← Фикх общий

Фикх общий · id 36974

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (460 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تحريم الصيد على المحرم ويحرم عليه الصيد، أي: الصيد المأكول من الوحش والطير وغيره، قال الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، أما صيد البحر فليس محرماً في أثناء الإحرام، ولو أن المحرم وجد صيداً كغزالة في أثناء إحرامه وأمسكها فإنه لا يملكها بذلك؛ لأنه يحرم عليه أن يأخذها في إحرامه، فإذا كان في الحرم سواء كان حلالاً أو محرماً فإنه يحرم عليه أن يمسك أو أن يصيد الصيد، وإن هلك عنده هذا الصيد وجب عليه جزاء الصيد كما سيأتي. أما صيد البحر فحلال، سواء للحلال أو للمحرم، قال الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦] فصيد البحر حلال، وصيد البر حرام، قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]. والمراد بصيد البحر: ما يعيش في البحر كالسمك وغيره، فإذا كان يعيش في البر وفي البحر كبعض الطيور التي تنزل في البحر فإنه يغلب عليه التحريم، فيحرم على المحرم أن يصيد الطير الذي يطير في الهواء وينزل على الماء؛ لأنه من صيد البر، فإذا كان بحرياً فقط جاز له أن يصيده طالما أن عيشه كله في البحر. وإذا تلف الصيد بسبب المحرم أو تلف الصيد بسبب شيء في يد المحرم -لأن المحرم إما أن يتلف الصيد، أو يتسبب في ذلك- فلو كان في يده عصا يلعب بها، ثم جاء طائر فقتلته، فعليه جزاء الصيد؛ لأنه هو الذي فعل ذلك، وكذلك لو كان راكباً سيارته يسوقها في مكان فظهرت غزالة أو حماراً وحشي فقتله فإنه يكون عليه جزاء الصيد في ذلك. إذاً: إذا كان يقود سيارة، أو كان راكباً دابة أو سائقها أو قائدها فتلف الصيد بعضها أو برفسها ضمنه، وإذا كان راكباً على حصان وعض صيداً فقتله، أو داس عليه فقتله لزمه الجزاء. وإذا نفر المحرم صيداً فعثر وهلك بالعثار، أو أخذه في مغارة سبع، أو صدم بشجرة أو جبل أو غير ذلك لزمه الضمان، وهذا كله لأنه تسبب في قتل الصيد، فهو لم يتعمد في هذه الحالة أن يهلك الصيد، لكنه تسبب في ذلك، ولو أنه وجد طائراً على شجرة فجلس ينفره حتى طار الطائر من مكان إلى مكان آخر كان فيه ثعبان فأكله، فهذا المحرم هو الذي تسبب في ذلك، فعليه الجزاء. وإذا دل الحلال محرماً على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم، ولا ضمان على الحلال. وإذا كان المحرم في مكان في الحل كعرفات -وهي من الحل- وإنسان حلال موجود في هذا المكان، ودل المحرم على الصيد وأشار إليه فإذا بالمحرم يقتل هذا الصيد فإن الحلال يأثم؛ لأنه دله على ذلك، والمحرم عليه جزاء الصيد فضلاً عن الإثم فإنه آثم. والعامد والمخطئ والناسي والجاهل في ضمان الصيد سواء، أي: ليس هناك فرق بين من تعمد قتل الصيد أو أخطأ فقتله، أو نسي أنه محرم فقتله؛ لأنه في النهاية قتله. إذاًَ: ما قتل في الحرم يلزم الإنسان أن يدفع ثمنه، والذي يأثم في ذلك إنما هو العامد دون المخطئ والناسي، لكن على الجميع إذا فعلوا ذلك الجزاء.

стр. 212

حكم أكل المحرم من الصيد ويحرم على المحرم أكل صيد صاده هو أو أعان على اصطياده أو أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو خفية، وسواء إعارة ما يستغني عنه القاتل أم لا. والدلالة: مثل أن يكون المحرم في مكان حل، ومعه إنسان حلال في هذا المكان، وفي أثناء الطريق وجد المحرم صيداً فدل الحلال عليه فقتل الصيد هو، فلا يجوز للمحرم أن يشير إلى الصيد، فيحرم على المحرم أن يأكل من لحم ذلك الصيد. فقد جاء في حديث أبي قتادة قال: (انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، فبصر أصحابنا بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته هنا) أبو قتادة لم يحرم، والصحابة أحرموا، وبعد أن أحرموا نظروا فوجدوا أمامهم صيداً، فضحكوا، وقد ظهر لهم بعدما أحرموا، فانتبه أبو قتادة فوجد الصيد فذهب إليه ليقتله، يقول ﵁: (فحملت عليه الفرس، فطعنته فأثبته، واستعنت بهم فلم يعينوني) أي: أنه طعنه فجرحه جراحة مثبته وقف في مكانه، وثبت فيه، فقال: أعينوني، ناولوني شيئاً حتى أذبحه فرفضوا، قال ﵁: (فأكلنا منه، ثم لحقت برسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إنا اصطدنا حمار وحش وإنا عندنا فضلة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وهم محرمون). وفي رواية قالوا: (لا نعينك عليه بشيء إنا محرمون، وذكر أن النبي ﷺ قال: كلوه حلال). وفي رواية (أنه سألهم هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟)، وأما كونهم ضحكوا فهو شيء غلبهم، ولم يتعمدوا أن يضحكوا حتى ينتبه إلى أن هذا صيد، فـ أبو قتادة ﵁ اصطاد الصيد، ولما أكلوا منه قال لهم النبي ﷺ : كلوه حلال. وأيضاً جاء عن النبي ﷺ أنه طيب نفوسهم بأن أكل هو أيضاً منه ﵊، ففي رواية في صحيح البخاري قال: (هل معكم منه شيء؟ قال: فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها وهو محرم) والصيد الذي وجدوه ذكر في رواية أنه حمار وحشي، والحمار الوحشي يجوز أكله. إذاً: إذا كان المحرمون لم يدلوا الحلال على الصيد جاز لهم أن يأكلوا منه، فإذا كانوا هم الذين دلوه فلا يجوز لهم ذلك، فإذا فعلوا فلا يجوز لهم أن يأكلوا منه. وكذلك لو أن الإنسان شك هل هذا الذي صاد الصيد صاده من أجلي لأني محرم؟ أو حتى يأكل منه المحرمون؟ فإنه لا يجوز أن يأكل منه؛ لما سيأتي من حديث النبي ﷺ . وإذا كسر المحرم بيض صيد وقلاه فإنه يحرم عليه، فإذا وجد طائراً من الطيور في الحرم أو في غير الحرم وهو محرم، وقد باض الطير بيضاً فجاء المحرم وأخذ البيض وكسره وقلاه، فإنه لا يجوز له أن يأكله، ويكون قد أتلف شيئاً وعليه الجزاء، فيخرج قيمة البيض ويتصدق به لفقراء الحرم. ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو أن يتهبه، أي: أن المحرم إذا وجد إنساناً معه صيد فأراد أن يشتريه فإنه لا يجوز له ذلك، وكذلك لا يجوز له أن يطلب الصيد هدية أو هبة أيضاً. فقد جاء أن الصعب بن جثامة (أهدى إلى رسول الله ﷺ حمار وحش، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)، فـ الصعب بن جثامة ﵁ صاد حمار وحش، فأهداه للنبي ﷺ ، فكأن النبي ﷺ شكك، هل الصعب صاد هذا الحمار من أجلنا؟ لأنه إذا صاده من أجل المحرمين فلا يجوز لهم أن يأكلوا منه، فالمحرم يحرم عليه أن يصيد الصيد أو أن يأكل منه، فإذا صاده الحلال من أجل المحرمين امتنعوا، فليس لهم أن يأكلوا منه، فلذلك هنا في قصة الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي ﷺ حمار وحش، فرده النبي ﷺ ؛ لأنه شك أنه صاده من أجلهم، ولذلك قال ﷺ : (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)، ففرق بين قصة الصعب بن جثامة وبين قصة أبي قتادة. وقصة أبي قتادة واضحة في أنه لم يصده من أجلهم، ولكنه صاده ثم دعاهم إلى أن يأكلوا منه، ولم يعنه أحد عليه. وفي قصة الصعب بن جثامة: خشي النبي ﷺ أن يكون صاده من أجل المحرمين.

стр. 213

الأشياء التي يجوز للمحرم قتلها وفي أثناء الإحرام يجوز قتل أشياء مؤذية، تؤذي الحجيج وغيرهم، سواء كان محرماً في الحل، أو كان في الحرم. فيستحب قتل المؤذيات: كالحية، والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدب، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبق، والزنبور وأشباه هذه الأشياء، فكل شيء يؤذي الإنسان فيجوز له أن يقتله، سواء في الحل أو في الحرم؛ لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق)، فسماهن فواسق، والفسق: هو الخروج عن الطاعة، أو الخروج عن الشيء، ومتى خرج الإنسان عن طاعة الله سبحانه فهو فاسق. والفاسق في الحيوان هو الذي خرج عن المعهود والمألوف من كونه أليفاً، ومطيعاً إلى أن صار مؤذياً، ومنه أن يقال: فسقت الرطبة، فأنت حين تأتي بالرطب ثم تضغط عليها فتتزحلق البلحة من قشرتها، فيقال: فسقت أي: خرجت من قشرتها، فهنا كأنه خرج عن المألوف في أمثاله. فيقول النبي ﷺ في هذه الأشياء: (خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور)، فكل هذه الأشياء مؤذيات، فأمر النبي ﷺ بقتلها سواء في الحل أو في الحرم. ونحن نعرف عن بعضها أنها مؤذية، وبعضها لا نعرف عنها ذلك، فيقول لنا: يقتل الغراب، ومنه غراب الزرع، وليس مؤذياً، ومنه الغراب الأبقع، والغراب الأبيض وغير ذلك، مما يؤذي الحجيج، فقد كانوا يأتون راكبين على الجمال، فينزل الغراب وينقر في ظهر الجمل فينفر الجمل حتى يقع صاحبه على الأرض، فأمر النبي ﷺ بقتل مثل هذا الغراب، إذا إذاً: إذا كان الغراب غير مؤذ كغراب الزرع فلا يقتل، وأما إذا كان مؤذياً كبقية الغربان فيجوز قتله. وكذلك الحدأة فهي تخطف على الحجيج طعامهم وخاصة اللحوم. والعقرب يؤذي ويلدغ، والفأرة، والكلب العقور هذه كلها أمر النبي ﷺ بقتلها. وإذا كان بعض الحيوانات يمكن أن يؤخذ فيستأنس، مثل: الفهد، والبازي، والصقر، بحيث إنه يصير أداة للصيد بعد ذلك، فلا يستحب قتله، وأما إذا كان يؤذي فيقتله المحرم ولا فدية عليه؛ لأنه ليس صيداً. وفي حديث آخر ذكر النبي ﷺ أن هذه الخمس يقتلن في الحل والحرم، وجاء في حديث عائشة: (الوزغ فويسق)، فيكون السادس، إذاً مفهوم العدد الذي في هذا الحديث غير معمول به؛ فقد ذكر خمسة في هذا الحديث، وذكر في حديث آخر الوزغ أنه يقتل، فصار سادساً، فيجوز قتل الوزغ، وهي دابة من الدواب تشبه البرص، ولكنه نوع سام، فيجوز قتل الوزغ، وذكر النبي ﷺ في حديث آخر أن الوزغ كان ينفخ النار على إبراهيم من أجل أن يحرق، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وعن طارق بن شهاب: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر المحرم بقتل الزنبور، والزنبور: ذبابة كانت تقرص الحجيج فأمر بقتلها في الحرم. وجاء عن ربيعة بن أبي عبد الله بن هدير: أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقرد بعيراً له في طين بالسقيا وهو محرم، (يقرد): أي: ينزع القراد عنه، والقراد نوع من الدواب التي تؤذي البعير، فكان يخرجه ويزيله، ولا شك أنه بإزالتها سيحصل قتل لبعضها. ويجوز قتل الخنافس، والدود، والجعلان، والأبراص، والذباب، والبعوض، وكل هذه الأشياء التي تؤذي لا فدية فيها، ولا يحرم قتلها.

