Полный текст (460 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
صفة الطواف الكاملة
إذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود، وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق، ويسمى: الركن الأسود، ويقال له وللركن اليماني: الركنان اليمانيان، فأول ما يبدأ به هو استلام الحجر الأسود، فيستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه، ويدنو منه، ومن لم يستطع أن يدنو من الحجر الأسود ويستلمه فيستقبله بوجهه من أي مكان هو فيه في محاذاة الخط الأسود، حيث قد وضع خط أسود أمام الحجر الأسود إلى نهاية صحن المسجد، بحيث من يكون واقفاً عليه يعلم أنه يستقبل الحجر الأسود.
وبالطبع فإن هذا الخط ليس له أي فضيلة، وللأسف فإن بعض الناس من الجهلة يظن فيه ذلك، ويصر أن يصلي ركعتين فوق هذا الخط، وهذا من البدع الكثيرة التي وقع فيها كثير من الناس؛ ولذلك فالإنسان المؤمن ينبغي عليه أن ينصح وهو في هذا المكان، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يجادل.
إذاً: يستقبل الحجر الأسود من دون أن يؤذي أحداً بالمزاحمة، فإذا دنا منه كان خيراً، وإن لم يستطع أن يدنو منه فيشير إليه من المكان الذي هو فيه، وإذا كان قريباً منه استلمه، والاستلام: هو وضع اليدين عليه، ويقول: باسم الله، والله أكبر، ثم يقبله من غير صوت، أي: لا يرفع الصوت بالتقبيل؛ لأن هذا من الاحترام والخشوع في ذلك المكان، ثم إذا استطاع أن يسجد برأسه فوق الحجر فعل ذلك.
ثم يبتدئ الطواف ويقطع التلبية عند شروعه فيه، وله أن يذكر الله بما شاء، بقراءة قرآن، أو تسبيح، أو تحميد، أو دعاء، ولكن ليحذر من رفع الصوت، فكثير من الناس وهو يطوف بالبيت تجده يدعو ممسكاً في يده كتاب أدعية، ويدعو بصوت مرتفع، ويصيح، والنبي ﷺ قد قال لأصحابه: (اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم ، فهنا لا ترفع صوتك، ولا تشوش على غيرك، فإنك ستجد أناساً يدعون ربهم سبحانه، وآخرين يريدون أن ينتبهوا لما يقولون، ولكن لا يستطيعون بسبب صياح الناس ورفع الأصوات، فلا ينبغي أن تشوش على الناس في هذا المكان، ودع كل واحد يدعو من غير أن تشوش عليه برفع الصوت.
أيضاً: تجد بعض الناس في أيديهم أدعية، ويقولون: هذا دعاء الشوط الأول، وهذا دعاء الشوط الثاني وهكذا، فهذا لم يثبت عن النبي ﷺ أنه جعل لكل طواف دعاء، ولكن ادع بما شئت في كل طواف، إنما الثابت عنه ﷺ أنه بين الركنين كان يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وكما قلنا: يبتدئ الطواف ويقطع التلبية، ويضطبع مع دخوله في الطواف، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس، فلعله يصعب عليك أن تبتدئ الاضطباع وأنت عند الحجر وذلك بسبب زحمة الناس، فلا تستطيع أن تفعل ذلك، ففي هذه الحالة تفعل ذلك عند دخولك المسجد فهذا جائز، والاضطباع قد عرفنا أنه كشف المنكب الأيمن.
وعليه فصفة الطواف: أن يستقبل الحجر الأسود، وينوي الطواف لله سبحانه، وهذه النية هنا مستحبة، ثم يمشي إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، إذاً يستقبل البيت بوجهه، ولو استقبل البيت بجانبه فطوافه صحيح، ولكنه خالف السنة؛ لأن السنة أن تستقبل البيت، ثم بعد ذلك تجعل شمالك باتجاه البيت.
ولو أنه في طوافه جعل وجهه للبيت وظل يطوف على هذه الهيئة، فهذا مخطئ في ذلك، وليس هذا من هدي النبي ﷺ ، ولكن طوافه صحيح.
فإذا جاوز الحجر جعل يساره إلى البيت ويمينه إلى الخارج -كما قلنا- وهذه الهيئة كهيئة الإمام مع المأموم، كأن البيت إمام لك، وأنت المأموم.
فلو فعل هذا من البداية، أي: ترك استقبال الحجر، بمعنى أنه بدأ من عند الحجر وشماله للبيت وبدأ الطواف فوراً، فطوافه صحيح، ولكنه خالف سنة النبي ﷺ ، وترك الفضيلة في ذلك.
ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفاً حول البيت، شماله للبيت ويمشي للأمام، فيمر على الملتزم، وهو المكان الذي بين الحجر وباب البيت، وسمي الملتزم لأن الناس يلتزمونه للدعاء، أي: يحتضنونه ويلتزمونه التزاماً، تقول: التزمت فلاناً، أي: احتضنته، فكأنهم يلتزمون هذا المكان للدعاء، وفيه فضيلة.
ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الحجر الأسود، ثم يمر وراء الحجر، فهنا يكون قد وصل إلى الركن الشامي، ثم يمشي من وراء السور -الحجر- إلى أن يصل إلى الركن الشامي الآخر، وهو الركن الثالث، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله: الركنان الشاميان.
وقد عرفنا أن الكعبة على هذه الهيئة: فيها الحجر الأسود في الركن اليماني الأول، ثم الركن الشامي، ثم الركن الشامي الثاني، ثم الركن اليماني الثاني.
فالركن اليماني الذي لا يوجد فيه الحجر الأسود هو الذي يشرع أن تستلمه فقط من غير تقبل، والركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود هو الذي يشرع فيه الاستلام والتقبيل والسجود عليه بحسب المستطاع أو الإشارة إليه.
ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني، ثم يمر منه إلى الحجر الأسود فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه، فيكمل له حينئذ طوفة واحدة، ثم يكمل السبعة على هذه الصفة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 247
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام الطواف وواجبات السعي
للحج أركان وواجبات ومن أهمها الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وللطواف والسعي شروط وواجبات وآداب ينبغي للعبد معرفتها حتى يكون حجه صحيحاً كاملاً موافقاً للشرع.
стр. 248
صفة الطواف وأحكامه
стр. 249
ابتداء الطواف من الحجر الأسود
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وبعد: يجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود؛ حتى يحسب لك شوط كامل لابد من البدء من الحجر الأسود, فلو بدأ بعده بالركن الشامي مثلاً، ثم أكمل الركن الشامي الآخر، ثم الركن اليماني، ثم وصل إلى الحجر الأسود كل هذا غير معتد به, فإذا وصل إلى الحجر الأسود بدأ يعد على نفسه هذا الشوط الأول.
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبعة) , فهنا أول ما يطوف يستلم ﷺ الحجر الأسود أو الركن الأسود، ثم يخب, والخب: هو الإسراع في المشي، وهو الرمل, فيرمل ثلاثة أطواف كما ذكرنا في الحديث السابق, فإن ابتدأ من غيره لم يعتد بما فعله حتى يصل إلى الحجر الأسود, فإذا وصله نكان ذلك أول طوافه, ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود في أول طوافه بوجهه، ويدنو منه، بشرط ألا يؤذي أحداً, ولو أنه وقف إليه وأعطاه وجهه فهذه هي السنة, أما لو أنه أعطاه جانبه الأيسر مثلاً ولم يقف ومر مباشرة فطوافه صحيح، ولكن الأكمل أن يفعل كما فعل النبي ﷺ ، فيستقبل الحجر الأسود بوجهه ولا يؤذي أحداً عندما يزاحم على الحجر الأسود، ويمر عن يمينه حتى يجاوز الحجر الأسود, ثم بعد ذلك يجعل جانبه الأيسر إلى البيت ويطوف حول البيت, فيجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى الخارج، ولو فعل هذا من أول أمره وترك الاستقبال لجاز.
стр. 250
جعل الطائف البيت عن يساره
وينبغي في طوافه أن يجعل البيت عن يساره ويمينه إلى الخارج، ويدور حول الكعبة، وهنا الطائف بالبيت يكون كهيئة المأموم مع الإمام، كأن البيت إمامك فهو عن يسارك وأنت عن يمين البيت، وتطوف على هذه الهيئة, فلو خالف فجعل البيت عن يمينه ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لم يصح طوافه، وهذا صعب جداً أن يصنعه إنسان، لأنه يفعل عكس ما يفعله الناس، فالطائف يطوف مع الناس في حجه وعمرته وغير ذلك, لكن هذه مسألة مفترضة، فلو أن إنساناً فعل ذلك فلا يعتبر طوافه ولا يعتد به.
وإذا لم يجعل البيت عن يمينه ولا عن يساره, كأن طاف بالبيت ووجهه إلى البيت مستقبله, فكذلك هذا مكروه، ولكن الطواف صحيح, فعلى الإنسان ألا يقلب الهيئة حتى ولو ظن في نفسه أنه ينظر إلى البيت فيملأ عينه من البيت فهذا خطأ, والصواب: أن يجعل البيت عن يساره، ويكون متجهاً إلى أمامه جاعلاً البيت عن يساره, فإذا وصل إلى الحجر الأسود استقبله, ولو جعل البيت عن يمينه ومشى إلى خلفه مخالفاً هذا الذي يفعله فقد خالف فيه هدي النبي ﷺ ، ولا يصح منه هذا الطواف.
إذاً: كأن الصورة هنا: أنه أعطى يمينه إلى البيت ومشى جهة ظهره، فلو فعل وطاف على هذه الصورة فالطواف باطل، وسبب البطلان أنه منابذ لما ورد الشرع به.
стр. 251
استحباب استلام الحجر باليد في أول الطواف وتقبيله
ويستحب استلام الحجر بيده في أول الطواف, يقول الإمام النووي: قال الأزهري: الاستلام هو التحية, ولذلك يسمي أهل اليمن الركن الأسود: المحيا، أي: المكان الذي يحييه الناس, وقال ابن قتيبة: هو من السِلام, وكأنه يستلم بمعنى: يضع يده على الحجر، فكأنه مأخوذ إما من السلام الذي هو التحية للبيت, وإما من السِلام بمعنى: مس الحجر نفسه, فالحجارة هي السِلام وواحدتها سلمة, تقول: استلمت الحجر، أي: وضعت يدك عليه.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك)، وفي رواية قال: (أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك)، فهذا من عمر -كما ذكرنا قبل ذلك- يريد أن يعلم الناس شيئاً، والتعليم قد يكون بالشرح مباشرة أنه يقبل الحجر الأسود من أجل كذا وكذا, وقد يكون التعليم عن طريق المسألة، فيسأل المسألة ويجيب عنها عن طريق الاستفهام, أو عن طريق إظهار التعجب من الشيء، حتى يشوق السامع ليسمع الجواب, وليس في هذا اعتراض من عمر رضي الله ﵎ عنه على هذا الذي يصنعه, ولكن إرادة إعلام الناس, فلذلك يقول: إن هذا الحجر لا ينفع ولا يضر, يقول الإمام النووي ﵀: إنما قال عمر ﵁ ذلك ليسمع الناس هذا الكلام، ويشيع بينهم، وقد كان كثير منهم حديث عهد بعبادة الأحجار, فهذا هو السبب: أنهم كانوا قريبين في عهدهم من عبادة الأصنام، ولذلك أحب عمر ﵁ أن يقول: نحن لا نعبد الحجر ولا نرجو من الحجر نفعاً ولا ضراً؛ حتى لا يظن الناس أن العبادة من أجل ذلك، أو يظنون أن هذا مشابه لما كانوا يصنعونه بالأصنام، يقول: إن هذه التحية أمرنا بها، وليست عبادة للحجر، ونحن نستيقن أن الحجر لا ينفع ولا يضر، وإنما نفعل ذلك اقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه, قال: (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك)، فخاف أن يغتر البعض فقال ما قال، والله أعلم.
