Полный текст (460 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
استحباب دخول عرفات بعد الزوال
ويستحب أن يدخل عرفات في وقت الوقوف بعد الزوال وبعد صلاة الظهر والعصر مجموعة بنمرة، وهذا فعل الرسول ﵊، ولعله الآن يصعب هذا الأمر، وخاصة إذا كنت ستصلي في مسجد نمرة فإن أبواب المسجد من الخلف، فستدخل عرفة أولاً، فلا بد أن تدخل عرفة حتى تصل إلى نمرة في المكان الذي سيخطب فيه الإمام، وستكون قد دخلت عرفة قبلهم، وهذا حسب الاستطاعة، فإذا استطاع مع الزحام أن يكون في نمرة إلى وقت الزوال ويسمع خطبة الإمام هنالك فله ذلك، والأمر أمر تطبيق سنة، ولكن الأفضل للإنسان أن يحضر خطبة الإمام ويدخل ليسمع الإمام وهو يخطب، وهذا لا يكون إلا بالدخول إلى المسجد، ويكون في الخلف بحيث يدخل من عرفات أولاً قبل نمرة.
стр. 282
خطبة الإمام في نمرة
فإذا زالت الشمس ذهب الإمام والناس إلى مسجد نمرة، فيخطب الإمام فيه قبل صلاة الظهر خطبتين، وهذا على الأحوط، وإن كانت خطبة واحدة فإنها تكفي، فيجوز في خطبة عرفة أن تكون خطبة واحدة، وهذا مذهب الحنابلة في هذه المسألة، وخطبتان في مذهب الشافعية، والأمر يسير، حسب مذهب الإمام الذي يخطب، والأمر واسع، فالذين قالوا خطبتين أخذوا بحديث ضعيف، وقاسوها على خطبة الجمعة، والذين قالوا خطبة واحدة قالوا: خطب النبي ﷺ ، فالأصل أن الخطبة تكون واحدة، والأمر واسع في ذلك.
وفي الخطبة يبين لهم الإمام كيفية الوقوف، وشرطه، وآدابه، والدفع من عرفات إلى مزدلفة وغير ذلك من المناسك التي بين أيديهم، ويحرضهم فيها على إكثار الدعاء والتهليل وغيرهما من الأذكار والتلبية في الموقف، ويخفف هذه الخطبة، أي: أن الخطبة بعرفة تكون خطبة خفيفة وليست طويلة جداً بحيث يشق على الناس، ولعله هناك يتعذر على الناس الوضوء، فإذا كانت الخطبة طويلة جداً فلعل أحدهم يحدث ولا يقدر على أن يصل إلى دورات المياه، فعلى ذلك تكون بحيث لا يشق على الناس ولا يطيل بهم.
стр. 283
استحباب الجمع بين الظهر والعصر في عرفة
فإذا فرغ الإمام من هذه الخطبة جلس جلسة قصيرة، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية فيخففها، وهذا على القول بأنها خطبتان، وإذا كان الإمام لا يأخذ بها أصلاً فيؤذن المؤذن وينزل الإمام ويصلي بالناس.
وفي حديث جابر في حجة الوداع: (ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف)، فبعدما خطب الناس في نمرة ركب ﷺ وتوجه إلى الموقف بعرفة.
والسنة إذا فرغ من الخطبتين أو الخطبة أن ينزل فيصلي بالناس الظهر ثم العصر جامعاً بينهما، فالصلاة الآن صلاة جمع بين الظهر والعصر، فيجمعهما جمع تقديم ويقصرهما، وهذا من أدلة جواز جمع التقديم.
ويسر الإمام بالقراءة؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ الجهر، فلم يجهر في هذه الصلاة، وقد جمع النبي ﷺ في هذا المكان بين الصلاتين بسبب النسك في هذا اليوم، وإلا فاليوم السابق لم يجمع ﷺ فيه، وما يأتي من أيام بعد ذلك لم يجمع فيها النبي ﷺ ، إذاً كان الجمع في عرفة والمزدلفة بسبب النسك، حتى يكون هناك وقت طويل للدعاء ما بين صلاة الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيكون هناك وقت طويل للمناسك والدعاء.
وهذا الجمع يجوز لكل أحد هناك سواء كان من أهل مكة أو عرفات أو المزدلفة، حتى أهل مكة فهم في عرفات سيصلون مع الإمام هذه الصلاة، ويجمعون فيها، وحتى لو كانوا ساكنين في عرفة نفسها فلهم أن يجمعوا أيضاً مع الإمام في ذلك؛ لأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بنمرة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومعهم حينئذ أهل مكة وغيرهم.
روى أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال: (غدا رسول الله ﷺ من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل فيه بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجراً) ووقت الهجير: قبل وقت الظهر، فذهب في الوقت الذي يشتد فيه الحر، ويطلق أيضاً على أنه ذهب مبكراً إليها، وهو وقت الهجير أيضاً، قال: (فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة)، فيكون بعدما انتهى من الخطبة ﷺ توجه إلى عرفة فوقف فيها.
والسنة الجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر مقصورتين، وهذا جمع تقديم، ولا يلزم المأمومين نية الجمع، والأفضل أن يكون الإنسان مستحضراً ذلك، ولكن هل يجب بحيث نقول: لا تصح الصلاة إلا بهذه النية؟ هذا أمر صعب، ولو كان هذا فرضاً لبين لهم النبي ﷺ قبل أن يصلي ولقال: انووا الجمع، فلم يقل ذلك ﷺ ، وإنما صلى بهم الظهر، ثم أقام المؤذن فصلى بهم النبي ﷺ العصر، فدل على أن نية الجمع ليست شرطاً لصحة الصلاة.
إذاً: لا يلزم المأمومين نية الجمع للمشقة في إعلام جميعهم؛ ولأن رسول الله ﷺ جمع هناك من غير أن ينادي بالجمع، ولا أخبرهم بأن نيته واجبة، وقد كان فيهم من هو قريب العهد بالإسلام، ومن لا يعلم وجوب هذه النية، فلو فاتت إنساناً الصلاة مع الإمام لجاز له الجمع والقصر في صلاته وحده.
بمعنى: لو فرضنا أنك لم تدرك الصلاة مع الإمام هنالك، وكثير من الحجاج لا يدركون الصلاة مع الإمام، والذي لا يدرك الصلاة يصلي في المكان الذي هو فيه، فله أن يصلي جماعة، وله أن يصلي منفرداً بحسب ما يتيسر له في ذلك، وإذا صلى فيصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً أيضاً على هذه الهيئة.
مسألة: لو أنه صلى الظهر فأتم، وصلى العصر فأتم، أو صلى الظهر على وقتها والعصر على وقتها هل تصح منه؟ نعم، صلاته صحيحة، ولكنه خالف سنة النبي ﷺ ، فإن السنة أن يجمع بين الظهر والعصر، سواء تيسر له أن يصلي مع الإمام أو أنه لم يقدر على ذلك فصلى منفرداً أو في جماعة أخرى، فيصلي جمع تقديم الظهر والعصر ويقصر الصلاة.
ولو جمع بعض الناس قبل الإمام منفرداً أو في جماعة أخرى، أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى منفرداً جمعاً وقصراً جاز، وكذلك القول في الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة، ففي عرفة من الممكن أن تذهب فتصلي مع الإمام، وفي مزدلفة يصعب أن تصلي مع الإمام، فبحسب ما ينزل الحجاج يصلون في المكان الذي هم فيه، فتجدهم جماعات متفرقين، فهذه المجموعة يصلون هنا، وهؤلاء يصلون هنا، فعلى ذلك صلوا المغرب والعشاء في المزدلفة، وقبل ذلك صلوا الظهر والعصر في عرفة، بحسب ما يتيسر لهم.
стр. 284
إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة
ولو وافق يوم عرفة يوم الجمعة لم يصلوا الجمعة هناك؛ لأن الصلاة في عرفة هي هذه صلاة اليوم للظهر والعصر، ولا يوجد صلاة جمعة؛ فهؤلاء مسافرون ولا جمعة عليهم، ولم يصل النبي ﷺ جمعة، ولم يذكر أن هذه صلاة جمعة أو خطبة جمعة، إنما هي صلاة الظهر والعصر مجموعتين صلاهما ﷺ هناك.
وفي الصحيحين عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فقال عمر ﵁: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
إذاً: يوم الجمعة هو يوم عيد أصلاً للمسلمين، ونزلت الآية في يوم عرفة وهو أعظم أيام السنة، فهذه الآية من أعظم الآيات التي أنزل الله وذكر الله فيها إتمام الدين وإكماله، فنزلت في يوم عرفة أعظم أيام العام وفي يوم جمعة وهو يوم عيد للمسلمين.
стр. 285
استحباب تعجيل المسير إلى الموقف بعرفة
فإذا فرغوا من صلاتي الظهر والعصر فالسنة أن يسيروا في الحال إلى الموقف ويعجلوا المسير، فيتوجهوا إلى الموقف في عرفة، وهذا باعتبار أنهم كانوا في نمرة، وإذا كانوا في عرفة فيقفون في المكان الذي هم فيه، إلا أن يتوجهوا إلى المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ ، وهذا أفضل، فمن تيسر له فعل، ومن لم يتيسر له وقف في أي موقف من عرفة، فكل عرفة موقف.
روى البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: ألا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر ﵁ وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق الحجاج، فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟! قال: نعم، قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي.
إذاً: هنا عبد الملك بن مروان أمر الحجاج بن يوسف أن يسمع لـ عبد الله بن عمر، ويتعلم منه سنة النبي ﷺ في الحج.
يقول سالم بن عبد الله بن عمر: (فسار بيني وبين أبي) يعني: سالم يمشي مع أبيه والحجاج في الوسط بينهما، قال: فقلت -هذا سالم يقول وكان عالماً من العلماء ﵁: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف، إذا كنت تريد سنة النبي ﷺ اقصر الخطبة، وعجل الوقوف بعرفة، قال: فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق، يعني: فعلاً هذه هي سنة النبي ﷺ ، أن تقصر الخطبة وألا تطول، وأن تعجل الوقوف ولا تشق على الناس ولا تملهم.
стр. 286
وقت الوقوف بعرفة وحكم المخالف بعذر
جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر ثم أتى الموقف)، ووقت الوقوف: ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، فهذا هو وقت الوقوف، فمن وقف في عرفة في أي وقت من هذه الأوقات فقد تم حجه، فإذا وقف الواقف بعرفة فترة بسيطة بعد صلاة الظهر فحجه صحيح، ولكن عليه دم؛ لأنه مقصر في ذلك، ولو وقف بالليل ولم يتيسر له الوقوف بالنهار فحجه صحيح، ولا دم عليه بسبب ذلك، ولو وقف جزءاً من النهار فلما انصرف رجع مرة ثانية حتى شهد الغروب، فلا شيء عليه.
إذاً: وقت الوقوف ما بين الزوال عند الظهر إلى طلوع الفجر الثاني ليوم النحر، فمن وقف بعرفات لحظة من هذا الوقت وهو من أهل الوقوف صح وقوفه، وأدرك بذلك الحج، ومن فاته هذا الزمان فقد فاته الحج.
هذا هو وقت الوقوف، وفيه خلاف بين الجمهور وبين الإمام أحمد ﵀، فالإمام أحمد مذهبه أن الوقوف من فجر يوم عرفة حتى طلوع الفجر من يوم العيد، فكأن الوقت سيشمل حوالي أربعة وعشرين ساعة، فمن وقف خلال هذا الوقت فحجه صحيح، والراجح هو قول الجمهور في هذه المسألة.
إذاً: وعليه فمن كان غير معذور، وتمكن من الوقوف فذهب في يوم عرفة بعد الفجر ووقف بعرفة ثم انصرف على ذلك مع قدرته على أن يقف بعد الزوال، فهذا خالف ما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدون من بعد النبي ﷺ .
وهذا بخلاف المعذور، فنقول: لو أن إنساناً ذهب إلى عرفة من بعد الفجر ونيته أن يمكث في عرفة إلى غروب الشمس، ثم حدث له حادث فاضطروا أن يأخذوه وينقلوه إلى المستشفى فلا شيء عليه، فهنا نفرق بين المعذور وعدم المعذور على قول الإمام أحمد ﵀، أما غير المعذور فلابد أن يكون وقوفه بعد الزوال بعرفة، والأفضل أن يقف من حين يفرغ من صلاتي الظهر والعصر المجموعتين إلى أن تغرب الشمس، ثم يدفع عقب الغروب إلى مزدلفة، فلو وقف بعد الزوال ثم أفاض قبل الغروب فحجه صحيح، هذا الذي وقف بعد الزوال وأفاض بعد العصر مثلاً، فإن رجع إلى عرفة بحيث تغرب عليه الشمس هنالك ومكث جزءاً من الليل هنالك ثم أفاض إلى المزدلفة فلا شيء عليه، فإن لم يرجع إلى عرفة بحيث جاء وقت غروب الشمس أو وقت الليل ولم يكن هنالك فعليه دم.
والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج؛ لقول النبي ﷺ : (الحج عرفة)، وجاء عنه ﷺ أنه قال في حديث: (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) فهنا نكر ﷺ في سياق الإثبات، ومعناه: أقل قدر وقف بعرفات ليلاً أو نهاراً.
وهذا احتج به الإمام أحمد ﵀ على أنه لو وقف بعرفة نهاراً في أي وقت بالنهار فحجه صحيح، وإن كان سيلزمه دم إذا لم يقف إلى أن تغرب الشمس هناك.
стр. 287
المعتبر في الوقوف بعرفة
والمعتبر في الوقوف في عرفة الحضور في أي موضع من عرفات، المهم أن يكون بها وليس خارجاً منها ولو في لحظة لطيفة، بشرط: كونه أهلاً للعبادة في هذا الوقت، سواء حضرها عمداً أو وقف مع الغفلة والبيع والشراء والتحدث واللهو، أو في حالة النوم، أو اجتاز بها في وقت الوقوف وهو لا يعلم أنها عرفات، فلو فرضنا أنه لا يعرف أنها عرفات، فذهب ووقف بها، ثم انطلق منها، وهو لا يزال يبحث عن عرفات إلى أن غربت الشمس، فقيل له: أنت كنت في عرفات، فهو واقف فيها ولم يكن يعرف أنها عرفات، ولكنه كان بها، وفي حديث النبي ﷺ : (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) إذاً: هذا ممن شهد ووقف.
ولو لم يمكث أصلاً فيها، بل مر مسرعاً في طرف أو طريق من طرقها، أو كان نائماً على بعير فانتهى البعير إلى عرفات، فمر بها البعير ولم يستيقظ راكبه حتى فارقها، أو اجتازها في طلب غريم هارب بين يديه، أو بهيمة شاردة، أو غير ذلك مما هو في معناه، فيصح وقوفه في جميع هذه الصور ونحوها.
وهذه الصور ليس شرطاً أن تكون هي فقط، فقد يوجد غيرها، فلو أن إنساناً عاقلاً ليس مجنوناً ولا مغمى عليه وقف في عرفات ولو لحظة، وأدرك الوقت الذي هو وقت الوقوف، وبعد ذلك انطلق من هذا المكان، فله حجة كاملة، وحجته صحيحة.
لكن الخلاف في أنه لو أدرك هذا الجزء قبل وقت الزوال، والخلاف بين الحنابلة والجمهور: فالجمهور على أنه لا يحسب له شيء، والحنابلة على أنه لو كان قبل وقت الزوال فقد أدرك جزءاً من النهار فتحسب له حجة.
وقد ذكرنا أن الأرجح في ذلك: أن هناك فرقاً بين المعذور وبين غيره، ويحسب له الوقوف بعرفة سواء عرف أن هذه عرفة أو لم يعرف، وقد كنت راكباً باصاً مع الناس ووصلوا إلى عرفة ووقفوا في الباص وهم لا يعرفون هذا المكان أنه عرفة، فهم وقفوا مع الناس، ومكثوا فترة طويلة لم يعرفوا أنها عرفة إلى أن انصرفوا منها، ووصل بهم الباص إلى عرفة بعد غروب الشمس، وصاحب الباص مر بعرفة وهو لا يعرف أنهم دخلوا ولا أنهم خرجوا، فهم قد أدركوا عرفة في هذا اليوم، سواء بنية أو بغير نية، طالما أنه دخل ومر بها فحجه صحيح.
إذاً نقول: من وقف بعرفة وهو من أهل الوقوف، وعقله حاضر، وليس مغمى عليه مثلاً، فإذا وقف بها وهو مغمى عليه أو مجنون أو سكران فلا يصح حجه؛ لذهاب عقله في ذلك، فلا بد من حضور عقله في وقت وقوفه بعرفة.
ولو تخلل الجنون بين الإحرام والوقوف، أو بينه وبين الطواف، أو بين الطواف والوقوف، وكان عاقلاً في حال فعله فلا يضر ذلك، كالإنسان الذي تأتيه نوبات صرع مثلاً، فإذا كان في عرفات قبل أن يصل إلى عرفات جاءته نوبات صرع، ولم يدر نهائياً إلى أن طلع الفجر وهو على هذه الحال، فلا حج لهذا الإنسان، لكن إن كان يفيق ويصرع، فهذا حجه صحيح طالما أنه أدرك ولو لحظات أو لحظة في عرفة، وهو من أهل الوقوف وعقله معه.
стр. 288
حدود عرفة ومكان الوقوف فيها
والوقوف في أي جزء كان من أرض عرفات صحيح بإجماع العلماء؛ لحديث جابر أن النبي ﷺ قال: (عرفة كلها موقف)، ولكن أفضل مكان في عرفات سيكون الموقف الذي وقف فيه رسول الله ﷺ ، وهذا الموقف عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة، وجبل الرحمة معروف، فكل الحجاج يذهبون إلى هناك فيصعدوا فوق جبل الرحمة، والراجح أنه لم يأت في فضل الصعود إليه حديث عن النبي ﷺ ، وإنما هي مشقة زائدة، وإن استحبها بعض أهل العلم كالإمام الطبري وغيره، ولكن لا دليل على استحباب الصعود على جبل الرحمة، وإنما وقف النبي ﷺ أسفل جبل الرحمة، وهو موضع فيه صخرات، فهنالك وقف النبي ﷺ ووجه ناقته إلى القبلة وبطن الناقة إلى الجبل، ووقف إلى نهاية الغروب صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: السنة الوقوف في أي مكان في عرفة، خاصة الموقف الذي وقف فيه النبي ﷺ ، وجبل الرحمة ليس من السنة الصعود عليه، لكن لو صعد إنسان ووجد مكاناً فوق الجبل بحيث يكون بعيداً عن الناس فلن نقول له: إنه حرام عليه، ولكن لا تشق على نفسك؛ فإن الشمس شديدة الحرارة جداً والإنسان يمكن أن يتأذى بالمسير والصعود إلى الجبل، وإلى أن يصعد الجبل قد يظل ساعة أو ساعتين، وتضييع هذا الوقت في ترك الدعاء خسارة، وبعد أن تصعد يمكن أن تتعب وتنام بقية اليوم، وعلى ذلك فاجلس في المكان الأسهل عليك لتنتبه للدعاء في هذا اليوم.
وجبل الرحمة يقال له: ألال، وهذا اسم من أسمائه.
أما حد عرفات فقد قال الشافعي ﵀: هي ما جاوز وادي عرنة، ونحن قلنا: إن وادي عرنة بجوار عرفة، ونمرة أيضاً هنالك، فلا عرنة ولا نمرة من عرفات، يقول الإمام الشافعي: ما جاوز وادي عرنة إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، وقد وضعت الآن علامات حول أرض عرفة، ولا توجد البساتين التي يذكرها، ولكن هناك علامات تحدد مكان عرفة.
стр. 289
شروط الوقوف الواجب
والوقوف الواجب له شرطان: أحدهما: كونه في أرض عرفات وفي وقت الوقوف.
والثاني: كون الواقف أهلاً للعبادة كما قدمنا.
ولهذا يشترط لصحة الوقوف: أن تقف في عرفة، والثاني: أن يكون هذا الواقف أهلاً للعبادة، لا مجنوناً ولا مغمى عليه، ولا سكران.
وهناك فرق بين الذي يحج بإنسان مجنون، فالنية نية العاقل الذي يحج به كالذي يحج بالطفل الصغير، أو بين مجنون يكون وحده، أو من يجن، فإذا ذهب الإنسان لوحده وهناك ذهب عقله فوقف في عرفات وهو لا يدري ما عرفات، ولا يدري ما هي المناسك، فهذا لا حج له.
стр. 290
سنن وآداب الوقوف بعرفة
وللوقوف بعرفة سنن وآداب: أحدها: أن يدخل أرض عرفات بعد صلاتي الظهر والعصر إن تيسر ذلك، وهنا لن يستطيع كل إنسان أن يأتي بجميع السنن مع الزحام الشديد، فعلى ذلك كل إنسان بحسب ما يتيسر له.
الثاني: سماع الخطبة أو الخطبتين، والجمع بين الصلاتين.
الثالث: تعجيل الوقوف عقب الصلاتين، فإذا أنهى صلاة الظهر والعصر فليعجل الوقوف، ويمكن للإنسان أن يقدر على ذلك، فيمكث في المسجد هنالك ويدعو الله فترة طويلة إلى أن تنكسر حدة الشمس ثم يخرج ويقف في الخارج، حتى ولو مكث في المسجد الذي هو في الجزء من عرفة إلى غروب الشمس فلا شيء عليه، المهم أن يستغل وقته في الدعاء وذكر الله؛ لأن هذا أعظم أيام السنة.
الرابع: من السنة أن يكون مفطراً، سواء أطاق الصوم أم لا، وسواء ضعف به أم لا؛ لأن الفطر أعون له على الدعاء، وهذا فعل النبي ﷺ في هذا اليوم، إلا أن يكون عليه الهدي ولم يجده فصام ثلاثة أيام ويوم عرفة من ضمن الثلاثة الأيام، والأفضل أن يقدم الصيام قبل ذلك.
وفي حديث أم الفضل ﵂ أنهم شكوا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة، فبعثت إليه بقدح من لبن فشربه ﵊، وهنا أرادت أن تعرف هل هو صائم ﷺ في يوم عرفة أم ل، فأرسلت إليه بقدح من لبن، فشرب أمام الناس ليبين أنه ليس صائماً.
الخامس: أن يكون متطهراً؛ لأنه أكمل، فلو وقف وهو محدث أو جنب أو حائض أو نفساء أو عليه نجاسة أو انكشفت عورته صح وقوفه؛ لقوله ﷺ لـ عائشة ﵂ حين حاضت: (ما لك أنفست؟ قالت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت).
إذاً: في الوقوف الإنسان سيذكر الله ويقرأ القرآن، والأفضل أن يكون على وضوء، ولكن لا يتهيأ الوضوء لكل إنسان، وأحياناً يصعب أن يتوضأ، وأن يمسك نفسه، والشريعة قد رخصت للإنسان في هذا اليوم، فيجمع الظهر والعصر؛ لأنه يصعب عليه أن يتوضأ للظهر ومن ثم ينتظر حتى العصر ويتوضأ مرة أخرى، فشرع له أن يجمع بين الصلوات في سائر هذا اليوم، ولو أنه كان متوضئاً في هذا الوقت ليذكر الله على أكمل أحواله فهذا حسن، ولو لم يقدر فلا شيء عليه.
ولا تشترط الطهارة في شيء من أعمال الحج والعمرة إلا في الطواف وركعتي الطواف فقط.
السادس من السنن: أن يقف مستقبل الكعبة، فأفضل الهيئات أنك إذا أردت الدعاء تتوجه إلى الكعبة، وسواء توجهت إليها أو إلى غيرها فلا شيء عليك فالدعاء صحيح، ولكن أفضل الهيئات وأكملها ما كان في الصلاة.
السابع: أن يقف حاضر القلب فارغاً من الأمور الشاغلة عن الدعاء.
الثامن: إن كان يشق عليه الوقوف، أو كان يضعف به عن الدعاء، أو كان ممن يقتدى به ويحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به فليفعل ما تيسر له، فقد ثبت في الصحيحين: (أن النبي ﷺ وقف راكباً)، فسواء وقف على قدميه، أو ركب على ناقة، أو قعد في الباص أو في السيارة، أو جلس في المسجد، أو جلس على الأرض، كل هذا جائز، فإذا كان بعض وقته واقفاً يدعو الله كان أحسن.
التاسع: أن يحرص على الوقوف في موقف رسول الله ﷺ بحسب الإمكان، وهو عند الصخرات في أسفل جبل الرحمة بحيث لا يؤذي ولا يتأذى.
العاشر: أن يكثر من الدعاء والتهليل والتلبية والاستغفار والتضرع، وقراءة القرآن، فهذه وظيفة هذا اليوم، ولا يقصر في ذلك، وهو لب الحج ومطلوبه.
يوم عرفة قال لنا النبي ﷺ : (الحج عرفة)، ولذلك يحرص المؤمن على أن يكون هذا اليوم كله خاصاً لذكر الله ، فيذكر الله ، ويحرص على أن ينام جيداً في الليلة السابقة، وهذا شيء يقصر فيه الكثيرون، فتجد الناس في ليلة عرفة ساهرين: تعال نشرب شاي تعال نتسامر تعال كذا، غداً عرفة ماذا سنعمل غداً؟! فيضيعوا الليل، ومهما نصحت الناس في هذا اليوم تجد أن الكثير يقصر فيه، فيكون صاحياً إلى أن يأتي يوم عرفة ويسمع الخطبة ثم ينام إلى غروب الشمس، فيضيع على نفسه شيئاً عظيماً في هذا اليوم، الذي هو يوم الدعاء؛ ولذلك احرص على أن تأخذ قسطاً من النوم والراحة ليلة عرفة حتى تنشغل بالدعاء يوم عرفة، فتدعو وأنت مستيقظ ومنتبه، وإذا دعوت ربك وأنت نائم فبدلاً من أن تدعو لنفسك تدعو عليها، فهنا تنتبه لهذا اليوم، ولا تشغل غيرك، فلا تشغل الناس في هذا اليوم.