стр. 214

الدواب التي لا يجوز قتلها لكن الممنوع من قتله هو ما جاء عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدد، والصرد)، فهذه الأشياء طالما أنها لا تؤذيك فلا تتعرض لها، فإذا كنت محرماً ووجدت نملة أو مجموعة من النمل في الأرض فلا تتعرض لها، لكن لو أن النمل لدغك فقتلت التي لدغتك جاز ذلك، والنمل قد يكون فيه نفع، وقد يكون فيه أذى، لكن هذا الحديث فيه أنه نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد، ولم يقل في الإحرام ولا في غير الإحرام، فهو على العموم. والنمل أمة من الأمم خلقها الله ، والله لا يخلق شيئاً إلا لحكمة، فلو أن الإنسان حاول أن يقضي على كل النمل الموجود في الكون لأخل بالتوازن البيئي، فالنملة فيها منافع، ولذلك نهى النبي ﷺ عن قتله. وفي بعض البلاد يبيعون النمل ويشترونه، كاليمن فإنهم يحتاجون إليه من أجل أن بعض الفطريات التي تظهر على أشجار الموالح كالبرتقال،، واليوسفي وغيره، فالذي يقضي على هذه الأشياء هو النمل، فيحضرون النمل من الغابة ويضعون أغصاناً مليئة بالنمل فوق الجمال، ثم ينقلونها إلى السوق ويبيعونها، فمن اشترى منها شيئاً ذهب به إلى مزرعته فيدخل النمل على الأشجار فيقضي على الفطريات الموجودة عليها. ولذلك لم ينه النبي ﷺ عن قتل بعض الأشياء إلا لأن فيها منافع قد يجهلها الكثير من الناس، وقد يعلمها البعض، فالله حين ذكر النمل، وذكر وادي النمل، فيه دليل على أن له وادياً وله مكان فيه، وقد ذكر العلماء في النمل أشياء عجيبة جداً، فقالوا: إنه يشبه الإنسان في أشياء كثيرة في حياته، فهو يعيش في مجموعات فيها الملكة، وفيها الشغالة، وعندما يموت يدفن بعضه بعضاً بجنازة، وهذا عجيب جداً! فكما أن الإنسان يزرع فالنمل يزرع، وكما أن الإنسان يحلب فالنمل لها حيوانات تحلبها، تحضر لها السكر وغيره ثم تتأنى، كالإنسان يخرج بماشيته في الصباح من أجل أن ترعى ثم يحلبها في الليل، وكذلك تصنع النملة، فلم ينه النبي ﷺ عن قتلها إلا لسبب من الأسباب. فلا يقتل النمل إلا إذا كان مؤذياً، كالنمل الأبيض الذي انتشر في الإسكندرية في هذه الأيام، وخاصة في بعض الأماكن يدمر البيوت، ويأكل الخشب، فهذا مؤذ فيقتل. فالنمل الذي يدخل البيوت ويأكل مدخرات الإنسان ويؤذيه بالقرص يجوز قتله، أما إذا كان الإنسان في أثناء الحرم فيدع النمل ولا يتعرض له؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك. ونهى أيضاً عن قتل النحلة، والنحلة النافعة للإنسان قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]. وكذلك الهدهد؛ لأنه صديق للفلاح، وليس مؤذياً للإنسان وفيه نفع، فقد نهى النبي ﷺ عن قتله، وكذلك الصرد، والهدهد لا ينتفع بلحمه، فلحمه ليس بطيب. والصرد: نوع من أنواع العصافير يقولون: إن منقاره أحمر أو أرجله حمراء، وكان العرب يتشاءمون منه، فكانوا بمجرد أن يروه يقتلونه للتشاؤم، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فالقدر بيد الله وحده. وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فأمر النبي بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟)، ففيه إشارة إلى أن قتل نملة واحدة كان كافياً. وفي رواية أخرى: (فهلا نملة واحدة؟!) أي: التي قرصتك. إذاً: فكل ما يؤذي الإنسان يجوز للإنسان أن يدفعه أو يقتله في الحل والحرم. وإذا احتاج المحرم إلى لبس ثياب أثناء الإحرام بسبب الحر، أو البرد، أو المرض، أو بسبب القتال، حتى يدافع عن نفسه، جاز له ذلك، وعليه الفدية. وإذا أراد حلق الشعر من رأسه أو غيره لأذى في رأسه، كقمل ملأ رأسه، ولا يستطيع أن يزيله إلا بحلق شعره كله، أو وسخ، أو غيره في شعره، أو في بدنه، أو حصلت مجاعة في أثناء الطريق ولم يجدوا شيئاً وخافوا أن يموتوا من الجوع وهم حجاج، جاز لهم أن يأخذوا صيداً فيقتلوه ويذبحوه ويأكلوه للضرورة، فإن الضرورات تبيح المحظورات، وعليهم جزاء الصيد بعد ذلك. وإذا نبت في عينه شعرة أو شعرات داخل الجفن، وتأذى بها، جاز قلعها، فلو أن شعرة من جفنه دخلت في عينه، وتأذى منها جاز أن يقلعها ولا شيء عليه. وكذلك لو كسر ظفره وبقي منه شيء يؤذيه جاز له أن يزيله، ولكن لا يقص باقي الأظفار.

стр. 215

دفع المحرم للصائل من صيد أو غيره ولو صال عليه صيد وهو محرم أو في الحرم، ولم يمكن دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فلا جزاء عليه، فمن صال عليك سواء كان حيواناً أو آدمياً جاز لك أن تدفعه عن نفسك، حتى ولو كنت في الحرم، فلو صال عليه صيد وهو محرم في أثناء الإحرام، كبقر وحشي أو غيره فإنه يدافع عن نفسه بأن يبتعد عن طريقه إذا استطاع، أو يقتله إذا كان لا يقدر إلا على ذلك. ولو أنه كان في الحرم وهجم عليه طير وآذاه جاز له أن يدفعه عن نفسه ولو بقتله، ولا شيء عليه. ولو أن إنساناً صال على المحرمين، سواء في الحل أو في الحرم، جاز أن يدفعوه بالأقل فالأكثر ولو وصل إلى القتل، ولو أنهم في الحرم وفي أثناء الصلاة وجاء إنسان يضربهم فيدفعون عن أنفسهم، كأن يأخذوه إلى الشرطة، أو يمنعوه، وإن لم يستطيعوا أن يمنعوه إلا بالضرب القاسي فعلوا ولا شيء عليهم. فالإنسان يدفع عن نفسه بالأقل فالأكثر، يقول أحد الإخوة: بينما نحن نصلي إذ جاء شخص يضرب المصلين في الحرم، حتى إنه أوقع أحدهم على الأرض ودرس عليه، ولم يدفعه أحد من الناس لكونهم في الحرم، وهذا من جهلهم، والأصل أنه إذا آذى أحدهم أو توقع منه ذلك وجب عليهم أن يدفعوه ويمنعوه من ذلك، ويخرجوه خارج المسجد الحرام، ويسلموه للشرطة ونحو ذلك، ولكن قد يجهل الإنسان بعض الأحكام الشرعية، فيترك مثل هذا الإنسان يؤذي الناس في الحرم، ولو أنه قتل إنساناً بسبب ترك الناس له لكانوا آثمين، ثم يقول هذا الأخ: فاضطررت أن أدفعه وقد خشيت أن يكون علي إثم، فنقول: ليس عليك إثم، فقد قال الله في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، أي: من حدث نفسه أن يؤذي أهل الحرم فإن الله توعده أن يذيقه من عذاب أليم، فكيف بمن فعل ذلك في الحرم. وإذا انبسط الجراد في طريقه وعم المساجد فلم يجد عنه معدلاً إلا بالمشي عليه فقتله فلا ضمان، فلو فرضنا أن الجراد كثر في الحرم، ولا يوجد طريق إليه إلا بالمشي على الجراد جاز أن يمشي عليه، ولا شيء عليه.

стр. 216

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما يجب على من أتى محظوراً من محظورات الإحرام إن من كرم الله تعالى ورحمته بعباده أن فتح لهم أبواباً يجبرون من خلالها النقص الحاصل منهم في أداء عبادة ما. فالحج مثلاً فيه محظورات يجب على الحاج اجتنابها، حتى يعطى أجره كاملاً، ويسلم من الوزر، ثم لما كان الخطأ وصمة لازمة للإنسان شرعت عدة كفارات لكل محظور بحسبه، فاللهم لك الحمد على فضلك العظيم.

стр. 217

حكم من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. روى البخاري ومسلم عن يعلى بن أمية ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر رأسه ولحيته، فقال: يا رسول الله! أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فقال: اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعاً في حجك فاصنع في عمرتك). فهذا الرجل جاء إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، والجعرانة: ميقات للإحرام بالعمرة، وهي من الحل وقد أحرم منها النبي ﷺ بالعمرة في عام حنين عام فتح مكة. والتنعيم: مكان آخر من الحل أحرمت منه أم المؤمنين عائشة رضي الله ﵎ عنها بالعمرة، فهذا الرجل جاء إلى النبي ﷺ وهو في الجعرانة، وكان عليه جبة، والمحرم لا يجوز له أن يلبس الجبة، ولذلك أمره النبي ﷺ بنزعها، وكان مصفراً رأسه ولحيته، أي: كان واضعاً طيباً على رأسه ولحيته مما جعل اللحية والرأس صفراء وفيها رائحة الطيب، فقال له: (اغسل عنك الصفرة، وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعاً في حجك فاصنع في عمرتك)، فأمره النبي ﷺ بإزالة هذه الأشياء التي لا يجوز له أن يلبسها في الإحرام. فهذا الرجل كان جاهلاً، فلم يأمره النبي ﷺ بفدية لجهله، إذاً إذا فعل الإنسان شيئاً من محظورات الإحرام جاهلاً بتحريم ذلك، كأن تطيب، أو لبس، أو دهن رأسه أو لحيته جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، إلا أنه ينزع عنه هذه الأشياء التي وضعها. فإن ذكر ما فعله ناسياً، أو علم ما فعله جاهلاً لزمه المبادرة حالاً فينزع عنه الجبة التي يلبسها، ويزيل عنه أثر الطيب ويغسله، ولا شيء عليه، فإذا شرع في الإزالة وطال الزمن فلا شيء عليه، فلو فرضنا أنه استمر في غسل الطيب ولم تزل الرائحة موجودة وأخذت منه وقتاً فلا شيء عليه. لكن إذا أخر الإزالة فيحرم عليه ذلك، كأن يقول: عندما أعود سوف أخلع الجبة، فيكون بهذا قد تعمد اللبس مع معرفته بالحرمة، أو أخر إزالة الطيب كأن قال: عندما أعود سوف أزيل الطيب، مع إمكان إزالته حالاً، ففي هذه الحالة تلزمه الفدية؛ لأنه أخر الإزالة بلا عذر، وإن تعذر عليه إزالة الطيب أو اللباس -أي: أنه مع وجود العذر- فلا شيء عليه، فإذ أبطأ إنسان أو كان بيده علة أو غير ذلك، فلم يستطع أن يغسل أثر الطيب، كأن تكون يده مقطوعة، أو كلتا يديه مقطوعة، فإن انتظر حتى يفعل له شخص آخر ذلك فهو معذور ولا شيء عليه، ومتى تمكن ولو بأجرة لزمه أن يبادر إلى ذلك. ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيباً فلا شيء عليه، أي: أنه يعرف أن وضع الطيب في الإحرام حرام، لكنه وجد زجاجة ولا يعرف ما بداخلها، فإذا أمسكها وشمها فخرج منها طيب على أنفه أو يده فلا شيء عليه، إلا أنه يلزمه إزالته في الحال. وإذا مس طيباً يظنه يابساً فكان رطباً فلا فدية، أي: لو أن رجلاً رأى قطعة طيب فظنها يابسة فأراد أن ينقلها من مكان إلى مكان آخر، فلزق بيده الطيب غسله حالاً ولا شيء عليه. وإذا حلق الشعر أو قلم الظفر ناسياً الإحرام أو جاهلاً تحريمه فلا فدية على الأرجح في ذلك، أي: أن الإنسان إذا نسي فأخذ الشفرة وحلق شعره ناسياً لإحرامه، أو جاهلاً لحكمه، ومثله يجهل ذلك، كرجل لا يعرف أحكام الإحرام، ومع جعله يجهل أن قص الشعر حرام في أثناء الإحرام، فإن كان جاهلاً حقاً فالراجح أنه لا شيء عليه؛ لقول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). والمغمى عليه والمجنون والصبي الذي لا يميز إذا أزالوا في إحرامهم شعراً أو ظفراً فلا فدية، وفرق بين الصبي الذي لا يميز والصبي المميز، فالمميز نقول: عليه الفدية احتياطاً لخلاف العلماء في ذلك، أما غير المميز فحكمه حكم المجنون. وإذا جامع المحرم قبل التحلل من العمرة، أو قبل التحلل الأول من الحج ناسياً لإحرامه أو جاهلاً فالراجح أنه لا يفسد نسكه، مثاله: لو أن رجلاً في أثناء إحرامه بالعمرة أو في أثناء إحرامه بالحج رجع إلى الفندق ونسي، فجامع أهله، أو فعله وهو جاهل لتحريمه، ومثله يجهل ذلك، فعلى الراجح أنه لا شيء عليه، ولا يفسد نسكه. وإذا حلق الحلال أو المحرم شعر محرم بغير إذنه، كأن جاء رجل حلال فقص شعره، أو جاء محرم آخر فقص شعره، فإن كان نائماً أو مكرهاً أو مجنوناً أو مغمى عليه فالفدية تجب على من حلقه، أي: على من فعل به ذلك؛ لأنه انتهك الإحرام وعصى الله بما صنع، فالفدية على الفاعل، سواء كان محرماً أو كان حلالاً. ولو حلق محرم رأس حلال جاز ذلك، فلو فرضنا أن محرماً أثناء الإحرام حلق لحلال شعره جاز له ذلك؛ لأنه لم يفعل معصية.