стр. 252
استحباب السجود على الحجر
ويستحب السجود عليه, فإذا وصلت إلى الحجر الأسود فاستلمه بيديك، واجعل وجهك عليه كهيئة الساجد عليه؛ لما روى البيهقي بإسناده عن ابن عباس: (أنه قبله وسجد عليه)، فيقبل الحجر الأسود ويسجد عليه إن استطاع, وقال ابن عباس: (رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلته)، إذاً: هذا مرفوع إلى النبي ﷺ ، أنك تسجد على الحجر الأسود وتقبله وتستلمه بيديك.
стр. 253
مراحل استلام الحجر عند الزحام
وإذا قبل الحجر الأسود فلا يرفع صوته بالتقبيل بل يقبل بغير صوت، فلا يظهر للقبلة صوتاً, وإذا منعته الزحمة ونحوها من السجود عليه وأمكنه الاستلام استلم, فلا يزاحم الناس ولا يدفعهم، ولا يؤذي أحداً من الناس، ولكن إن قدر على أن يفعل ما ذكرنا فعل، فيستلم من بعيد، ويضع يده إن استطاع فيمرها على الحجر الأسود, وإذا استلم بيده فيقبلها، وهذا من السنة، أنك تقبل الحجر أو تقبل ما يلمس الحجر سواء بيدك أو بشيء في يدك, فإن لم يمكنه سواء كان قريباً أو بعيداً أشار بيده، فإذا كان بعيداً يرى الحجر الأسود ويقبله من بعيد مثلاً فهذه ليست سنة، ولا يستلم الحجر بمحجن أو عصا، وهذا في عهد النبي ﷺ كان سهلاً، أما الآن فلا يفعل؛ لأن الزحام شديد فقد يمد العصا فيخذف بها عين إنسان، فلا يفعل ذلك، ولكن إذا استطاع بيده فعل، وإذا لم يستطع من شدة الزحام أشار بيده.
إذاً: إما أن يقبل بفمه، فإن لم يقدر فيستلمه بيده، وإن كان المكان يسمح له بأن يمد شيئاً إلى الحجر ويقبله فعل كما فعل النبي ﷺ .
وإذا أشار من بعيد باليد إلى الحجر فهل يقبل يده أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: فالجمهور على أنه لا يقبل يده؛ لأن النبي ﷺ لما أشار بمحجن في يده ثبتت عنه أنه كان يقبل المحجن ﵊، فذكروا أن المحجن لمس الحجر ولذلك قبله ﷺ ، وإذا لم يمس الحجر فلا يقبل, والإمام النووي اختار أنه إذا أشار بيده قبل يده، وإذا أشار من بعيد أيضاً قبل يده؛ لعموم قوله ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، فقال: إن لم يتمكن من الاستلام أشار بيده أو بشيء في يده للاستلام, ثم قبل ما أشار به، واحتج بقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
واحتج الجمهور بما جاء في الصحيحين عن ابن عباس قال: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن)، وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن)، فالجمهور على أن الشيء الذي يلمس الحجر هو الذي يقبل، سواء كانت اليد أو المحجن والأمر في ذلك يسير، فإن لم يتمكن قلنا: إنه يشير بيده أو يشير بشيء في يده.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: (طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده) فالسنة أنه كلما أتيت إلى الركن تشير إليه إذا كنت بعيداً، وإذا كنت قريباً قبلته, ولـ مسلم عن سويد بن غفلة قال: (رأيت عمر ﵁ قبل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفياً)، أي: مكرماً لك, وقال ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فبحسب ما يتيسر له من أنه يقبل الحجر أو يشير إليه بيده فيقبل يده, أو يشير بشيء في يده ويقبل هذا الشيء إذا لمس الحجر, وعن نافع قال: (رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله).
стр. 254
ما يقوله الحاج والمعتمر عند استلام الحجر
ويستحب أن يقول عند الاستلام: باسم الله والله أكبر, فإذا جاء عند الحجر واستلم الحجر يقول ذلك؛ لما روى الإمام أحمد عن نافع قال: (كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، فإذا انتهى إلى ذي طوى بات فيه حتى يصبح ثم يصلي الغداة - يعني: الصبح - ويغتسل، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعله، ثم يدخل مكة ضحى، فيأتي البيت ويستلم الحجر ويقول: باسم الله والله أكبر).
والشاهد منه: أنه إذا استلم الحجر قال: باسم الله والله أكبر, قال (ثم يرمل ثلاثة أشواط يمشي ما بين الركنين، فإذا أتى على الحجر استلمه وكبر) فمن السنة: أنه يضع اليد إذا استلم ويقول: باسم الله والله أكبر.
ولا يستحب للنساء تقبيل الحجر ولا استلامه إلا عند خلو المطاف, وعندما تصل المرأة في الزحام إلى الحجر سيكون في ذلك مشقة شديدة عليها، وحرج شديد جداً على الرجال الموجودين, عندما تتنازع مع الرجال وتحتك بهم فيزحمونها وتزحمهم, ولعلها تتكشف في ذلك, فلا يستحب لها أن تصنع ذلك إلا إذا كان هناك فراغ فيستحب لها أن تصنعه, أما مزاحمة الرجال فكم تقع فيه من ملامسة ومزاحمة وضغط مع الرجال وتكشف, فلا تصل إلى تطبيق شيء مستحب حتى تقع في حرام كبير, فلا يستحب للمرأة إلا إذا كان المكان فارغاً وتقدر أن تصل دون أن تؤذي أو تؤذى.
стр. 255
بيان أركان الكعبة وما يستحب استلامه منها
عرفنا أن للكعبة أربعة أركان، وأن جزءاً من الكعبة هو الحجر، فهو من الكعبة وبني على قواعد إبراهيم, والكعبة لها أربعة أركان كما ذكرنا: الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود, والركن الذي بعده هو الركن الشامي، ونحن نقول: ركنان شاميان لأنهما في اتجاه الشام, وركنان يمانيان لأنهما في ناحية اليمن, والركنان الشاميان أحدهما: يسمى بالركن العراقي، الذي هو من ناحية العراق, والآخر: الركن الشامي وهو إلى ناحية فلسطين وناحية الشام, والركن الثالث هو الركن اليماني, والرابع هو الحجر الأسود, إذاً: هناك ركنان في ناحية الشام، وركنان في ناحية اليمن.
والركن الأسود له فضيلتان: أنه مبني على قواعد إبراهيم، وفيه الحجر الأسود, فيشرع فيه التقبيل والمسح باليدين أو المس والسجود عليه.
والركن اليماني الآخر مبني على قواعد إبراهيم, فالمستحب فيه أن يمسح باليد، وفيه فضل وثواب، فإن الله يحط الذنوب حطاً بهذا المسح.
والركنان الشاميان قصرت النفقة بقريش أن يبنوهما على قواعد إبراهيم, فدخلوا إلى الكعبة قليلاً، فتوجد ستة أو سبعة أذرع من البيت هي خارج البيت, فلذلك لا يستحب في الركنين الشاميين لا المسح ولا التقبيل.
وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (ما تركت استلام هذين الركنين: اليماني والحجر الأسود منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما في شدة ولا رخاء)، أي: أنه كان يحاول دائماً أن يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في الشدة والرخاء, وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني) , وجاء عن ابن الزبير أنه كان يستلم الأربعة الأركان, ولعله لما هدم الكعبة في عهده وبناها مرة أخرى على قواعد إبراهيم فقال: ليس شيء من البيت مهجور, فالركنان اليمانيان الآن على قواعد إبراهيم، فكان يستلمهما, ولكن الركنين الشاميين هما على ما كانا عليه في عهد النبي ﷺ فليسا على قواعد إبراهيم, وسنة النبي ﷺ استلام الركنين اليمانيين دون الركنين الشاميين.
стр. 256
من فضائل الحجر الأسود
والحجر الأسود له فضيلة، وكذلك الركن اليماني ومقام إبراهيم, فهذه الأماكن قد ذكر النبي ﷺ فضيلتها في الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم)، هذا الحديث الصحيح فيه بيان فضيلة الحجر الأسود، فذكر أنه من الجنة, وكان أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم من شركهم وفعلهم المنكر في هذا المكان, من إقامة الأصنام ونحوها.
وفي حديث آخر رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب)، الركن: هو الحجر الأسود, والمقام: هو مقام إبراهيم الذي قام عليه وهو يبني الكعبة, فجاء في هذا الحديث الصحيح أن (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة, لولا أن الله طمس نورهما لأضاءتا -أي: هاتان الياقوتتان- لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب, ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب, وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي)، فلو أن الله تركهما على حالتهما لم يطمس نورهما لكان أي إنسان يمسهما شفاه الله , أي إنسان سقيم أو ذي عاهة, قال: (وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي) فهنا طمس الله نورهما بسبب خطايا بني آدم, وفي رواية: (لولا ما مسهما من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي, وما على الأرض شيء من الجنة غيره) أي: غير ما ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث.
وروى النسائي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن مسحهما يحطان الخطيئة)، وسمعته يقول: (من طاف سبعاً فهو كعتق رقبة)، فذكر هنا مس الاثنين: الحجر الأسود والركن اليماني فقال: (إن مسحهما يحطان الخطيئة) أي: بهذا المسح كل من الاثنين يحطان الخطيئة عمن مسهما؛ ولذلك فالسنة أن تفعل ما صنعه النبي ﷺ وما أرشد إليه, فالحجر الأسود تمسه بيدك وتقبله, والركن اليماني تمسه بيدك, وهذا المسح باليد يحط الخطيئات كما ذكر النبي ﷺ .
وفي رواية لـ أحمد: (إن استلام الركنين يحطان الذنوب) والمنطوق منه: استلام الركنين, والمفهوم منه: أن غير الركنين ليس فيه هذه الفضيلة, فالإنسان الذي يتعب نفسه فيمسح البيت كله عندما يمر فهذا خطأ، ولم يفعل ذلك النبي ﷺ ، وإنما فعل ذلك مع الركنين, وجاءت الفضيلة في مسح الركنين دون غيرهما.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: (والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، وله لسان ينطق به، يشهد على من استلمه بالحق)، فهنا يكون النفع أن الله سبحانه يجعل له ما ينطق به, فيقول الحجر الأسود: فلان قبلني, وفلان مسني, وفلان وحد الله عندي, قال ﷺ : (والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بالحق) وهنا قيد: (من استلمه بالحق)، وكأن هناك من يستلمه بحق ومن يستلمه بغير حق, فالذي يستلمه بالحق ذهب موحداً لربه ، ولم يظلم أحداً, ولم يبغ منكراً في هذا المكان, استلمه لا لسمعة ولا رياء, ولا يقال: فلان استلم وفلان حج، ولم يزاحم ولم يؤذ الخلق في هذا المكان، فاستلم الحجر بحق فإنه يشهد له يوم القيامة, أما الذي يؤذي الخلق ويضرب الناس حتى يستلمه فهذا استلمه بغير حق, فقد آذى الخلق في صنيعه، فالحجر يشهد على من استلمه بحق فقط.