وبعض الناس يحب أن يتعرف على الآخرين، ويستمر في الكلام ويحكي معهم في يوم عرفة، فيضيع هذا اليوم في ذلك، وإلى قبل الغروب بقليل يقول: تعال ندعو! فلابد أن تحرص على هذا اليوم من وقت الزوال إلى غروب الشمس، فتحرص فيه على الإكثار من ذكر الله سبحانه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
لكن هل معناه: أنه يحرم أن تنام قليلاً مثلاً في اليوم نصف ساعة أو ساعة؟ نقول: لا يحرم، ولكن بقدر المستطاع الإنسان يستغل وقته، فهذا اليوم أعظم أيام السنة وأكثرها بركة.
стр. 291
فضل الدعاء يوم عرفة وآدابه
فيكثر من الذكر والدعاء قائماً وقاعداً، ويرفع يديه بالدعاء، ولا يجاوز بهما رأسه، فلو رفع يديه فوق جداً ربما يتعب من ذلك، ولكن يرفع اليدين بالدعاء وهو مستريح، ويكثر من الدعاء ما استطاع.
ولا يتكلف السجع في الدعاء، فهو يوم تظهر فيه المسكنة والتواضع والخشوع، وليس وقتاً تظهر فيه البلاغة بين يدي الله ولا الفصاحة، فتدعو ربك على أنك فقير إليه، ومحتاج إليه، والفقير عندما يسأل ويطلب لا يسجع في الكلام، ولا يترنم ولا يتغنى بالدعاء، ولكن الإنسان يدعو ربه كهيئة المسكين الفقير المتخشع المتذلل المحتاج إلى ربه سبحانه؛ فيكون أقرب إلى الإجابة.
ولا بأس بالدعاء المسجوع إذا كان محفوظاً، والإنسان لا بد أن يحفظ دعاء من أدعية النبي ﷺ ، مثل قوله: (اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وأن تتوب علي)، فلك أن تدعو بما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى وإن كان الدعاء فيه سجع.
ولو أن الإنسان اصطحب معه مذكرة أو كتاباً فيه أدعية النبي ﷺ كان أفضل، فتدعو بكل ما ثبت عن النبي ﷺ ، وفي هذا اليوم تدعو لنفسك ولأهلك ولإخوانك، ولمن علمك، ولمن أهدى أو أسدى إليك جميلاً.
ويستحب أن يخفض صوته بالدعاء، ويكره الإفراط في رفع الصوت، واعلم أن الموقف مليء بالناس، فأنت عندما ترفع صوتك وتصرخ، والثاني يرفع صوته ويصرخ، والثالث لا ينتبه لما يقول من الدعاء، فهذا من الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون من الحجاج، فكل يهتم بنفسه وغيره لا دخل له فيه، فلعل غيرك يتأذى بصوتك المرتفع، وفي هذا اليوم تجد كثيراً من الناس معهم مكبرات صوت، كل خيمة معهم مكبر يمسكه أحدهم ويدعو ويصرخ والناس يصرخون وراءه، والذين في الخيمة الثانية كذلك، والثالثة كذلك، فتكون الأدعية مختلطة، والذي يريد أن يدعو بشيء لا يعرف ما يقول؛ لأن الأصوات مزعجة ومختلطة.
فلذلك ينبغي للإنسان الذي يدعو حتى وإن كان في جماعة ويريد أن يعلمهم أو يدعو وهم يؤمنون فليكن على قدر ما يسمعهم فقط بدون مكبرات صوت، حتى لا تتداخل أصواتهم، ويزعج الناس بعضهم بعضاً.
فقد جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ : يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم)، أي: ارفقوا بأنفسكم، (اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنه معكم إنه سميع قريب)، تبارك اسمه وتعالى جده .
ويستحب أن يكثر من التضرع والخشوع والتذلل والخضوع، وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة؛ لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي)، فادع كثيراً وألح في الدعاء على ربك ﵎، ويقيناً سوف يستجيب الله سبحانه لك: إما بأن يعطيك هذا الذي سألته، أو أنه يكف عنك من الشر بقدر ما سألت من الخير، أو أنه يدخر ذلك لك ليوم القيامة حسنات كأمثال الجبال، فكله خير من الله سبحانه، فادع وأنت واثق في إجابة الكريم سبحانه.
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).
(ما على الأرض) أي: كل إنسان على وجه الأرض يدعو ربه سبحانه بهذا القيد، (ما على الأرض مسلم يدعو الله سبحانه بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها)، بشرط: (ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) لم يدع على أبيه، ولا على أمه، ولا على أخيه، ولا يدعو بإثم، أي: يطلب من الله ما هو محرم ولا يجوز له أن يطلبه، فلا يسأل شيئاً فيه إثم، ولا يدعو بقطيعة رحم، فهذا الإنسان الذي أتى بالدعاء بشرطه يستجاب له.
ففرح الصحابي بذلك وقال للنبي ﷺ : (إذاً نكثر)، طالما أن الأمر هكذا، والله يعطي لكل إنسان فنحن سندعو الله كثيراً، قال: (إذاً نكثر، قال: الله أكثر)، فمهما أكثرت أنت من الدعاء فالله يعطيك على ما تسأل الأكثر والأكثر بفضله وكرمه سبحانه.
وفي رواية أخرى قال: (وإما أن يدخر له في الآخرة)، فالإجابة على ثلاثة أنواع، قال: (إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخرها له في الآخرة).
والدعاء له آداب، فتفتتح دعاءك بتحميد الله وتمجيده ﵎ وتسبيحه، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وليكن لك عبرة في فاتحة الكتاب، فأنت تقرأ الفاتحة في كل صلاة من أجل أن تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فلا تقرأ مباشرة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وإنما تبدأ الفاتحة بالبسملة في سرك، وتحمد الله سبحانه، وتمجده وتثني عليه، وفي النهاية تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ثم تطلب من الله سبحانه، فليكن ذلك لك موعظة فيما إذا دعوت الله سبحانه، فلتبدأ بذكره وبحمده وتبجيله وتمجيده والثناء عليه سبحانه، والصلاة على رسول الله ﷺ ثم سل ربك ما تريد.
فيفتتح دعاءه بالتحميد والتمجيد لله تعالى، والتسبيح، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ويختم دعاءه بمثل ذلك، وليكن متطهراً متباعداً عن الحرام والشبهة في طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه وغير ذلك مما معه، فإن هذه آداب الدعاء في جميع الدعوات.
وليحذر الإنسان من الحرام، فلا تأتي في يوم عرفة فتجد شيئاً مرمياً في الأرض فتأخذه، ولعل الإنسان يحدثه الشيطان: خذها ولن تجد لها أحداً فتكون لك بعد ذلك، فيأخذ شيئاً ليس من حقه أن يأخذه، فهنا احذر أن تأخذ من الناس أشياء ليست لك، فيجد إنسان مع آخر شراباً فيخطفه ويشربه في يوم عرفة، يمزح معه بذلك، والآخر غير راضٍ بذلك، ومن ثم سيرفع يده ويقول: يا رب! يا رب! ويجد إنساناً يأكل فيأخذ منه طعامه فيأكله ويتركه بغير طعام، ويدخل المسجد فيطأ الناس ويؤذيهم، ويضرب هذا، ويلكم هذا، ثم يجلس يدعو بعد ذلك!! وتجد مجموعة آخرين مع بعض مولعين الشيشة والسجائر، ومعهم راديو يسمعون الموسيقى والأغاني! وقبل غروب الشمس يقول لك: تعال يا شيخ ادع لنا قليلاً من أجل أن ندعو معك، وهو يدعو وهم يؤمنون! فهذا يوم عظيم، يوم العبودية لله والخشوع بين يديه سبحانه، فاحذر من الحرام في هذا اليوم وفي غيره.
وليكثر من التسبيح والتهليل والتكبير ونحوها من الأذكار، وأفضله ما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
فهذا من الأذكار التي تحرص عليها وتقولها كثيراً، وإذا كان خير ما قاله النبي ﷺ وخير ما قاله الأنبياء قبل النبي ﷺ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، فليكثر منها الحاج، وخاصة في هذا اليوم.
وليكثر من التلبية رافعاً بها صوته، ومن الصلاة على رسول الله ﷺ ، وينبغي أن يأتي بهذه الأذكار كلها، فاليوم طويل، والوقت واسع، فليقل شيئاً من الدعاء والذكر والتسبيح والتحميد والتهليل والتلبية والتكبير والاستغفار وغير ذلك.
ويدعو منفرداً وفي جماعة، وإذا كان يدعو وحده فهذا حسن، وإذا كنت في الدعاء سواء في يوم عرفة، أو وأنت تطوف بالبيت، أو وأنت على الصفا والمروة فلتخفض صوتك، فقد أسمعت من ناجيت، ودعوت ربك سبحانه وأسمعته.
فيدعو العبد لنفسه ولوالديه ولمشايخه وأقاربه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه، وسائر من أحسن إليه، وسائر المسلمين، والإنسان الذي يدعو للمؤمنين الله يثيبه على ذلك، وقد جاء في حديث للنبي ﷺ : (من قال: اللهم اغفر لي وللمؤمنين أعطي بكل واحد منهم حسنة) فتدعو لنفسك وتقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين، وسوف تعطى على كل واحد منهم حسنة.
وكذلك دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب يؤمن عليه الملك، ويقول: آمين، ولك بالمثل، فأنت إذا دعوت لأخيك دعا لك الملك فكان أعظم، فلذلك المؤمن يدعو لنفسه ولا ينسى إخوانه وأهله، فيدعو لإخوانه وأحبابه.
وينبغي أن يكرر الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب، فيتوب إلى الله في هذا اليوم وغيره، ويكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات، وتستقال العثرات، وترتجى الطلبات، وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم، فيجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين، وأوليائه المخلصين، والخواص من المقربين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)، يوم عرفة أعظم الأيام التي يرتجى فيها العتق من النار، فهو أعظم يوم يعتق الله فيه عباده من النار.
وليكثر من أعمال الخير في يوم عرفة وسائر أيام عشر ذي الحجة، فهي أيام عظيمة، ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه -يعني: الأيام العشر- قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء).
إذاً: يوم عرفة أعظم أيام العام، فالإنسان المؤمن يعرف فضل هذا اليوم وقدره، سواء كان في عرفة -وهذا أفضل ما يكون- أو في غيرها، فله أن
стр. 292
حكم التعريف يوم عرفة بغير عرفات
وقد اختلف العلماء في حكم التعريف بغير عرفات، وهو اجتماع الناس في المساجد بعد العصر يوم عرفة للدعاء ولذكر الله تعالى، اختلف فيه السلف رضوان الله ﵎ عليهم: فالبعض منهم رأوا أن هذا لا بأس به، فجاء عن الحسن أنه قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس ﵄، أي: أنه أول من أظهر ذلك في يوم عرفة، فكان يذهب إلى المسجد ويدعو ويجلس فيه لذكر الله .
وقال الإمام أحمد: أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث، وقال الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع: كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة، وقال الإمام أحمد: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر لله، فقيل له: تفعله أنت؟ يقال للإمام أحمد ولم ينكر على من يفعله: أتفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا.
وروي عن يحيى بن معين: أنه حضر مع الناس عشية عرفة، وفي سنن البيهقي عن أبي عوانة قال: رأيت الحسن البصري يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكر الله ، فدخل الناس المسجد واجتمعوا.
وعن شعبة قال: سألت الحكم وحماداً عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد؟ فقال: هو محدث.
وعن إبراهيم النخعي قال: هو محدث.
وعن الحسن قال: أول من صنع ذلك ابن عباس، كأنه يصوب ذلك.
ففيه خلاف فكرهه جماعات منهم: نافع مولى ابن عمر، وإبراهيم النخعي والحكم وحماد ومالك بن أنس ﵏، واستحبه غيرهم.
والراجح: أنه إذا مكث في المسجد فيجوز في أي وقت من العام، وفي أي وقت من اليوم، ويوم عرفة هو من هذه الأيام، والإنسان يكون في المسجد محبوساً على طاعة الله طالما أنه لم يحدث حدثاً، فلم يكن في بيت الله ليبتدع بدعة من البدع، فهو جالس للاعتكاف ولدعاء الله ، وقد فعل ذلك ابن عباس ﵁، ولا مانع من ذلك أن يرجو رحمة الله في هذا اليوم.