стр. 218

أمور يجوز للمحرم فعلها ولا شيء عليه ويكره حك الشعر، ويكره مشط رأسه ولحيته، فالحاج هو الإنسان الأشعث الأغبر لا يحتاج إلى مثل ذلك، لكن إن احتاج وفعل فلا يتعمد أن ينزع شيئاً من الشعر، فله أن يحك بدنه أو رأسه عند الحاجة، ولكن برفق؛ لئلا ينزع شيئاً من الشعر. ولو أنه احتاج أن يحتجم في أثناء إحرامه من أجل التداوي مثلاً، مع أنه توجد الآن أدوية تغني عن ذلك، فليجعل الحجامة بعد أن ينهي الإحرام، لكن لو احتاج في أثناء الإحرام وكانت هذه هي الوسيلة لهذا العلاج وأراد أن يحلق شيئاً من الشعر من أجل أن يحتجم جاز ولا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرم صلوات الله وسلامه عليه، ولن يتم هذا الاحتجام إلا بأن يزيل بعضاً من الشعر. وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره، أي: لو أنه دلك شعر رأسه فسقط شيء من شعره فلا شيء عليه، سواء في ذلك الرجل والمرأة. ويفتصد إذا احتاج إلى ذلك، والفصاد: هو أخذ الدم من العرق، وله أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق، وكذلك لغير الجنابة، وجاء عن عائشة ﵂ وكانت تسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فتقول: (نعم فليحككه وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجليّ لحككته) أي: أنه جائز ولا شيء في ذلك. ويحرم الاكتحال بكحل فيه طيب، أما الاكتحال بما لا طيب فيه فلا يحرم، ويكره للمحرمة الاكتحال بالإثمد أشد من كراهته للرجال؛ لأن المرأة تضع الكحل في عينيها زينة، فيكون فيه فتنة للرجال، وخاصة إذا كانت بغير نقاب، وإذا كانت في الإحرام في وسط الرجال فإنها تسدل على وجهها، ولعلها في أثناء رفع ما سدلته على وجهها يراها أحد فتكون فتنة، فعلى ذلك يكره لها ذلك، فإذا صارت فتنة فلا يبعد أن يحرم عليها ذلك. فإن اكتحل رجل أو امرأة فلا فدية، وقد جاء عن عثمان عن رسول الله ﷺ قال في المحرم يشتكي عينيه: (يضمدها بالصبر) أي: يضعه في العين، أما الآن فتوجد مراهم وقطرات وغيرها تغني عنه. وعن شميسة قالت: اشتكت عيناي وأنا محرمة، فسألت عائشة أم المؤمنين عن الكحل فقالت: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد، أو قالت: غير كل كحل أسود، أي: خشية الزينة، أما إنه ليس بحرام، ولكنه زينة. عائشة تقول ذلك، ونحن نكرهه، وقالت: إن شئت كحلتك بصبر، قالت: فأبيت. وللمحرم أن يغتسل في الحمام وغيره، وقد جاء في الصحيحين عن أبي أيوب قال: (رأيت رسول الله ﷺ يغتسل وهو محرم)، فالاغتسال جائز أثناء الإحرام، وله أن يغسل رأسه بالصابون؛ لما جاء عن النبي ﷺ في المحرم الذي خر من ناقته قال: (اغسلوه بماء وسدر) والسدر مثل الصابون، وهو ورق النبق، فعندما يطحن ويدق ويوضع في الماء تكون له رغوة مثل الصابون، وينظف، فيجوز استخدام السدر، والصابون يشبهه، فجاز استخدام أي نوع من الصابون، إلا أن يكون فيه نوع من الطيب الذي يلصق ولا يذهب إذا غسل يده بالماء، فلا يستخدمه المحرم لذلك. وللمحرم أن يحتجم ويتداوى ولا فدية؛ لما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك. وله أن يستظل سائراً ونازلاً في أثناء إحرامه، بأن يضع شمسية على رأسه، وهذا جائز، ففي الحديث تقول أم الحصين: (رأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر، رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة)، إذاًَ: فالنبي ﷺ أثناء الإحرام كان يستظل من حر الشمس.

стр. 219

أمور ينبغي للمحرم تركها والابتعاد عنها وينبغي أن ينزه إحرامه من الشتم، والكلام القبيح، والخصومة، والمراء والجدال، ومخاطبة النساء بما يتعلق بالجماع، والقبلة ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع. ويستحب للمحرم الإكثار من ذكر الله، فلا يضيع الوقت؛ لأنه عظيم جداً، وإن كانت أيام العمرة قليلة، إلا أنها لو استغلت في ذكر الله وفي العمل الصالح لكان أولى وأجمل من أن تضيع في اللهو والعبث، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] قال ابن عباس: الفسوق: المنابزة بالألقاب، فهي من الفسوق، والفسوق هو المعصية والخروج عن الطاعة، ومن ذلك المنابزة بالألقاب، وهي أن تدعو أخاك باسم يكرهه. قال: وأن تقول لأخيك: يا ظالم! يا فاسق! والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه، والمراء: هو الجدال، وبعض الناس، يكثر من الجدال في الحج بحجة أنه يظهر مسائل علمية، فيجادل بها للجدال فقط، فالحج ليس لمثل هذا، أما إذا احتجت للجدل دفاعاً عن الدين واحتاج الناس إلى ذلك فافعل، أما المراء للمراء فلا يجوز. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه). وفي الحديث الآخر: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) أي: فليقل كلاماً فيه خير، أو ليسكت، ولا بأس بالكلام المباح من شعر وغيره، وإذا تكلم بكلام يسلي نفسه في أثناء إحرامه كأشعار تهيج على الحج، وعلى عبادة الله ، وغير ذلك، فإنه جائز، وفي الحديث قال النبي ﷺ : (إن من الشعر لحكمة) وقال: (الشعر كلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه)، ولا بأس بنظر المحرم في المرآة، فإذا احتاج أن ينظر في المرآة لكي يصلح ثيابه ونحو ذلك فلا شيء عليه، سواء في ذلك الرجل والمرأة. ويستحب كون الحاج أشعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] والتفث: هو ما في رءوسهم وثيابهم من أوساخ وغير ذلك، وشعث الرأس: هو تفرق شعر الرأس، وكذلك الأشعث هو الذي لا يهتم بترجيل شعره لانشغاله بالمناسك. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: (إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً) وأيضاً الأشعث هو الذي لا يهتم بالزينة، والأغبر: هو الذي عليه غبار السفر، والمرأة كالرجل في ذلك إلا ما أمرت به من الستر، والأستر لها أن تخفض صوتها بالتلبية، ولها أن تلبس الجلباب والقميص ونحو ذلك.

стр. 220

الفروق بين الرجال والنساء في هيئة الإحرام أركان الحج والعمرة هي للرجال والنساء، ولكن هيئة الإحرام يختلف فيها الرجل عن المرأة في أشياء: فالمرأة تخالف الرجل في أنها مأمورة بلبس المخيط؛ لأنه أستر لها، فعليها أن تستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، إلا إذا مرت بالرجال الأجانب فإنها تسدل على وجهها وتغطي يديها بثوبها. الثاني في مخالفتها للرجل: أنها مأمورة بخفض صوتها بالتلبية، بعكس الرجل فإنه يرفع صوته، والمرأة ترفع شيئاً، ولكن لا ترفع حتى يسمع الرجال. الثالث: أن إحرامها في وجهها، ومعنى الإحرام في الوجه: أنها لا تلبس نقاباً على الوجه، وإنما غايتها إذا كانت أمام الرجال سترت وجهها بشيء، كالطرحة وغيرها حتى يمضي الرجال، أو حتى تنصرف إلى مكان ليس فيه رجال. وإن سترت وجهها لغير سبب لزمتها الفدية، ولو أن المرأة جلست في الفندق مع النساء ووضعت النقاب على وجهها لزمها الفدية؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، ولو أنها لبست القفازين في يديها لزمتها الفدية، أما أمام الرجال فلا تضع نقاباً ولا قفازين، وإنما تستر بالسدل على الاثنين. الرابع فيما تخالف فيه المرأة الرجل: أنها يستحب لها الخضاب، وهو وضع الحناء على يديها بحيث تستر جلد اليدين بذلك، فلو انكشفت يدها كان الحناء كساتر رقيق عليها، والرجل منهي عن ذلك.

стр. 221

الفروق بين الرجل والمرأة في الطواف والسعي وكذلك المرأة تخالف الرجل في هيئات الطواف والسعي، ومنها: أولاً: الرمل، ومعناه: أنه يسعى قليلاً كهيئة الذي يجري، فهذا يشرع للرجل ولا يشرع للمرأة. ثانياً: الاضطباع، وهو أن يكشف الرجل عن منكبه الأيمن، أما المرأة فلا يجوز لها ذلك، لكن لا تنتقب ولا تلبس القفازين. ثالثاً: يستحب للمرأة أن تطوف في الوقت الذي تظن خلو الحرم فيه، سواء كان بالليل أو بالنهار، لكن إذا كان الليل مثل النهار في الزحام طافت في أي وقت حتى لا يفوتها. رابعاً: يستحب للرجل أن يدنو من الكعبة، أما المرأة فإذا كان دنوها من الكعبة سيجعلها تختلط بالرجال فلا تفعل. خامساً: تمشي المرأة بين الصفا والمروة ولا تسعى، أما الرجل فيسعى بين الميلين. سادساً: الحلق في حق الرجل أفضل، بينما التقصير في حق المرأة أفضل، ولا يجوز لها أن تحلق شعرها.

стр. 222

المحظورات التي تلزم فيها الفدية والفدية لازمة لمن حلق شعره، أو قلم أظفاره، قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: هو مخير بين هذه الأشياء: فإذا أنسك بشاة ذبحها وتصدق بها على فقراء الحرم. وإذا تصدق بطعام فإنه يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين، والصاع اثنان كيلو ونصف، والثلاثة الآصع سبعة كيلو ونصف، فيتصدق بهذه الثلاثة الآصع على ستة مساكين، بحيث يعطي كل مسكين كيلو وسدساً. وإذا أنسك بصيام فإنه يصوم ثلاثة أيام. وفي الصحيحين عن كعب بن عجرة ﵁ قال: (نزلت في خاصة -يعني: هذه الآية- وهي لكم عامة، حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى) أي: ما كنت أظن أن الوجع وصل بك إلى هذا الأمر؛ لأنه مع كثافة شعره دخل القمل فيه وكثر حتى آذاه، فحمل حملاً إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقال النبي ﷺ : (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، هل تجد شاة؟ فقلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع) أي: أعط كل مسكين نصف صاع. فإذا تصدق بطعام وجب عليه أن يعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا فعل أكثر من ذلك كان أفضل، وإذا أطعم المسكين وجبة كاملة من الطعام الذي يأكل منه فهو أفضل من إعطائه نصف الصاع، لكنه أقل ما يعطي للفقير. فإذا حلق شعرة واحدة أو شعرتين فيجب في شعرة مد، أي: لو أنه قطع شعرة من رأسه فيجب فيها مد، أي: قبضة من طعام، فيملأ يديه الاثنتين بشيء من الطعام ويعطيه للفقراء، وفي شعرتين مدان، وفي ثلاث شاة. والظفر كالشعرة والظفران كالشعرتين، أي: إذا قص ظفراً واحداً وجب عليه أن يعطي لمسكين مداً من طعام، وإذا قص ظفرين وجب أن يعطي لمسكينين مدين من طعام، وإذا قص ثلاثة أظفار فعليه شاة في ذلك. وإذا حلق شعر رأسه وبدنه فتجب فدية واحدة. إذاً: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة:١٩٦] معناه: أن من كان مريضاً فارتكب محظوراً كأن لبس ثياباً؛ عمامة، أو قميصاً أو سروالاً، أو فانيلة، أو رداءً بسبب مرضه، فإن عليه فدية واحدة في ذلك؛ لأنه من جنس واحد. ولو حلق شعر رأسه وشعر بدنه لم تلزمه إلا فدية واحدة. وتجب الفدية بتعمد إزالة ثلاث شعرات متواليات، سواء شعر الرأس أو البدن، وسواء فعل ذلك بالنتف، أو الإحراق، أو الحلق، أو التقصير، أو الإزالة، أو غير ذلك. وإذا تطيب في بدنه أو ثوبه، أو لبس المخيط في بدنه، أو غطى رأسه أو شيئاً منه، أو دهن رأسه أو لحيته، أو باشر فيما دون الفرج فعليه الفدية. ولو أن رجلاً لبس مخيطاً، أو غطى رأسه، أو دهن لحيته ورأسه بطيب، أو باشر أهله بشهوة من غير جماع فإنها تلزمه الفدية، سواء طيب عضواً كاملاً أو بعضه، وسواء استدام اللبس كأن لبسه يوماً أو لبسه لحظة. والفدية: إما ذبح شاة فيذبحها ويتصدق بها على فقراء الحرم، وسواء ذبح الشاة، أو وكل من يقوم بذلك، فالذي يذهب إلى بنك الراجحي مثلاً ويدفع شيكاً ثمن الشاة ويذبحونها عنه فيجوز له ذلك. وإما صيام ثلاثة أيام، وإما التصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين. والله أعلم.