стр. 257
استحباب الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود
والدعاء بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود مستحب, وبأي دعاء دعا جاز وحصل الاستحباب, لكن أفضل ما يدعى به في هذا المكان ما جاء في القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، وكذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في حديث عبد الله بن السائب عند أبي داود قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول عند الركنين: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) بل ثبت عنه ﷺ أن هذا كان من أكثر دعائه صلوات الله وسلامه عليه, يقول أنس: (كان أكثر دعاء النبي ﷺ : (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، فهذا كان من أكثر دعاء النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 258
استحباب الدنو من البيت عند الطواف
والدنو من البيت مستحب, فإذا خيرت بين أن تطوف بجوار البيت وبين أن تطوف في المسجد أو في الدور الثاني فالأفضل أن تطوف في صحن المسجد قريباً من البيت, مع أنك لو نظرت بالعقل فستقول: التعب فوق أكثر؛ لأن المسافة قصيرة حول البيت, لكن لو طفت في المسجد أو في الدور الثالث فإن التعب فيها أكثر, بل يمكن أن يكون الشوط الواحد بسبعة, ولكن مع ذلك إذا كنت بجوار بيت الله فهو أفضل, وكلما دنوت من البيت كان أفضل حتى لو كان المشي أقل في ذلك, فعلى ذلك نقول: لو دنوت من البيت فهذا مستحب بشرط ألا تؤذي أحداً، ولا ينظر إلى كثرة الخطى في البعد؛ لأن المقصود هو إكرام البيت بكثرة الاقتراب منه، والعلة في ذلك أنك تكرم بيت الله بإعماره، فكلما كنت قريباً كان هذا أفضل ممن يكون بعيداً عنه ويترك الساحة فارغة.
أما المرأة فيستحب لها ألا تدنو في حال طواف الرجال، بل تكون في حاشية المطاف, أي: خلف الرجال متأخرة ولا تكون قريبة حتى لا تؤذى ولا تختلط بالرجال فتتأذى.
ويستحب لها أن تطوف في الليل إذا كان الليل أهون في الطواف وأقل في العدد؛ فإنه أصون لها ولغيرها من الملامسة والفتنة, فإن كان المطاف خالياً من الرجال فيستحب لها أن تدنو.
والمحافظة على الرمل مع البعد من البيت أفضل من القرب بلا رمل, وهنا التخيير بين أن تكون قريباً من البيت أو بعيداً من البيت, فنقول: القرب من البيت أفضل, ولكن أن تبتعد قليلاً وتأتي بالسنن أفضل من ترك سنة من سنن النبي ﷺ مع القرب, فإذا كنت بعيداً قليلاً وتقدر على الرمل فهو أفضل، والرمل معناه: الإسراع في المشي كهيئة الذي يجري، فهذا يسمى بالخبب أيضاً.
وشرط الطواف وقوعه في المسجد الحرام, فلو أن إنساناً طاف خارج المسجد الحرام فلا يجزئ, والمسجد الحرام كلما وسع كان ما بداخله يعد من المسجد الحرام, وقد وسع المسجد حتى صار أضعاف ما كان عليه قبل، لكن لو كان في نفس المكان الآن وهو خارج المسجد الحرام من غير توسيع ولا شيء فهذا يسمى خارجاً منه, فالطواف لابد أن يكون داخل المسجد.
ولا بأس بالحائل في المسجد الحرام بين الطائف والبيت, فإن الذي يطوف في الدور الثاني أو يطوف وراء المسجد يمكن أثناء الطواف أن يكون هناك حوائل تمنعه من النظر إلى البيت ولا يرى البيت، فالطواف صحيح.
ويجوز الطواف في أخريات المسجد وعلى سطوح المسجد كما ذكرنا, فإن جعل سطح المسجد أعلى من سطح الكعبة وطاف على سطح المسجد صح وإن ارتفع عن محاذاة الكعبة, بمعنى: لو فرضنا أنه يوجد دوران، ثم أصبحت أربعة أدوار، ثم وصلت إلى عشرة أدوار مثلاً، وهو يطوف في الدور المرتفع, فطالما أنه داخل المسجد فالطواف صحيح حتى لو كان أعلى من سطح الكعبة.
стр. 259
سنية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى وكيفيته
والرمل في أثناء الطواف سنة من السنن كما ذكرنا، وهو سرعة المشي مع تقارب الخطى, فليس الرمل جرياً ولكنه مشي فيه إسراع وحركة بالمنكبين واليدين كهيئة الذي يجري، وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: (كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً) (خب ثلاثاً) أي: أسرع في المشي كهيئة الجري, فيستحب ذلك في الأشواط الثلاثة، ولا يعدو عدواً، أي: لا تكون هيئته كأنه ينط أو يجري, فليس الخب جرياً وإنما هو مشي سريع مع تقارب الخطا, وهو فوق سجية المشي ودون العدو.
والرمل يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، وهي السنة، ويسن أن يمشي في الأربعة الأشواط الأخيرة، فلو فاته الرمل فقد ذكرنا في الحديث السابق أنه لا يشرع قضاؤه؛ لأن الثلاثة الأشواط الأولى هي التي فيها الرمل, والأربعة التي بعد ذلك السنة فيها المشي, فلو أنه نسي الرمل في الأولى فلا يقضيه في الثانية؛ لأنه ضيع السنة في الأشواط الأولى فلم يفعلها، وسيضيع السنة في الأشواط الأخيرة فلا يفعلها وهي المشي, فكل شيء سنته في حينه.
ويستوعب البيت بالرمل فيرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ولا يقف إلا في حال الاستلام والتقبيل والسجود على الحجر, وإن كان الذي فعله النبي ﷺ مع أصحابه أنهم رملوا ما بين الركنين فقط, فعلى ذلك يرمل حتى يصل إلى الركن اليماني فإن أكمل رملاً جاز، وإن وقف كان مع ما فعله النبي ﷺ , وإن كان النبي ﷺ ما منعه أن يأمرهم بالرمل حول البيت كله إلا الإبقاء عليهم، فقد كانوا في هذا المكان مختفين عن الكفار, والكفار لم يكونوا يرون المسلمين، فأمرهم بالمشي إبقاءً عليهم, ولذلك استحب من استحب من العلماء أن يرمل في الثلاثة الأشواط بجميع البيت من الحجر إلى الحجر، وقالوا: لأن الصحابة رخص لهم النبي ﷺ في هذا لأنهم كانوا يختبئون من الكفار, فطالما أنه لا يوجد كفار ولا شيء من ذلك فيرجع إلى العادة، فإن أول ثلاثة أشواط يكون فيها الرمل، والأربعة بعد ذلك يكون فيها المشي حول البيت كله, فلو أنه فعل ذلك كله فرمل، أو وصل إلى الركن اليماني ثم مشى ودعا ربه جاز ذلك.
عن جابر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف) وجابر هنا يروي هذا الحديث في حجة النبي ﷺ ، وهذا معروف أنه كان بعد العمرة التي كان فيها الرمل على هذه الهيئة, فـ جابر لم يقل: إنه ما بين الركنين مشى ﵊, فعلى ذلك إذا مشى بين الركنين ودعا جاز، ولكن الأولى أن يستوعب الثلاثة الأشواط الأولى بالخب أو بالرمل؛ لحديث جابر، وقد جاء عن ابن عمر مثل ذلك، وهذا كان في حجة الوداع.
فيسن الرمل في طواف القدوم مطلقاً، والاضطباع ملازم للرمل, أي: أن الطواف الذي فيه الرمل سيكون فيه اضطباع، وطواف ليس فيه رمل ليس فيه اضطباع.
وطواف القدوم هو أول طواف تطوفه بالبيت، فإذا كنت حاجاً فتطوف طواف القدوم, وإذا كنت قارناً طفت طواف القدوم, وإذا كنت معتمراً فتطوف طواف العمرة, فعلى ذلك الطواف الذي تقدم فيه وتطوف بالبيت سيكون فيه رمل واضطباع.
ولو كان في حاشية المطاف نساء ولم يأمن ملامستهن لو تباعد فالقرب بلا رمل أولى من البعد مع الرمل, أي: لو كان النساء يطفن متأخرات في الخلف في حاشية المطاف, وهو أراد أن يرمل وتأخر من أجل أن يأتي بهذه السنة، فإذا كان سيخالط النساء وسيكون هناك شيء من الأذى أو الاختلاط فعلى ذلك يقرب من البيت حتى ولو لم يكن يقدر على الرمل.
ومتى تعذر الرمل استحب أن يتحرك في مشيه ويري من نفسه أنه لو أمكنه الرمل لرمل, والنبي ﷺ إذا أمرنا بشيء فنأتي منه ما استطعنا, فالذي يطوف بالبيت طواف القدوم قلنا: يشرع له الرمل, فإذا كان في شدة الزحام كموسم الحج مثلاً أو في العمرة في رمضان ونحو ذلك، فلعلك لا تقدر على الرمل فتكون ماشياً مثل هيئة المحمول من شدة الزحام الذي حولك, فهنا يستحب أن يري من نفسه ذلك، أي: أنه لو لم يكن هناك زحام لكان رمل كما فعل النبي ﷺ .
ولو طاف راكباً أو محمولاً فيستحب أن يحرك الدابة فيسرع كإسراع الرامل, والمريض الذي يكون يطوف كرسي أو محمولاً في محمل فيستحب لمن يمر به أن يسرع في الوقت الذي فيه الرمل ويرمل به.
стр. 260
استحباب الدعاء في الطواف
ويستحب أن يدعو في رمله بما أحب من أمر الدين والدنيا, وأثناء الطواف بالبيت يدعو بما شاء، فالمستحب هو الدعاء, فلو أنه قال هذا الدعاء الذي جاء عن بعض الصحابة: (اللهم اجعله نسكاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً) لو قال ذلك فحسن، ولم يثبت ذلك عن النبي ﷺ في حديث مرفوع.
ويستحب أن يدعو أيضاً في الأشواط الأربعة الأخيرة التي يمشيها, وفي كل طواف بين الركنين يدعو بقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] وفي باقي الطواف يدعو بما شاء من غير أن يؤذي أحداً برفع الصوت بالدعاء.
وأفضل الدعاء أن يقول: اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، فكأنه أفضل الدعاء لأنه دعاء بالمغفرة والرحمة ودعاء بالعفو, والإنسان يسأل ربه سبحانه العفو والعافية كما جاء عن النبي ﷺ (ما سأل عبد ربه خيراً له من سؤاله العفو والعافية)، فيدعو بالمغفرة والرحمة والعفو، وهذا أيضاً ليس ثابتاً عن النبي ﷺ ، إنما ثبت عن ابن عمر رضي الله ﵎ عنهما أنه كان يدعو بذلك: (اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم) كذلك دعاء القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
стр. 261
استحباب قراءة القرآن في الطواف
ويستحب قراءة القرآن في الطواف, فهو من أفضل الذكر، والطواف بالبيت صلاة، فليكن فيه شيء من قراءة القرآن إذا أردت أو الدعاء أو الذكر, وما استطعت من ذكر الله صنعت.
ولو ترك الاضطباع والرمل والاستلام والتقبيل والدعاء في الطواف فما الحكم؟ كل هذه سنن لو تركها عمداً أو ناسياً فلاشيء عليه، ولكن فاتته الفضيلة.
стр. 262
جواز الكلام في الطواف
ويجوز الكلام في الطواف, كما ذكرنا في حديث النبي ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله سبحانه أباح فيه الكلام)، فيجوز فيه الكلام, وليس الكلام في أمور الدنيا، ولكن يتكلم بما يحتاج إليه من أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، أما غير ذلك فلا، فليس هذا وقت كلام مع الناس بما لا ينفع، فقد جاء عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ : مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي ﷺ ثم قال: قده بيده)، أحياناً الإنسان يبالغ في الشيء, فهذا رجل معه ابنه، وهو رابط يده في يد ابنه، وكأنه يريد أن يري أنه متذلل بين يدي الله كهيئة الدابة المربوطة وواحد يجره، فلعله يريد أن يظهر التواضع، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وأمر ابنه أن يقوده بيده ولا يقوده مثل الدابة بحبل.