стр. 293
حكم من انصرف من عرفة قبل الغروب ولم يرجع إليها ليلاً
وإذا دفع الحاج بالنهار من عرفات ولم يعد إليها أجزأه وقوفه، وحجه صحيح، أي: إذا وقف في عرفة من الظهر للعصر، وانصرف إلى المزدلفة، فإما أن يرجع إلى عرفة بحيث تغرب عليه الشمس هناك، وإما أن يرجع فيمكث بها جزءاً من الليل أو أنه لم يفعل، فإذا فعل أو لم يفعل فالحج صحيح، ولكن إذا لم يمكث إلى غروب الشمس أو لم يرجع إليها فقد ترك واجباً من الواجبات، فعليه دم، وحجه صحيح.
ووقت الوقوف بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر ليلة النحر، ولو وقف ببطن عرنة لم يصح وقوفه، والدليل على وقت الوقوف: ما جاء في حديث رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد من حديث عروة بن مضرس الطائي قال: (أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله! إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه)، فالرجل جاء من جبل طيء وهو لا يدري أين يقف، والوقوف في عرفة له شرط معين، فيجلس على جبل معين ويقف في مكان معين، فلذلك الرجل مر بالجبال كلها، بحيث إنه لا يفوته شيء، قال: (ما تركت من حبل) يعني: مكاناً مرتفعاً (إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه -يعني: صلاة الفجر في المزدلفة- ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً.
فقد أتم حجه وقضى تفثه)، فقوله: (ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) هذه نكرة، فهو يدل على أنه لو وقف أقل الأوقات ليلاً أو نهاراً فقد تم وقوف هذا الإنسان، وصح حجه، وقضى تفثه.
وفيه بيان أن المعذور له أن يقف ولو جزءاً من الليل ولو لحظة قبل الفجر، وحجه صحيح، أما غير المعذور فلا بد من الوقوف من الظهر إلى غروب الشمس، وهذا الذي فعله النبي ﷺ ، أو بحسب ما يصل إلى هنالك، فتغرب عليه الشمس هنالك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 294
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام المبيت بمزدلفة ورمي جمرة العقبة
من أعمال الحج المبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة، ثم الذهاب إلى عرفة في اليوم التاسع، وبعد غروب الشمس يدفع الحجاج من عرفة إلى مزدلفة، فيبيتون بها إلى الفجر، والمبيت بها واجب من واجبات الحج، وقبل طلوع الشمس يدفعون إلى منى لرمي جمرة العقبة يوم العيد، وهناك خلاف بين العلماء في وقت رميها.
стр. 295
الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكرنا في الحديث السابق كيفية الإهلال بالحج والبدء في مناسك الحج، فبعد أن تحلل المعتمر من عمرته، ومكث متحللاً حتى يوم التروية، يبدأ في مناسك الحج من يوم التروية، فيلبي الحاج بعد إحرامه، ثم يتوجه إلى في منى اليوم الثامن ويمكث فيها فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر هناك.
والذهاب إلى منى والمبيت بها في هذه الليلة سنة، ثم يتوجه إلى عرفة حيث يكون هناك وقت الزوال فيصلي مع الإمام صلاة الظهر والعصر قصراً وجمعاً، وكان قبل ذلك يصلي بمنى كل صلاة على وقتها ولكنه يقصر من الصلوات.
ثم يمكث من وقت الزوال حتى غروب الشمس يدعو الله سبحانه ﵎ واقفاً في عرفة، وفي أي موقف وفي أي موضع من مواضع عرفة وقف جاز له ذلك، وقد قال النبي ﷺ : (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف).
فإذا غابت الشمس أفاضوا من عرفات متوجهين إلى المزدلفة، وسميت المزدلفة بهذا الاسم وكأنهم حين يخرجون من عرفات متقربين مزدلفين إلى المزدلفة، وأيضاً تسمى: جمعاً؛ وذلك لاجتماع الناس فيها.
والذهاب إلى المزدلفة والمبيت بها من واجبات الحج، والراجح أنه ليس ركناً من الأركان، وتسمى مزدلفة أيضاً بالمشعر الحرام، أما عرفات فتسمى بالمشعر الحلال؛ لأنها من الحل وليست من الحرم، والموقف الذي وقف عليه النبي ﷺ في عرفة هو أسفل جبل الرحمة عند الصخرة، وهذا الجبل يسمى بإلال، ولذلك يطلق على عرفات (إلال) ويطلق عليه عرفة وعرفات، ويطلق عليه المشعر الحلال، أما المشعر الحرام فهو المزدلفة؛ لأن المزدلفة من الحرم مثل منى ومكة فهما من الحرم، لكن عرفات من الحل، وعرفات أبعد أماكن المناسك عن مكة، فهي تبعد بحوالي ٢٢ كيلو تقريباً بين عرفات وبين مكة، فهي أبعد المناسك عن مكة.
والمزدلفة أقرب ومنى أقرب منها.
فإذا خرج الحجاج إلى مزدلفة باتوا ثم توجهوا بعد ذلك راجعين إلى منى لرمي الجمرات، وقد وقف النبي ﷺ في المزدلفة ودعا الله سبحانه ﵎ فيها بعد الفجر.
وفي حديث علي بن أبي طالب الذي رواه الترمذي قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال: (هذه عرفة وهذا هو الموقف وعرفة كلها موقف، ثم أفاض حين غربت الشمس، وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هنيته)، أي: يشير للناس أن امشوا بالسكينة، (والناس يضربون يميناً وشمالاً فيلتفت إليهم ويقول: يا أيها الناس! عليكم بالسكينة، ثم أتى جمعاً) وجمع هي المزدلفة، وهي المشعر الحرام، والمشعر مأخوذ من الشعائر، وفيها من شعائر الحج ما يقام في هذا المكان، قال: (فصلى بهم الصلاتين جميعاً المغرب والعشاء، فلما أصبح أتى قزح)، وهو جبل اسمه قزح، (فوقف عليه النبي ﷺ وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف)، فلأجل ألا يظن الحجيج أنه لابد أن يقفوا على جبل قزح في نفس المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ -وإن كان أفضل- بين لهم أن المزدلفة كلها موقف ففي أي مكان وقف فيها أجزأه.
قال: (ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت حتى جاوز الوادي)، وهذا الحديث فيه اختصار؛ لأن النبي ﷺ صلى الفجر ووقف على جبل قزح يدعو ربه سبحانه دعاءً طويلاً إلى قبل طلوع الشمس بوقت يسير، فانطلق ﷺ في وقت الاصفرار من جبل قزح راجعاً إلى منى، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر وهو الوادي الذي حسر فيه الفيل وأصحاب الفيل، والتحسير بمعنى: الإعياء والإكلال، وكأنه كل وأعيا في هذا المكان، فالنبي ﷺ تحرك سريعاً في هذا المكان -فالمستحب في أماكن نزول عذاب الله على قوم ألا يقف الإنسان فيها، ولكن يسرع في المرور في هذا المكان، وهو الذي فعله النبي ﷺ حيث قرع ناقته فخبت حتى جاوز وادي محسر.
قال: (فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر واستفتته جارية شابة) وذكر الحديث الذي ذكرناه قبل ذلك.
والسنة إذا غربت الشمس وتحقق غروبها أن يفيض الإمام من عرفات ويفيض الناس معه، والجمع بين الليل والنهار في عرفات واجب لمن تمكن بالوقوف في النهار، وإلا فالليل وحده يكفي للمعذور.
стр. 296
ما يستحب فعله في الإفاضة
ثم ينطلق من عرفة إلى مزدلفة، ويؤخر صلاة المغرب بنية الجمع إلى العشاء، ويكثر من ذكر الله سبحانه والتلبية لقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠]، والإفاضة: هي الخروج من عرفات والتوجه إلى المزدلفة، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] أي: انطلقتم جماعات من عرفات ومتوجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر الله سبحانه ﵎.
فاليوم كله ذكر لله، والليل أيضاً ذكر لله سبحانه ﵎ بعد الغروب بأمر الله ، والسنة أن يسلك في ذهابه إلى المزدلفة طريق المأزمين، والمأزم هو الطريق الذي بين الجبلين، وهي طرق معروفة يمشي فيها أكثر أو كل الحجيج.
فيسير الحاج إلى المزدلفة وعليه السكينة والوقار على عادة سيره، سواء كان راكباً أو ماشياً، ويحترز عن إيذاء الناس في المزاحمة، فإن وجد فرجة فالسنة الإسراع فيها ولا بأس أن يتقدم الناس على الإمام أو يتأخروا عنه.
стр. 297
استحباب جمع المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة
والسنة أن يؤخروا صلاة المغرب حتى يصلوها مع العشاء جمعاً في المزدلفة وقت العشاء، فيؤخروا المغرب ما لم يخشوا فوت وقت الاختيار للعشاء، وهنا نقطة لم تكن في الماضي موجودة، فقد كانت الأعداد قليلة، أما الآن فالأعداد كبيرة جداً، فيمكن أن يخرج من عرفة والسيارات تتوجه إلى المزدلفة ولا تصل إلا الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، أو يتأخر فلا يصل إلا الفجر فتضيع منه صلاة العشاء، فصلاة العشاء لها وقت أول ووقت آخر، فعليه ألا يؤخر العشاء إلى الفجر؛ لأن آخر وقت العشاء منتصف الليل، فعليه أن ينزل في المكان الذي هو فيه ويتوضأ ويصلي المغرب والعشاء حتى لا يضيع صلاة العشاء وصلاة المغرب، لكن السنة لمن يصل مبكراً إلى مزدلفة قبل نصف الليل أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء حتى يصليها هناك.
ولذلك احترزنا هنا بالقول أنه إذا كان الإنسان لا يخاف فوت وقت الاختيار للعشاء، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵄ قال: (دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء)، أي: أن النبي ﷺ دفع من عرفة إلى أن وصل إلى مكان اسمه الشعب، والشعب هو الطريق الذي بين الجبلين، فنزل النبي ﷺ يقضي حاجته في هذا المكان وأسامة كان مع النبي ﷺ فقال: (الصلاة يا رسول الله!) أي: صلاة المغرب ستفوتنا، فقال: (الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلى ولم يصل بينهما)، فلم يصل سنة بين المغرب والعشاء، وأيضاً لم يترك وقتاً كبيراً، بل نزل وتوضأ في المزدلفة ﵊، وصلى صلاة المغرب، وترك فرصة يسيرة لكي ينزل الناس عن جمالهم وينيخوا دوابهم، ورجعوا مع النبي ﷺ فصلوا وأقيمت صلاة العشاء.
وقوله: (فصلى ولم يصل بينهما)، أي: أن الوقت بين المغرب والعشاء كان وقتاً يسيراً، فجمع هنا بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، ولو ترك الجمع بينهما وصلى كل واحدة في وقتها فالصلاة صحيحة، ولكنه خالف سنة النبي ﷺ ، فالسنة أن يجمع جمع تقديم للظهر والعصر في عرفة، ويؤخر المغرب إلى أن يجمعها جمع تأخير مع العشاء في المزدلفة، فلو خالف فقد خالف السنة، وصلاته صحيحة، وكذلك لو جمع وحده ولم يصل مع الإمام ولا مع الجماعة بل صلى وحده، أو صلى إحداهما مع الإمام والأخرى وحده جامعاً بينهما، أو صلاهما في عرفات أو في الطريق قبل المزدلفة فكل هذا جائز له فعله، ولكن فاتته الفضيلة، والفضيلة ما فعله النبي ﷺ في جمع التأخير بين المغرب والعشاء في المزدلفة.
وإن جمع في المزدلفة وقت العشاء أقام لكل واحدة منهما ويؤذن للأولى ولا يؤذن للثانية، وذلك مثل صلاة الظهر والعصر في عرفة، فإنهما يصليان بأذان واحد وإقامتين، روى مسلم عن جابر وذكر رواية الحديث وفيه: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة)، فقبل ليلة المزدلفة فيها تعب النهار من دعاء وانشغال بالذكر، والمسير من عرفة إلى المزدلفة مسير طويل يأخذ وقتاً، فلا يصل الحجيج إلى هناك إلا وقد تعبوا، فسنة النبي ﷺ الراحة هنا، فقد صلى المغرب والعشاء ونام صلوات الله وسلامه عليه، ثم قام لصلاة الفجر ﵊.
وقد قدمنا قبل ذلك أنه لم يذكر هنا أنه صلى الوتر أو لم يصلها، فأخذنا من عموم حاله ﷺ أنه لم يكن يضيع الوتر لا في سفر ولا في حضر، وكذلك سنة الفجر هل صلاها أم لم يصلها؟ أخذنا من عموم فعله ﷺ أنه ما كان يترك سنة الفجر التي هي رغيبة الفجر.