стр. 223

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - ما جاء في صفة العمرة حرم إبراهيم خليل الرحمن مكة فجعله الله تشريعاً، وحرم نبينا ﵊ خليل الرحمن المدينة، فلا يعضد شوكها، ولا يختلى خلالها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. وقد وردت الأحاديث العديدة في فضل هاتين البقعتين من الأرض، فكان لزاماً على المسلم التأدب بآداب الشرع فيهما، وعدم انتهاك ما حرمه الله ورسوله فيهما.

стр. 224

حرم المدينة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وصلنا في الحديث السابق إلى حرم مكة، وذكرنا ما فيه من أحاديث عن النبي ﷺ ، وفيها: أن الله حرم مكة ولم يحرمها أحد من خلقه، وأنها لم يحل فيها القتال لأحد قبل النبي ﷺ ، ولا يحل لأحد من بعده ﵊، وأنه ما حل له إلا ساعة من نهار صلوات الله وسلامه عليه، وأن التحريم من الله سبحانه حين خلق السماوات والأرض، وأظهر هذا التحريم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دعائه لمكة. وكذلك الله سبحانه ﵎ حرم المدينة على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه بدعائه، فشرفها وحرم ما بين جبليها طولاً، وما بين لابتيها عرضاً، ولابتا المدينة -لابة عن اليمين ولابة عن الشمال- أرض مكسوة بحجارة سوداء، توجد واحدة في شرق المدينة والأخرى في غربها، فحرم المدينة ما بين جبلي المدينة من عير إلى ثور، وهما جبلان: جبل في شمال المدينة، وجبل في جنوبها، ومن الشرق والغرب ما بين اللابتين المذكورتين في حديث النبي ﷺ ، لابة شرقاً، ولابة غرباً. فقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في ذلك محصلها، أنه يحرم صيد المدينة، وقطع شجرها، مثل حرم مكة، فلا يجوز الصيد فيها، ولا قطع شجر الحرم، وكذلك حرم المدينة لا يجوز الصيد فيها، ولا قطع شجرها.

стр. 225

ما جاء في حرم المدينة من الأحاديث الواردة في ذلك: ما ورد في الصحيحين عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور) وعير: جبل في المدينة. قال أبو عبيد وغيره: عير، ويقال: عائر؛ جبل معروف في المدينة، قالوا: وأما ثور فلا يعرف أهل المدينة جبلاً يقال له: ثور، إنما ثور جبل بمكة، وكونهم لا يعرفون جبلاً بهذا الاسم في هذا الوقت لا يمنع أن يكون معروفاً قبل ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال ذلك، إذاً كان هناك جبل اسمه ثور وكأن هذا الجبل تغير اسمه بعد ذلك، فصار أهل المدينة لا يعرفون جبلاً فيها بهذا الاسم، الذي هو اسم ثور، لكن ذكره من قبل النبي ﷺ في الحديث دليل على أنه كان معروفاً قبل ذلك. وجاء في حديث آخر متفق عليه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما بين لابتيها حرام)، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعاً قال النبي ﷺ : (اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرماً، وإني أحرم ما بين مأزميها ألا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف)، إذاً وضح النبي ﷺ أن المدينة حرام ما بين مأزميها، وفي رواية أخرى: (ما بين لابتيها) وفي الثالثة: (ما بين عير إلى ثور)، ولذلك ذكر العلماء حدها بأربعة حدود: حد من المشرق وحد من المغرب، وهما اللابتان، وحد من الشمال وحد من الجنوب، وهما الجبلان اللذان ذكرهما النبي ﷺ عيراً وثوراً. ثم قال ﷺ يظهر هذا التحريم: (ألا يهراق فيها دم)، فإذا كان هذا دم صيد فإن دم الآدمي من باب أولى. (ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف) إذاً شجر المدينة لا يخبط، وخبط الشجر بمعنى: أن يضرب على أغصان الشجر من أجل أن تتساقط الأوراق فتأكل منه الدواب، فالجائز هو أن يخبط لإطعام البهائم، أما أن تكسر الأشجار أو أغصانها، فمثلما هو حرام في مكة كذلك هو حرام في المدينة، ولكن في مكة جزاء الصيد، هو أن ينحر أو يهدي هدياً، وأما في المدينة فالجزاء شيء آخر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد)، فإبراهيم ﵇ أظهر التحريم في مكة، والنبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، فدعا ربه وأظهر هذا التحريم الذي أراده الله سبحانه في المدينة. قال: (لا ينفر صيدها)، إذاً صيد المدينة آمن مثل صيد مكة. (ولا يعضد شجرها)، إذاً لا يكسر الشجر الذي في المدينة، كما لا يكسر الذي في مكة. (ولا يختلى خلاها)، الخلا: هو الحشيش الذي على الأرض، وهو العشب، والكلأ، فلا يجوز لأحد أن يقطعه لغير سبب، إنما يجوز أن يرعى ويرتع فيه دواب الحرم. (ولا تحل لقطتها إلا لمنشد) إذاً اللقطة في المدينة لا تتملك مثل لقطة مكة، وإنما يلتقطها ليعرفها بأن يرفع صوته بالمناداة، أو بأي نوع من التعريف.

стр. 226

جزاء من انتهك حرمة المدينة في مكة إذا صاد أحدهم صيداً فإنه ينظر في هذا الصيد ويذبح مثله إن كان له مثل، يقول الله سبحانه ﵎: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] فيذبح ما هو مثله من بهيمة الأنعام كالبقرة أو الشاة أو المعز، أو نحو ذلك مما جاء في سنة النبي ﷺ ، أو جاء عن الصحابة أنهم أفتوا في ذلك، وحكموا به، فإذا كان غير ذلك فالقيمة كالبيض ونحوها. أما في المدينة فلا يوجد هدي، وإنما من فعل ذلك فيها فإنه يسلب، أي: يؤخذ ما معه من نقود وثياب، ويترك له ما يستر به عورته فقط، جزاء له؛ لأنه انتهك حرمة المدينة، ويأخذ هذا السلب ويستحقه من أنكر عليه. ففي حديث رواه مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق -وهو واد في ذي الحليفة، أمر النبي ﷺ أن يصلي فيه- فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه، أي: أخذ ما معه من أشياء وما عليه من ثياب، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ منه؛ لأن الذي على العبد ليس له وإنما لسادته؛ ولذلك جاءوا إلى سعد وطلبوا منه: أن رد علينا الذي أخذته من عبدنا، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليهم. فبين سعد بن أبي وقاص هنا أن النبي ﷺ هو الذي قال ذلك وأمر به. إذاً: فالمدينة حرم آمن، والنبي ﷺ أظهر هذا التحريم، وأخبر أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، وما بين لابتيها، فمن أحدث فيها حدثاً استحق أن يسلب.

стр. 227

أسماء مكة والمدينة مكة والمدينة لهما أسماء، وكثرة الأسماء للشيء أو المكان تدل على شرف هذا المكان.

стр. 228

أسماء مكة فمكة لها حوالي ستة عشر اسماً تطلق عليها، فمن أسمائها: الأول: مكة: وقيل سميت كذلك لقلة مائها، وبكة أيضاً بالباء قيل: لقلة الماء الذي فيها. وقيل: سميت مكة لأنها تمك الذنوب، بمعنى: تذهب الذنوب؛ لأن الذي يذهب إلى هناك في حج أو عمرة فإن الله ينفي عنه ذنوبه، وهو مأخوذ من امتك الفصيل ضرع أمه، أي: امتص وأخذ منه. الثاني: بكة، قيل: لازدحام الناس فيها، أي: يبك بعضهم بعضاً، ويزحم ويدفع بعضهم بعضاً في زحمة الطواف. وقيل: لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي: تدق أعناق الجبابرة. وقيل: مكة وبكة اسمان للبلدة. الثالث: تسمى أم القرى، وجاء عن النبي ﷺ مثل ذلك في التسمية، والله سبحانه ﵎ ذكرها بهذا الاسم، وكلمة (قرية) معناها: مجتمع الناس، فتطلق القرية على البلدة التي اجتمع الناس بداخلها، فأم القرى أي: أم البلدان. الرابع: تسمى أيضاً: البلد الأمين، وقد ذكره الله في كتابه. الخامس: تسمى برحم، وكأنها من المراحمة، ففيها يتراحم الناس ويتآلفون ولا يقاتلون. السادس: تسمى أيضاً: صلاح، وهو مبني على الكسر كقطام ونحوها، وسميت بذلك لأنها مكان الصلاح الذي فيه الأمن. السابع والثامن والتاسع: تسمى: الباسة، والناسة، والنساسة. الباسة: لأنها تبس من ألحد فيها، بمعنى: تحطم من ألحد فيها؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، فالذي يريد الحرم بأذى فالله يعذبه في الدنيا قبل الآخرة، فالباسة بمعنى المحطمة، كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٥] بمعنى: حطمت وفتت وذرت. وتسمى: الناسة والنساسة، وكأنها تطرد من جاء إليها يلحد ويعصي الله سبحانه ﵎، وقيل: إنها سميت بذلك لقلة مائها، من نس بمعنى: يبس لقلة الماء الذي فيه. العاشر: تسمى: الحاطمة؛ لكونها تحطم الملحدين. الحادي عشر: تسمى: الرأس؛ لشرفها فإنها أم القرى ورأس البلدان. الثاني عشر: تسمى: كوثا، وهذه تسمية قديمة كانت تسمى بها، وهي تسمية موجودة في كتب التواريخ. الثالث عشر: تسمى أيضاً: العرش، وكأنها مأخوذة من العريش؛ لأن أكثر بيوتها في الماضي كانت مبنية من أخشاب منصوبة وعليها أقمشة وستائر، فكانت مكة تسمى بالعرش، وبيوتها عرش مكة. الرابع عشر: تسمى: القادس والمقدسة، وهذا من التقديس أي: البلدة المطهرة. الخامس عشر: تسمى أيضاً: البلدة، وهو علم عليها.

стр. 229

أسماء المدينة تسمى المدينة بأسماء منها: المدينة، وطيبة، وطابة، والدار. قال الله : ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٠]. وقال: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون:٨]، ويقال عنها: بلد النبي ﷺ ، ومدينة النبي ﷺ . وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى سمى المدينة طابا)، وجاء في مسند أحمد (أنه سماها طيبة)، وطابا وطيبة أصلهما من التطييب، وهو: الطاهر، لخلوصها من الشرك وطهارتها، أي: ليس فيها شرك بالله ، أو من طيب العيش بها، أو من الطيب وهو الرائحة الحسنة. وسميت أيضاً: الدار، فأهل الدار والإيمان الذين نزلوا فيها هم أهلها أهل المدينة من الأنصار رضوان الله ﵎ عليهم. وكان لها اسم في الماضي، فقد كانت تسمى يثرب، وهو من التثريب: وهو التوبيخ، فكأنها كانت بلداً فيه شيء من الوباء ونحوه، فكان من ينزل بها يصاب بهذا الوباء، وكان النبي ﷺ يكره هذا الاسم، فلم يكن يحب أن يسميها به.

стр. 230

صفة العمرة ندخل الآن في صفة العمرة؛ لأن الذاهب إلى هناك إما أن يذهب للعمرة فقط، أو يذهب ليعتمر ثم يتمتع بالعمرة إلى الحج، ويأتي بالحج بعد ذلك، فالذاهب إلى هناك الغالب أنه يبدأ بالعمرة، فقدمنا الكلام عن العمرة على الكلام عن الحج.