ولعله لم يقصد ذلك ولكن يقصد أنه لا يبعد عنه ابنه فيضيع منه, فهنا أيضاً الحبل الذي يكون ممدوداً بينه وبين ابنه سيمنع الناس من المرور، فإذا أردت ذلك فأمسك الإنسان بيده.
стр. 263
ما يكره ويحرم فعله في الطواف
وينبغي أن يكون في طوافه خاشعاً متخشعاً حاضر القلب، ملازم الأدب بظاهره وباطنه في هيئته وحركته ونظره, فإن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها، ويستشعر في قلبه عظمة من يطوف ببيته.
ويكره له الأكل والشرب أثناء الطواف، ولو فعل ذلك فطوافه صحيح, وكراهة الشرب أخف من كراهة الأكل في طوافه, ولا يبطل الطواف بواحد منهما.
ويكره للطائف أن يشبك أصابعه أو يفرقعها, فالطائف مشغول بالدعاء وليس مشغولاً بالتسلية بحيث يفرقع أصابعه أو يتمطى أو يشبك بين أصابعه في الطواف.
ويكره أن يطوف وهو يدافع البول أو الغائط, كما يكره ذلك في الصلاة، والعلة في ذلك: أن المصلي مشغول بذكر الله ، فإذا انشغل ببطنه ببول أو غائط فلن ينتبه لما يدعو به أو لما يقوله, فهو يريد أن ينتهي من الصلاة من أجل أن يخرج، وكذلك في الطواف.
والطواف عبادة وتوحيد لله ، وإظهار للتضرع والخشوع بين يديه سبحانه, وهذا كله ينافيه أن الإنسان يدافعه البول أو الغائط، فيريد أن ينتهي بسرعة من غير دعاء ولا خشوع حتى يذهب إلى قضاء حاجته، فنقول: اذهب واقض حاجتك، ثم بعد ذلك طف بالبيت.
ويلزمه أن يصون نظره عمن لا يحل له النظر إليه, وليس هذا للطائف فقط، بل الطائف وغير الطائف, فالمؤمن يصون نظره عن أن ينظر إلى الحرام، أو أن ينظر إلى النساء والمردان، فيحرم عليه أن ينظر نظرة توقعه في النار, فإذا كان هذا في غير الحج والعمرة فيكون في بيت الله الحرام من باب أولى أن يجتنب ما حرم الله .
ويصون نظره وقلبه عن احتقار من يراهم من الضعفاء وغيرهم, فلعل الإنسان في أثناء الطواف وهو في حرم الله يرى إنساناً ضعيفاًً عاجزاً فينظر إليه بنظرة الاحتقار, والذي جعله كذلك هو الله سبحانه القادر على أن يجعلنا مثله, فالإنسان لا يحتقر إنساناً ضعيفاً أو إنساناً عاجزاً، سواء أوقعه هذا في أشياء من الخطأ أو أنه أوقعه في شيء مما يبغض الناس, فعلى ذلك ارحم خلق الله ، ومر بالمعروف وانه عن المنكر من غير أن تزدري إنساناً, والإنسان الذي ترى فيه شيئاً من الضعف في عمله وجسده، أو جهل شيئاً من المناسك علمه برفق، ولا داعي لأن تستكبر عليه، وأن تنظر إليه أنه جاهل وأحمق وكذا, ولكن علم الإنسان الجاهل في مثل هذا الموسم.
стр. 264
لزوم الموالاة بين الأشواط في الطواف إلا لحاجة
وينبغي للطائف أن يوالي بين طوافه؛ والموالاة في العبادات: أن يأتي بالعمل ويعقبه العمل الآخر، وهو مثل الموالاة في الوضوء، فتغسل العضو ثم يليه غسل العضو الثاني, ولا تفصل بينهما بوقت طويل، وكذلك الموالاة بين الطواف فنقول: ينبغي ذلك ولا يجب؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ , لكن لو فرضنا أن الموالاة مع تعب الإنسان لم يقدر عليها, فطاف ثلاثة أشواط ثم تعب، فقعد يستريح، ثم أكمل، فالطواف صحيح, فعلى ذلك لو كان التفريق كثيراً بغير عذر فلا يبطل طوافه، بل يبني على ما مضى وإن طال الزمان بينهما, ويكون الطواف صحيحاً.
ولو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في أثناء الطواف استحب له قطعه ليصليها ثم يبني على الأول, فهنا إذا أقيمت الصلاة المكتوبة فلا يقل: سأكمل الطواف، وإلى أن يقرأ الإمام الفاتحة أكون قد انتهيت، بل المستحب أن تقف في هذه الحالة عندما تقام الصلاة وتصلي مع الناس، ثم بعد ذلك أكمل, لكن لا يجوز له أن يسمع الإمام يصلي بالناس ويقول: أكمل الطواف حتى ولو فاتتني الصلاة, ولكن يجب عليه أن يقطع طوافه ويصلي، ثم يكمل طوافه بعد الصلاة؛ لأنه يجب عليه أن يصلي مع الجماعة.
стр. 265
حكم من أحدث في الطواف
الطواف بالبيت صلاة، فلابد من أن يكون على وضوء وهو يطوف بالبيت, ولو أنه أحدث في طوافه فخرج وتوضأ ورجع فهنا يستحب له أن يعيد فيبدأ من جديد، والراجح من حيث الدليل أنه يجوز أن يبني, فلو أنه طاف مثلاً ثلاثة أطواف بالبيت، ثم أحدث فخرج وتوضأ فيكون بقي له أربعة، فيأتي ليكمل الأربعة فقط، وخاصة الآن في الزحام الشديد في مواسم الحج والعمرة، فيصعب على الطائف أن يعيد، فلو ألزمنا كل إنسان أن يعيد الطواف من جديد لعله يصعب عليه، وخاصة من ينفلت منه الريح فلا يقدر على إمساك نفسه، فبناءً على ذلك إذا رجع بنى على ما مضى, ولو أنه أعاد من جديد لكان هذا أحسن وخروجاً من الخلاف, فمتى قطع الطواف في أثنائه بحدث أو بغيره بنى على ما مضى، فيبني من الموضع الذي وصل إليه, وهو يعرف أين وصل، فلو فرضنا أنه وصل عند الركن الشامي مثلاً وبعد ذلك أحدث وخرج فتوضأ فليكمل من هذا المكان, لكن الأفضل أن يبدأ الشوط الذي قطعه من جديد.
стр. 266
استحباب صلاة ركعتي الطواف خلف المقام
وإذا انتهى من الطواف بالبيت فيتوجه إلى مقام إبراهيم ليصلي ركعتين, وأجمع المسلمون على أنه ينبغي لمن طاف أن يصلي بعده ركعتي الطواف, وركعات الطواف سنة وليستا فريضة، ودليلها ما جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ حتى أتينا البيت، فاستلم الركن، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفر إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] فجعل المقام بينه وبين البيت) , وهنا سنة أخرى: أن النبي ﷺ لما انتهى من الطواف بالبيت توجه إلى مقام إبراهيم، ولما توجه قرأ هذه الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ثم صلى خلفه ﷺ ركعتينن، يقول في الحديث: (وكان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، ثم رجع إلى الركن فاستلمه)، فالسنة أنك تقرأ بهاتين السورتين, مثل صلاة سنة الفجر، فتقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] , وجاء في بعض الروايات أنه بدأ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وفي بعضها أنه بدأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وكله جائز، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ , وإن بدأت في الركعة الأولى بـ (قل هو الله أحد) و (قل يا أيها الكافرون) في الركعة الثانية فلا مانع من ذلك.
والمستحب أن يصليهما خلف مقام إبراهيم, وإذا كان قريباً فهذا هو الأفضل، لكن لو فرضنا أن قربك مع ازدحام الطواف سيؤذي الطائفين ويعطل الطواف، فترجع وتتأخر قليلاً بحيث يكون أمامك مقام إبراهيم فتصلي وتتوجه إليه, لكن لو فرضنا أنك كنت في الداخل وبعدما انتهيت من الطواف يصعب عليك أن ترجع إلى مقام إبراهيم، فيجوز لك أن تصلي ركعتين داخل الحجر, وفي أي مكان من المسجد صليتهما جاز لك ذلك, فإن صلاهما خارج الحرم في وطنه أو غيره من أقطار الأرض صحت وأجزأته, فيكون قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] ليس على الوجوب، فإذا فاته أن يصلي خلف مقام إبراهيم لشدة الزحام وخرج حتى صار خارج الحرم أو خارج المسجد الحرام فصلاهما جاز له, وجاء عن عمر ﵁ أنه صلاهما بذي طوى كما سيأتي.
ولو أنه نسيهما فلم يصلهما وتذكرهما بعدما رجع إلى فندقه أو إلى بلده فليصليهما قضاءً, وليستا واجبتين.
ويصح السعي قبل صلاة ركعتي الطواف, فلو أنه طاف بالبيت وخرج إلى المسعى فسعا، ثم تذكر أنه لم يصل الركعتين فليصليهما وهو في ذلك المكان.
وإذا أراد أن يطوف في الحال طوافين أو أكثر استحب له أن يصلي عقب كل طواف ركعتين, وقد قلنا: من السنة للذي يذهب إلى بيت الله الحرام أن يكثر من الطواف, فإذا انتهيت من طواف العمرة أو طواف الحج وأنت موجود هناك في مكة فالسنة أنك كلما توجهت إلى البيت تطوف بالبيت كلما قدرت على ذلك.
ولو أن إنساناً طاف بالبيت وأحب أن يطوف طوافاً أو طوافين أو ثلاثة أطوفة فيجوز له ذلك, ولكن يستحب هنا إذا طفت سبعة أطواف بالبيت أن تصلي ركعتين, وإذا طفت ثانيةً فصل ركعتين أخرى, ولو فرضنا أنه جمع هذا كله فطاف ثلاث مرات في كل مرة سبع أشواط، ثم صلى ركعتين عن الجميع, أو صلى لكل طواف ركعتين فإنه يصح ذلك, ولو طاف أسابيع متصلة ثم ركع ركعتين جاز له, والأسابيع: جمع أسبوع، وكل أسبوع منها سبعة أطواف بالبيت, يقال: طاف أسبوعياً بالبيت، ومعناه: طاف سبعة أشواط، فيصلي بعدها ركعتين, وإذا لم يفعل وطاف سبعة أشواط أخرى ثم سبعة أشواط ثالثة فهنا طاف ثلاثة أسابيع فهذا هو معنى الأسابيع.
وتمتاز هذه الصلاة عن غيرها بأنه يدخلها النيابة, وذلك عندما يأتي إنسان يحج عن إنسان آخر فيصلي ركعتي الطواف، فهذه سنة يصليها عن المحجوج عنه, فهنا دخلت النيابة في هذه الحالة, أو يعتمر عن إنسان ميت فهنا هذه الصلاة تكون لهذا الإنسان المتوفى, فإن الأجير في الحج يصليهما عنه، وليس في الشرع صلاة تدخلها النيابة غير هذه, ويلتحق بالأجير ولي الصبي، فلو أنه كان معه صبي صغير دون التمييز فطاف بالصبي سبعة أطواف، فلن يقول للصبي: صل ركعتين عن نفسك؛ لأن الصبي يؤمر بالصلاة إذا كان له سبع سنوات, وإذا كان دون ذلك فإن الولي يصلي الركعتين, فإن كان الصبي مميزاً فهذا المحرم يطوف به ويصلي ركعتين، وإلا صلى عنه الولي إذا كان دون ذلك.
ويستحب أن يدعو عقب صلاته هذه خلف المقام بما أحب من أمر الآخرة والدنيا, فبعدما يصلي ركعتين خلف المقام يستحب أن يدعو بالدعاء الذي كان يدعو به ابن عمر وسيأتي.