стр. 298
حكم المبيت بمزدلفة
اختلف العلماء هل هذا النسك سنة أم واجب أم ركن من الأركان؟ والخلاف هنا مع الاتفاق على أن هذا شعيرة من شعائر الحج ونسك من مناسك الحج وعبادة من العبادات.
والصحيح أنه واجب على غير المعذور، وليس بركن، فلو تركه صح حجه وعليه دم، فكل من يترك واجباً من الواجبات فعليه دم، أما المعذور فله عذره، فلو خرج الحجيج من عرفات راكبين السيارات وهم مرضى وضعاف وتعطلت بهم سياراتهم في الطريق وما وصلت المزدلفة إلا مع الفجر، فنقول: هؤلاء معذورون.
ومثال آخر: إنسان أحرم بالحج وتاه في الطريق ولم يصل إلى عرفات إلا قبل الفجر بلحظات، فنقول: هذا معذور ولا شيء عليه.
إذاً: المبيت بمزدلفة ليس بركن على الراجح، ولو تركه بدون عذر صح حجه وعليه دم، قال ابن قدامة: المبيت بمزدلفة واجب من تركه عليه دم، وهو قول عطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور وأصحاب الرأي، فجمهور العلماء على أن المبيت في مزدلفة واجب وأن من تركه فعليه دم.
وقال بعض أهل العلم ومنهم علقمة والنخعي والشعبي: من فاته جمع فاته الحج، فهؤلاء ذهبوا إلى أنه ركن من أركان الحج، فمن فاته جمع فاته ركن من أركان الحج وفاته الحج؛ لأن من الأركان ما يستدرك ومنها ما لا يستدرك، فالوقوف بعرفة ركن لا يستدرك، فإذا فات عرفة فات الحج، ومن فات عليه الحج فعليه أن يهدي وعليه الحج بعد ذلك، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ركن يستدرك، فمن فاته لزمه أن يرجع مرة أخرى ليأتي بهذا الركن، والمزدلفة على القول بأنها ركن تفوت ولا تستدرك.
стр. 299
أدلة القائلين بركنية المبيت بمزدلفة
والذين قالوا بأنه ركن من الأركان وأن من فاته المبيت فاته الحج يحتجون بقول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] قالوا: فأمر الله بأن إذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، بمعنى: اذهبوا إلى المشعر الحرام واذكروا الله عند المشعر الحرام، فالآية تفيد الركنية.
وورد حديث للنبي ﷺ وفيه: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)، فالحديث فيه: (من شهد صلاتنا هذه) وكانت صلاة الفجر في المزدلفة، وقال: (ووقف معنا حتى ندفع) يعني: من المزدلفة، وقال: (وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)، قالوا: فالمفهوم من الحديث أنه من لم يفعل ذلك لم يتم حجه ولم يقض تفثه، فحجه ناقص، وطالما الحج ناقص فهذا ليس بالحج الذي أمر به، فيلزمه أن يعيد حجه.
стр. 300
الرد على القائلين بركنية المبيت بمزدلفة
لكن جمهور العلماء أبوا ذلك وقالوا: الآية التي احتجوا بها ليست دليلاً على ذلك، فقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨] لا يدل على وجوب المبيت بمزدلفة، فإن الله تعالى قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]، ولو أن الإنسان كان عند المشعر الحرام بمزدلفة ونام الليل كله ولم يذكر الله فيها، ثم ذهب إلى منى؛ صح حجه باتفاق العلماء، فإذا كان منطوق الآية لم تعملوا به، فكيف بالمفهوم الذي من ورائه، فالآية لها منطوق ومفهوم من وراء ذلك، فالمنطوق هو قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] وهو الذكر، وهذا المنطوق لم يعمل به مما يدل على أن هناك كلمة محذوفة، فيكون المعنى: توجهوا إلى المزدلفة حتى تذكروا الله هناك، فكيف يقال عن الذكر في مزدلفة ليس ركناً وهو منطوق الآية والمبيت بها ركن وهو مفهوم الآية؟! وهذا صحيح في الاحتجاج بهذه الآية.
أما حديث: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) فقوله: (وقف) إثبات و (ليلاً) نكرة بمعنى: أي جزء من الليل ولو يسيراً، فالنكرة هنا في سياق الإثبات فيكون المعنى ولو أقل القليل.
والحديث له سبب وهو عروة بن مضرس قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله! إني جئت من جبل طي، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله! ما تركت من حبل إلا وقفت عليه)، والحبل مثل الجبل إلا أن الجبل صخر والحبل رمال، فهنا يقول: ما تركت أي مرتفع ولا كثيب من الأرض إلا وقفت عليه، (فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف في عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد أتم حجه وقضى تفثه).
وهؤلاء الذين قالوا: إن المبيت بمزدلفة ركن يفوت الحج بتركه واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (من شهد صلاتنا هذه)، قال لهم الجمهور: وهل شهود الصلاة الذي هو منطوق الحديث ركن من الأركان حتى تقولوا: إن المبيت بمزدلفة الذي هو مفهوم الحديث ركن أيضاً؟ فيلزمكم أن تقولوا: إن هذه الصلاة يجب أن يشهدها مع الإمام، وهي من الأركان، وأنتم تقولون بذلك.
وممن ألزم بذلك الإمام الطحاوي، فقد ألزم به ابن حزم رحمة الله عليهما، فالتزمه ابن حزم، وأخذ بذلك العلامة الألباني رحمة الله عليه، وهذا لم يقله العلماء السابقون، بل هذا التزام ألزمهم العلماء بشيء فقالوا بهذا الذي ألزمهم العلماء به.
والراجح: أن الصلاة هنالك ليست من الواجبات، ولكن النبي ﷺ يذكر قصة هذا الرجل، ويقول: أنت وقفت معنا، وطالما أننا صلينا الفجر في هذا المكان، وصلينا الفجر على أول وقته، وأنت قد وقفت قبل ذلك في عرفة، وعليه فقد كنت في مزدلفة ليلاً، وبهذا يكون حجك صحيحاً، وقد أتيت بالوقوف الواجب عليك.
بل أخذ الجمهور من قوله ﷺ : (وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) دليلاً لهم، فإن ليلاً هنا نكرة في سياق الإثبات، فيصح على أقل شيء من الليل، فلو أنه وقف بعرفة قبل الفجر بخمس دقائق، ثم طلع عليه الفجر في هذا المكان فإنه لن يستطيع الذهاب إلى مزدلفة ليصلي الصبح مع الناس، فالحديث دليل للجمهور على أنه إذا أدرك بعرفة آخر الليل ولو آخر دقيقة من الليل فقد أدرك الحج، مع أن هذا الإنسان الذي سيقف بعرفة في هذا الوقت يستحيل يصلي الفجر مع الناس في المزدلفة.
وعلى ذلك لم يقصد النبي ﷺ الصلاة بعينها أنها واجبة أو أنها ركن في هذا المكان من الأركان التي في الحج، وإنما قصد النبي ﷺ بيان أنك تدرك عرفة ولو للحظات يسيرة قبل أن يطلع عليك الفجر، ويدل على ذلك الحديث الجامع في قوله ﷺ : (الحج عرفة)، فهذا هو الركن الذي يضيع الحج بتركه، فإذا وقف بعرفة ولو للحظة من آخر الليل فقد أدرك الحج، والباقي الذي عليه من الواجبات تجبر بدم إن لم يتمكن منها، وكذلك الطواف والسعي بالبيت فهذا لا يفوت، سواء أدرك الطواف في هذه الأيام، أو لم يطف وأدرك الطواف بعد ذلك في أيام العيد، أو مرت عليه أيام العيد فلم يزل الطواف واجباً ركناً عليه، ولابد أن يأتي به حتى ولو سافر فيلزمه أن يرجع، ولا يتحلل التحلل الأكبر حتى يطوف بالبيت.
стр. 301
الراجح في حكم المبيت بمزدلفة ودليله
وخلاصة القول أن المبيت بالمزدلفة نسك بالإجماع، وهو واجب على غير المعذور وليس بركن، فلو تركه صح حجه وعليه دم.
ودليل الوجوب قول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] فهنا أمر بالذكر الذي يستلزم أن يكون هنالك عند المشعر الحرام، ولم يذكر أنه إذا لم يفعل ذلك بطل حجه، فدل على أن هذا واجب وليس ركناً من الأركان، وقال النبي ﷺ : (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)، فقوله: (من شهد صلاتنا هذه) أثبت أن الذي يقف في المزدلفة قد أتم حجه، والذي وقف قبل ذلك بعرفة جزءاً من الليل أو من النهار وشهد معنا الآن دليل على أنه شهد عرفات في جزء من الوقت المشروع للوقوف فيها.
ودليل عدم الركنية قول النبي ﷺ : (الحج عرفة فمن جاء قبل ليلة جمع فقد تم حجه)، وهذا الحديث الصحيح رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر، وذكر القصة أن النبي ﷺ قال: (الحج عرفة فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج) ثم قال: (أيام منى ثلاث فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه)، قال: (الحج عرفة فمن جاء قبل ليلة جمع فقد تم حجه)، يعني قبل انقضاء ليلة جمع التي هي ليلة المزدلفة، فمن جاء إلى عرفات قبل أن تنقضي هذه الليلة فقد تم حجه.
стр. 302
مقدار المبيت بمزدلفة ووقته ومكانه
اختلف الفقهاء في مقدار المبيت ووقته: فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن زمن الوجوب هو المكث بالمزدلفة من الليل، واختلفوا في هذا المقدار الذي يكون من الليل، فقالت المالكية: النزول بالمزدلفة قدر حط الرحال في ليلة النحر واجب، والمبيت بها سنة، أي: أنه إذا مر بالمزدلفة وبمقدار ما نزل فيها وحط رحله فيها ثم ركب ثانياً وانصرف فهذا يقال له: بات بالليل، فهذا عند المالكية، لكن أن يمكث فيها من وقت أن يصلي العشاء إلى الفجر فهذا سنة وليس فرضاً، هذا عند المالكية.
وقال الشافعية والحنابلة: يجب الوجود بمزدلفة بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة، فلابد أن يكون الحاج في النصف الثاني من الليل موجوداً في هذا المكان ولو بعضاً من الوقت فيه حتى يقال: بات بهذا المكان.
وذهب الحنفية إلى أنه ما بين طلوع فجر يوم النحر وطلوع الشمس، فمن أدرك بمزدلفة في هذا الوقت فترة من الزمن فقد أدرك الوقوف سواء بات بها أم لا.
والمختار ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، فقولهم أوجه، وهو الموافق لهدي النبي ﷺ ، وهو: أن النزول يكون نزولاً بالليل فلا يكفي أول الليل، بل لابد أن يمر عليه نصف الليل ويدخل في النصف الثاني من الليل حتى يقال قد بات في هذا المكان، فكأنه على هذا القول لو أدرك النصف الأول من الليل ثم انصرف قبل أن يدخل عليه النصف الثاني من الليل فهذا لم يبت، فحتى يقال: بات، لابد أن يحصل جزءاً من النصف الثاني من الليل، وحتى يقيم سنة النبي ﷺ لابد أن يمكث الليل كله وأن يقف بعد صلاة الفجر عند المشعر الحرام يذكر الله ويدعو إلى قبل الإسفار ثم ينطلق.
فلو دفع قبل نصف الليل بيسير ولم يعد إلى المزدلفة فقد ترك المبيت وعليه دم لتركه واجباً، ولو دفع قبل نصف الليل وعاد إليها قبل طلوع الفجر أجزأه، أما من انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بمزدلفة فلا شيء عليه فهذا معذور وداخل تحت نص حديث النبي ﷺ أنه أدرك من عرفة جزءاً من الليل أو من النهار، فالذي يدرك جزءاً من الليل ولو آخره يستحيل أن يدرك الليل بمزدلفة وهو موجود آخر الليل بعرفة، فعلى ذلك هذا معذور ولا شيء عليه.
ويحصل هذا المبيت بالحضور في أي بقعة كانت من مزدلفة فقد روى مسلم عن جابر في حديث طويل أن رسول الله ﷺ قال: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف) وجمع هي المزدلفة، يستحب أن يبقى بالمزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلي الفجر هنالك وينتظر حتى وقت الإسفار ثم ينصرف.
وذلك لما في حديث جابر: (أن رسول الله ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس).
стр. 303
وقت الدفع من مزدلفة
ويباح الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل؛ لما ورد من الرخصة في ذلك، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله)، أي: أن ابن عباس كان مع ضعفة أهل النبي ﷺ الذين انطلقوا بعد نصف الليل من المزدلفة عائدين إلى منى، ورواه النسائي بلفظ: (أرسلني رسول الله ﷺ في ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى فرمينا الجمرة)، أي: أنهم وصلوا إلى منى فصلوا الصبح ورموا الجمرة.