стр. 231

دخول مكة والمسجد الحرام عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى) والثنية: هي الطريق الذي بين الجبلين، أو الطريق الذي في الجبل، والثنية العليا في مكة تسمى: كداء، وهي مكان عالٍ مرتفع عن سطح الأرض، والثنية السفلى فيها تسمى: كدى. وقد كان للنبي ﷺ مقصد وهدف من الدخول من الثنية العليا؛ لأن الثنية العليا مكان مرتفع، وكان أهل مكة لا يظنون أن النبي ﷺ سوف يدخل منها، ولذلك فإن حسان بن ثابت في هجائه لأهل مكة ذكر أنهم يدخلون عليهم من أعلاها، وذلك لأن الذي يفتح بلداً من البلدان ويدخل إليها من طريق وعر وصعب، فمعناه: أنه قوي مقاتل شرس؛ لأن العادة أن الغريب القادم من مكان بعيد أن يدخل من المكان السهل، ولا يدخل من المكان الصعب. فكداء: كانت أعلاها، فكأن حسان في هجائه للمشركين يتوعدهم أنا سنذلكم يوماً من الأيام، وسندخل عليكم ليس من المكان السهل، بل من أصعب مكان عندكم، وهذا دليل على تمكن الذل من هؤلاء. ولذلك لما أراد النبي ﷺ الدخول جاء في سنن البيهقي (أنه سأل أبا بكر ﵁: كيف قال حسان؟ فقال أبو بكر للنبي ﷺ : إن حسان قال: عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداء يقول: حسان أعدم بنتي إن لم ترونا ونحن داخلون عليكم مكة من أعلى مكان فيها وأوعر مكان وأصعب مكان فضحك النبي ﷺ وأمرهم بالدخول من هذا المكان). وجاء أيضاً عن العباس ﵁ لما حبس أبا سفيان في ممر الجيش حين فتح مكة، وأمره أن يسلم، فلم يسلم أبو سفيان وقال: حتى أرى الخيل تدخل من ههنا، أي: كأنه أمر صعب جداً أن تدخل الخيل من على الجبال التي هي في أعلى مكة، فقال له العباس: لم قلت ذلك؟ قال: لا أدري، ولكن شيئاً حاك في صدري أني لن أدخل في الإسلام حتى أرى ذلك، وفعلاً دخلت خيل النبي ﷺ من أعلى مكان في مكة، وكان النبي ﷺ يحب أن يدخلها من كداء، ويخرج من كدى. روى البخاري ومسلم عن نافع قال: وكان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي بها الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. إذاً في الدخول إلى مكة كان ابن عمر ﵁ يبيت بذي طوى، وذو طوى فيه ثلاث لغات، وهو واد بباب مكة، ثم يصلي به الصبح، ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك صلوات الله وسلامه عليه. فيستحب للمحرم أن يغتسل عند دخوله مكة، فإن عجز عن الغسل تيمم، وهذا إذا قلنا: إن سبب الغسل هو العبادة وليس النظافة، وأما إذا قلنا: إن سبب الغسل هو النظافة فالغسل أولى، فإن لم يجد ماء جاز له أن يتيمم، وجاز له ألا يفعل ذلك. ويستحب إذا وصل إلى الحرم أن يستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع، ظاهراً وباطناً، ويتذكر جلالة الحرم ومزيته على غيره. ويستحب له دخول مكة -كما ذكرنا- من ثنية كداء، التي في أعلى مكة، وإذا خرج خرج من ثنية كدى، وهي بأسفل مكة، قرب جبل قعيقعان، وهذا إلى صوب ذي طوى. وله دخول مكة ليلاً ونهاراً، فلا يشترط وقت معين للدخول، ولكن ابن عمر كان يحب أن يدخل بعد أن يصلي الصبح في ذي طوى ثم يدخل بعد ذلك إلى مكة، فكل هذا جائز، وفعل النبي ﷺ أولى، وما تيسر للذاهب المعتمر أن يفعله فعله؛ لأنه في أغلب الأحيان لا يكون الأمر في يده وخاصة إذا كان ذاهباً مع رحلة في سفر، فيكون مقيداً بمن معه في الرحلة. ودخول مكة نهاراً أفضل؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة)، وكان ابن عمر يفعله. وينبغي على الحاج أو المعتمر أو الإنسان المحرم أن يتجنب إيذاء الناس في الزحمة عند دخوله، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها، والكعبة التي هو متوجه إليها، ويمهد عذر من زاحمهم، فكل إنسان يزعم أنه يحب الله، ويحب رسول الله ﷺ ، ويحب الحرم، وقد يرى في نفسه أنه من أفضل الناس خلقاً، ولكن هذا كله يظهر هنالك، فالإنسان الحسن الخلق تظهر أخلاقه مع رفقته. مع الناس، في معاملاته، وفي حرصه على التواجد في الحرم، والإنسان الذي هو ذاهب لغير ذلك تظهر شراسة الأخلاق هنالك، فتجد أنه لا يستحي أن يرفع صوته في الحرم، ويتشاجر مع الناس، ويشتم ويسب، فكل إنسان بحسب ما في قلبه من حب لله ومن خشوع وخوف تظهر أخلاقه في هذا المكان. فإذا رأى البيت استحب أن يرفع يديه ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، وهذا مروي عن عمر ﵁، ومروي أيضاً عن ابن عباس ﵄، ومروي عن النبي ﷺ ، ولكن إسناده ضعيف، فيقول ذلك ويدعو بما أحب من أمور الدين والدنيا والآخرة، وأهم أمر أن يسأل الله المغفرة. ويستحب للمحرم أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة؛ لفعل النبي ﷺ ذلك، وهذا كله بحسب ما يتيسر له، فقد يكون الإنسان قادماً من سفر فيكون متعباً ولا يعرف هذا الباب من غيره لكثرة الأبواب في الحرم، فهذا يفعل ما يتيسر له ويدخل من أي الأبواب شاء، ومن تيسر له ذلك فعل اقتداء بالنبي ﷺ ، ودخل من هذا الباب، فقد ورد أن النبي ﷺ عدل إلى باب بني شيبة ولم يكن على طريقه؛ فلذلك على الشخص الذي يعرف هذا الباب ويقدر على الذهاب إليه أن يفعل ذلك فهو الأفضل.

стр. 232

دعاء دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد ثم يقول الأذكار المشروعة في دخول المساجد، فعند التوجه إلى المسجد، سواء المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو أي مسجد من المساجد، وأنت خارج من بيتك متوجهاً إلى بيت الله سبحانه تدعو وتقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً. فإذا أراد الدخول إلى المسجد الحرام -وكذلك أي مسجد من المساجد- فيدعو بهذا الدعاء: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، ثم يدخل رجله اليمنى ويقول: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا أراد الخروج بعد أن ينتهي من الأعمال التي فيه، يخرج من المسجد ويقول: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم. وقد صحت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في هذا المعنى. فإذا دخل المسجد الحرام فينبغي أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل، والخضوع والمهابة والإجلال، فهذه هي عادة الصالحين في هذا المكان، فإن رؤية البيت تشوق إلى صاحبه، إلى ربه سبحانه ﵎، والإنسان يذهب إلى هنالك ليظهر توحيده لله سبحانه، فيقول: لبيك اللهم لبيك! ويظهر شوقه إلى الله، ويتذكر الموقف العظيم بين يدي الله سبحانه ﵎، فالذكريات تجول بخاطر الإنسان حين ينظر إلى البيت، ويرى الطائفين، وكم منهم يتقبلهم الله سبحانه ﵎، ويغفر لهم ذنوبهم، ويتمنى أن يكون هو كذلك.

стр. 233

طواف العمرة وإذا دخل المسجد فلأنه ذهب ليعتمر فلن يصلي تحية المسجد، ولكن تحية البيت الطواف، وهذا الطواف للمعتمر -طواف العمرة- هو طواف الركن، فليس له طواف قدوم؛ لأن طواف القدوم سنة للذي يذهب إلى الحج، فإذا نوى الإفراد أو نوى القران بين الحج والعمرة فهذا له طواف قدوم، لكن الذاهب إلى العمرة ليس له طواف قدوم، وإنما عليه طواف الفريضة أو الركن، فيطوف بالبيت هذا الطواف. ففي حديث عائشة ﵂: (أن الرسول ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت)، فإذا دخل المعتمر المسجد الحرام قصد الحجر الأسود، وبدأ الطواف من عنده، فإذا لم يكن عند الركن الذي فيه الحجر الأسود فإنه يمشي حتى يصل إلى الحجر الأسود، ويقف هنالك ويبدأ الطواف من عند الحجر الأسود. والابتداء بالطواف مستحب لكل داخل، فكل إنسان يدخل إلى المسجد الحرام يستحب له أن يبدأ بالطواف، سواء كان محرماً، أو غير محرم، حتى لو أن إنساناً داخل للصلاة في وقت من الأوقات فإنه يستحب له أن يبدأ بالطواف بالبيت، وهذا بحسب ما يتيسر له، فلعله مع الزحام الشديد في مواسم العمرة والحج يكون صعباً أنه كلما يدخل المسجد يبدأ بالطواف، ولعله يتعذر عليه ذلك، فبحسب ما يتيسر له، إلا إذا خاف فوات صلاة مكتوبة، أو سنة راتبة، أو مؤكدة، أو فوات الجماعة المكتوبة، أو كان عليه فائتة مكتوبة؛ فإنه يقدم كل هذا على الطواف، ثم يطوف بالبيت، وهذا لغير المعتمر، أما المعتمر فأول شيء يبدأ به الطواف الذي هو طواف العمرة، إلا إذا كان المعتمر عليه صلاة ووقت الصلاة سيضيع، كما لو ذهب إلى هناك ودخل البيت قبل غروب الشمس ولم يكن قد صلى العصر، فهنا يبدأ بصلاة الفريضة، ثم يطوف بالبيت. والعمرة ليس لها طواف قدوم كما ذكرنا، وإنما فيها طواف واحد، وهو طواف الفرض، أو طواف الركن. والمحرم بالعمرة لا يتصور في حقه طواف القدوم؛ لأن أول طواف يفعله هو طواف الركن، وليس طواف القدوم، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنه، فالنبي ﷺ لم يثبت عنه أنه طاف طوافاً للعمرة، وبعد ذلك طاف طوافاً آخر للقدوم، لم يفعل ذلك ﷺ ، ولكن أول شيء أتى به هو طواف العمرة. ولكن إذا طاف المعتمر بنية طواف القدوم وقع عن طواف العمرة؛ لأن هذا الطواف هو الذي فعله النبي ﷺ ، كما أنه لو كان عليه حجة الإسلام فأحرم بحجة تطوع، فإنها تقع عن حجة الإسلام. إذاً: إذا خرج ونوى العمرة وشرع في الطواف فالمستحب في حقه أن ينوي أن هذا طواف العمرة، لكن إذا لم ينو ذلك، وطاف مع الناس كما يطوفون، فهذا يجزئ عن طواف العمرة؛ لأن نية العمرة تأتي على كل ما يفعله بعد ذلك، فإذا طاف فهذا طواف العمرة، فإذا سعى فهذا سعي العمرة، سواء نوى بداية الطواف أو اكتفى بالنية الأولى التي كان عليها.

стр. 234

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - الطواف صفته وشروطه وسننه للطواف بالبيت شروط وواجبات وسنن وردت في أحاديث النبي ﷺ ، فلابد على من يريد قصد البيت الحرام لأداء الحج أو العمرة أن يتعلمها حتى يقع طوافه موافقاً لما جاء في الشرع المطهر، ومن ثم يصح حجه وعمرته.

стр. 235

شروط وواجبات وسنن الطواف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الطواف الصحيح هو الطواف الذي فعله النبي ﷺ ، وهذا الطواف له شروط وواجبات وسنن. فالشروط والواجبات خمسة: أحدها: الطهارة من الحدث، ومن النجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في مشيه، فالطواف بالبيت صلاة، فكما تصلي وثيابك طاهرة كذلك في الطواف بالبيت تكون الثياب والبدن طاهرة أيضاً. الثاني: كون الطواف داخل المسجد، أي: تطوف وأنت في صحن المسجد، تطوف وأنت في المسجد نفسه سواء في الدور الأول أو في الثاني أو فوق السطوح، كل هذا جائز، أما الطواف خارج المسجد فلا يصح، فلا بد أن يكون الطواف داخل المسجد. الشرط الثالث: إكمال سبعة أشواط. الرابع: الترتيب، فيبدأ طوافه بالحجر الأسود، وينتهي بالحجر الأسود، ويجعل أيضاً الحجر الأسود والبيت عن يساره. الخامس: أن يكون جميع بدنه خارجاً عن جميع البيت، أي: يكون الطواف على أرض صحن المسجد، فلا يكون فوق شذروان الكعبة، ولا فوق السور الذي بجوار الكعبة، ولا يدخل بين بابي الحجر، فيدخل من باب ويخرج من الآخر، فهذا لا يصح طوافه؛ لأن الطواف لا بد أن يكون من وراء الحجر. وأما سنن الطواف فهي: السنة الأولى: أن يكون ماشياً. السنة الثانية: أن يضطبع، وهذا في الطواف الأول الذي يأتي به، سواء كان طواف العمرة، أو كان في حج وسيكون في طواف القدوم، والاضطباع معناه: كشف المنكب الأيمن. السنة الثالثة: الرمل، ويكون في الثلاثة الأشواط الأولى، والأربعة الباقية يمشي فيها. السنة الرابعة: استلام الحجر الأسود وتقبيله، ووضع الجبهة عليه، واستلام الركن اليماني باليد اليمنى دون تقبيل. هذه من السنن، فإذا تيسر له ذلك فعل، وإذا لم يتيسر له فلا شيء عليه، والاستلام معناه: أن يضع يده عليه إن استطاع، ثم يضع جبهته كهيئة الساجد عليه، ويقبل الحجر الأسود، كل هذا يفعله إن استطاع ودون أن يؤذي أحداً من الناس. والركن اليماني السنة فيه الاستلام، فالكعبة لها أربعة أركان: ركنان يمانيان جهة اليمن، وركنان شاميان جهة الشام، فالركن الأول: هو الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود، وهو أول ركن في الطواف، فالبداية تكون من عنده. والركن الثاني: هو الركن الشامي، ثم تدور من وراء الحجر وتصل إلى الركن الثالث، وهو الركن الشامي الثاني، ثم تصل بعد ذلك إلى الركن الرابع، وهو الركن اليماني، فهذه الأربعة الأركان التي حول البيت. فالركنان الشاميان ليس فيهما استلام ولا تقبيل، والركن الذي فيه الحجر الأسود فإنك تستلم الحجر وتقبله وتسجد عليه، والركن اليماني الآخر السنة فيه المسح فقط، أي: الاستلام باليد من غير تقبيل، وهذا كله من سنن النبي صلوات الله وسلامه عليه. السنة الخامسة: الأذكار المستحبة في الطواف خاصة بين الركنين فيقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. السنة السادسة: الموالاة بين الأشواط، أي: أن تطوف الطواف الأول، والطواف الثاني بعده، والثالث بعده وهكذا، ولا تطوف ثم تجلس لترتاح فترة، ثم ترجع مرة ثانية، فإن السنة: أن يكون الطواف متتالياً بعضه بعد بعض ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. السنة السابعة: الصلاة بعد الطواف ركعتين خلف مقام إبراهيم. السنة الثامنة: أن يكون في طوافه خاشعاً، خاضعاً، متذللاً، خاضع القلب، ملازم الأدب بظاهره وباطنه، وفي حركته ونظره، وهيئته، يستشعر أنه في بيت الله سبحانه، فيكون جم الأدب في هذا المكان، في غاية الاحترام لهذا المكان، ويكون متواضعاً لخلق الله سبحانه، فلا يؤذي أحداً حتى لو آذاه الناس في هذا المكان.