стр. 267
استحباب استلام الحجر عند التوجه إلى المسعى
وإذا فرغ من الصلاة هنا فيتوجه إلى المسعى ليسعى بين الصفا والمروة, فيستحب قبل أن يخرج أن يستلم الحجر الأسود مرة ثانية, وليس بالسهولة استلام الحجر الأسود الآن كما كان في الماضي, ففي الماضي كان يسهل عليه بعدما يصلي ركعتين أن يرجع إلى الحجر الأسود ويستلمه, والآن يصعب عليه أن يرجع مرة ثانية فيستلم الحجر الأسود, فإذا استطاع ذلك فعل، وإذا لم يستطع فلا شيء عليه في ذلك.
ولو طاف المحرم وهو لابس المخيط ونحوه صح طوافه، وتحريم لبس المخيط لا يختص بالطواف, فعلى ذلك لو أنه نسي أو تعمد فطاف بالبيت وهو محرم ولابس الثياب أو المخيط فالطواف صحيح، ولكن عليه دم لتقصيره في الواجب.
стр. 268
حكم الطواف والصلاة في الأوقات المنهي عنها
أجمع العلماء على أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز, فيجوز لك أن تطوف بالبيت في أي وقت وفي أي ساعة من ليل أو نهار، في أوقات التحريم أو غيرها، فهذا كله جائز, إنما الخلاف في ركعتي الطواف, فهل من الممكن أن تصلى في أوقات التحريم أو ليس من الممكن ذلك؟ نقول: يجوز أن يصلي ركعتي الطواف في كل الأوقات، ولكن ليجتنب الأوقات اليسيرة التي هي أوقات التحريم.
وأوقات النهي المحرمة ثلاثة: وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وهو حوالي ربع ساعة من وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع تقريباً, وكذلك وقت غروب الشمس حتى تغيب، فإنها تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، فيجتنب في هذين الوقتين من ربع ساعة إلى عشر دقائق فلا يصلي فيها ركعتي الطواف, فيؤخرها قليلاً ثم يصلي بعد ذلك, وقبل غروب الشمس إذا طاف وبقي عشر دقائق على غروب الشمس فلا يصلي، وإنما ينتظر, فإذا غربت الشمس صلى ركعتين بعد ذلك.
وكذلك قبيل صلاة الظهر بقدر يسير جداً لا يكفي لركعتين، وهو وقت استقلال الظل بالرمح قبل صلاة الظهر مباشرة, فلا يصلي في هذا الوقت.
فأوقات المنع يسيرة جداً وسهلة، وعليه أن ينتظر إلى أن تعدي الشمس ويخرج من الخلاف ثم يصلي, وغير ذلك في باقي الأوقات من ليل أو نهار فله أن يصلي في ذلك, وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع)، فمن وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع في نظر الناظر، حيث إذا نظر إلى الأفق يجد الشمس طالعة من تحت الأفق, وبدأ حاجب الشمس المنحنى العلوي للشمس يطلع إلى أن يصبح قرص الشمس فوق الأرض، هذا الوقت كله أنت ممنوع من الصلاة في, وهو حوالي ربع ساعة فهو مقدار يسير, فتكون الشمس ليست ملامسة للأرض، فتجوز الصلاة بعد ذلك, قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع, وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس, وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)، فالشمس عندما تبدأ تشرق كانت تحت الأفق, ويبدأ حاجب الشمس المنحنى العلوي لقرص الشمس يظهر, والعكس في ذلك: الشمس في وقت الغروب تكون فوق الأرض، ويبدأ المنحنى السفلي لها ينزل إلى تحت, وهنا في وقت الطلوع تطلع الشمس شيئاً فشيئاً إلى أن تكون فوق الأرض, وفي الغروب تنزل الشمس شيئاً فشيئاً إلى أن تكون تحت خط الأفق في الأرض, ففي هذين الوقتين نهى النبي ﷺ عن الصلاة؛ لأنها تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان, فهذه أوقات يسيرة, وفي الظهر ذكر هنا في الحديث: (حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس)، فالشمس في وقت الظهر تكون فوق الرءوس، وبعد ذلك ستميل إلى ناحية الغرب, وعندما تكون الشمس فوق رأسك سيكون ظلك كله على جسدك، وحين يقوم قائم الظهيرة تكون الشمس فوقك مستقيمة حتى تميل, فإذا مالت الشمس شيئاً إلى ناحية الغرب يبدأ ظلك يذهب إلى ناحية الشرق، ففي هذا الوقت لك أن تصلي، وهذا وقت يسير حوالي دقيقة أو نحو ذلك, فهذا هو الوقت الممنوع من الصلاة فيه وهو قبل صلاة الظهر.
وجاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز, وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب, ولا تحينوا بصلاتكم) قوله: (لا تحينوا) فيه إدغام، والأصل: لا تتحينوا, فلا تختار هذا الوقت لتصلي فيه, قال: (ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان).
وكذلك جاء في صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! هل من ساعة يبتغى ذكرها؟ قال النبي ﷺ : نعم, إن أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان, وهي ساعة صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح, ويذهب شعاعها, ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار؛ فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر)، فالعلة في المنع من الصلاة قبيل الظهر مباشرة أنها تسجر فيها جهنم والعياذ بالله، أي: تسعر فيها نار جهنم, قال: (فدع الصلاة حتى يفيء الفيء) أي: حتى يرجع الظل إلى المكان الآخر، قال: (ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس؛ فإنها تغيب بين قرني شيطان، وهي صلاة الكفار)، هذا الحديث رواه الإمام مسلم والنسائي، وهذا النص الذي رواه النسائي.
فبعدما تطوف بالبيت تصلي في أي وقت, فقد جاء في سنن الترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)، هذا الحديث فيه العموم في الناس، والحديث الآخر فيه العموم في الزمان, فكأنه تعارض عمومان: الأول: أنه نهى عن الصلاة في ثلاثة أوقات، فهو عموم في الزمان, ولكل الناس المصلين في هذه الأوقات الثلاثة, فممنوع أن تصلي فيها صلاة النافلة أو أن تؤخر الفريضة إليها, فهذا الحديث الذي وجهه لبني عبد مناف فيه العموم في هذا المكان لجميع الناس، فكل من أتى إلى هذا البيت من الناس يريد الطواف والصلاة في أي وقت شاء فله ذلك، وعموم الأوقات أيضاً في أي وقت في أي ساعة من ليل أو نهار, والحديث الأول فيه: أنه ثلاث ساعات مخصوصات لا تصلوا فيها, فهل يحمل أحد العمومين على الآخر فيخص به أو يترك كل على حاله؟ فيقال: إن عموم الزمان خص بمكة وحدها في الطواف بالبيت, وفي هذه الحالة من طاف وأراد أن يصلي فليصل، وهذا مخصوص من عموم النهي, أو يقال: لا، هنا أي ساعة من ليل أو نهار عموم، وهو مخصوص بالنهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات, فهنا تعارض النهي عن الصلاة مع الأمر بها، وقوله: (اتركوا) هنا النهي يكون جانبه أقوى, فعلى ذلك اخترنا فيها جانب النهي (اتركوا)، خاصة أن النهي سيكون في أوقات يسيرة قليلة سهلة على من كان هنالك أن يترك الصلاة فيها, ولو أخذ بهذا العموم وصلى في أي وقت فلا ينكر عليه, ولكن الأولى ما ذكرنا: أنه لو طاف بالبيت في أي ساعة من ليل أو نهار وأراد الصلاة صلى في أي ساعة من ليل أو نهار، سواء صلاة ركعتي الطواف وغيرها، إلا أن تكون في هذه الأوقات اليسيرة, قبل الظهر بدقيقة, وبعد طلوع الشمس بحوالي عشر دقائق أو ربع ساعة، وعند غروب الشمس إلى أن تغرب حوالي عشر دقائق أو ربع ساعة, فليؤخر الصلاة حتى يصليها بعد ذلك.
ولذلك جاء عن عمر رضي الله ﵎ عنه أنه كان يصنع ذلك, فجاء أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصل، وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى فصلى بعد ما طلعت الشمس, وهذا رواه الإمام مالك في موطئه بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبد القاري: (أنه طاف بالبيت مع عمر ﵁ بعد صلاة الصبح، فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس طلعت فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى ركعتين سنة الطواف وفيه أنه يجوز تأخير الركعتين لسبب من الأسباب.
стр. 269
حكم السعي بين الصفا والمروة وصفته
السعي بين الصفا والمروة على الراجح من كلام أهل العلم أنه ركن من أركان في الحج والعمرة، وفيه خلاف: هل هو ركن من الأركان أم هو سنة من السنن أم واجب من الواجبات؟ على ثلاثة أقوال لأهل العلم في ذلك، والراجح من هذه الأقوال: أنه ركن من الأركان, واختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀, فروي عنه أنه ركن لا يتم الحج إلا به وكذلك العمرة, وروي أنه سنة ولا يجب بتركه دم؛ لقول الله : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، وجاء عن الحنابلة أيضاً أنه واجب، وهذا قول القاضي أبي يعلى، قال: هو واجب وليس بركن، فإذا تركه وجب عليه دم، وهذا هو الذي مال إليه أبو محمد بن قدامة ﵀, ولكن ما جاء من أحاديث عن النبي ﷺ ، وفعل النبي ﷺ ، ومداومته على ذلك وأصحابه معه في الحج وفي عمرات النبي ﷺ ، وكذلك أصحابه, وكذلك ما جاء من قوله في أمره ﷺ بذلك, ولهذا نميل معه إلى أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة.
وروى أحمد أن النبي ﷺ قال: (أيها الناس! اسعوا فإن السعي كتب عليكم)، فجاء في القرآن ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] لكن التعبير بقوله سبحانه: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ وإذا قال: لا حرج عليك أن تصنع كذا, فيكون لا حرج أن أصنع أو لا أصنع، إلا أن يكون نفي الحرج نزل لسبب من الأسباب، فإذا قال ابتداءً: لا حرج أن تصنع كذا، فهذا الفعل مباح أن تصنعه، ولك أن تتركه, لكن إذا سئل الشارع الحكيم: نحن كنا نفعل كذا في الجاهلية فهل نفعله الآن في الإسلام؟ فقال: لا حرج, فليس معناه: أنه مباح يستوي فيه الفعل والترك, وإنما دليل الفعل يؤخذ من دليل آخر، وهو كون النبي ﷺ فعله وأمر به، فيكون هذا الدليل فيه: أن ما صنعتموه في الجاهلية ستصنعون مثله في الإسلام ولا إثم عليكم من مشابهة أفعال الجاهلية؛ فإنها كان المقصود بها الشرك، والآن أفعال الإسلام المقصود بها التوحيد، فلا حرج عليكم في مشابهة الفعل للفعل، ولكن النية غير النية في ذلك.
تقول عائشة ﵂: (طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون -تقصد بين الصفا والمروة- فكانت سنة -أي: سنة النبي ﷺ ذلك- فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة)، وهذا في صحيح مسلم , فـ عائشة ترى أنه لا يتم حج إنسان لم يسع بين الصفا والمروة, فيكون الحج الذي يتعمد صاحبه أن يكون ناقصاً ليس بحج، فيلزمه أن يتم ذلك.
وعن حبيبة بنت أبي تجراة مرفوعاً: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)، وهذا من الأدلة على وجوب السعي, فقد فعل النبي ﷺ ذلك, وسعى في عمره كلها، وسعى في حجه ﷺ بين الصفا والمروة, وكذلك قال في الحديث: (إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)، فيكون قد سعى فنفذ ما أمر الله به, وأخبر أن هذا مكتوب، والمكتوب فرض من الفرائض, وقد النبي ﷺ : (خذوا عني نسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا)، ففعل ذلك النبي ﷺ , وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، فدل فعله ﷺ على أن هذا من لوازم الحج والعمرة.