وفي الصحيحين عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين ﵂ أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، وذلك بعد وفاة النبي ﷺ ، وفي هذا جواز أن يصلي الإنسان من الليل، فهي صلت المغرب والعشاء وأيضاً صلت جزءاً من الليل، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ تسأل من معها وكانت قد عميت ﵂، فقال عبد الله مولاها: -ومولاها أي: أنه كان عبداً لها وأعتقته هي فهو مولى لها-، فقال: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ وغياب القمر في هذا الوقت يكون بعد منتصف الليل، فسألت عن غياب القمر أي: هل جاوزت نصف الليل؟ فلما قال: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا بعد منتصف الليل ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح.
فرمت الجمرة قبل أن تصلي الصبح، ويستحيل أن تؤخر صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس، فكأنها أخذت برخصة عن النبي ﷺ في ذلك، فرمت الجمرة قبل أن تصلي الصبح ثم صلت الصبح ﵂، قال: فقلت لها يا هنتاه! ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني! إن رسول الله ﷺ أذن للضعن، والضعن جمع ضعينة، والضعينة هي المرأة المسافرة الراكبة على البعير، والمقصود أنه أذن للنساء.
فالإذن فيما فعلته هي رضي الله ﵎ عنها، والذي فعلته أنها انصرفت بعد منتصف الليل، مما يدل على إذن النبي ﷺ للضعفاء بالانصراف بعد منتصف الليل، أما الأقوياء فالسنة أن يبيتوا حتى الفجر ويصلوا الفجر في المزدلفة ويقفوا عند المشعر الحرام.
стр. 304
رمي جمرة العقبة ووقته
وخلاصة القول: أن النبي ﷺ أذن للضعن، وهذا الحديث احتج به الجمهور على جواز الرمي قبل طلوع الشمس، وسواء خصصوا الذي يعجل بالليل من الضعفاء أو لم يخصصوا، فالجمهور عمموا الحكم في النساء الضعيفات وغيرهن؛ لأن العذر موجود سواء في النساء أو غيرهن.
فالرمي في الليل سيخفف من العدد ويكون هناك تيسير على الناس في ذلك.
وقال الأحناف: لا يرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فأخذوا بالأحوط، ولكن لا إنكار على من رمى قبل ذلك، فـ أسماء رضي الله ﵎ عنها رمت الجمرة بالليل وصلت الصبح بعدها، فدل على أنه يجوز أن ترمي بعد طلوع الفجر وتصلي الصبح بعد الرمي.
وقد رأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء وطاوس والشافعي.
أما الأحناف فمنعوا وقالوا: إنه لا يجوز رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها.
فعند الأحناف أنه لو رمى هذه الجمرة قبل الفجر وجب عليه أن يعيدها مرة ثانية، فإذا رماها بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس صح رميه وخالف السنة.
والجمهور على أنه لو رماها بالليل فالرمي صحيح، فقد أذن النبي ﷺ للضعفاء من النساء، فمن كان هذا حاله أو وجد أصحاب أعذار فرموا قبل ذلك -أي: من الليل عند وصولهم إلى منى -فالرمي صحيح.
واحتج الجمهور بحديث ابن عمر ﵄ وفيه كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام من مزدلفة بليل، وعبد الله بن عمر كان يقتدي بالنبي ﷺ في أفعاله، بل كان من أشد الصحابة مواظبة وحرصاً على الاقتداء بالنبي ﷺ ، قال: فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ .
لكن جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه لما أرسل غلمان بني عبد المطلب قال: (أبيني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس).
وفي حديث آخر عن ابن عباس ﵁ قال: (بعثني النبي ﷺ مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر)، فحديث ابن عباس أخرجه الطحاوي من طريق شعبة مولى ابن عباس، وشعبة كان سيء الحفظ، وحديث: (لا ترموا الجمرة قبل أن تطلع الشمس) ظاهره أن النبي ﷺ منع من رمي الجمرة قبل طلوع الشمس، وهذا الاحتياط فيها أنه لا ترمى الجمرة إلا بعد طلوع الشمس، لكن في قصة أسماء أنها رمت مع الصبح، وفي قصة عبد الله بن عمر ذكر أنه أرخص في ذلك رسول الله ﷺ ، فعليه لا يوجد تناقض بين الحديثين، فكأنه قال: لا ترموا إلا بعد طلوع الشمس، وهذا على وجه الإرشاد منه ﷺ وعلى وجه الندب، فإذا فعلوا قبل ذلك جاز لقصة أسماء وقصة عبد الله بن عمر ﵄.
وخلاصة القول: أن الذي يصل إلى منى عند طلوع الصبح له أن يرمي ثم يصلي الصبح، وله أن ينتظر -وهذا الأفضل- إلى أن يصلي الصبح ثم يرمي الجمرات بعد طلوع الشمس.
فإذا وصل الضعفاء من النساء وغيرهن إلى منى قبل طلوع الفجر وبعد نصف الليل فالمستحب أن ينتظروا حتى تطلع الشمس ثم يرموا جمرة العقبة خروجاً من الخلاف الذي بين الأحناف وبين الجمهور في ذلك؛ لحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: (قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبيني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس).
فهذا نهي من النبي ﷺ على وجه الإرشاد، بمعنى: يكره لكم ذلك، فلا تفعلوا إلا بعد طلوع الشمس، والسبب في قولنا يكره ذلك، أو وجه أنه يندب أن يرمى بعد طلوع الشمس ما جاء في قصة أسماء، وقصة عبد الله بن عمر المتقدمتين.
ولا بأس أن يرموا جمرة العقبة بعد صلاة الصبح وقبل زحمة الناس؛ لأن الزحام يكون شديداً بعد ذلك، فيحطم الناس بعضهم بعضاً عند الرمي، فمن التيسير في الشريعة أنه إذا وصل إلى جمرة العقبة بعد صلاة الصبح بسبب الزحام وخاصة في زماننا هذا فله أن يرميها.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة فأصلي الصبح بمنى فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس)، فالسيدة عائشة تتمنى أن لو كانت فعلت كما فعلت السيدة سودة ﵂، ولم تقل: بعد طلوع الشمس ولا غيره، بل قالت: أصلي الصبح فأرمي قبل أن يأتي الناس، فهنا ترتيب وتعقيب، فالناس سيخرجون من المزدلفة متوجهين إلى منى، فمنهم من صلى الصبح وانطلق، ومنهم من مشى قبل ذلك وصلى في الطريق أو صلى هنالك، فقيل لـ عائشة: (فكانت سودة استأذنته؟ قالت: نعم، إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة) أي: إن جسمها ثقيل وكانت بطيئة، فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لها صلوات الله وسلامه عليه، فالسيدة عائشة كأنها علمت من ذلك أن النبي ﷺ يجوز لمن يصل إلى هنالك وقت الصبح أن يصلي الصبح ويرمي الجمرة.
وفي رواية أخرى للنسائي (وددت أني استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة فصليت الفجر بمنى قبل أن يأتي الناس، وكانت سودة امرأة ثقيلة ثبطة، فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لها، فصلت بمنى ورمت قبل أن يأتي الناس).
وفي الصحيحين عن سالم قال: (كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعاف أهله فيقفون عند المشعر الحرام بمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منىً لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرات).
فالذي يقدم قبل صلاة الفجر عليه أن يرمي الجمرة قبل أن يصلي، والذي يقدم بعد ذلك عليه أن يرمي الجمرة ويصلي، (وكان ابن عمر ﵄ يقول: (أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ، فهذا حكم الضعفاء، فأما غيرهم فالسنة في حقهم أن يمكثوا بمزدلفة حتى يصلوا الصبح هنالك ثم يقفون عند المشعر الحرام ويدعون الله، وقبل الإسفار ينطلقون إلى منى.
فإذا طلع الفجر بادر الإمام والناس بصلاة الصبح في أول وقتها والمبالغة في التبكير بها في هذا اليوم آكد من باقي الأيام، وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: (ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاته)، وليس المقصود أنه غير وقت الصلاة وصلاها في وقت آخر، ولكن المقصود هنا أنه ليس من عادته أن يصلي الفجر بعد الأذان وركعتي السنة مباشرة، فهذا لم يحصل من الرسول ﷺ إلا في هذا الوقت، ولا تظن أن قوله: (قبل ميقاتها) أي: أنه صلى الفجر بليل، فهذا ينافي معنى الفجر، فالفجر بمعني: انفجر شعاع الشمس فخرج فوق الأفق فكان وقت الفجر، فهو صلى الفجر على أول وقتها ﵊؛ ليتسع الوقت لوظائف هذا اليوم من المناسك فإنها كثيرة، فليس في أيام الحج أكثر عملاً منه، فلو أنه أطال صلاة الفجر وصلاها كعادته وانتظر حتى يجتمع الناس من كل مكان إلى أن ينظر الإنسان إلى جليسه، يضاق الوقت على المناسك المشروعة في ذلك اليوم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 305
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [١]
في يوم النحر يرمي الحجاج جمرة العقبة، ثم يذبحون الهدي، ثم يحلقون أو يقصرون، ثم يطوفون طواف الإفاضة، هكذا رتبها النبي ﷺ ، فمن أتى بها مرتبة هكذا فقد أصاب السنة، ومن قدم شيئاً على شيء فلا حرج عليه وحجه صحيح.
стр. 306
أعمال يوم الثامن والتاسع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وصلنا في الكلام على مناسك الحج إلى مسألة ذكر الله سبحانه عند المشعر الحرام، وذكرنا أن مناسك الحج يبدأ بها الحاج من يوم التروية، فيبدأ بالإحرام للحج إذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، أو جاء في هذا اليوم محرماً بالحج، فيتوجه إلى منى في يوم التروية، ويصلي هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت تلك الليلة وهي ليلة عرفة فيصلي الفجر بمنى، ثم يخرج من منى إلى عرفات، وهناك يصلي الظهر والعصر ويشهد خطبة عرفة، ويمكث في عرفات من الزوال حتى غروب الشمس في ذكرٍ لله ، ويكثر من الدعاء والتلبية، ومن الانشغال بعبادة الله سبحانه في هذا اليوم.
وإذا غربت الشمس يفيض الحجيج من عرفات إلى المزدلفة، فمتى وصل إلى المزدلفة صلى هنالك المغرب والعشاء جمع تأخير، وكان قد صلى الظهر والعصر مع الإمام في عرفات وجمعهما جمع تقديم، وأما المغرب والعشاء فيصليها في المزدلفة جمع تأخير، ثم يبيت هذه الليلة في المزدلفة، والسنة أن يبيت فيها حتى الفجر، ثم بعد أن يصلي الفجر يقف عند المشعر الحرام، ويذكر الله إلى وقت الإسفار.
ويجوز للضعفاء من النساء ومن معهم أن يخرجوا في هذه الليلة بعد منتصف الليل، فهم قد أمضوا نصف الليل الأول في الطريق وفي المزدلفة، وبعد نصف الليل بفترة يخرجون إلى منى، والأفضل أن يبيت الجميع هنالك بحسب ما يتيسر لهم، لكن المهم أن الحاج إذا بات بمزدلفة فلا يخرج منها قبل نصف الليل الثاني، وهنا لا بد أن يكون الخروج بعد منتصف الليل الأول، فإذا تعجل في الانصراف فليكن قد مضى عليه على الأقل نصف الليل الأول، ودخل في النصف الثاني من الليل، ثم بعد ذلك ينصرف إلى منى.
стр. 307
الوقوف عند المشعر الحرام ووقته
وسنة النبي ﷺ أن يبيت في المزدلفة إلى الفجر، ويصلي الفجر في أول وقتها، ثم يقف عند المشعر الحرام، وقد وقف النبي ﷺ على جبل قزح وذكر الله .
فإذا صلوا الصبح توجهوا إلى المشعر الحرام عند جبل اسمه (قزح)، وهو جبل صغير معروف في آخر المزدلفة، فيتوجه إليه حتى يصعد عليه إن أمكنه وإلا وقف عنده أو تحته، ويقف مستقبل الكعبة، فيدعو ويحمد الله ويكبره ويهلله ويوحده، ويكثر من التلبية.
وقد صلى النبي ﷺ الفجر في المزدلفة في أول وقتها؛ لأنه سيخرج قبل الشروق من المزدلفة متوجهاً إلى منى، فيجد وقتاً للدعاء بين صلاة الفجر وبين الإسفار، وحتى يخرج ﷺ متوجهاً إلى منى مخالفاً لما كان عليه المشركون، إذ كانوا يخرجون إلى منى بعد طلوع الشمس، فخالفهم وخرج قبل طلوع الشمس ﵊.
ووقوف الرسول عند المشعر الحرام حيث أمكنه ينطبق عليه في حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف).