стр. 236

الطهارة شرط لصحة الطواف يشترط لصحة الطواف الطهارة من الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في طوافه؛ لقوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام)، إذاً فهذه صلاة مخصوصة، صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، ولكن فيها ذكر الله سبحانه، وليس فيها تسليم، وإنما تطوف تبدأ بالحجر وتنتهي بالحجر، إذاً هي كهيئة الصلاة في كونك لا بد أن تكون على طهارة، ولذلك لا يجوز لامرأة حائض أن تطوف بالبيت، ولا يجوز لإنسان على غير طهارة أن يفعل ذلك، فلا يجوز للجنب، ولا للنفساء، كل هؤلاء لا يجوز لهم الطواف. فإذا كان هذا الذي يطوف بالبيت محدثاً فعليه أن يخرج ويتوضأ ويرجع يطوف بالبيت، وإذا كان هذا الحدث حدثاً أكبر ذكره وهو يطوف، فعليه أن يخرج ويغتسل ويرجع، ثم يستأنف الطواف. أما مباشرة النجاسة فهناك نجاسة معفو عنها ونجاسة غير معفو عنها: فالنجاسة المعفو عنها مثل: إنسان به سلس بول، أو سلس غائط، فهذا يضع حفاظة أو أي شيء يمنع تلويث المكان، ويطوف على هيئته هذه وهو معذور. أما النجاسة غير المعفو عنها: فمثل البول والدم الكثير، أما لو كان قطرة أو شيئاً يسيراً فإنه يعفى عنه، فلو وقع شيء في ثوبه من دم أو بول أو نحو ذلك من غير عذر فلابد أن يبدل ثيابه ويطوف بثياب طاهرة. ومما تعم به البلوى في الطواف: ملامسة النساء مع الزحام الشديد، فينبغي على الإنسان أن يتوقى ذلك قدر المستطاع، والنساء يتقين الله في ذلك، فتجد كثيراً من النساء تريد أن تقبل الحجر الأسود، حتى لو كلفها ذلك أن يقع حجابها من على رأسها، فتنكشف وتختلط بالرجال، وتزدحم بهم زحمة شديدة جداً، فهذا لا ينبغي أن تفعله النساء، وأيضاً الرجال لا ينبغي أن يزاحموا النساء في ذلك، بل على الإنسان أن يجتنب ملامسة النساء إلا مضطراً إلى ذلك.

стр. 237

ستر العورة شرط لصحة الطواف ستر العورة شرط لصحة الطواف، والرجل عورته ما بين السرة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة، ولا يجوز لها أن تنتقب أو تلبس القفازين، فلو أن امرأة تطوف بالبيت وزاحمت الرجال فسقط حجابها من على رأسها، وظلت تمشي على هذا الحال وهي تطوف، فإن طوافها غير صحيح، لكن لو حدث منها هذا الشيء فغطت رأسها بسرعة، فطوافها صحيح؛ لأنه يعفى عن اليسير في ذلك. وكذلك الرجل، فلو أنه كان يطوف فسقط منه إزاره فلبسه حالاً فلا شيء عليه، ولكن لو رفع إزاره حتى ظهرت عورته فإن طوافه يبطل بذلك. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن أبا بكر ﵁ بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع، وهذا كان في سنة تسع، حين كان الأمير على الحج أبا بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، فأرسل أبا هريرة في رهط يؤذن في الناس يوم النحر: ألا يحج بعد العام هذا مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، أي: لا يجوز أن يطوف بالبيت عريان، فقد كان المشركون يصنعون ذلك، فيطوفون بالبيت وهم عراة، فأرسل إليهم ﷺ هذا التحذير، وهذا السبب كان هو العلة في أن النبي ﷺ لم يحج في ذلك العام، مع أنه فرض عليه ﷺ في سورة آل عمران: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] وهذه السورة نزلت في عام الوفود، في العام التاسع، ومع ذلك لم يحج النبي ﷺ لهذا السبب، فما كان له أن يطوف وحوله رجال ونساء من المشركين، وهم عراة، فلم يفعل في ذلك العام، وأخر الحج إلى العام الذي يليه، حتى صار المكان ليس فيه أحد من المشركين، ولا أحد من العراة، فذهب النبي ﷺ في حجة الوداع. إذاً: متى انكشف جزء من عورة أحدهما -الرجل أو المرأة- بتفريط بطل ما يأتي بعده من الطواف، فلو طاف ثلاثة أطواف ثم انكشفت عورته بتفريط منه ولم يبال بذلك، فعلى ذلك لا يصح ما يأتي به من طواف بعد ذلك وهو على هذه الحال، إلا أن يستر نفسه في الحال ويكمل ما بقي من طوافه، وإذا انكشفت بلا تفريط وستر في الحال صح طوافه.

стр. 238

النية في الطواف إن كان الطواف في غير حج ولا عمرة لم يصح بغير نية، مثل: إنسان داخل الحرم، وأراد أن يطوف بالبيت في غير حج ولا عمرة، فهذا لابد له من نية الطواف قبل الشروع فيه، وللإنسان هنالك أن يكثر من الطواف بالبيت ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فيطوف بالليل ويطوف بالنهار، فهذا فيه ثواب عظيم جداً، أما الحاج والمعتمر فإن نية الحج أو العمرة تأتي على الأفعال التي يفعلها بعد ذلك، فلو أنه في حجه طاف بالبيت ونسي قبل طوافه النية، أو سعى بين الصفا والمروة ونسي أن يستحضر النية ولكن هو يعلم أنه يسعى، أو ذهب إلى منى، أو إلى عرفات ونسي النية، فالراجح أن نية الحج تأتي على جميع الأعمال، لأن النبي ﷺ سمع حاجاً يقول: (لبيك عن شبرمة، فقال له النبي ﷺ : أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، فتغيرت نيته من حج عن غيره إلى حج عن نفسه، وتسري بعد ذلك هذه النية التي في إحرامه إلى ما يفعل من أفعال بعد ذلك إن كان في حج أو عمرة. وهذا مذهب الإمام الشافعي ﵀، وقال به أبو حنيفة والثوري، وذهب الإمام أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن القاسم المالكي وابن المنذر إلى أنه لا يصح منه عمل إلا بنية، فحتى لو نوى في البداية أن هذا حج له، أو أن هذه عمرة، فلابد له عند الطواف أن ينوي الطواف، وعند السعي ينوي السعي، وهذا الذي ذكرنا أنه ينبغي أن يفعله خروجاً من الخلاف، وإن كان الراجح أنه لو نسي النية في أول الطواف فتكفيه النية التي كانت قبل ذلك.

стр. 239

الاضطباع والرمل من سنن الطواف الاضطباع: مشتق من الضبع، وضبع الإنسان هو عضده، وقيل: هو النصف الأعلى من العضد، إذاً: النصف الأعلى من العضد يسمى ضبع الإنسان، والاضطباع أن يكشف هذا المكان، فقولنا: اضطبع بمعنى: كشف المنكب الأيمن. ويقال للاضطباع أيضاً: التوشح، والتأبط؛ لأنه يجعل رداءه تحت إبطه، فيسمى اضطباعاً؛ لأنه كشف ضبع الإنسان، ويسمى تأبطاً؛ لأنه يجعل رداءه تحت إبطه. فاضطباع المحرم: هو أن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر. والاضطباع مستحب في الطواف، ولا يستحب في غير طواف القدوم في الحج وطواف العمرة، إذاً المعتمر يسن له ذلك، وهذا من السنن وليس من الفروض ولا الواجبات، فإذا نسي فلا شيء عليه، وإذا تعمد ألا يفعله فلا شيء عليه كذلك، ولكن السنة أن يفعل ذلك، فهو مستحب. وقد جاءت في ذلك أحاديث منها: ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة)، وهذا كان سنة ثمان عندما اعتمر ﷺ في فتح مكة، حيث توجه ﷺ إلى حنين ثم رجع فاعتمر من الجعرانة، قال: (اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى). أيضاً روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شراً، فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا في الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين)، وكأن هذا كان في عمرة القضاء، وقد كانت سنة سبع، وكان المشركون يراقبون يريدون أن يشمتوا بالمسلمين الذين أتوا يعتمرون، فقد صدوهم في العام الماضي سنة ست في الحديبية، والآن في سنة سبع في عمرة القضاء يريدون أن يتفرجوا عليهم، فقالوا: هؤلاء قوم وهنتهم حمى يثرب، فقد كانت المدينة تسمى بيثرب، وكان كل من قدم إليها يصاب بالحمى، ولكن النبي ﷺ دعا الله سبحانه أن ينقل هذه الحمى من المدينة إلى مهيعة، فاستجاب له ربه سبحانه. فلما قدموا في عمرة القضاء فلا شك أنهم قد تعبوا، فالطريق طويل جداً، وأيام وليالٍ قضوها في الطريق، ولذلك أراد المشركون أن يشتموا بالمسلمين القادمين، فقالوا: إنهم قد وهنتهم حمى يثرب، وسترون كيف سيسقطون حول البيت، ولن يستطيعوا الطواف، فأخبر الله سبحانه نبيه ﷺ بما قالوه، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، فهنا النبي ﷺ رأى الكفار جالسين فوق الجبل يشاهدون المسلمين، والمكان المخفي عنهم من الكعبة هو الذي بين الركنين، فأمر المسلمين أن يمشوا بين الركنين ثم يرملوا من الحجر إلى الركن اليماني، والرمل هو: المشي السريع كهيئة الذي يجري، ففعل الصحابة ذلك، فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هم أجلد منا، ولقد قدموا من هذا السفر كله، ويطوفون حول البيت بهذه الكيفية، فهم أجلد وأقوى منا. قال ابن عباس ﵄: (ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم)، فلو أمرهم أن يرملوا الأشواط السبعة كلها لوقعوا من التعب ولشمت بهم المشركون، ولكن أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط فقط. وهذا الأمر كان لعلة، ثم فعله النبي ﷺ بعد ذلك لغير علة لما فتحت مكة، ثم حج النبي ﷺ بعد ذلك في حجة الوداع فرمل واضطبع صلوات الله وسلامه عليه، فدل على أنه كان السبب هذه العلة، واستمر الأمر على أنه سنة بعد ذلك، سواء وجدت العلة أم لم توجد. وجاء عن ابن عباس أيضاً: (أن النبي ﷺ اضطبع، فاستلم وكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف)، وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا عن قريش مشوا؛ لأن القرشيين لا يرونهم وهم عند الركن اليماني، ثم إذا طلعوا عليهم رملوا، تقول قريش: كأنهم الغزلان، قال ابن عباس: فكانت سنة، أي: صارت هذه سنة بعد ذلك: الرمل والاضطباع. واضطباعه ﷺ كأنه إظهار للقوة، فالإنسان يكشف يده اليمنى عندما يتعاطى صنعة معينة، أو يكشف ذراعي لتعاطي الشيء إظهاراً للقوة على الصنع، فكأنه كذلك يظهر يده اليمنى إظهاراً للقوة في ذلك، وكذلك الرمل هو لإظهار القوة على المشي وعلى العبادة، وأيضاً حتى لا يشمت بهم المشركون، أو يظنوا أنهم يقدرون عليهم. وعن يعلى بن أمية ﵁ قال: (طاف النبي ﷺ ببرد أخضر)، كان النبي ﷺ مرتدياً رداءه برداً لونه أخضر ﵊. وجاء عن عمر ﵁ أنه قال: (فيم الرملان اليوم؟ والكشف عن المناكب؟ وقد أطأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله -أطأ الإسلام بمعنى: وطأ له، ومهد له، وأتم الله ما أراد من هذا الدين العظيم- ثم قال: ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، إذاً السؤال ليس استفهاماً يستفهم من الناس، وليس إنكاراً لهذا الذي يصنعونه الآن، وإنما الاستفهام حتى يشوق السامع إلى الجواب الصحيح: لماذا نحن نرمل حول البيت؟ ولماذا نحن نبدي المناكب؟ ثم قال لهم: سنة النبي ﷺ التي فعل فلا نتركها. ويسن الاضطباع للذكر صغيراً وكبيراً، في طواف العمرة، وفي طواف القدوم في الحج، سواء سعى بعده أم لا، ويسن معه الرمل، لكن يفترق الرمل والاضطباع في أن الرمل يكون في الثلاثة الأشواط الأولى فقط، وبعد ذلك تمشي كل المسافة من الحجر إلى الحجر مشياً عادياً خلال الأربعة الأشواط الباقية كلها، فالثلاثة الأولى ترمل فيها ما بين الركن الذي فيه الحجر إلى الركن اليماني الذي بعد ذلك، وبعدها بين الركنين تكون ماشياً. بينما الاضطباع يكون في جميع الطواف، فإنك لا تستر منكبك الأيمن إلا بعدما تنهي الطواف كله ثم تذهب لتصلي خلف مقام إبراهيم. إذاً: الرمل يسن في الثلاثة الأول ثم يمشي في الأربعة الأواخر، ولا يسن الاضطباع في السعي، ولا في ركعتي الطواف، فعندما تطوف بالبيت تضطبع، وتكشف المنكب الأيمن، لكن عندما تصلي لا تفعل ذلك، بل تستر المنكب، وتأخذ الزينة في الصلاة، فتصلي وأنت متزين للصلاة، لقول النبي ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه شيء)، إذاً الثوب لا بد أن يكون على العاتق، فلا يصلي وليس على العاتقين شيء، وهذا الحديث متفق عليه، وعند النسائي بلفظ: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). فالاضطباع كما قلنا: يكون في كل طواف قدوم، في السبعة الأشواط، فلو فرضنا أنك نسيت وبعدما طفت أربعة أشواط أو خمسة تذكرت فإنك تأتي به فيما بقي. لكن الرمل يكون في الثلاثة الأول، فلو أنه نسي الرمل في الثلاثة الأول فلا يسن ولا يشرع أن يتداركه بعد ذلك؛ لأن وقته وهيئته في الثلاثة الأشواط الأول، أما الأربعة الباقية فالسنة فيها أن تكون ماشياً، فلا تفعل فيها ما هو سنة في الأشواط التي قبلها.

