النافعة للإنسان قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]. وكذلك الهدهد؛ لأنه صديق للفلاح، وليس مؤذياً للإنسان وفيه نفع، فقد نهى النبي ﷺ عن قتله، وكذلك الصرد، والهدهد لا ينتفع بلحمه، فلحمه ليس بطيب. والصرد: نوع من أنواع العصافير يقولون: إن منقاره أحمر أو أرجله حمراء، وكان العرب يتشاءمون منه، فكانوا بمجرد أن يروه يقتلونه للتشاؤم، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فالقدر بيد الله وحده. وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فأمر النبي بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟)، ففيه إشارة إلى أن قتل نملة واحدة كان كافياً. وفي رواية أخرى: (فهلا نملة واحدة؟!) أي: التي قرصتك. إذاً: فكل ما يؤذي الإنسان يجوز للإنسان أن يدفعه أو يقتله في الحل والحرم. وإذا احتاج المحرم إلى لبس ثياب أثناء الإحرام بسبب الحر، أو البرد، أو المرض، أو بسبب القتال، حتى يدافع عن نفسه، جاز له ذلك، وعليه الفدية. وإذا أراد حلق الشعر من رأسه أو غيره لأذى في رأسه، كقمل ملأ رأسه، ولا يستطيع أن يزيله إلا بحلق شعره كله، أو وسخ، أو غيره في شعره، أو في بدنه، أو حصلت مجاعة في أثناء الطريق ولم يجدوا شيئاً وخافوا أن يموتوا من الجوع وهم حجاج، جاز لهم أن يأخذوا صيداً فيقتلوه ويذبحوه ويأكلوه للضرورة، فإن الضرورات تبيح المحظورات، وعليهم جزاء الصيد بعد ذلك. وإذا نبت في عينه شعرة أو شعرات داخل الجفن، وتأذى بها، جاز قلعها، فلو أن شعرة من جفنه دخلت في عينه، وتأذى منها جاز أن يقلعها ولا شيء عليه. وكذلك لو كسر ظفره وبقي منه شيء يؤذيه جاز له أن يزيله، ولكن لا يقص باقي الأظفار.

стр. 215

دفع المحرم للصائل من صيد أو غيره ولو صال عليه صيد وهو محرم أو في الحرم، ولم يمكن دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فلا جزاء عليه، فمن صال عليك سواء كان حيواناً أو آدمياً جاز لك أن تدفعه عن نفسك، حتى ولو كنت في الحرم، فلو صال عليه صيد وهو محرم في أثناء الإحرام، كبقر وحشي أو غيره فإنه يدافع عن نفسه بأن يبتعد عن طريقه إذا استطاع، أو يقتله إذا كان لا يقدر إلا على ذلك. ولو أنه كان في الحرم وهجم عليه طير وآذاه جاز له أن يدفعه عن نفسه ولو بقتله، ولا شيء عليه. ولو أن إنساناً صال على المحرمين، سواء في الحل أو في الحرم، جاز أن يدفعوه بالأقل فالأكثر ولو وصل إلى القتل، ولو أنهم في الحرم وفي أثناء الصلاة وجاء إنسان يضربهم فيدفعون عن أنفسهم، كأن يأخذوه إلى الشرطة، أو يمنعوه، وإن لم يستطيعوا أن يمنعوه إلا بالضرب القاسي فعلوا ولا شيء عليهم. فالإنسان يدفع عن نفسه بالأقل فالأكثر، يقول أحد الإخوة: بينما نحن نصلي إذ جاء شخص يضرب المصلين في الحرم، حتى إنه أوقع أحدهم على الأرض ودرس عليه، ولم يدفعه أحد من الناس لكونهم في الحرم، وهذا من جهلهم، والأصل أنه إذا آذى أحدهم أو توقع منه ذلك وجب عليهم أن يدفعوه ويمنعوه من ذلك، ويخرجوه خارج المسجد الحرام، ويسلموه للشرطة ونحو ذلك، ولكن قد يجهل الإنسان بعض الأحكام الشرعية، فيترك مثل هذا الإنسان يؤذي الناس في الحرم، ولو أنه قتل إنساناً بسبب ترك الناس له لكانوا آثمين، ثم يقول هذا الأخ: فاضطررت أن أدفعه وقد خشيت أن يكون علي إثم، فنقول: ليس عليك إثم، فقد قال الله في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، أي: من حدث نفسه أن يؤذي أهل الحرم فإن الله توعده أن يذيقه من عذاب أليم، فكيف بمن فعل ذلك في الحرم. وإذا انبسط الجراد في طريقه وعم المساجد فلم يجد عنه معدلاً إلا بالمشي عليه فقتله فلا ضمان، فلو فرضنا أن الجراد كثر في الحرم، ولا يوجد طريق إليه إلا بالمشي على الجراد جاز أن يمشي عليه، ولا شيء عليه.
следующие страницы →