والغرض: بيان أن النبي ﷺ إذا وقف في مكان فلا يشترط أن كل الحجاج يقفون في المكان نفسه، فإنه لا يكفيهم ذلك الموضع، وقد وقف النبي ﷺ أسفل جبل الرحمة، وقال لنا: (عرفة كلها موقف)، أي: في أي موقف من عرفة وقفت فيه أجزأك.
كذلك وقف النبي ﷺ في جمع على جبل قزح، وقال: (وجمع كلها موقف).
وجمع: هي المزدلفة، والمراد: وقفت على قزح وجميع المزدلفة موقف، لكن أفضلها قزح، كما أن عرفات كلها موقف، وأفضلها موقف رسول الله ﷺ .
ومن السنة أن يبقوا واقفين على قزح للذكر والدعاء إلى أن يسفر الصبح جداً، أي: إلى أن يتحول لون السماء من لون السواد إلى اللون الأزرق، ويصبح كل إنسان يرى من بجواره، فقبل أن تطلع الشمس وقبيل طلوع الشمس ينصرفون إلى منى.
ولو تركوا هذا الوقوف فاتتهم الفضيلة، ولكن هذا الوقوف ليس من واجبات الحج، وليس من أركان الحج، فلا إثم عليهم في الترك، ولكن خالفوا هدي النبي ﷺ إذا تركوا هذا الوقوف.
стр. 308
الدفع إلى منى ووقته
إذا أسفر الفجر فالسنة أن يدفعوا من المشعر الحرام متوجهين إلى منى، ويكون ذلك قبل طلوع الشمس، ولهم أن يدفعوا بعد طلوع الشمس، فلو أنهم فعلوا ذلك فلا إثم عليهم ولكن يكره؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يصنعون ذلك.
يقول عمرو بن ميمون: شهدت عمر ﵁ بجمع يصلي الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي ﷺ خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس.
وجبل ثبير هو جبل في المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، وكان الكفار ينتظرون طلوع الشمس على هذا الجبل، ويقولون: (أشرق ثبير كيما نغير)، فينصرفون، وكأن الإغارة بمعنى: الإسراع في العَدوْ، أو الإغارة بمعنى: النهب والمعنى: ينهبون لحوم الأضاحي واللحوم المنحورة في هذه الأيام، فكأنهم يتعجلون لأكل اللحم أو للتوجه إلى منى، فالنبي ﷺ خالفهم في ذلك، وأفاض قبل طلوع الشمس صلوات الله وسلامه عليه.
ويندفع الحاج إلى منى وعليه السكينة والوقار، فإن وجد فرجة أسرع، ويكون شعاره في دفعه التلبية والذكر خصوصاً في أماكن المشاعر، ويرفع صوته بذكر الله سبحانه والتلبية والتكبير لله .
وليجتنب الإيذاء والمزاحمة، وليمش وعليه السكينة؛ لما روى الفضل بن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا: عليكم بالسكينة).
وقد كانت عادة النبي ﷺ أن يسير العنق، وفي ذلك يقول أسامة ﵁: (كان يسير العنق)، أي: يمشي بلطف وسكينة، قال: (فإذا وجد فجوة أو فرجة نص)، أي: أسرع، وهذا بحسب المكان، فإذا كان المكان واسعاً فيسرع، وإذا كان المكان ضيقاً فيمشي بلطف وتمهل ﵊.
قال: (فإذا بلغ وادي محسر فحرك قليلاً)، ووادي محسر هو الوادي الذي حسر فيه الفيل وأصحابه وأهلكهم الله هنالك، ولذا فإن السنة في أماكن العذاب أن يسرع الإنسان فيها.
ويستحب في هذا المكان أن يحرك الحاج الدابة قدر رمية حجر، بمعنى: لو أمسكنا بحجر وخذفنا به فوصل إلى مكان، فتكون المسافة من مكان الرمي إلى مكان وصول الحجر هي مسافة بقدر رمية حجر.
ووادي محسر ليس من مزدلفة ولا من منى، بل هو واد بين الاثنين، ويستحب الإسراع فيه كما ذكرنا.
стр. 309
رمي جمرة العقبة في منى يوم النحر
وفي حديث جابر الذي في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ أتى بطن محسر فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى)؛ لأنه في هذا اليوم سيرمي الجمرة الكبرى.
والجمرات ثلاث: الصغرى، والوسطى، والكبرى، فهو سيسلك هنا الطريق التي يأتي منها على الجمرة الكبرى، فيرمي الجمرة الكبرى فقط في هذا اليوم وهو يوم النحر.
فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، وتكون الحصى مثل حصى الخذف، ويأخذ حجر الرمي من بطن الوادي وبعدها ينصرف إلى المنحر.
إذاً: النبي ﷺ خرج من المزدلفة متوجهاً إلى منى، ووصل إلى الجمرة الكبرى، ورمى هذه الجمرة في هذا اليوم فقط بسبع حصيات من بطن الوادي.
ولذا فقد روى الترمذي عن علي ﵁ قال: (إن النبي ﷺ لما انتهى إلى وادي محسر قرع ناقته فخبت حتى جاوز الوادي).
ثم يخرج من وادي محسر سائراً إلى منىً؛ لحديث جابر: (أن النبي ﷺ أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق التي تخرج إلى الجمرة الكبرى).
فمن وادي المحسر سيصل إلى منى ويرمي الجمرة الكبرى.
يقول جابر فيما رواه مسلم: (رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر وهو يقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه).
فالنبي ﷺ علمهم ماذا يفعلون فقال: (خذوا عني مناسككم)، فكما يفعل ﷺ يفعلون، وهو بدأ برمي جمرة العقبة، وهذا الرمي واجب من واجبات الحج.
وقد ذكرنا قبل ذلك أركان الإحرام وهي: عقد النية أو عزمها، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة.
ولكن السعي بين الصفا والمروة فيه خلاف: هل هو ركن من الأركان، أو هو واجب من الواجبات؟ وأما رمي الجمرات فهو واجب من الواجبات، فيجبر هذا الواجب بدم، فإذا ترك رمي الجمرات كلها فعليه دم، وإذا ترك بعضها فعليه جزء من الدم.
стр. 310
عدد حصى الرمي والسنة فيها
وأما حصى الرمي فيجوز أن يأخذ من المزدلفة سبع حصيات لرمي جمرة العقبة يوم النحر، ويجوز من أي موضع ومن أي مكان يتيسر له، فإن تيسر له جمعه من المزدلفة جمع، وإن تيسر له جمعه من منى جمع، ويجوز من أي مكان يأخذ هذا الحصى ويرمي به كما سيأتي.
والسنة أن تكون الحصى صغاراً بقدر حبة الفول لا أكبر ولا أصغر، ويكره أن تكون الحصى أكبر من ذلك.
يقول الإمام النووي ﵀: إن رمي هذه الجمرات يكون بحصى قدر حصاة الخذف أصغر من الأنملة طولاً وعرضاً.
وذلك بقدر حبة الفول أو أصغر منها، هذا هو المستحب فيها.
وأخذ الحصى -كما قلنا-: يكون من أي موضع، ولكن ذكر الإمام النووي أنه يكره من أربعة مواضع -يكره ولا يحرم- فيكره أن يأخذ من حصيات المسجد، ويكره أن يأخذ من الحل وهو في الحرم، وكذلك يكره أن يأخذ من موضع فيه نجاسة فينجس نفسه ويلوثها، ويكره أيضاً أن يأخذ من الجمار التي رماها هو أو غيره، والراجح أن هذا لا يحرم، ولكن لم يثبت أن النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يرمون الجمرات ثم يأخذون من الحصى المجموعة ويخذفونها مرة ثانية، بل يأتي بها من الخارج أو من مكان بعيد.
فهذه تكره ولا تحرم، ولو أنه فعل ذلك ورمى فرميه صحيح.
روى النسائي عن ابن عباس ﵄ قال: (قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته -والغداة: وقت الصباح- هات القط لي)، فهذا الأمر لـ عبد الله بن عباس ﵁، قال: (فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده.
قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).
وهذه الحصى هي كالتي يلعب بها الأطفال، ولا يرمي بحصيات كبار بحيث لا يجرح الناس بعضهم بعضاً.
стр. 311
وقت رمي جمرة العقبة
والمستحب ألا يرمي إلا بعد طلوع الشمس؛ وذلك لما روى الترمذي عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)، وقد قدمنا في الحديث السابق الخلاف في ذلك، وعليه فالمستحب أن يرمي الجمرات بعد طلوع الشمس.
ولو أنه رمى قبل طلوع الشمس ما بين الفجر وبين طلوع الشمس فذلك عند الأئمة الأربعة جائز ولا شيء عليه.
ولو أنه رمى بالليل فعند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد أن هذا مجزئ طالما أنه بعد النصف الثاني.
وعند أبي حنيفة أنه لو رمى بالليل فإنه يعيد حتى يرميها بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس.
وأما عند الأئمة الثلاثة فإنه يجزئ أن يرميها بالليل طالما أنه مضى عليه نصف الليل الأول، وكان هذا الرمي في النصف الثاني من الليل.
стр. 312
صفة الرمي
والمستحب أن يرمي من بطن الوادي وأن يكبر مع كل حصاة، وكلمة (الوادي) المراد بها: المكان الذي بين الجبلين، أو المكان المتسع المنفسح الذي يقال: هذا فيه مسيل الوادي، أو مسيل الماء الذي فيه.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ (أنه رمى جمرة العقبة فاستبطن الوادي)، واستبطن الشيء بمعنى: دخل في بطنه، والمعنى: أنه لم يكن في مكان بعيد من الوادي، أو على حرفه، بل من داخله قريباً من الجمرات، فاستبطن الوادي بمعنى: دخل في بطنه.
(حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، أي: جعلها أمامه بالعرض، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: من هاهنا والذي لا إله غيره قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ .
وفي رواية أخرى: (أن عبد الرحمن بن يزيد حج مع ابن مسعود ﵁، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، فالجمرة الكبرى أقرب إلى مكة.
وأما عند رمي الجمرتين الأولى والثانية في الأيام الآتية فسيكون مستقبلاً للقبلة وهو يرميها، لكن لو رمى جمرة العقبة فستكون القبلة عن يساره ومنى عن يمينه، فمنى سيكون بجوارها وليس مستقبلاً لها من أمامها؛ إذ لو أنه استقبلها من أمامها فسيكون ظهره لمكة، ولكن النبي ﷺ جعل يساره لمكة وجعل يمينه لمنى، وجاء من جانبها ورماها بسبع حصيات، ومن أي موضع رمى أجزأ طالما أنه رمى إلى داخلها.
قال: (لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ .
وفي حديث جابر: (أن النبي ﷺ أتى الجمرة التي عند الشجرة -أي: يوم النحر- فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، والحصى مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر).
وعندما يرمي جمرة العقبة الكبرى فلا يقف للدعاء عندها في اليوم الأول من أيام التشريق واليوم الثاني واليوم الثالث، لكن عندما يرمي الجمرة الأولى والثانية فسيقف عندها للدعاء، ويستحب أن يكبر مع رمي كل حصاة.
ويستحب أن يرفع يده؛ لأن هذا رمي وليس وضعاً، فيرفع يده ويكون كهيئة الرامي.
ويسن أن يكون الرمي بيده اليمنى، فلو رمى بيده اليسرى أجزأ؛ لحصول الرمي، ولكنه خلاف السنة.
стр. 313
انتهاء التلبية عند الرمي
ويقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها الجمرات، فقد كان الرسول يلبي إلى الوقت الذي هو ذاهب فيه لرمي الجمرات ولا يزال يلبي، فإذا بدأ يرمي فيكبر الله ويقطع التلبية عند ذلك.
ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄: (أن أسامة ﵁ كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، والمفهوم أنه قطع التلبية بعدما رمى ﵊؛ لأن التلبية للإحرام، فإذا رمى فقد شرع في التحلل، فتنتهي التلبية ويبدأ في التكبير.
ولا يجوز الرمي للجمار إلا بالحصى والأحجار، فإن رمى بغير الأحجار من طين يابس أو خزف لم يجزئ؛ لأنه لا يقع عليه اسم الحجر، فإن رمى بحجر كبير أجزأه؛ لأنه يقع عليه اسم الحجر، ويكره له ذلك.
ولا يجزئ أخذ قطعة حديد لرمي الجمرات بها؛ لأن رمي النبي ﷺ كان بالحصى وقال: (بمثل هذا فارموا)، فلابد من الرمي بمثل ما رمى به النبي ﷺ .
стр. 314
أعمال يوم النحر
الأعمال المشروعة للحاج بعد وصوله منى أربعة أعمال: رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، وحلق الشعر، وطواف الإفاضة، فهذه الأربعة الأعمال التي يفعلها في هذا اليوم.