стр. 240

اشتراط السبعة الأشواط لمن يطوف بالبيت شرط الطواف أن يكون سبعة أشواط، كل مرة من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ولا بد أن يكون من خلف الحجر، ولا يكون بين بابي الحجر؛ لأن هيئة الكعبة التي أمامك هي ناقصة، فإن الحجر يعتبر تابعاً للكعبة، فلا بد أن يكون الطواف من خلف الكعبة جميعها، بما فيها الجزء الذي في الحطيم. روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف). وروى مسلم عن جابر قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفر إلى مقام إبراهيم وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]) إذاً: فيه أن النبي ﷺ طاف بالبيت سبعة أطواف، الثلاثة الأول كان فيها يسعى ﵊، أي: يرمل فيها ما عدا ما بين الركنين، فقد كان يمشي، وفي هذا المكان من السنة أنه يدعو: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وفي حديث ابن عمر ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا) فالسنة أن يصلي ركعتين خلف المقام. فلو بقي من السبعة شيء لزمه أن يأتي به، فلا يصح طوافه إلا أن يأتي بالسبعة الأشواط كاملة، لا يصح فإذا خرج فليرجع حتى يكمل السبعة.

стр. 241

الشك في عدد الطواف ولو شك في عدد الطواف أو السعي لزمه الأخذ بالأقل، حتى يطمئن أنه أتى بالجميع. ولو أخبره عدل أو عدلان بأنه طاف أو سعى ستة، وكان يعتقد أنه أكمل السبعة، لم يلزمه العمل بقولهما، لكن يستحب، وذلك لأن اليقين ما استيقنته أنت في نفسك، ولكن يستحب أن تأتي بما نقص حسب قولهما، لكن إذا كنت غير مستيقن فيلزمك أن ترجع إلى قولهما، وتأتي بالباقي. وإذا كنت مستيقناً استحب لك أن تأتي بالباقي كما قلنا؛ وذلك لأنك قد تكون نسيت، وبعدما تخرج تتذكر فترجع. أما إذا شك بعد فراغه فلا شيء عليه، كالشك بعد الانتهاء من العبادة؛ لأنه لو فتح باب الشك بعد الانتهاء من العبادة لدخلت الوساوس الكثيرة للإنسان، فلو أنك صليت صلاة العشاء مثلاً، وكنت مستيقناً في نفسك أنك صليتها أربع ركعات، وبعد ساعة أو ساعتين شككت أنك صليتها ثلاثاً فقط، فهذه الوسوسة لا قيمة لها ولا يلتفت إليها إلا أن تستيقن، فإذا استيقنت النقص فحينئذ عليك أن تكمل هذه الصلاة. إذاً: الشك إذا وقع في أثناء العبادة من صلاة وطواف وغيرها ففي هذه الحالة يبني على اليقين، أما إذا كان الشك بعد الانتهاء من العبادة فلا يلتفت إليه، إلا أن يستيقن.

стр. 242

وصف الحجر والشذروان الحجر: هو محيط مدور على نصف دائرة، وهو خارج عن جدار البيت في صوب الشام، وقد قلنا: أن الكعبة هيئة مكعبة لها أربعة أركان: ركنان يمانيان جهة اليمن، وركنان شاميان جهة الشام، فالركن اليماني الأول فيه الحجر الأسود، ثم يأتي الركن الشامي، ثم الركن الشامي الثاني أو العراقي، ثم الركن اليماني الثاني. إذاً: فالكعبة على هذا الوصف تأخذ هيئة مربعة، لكن أصلها ليس كذلك؛ لأن جزءاً منها خارج هذا البناء -وهو ما بين الركنين الشاميين- وذلك لأن نفقة قريش تقاصرت أن يبنوا البيت على قواعد إبراهيم، فقل بناء البيت، فجعلوا جزءاً من البيت في الخارج، وبنوا الكعبة على أقل من قواعد إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولذلك ينبغي إذا أردت الطواف أن يكون طوافك من وراء هذه الأجزاء التي تركوها، والتي تسمى الحطيم، أي: الجزء المحطوم للكعبة الذي ليس داخلاً في البناء؛ ولذلك بني وراءه هذا السور الدائري الذي نسميه: الحجر، فالحجر كأنه المانع الذي يمنع الداخل، أو أنه المكان المحيط على هذا الجزء الباقي من الكعبة. إذاً: تبدأ الطواف من الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود، ثم تصل إلى الركن الشامي وستجد بعده الحجر الذي هو السور المستدير الذي حول هذين الركنين، وحينئذ تطوف من خلف هذا السور، ولا يجوز أن تأتي عند الركن الشامي ثم تدخل من الباب الذي بين الركن الشامي وبين الحجر وتخرج من الباب الثاني وتكمل، ففي هذه الحالة أنت طفت حول البناء ولم تطف حول الكعبة؛ لأن هناك جزءاً من الكعبة طفت بداخله، والمفترض عليك أن تطوف خارج الكعبة. إذاً: فالحجر الذي هو البناء المدور الخارج عن البيت في صوب الشام تركته قريش حين بنت البيت فأخرجته عن بناء إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. والشذروان: عبارة عن مسافة صغيرة تركوها من عرض أساس البيت، فكأن أساس البيت كان سميكاً، فلما بنوا فوقه ضيقوا من عرض البناء وتركوا مسافة صغيرة من الأساس تكفي لأن يقف عليها إنسان، فهذه تسمى: الشذروان، وهي من الكعبة على قول جمهور أهل العلم، فالذي يطوف فوقها كأنه يطوف داخل الكعبة وليس خارجها، فيجب أن يكون الطواف على أرض صحن الكعبة أو الحرم وليس فوق الكعبة، ولا فوق الشذروان. والشذروان: قدر ثلثي ذراع، ثلاثون سنتيمتراً تقريباً أو نحوها، وهو جزء من البيت نقصته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت، وأكثر أهل العلم على ذلك، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية له كلام فيه: أن الشذروان هذا ليس من داخل البيت، وليس من الكعبة، ولكنه بني ليدعم البيت، فكأنه حجر بنوه من أجل أن يشد البيت ويقويه البيت وليس منه، ولكن جمهور أهل العلم على أن الشذروان من الكعبة، فلا ينبغي لأحد أن يطوف لا الطواف كله ولا جزءاً من الطواف فوق هذا المكان، فإن فعل فإن طوافه يكون باطلاً.

стр. 243

الأحاديث التي جاء فيها وصف الحجر روى البخاري عن جرير بن حازم عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (إن النبي ﷺ قال لها: (يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألصقته بالأرض، وجعلت لها بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم). وهذا هو الذي حمل ابن الزبير ﵄ على هدمه، قال يزيد بن رومان الراوي عن عروة: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، وقد ذكرنا إسناد البخاري الأول حتى نعلم أن راوة الأثر الأخير هما من رجال البخاري فلا يقال فيهما شيء. إذاً: كأن النبي ﷺ كان يتمنى أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها مرة أخرى من أجل أن يدخل فيها كل ما كان من الحطيم. قال: (وألصقته بالأرض) أي: باب الكعبة، كان يتمنى أن يجعله على الأرض بدلاً من الارتفاع الذي هو عليه الآن. قال: (وجعلت لها بابين) أي: يجعل للكعبة بابين: باباً من الأمام وباباً من الخلف، حتى لا يحدث زحام عند الدخول والخروج منها لمن أراد أن يصلي فيها، فيكون باب للدخول وباب للخروج. قال: (وجعلت لها بابين، باباً شرقيا وباباً غربيا فبلغت به أساس إبراهيم) على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فذلك الذي حمل عبد الله بن الزبير ﵁ ابن أخت السيدة عائشة ﵂ على هدم الكعبة لما سمع هذا الحديث وبناها على ما أراد النبي ﷺ . قال: (وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل)، إذاً: يقول: إنه حفر في الأرض حتى وصل إلى أساس إبراهيم، وهي القواعد التي رفع عليها إبراهيم هذا البيت، ووجدوها كهيئة أسنمة الإبل، أي: حجارة مثل سنام الجمل، على هيئة مخروطية. قال جرير بن حازم: فقلت له -أي: يزيد بن رومان - أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ههنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. إذاً: الجزء الذي من المفروض أن يكون داخلاً في البيت وهو في الحجر الآن هو بمقدار ستة أذرع، والذراع يساوي أربعين سم تقريباً، إذاً الستة الأذرع تساوي تقريباً مترين ونصفاً، إذاً: هذه المسافة من وراء الكعبة صارت من صحن المسجد، وهي في الحقيقة جزء من الكعبة، فكان من المفترض أن تكون داخلة فيها. وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (سألت النبي ﷺ عن الجدر -أي: الحجر أو الحطيم- أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا). إذاً: الأمر كان بحسب المزاج والهوى؛ لأنهم أرادوا أن يبنوا الكعبة من المال الحلال، فلما جمعت قريش المال الحلال الذي لديها لم يكف لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فتقاصرت النفقة، فنقصوا البناء وأخرجوا جزءاً من الكعبة الذي هو الحطيم، أو الحجر، أو الجدر، وجعلوا بابها عالياً لسبب عندهم وهو كما قال النبي ﷺ : (ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا)؛ لأن الباب المنخفض يكون سهل الدخول على عكس الباب المرتفع. لكن لماذا لم يغير النبي ﷺ ذلك؟ لقد أراد ذلك ولكنه لم يفعل ﵊، وقال: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر بالبيت وأن ألصق بابه بالأرض)، هذه هي العلة في عدم فعل النبي ﷺ ذلك، وهي أن هؤلاء مازال إسلامهم جديداً، فلو أن النبي ﷺ فعل ذلك فلن يأمن أن تقول مجموعة من هؤلاء: إن النبي ﷺ ما فعل هذا إلا من أجل أن يأخذ شرف بناء الكعبة لوحده، فقد كانوا يقتتلون في الجاهلية على من يضع الحجر الأسود في مكانه، ومن الذي يرفع حجراً من أحجار الكعبة، والقبائل تتقاتل على ذلك، فإذا جاء النبي ﷺ وصنع ذلك فقد يأتي بعض ضعاف العقول الذين ما زال إسلامهم قريباً ويقولون: انظروا! كل هذا الجهاد، وكل الذي فعل ليس إلا من أجل أن يبني الكعبة لوحده ﵊، فلذلك النبي ﷺ دفع هذه الذريعة لهؤلاء فلم يفعل ﵊، وهذا هو الذي نسميه: سد الذرائع، فإن هدم الكعبة سيكون ذريعة في أن يتكلموا فيقعوا في الكفر بكلامهم على النبي ﷺ ، فسد هذه الذريعة ولم يفعل ﵊. أيضاً جاء في حديث آخر قال ﵊: (ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر). وفي رواية أخرى قال ﷺ : (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لنقضت الكعبة فألصقتها بالأرض وجعلت لها بابين: باباً شرقيا، وباباً غربيا، ورددت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حين بنت الكعبة). ففي رواية جاء ذكر ستة أذرع، وفي أخرى خمسة أذرع، وراوية ثالثة سبعة أذرع، ولذلك فإن الذي يطوف لا بد أن يكون خارجاً عن هذه الأذرع التي أصلها من البيت، فلو دخل أحد بابي الحجر وخرج من الآخر لم يحسب له هذا الطواف، فلا بد أن يكون الطواف من وراء الحجر. ويشترط كون الطائف خارجاً عن الشذروان كما ذكرنا، فإن طاف ماشياً عليه ولو خطوة لم تصح هذه الطوفة. ومتى فعل في طوافه ما يقتضي بطلانه فإنما يبطل ما يأتي به بعد ذلك، ولا يبطل ما طاف قبل ذلك، فلو أنه طاف أربعة أشواط ثم انكشفت عورته فلم يستر نفسه وظل يطوف على هذه الحال، فإن كل ما طاف بعد انكشاف عورته باطل، إلا أن يستر نفسه، فإذا ستر نفسه فإنه يبني على ما سبق من الأطواف الصحيحة ويكمل الثلاثة الباقية.