وجمهور أهل العلم على أن السعي بين الصفا والمروة ركن من الأركان, وعند أبي حنيفة أنه واجب.
والفرق بين الركن والواجب: أنه لو قلنا لأنه ركن فمن لم يأت بالسعي بين الصفا والمروة فيلزمه أن يرجع مرة ثانية ليأتي به، وإذا كان هذا الإنسان محرماً بالحج أو بالعمرة ولم يأت بهذا الركن فما زال محرماً عليه أن يأتي النساء حتى يسعى بين الصفا والمروة ويكمل حجه, وكذلك الذي اعتمر فطاف بالبيت ولم يسع وذهب إلى بيته نقول له: إنه فرض عليك أن ترجع وتأتي بالسعي بين الصفا والمروة, وما زلت محرماً، فلا يجوز لك أن تأتي النساء.
وإن قلنا: إن السعي بين الصفا والمروة واجب فيرى الأحناف أنه يجبر بدم, فلو أنه تركه وانصرف فيأتي ويذبح شاة أو يهدي هدياً، ولا شيء عليه أكثر من ذلك, لكن قول النبي ﷺ : (خذوا عني مناسككم) وقوله: (إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)، وأمر النبي ﷺ أصحابه بأن يتعلموا منه, وفعل ذلك في حجه وعمرته, كل هذا يدل على أنه ركن، ولذلك نميل في ذلك إلى قول الجمهور: أنه لابد منه، وأنه من أركان الحج والعمرة.
стр. 270
صفة السعي بين الصفا والمروة
إذا فرغ من ركعتي الطواف قلنا: السنة أن يرجع إلى الحجر الأسود، ثم يذهب إلى باب الصفا ويخرج منه، حتى إذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] فالسنة أن يتوجه إلى الصفا بحيث يصعد عليها, ولا يتوجه إلى المسعى فيكون في نصف المسعى، وبعد ذلك يمشي من غير أن يكون ساعياً بين الصفا والمروة، بل يتوجه من المسجد الحرام إلى أن يصعد على الصفا مباشرة ويبدأ من عنده بالنسك.
فيبدأ بالصفا فيرقى عليه قدر قامة, أي: أنه يصعد على الصفا قليلاً حتى إذا رأى البيت كبر الله وهلله وحمده, فينظر ويتوجه إلى البيت وهو فوق الصفا، وهذا بحسب الاستطاعة, فالزحام أحياناً يكون شديداً فيصعب عليه أن يقف في مكان يرى البيت وخاصة مع الأبنية الموجودة، ومع السلالم التي تمنع الرؤية من جهة وتسمح بها من جهة أخرى, فعلى ذلك بحسب ما يتيسر للإنسان أن يقف ويستقبل البيت وينظر إلى الكعبة، ثم يكبر الله: الله أكبر, ويهلل الله: لا إله إلا الله, ويحمد الله: الحمد لله, ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله وحده لا شريك له, أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده, ثم يدعو بما أحب من خير الدين والدنيا والآخرة لنفسه ولمن شاء.
واستحب العلماء أن يدعو بما دعا به ابن عمر رضي الله ﵎ عنه, فقد كان له دعاء يدعو به بعد أن ينتهي من الركعتين خلف مقام إبراهيم، وأيضاً وهو واقف على الصفا والمروة, فعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول على الصفا: (اللهم إنك قلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم, اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنبنا حدودك, اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين, اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين, اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، واجعلنا من أئمة المتقين)، فإذا قال هذا الدعاء الذي كان يدعو به عبد الله بن عمر فحسن, وإذا قال أي دعاء آخر فجائز.
ولا يلبي فوق الصفا والمروة, فقد انقطعت التلبية بالبدء بالطواف بالبيت، فلا يلبي على الصفا ولا على المروة، ولكن المستحب أن يدعو كما ذكرنا, وأن يقول هذا الذكر الذي ذكرناه ويكرر ذلك ثلاث مرات، يحمد الله سبحانه ويكبر الله ويوحده, ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله وحده لا شريك له, أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده, ثم يدعو بما شاء ويكرر ذلك مرة ثالثة.
وإذا فرغ من هذا الذكر والدعاء نزل من الصفا متوجهاً إلى المروة، فيمشي على سجية مشيه المعتادة, إلى أن ينتهي إلى الميل الأخضر على ما هو معلم وموجود على بلاط الأرض وعلى الجدران، فسيرى عموداً ملوناً باللون الأخضر، وفوق سيرى كاميرا باللون الأخضر ليعرف أن هذا المكان يبدأ منه السعي, وهو المكان الذي كانت تسعى فيه هاجر وهي تطلب الغوث من الله ، فتتذكر ذلك وأنت تسعى في هذا المكان, حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق بركن المسجد على يساره قدر ستة أذرع، ثم يسعى سعياً شديداً حتى يتوسط بين الميلين الأخضرين اللذين أحدهما في ركن المسجد والآخر متصل بدار العباس, وهو معروف الآن هذا المكان، فسترى جميع الناس في هذا المكان يبدءون بالسعي الشديد إلى أن يصلوا إلى الميل الآخر, ثم يتركون شدة السعي ويمشون على عادتهم.
ولو أنه نسي وبقي ماشياً ما بين الميلين بعد ذلك فلا يشرع له أن يستدرك, ففي مكان المشي يمشي فيه، وفي مكان السعي يسعى فيه, حتى يأتي المروة فيصعد عليها حتى يظهر له البيت إن ظهر؛ لأنه فوق المروة الآن شبه مستحيل أن ترى البيت، فسابقاً كان من الممكن أن تقف في مكان معين وتنظر منه حتى ترى البيت, ولكن الآن مع الأبنية لن ترى البيت، ولكن تتوجه تجاه البيت وتدعو ربك بهذا الذكر الذي ذكرناه ثلاث مرات, ثم ترجع من المروة إلى الصفا، فإذا وصلت بين الميلين أيضاً تسعى، وبعدما تنتهي من الميل الثاني تبدأ تمشي إلى أن تصل إلى الصفا, فترقى فوق الصفا وتقف وتتوجه إلى البيت، وتدعو في ذهابك من الصفا إلى المروة مرة, ثم ترجع إلى الصفا في الثانية, ثم ترجع إلى المروة في الثالثة, وهكذا حتى ينتهي الشوط السابع وأنت على المروة.
فيستحب أن يدعو بين الصفا والمروة في مشيه وسعيه, ويستحب له قراءة القرآن، وهو من أفضل الذكر, وعلى ذلك تكون قد انتهيت من السعي بين الصفا والمروة.
стр. 271
واجبات وسنن السعي
واجبات السعي أربعة: أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة, ولا يصح أن يرجع إلى الصف قبل أن يصل إلى المروة ويعتبر هذا شوطاً, فلابد أن يكمل الطريق إلى أن يصل إلى المروة ويضع عليه قدمه, هذا هو الواجب عليه, وإن صعد فهو الأكمل، لكن لو تقدم فوقف على أول الصفا فهذا جائز.
الواجب الثاني: الترتيب, فتبدأ بالصفا ثم تذهب إلى المروة وهكذا, فلو أن إنساناً بدأ بالمروة وتوجه إلى الصفا فهذا غير محسوب, فلا بد أن يكون البدء من الصفا, ويعد الأطواف من بعد ذلك, فيشترط أيضاً في المرة الثانية أن يكون ابتداؤها من المروة, وفي الثالثة أن يكون من الصفا وهكذا.
والواجب الثالث: إكمال الأشواط سبع مرات بين الصفا والمروة, فيحسب الذهاب مرة والرجوع مرة, ولو سعى وطاف وشك في العدد قبل الفراغ لزمه الأخذ بالأقل, فلو فرضنا أنه الآن عند الصفا وقد نسي هل هو في الشوط الثالث أو الرابع، فيبني على الأقل ويأتي بالزائد حتى ينتهي وهو على يقين أنه أكمل.
الواجب الرابع: أن يكون السعي بعد طواف صحيح للذاكر, فمن لم يذكر ونسي الطواف بالبيت وبدأ بالسعي، فالراجح أنه يطوف بعد ذلك ولا شيء عليه, فلو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئاً من الطواف لزمه أن يأتي ببقية الطواف, وقد قلنا: إذا شككت أثناء الطواف فتبني على اليقين, فلو شككت أنها ستة أشواط أو خمسة أشواط فتبني على أنها خمسة.
وإذا انتهيت من الطواف بالبيت وشككت في أثناء السعي فلا تلق بالاً لهذا الشك, ولكن أثناء السعي استيقنت أنه بقي عليك شيء من الطواف فترجع لتأتي بالطواف ثم ارجع لتكمل السعي بعد ذلك.
والموالاة بين أشواط السعي سنة وليست فرضاً, وإذا سعيت فلا يشترط أن تكون على وضوء وأنت تسعى, والموالاة سعي وراء سعي آخر, والموالاة ليست شرطاً لصحة السعي، إنما هي مستحبة, فإذا تعذر على الإنسان فسعى مثلاً ثلاثة أشواط ثم تعب ولم يقدر أن يكمل, فرجع إلى الفندق فنام واستراح، ثم بعد ذلك رجع، فله أن يكمل الأشواط سواء في نفس اليوم أو في اليوم الذي يليه، فإن الموالاة في السعي ليست واجبة ولا شرطاً لصحته, فلو فرق بين الطواف والسعي تفريقاً طويلاً أو قصيراً فلا شيء عليه, ولو فرق بين أشواط السعي تفريقاً طويلاً أو قصيراً فلا شيء عليه في ذلك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 272
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - المبيت بمنى يوم التروية والوقوف بعرفة يوم التاسع
من أعمال الحج المهمة التي ينبغي للحاج معرفتها: الإحرام وواجباته وسننه، والوقوف بعرفة وواجباته وسننه، والدفع إلى مزدلفة، وغير ذلك من الأحكام والآداب التي ينبغي معرفتها في الحج.
стр. 273
مشروعية فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: صفة الحج: يستحب للمحرم بالحج أن يدخل مكة قبل الوقوف بعرفات، وهذا فعل رسول الله ﷺ وأصحابه وسائر السلف والخلف.
ويستحب إذا وصل إلى الحرم أن يستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع بظاهره وباطنه، ويتذكر جلالة الحرم ومزيته على غيره، ثم يأتي بمناسك العمرة على ما فصلناه في كتاب العمرة.
والمتوجه إلى الحج في أشهر الحج: إما أن ينوي أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، أو ينوي الإفراد -إفراد الحج- أو ينوي القران بين العمرة والحج، فالمتوجه إلى هنالك يحرم من مكان الإحرام، ويلبي بما أراد أن يهل به: لبيك عمرة، أو لبيك حجة وعمرة، أو لبيك حجة، فيحرم بهذا النسك عن نفسه أو عن غيره، فيقول: لبيك عمرة عن فلان، أو لبيك عمرة ويقصد بها عن نفسه.
فيفعل أفعال العمرة إذا كان متمتعاً، والمتمتع سيصل إلى البيت فيطوف بالبيت ثم يسعى بين الصفا والمروة، ويتحلل بمناسك العمرة كما قدمنا قبل ذلك.
إذا انتهى المحرم من السعي بين الصفا والمروة، فإن كان معتمراً متمتعاً فليحلق رأسه أو يقصر، فإذا فعل ذلك صار حلالاً تحل له النساء وكل شيء كان يحرم عليه بالإحرام، سواء ساق هدياً أم لا، والقيد هنا: لا بد أن يسوق الهدي وينوي عمرة، بخلاف ما لو ساق الهدي ونوى حجاً ولبى بالحج: لبيك اللهم حجاً، فهنا لا يجوز له أن يفسخ إلى عمرة طالما أنه ساق معه الهدي ولبى بحجة مفردة، وإذا كان قارناً بين العمرة والحج، وساق معه الهدي فليس له أن يفسخ، إنما الذي يجوز له أن يفسخ الحج إلى عمرة هو الذي لم يسق الهدي.