وقد ذكرها هنا على الترتيب، وأما الذبح فإن أكثر الحجاج اليوم لا يذبحون بأيديهم، بل يشترون، وهذا جائز، وهو من التوسعة في هذا المكان، فلضيق المكان وكثرة الحجيج يصعب على كل واحد أن يذبح في مكانه، وإن كان هذا ممكناً في الماضي لكل أحد أن يذبح، ويضع الذبائح في مكانها، والذي يأخذ منها شيئاً يأخذ ما يشاء، وقد لا ينتفع بالشيء الآخر، وأما الآن فالأمر أسهل، فإن الحاج يدفع ثمن الشيكات، والبنك يأخذ الثمن ويشتري الأنعام ويذبحها وينظفها، ويوزع على المحتاجين من أهل مكة، ويعطيها المحتاجين من المسلمين، فيكون الأمر كأنه وكل غيره في الذبح عنه.
إن الحاج سيرمي جمرة العقبة، وبعد ذلك يذبح إذا تيسر، والآن دفع شيكاً فيصير لا ذبح عليه؛ لأن وكيله يذبح عنه، ثم يحلق شعره، وهذا من السنة، ويجوز له أن يقصر، ثم يطوف طواف الإفاضة وهو طواف الركن.
стр. 315
عدم وجوب ترتيب أعمال يوم النحر
وترتيب هذه الأربعة الأفعال من السنة، فيبدأ برمي جمرة العقبة، فلو خالف وبدأ بحلق شعره، أو بدأ بطواف الإفاضة، أو بدأ بالذبح، فهذا الترتيب سنة وليس فرضاً، فلا يلزمه شيء بالمخالفة في الترتيب.
ولو طاف قبل أن يرمي، أو ذبح في وقت الذبح قبل أن يرمي جاز ولا فدية عليه، ولكن فاته الأفضل.
ولو حلق قبل الرمي والطواف لم يلزمه الدم؛ لأن الحلق نسك.
والسنة أن يرمي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، أي: في وقت صلاة الضحى، ثم يذبح ثم يحلق، ثم يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، ويكون الطواف بالبيت في وقت الضحى.
ولا حد لنهاية وقت الطواف والحلق، فلو لم يطف في اليوم الأول فإنه سيطوف في اليوم الثاني، أو في اليوم الثالث، بل لو أنه تعسر عليه ومرض ونقل إلى مستشفى ومكث فيه مدة، فإن الطواف ما زال يلزمه، فلا حد لوقت الطواف، وكذلك الحلق، فلو أنه نسي الحلق حتى رجع إلى بلده فتذكر أنه لم يحلق فيلزمه أن يحلق، فيمتد وقتهما ما دام حياً، وإن مضى عليه سنون متطاولة، وكذلك السعي.
стр. 316
حكم الرمي ووقته
رمي جمرة العقبة واجب وليس ركناً، فلو تركه حتى فات وقته صح حجه ولزمه دم.
ويمتد وقت الرمي إلى الليل، وهذا من التيسير في الشريعة، فلو أن الوقت ضاق على الحجاج بسبب شدة الزحام فقد جعلت الشريعة الأمر واسعاً في هذا اليوم، فيمتد وقت الرمي من وقت الضحى إلى المساء، وكلمة (مساء) جاءت في الحديث الذي عند البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: لا حرج، اذبح ولا حرج.
قال: رميت بعدما أمسيت.
قال: لا حرج)، فالسائل سأل النبي ﷺ أنه رمى بعد أن دخل عليه وقت المساء.
والمساء يطلق في اللغة على الوقت الذي هو من بعد الظهر حتى المغرب، وقال بعضهم: بل يمتد إلى نصف الليل، فعلى هذا فالأمر واسع في الرمي بحسب ما يتيسر للإنسان، فإن تيسر له في النهار رمى، فإن لم يتيسر رمى في الليل، المهم أنه يرمي بعد الوقت المشروع في يوم العيد، أما وقت الرمي بالنسبة للإنسان المعذور من نساء وغيرهم فعلى قول جمهور أهل العلم: أن الضعفاء من النساء وغيرهم إذا انصرفوا من مزدلفة وأفاضوا إلى منى وقت وصولهم بعد منتصف الليل فلهم أن يرموا بمجرد الوصول، وهذا الأمر فيه سعة؛ لشدة الزحام الموجود في هذه الأيام.
стр. 317
شروط الرمي وآدابه
ويشترط في الرمي أن يفعله على وجه يسمى رمياً؛ لأنه مأمور بالرمي، فاشترط فيه ما يقع عليه اسم الرمي، فلو أن إنساناً وصل إلى أمام المرمى وأخذ الحصى ووضعها فهذا ليس رمياً.
ويشترط في الرمي أن يقع في المرمى نفسه، وأحياناً بعض الناس يكلف نفسه ويرمي في العمود الذي أمامه، والرمي إنما يكون في الجمرة الكبرى، وبعضهم عند رمي الجمرة الصغرى والوسطى يرى عموداً ويشغل نفسه برميه، وهذا ليس بسنة؛ بل السنة أن يرمي في المرمى نفسه وليس في هذا العمود الذي أمامه.
ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى، ولا يكلف نفسه عند رمي الحصى أن ينظر إلى الحصى التي رماها هل وقعت في المرمى أو لا، بل يكفي أنه فعل الذي عليه ولا شيء عليه بعد ذلك، مع أنه يستحيل أن يرى الحصى الآن من شدة الزحام.
ولو صدمت الحصى المرمية بالأرض خارج الجمرة أو في الطريق، أو عنق بعير، أو ثوب إنسان، ثم ارتدت فوقعت في المرمى أجزأه، وكذلك لو فرضنا أن الحصى وقع في شيء ثم طار منه ونزل إلى المرمى أجزأه أيضاً.
وهذا مفيد الآن، مع أنه كان في الماضي تقع الحصى في رأس إنسان وتطير وتنزل في المرمى، والآن الذي يرمي من الدور الثاني فيمكن أن تقع في مكان أو تطير إلى مرمى الذي هو فوق، ومنه سترد في مكان آخر وتنزل إلى المرمى.
ولو رمى حصاة إلى المرمى وشك هل وقعت فيه أم لا، فيعمل على الأصل وهو أنها لم تقع فيه، وكثير من الحجاج يكلف أن يعرف هل وقعت في المرمى أو لا وبينه وبين المرمى خمسون متراً، ويمسك الحصى ويخذفها.
وفي السنة التي مضت رأيت شخصاً يمسك حصى في يده، وهو مغمض عينيه ويحذف بالحصى وبينه وبين المرمى مكان بعيد يستحيل أن تصل إليه، وهذا خطأ، وللأسف عندما تنبه البعض على هذا الخطأ يقول لك: ربنا غفور رحيم، هذا قد عمل الذي عليه، مع أن هذا خطأ، ولابد أن يقرب من المرمى ويرمي، ويحرص على ألا يؤذي الناس، فربما تأتي في رأس إنسان أمامه، وهذا حرام.
وكذلك لا يجزئه الرمي عن قوس، ولا الدفع بالرجل؛ لأنه لا ينطبق عليه اسم الرمي.
والرمي عبادة، فيجب على الذي يفعلها ألا يستهين بالعبادة أو يفعل أفعال المستهزئين، وتلك الأماكن أماكن عبادة، فلا بد للإنسان أن يكون فيها في غاية التواضع وفي غاية الخشوع، ولا يفعل أفعالاً تدل على أنه من المستهزئين.
وبعضهم يظن أن هذا الأفعال التي يفعلها يرمي بها الشيطان أو أنه يهينه، وهذا من الخطأ، فأنت في الرمي إنما تتبع ملة إبراهيم كما أمرنا ربنا في رمي الجمرات، وأما أنك ترمي بشيء لم يفعله النبي ﷺ فهذا خطأ.
ويشترط أن يرمي الحصيات متفرقات، فلو رمى حصاتين أو سبعاً دفعة فإن وقعن في المرمى في حالة واحدة، أو ترتبن في الوقوع حسبت حصاة واحدة، أي: أن الرمي محسوب بأنك حركت يدك، فإن حركتها بالرمي مرة واحدة فهذه رمية، أو حركتها ورميت بحصى واحدة دفعة فهي رمية، أو رميت بعشرين حصاة دفعة فهي أيضاً واحدة.
فيجب في الرمي سبع حصيات في سبع مرات، كل مرة بحصاة واحدة.
ولا تشترط الموالاة بين الحصيات، ولا الموالاة بين جمرات أيام التشريق، ولكن تستحب الموالاة، فلو رمى أربع حصيات، ثم تعب من الزحام فخرج ليستريح وبعدها رجع وبقي عليه ثلاث، فليرم بها ولا شيء عليه، حتى لو أخر هذه الثلاث من وقت الظهر مثلاً إلى وقت العصر أكمل الباقي ولا تشترط الموالاة.
وكذلك الموالاة بين الجمرات، فلو أنه في ثاني يوم من أيام العيد رمى الجمرة الصغرى، فتعب ورجع إلى الخيمة ثم جاء لرمي الجمرتين الوسطى والأخرى وقت المغرب أو العصر ورمى الباقي فلا شيء عليه.
وإذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف عندها؛ لأنه في اليوم الثاني والثالث والرابع سيرمي الجمرة الأولى ويقف للدعاء عندها وكذلك الجمرة الثانية.
وأما الجمرة الثالثة فلا يقف عندها للدعاء، وهي التي يرميها في أول يوم، وهي جمرة العقبة الكبرى.
стр. 318
نحر الهدي
بعد أن يكل الحاج الرمي ينحر الهدي إذا كان معه هدي وكان هو الذي سينحر؛ لما روى مسلم: (أن النبي ﷺ أتى الجمرة التي عند الشجرة -أي: يوم النحر- فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، والحصى مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر).
ويجوز النحر في جميع منى وفي أي موضع من منى؛ لقول النبي ﷺ : (منىً كلها منحر).
فإن لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشترى من مكانه، ولا يشترط أن يسوق الهدي من بلده إلى مكان النحر، بل يشتري من هنالك إن تيسر، وإذا لم يتيسر فليدفع الثمن إلى البنك في شيك من الشيكات.
وإن لم يكن عليه هدي واجب فأحب أن يضحي، كأن يكون قام بعمرة في رمضان، وبعد ذلك حج في أيام الحج، فهذا يعتبر مفرداً للحج، وليس عليه هدي واجب، بل يستحب أن يضحي أضحية، فهنا يجوز له أن يفعل، وقد قلنا: إن النبي ﷺ كان الواجب عليه في قرانه أن يذبح شاة واحدة، ومع ذلك نحر النبي ﷺ مائة بدنة تجزئ عن سبعمائة، فهذه المائة بدنة كسبعمائة شاة، فكل بدنة بسبع شياه.
روى مسلم عن جابر في صفة حجة النبي ﷺ : (أنه رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده)، أي: بيده الكريمة ﵊ نحر ثلاثاً وستين بدنة، قال: (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه)، أي: أن النبي ﷺ أشرك علياً معه ﵊.
ويستحب للرجل أن يتولى ذبح هديه وأضحيته بنفسه وينوي عند ذبحها، فإن كان منذوراً نوى الذبح عن هديه أو أضحيته المنذورة، وإن كان تطوعاً نوى التقرب، ولو استناب في ذبحه جاز، وهذه الاستنابة أو التوكيل في الذبح قد تكون لإنسان يذبح لك، أو أن توكل البنك في أن يقوم مكانك بذلك.
стр. 319
وقت ذبح الهدي
وقت ذبح الهدي هو وقت الأضحية، ووقت الأضحية هو بعد صلاة العيد، وإن كان الحجيج لا يوجد صلاة عيد بالنسبة لهم، ففي هذا الوقت يكونون قد رموا الجمرة، وبعد ذلك يكون النحر.
ويختص النحر بيوم العيد وأيام التشريق، ويدخل وقته بعد طلوع شمس يوم النحر ومضي صلاة العيد والخطبتين، ويخرج بخروج أيام التشريق، أما الحاج فليس عليه صلاة عيد، ولكن يضبط دخول وقت النحر بمثل هذا القدر.
وأما إن خرجت أيام التشريق ولم يذبح وعليه نذر أضحية، أو نذر هدي فعليه أن يذبح قضاء؛ لأن هذا نذر واجب.
وأما إذا كان تطوعاً فالأفضل أن يذبح، سواء كانت الأضحية تطوعاً أو الهدي تطوعاً أيضاً، فيستحب أن يذبح فيطعم الفقراء، ولكن في الأضحية لا تعتبر أضحية.
стр. 320
مكان النحر
وذبح الهدي يختص بالحرم ولا يجوز في غيره، والهدي: هو ما يهدى إلى الكعبة، فلا يكون ذلك بأن يذبحها خارج الحرم، بل هذا يختص بالحرم.
والحرم كله منحر، فحيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة، ولكن السنة في الحج أن ينحر بمنى، ولو نحر بمكة جاز ذلك، وكذلك إن نحر في المزدلفة فهو جائز، ولكن الأفضل أن ينحر في منى.
следующие страницы →