стр. 244

استحباب الطواف ماشياً الأفضل أن يطوف ماشياً ولا يركب ولا يحمل إلا لعذر من مرض أو نحوه، فالأجر على قدر مشقة الإنسان، وقد يقول قائل: لماذا طاف النبي ﷺ بالبيت وهو على بعير؟ فنقول: إن الناس أتوا للنبي ﷺ في ذلك الوقت من كل مكان يريدون أن يسألوه ويتعلموا، فلذلك ركب على بعير ﷺ حتى يروه ويجيبهم صلوات الله وسلامه عليه. ولو طاف زحفاً مع قدرته على المشي فطوافه صحيح، لكن يكره ذلك، فلو أن إنساناً مريضاً ولكنه يقدر أن يمشي، جلس وطاف بعض الطواف وهو زاحف، فالصواب: أن طوافه صحيح، ولكنه مسيء في ذلك طالما أنه يقدر على المشي، فعليه أن يفعل ما فعل النبي ﷺ .

стр. 245

مسائل تتعلق بطواف الحامل والمحمول وإن حمل محرم محرماً لعذر وطاف به، ونوى كل واحد منهما عن نفسه، وقع الطواف عنهما عند الأحناف، وعن المحمول وحده عند الجمهور، والأحوط أن يطوف الحامل طوافاً عن نفسه ثم يحمل المعذور ويطوف به، فأما إن كان المحمول صبياً فيجب طوافان. صورة في المسألة: إنسان حمل إنساناً آخر وطاف به بالبيت، ذكرنا أن الأحوط أن يطوف به فيكون هذا الطواف عن المحمول، ثم يطوف عن نفسه بعد ذلك. وكوننا نقول: الأحوط، فذلك خروجاً من الخلاف فقط؛ لأن الجمهور على ذلك، لكن الراجح من حيث الدليل أنه لو طاف إنسان بالبيت وحمل إنساناً آخر عاقلاً له نية، فهذا نوى، وهذا نوى، فهذه نية منفصلة عن هذه، فالصواب فيها: أن الطواف صحيح عن الاثنين، فكل واحد طوافه بنيته، فالمحمول هنا إنسان عاقل، وله نية في ذلك، فلو أنه طاف فوق جمل أو أي شيء آخر فطوافه صحيح، فلو ركب على إنسان آخر فطوافه أيضاً صحيح، وهكذا الحامل له نية، وله فعل، وهو المشي على رجليه والطواف بالبيت، فكل واحد منهما له نية منفصلة. فلذلك الصواب في هذه المسألة والراجح فيها: أنه إذا حمل من يعقل وله نية فطواف كل إنسان عن نفسه، ويكفي طواف واحد للحامل وللمحمول على الراجح من كلام أهل العلم. لكن إذا حمل من لا نية له، كأن حمل طفلاً صغيراً لا نية له وطاف به، فهنا الصبي ليس له نية، بل النية نية الحامل، ولن ينوي هو عن هذا المحمول وإنما ينوي عن نفسه، فإذا فعل ذلك فقد جمع نيتين بفعل واحد، وهذا لا يصح، فعلى ذلك عليه أن يطوف عن الصبي ثم يطوف بعد ذلك عن نفسه، أو يعكس بأن يطوف عن نفسه ثم يحمل الصبي ويطوف وينوي عنه.

стр. 246

صفة الطواف الكاملة إذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود، وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق، ويسمى: الركن الأسود، ويقال له وللركن اليماني: الركنان اليمانيان، فأول ما يبدأ به هو استلام الحجر الأسود، فيستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه، ويدنو منه، ومن لم يستطع أن يدنو من الحجر الأسود ويستلمه فيستقبله بوجهه من أي مكان هو فيه في محاذاة الخط الأسود، حيث قد وضع خط أسود أمام الحجر الأسود إلى نهاية صحن المسجد، بحيث من يكون واقفاً عليه يعلم أنه يستقبل الحجر الأسود. وبالطبع فإن هذا الخط ليس له أي فضيلة، وللأسف فإن بعض الناس من الجهلة يظن فيه ذلك، ويصر أن يصلي ركعتين فوق هذا الخط، وهذا من البدع الكثيرة التي وقع فيها كثير من الناس؛ ولذلك فالإنسان المؤمن ينبغي عليه أن ينصح وهو في هذا المكان، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يجادل. إذاً: يستقبل الحجر الأسود من دون أن يؤذي أحداً بالمزاحمة، فإذا دنا منه كان خيراً، وإن لم يستطع أن يدنو منه فيشير إليه من المكان الذي هو فيه، وإذا كان قريباً منه استلمه، والاستلام: هو وضع اليدين عليه، ويقول: باسم الله، والله أكبر، ثم يقبله من غير صوت، أي: لا يرفع الصوت بالتقبيل؛ لأن هذا من الاحترام والخشوع في ذلك المكان، ثم إذا استطاع أن يسجد برأسه فوق الحجر فعل ذلك. ثم يبتدئ الطواف ويقطع التلبية عند شروعه فيه، وله أن يذكر الله بما شاء، بقراءة قرآن، أو تسبيح، أو تحميد، أو دعاء، ولكن ليحذر من رفع الصوت، فكثير من الناس وهو يطوف بالبيت تجده يدعو ممسكاً في يده كتاب أدعية، ويدعو بصوت مرتفع، ويصيح، والنبي ﷺ قد قال لأصحابه: (اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم ، فهنا لا ترفع صوتك، ولا تشوش على غيرك، فإنك ستجد أناساً يدعون ربهم سبحانه، وآخرين يريدون أن ينتبهوا لما يقولون، ولكن لا يستطيعون بسبب صياح الناس ورفع الأصوات، فلا ينبغي أن تشوش على الناس في هذا المكان، ودع كل واحد يدعو من غير أن تشوش عليه برفع الصوت. أيضاً: تجد بعض الناس في أيديهم أدعية، ويقولون: هذا دعاء الشوط الأول، وهذا دعاء الشوط الثاني وهكذا، فهذا لم يثبت عن النبي ﷺ أنه جعل لكل طواف دعاء، ولكن ادع بما شئت في كل طواف، إنما الثابت عنه ﷺ أنه بين الركنين كان يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وكما قلنا: يبتدئ الطواف ويقطع التلبية، ويضطبع مع دخوله في الطواف، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس، فلعله يصعب عليك أن تبتدئ الاضطباع وأنت عند الحجر وذلك بسبب زحمة الناس، فلا تستطيع أن تفعل ذلك، ففي هذه الحالة تفعل ذلك عند دخولك المسجد فهذا جائز، والاضطباع قد عرفنا أنه كشف المنكب الأيمن. وعليه فصفة الطواف: أن يستقبل الحجر الأسود، وينوي الطواف لله سبحانه، وهذه النية هنا مستحبة، ثم يمشي إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، إذاً يستقبل البيت بوجهه، ولو استقبل البيت بجانبه فطوافه صحيح، ولكنه خالف السنة؛ لأن السنة أن تستقبل البيت، ثم بعد ذلك تجعل شمالك باتجاه البيت. ولو أنه في طوافه جعل وجهه للبيت وظل يطوف على هذه الهيئة، فهذا مخطئ في ذلك، وليس هذا من هدي النبي ﷺ ، ولكن طوافه صحيح. فإذا جاوز الحجر جعل يساره إلى البيت ويمينه إلى الخارج -كما قلنا- وهذه الهيئة كهيئة الإمام مع المأموم، كأن البيت إمام لك، وأنت المأموم. فلو فعل هذا من البداية، أي: ترك استقبال الحجر، بمعنى أنه بدأ من عند الحجر وشماله للبيت وبدأ الطواف فوراً، فطوافه صحيح، ولكنه خالف سنة النبي ﷺ ، وترك الفضيلة في ذلك. ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفاً حول البيت، شماله للبيت ويمشي للأمام، فيمر على الملتزم، وهو المكان الذي بين الحجر وباب البيت، وسمي الملتزم لأن الناس يلتزمونه للدعاء، أي: يحتضنونه ويلتزمونه التزاماً، تقول: التزمت فلاناً، أي: احتضنته، فكأنهم يلتزمون هذا المكان للدعاء، وفيه فضيلة. ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الحجر الأسود، ثم يمر وراء الحجر، فهنا يكون قد وصل إلى الركن الشامي، ثم يمشي من وراء السور -الحجر- إلى أن يصل إلى الركن الشامي الآخر، وهو الركن الثالث، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله: الركنان الشاميان. وقد عرفنا أن الكعبة على هذه الهيئة: فيها الحجر الأسود في الركن اليماني الأول، ثم الركن الشامي، ثم الركن الشامي الثاني، ثم الركن اليماني الثاني. فالركن اليماني الذي لا يوجد فيه الحجر الأسود هو الذي يشرع أن تستلمه فقط من غير تقبل، والركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود هو الذي يشرع فيه الاستلام والتقبيل والسجود عليه بحسب المستطاع أو الإشارة إليه. ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني، ثم يمر منه إلى الحجر الأسود فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه، فيكمل له حينئذ طوفة واحدة، ثم يكمل السبعة على هذه الصفة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 247

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام الطواف وواجبات السعي للحج أركان وواجبات ومن أهمها الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وللطواف والسعي شروط وواجبات وآداب ينبغي للعبد معرفتها حتى يكون حجه صحيحاً كاملاً موافقاً للشرع.

стр. 248

صفة الطواف وأحكامه

стр. 249

ابتداء الطواف من الحجر الأسود الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد: يجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود؛ حتى يحسب لك شوط كامل لابد من البدء من الحجر الأسود, فلو بدأ بعده بالركن الشامي مثلاً، ثم أكمل الركن الشامي الآخر، ثم الركن اليماني، ثم وصل إلى الحجر الأسود كل هذا غير معتد به, فإذا وصل إلى الحجر الأسود بدأ يعد على نفسه هذا الشوط الأول. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبعة) , فهنا أول ما يطوف يستلم ﷺ الحجر الأسود أو الركن الأسود، ثم يخب, والخب: هو الإسراع في المشي، وهو الرمل, فيرمل ثلاثة أطواف كما ذكرنا في الحديث السابق, فإن ابتدأ من غيره لم يعتد بما فعله حتى يصل إلى الحجر الأسود, فإذا وصله نكان ذلك أول طوافه, ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود في أول طوافه بوجهه، ويدنو منه، بشرط ألا يؤذي أحداً, ولو أنه وقف إليه وأعطاه وجهه فهذه هي السنة, أما لو أنه أعطاه جانبه الأيسر مثلاً ولم يقف ومر مباشرة فطوافه صحيح، ولكن الأكمل أن يفعل كما فعل النبي ﷺ ، فيستقبل الحجر الأسود بوجهه ولا يؤذي أحداً عندما يزاحم على الحجر الأسود، ويمر عن يمينه حتى يجاوز الحجر الأسود, ثم بعد ذلك يجعل جانبه الأيسر إلى البيت ويطوف حول البيت, فيجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى الخارج، ولو فعل هذا من أول أمره وترك الاستقبال لجاز.

стр. 250

جعل الطائف البيت عن يساره وينبغي في طوافه أن يجعل البيت عن يساره ويمينه إلى الخارج، ويدور حول الكعبة، وهنا الطائف بالبيت يكون كهيئة المأموم مع الإمام، كأن البيت إمامك فهو عن يسارك وأنت عن يمين البيت، وتطوف على هذه الهيئة, فلو خالف فجعل البيت عن يمينه ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لم يصح طوافه، وهذا صعب جداً أن يصنعه إنسان، لأنه يفعل عكس ما يفعله الناس، فالطائف يطوف مع الناس في حجه وعمرته وغير ذلك, لكن هذه مسألة مفترضة، فلو أن إنساناً فعل ذلك فلا يعتبر طوافه ولا يعتد به. وإذا لم يجعل البيت عن يمينه ولا عن يساره, كأن طاف بالبيت ووجهه إلى البيت مستقبله, فكذلك هذا مكروه، ولكن الطواف صحيح, فعلى الإنسان ألا يقلب الهيئة حتى ولو ظن في نفسه أنه ينظر إلى البيت فيملأ عينه من البيت فهذا خطأ, والصواب: أن يجعل البيت عن يساره، ويكون متجهاً إلى أمامه جاعلاً البيت عن يساره, فإذا وصل إلى الحجر الأسود استقبله, ولو جعل البيت عن يمينه ومشى إلى خلفه مخالفاً هذا الذي يفعله فقد خالف فيه هدي النبي ﷺ ، ولا يصح منه هذا الطواف. إذاً: كأن الصورة هنا: أنه أعطى يمينه إلى البيت ومشى جهة ظهره، فلو فعل وطاف على هذه الصورة فالطواف باطل، وسبب البطلان أنه منابذ لما ورد الشرع به.
следующие страницы →