كذلك من ساق الهدي ولبى بالعمرة، فهذا لم ينو أصلاً حجاً إنما نوى عمرة، فعلى ذلك بعدما ينتهي من مناسك العمرة له أن يتحلل.
إذاً: يجوز للمفرد والقارن اللذين لم يسوقا الهدي أن يفسخا الحج إلى عمرة، فيتحللان فيصيران متمتعين بالعمرة إلى الحج، والمفرد والقارن إذا لم يكن معهما الهدي سواء طافا بالبيت أو لم يطوفا، فالأفضل إذا كانا ينويان الفسخ فليكن قبل الطواف بالبيت.
وإذا أراد أن يعتمر ما بين عمرته وحجته فالراجح أنه يجوز له ذلك، فلو فرضنا أنه قدم بعمرة في شهر شوال مثلاً، ثم اعتمر ونوى أن يمكث حتى الحج، وبعدما مكث أسبوعاً أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أحب أن يعتمر، فالراجح أن له أن يعتمر إذا طال شعره بحيث إنه يمكن أن يقصر منه، أو يمكن أن يحلق شعره، فيجوز له أن يعتمر مرة أو أكثر على الراجح في ذلك.
стр. 274
الإحرام بالحج يوم التروية وما يتعلق به
أما إن كان الذي فرغ من السعي حاجاً مفرداً أو قارناً، فإن وقع سعيه بعد طواف القدوم فليمكث في مكة محرماً إلى وقت خروجهم إلى منى، بمعنى: أن القارن والمفرد طافا بالبيت طواف القدوم، وهذا مفرد للحج، فأول ما يصل إلى البيت يحيي البيت، وتحية البيت طواف القدوم، وهذا بالنسبة له يعتبر سنة وليس فرضاً، فإذا طاف بالبيت فيجوز له أن يسعى سعي الحج، وهذا السعي من مناسك الحج، فيجوز له أن يقدمه كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإنه بعد طواف القدوم سعى سعيه للحج، وسيمكث هذا محرماً من هذا الحين حتى ينتهي من المناسك ويرمي جمرة العقبة فيتحلل التحلل الأول، إذاً يمكث بمكة محرماً إلى وقت خروجهم إلى منى، فإذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم من مكة بالحج وكذا من أراد الحج من أهل مكة يحرم به يوم التروية.
إذاً: في يوم التروية الجميع يخرج؛ الذي لم يكن محرماً سيحرم الآن، والذي كان محرماً أصلاً ويفك إحرامه سيهل ويقول: لبيك حجاً ويتوجه إلى منى.
كذلك من أتى إلى مكة من الغرباء وغيرهم يحرمون في هذا اليوم، ويستحب أن يقول عند إحرامه: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، فقد قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث حبستني، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك ﵁ قال: (حج النبي ﷺ على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، ثم قال: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة).
وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ أهل على هذه الصورة، وفيها تواضعه ﵊، وهو تواضع عظيم جداً، وهو رسول الله ﵊، ومع ذلك حج على رحل رث، والرحل: هو الجهاز الذي يوضع على ظهر البعير ليجلس عليه صاحب البعير، والرث بمعنى: قديم بالٍ خلق، فلم يكن شيئاً جديداً، بل كان قديماً بالياً، وحج ﷺ وهو يقول: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة).
وهذا الرحل الموضوع على ظهر البعير كان ثمنه يساوي أربعة دراهم أو لا يساوي، هذا ثمن الرحل الذي كان على ظهر بعير أو ناقة النبي ﷺ ! وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
стр. 275
حكم الاشتراط في الحج
وله أن يشترط، فالاشتراط ينفعه إذا اضطر وتحلل فلا دم عليه، وإذا صد أو منع فلا شيء عليه.
والاشتراط دليله ما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير - ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي ﷺ فقال لها: لعلك أردت الحج، قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني)، (اللهم محلي) أي: أتحلل في المكان الذي تصدني وتمنعني من المواصلة والإتمام، سواء كان المنع بمرض أو بغيره.
وروى الشافعي عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁: يا أبا أمية! حج واشترط، فإن لك ما اشترطت، ولله عليك ما اشترطت.
إذاً: الذي يحج ويشترط فله ما اشترط، كما جاء في الحديث.
стр. 276
قصر الصلاة للحاج
وإذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أكثر من أربعة أيام لزمهم إتمام الصلاة، وهذا راجع للمسائل التي ذكرناها قبل ذلك في القصر والجمع في صلاة المسافر، فأحوط أقوال أهل العلم: أن الذي ينزل في مكان وينوي إقامة أربعة أيام أو دون ذلك فله أن يقصر خلال هذه الأيام، وإذا نوى فوق ذلك فالراجح أنه يتم الصلاة.
ودليل الأربعة الأيام فعل النبي ﷺ ، ولذا قلنا: إن الاحتياط في ذلك الأخذ بما ثبت عن النبي ﷺ أنه أقام في مكان وقصر الصلاة، فاعتبر أن له حكم المسافر.
والنبي ﷺ لما قدم مكة مكث بها، فقدم لصبح رابعة، إذاً: صبح اليوم الرابع كان في مكة، فمكث الرابع والخامس والسادس والسابع، والثامن سيخرج إلى منى، فمكث أربعة أيام ينتظر يوم التروية حتى يخرج إلى منى، فهو لم يكن في خلال هذه الفترة ينوي أن يذهب إلى أي مكان آخر ﵊.
وهنا كان يقصر ﵊ وهو في مكة، فدل على أن الأربعة الأيام إذا مكثها المسافر في مكان سفره وليس في مكان إقامته فله أن يقصر فيها.
فخرج ﷺ من مكة وتوجه إلى منى، وهناك قصر الصلاة، ثم خرج من منى وتوجه إلى عرفات وقصر الصلاة، وفي المزدلفة صلى العشاء قصراً، ثم رجع ﷺ إلى منى فكان في تحركه ﷺ يقصر من الصلاة، وجمع في عرفات والمزدلفة كما قدمنا.
إذاً: لو أن إنساناً سافر إلى الحج في أول ذي القعدة مثلاً؛ فسيبقى أمامه على يوم التروية فترة طويلة، فإذا مكث في مكة فليتم الصلاة، وليحرص أن يصلي مع الإمام، وسواء كان سيمكث فترة بسيطة أو طويلة فليحرص على الصلاة مع الجماعة، وإذا صلى مع الجماعة فيلزمه الإتمام مع الإمام، فلا يصح أن يصلي الإمام ويتم وهذا يقصر خلفه.
فإذا مكث فترة طويلة أو قصيرة وصلى مع الإمام فيلزمه الإتمام، لكن إذا كان ينوي أقل من أربعة أيام وأدركته الصلاة وهو وحده مثلاً، أو في جماعة وقد فاتته الصلاة مع الإمام، فله أن يقصر الصلاة؛ لأنه رجع بحكم المسافر، هذا إذا كان سفره أو مكثه في مكة أقل من أربعة أيام.
وإذا خرج الحجاج إلى منى في يوم التروية فلهم القصر من حيث خرجوا؛ لأنهم أنشئوا سفراً تقصر فيه الصلاة، وإن كان سفراً قصيراً، فإن الذي سيخرج من مكة متوجهاً إلى منى فالمسافة ثلاثة أميال، حوالي ستة كيلو أو نحو ذلك، فهذا أقل ما يكون من مسافات السفر، وله القصر؛ لأن النبي ﷺ قصر هنالك.
فيخرج من منى متوجهاً إلى عرفات أيضاً، والمسافة مثل هذا الحد حوالي ستة كيلو أو نحوها، وكذلك سيقصر في عرفات.
ويتوجه الحجيج إلى منى بعد صلاة الصبح من مكة بحيث يصلون الظهر في أول وقتها بمنى، ثم يصلون بها العصر والمغرب والعشاء كل صلاة في وقتها.
وفي منى أنت ذاهب للعبادة، فلا معنى للجمع بين الصلوات، ولم يجمع النبي ﷺ الصلاة في منى، فالماكث في منى متفرغ للعبادة، فيصلي كل صلاة على وقتها، ولكن يترخص بما ترخص به النبي ﷺ ، فإنه قصر صلاة الظهر والعصر والعشاء فتترخص بما فعل صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 277
ما يستحب لمن أحرم من مكة
ويستحب لمن أحرم من مكة وأراد الخروج إلى عرفات أن يطوف بالبيت ويصلي ركعتين ثم يخرج، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه خارج من مكة إلى عرفات، فيستحب له إذا فارق البيت أن يطوف بالبيت، وإذا لم يفعل فلا شيء عليه.
стр. 278
المبيت بمنى ليلة عرفة
والسنة أن يبيتوا بمنى ليلة التاسع، وهذا المبيت سنة وليس بركن ولا واجب من الواجبات، ففي ليلة عرفة السنة أن يبيت في منى، ولو أنه مكث في مكة إلى يوم عرفة وخرج إلى عرفة مباشرة فحجه صحيح، ولم يقصر في الأركان، ولكنه فرط في سنة من السنن، وكل بحسب ما يتيسر له.
وفي الصحيحين عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك: (أخبرني بشيء عقلته عن النبي ﷺ : أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى، قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح) إذاً صلى النبي ﷺ الظهر يوم التروية بمنى، فالسنة أن تخرج من مكة في يوم التروية في وقت يسمح لك أن تصل إلى منى عند وقت الظهر أو قبل ذلك بحيث تصلي الظهر في منى.
نفر النبي ﷺ في يوم النفر الثاني، وهو آخر أيام العيد، وهو اليوم الرابع من أيام العيد، وصلى العصر بالأبطح الذي ذكر في الحديث السابق، واسمه المحصب، والمعرس، والبطحاء من هنالك على حدود مكة، فالنبي ﷺ صلى هنالك صلاة العصر، وهذا المكان يكون أسمح في صلاة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
والأصل أن كلمة (البطحاء) من انبطح الوادي واتسع، ويقال لها: المحصب والمعرس، وهي قريبة من مقبرة الحجون في مكة.
وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى) يوم التروية يوم الثامن، فصلى الظهر في منى، ويوم عرفة صلى الفجر في منى، أي: أنه صلى الفجر وخرج من منى بحيث إنه كان في نمرة قبل صلاة الظهر، وهنالك خطب بالناس كما ذكرنا.
وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف على المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس).
إذاً: خطب النبي ﷺ الناس خارج عرفة في نمرة، ونمرة ليست من عرفة، فهو نزل في عرنة، وخطب الناس في نمرة، والآن المسجد الذي هنالك -مسجد نمرة- الجزء الذي يخطب فيه الإمام هو من نمرة، وكأن المسجد جزءان: جزء منه من نمرة الذي هو مقدمة المسجد، وهنالك علامات موضوعة تبين للناس أن هذا الحد ليس من عرفة، والثلثان المتأخران في المسجد داخلان في عرفة.
стр. 279
أيام المناسك الستة وأسماؤها
الذي سيؤدي مناسك الحج كاملة فعدد أيامه ستة أيام، وهي من يوم التروية إلى آخر أيام العيد، وأسماؤها ذكرناها قبل ذلك، وهي: اليوم الثامن، واسمه: يوم التروية، مأخوذ من الري؛ لأنهم كانوا يحملون الماء إلى منى وعرفة، واليوم التاسع وهو يوم عرفة؛ لأنهم يذهبون فيه إلى عرفة، واليوم العاشر، وهو يوم النحر، واليوم الحادي عشر، وهو يوم القر؛ لأنهم يستقرون بمنى وليس لأحد أن ينفر في هذا اليوم، واليوم الثاني عشر يوم النفرة الأولى لمن أراد أن يتعجل فيخرج في هذا اليوم بعدما يرمي الجمرات، واليوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني.
إذاً: هذه عدد الأيام التي يكمل الحجاج فيها حجهم، ولكن يمكن أن تقل عن ذلك فتصير خمسة أيام مثلاً إذا نفر في يوم النفرة الأولى، وقد تقل عن ذلك أيضاً لو أنه ذهب يوم عرفة إلى عرفة، فتصير أربعة أيام مع النفرة الأولى، ولو أنه ذهب ليلة العيد قبل الفجر إلى عرفة فسيبقى يوم العيد، ويوم القر، وينفر في اليوم الثاني، فتكون يومين ونصفاً أو يومين وقليلاً، وهذا أقل ما يكون في أيام الحج.
стр. 280
التوجه إلى عرفة والوقوف بها
وإذا بات الحاج بمنى ليلة التاسع وصلى بها الصبح فالسنة أن يمكث بها حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت عليه صار متوجهاً إلى عرفات، ويستحب الإكثار من التلبية من ساعة ما يحرم إلى أن يرمي جمرة العقبة.
جاء في الصحيحين عن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: إنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة: (كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منها المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه).
الذين هم ذاهبون إلى عرفة منهم من يهل بالتوحيد، ومنهم من يلبي، ومنهم من يكبر، ولا أحد ينكر على أحد في ذلك.
стр. 281
استحباب دخول عرفات بعد الزوال
ويستحب أن يدخل عرفات في وقت الوقوف بعد الزوال وبعد صلاة الظهر والعصر مجموعة بنمرة، وهذا فعل الرسول ﵊، ولعله الآن يصعب هذا الأمر، وخاصة إذا كنت ستصلي في مسجد نمرة فإن أبواب المسجد من الخلف، فستدخل عرفة أولاً، فلا بد أن تدخل عرفة حتى تصل إلى نمرة في المكان الذي سيخطب فيه الإمام، وستكون قد دخلت عرفة قبلهم، وهذا حسب الاستطاعة، فإذا استطاع مع الزحام أن يكون في نمرة إلى وقت الزوال ويسمع خطبة الإمام هنالك فله ذلك، والأمر أمر تطبيق سنة، ولكن الأفضل للإنسان أن يحضر خطبة الإمام ويدخل ليسمع الإمام وهو يخطب، وهذا لا يكون إلا بالدخول إلى المسجد، ويكون في الخلف بحيث يدخل من عرفات أولاً قبل نمرة.
стр. 282
خطبة الإمام في نمرة
فإذا زالت الشمس ذهب الإمام والناس إلى مسجد نمرة، فيخطب الإمام فيه قبل صلاة الظهر خطبتين، وهذا على الأحوط، وإن كانت خطبة واحدة فإنها تكفي، فيجوز في خطبة عرفة أن تكون خطبة واحدة، وهذا مذهب الحنابلة في هذه المسألة، وخطبتان في مذهب الشافعية، والأمر يسير، حسب مذهب الإمام الذي يخطب، والأمر واسع، فالذين قالوا خطبتين أخذوا بحديث ضعيف، وقاسوها على خطبة الجمعة، والذين قالوا خطبة واحدة قالوا: خطب النبي ﷺ ، فالأصل أن الخطبة تكون واحدة، والأمر واسع في ذلك.
وفي الخطبة يبين لهم الإمام كيفية الوقوف، وشرطه، وآدابه، والدفع من عرفات إلى مزدلفة وغير ذلك من المناسك التي بين أيديهم، ويحرضهم فيها على إكثار الدعاء والتهليل وغيرهما من الأذكار والتلبية في الموقف، ويخفف هذه الخطبة، أي: أن الخطبة بعرفة تكون خطبة خفيفة وليست طويلة جداً بحيث يشق على الناس، ولعله هناك يتعذر على الناس الوضوء، فإذا كانت الخطبة طويلة جداً فلعل أحدهم يحدث ولا يقدر على أن يصل إلى دورات المياه، فعلى ذلك تكون بحيث لا يشق على الناس ولا يطيل بهم.
стр. 283
استحباب الجمع بين الظهر والعصر في عرفة
فإذا فرغ الإمام من هذه الخطبة جلس جلسة قصيرة، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية فيخففها، وهذا على القول بأنها خطبتان، وإذا كان الإمام لا يأخذ بها أصلاً فيؤذن المؤذن وينزل الإمام ويصلي بالناس.
وفي حديث جابر في حجة الوداع: (ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف)، فبعدما خطب الناس في نمرة ركب ﷺ وتوجه إلى الموقف بعرفة.
والسنة إذا فرغ من الخطبتين أو الخطبة أن ينزل فيصلي بالناس الظهر ثم العصر جامعاً بينهما، فالصلاة الآن صلاة جمع بين الظهر والعصر، فيجمعهما جمع تقديم ويقصرهما، وهذا من أدلة جواز جمع التقديم.
ويسر الإمام بالقراءة؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ الجهر، فلم يجهر في هذه الصلاة، وقد جمع النبي ﷺ في هذا المكان بين الصلاتين بسبب النسك في هذا اليوم، وإلا فاليوم السابق لم يجمع ﷺ فيه، وما يأتي من أيام بعد ذلك لم يجمع فيها النبي ﷺ ، إذاً كان الجمع في عرفة والمزدلفة بسبب النسك، حتى يكون هناك وقت طويل للدعاء ما بين صلاة الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيكون هناك وقت طويل للمناسك والدعاء.
وهذا الجمع يجوز لكل أحد هناك سواء كان من أهل مكة أو عرفات أو المزدلفة، حتى أهل مكة فهم في عرفات سيصلون مع الإمام هذه الصلاة، ويجمعون فيها، وحتى لو كانوا ساكنين في عرفة نفسها فلهم أن يجمعوا أيضاً مع الإمام في ذلك؛ لأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بنمرة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومعهم حينئذ أهل مكة وغيرهم.
روى أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال: (غدا رسول الله ﷺ من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل فيه بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجراً) ووقت الهجير: قبل وقت الظهر، فذهب في الوقت الذي يشتد فيه الحر، ويطلق أيضاً على أنه ذهب مبكراً إليها، وهو وقت الهجير أيضاً، قال: (فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة)، فيكون بعدما انتهى من الخطبة ﷺ توجه إلى عرفة فوقف فيها.
والسنة الجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر مقصورتين، وهذا جمع تقديم، ولا يلزم المأمومين نية الجمع، والأفضل أن يكون الإنسان مستحضراً ذلك، ولكن هل يجب بحيث نقول: لا تصح الصلاة إلا بهذه النية؟ هذا أمر صعب، ولو كان هذا فرضاً لبين لهم النبي ﷺ قبل أن يصلي ولقال: انووا الجمع، فلم يقل ذلك ﷺ ، وإنما صلى بهم الظهر، ثم أقام المؤذن فصلى بهم النبي ﷺ العصر، فدل على أن نية الجمع ليست شرطاً لصحة الصلاة.
إذاً: لا يلزم المأمومين نية الجمع للمشقة في إعلام جميعهم؛ ولأن رسول الله ﷺ جمع هناك من غير أن ينادي بالجمع، ولا أخبرهم بأن نيته واجبة، وقد كان فيهم من هو قريب العهد بالإسلام، ومن لا يعلم وجوب هذه النية، فلو فاتت إنساناً الصلاة مع الإمام لجاز له الجمع والقصر في صلاته وحده.
بمعنى: لو فرضنا أنك لم تدرك الصلاة مع الإمام هنالك، وكثير من الحجاج لا يدركون الصلاة مع الإمام، والذي لا يدرك الصلاة يصلي في المكان الذي هو فيه، فله أن يصلي جماعة، وله أن يصلي منفرداً بحسب ما يتيسر له في ذلك، وإذا صلى فيصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً أيضاً على هذه الهيئة.
مسألة: لو أنه صلى الظهر فأتم، وصلى العصر فأتم، أو صلى الظهر على وقتها والعصر على وقتها هل تصح منه؟ نعم، صلاته صحيحة، ولكنه خالف سنة النبي ﷺ ، فإن السنة أن يجمع بين الظهر والعصر، سواء تيسر له أن يصلي مع الإمام أو أنه لم يقدر على ذلك فصلى منفرداً أو في جماعة أخرى، فيصلي جمع تقديم الظهر والعصر ويقصر الصلاة.
ولو جمع بعض الناس قبل الإمام منفرداً أو في جماعة أخرى، أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى منفرداً جمعاً وقصراً جاز، وكذلك القول في الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة، ففي عرفة من الممكن أن تذهب فتصلي مع الإمام، وفي مزدلفة يصعب أن تصلي مع الإمام، فبحسب ما ينزل الحجاج يصلون في المكان الذي هم فيه، فتجدهم جماعات متفرقين، فهذه المجموعة يصلون هنا، وهؤلاء يصلون هنا، فعلى ذلك صلوا المغرب والعشاء في المزدلفة، وقبل ذلك صلوا الظهر والعصر في عرفة، بحسب ما يتيسر لهم.
стр. 284
إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة
ولو وافق يوم عرفة يوم الجمعة لم يصلوا الجمعة هناك؛ لأن الصلاة في عرفة هي هذه صلاة اليوم للظهر والعصر، ولا يوجد صلاة جمعة؛ فهؤلاء مسافرون ولا جمعة عليهم، ولم يصل النبي ﷺ جمعة، ولم يذكر أن هذه صلاة جمعة أو خطبة جمعة، إنما هي صلاة الظهر والعصر مجموعتين صلاهما ﷺ هناك.
وفي الصحيحين عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فقال عمر ﵁: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
إذاً: يوم الجمعة هو يوم عيد أصلاً للمسلمين، ونزلت الآية في يوم عرفة وهو أعظم أيام السنة، فهذه الآية من أعظم الآيات التي أنزل الله وذكر الله فيها إتمام الدين وإكماله، فنزلت في يوم عرفة أعظم أيام العام وفي يوم جمعة وهو يوم عيد للمسلمين.
стр. 285
استحباب تعجيل المسير إلى الموقف بعرفة
فإذا فرغوا من صلاتي الظهر والعصر فالسنة أن يسيروا في الحال إلى الموقف ويعجلوا المسير، فيتوجهوا إلى الموقف في عرفة، وهذا باعتبار أنهم كانوا في نمرة، وإذا كانوا في عرفة فيقفون في المكان الذي هم فيه، إلا أن يتوجهوا إلى المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ ، وهذا أفضل، فمن تيسر له فعل، ومن لم يتيسر له وقف في أي موقف من عرفة، فكل عرفة موقف.
روى البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: ألا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر ﵁ وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق الحجاج، فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟! قال: نعم، قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي.
إذاً: هنا عبد الملك بن مروان أمر الحجاج بن يوسف أن يسمع لـ عبد الله بن عمر، ويتعلم منه سنة النبي ﷺ في الحج.
يقول سالم بن عبد الله بن عمر: (فسار بيني وبين أبي) يعني: سالم يمشي مع أبيه والحجاج في الوسط بينهما، قال: فقلت -هذا سالم يقول وكان عالماً من العلماء ﵁: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف، إذا كنت تريد سنة النبي ﷺ اقصر الخطبة، وعجل الوقوف بعرفة، قال: فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق، يعني: فعلاً هذه هي سنة النبي ﷺ ، أن تقصر الخطبة وألا تطول، وأن تعجل الوقوف ولا تشق على الناس ولا تملهم.
следующие страницы →